أحد أربعة أشياء:
الأول: قد كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ .
الثاني: حرف التنفيس وهو السين أو سوف فمثال السين قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ومثال سوف قول الشاعر:
١٠٦
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
стр. 387
الثالث: النفي كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ .
الرابع: لو وقل من ذكر كونها فاصلة من النحويين ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) ومما جاء بدون فاصل قوله:
١٠٧ - علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
стр. 388
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ في قراءة من رفع يتم في قول والقول الثاني أن أن ليست مخففة من الثقيلة بل هي الناصبة للفعل المضارع وارتفع يتم بعده شذوذا (١) .
وخففت كأن أيضا فنوي ... منصوبها وثابتا أيضا روي (٢)
стр. 389
إذا خففت كأن نوي اسمها وأخبر عنها بجملة اسمية (١) نحو كأن زيد قائم أو جملة فعلية مصدره بلم كقوله تعالى: ﴿َأَنْ لَمْ (٢) تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ أو مصدرة بقد كقول الشاعر:
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد (٣)
стр. 390
أي وكأن قد زالت فاسم كأن في هذه الأمثلة محذوف وهو ضمير الشأن والتقدير كأنه زيد قائم وكأنه لم تغن بالأمس وكأنه قد زالت.
والجملة التي بعدها خبر عنها وهذا معنى قوله فنوي منصوبها وأشار بقوله وثابتا أيضا روي إلى أنه قد روى إثبات منصوبها ولكنه قليل ومنه قوله:
وصدر مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان
стр. 391
فـ" ثدييه" اسم كأن وهو منصوب بالياء لأنه مثنى، وحقان خبر كأن وروي كأن ثدياه حقان فيكون اسم كأن محذوفا وهو ضمير الشأن والتقدير: كأنه ثدياه حقان وثدياه حقان: مبتدأ وخبر في موضع رفع خبر كأن، ويحتمل أن يكون ثدياه اسم ثاني كان وجاء بالألف على لغة من يجعل المثنى بالألف في الأحوال كلها.
стр. 392
لا التي لنفي الجنس
عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره (١)
هذا هو القسم الثالث من الحروف الناسخة للابتداء وهي لا التي لنفي الجنس والمراد بها لا التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كله.
وإنما قلت التنصيص احترازا عن التي يقع الاسم بعدها مرفوعا نحو لا رجل قائما فإنها ليست نصا في نفي الجنس إذ يحتمل نفي الواحد ونفي لجنس فبتقدير إرادة نفي الجنس لا يجوز لا رجل قائما بل رجلان وبتقدير إرادة نفي الواحد يجوز لا رجل قائما بل رجلان وأما لا هذه فهي لنفي الجنس ليس إلا فلا يجوز لا رجل قائم بل رجلان.
وهي تعمل عمل إن فتنصب المبتدأ اسما لها وترفع الخبر خبرا لها ولا فرق في هذا العمل بين المفردة وهي التي لم تتكرر نحو: لا غلام رجل قائم وبين المكررة نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله. (٢)
стр. 393
ولا يكون اسمها وخبرها إلا نكرة (١) فلا تعمل في المعرفة وما ورد من ذلك مؤول بنكرة كقولهم قضية ولا أبا حسن لها فالتقدير ولا مسمى بهذا الاسم لها (٢) ويدل على أنه معامل معاملة النكرة وصفه بالنكرة كقولك لا أبا حسن حلالا لها ولا يفصل بينها وبين اسمها فإن فصل بينهما ألغيت كقوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ .
فانصب بها مضافا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه (٣)
стр. 394
وركب المفرد فاتحا كلا ... حول ولا قوة والثاني اجعلا (١)
مرفوعا أو منصوبا أو مركبا ... وإن رفعت أولا لا تنصبا (٢)
стр. 395
لا يخلو اسم لا هذه من ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يكون مضافا نحو لا غلام رجل حاضر الحال الثاني: أن يكون مضارعا للمضاف أي مشابها له والمراد به كل اسم له تعلق بما بعده إما بعمل نحو لا طالعا جبلا ظاهر ولا خيرا من زيد راكب وإما بعطف نحو لا ثلاثة وثلاثين عندنا ويسمى المشبه بالمضاف مطولا وممطولا أي ممدودا وحكم المضاف والمشبه به النصب لفظا كما مثل والحال الثالث: أن يكون مفردا والمراد به هنا ما ليس بمضاف ولا مشبه بالمضاف فيدخل فيه المثنى والمجموع وحكمه البناء على ما كان ينصب به لتركبه مع لا وصيرورته معها كالشيء الواحد فهو معها كخمسة عشر ولكن محله النصب بلا لأنه اسم لها فالمفرد الذي لبس بمثنى ولا مجموع يبنى على الفتح لأن نصبه بالفتحة نحو لا حول ولا قوة إلا بالله والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما كانا ينصبان به وهو الياء نحو لا مسلمين لك ولا مسلمين فمسلمين ومسلمين مبنيان لتركبهما مع لا كما بنى رجل لتركبه معها.
وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن رجل في قولك لا رجل معرب وأن فتحته فتحة إعراب لا فتحة بناء وذهب المبرد إلى أن مسلمين ومسلمين معربان. (١)
стр. 396
وأما جمع المؤنث السالم فقال قوم مبني على ما كان ينصب به وهو الكسر فتقول لا مسلمات لك بكسر التاء ومنه قوله:
إن الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ ولا لذات للشيب
وقول المصنف وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه معناه أنه يذكر الخبر بعد اسم لا مرفوعا والرافع له لا عند المصنف وجماعة وعند سيبويه الرافع له إن كان اسمها مضافا أو مشبها بالمضاف وإن كان الاسم مفردا فاختلف في رافع الخبر فذهب سيبويه إلى أنه ليس مرفوعا بلا وإنما هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ لأن مذهبه أن لا واسمها المفرد في موضع رفع بالابتداء والاسم المرفوع بعدهما خبر عن ذلك المبتدأ ولم تعمل لا عنده في هذه الصورة إلا في الاسم وذهب الأخفش إلى أن الخبر مرفوع بلا فتكون لا عاملة في الجزأين كما علمت فيهما مع المضاف والمشبه به.
وأشار بقوله والثاني اجعلا إلى أنه إذا أتى بعد لا والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة وتكررت لا نحو لا حول ولا قوة إلا بالله يجوز فيهما خمسة أوجه وذلك لأن المعطوف عليه إما أن يبنى مع لا على الفتح أو ينصب أو يرفع.
فإن بني معها على الفتح جاز في الثاني ثلاثة أوجه:
الأول: البناء على الفتح لتركبه مع لا الثانية وتكون لا الثانية عاملة عمل إن نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله (١)
стр. 399
الثاني: النصب عطفا على محل اسم لا وتكون لا الثانية زائدة بين العاطف والمعطوف نحو لا حول ولا قوة إلا بالله ومنه قوله:
١١٠ - لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع
стр. 400
الثالث: الرفع وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون معطوفا على محل لا واسمها لأنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه وحينئذ تكون لا زائدة الثاني: أن تكون لا الثانية: عملت عمل ليس الثالث: أن يكون مرفوعا بالابتداء وليس للا عمل فيه وذلك نحو لا حول ولا قوة إلا بالله ومنه قوله:
١١١ - هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا
стр. 401
أب
стр. 402
وإن نصب المعطوف عليه جاز في المعطوف الأوجه الثلاثة المذكورة أعني البناء والرفع والنصب نحو لا غلام رجل ولا امرأة ولا امرأة ولا امرأة.
وإن رفع المعطوف عليه جاز في الثاني وجهان الأول: البناء على الفتح نحو لا رجل ولا امرأة ولا غلام رجل ولا امرأة ومنه قوله:
١١٢ - فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدا مقيم
стр. 403
والثاني: الرفع نحو لا رجل ولا امرأة ولا غلام رجل ولا امرأة (١) ولا يجوز النصب للثاني لأنه إنما جاز فيما تقدم للعطف على محل اسم لا ولا هنا ليست بناصبة فيسقط النصب ولهذا قال المصنف:
وإن رفعت أولا لا تنصبا.
ومفردا نعتا لمبني يلي ... فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل (٢)
стр. 404
إذا كان اسم لا مبنيا ونعت بمفرد يليه أي لم يفصل بينه وبينه بفاصل جاز في النعت ثلاثة أوجه:
الأول: البناء على الفتح لتركبه مع اسم لا نحو لا رجل ظريف.
الثاني: النصب مراعاة لمحل اسم لا نحو لا رجل ظريفا.
الثالث: الرفع مراعاة لمحل لا واسمها لأنهما في موضع رفع عند سيبويه كما تقدم نحو لا رجل ظريف.
وغير ما يلي وغير المفرد ... لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد (١)
стр. 405
تقدم في البيت الذي قبل هذا أنه إذا كان النعت مفردا والمنعوت مفردا ووليه النعت جاز في النعت ثلاثة أوجه وذكر في هذا البيت أنه إن لم يل النعت المفرد المنعوت المفرد بل فصل بينهما بفاصل لم يجز بناء النعت فلا تقول لا رجل فيها ظريف ببناء ظريف بل يتعين رفعه نحو لا رجل فيها ظريف أو نصبه نحو لا رجل فيها ظريفا وإنما سقط البناء على الفتح لأنه إنما جاز عند عدم الفصل لتركب النعت مع الاسم ومع الفصل لا يمكن التركيب كما لا يمكن التركيب إذا كان المنعوت غير مفرد نحو لا طالعا جبلا ظريفا ولا فرق في امتناع البناء على الفتح في النعت عند الفصل بين أن يكون المنعوت مفردا كما مثل أو غير مفرد. وأشار بقوله وغير المفرد إلى أنه إن كان النعت غير مفرد كالمضاف والمشبه بالمضاف تعين رفعه أو نصبه فلا يجوز بناؤه على الفتح ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنعوت مفردا أو غير مفرد ولا بين أن يفصل بينه وبين النعت أو لا يفصل وذلك نحو لا رجل صاحب بر فيها ولا غلام رجل فيها صاحب بر. وحاصل ما في البيتين أنه إن كان النعت مفردا والمنعوت مفردا ولم يفصل بينهما جاز في النعت ثلاثة أوجه نحو لا رجل ظريف وظريفا وظريف وإن لم يكن كذلك تعين الرفع أو النصب ولا يجوز البناء.
стр. 406
والعطف إن لم تتكرر لا احكما ... له بما للنعت ذي الفصل انتمى (١)
تقدم أنه إذا عطف على اسم لا نكرة مفردة وتكررت لا يجوز في المعطوف ثلاثة أوجه الرفع والنصب والبناء على الفتح نحو لا رجل ولا امرأة ولا امرأة ولا امرأة وذكر في هذا البيت أنه إذا لم تتكرر لا يجوز في المعطوف ما جاز في النعت المفصول وقد تقدم في البيت الذي قبله أنه يجوز فيه الرفع والنصب (٢) ولا يجوز فيه البناء على الفتح
стр. 407
فتقول: لا رجل وامرأة وامرأة ولا يجوز البناء على الفتح وحكى الأخفش لا رجل وامرأة بالبناء على الفتح على تقدير تكرر لا فكأنه قال لا رجل ولا امرأة ثم حذفت لا.
وكذلك إذا كان المعطوف غير مفرد لا يجوز فيه إلا الرفع والنصب سواء تكررت لا نحو لا رجل ولا غلام امرأة أو لم تتكرر نحو لا رجل وغلام امرأة (١) .
هذا كله إذا كان المعطوف نكرة فإن كان معرفة لا يجوز فيه إلا الرفع على كل حال نحو لا رجل ولا زيد فيها أو لا رجل وزيد فيها.
وأعط لا مع همزة استفهام ... ما تستحق دون الاستفهام (٢)
стр. 408
إذا دخلت همزة الاستفهام على لا النافية للجنس بقيت على ما كان لها من العمل وسائر الأحكام التي سبق ذكرها فتقول ألا رجل قائم وألا غلام رجل قائم وألا طالعا جبلا ظاهر وحكم المعطوف والصفة بعد دخول همزة الاستفهام كحكمها قبل دخولها.
هكذا أطلق المصنف رحمه الله تعالى هنا وفي كل ذلك تفصيل.
وهو: أنه إذا قصد بالاستفهام التوبيخ أو الاستفهام عن النفي فالحكم كما ذكر من أنه يبقى عملها وجميع ما تقدم ذكره من أحكام العطف والصفة وجواز الإلغاء.
فمثال التوبيخ قولك: ألا رجوع وقد شبت ومنه قوله:
١١٣ - ألا ارعواء لمن ولت شبيبته ... وآذنت بمشيب بعده هرم
стр. 409
ومثال الاستفهام عن النفي قولك ألا رجل قائم ومنه قوله:
١١٤ - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد؟ ... إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
стр. 410
وإذا قصد بألا التمني فمذهب المازني أنها تبقى على جميع ما كان لها من الأحكام وعليه يتمشى إطلاق المصنف ومذهب سيبويه أنه يبقى لها عملها في الاسم ولا يجوز إلغاؤها ولا الوصف أو العطف بالرفع مراعاة للابتداء.
ومن استعمالها للتمني قولهم ألا ماء ماء باردا وقول الشاعر:
ألا عمر ولى مستطاع رجوعه ... فيرأب ما أثأت يد الغفلات
стр. 411
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر (١)
стр. 412
إذا دل دليل على خبر لا النافية للجنس وجب حذفه عند التميميين والطائيين وكثر حذفه عند الحجازيين ومثاله أن يقال هل من رجل قائم فتقول لا رجل وتحذف الخبر وهو قائم وجوبا عند التميميين والطائيين وجوازا عند الحجازيين ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر غير ظرف ولا جار ومجرور كما مثل أو ظرفا أو جارا ومجرورا نحو أن يقال هل عندك رجل أو هل في الدار رجل فتقول لا رجل.
فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفه عند الجميع نحو قوله ﷺ لا أحد أغير من الله وقول الشاعر:
١١٦ - ولا كريم من الولدان مصبوح
стр. 413
وإلى هذا أشار المصنف بقوله إذا المراد مع سقوطه ظهر واحترز بهذا مما لا يظهر المراد مع سقوطه فإنه لا يجوز حينئذ الحذف كما تقدم.
стр. 414
_________
قال الاعلم: " ويجوز أن يكون نعتا لاسمها محمولا على الموضع، ويكون الخبر محذوفا لعلم السامع، وتقديره موجود ونحوه " اهـ.
وقال الزمخشري: " وقول حاتم ولا كريم إلخ يحتمل أمرين: أحدهما أن يترك فيه طائيته إلى اللغة الحجازية، والثاني ألا يجعل مصبوح خبرا، ولكن صفة محمولة على محل لا مع المنفي " اهـ.
ويريد بترك طائيته أنه ذكر خبر لا، لانك قد علمت أن لغة الطائيين حذف خبر لا مطلقا، أعني سواء أكان ظرفا أو جارا ومجرورا أم كان غيرهما، متى فهم ودلت عليه قرينة، أو كان كونا مطلقا، ويكون حاتم قد تكلم في هذا البيت على لغة أهل الحجاز الذين يذكرون خبر لا، عند عدم قيام القرينة على حذفه، أو عند تعلق الغرض بذكره لداعية من الدواعي، لكن الذي يقرره العلماء أن العربي لا يستطيع أن يتكلم بغير لغته التي درب عليها لسانه، فإذا نحن راعينا ذلك وجب أن نصير إلى الوجه الآخر
وهو أن نقدر قوله " مصبوح " نعتا لقوله " لا كريم " أي نعتا على محل لا مع اسمها وهو الرفع حتى يكون كلامه جاريا على لغة قومه، فاعرف هذا، والله يرشدك ويبصرك.
стр. 415
ظن وأخواتها
انصب بفعل القلب جزئي ابتدا ... أعني رأى خال علمت وجدا (١)
ظن حسبت وزعمت مع عد ... حجا درى وجعل اللذ كاعتقد (٢)
وهب تعلم والتي كصيرا ... أيضا بها انصب مبتدا وخبرا (٣)
هذا هو القسم الثالث من الأفعال الناسخة للابتداء وهو ظن وأخواتها.
وتنقسم إلى قسمين أحدهما أفعال القلوب والثاني أفعال التحويل فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يدل على اليقين وذكر المصنف منها خمسة رأى وعلم ووجد ودرى وتعلم.
والثاني: منهما
стр. 416
ما يدل على الرجحان وذكر المصنف منها ثمانية خال وظن وحسب وزعم وعد وحجا وجعل وهب.
فمثال رأى قول الشاعر:
١١٧ - رأيت الله أكبر كل شيء ... محاولة وأكثرهم جنودا
فاستعمل رأى فيه لليقين وقد تستعمل رأى بمعنى ظن (١) كقوله تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيدا﴾ أي يظنونه.
стр. 417
ومثال علم علمت زيدا أخاك وقول الشاعر:
١١٨ - علمتك الباذل المعروف فانبعثت ... إليك بي واجفات الشوق والأمل
стр. 418
ومثال وجد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾
ومثال درى قوله:
١١٩ - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط ... فإن اغتباطا بالوفاء حميد
стр. 419
ومثال تعلم وهي التي بمعنى اعلم (١) قوله:
١٢٠ - تعلم شفاء النفس قهر عدوها ... فبالغ بلطف في التحيل والمكر
стр. 420
وهذه مثل الأفعال الدالة على اليقين.
ومثال الدالة على الرجحان قولك خلت زيدا أخاك وقد تستعمل خال (١) لليقين كقوله:
١٢١ - دعاني الغواني عمهن وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أول
стр. 421
وظننت زيدا صاحبك وقد تستعمل لليقين كقوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ وحسبت زيدا صاحبك وقد تستعمل لليقين كقوله:
١٢٢ - حسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
стр. 422
ومثال زعم قوله:
١٢٣ - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
стр. 423
_________
= الاعراب: " إن " شرطية " تزعميني " فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بحذف النون، وياء المخاطبة فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول أول " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أجهل " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة من أجهل وفاعله في محل نصب خبر كان، والجملة من " كان " واسمها وخبرها في محل نصب مفعول ثان لتزعم " فيكم " جار ومجرور متعلق بأجهل " فإني " الفاء واقعة في جواب الشرط، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " شريت " فعل وفاعل، والجملة من شرى وفاعله في محل رفع خبر " إن " والجملة من إن ومعموليها في محل جزم جواب الشرط " الحلم " مفعول به لشريت " بعدك " بعد: ظرف متعلق بشريت، وبعد مضاف والكاف ضمير المخاطبة مضاف إليه " بالجهل "
جار ومجرور متعلق بشريت.
الشاهد فيه: قوله " تزعميني كنت أجهل " حيث استعمل المضارع من " زعم " بمعنى فعل الرجحان، ونصب به مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، والثاني جملة " كان " ومعموليها، على ما ذكرناه في إعراب البيت.
واعلم أن الاكثر في " زعم " أن تتعدى إلى معموليها بواسطة " أن " المؤكدة، سواء أكانت مخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) ، وقوله سبحانه: (بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) أم كانت مشددة كما في قول عبيد الله بن عتبة: فذق هجرها، قد كنت تزعم أنه رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم وكما في قول كثير عزة: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟ وهذا الاستعمال مع كثرته ليس لازما، بل قد تتعدى " زعم " إلى المفعولين بغير توسط " أن " بينهما، فمن ذلك بيت الشاهد الذي نحن بصدده، ومنه قول أبي أمية الحنفي، واسمه أوس: زعمتني شيخا، ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا =
стр. 424
ومثال عد قوله:
١٢٤ - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ... ولكنما المولى شريكك في العدم
стр. 425
ومثال حجا قوله:
١٢٥ - قد كنت أحجوا أبا عمرو أخا ثقة ... حتى ألمت بنا يوما ملمات