الاستثناء
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب ... وبعد نفي أو كنفي انتخب (١)
إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع ... وعن تميم فيه إبدال وقع (٢)
حكم المستثنى بـ "إلا" النصب إن وقع بعد تمام الكلام الموجب سواء
стр. 597
كان متصلا أو منقطعا نحو قام القوم إلا زيدا وضربت القوم إلا زيدا ومررت بالقوم إلا زيدا وقام القوم إلا حمارا وضربت القوم إلا
حمارا،
стр. 598
ومررت بالقوم إلا حمارا ف زيدا في هذه المثل منصوب على الاستثناء وكذلك حمارا.
والصحيح من مذاهب النحويين أن الناصب له ما قبله بواسطة إلا واختار المصنف في غير هذا الكتاب أن الناصب له إلا وزعم أنه مذهب سيبويه (١) وهذا معنى قوله ما استثنت إلا مع تمام ينتصب أي أنه ينتصب الذي استثنته إلا مع تمام الكلام إذا كان موجبا.
стр. 599
فإن وقع بعد تمام الكلام الذي ليس بموجب وهو المشتمل على النفي أو شبهه والمراد بشبه النفي النهي والاستفهام فإما أن يكون الاستثناء متصلا أو منقطعا والمراد بالمتصل أن يكون المستثنى بعضا مما قبله وبالمنقطع ألا يكون بعضا مما قبله.
فإن كان متصلا جاز نصبه على الاستثناء وجاز إتباعه لما قبله في الإعراب وهو المختار (١) والمشهور أنه بدل من متبوعه وذلك نحو: ما
قام أحد إلا زيد
стр. 600
وإلا زيدا ولا يقم أحد إلا زيد وإلا زيدا وهل قام أحد إلا زيد؟ وإلا زيدا وما ضربت أحدا إلا زيدا ولا تضرب أحدا إلا زيدا وهل ضربت أحدا إلا زيدا؟ فيجوز في زيدا أن يكون منصوبا على الاستثناء وأن يكون منصوبا على البدلية من أحد وهذا هو المختار. وتقول ما مررت بأحد
стр. 601
إلا زيد وإلا زيدا ولا تمرر بأحد إلا زيد وإلا زيدا وهل مررت بأحد إلا زيد؟ وإلا زيدا.
وهذا معنى قوله" وبعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل أي اختير إتباع الاستثناء المتصل إن وقع بعد نفي أو شبه نفي.
стр. 602
وإن كان الاستثناء منقطعا تعين النصب عند جمهور العرب فتقول ما قام القوم إلا حمارا ولا يجوز الإتباع وأجازه بنو تميم فتقول ما قام القوم إلا حمار وما ضربت القوم إلا حمارا وما مررت بالقوم إلا حمار.
وهذا هو المراد بقوله وانصب ما انقطع أي انصب الاستثناء المنقطع إذا وقع بعد نفي أو شبهه عند غير بني تميم وأما بنو تميم فيجيزون إتباعه.
فمعنى البيتين أن الذي استثني ب إلا ينتصب إن كان الكلام موجبا ووقع بعد تمامه وقد نبه على هذا التقييد بذكره حكم النفي بعد ذلك وإطلاق كلامه يدل على أنه ينتصب سواء كان متصلا أو منقطعا.
وإن كان غير موجب وهو الذي فيه نفي أو شبه نفي انتخب أي اختير إتباع ما اتصل ووجب نصب ما انقطع عند غير بني تميم وأما بنو تميم فيجيزون إتباع المنقطع.
وغير نصب سابق في النفي قد ... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد (١)
стр. 603
إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه فإما أن يكون الكلام موجبا أو غير موجب.
فإن كان موجبا وجب نصب المستثنى نحو قام إلا زيدا القوم وإن كان غير موجب فالمختار نصبه فتقول ما قام إلا زيدا القوم ومنه قوله:
١٦٧ - فمالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مذهب الحق مذهب
وقد روي رفعه فتقول ما قام إلا زيد القوم قال سيبويه: حدثني
стр. 604
يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون مالي إلا أخوك ناصر وأعربوا الثاني بدلا من الأول على القلب لهذا السبب ومنه قوله:
١٦٨ - فإنهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع
فمعنى البيت إنه قد ورد في المستثنى السابق غير النصب وهو الرفع.
стр. 605
وذلك إذا كان الكلام غير موجب نحو ما قام إلا زيد القوم ولكن المختار نصبه.
وعلم من تخصيصه ورود غير النصب بالنفي أن الموجب يتعين فيه النصب نحو قام إلا زيدا القوم.
وإن يفرغ سابق إلا لما ... بعد يكن كما لو إلا عدما (١)
إذا تفرغ سابق إلا لما بعدها أي لم يشتغل بما يطلبه كان الاسم الواقع بعد إلا معربا بإعراب ما يقتضيه ما قبل إلا قبل دخولها وذلك نحو ما قام إلا زيد وما ضربت إلا زيدا وما مررت إلا بزيد ف زيد فاعل مرفوع بقام وزيدا منصوب بضربت وبزيد متعلق بمررت كما لو لم تذكر "إلا".
стр. 606
وهذا هو الاستثناء المفرغ (١) ولا يقع في كلام موجب (٢) فلا: تقول ضربت إلا زيدا.
وألغ إلا ذات توكيد كلا ... تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا (٣)
إذا كررت إلا لقصد التوكيد لم تؤثر فيما دخلت عليه شيئا ولم تفد
стр. 607
غير توكيد الأولى وهذا معنى إلغائها وذلك في البدل والعطف نحو ما مررت بأحد إلا زيد إلا أخيك ف أخيك بدل من زيد ولم تؤثر فيه إلا شيئا أي لم تفد فيه استثناء مستقلا وكأنك قلت ما مررت بأحد إلا زيد أخيك ومثله لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا والأصل لا تمرر بهم إلا الفتى العلا فالعلا بدل من الفتى وكررت إلا توكيدا ومثال العطف قام القوم إلا زيدا وإلا عمرا والأصل إلا زيدا وعمرا ثم كررت إلا توكيدا ومنه قوله:
١٦٩ - هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
والأصل وطلوع الشمس وكررت "إلا" توكيدا.
стр. 608
وقد اجتمع تكرارها في البدل والعطف في قوله:
١٧٠ - مالك من شيخك إلا عمله ... إلا رسيمه وإلا رمله
стр. 609
والأصل: إلا عمله رسيمه ورمله ف رسيمة بدل من عمله ورمله معطوف على رسيمه وكررت إلا فيهما توكيدا.
وإن تكرر لا لتوكيد فمع ... تفريغ التأثير بالعامل دع (١)
في واحد مما بإلا استثني ... وليس عن نصب سواه مغنى (٢)
إذا كررت إلا لغير التوكيد وهي التي يقصد بها ما يقصد بما قبلها من الاستثناء ولو أسقطت لما فهم ذلك فلا يخلو إما أن يكون الاستثناء مفرغا أو غير مفرغ.
стр. 610
فإن كان مفرغا شغلت العامل بواحد ونصبت الباقي فتقول ما قام إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا ولا يتعين واحد منها لشغل العامل بل أيها شئت شغلت العامل به ونصبت الباقي وهذا معنى قوله فمع تفريغ إلى آخره أي مع الاستثناء المفرغ اجعل تأثير العامل في واحد مما استثنيته بإلا وانصب الباقي.
وإن كان الاستثناء غير مفرغ وهذا هو المراد بقوله:
ودون تفريغ مع التقدم ... نصب الجميع احكم به والتزم (١)
وانصب لتأخير وجيء بواحد ... منها كما لو كان دون زائد (٢)
كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأول (٣)
стр. 611
فلا يخلو إما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى منه أو تتأخر.
فإن تقدمت المستثنيات وجب نصب الجميع سواء كان الكلام موجبا أو غير موجب نحو قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم وما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم وهذا معنى قوله ودون تفريغ البيت.
وإن تأخرت فلا يخلو إما أن يكون الكلام موجبا أو غير موجب فإن كان موجبا وجب نصب الجميع فتقول قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا وإن كان غير موجب عومل واحد منها بما كان يعامل به لو لم يتكرر الاستثناء فيبدل مما قبله وهو المختار أو ينصب وهو قليل كما تقدم وأما با قيها فيجب نصبه وذلك نحو ما قام أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا ف زيد بدل من أحد وإن شئت أبدلت غيره من الباقين ومثله قول المصنف لم يفوا إلا امرؤ إلا علي فامرؤ بدل من الواو في يفوا وهذا معنى قوله وانصب لتأخير إلى آخره أي وانصب المستثنيات كلها إذا تأخرت عن المستثنى منه إن كان الكلام موجبا وإن كان غير موجب فجيء بواحد منها معربا بما كان يعرب به لو لم يتكرر المستثنى وانصب الباقي.
ومعنى قوله: وحكمها في القصد حكم الأول أن ما يتكرر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم المستثنى الأول فيثبت له ما يثبت للأول من الدخول والخروج ففي قولك قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا الجميع
стр. 612
مخرجون وفي قولك ما قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا الجميع داخلون وكذا في قولك ما قام أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا الجميع داخلون.
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما لمستثنى بإلا نسبا (١)
استعمل بمعنى إلا في الدلالة على الاستثناء ألفاظ منها ما هو اسم وهو غير وسوى وسوى وسواء ومنها ما هو فعل وهو ليس ولا يكون ومنها ما يكون فعلا وحرفا وهو عدا وخلا وحاشا وقد ذكرها المصنف كلها. فأما غير وسوى وسوى وسواء فحكم المستثنى بها الجر لإضافتها إليه وتعرب غير بما كان يعرب به المستثنى مع إلا فتقول قام القوم غير زيد بنصب غير كما تقول قام القوم إلا زيدا بنصب زيد وتقول ما قام أحد غير زيد وغير زيد بالإتباع والنصب والمختار الإتباع كما تقول ما قام أحد إلا زيد ولا زيدا وتقول ما قام غير زيد فترفع غير وجوبا كما تقول ما قام إلا زيد برفعه
стр. 613
وجوبا وتقول:
ما قام أحد غير حمار بنصب غير عند غير بني تميم والإتباع عند بني تميم كما تفعل في قولك ما قام أحد إلا حمار وإلا حمارا.
وأما سوى فالمشهور فيها كسر السين والقصر ومن العرب من يفتح سينها ويمد ومنهم من يضم سينها ويقصر ومنهم من يكسر سينها ويمد وهذه اللغة لم يذكرها المصنف وقل من ذكرها وممن ذكرها الفارسي في شرحه للشاطبية.
ومذهب سيبويه والفراء وغيرهما أنها لا تكون إلا ظرفا فإذا قلت قام القوم سوى زيد فسوى عندهم منصوبة على الظرفية وهي مشعرة بالاستثناء ولا تخرج عندهم عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر.
واختار المصنف أنها كغير فتعامل بما تعامل به غير: من الرفع والنصب والجر وإلى هذا أشار بقوله:
ولسوى سوى سواء اجعلا ... على الأصح ما لغير جعلا (١)
فمن استعمالها مجرورة قوله ﷺ : "دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسها" وقوله ﷺ : "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض" وقول الشاعر:
стр. 614
١٧١ - ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا
стр. 615
ومن استعمالها مرفوعة قوله:
١٧٢ - وإذ تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وقوله:
١٧٣ - ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
стр. 616
فسواك مرفوع بالابتداء وسوى العدوان مرفوع بالفاعلية ومن استعمالها منصوبة على غير الظرفيه قوله:
١٧٤ - لديك كفيل بالمنى لمؤمل ... وإن سواك من يؤمله يشقى
стр. 617
فـ"سواك" اسم إن هذا تقرير كلام المصنف.
ومذهب سيبويه والجمهور أنها لا تخرج عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر وما استشهد به على خلاف ذلك يحتمل التأويل.
стр. 618
واستثن ناصبا بليس وخلا ... وبعدا وبيكون بعد لا (١)
أي: استثن بليس وما بعدها ناصبا المستثنى فتقول قام القوم ليس زيدا وخلا زيدا وعدا زيدا ولا يكون زيدا ف زيدا في قولك ليس زيدا ولا يكون زيدا منصوب على أنه خبر ليس ولا يكون واسمهما ضمير مستتر والمشهور أنه عائد على البعض المفهوم من القوم (٢)
стр. 619
والتقدير:
ليس بعضهم زيدا ولا يكون بعضهم زيدا وهو مستتر وجوبا وفي قولك خلا زيدا وعدا زيدا منصوب على المفعولية وخلا وعدا فعلان فاعلهما في المشهور ضمير عائد على البعض المفهوم من القوم كما تقدم وهو مستتر وجوبا والتقدير خلا بعضهم زيدا وعدا بعضهم زيدا.
ونبه بقوله وبيكون بعد لا وهو قيد في يكون فقط على أنه لا يستعمل في الاستثناء من لفظ الكون غير يكون وأنها لا تستعمل فيه إلا بعد لا فلا تستعمل فيه بعد غيرها من أدوات النفي نحو لم وإن ولن ولما وما.
واجرر بسابقي يكون إن ترد ... وبعد ما انصب وانجرار قد يرد (١)
стр. 620
أي: إذا لم تتقدم ما على خلا وعدا فاجرر بهما إن شئت فتقول قام القوم خلا زيد وعدا زيد فخلا وعدا حرفا جر ولم يحفظ سيبويه الجر بهما وإنما حكاه الأخفش فمن الجر بخلا قوله:
١٧٥ - خلا الله لا أرجو سواك وإنما ... أعد عيالي شعبة من عيالكا
стр. 621
ومن الجر بعدا قوله:
١٧٦ - تركنا في الحضيض بنات عوج ... عواكف قد خضعن إلى النسور
أبحنا حيهم قتلا وأسرا ... عدا الشمطاء والطفل الصغير
стр. 622
فإن تقدمت عليهما ما وجب النصب بهما فتقول قام القوم ماخلا زيدا وما عدا زيدا ف ما مصدرية وخلا وعدا صلتها وفاعلهما ضمير مستتر يعود على البعض كما تقدم تقريره وزيدا مفعول وهذا معنى قوله وبعد ما انصب هذا هو المشهور.
وأجاز الكسائي الجر بهما بعد ما على جعل ما زائدة وجعل خلا وعدا حرفي جر فتقول قام القوم ما خلا زيد وما عدا زيد وهذا معنى قوله وانجرار قد يرد وقد حكى الجرمي في الشرح الجر بعد ما عن بعض العرب.
وحيث جرا فهما حرفان ... كما هما إن نصبا فعلان (١)
стр. 623
أي: إن جررت ب خلا وعدا فهما حرفا جر وإن نصبت بهما فهما فعلان وهذا مما لا خلاف فيه.
وكخلا حاشا ولا تصحب ما ... وقيل حاش وحشا فاحفظهما (١)
المشهور أن حاشا لا تكون إلا حرف جر فتقول قام القوم حاشا زيد بجر زيد وذهب الأخفش والجرمي والمازني والمبرد وجماعة منهم المصنف إلى أنها مثل خلا تستعمل فعلا فتنصب ما بعدها وحرفا فتجر
ما بعدها فتقول قام القوم حاشا زيدا وحاشا زيد وحكى جماعة منهم الفراء وأبو زيد الأنصاري الشيباني النصب بها ومنه اللهم اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الإصبع وقوله:
١٧٧ -
стр. 624
حاشا قريشا فإن الله فضلهم ... على البرية بالإسلام والدين
وقول المصنف: ولا تصحب ما معناه أن حاشا مثل خلا في أنها تنصب ما بعدها أو تجره ولكن لا تتقدم عليها ما كما تتقدم على خلا فلا تقول قام القوم ما حاشا زيدا وهذا الذي ذكره هو الكثير وقد صحبتها ما قليلا ففي مسند أبي أمية الطر سوسي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أسامه أحب الناس إلي ما حاشا فاطمة". (١)
стр. 625
وقوله:
١٧٨ - رأيت الناس ما حاشا قريشا ... فإنا نحن أفضلهم فعالا
ويقال في حاشا حاش وحشا.
стр. 626
_________
= سنية " فعالا " هو بفتح الفاء - الكرم، ويجوز أن تكون الفاء مكسورة على
أنه جمع فعل.
الاعراب: " رأيت " فعل وفاعل " الناس " مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه، وتقدير الكلام: رأيت الناس أقل منا، أو دوننا، مثلا " ما حاشا " ما: مصدرية، حاشا: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق " قريشا " مفعول به لحاشا " فإنا " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب، نا: اسمه " نحن " توكيد للضمير المتصل الواقع اسما لان " أفضلهم " أفضل: خبر إن، وأفضل مضاف وهم مضاف إليه " فعالا " تمييز، ويجوز أن تكون الفاء زائدة، وتكون جملة " إن " واسمها وخبرها في محل نصب مفعولا ثانيا لرأى، ولا عجب أن تزاد الفاء في المفعول الثاني، فإن أصله خبر، والفاء تزاد في خبر المبتدأ كثيرا.
الشاهد فيه: قوله " ما حاشا قريشا " حيث دخلت " ما " المصدرية على " حاشا " وذلك قليل، والاكثر أن تتجرد منها.
стр. 627
الحال
الحال وصف فضلة منتصب ... مفهم في حال كفردا أذهب (١)
عرف الحال (٢) بأنه: الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على هيئة نحو: فردا أذهب ف فردا حال لوجود القيود المذكورة فيه.
стр. 628
وخرج بقوله فضلة الوصف الواقع عمدة نحو زيد قائم وبقوله للدلالة على الهيئة التمييز المشتق نحو لله دره فارسا فإنه تمييز لا حال على الصحيح إذ لم يقصد به الدلالة على الهيئة بل التعجب من فروسيته فهو لبيان المتعجب منه لا لبيان هيئته.
وكذلك رأيت رجلا راكبا فإن راكبا لم يسق للدلالة على الهيئة بل لتخصيص الرجل.
وقول المصنف مفهم في حال هو معنى قولنا: للدلالة على الهيئة.
стр. 629
وكونه منتقلا مشتقا ... يغلب لكن ليس مستحقا (١)
ألأكثر في الحال أن تكون منتقلة مشتقة.
ومعنى الانتقال: ألا تكون ملازمة للمتصف بها نحو جاء زيد راكبا فراكبا وصف منتقل لجواز انفكاكه عن زيد بأن يجيء ماشيا.
وقد تجيء الحال غير منتقلة (٢) أي وصفا لازما نحو دعوت الله سميعا وخلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها وقوله:
١٧٩ - فجاءت به سبط العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء
فـ"سميعا" وأطول وسبط أحوال وهي أوصاف لازمة.
стр. 630
وقد تأتي الحال جامدة ويكثر ذلك في مواضع ذكر المصنف بعضها بقوله:
ويكثر الجمود في سعر وفي ... مبدي تأول بلا تكلف (١)
كبعه مدا بكذا يدا بيد ... وكر زيد أسدا أي كأسد (٢)
стр. 631
يكثر مجيء الحال جامدة إن دلت على سعر نحو بعد مدا بدرهم (١) فمدا حال جامدة وهي في معنى المشتق إذ المعنى بعه مسعرا كل مد بدرهم ويكثر جمودها أيضا فيما دل على تفاعل نحو بعته يدا بيد (٢) أي مناجزة أو على تشبيه نحو كر زيد أسدا أي مشبها الأسد فيد وأسد جامدان وصح وقوعهما حالا لظهور تأولهما بمشتق كما تقدم وإلى هذا أشار بقوله وفي مبدي تأول أي يكثر مجيء الحال جامدة حيث ظهر تأولها بمشتق.
وعلم بهذا وما قبله أن قول النحويين إن الحال يجب أن تكون منتقلة مشتقة معناه أن ذلك هو الغالب لا أنه لازم وهذا معنى قوله فيما تقدم: لكن ليس مستحقا. (٣)
стр. 632
_________
= وهي: أن تدل الحال على سعر، أو على تفاعل ومنه دلالتها على مناجزة أو على تشبيه، وقد بقيت خمسة مواضع أخرى: الاول: أن تدل الحال على ترتيب، كقولك: ادخلوا الدار رجلا رجلا، وقولك: سار الجند رجلين رجلين، تريد مرتبين، وضابط هذا النوع: أن يذكر المجموع أولا ثم يفصل هذا المجموع بذكر بعضه مكررا، فالمجموع في المثال الاول هو الذي تدل الواو عليه، وفي المثال الثاني هو الجند، والحال عند التحقيق هو مجموع اللفظين، ولكنه لما تعذر أن يكون المجموع حالا جعل كل واحد منهما حالا، كما في الخبر المتعدد بغير عاطف في نحو قولك: الرمان حلو حامض، وذهب ابن جنى إلى أن الحال هو الاول، والثاني معطوف عليه بعاطف مقدر.
الموضع الثاني: أن تكون الحال موصوفة، نحو قوله تعالى: (قرآنا عربيا) وقوله: (فتمثل لها بشرا سويا) وتسمى هذه الحال: " الحال الموطئة ".
الموضع الثالث: أن تكون الحال دالة على عدد، نحو قوله تعالى (فتم ميقات ربه أربعين ليلة) .
الموضع الرابع: أن تدل الحال على طور فيه تفصيل، نحو قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا.
الموضع الخامس: أن تكون الحال نوعا من صاحبها، كقولك: هذا مالك ذهبا، أو تكون الحال فرعا لصاحبها، كقولك: هذا حديدك خاتما، وكقوله تعالى:
(وتنحتون الجبال بيوتا) أو تكون الحال أصلا لصاحبها، كقولك: هذا خاتمك حديدا، وكقوله تعالى: (أأسجد لمن خلقت طينا) .
وقد أجمع النحاة على أن المواضع الاربعة الاولى - وهي الثلاثة التي ذكرها الشارح والموضع الاول مما ذكرناه يجب تأويلها بمشتق، ليسر ذلك، وعدم التكلف فيه، ثم اختلفوا في المواضع الاربعة الباقية، فذهب قوم منهم ابن الناظم إلى وجوب تأويلها أيضا، ليكون الحال على ما هو الاصل فيها، وذهب قوم إلى أنه لا يجب تأويلها بمشتق لان في تأويلها بالمشتق تكلفا، وفي ذلك من التحكم ما ليس يخفى.
стр. 633
والحال إن عرف لفظا فاعتقد ... تنكيره معنى كوحدك اجتهد (١)
مذهب جمهور النحويين أن الحال لا تكون إلا نكرة وأن ما ورد منها معرفا لفظا فهو منكر معنى كقولهم جاءوا الجماء الغفير.
١٨٠ - وأرسلها العراك.................
стр. 634
واجتهد وحدك وكلمته فاه إلى في فالجماء والعراك ووحدك وفاه أحوال وهي معرفة لكنها مؤولة بنكرة والتقدير جاءوا جميعا وأرسلها معتركة واجتهد منفردا وكلمته مشافهة.
стр. 635
وزعم البغداديون ويونس أنه يجوز تعريف الحال مطلقا بلا تأويل فأجازوا جاء زيد الراكب.
وفصل الكوفيون فقالوا إن تضمنت الحال معنى الشرط صح تعريفها وإلا فلا فمثال ما تضمن معنى الشرط زيد الراكب أحسن منه الماشي،