← История

История · id 9911

تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

محمد سهيل طقوش

Полный текст (492 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حطمت معركة نينوى القوى الميدانية للجيش الفارسي، ولم يعد لفارس ما كان لها من أهمية سياسية، وعسكرية في الوقت الذي كانت فيه تعاني من الإفراط في الثقة بالنفس جعلها تقف عاجزة أمام زحف المسلمين، كما أن الحملات الإسلامية التي جاءت بسرعة في أعقاب انتصار هرقل لم تسمح باستعادة التوازن الإمبراطوري، وقد أدى توالي الأزمات الداخلية، والخارجية السريعة إلى عدم الاستقرار، والتناقضات والتقلب، وهي الأمور التي فرضت على هرقل أن يظل في حالة مضطربة، صحيح أن هرقل حافظ على وحدة الإمبراطورية البيزنطية، وحال دون تفككها، إلا أنه لم يذلل الصعاب الاقتصادية التي تفاقمت من جزاء ست سنوات من الحملات العسكرية التي أدت إلى الإفلاس، ولم يتخلص من المصاعب الدينية التي أذكاها الاحتلال الفارسي. ولا شك بأن هذه الحروب بين فارس، وبيزنطية أنهكت الدولتين، واستنفدت طاقتهما دون أن تحقق لأحدهما ما كانت تهدف إليه من زعامة في الشرق الأدنى.

стр. 107

تراجع النفوذ البيزنطي من بلاد الشام عشية الفتوح الإسلامية: عوامل التراجع: يتحدث المؤرخون عن خصائص الإمبراطورية البيزنطية، وأسباب ضعفها عشية الفتح الإسلامي لبلاد الشام، والواقع أن الدراسة الموضوعية تدفعنا إلى استعراض أوضاع هذه البلاد، من خلال علاقة النبي محمد ﷺ بالقبائل الضاربة على الحدود مع الجزيرة العربية، وسياسة الدولة البيزنطية في هذه المنطقة. ويمكن للباحث أن يرصد ثلاثة عوامل في تراجع النفوذ البيزنطي، إذا استثنينا التأثير الضعيف نسبيًا للاضطرابات الدينية في الإمبراطورية على أوضاعها الداخلية، وقوتها العسكرية، على الرغم من أن ما حدث من القلاقل الدينية بسبب ما جرى من محاولة لتنفيذ قرارات مجمع خلقدونية لعام ٤٥١م١، اتخذ صفة الثورات الوطنية العنيفة، بدليل استمرار تحالف القبائل العربية النصرانية، المخالفة للعقيدة الملكانية الرسمية مع بيزنطية٢.

стр. 108

الأول عامل المفاجأة: فقد نجح البيزنطيون في حل المشكلة العربية على حدودهم الجنوبية حلًا جذريًا، بنظام الأحلاف التي عقدوها مع القبائل الضاربة على مشارف بلاد الشام، لحراسة هذه البلاد من هجمات قد تنطلق من الجزيرة العربية، وقامت القبائل المعنية بدور ناجح، واقتصرت مهمة الفرق البيزنطية النظامية المتواجدة في قواعد ثابتة، ومتفرقة على الإشراف على تنقلات القبائل، ومساعدتها في التصدي لغزوات البدو عند الحاجة، ونسي البيزنطيون بعد ذلك، عرب الجزيرة، وأنهم قد يشكلون خطرًا عليهم في المستقبل. والحقيقة أن الإمبراطور البيزنطي هرقل لم يدرك مدى خطورة الوضع على جبهته الجنوبية بعد تنامي قوة المسلمين حتى رأى نفسه يواجه، فجأة، زحفهم باتجاه بلاد الشام، ولم تنفع تدابيره التي اتخذها على عجل في وقفهم، حيث كان من الصعب تجريد الحدود مع فارس في الشرق والصقالبة، والآقار في الغرب، المعرضة للخطر، من الجنود، ونقلهم للدفاع عن بلاد الشام في ظل محدودية نقلهم، واختيار مواقعهم، وكانت أي محاولة لتدريب السكان المدنيين في هذه البلاد وتسليحهم، قضية معقدة وبطيئة، ولا يمكنها أن تواجه التهديدات الخارجية المفاجئة والعنيفة، ويعد المدى الذي يمكن للقوات النظامية أن تتكيف فيه مع الأوضاع الطبيعية والمناخية، قضية أخرى، ورأى هرقل أن أفضل وسيلة للدفاع عن بلاد الشام في القرن السابع تكمن في: - تجنيد البدو العرب المقيمين على أطراف الإمبراطورية، وبخاصة أنهم يتمتعون بصفة إضافية هي معرفة طبيعة الأرض، ومناخها بالإضافة إلى أساليب القتال. وتبنى النظرية القائلة إن خير وسيلة لقتال العرب هي استخدام عرب آخرين إزائهم، لذلك كان من الضروري لبيزنطية أن تحتفظ بصداقة بعض القبائل، وتنويع صلاتها بالعرب. - تجنيد الأرمن، والمعروف أن عدد الجيش البيزنطي النظامي في بلاد الشام لم يكن كبير الحجم، ولا يمكن للإدارة العسكرية البيزنطية توفير أكثر من عشرين ألف

стр. 109

جندي للدفاع عن هذه البلاد، في ظل الأخطار التي تتعرض لها الولايات الأخرى في آسيا، وأوروبا ومصر، ولا يمكن الحصول على جنود منها، ولم يكن ثمة مجال في البحث عن قوى عسكرية لبلاد الشام سوى أرمينية القريبة التي يمكن الاعتماد عليها. ويقودنا هذا العامل إلى ضرورة البحث في نقطتين: الأولى: التواجد القبلي في بلاد الشام عشية الفتح الإسلامي. الثانية: اهتمام النبي محمد ﷺ ببلاد الشام. ففيما يتعلق بالنقطة الأولى، فقد انتشرت بعض القبائل العربية في مناطق الحدود الفاصلة بين الجزيرة العربية، وبلاد الشام مشكلة سدًا استغلته بيزنطية لصد غارات البدو على المناطق الزراعية. فقد سكن بنو عذرة، وبنو سعد هزيم على الطريق الممتد من شمالي الحجاز إلى بلاد الشام، وامتد بعض أفخاذهم، وبطونهم إلى وادي القرى١ في الشمال، واتصلوا بالمسلمين في أواخر حياة النبي، واعتنق بعض بني عذرة الإسلام قبل غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة٢. وسكنت إراشة وهي فرع من بلي في منطقة البلقاء في الشمال، فجاورت البيزنطيين، وأقامت حلفًا معهم، وساهمت في قتال المسلمين في معركة مؤتة٣، فأرسل إليهم النبي سرية بقيادة عمرو بن العاص، فقاتلهم وفرقهم، وهي الغزوة التي عرفت بذات السلاسل٤، اضطرت بعدها إراشة إلى الدخول في الإسلام، ثم ارتدت بعد وفاة النبي٥. وأشارت روايات المصادر إلى نزول لخم بين مدين٦، وتبوك امتدادًا إلى أذرح٧

стр. 110

وانتشر اللخميون في المنطقة الواقعة غرب البحر الميت ونهر الأردن١، وسكنت قبيلة جذام في المنطقة الممتدة من تبوك إلى شرق وادي عربة، والبحر الميت حتى منطقة البلقاء، حول عمان، فتداخلت مع سكن بعض فروع لخم، شكلت هاتان القبيلتان جزءًا من التحالف القبلي الخاضع لبيزنطية الذي حارب المسلمين في معركة مؤتة، وكانت غزوة تبوك ردًا على تحرك القبائل العربية، والبيزنطيين باتجاه المناطق الجنوبية٢، ويبدو أن بعض بطون لخم هالهم قيام تحالف قبلي -بيزنطي موجه ضد إخوان لهم من العرب؛ فأسلم نفر منهم في السنة التاسعة للهجرة٣، واعتزلت حدس، وهي إحدى بطون لخم، القتال في مؤتة، لكن هذين الحدثين لا يكفيان لإقامة الدليل على قيام علاقات طيبة بين المسلمين، وقبيلة لخم. وأغرى تعاظم قوة المسلمين بعد فتح مكة بعض الجذاميين، فاعتنقوا الإسلام، وأقاموا علاقات طيبة مع المسلمين، مثل فروة بن عمرو الجذامي حاكم معان٤ من قبل بيزنطية٥، وساند بنو الضبيب، وهم رهط من جذام، اعتنقوا الإسلام، زيدًا بن حارثة عندما هاجم الجذاميين الذين اعتدوا على دحية بن خليفة الكلبي، مبعوث النبي إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل٦. ونزلت قبيلة القين -بلقين- في المنطقة الواقعة شرق ديار لخم وجذام، أي في المنطقة الممتدة من وادي تجر شمال تيماء بمحاذاة وادي السرحان، وباتجاه الشمال إلى تخوم حوران، وجاورت بلاد بلي وعذرة، وكان بنو القين من ضمن التحالف القبلي الذي حارب المسلمين في معركة مؤتة٧، ويبدو أن جماعة منهم اعتنقت الإسلام قبل وفاة النبي في السنة الحادية عشرة للهجرة، وأن النبي ولى عليهم عمرو بن الحكم٨. وفرض الغساسنة، وهم من الأزد، وجودهم في مناطق حوران، وشرق الأردن وبعض فلسطين، بعد أن تغلبوا على بني سليح الضجاعمة وكلاء البيزنطيين٩، وشعر

стр. 111

البيزنطيون بمدى قوتهم، فخشوا أن ينضموا إلى الفرس، فاستقطبوهم، وأحلوهم محل السليحيين، وعقدوا معهم حلفًا دفاعيًا هجوميًا موجهًا ضد غارات البدو، وهجمات اللخميين، وقام الغساسنة بتنفيذ الدور الذي حددته لهم بيزنطية على الرغم من أن الطرفين كانا على خلاف مذهبي، إلا أن ذلك لم يؤثر على العلاقة السياسية بينهما، وتمتع أمراء الغساسنة بلقب فيلارك١ الذي أضفاه عليهم الأباطرة البيزنطيون. شكل الغساسنة عماد التجمع القبلي اللخمي، والجذامي المعادي للمسلمين في غزوة تبوك، وقد رفض الحارث بن أبي شمر الغساني دعوة النبي إلى اعتناق الإسلام، واستمر في تحالفه مع البيزنطيين، والراجح أنه كان يخشى خطر التمدد الإسلامي باتجاه الشمال على وضع القبيلة الديني، والسياسي، وعلاقتها ببيزنطية. وسكنت بعض جماعات من الغساسنة في الجنوب، في تيماء والمدينة، وقد تأثروا بالدعوة الإسلامية، وربما كان الوفد الغساني الذي قدم إلى المدينة في العام العاشر للهجرة ليبايع النبي هو من هذه الجماعات٢. ووجدت قبائل أخرى في بلاد الشام، لكنها لم تكن على قدر من القوة، والمنعة والأهمية حتى تعيرها المصادر اهتمامًا، مثل تنوخ، وقد نزلت في أواسط بلاد الشام، وشمالها على تخوم البادية الممتدة شمالًا حتى قنسرين وحلب، وقد ساند التنوخيون البيزنطيين في معركة مؤتة، وسكنت بهراء في أواسط، وشرق بادية الشام، وامتدت ديارها حتى نهر الفرات، والراجح أنها كانت موالية لبيزنطية، وأن فئة من رجالها ديارها إلى جانب البيزنطيين في معركة مؤتة. وفيما يتعلق بالنقطة الثانية، فقد اتخذت بلاد الشام منذ العام السادس للهجرة حيزًا بارزًا في سياسة النبي محمد ﷺ الخارجية، بعد أن حسم الوضع السياسي الداخلي في الحجاز لصالحه إثر صلح الحديبية٣، وكان اهتمامه بتلك البلاد كهدف حيوي: - بوصفها أرضًا عربية مثل الحجاز. - إقامة مراكز إسلامية على الأطراف الشامية لنشر الدعوة بين القبائل العربية الوثنية منها والمتنصرة، واحتوائها تحت راية الدولة الإسلامية في المدينة، أو عقد صلح معها لتمتين النفوذ الإسلامي في تلك الربوع.

стр. 112

- فك تحالفها مع الدولة البيزنطية. - السيطرة على طريق التجارة، إذ١ إن مضاربها تعد بمثابة معاير هامة للتجارة بين بلاد الشام، وأنحاء الجزيرة العربية في الوقت الذي وصلت فيه تجارة القوافل إلى ذروة النشاط، والاستقرار. وأخذ النبي يراقب الوضع في تلك المناطق من خلال السرايا المبكرة التي كان يرسلها، والرسائل الموجهة إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل، والأمير الغساني شرحبيل بن عمرو، وصاحب بصرى١، وسائر رؤساء القبائل العربية. وبتنامي القوة الإسلامية، شعرت القبائل الموالية لبيزنطية في جنوبي بلاد الشام، بحدوث تغيير ديني وسياسي في الحجاز، على مقربة منها، تمحض عن قيام حكومة مركزية قوية في المدينة, ودخلت في طاعتها معظم قبائل الجزيرة العربية، وراحت تتطلع نحو الشمال، ورأت في هذا التطور خطرًا يهدد كيانها الديني والسياسي، لذلك وثقت علاقاتها ببيزنطية. ورأى هرقل في هذا التنامي تدخلًا في شئونه، واختراقًا لسيادته بعد انتصاره الكبير على الفرس، ومع ذلك فقد عده مجرد اندفاع قبلي، أو محاولة إمارة عربية ناشئة توسيع رقعتها الجغرافية، من ذلك النوع الذي اعتاد بدو الصحراء أن يشنوه بين وقت، وآخر على أطراف الدولة، ولا تلبث أن تتوقف تلقائيًا عندما يتصدى لها حراس الحدود من فرق الجيش الإمبراطوري، أو القبائل الموالية لبيزنطية التي تعيش على تخوم بلاد الشام. دفعت التطورات في الحجاز القبائل القاطنة في دومة الجندل٢ إلى القيام بتحرك سريع، وتزعم أكيدر بن عبد الملك الكندي النصراني تحالفًا قبليًا راح يتهيأ للزحف نحو المدينة، ولما علم النبي بتلك الاستعدادت خرج من المدينة على وجه السرعة في شهر "ربيع الأول ٥هـ/ آب ٦٢٦م"، وتوجه نحو دومة الجندل مستبقًا قوى التحالف، ولما وصل إليها لم يجد من يصطدم به، ويبدو أن أكيدر تهيب الموقف، فانسحب باتجاه الشمال، واستغل النبي وجوده في تلك المنطقة، فقام بعمليات استطلاعية٣. تعد هذه الغزوة الحلقة الأولى في سلسلة الصراع العسكري بين المسلمين، والقبائل الضاربة على تخوم بلاد الشام بخاصة، وبين المسلمين والبيزنطيين بعامة،

стр. 113

في الصراع على بلاد الشام، يؤكد هذا ما ذكره الواقدي من أنه قيل للنبي، وهو بصدد مهاجمة دومة الجندل: "إنها طرف من أفواه الشام، فلو دنوت منها لكان ذلك مما يفزع قيصر"١. وتكتفت هجمات المسلمين على المناطق الحدودية مع بلاد الشام في العام السادس للهجرة، نذكر منها سرية زيد بن حارثة التي انتهت إلى العيص٢، وتلك التي انتهت إلى حسمي وراء وادي القرى، وقد ارتبطت كسبب بدحية بن الخليفة الكلبي، وكان عائدًا من بلاد الشام بعد أن اجتمع بهرقل، فهاجمته جماعة من جذام بقيادة الهنيد بن عارض ومعه ابنه، ولا تشير الرواية إلى دور هذا الرجل، أو علاقته بالنبي إلا أن اسمه يتردد فيما بعد كمبعوث له إلى بلاد الشام حاملًا رسالته إلى هرقل، وتدل قرائن هذه المهمة الثانية أن لها علاقة بمهمة دحية الأولى، أو هي استكمال لها، بدليل أن النبي لم يتردد في إرسال قوة عسركية للانتقام له، بقيادة زيد بن حارثة، فاجأت بني جذام، وقتل زيد الهنيد وابنه٣. ويبدو أن هذه السرية لم تكن محصورة بنتائجها الثأرية، ولكنها مهدت لقيام علاقة وثيقة بين المدينة، وقبيلة جذام سيكون لها تأثيرها في مسار السياسة التي انتهجها النبي تجاه القبائل العربية٤، فقد تحدثت روايات المصادر على قدوم رفاعة بن زيد الجذامي في رهط من قومه إلى المدينة معتنقًا الإسلام، وأجرى مباحثات مع النبي تمحض عنها ما يشبه المعاهدة، لم تصلنا بنودها إنما عرفت بنتائجها، فقد وافق النبي على إطلاق سراح الأسرى، والأموال التي غنمها زيد، وأرسل عليًا بن أبي طالب مع الوفد لتنفيذ الاتفاق٥، وستهيمن روح هذه المعاهدة على المعاهدات التي سوف يعقدها النبي في المستقبل مع القبائل العربية المتنصرة. وثمة سرية أخرى خرجت في شهر "رجب ٦هـ/ كانون الأول ٦٢٧م" باتجاه وادي القرى بقيادة زيد بن حارثة٦، وقد أغفلت روايات المصادر دوافعها ونتائجها، إنما يمكن القول بأنها تتعلق بسياسة النبي الشامية.

стр. 114

وخرجت سرية في شهر "شعبان ٦هـ/ كانون الثاني ٦٢٨م"، بقيادة عبد الرحمن بن عوف باتجاه دومة الجندل لقتال قبيلة كلب النصرانية، وقد شغلت حيزًا هامًا في سياسة النبي الشامية، فقد طلب من قائدها أن يتزوج ابنة زعيم القبيلة إن استجاب هو، وقومه إلى دعوة الإسلام، وذلك بهدف استقطابهم، وتعزيزًا للعلاقات بين الطرفين، ويوضح هذا الأهمية التي يعلقها النبي على كسب قبيلة كلب إلى جانبه، فقد كانت هذه القبيلة أهم مجموعة عربية في بلاد الشام حين ظهر الإسلام كقوة سياسية, نجح عبد الرحمن في مهمته، واعتنق الإصبغ بن عمرو الكلبي الإسلام، وتبعه أكثر قومه، وتزوج من ابنته١. تكمن أهمية هذه السرية، في الدلالة على سياسية النبي التوسعية في اتجاه بلاد الشام، نظرًا لما تمثله دومة الجندل من موقع حيوي في التجارة مع هذه البلاد لا ينافسها فيه سوى بصرى٢، ويذكر بأن هذا الموقع لفت نظر النبي من قبل، فقام بغزوه في مطلع السنة الخامسة للهجرة. وتميزت السرية المعروفة بأم قرفة بدوافعها الاقتصادية الواضحة، فقد خرج زيد بن حارثة في شهر "رمضان ٦هـ/ كانون الثاني ٦٢٨م" في تجارة إلى بلاد الشام، فتعرض لاعتداء من قبل جماعة من فزارة في مكان قريب من وادي القرى، وعاد إلى المدينة، بيد أنه عاد مجددًا إلى استئناف مهمته بعد إصرار النبي، ونزل في المكان نفسه، واصطدم مع الجماعة التي اعترضه، فقتل وأسر وعاد إلى المدينة٣، ويعد هذا الاختراق لقبيلة كبيرة كفزارة ما تزال غير مكترثة حتى ذلك الحين، بالقوة الإسلامية النامية في المدينة، عملًا ناجحًا كان له وقعه الحسن بين المسلمين! ٤. الواضح أن النبي لم يتمكن في العام السادس الهجري من حسم الوضع لصالحه على الحدود الشمالية للحجاز، وهذا ما دفعه إلى استئناف حملاته، وأتاح له صلح الحديبية، التحول نحو هدفه الخارجي، وهو مطئمن على وضعه الداخلي. ومن جهة أخرى شهدت الجبهة القبلية -البيزنطية بعض الارتباك؛ إذ تزعزعت ثقة القبائل العربية ببيزنطية، بفعل محاولتها تغيير المعادلة في العلاقات الثنائية من واقع فرض سيطرتها المباشرة عليها، وتخفيف مساعداتها المالية لها، مما أسهم في تراجع الروح المعنوية لدى القبائل التي نشأت على الاستقلال، ورفض التدخل الخارجي في

стр. 115

شئونها إلا ما كان في إطار التحالفات، والمصالح الخاصة، كما أن الاختلاف المذهبي أسهم في خلق وعي لديها تجاه الإسلام على الرغم من أنها وجدت فيه تحديًَا عقائديًا يفوق، مبدئيًا، التحدي البيزنطي، من هذا المنطلق تكتسب غزوات المسلمين نحو الشمال، بعد صلح الحديبية، تلك الأهمية التي فرضتها إعادة ترتيب مواقع النفوذ البيزنطي في الأطراف الشمالية١. استأنف النبي نشاطه الجهادي في الشمال بعد صلح الحديبية، فأرسل كتابين، أحدهما إلى الإمبراطور البيزنطي، والآخر إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم بلاد الشام، وتطرق في الكتاب الذي أرسله إلى هرقل إلى أوضاع القبائل العربية الموالية لبيزنطية، الأمر الذي آثار الإمبراطور البيزنطي، ودفعه إلى استنفار قواته وحلفاته من العرب: "فلا تحل بين الفلاحين، وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية". وقد وردت أيضا عبارة الأريسيين محل الفلاحين، أي أتباع آريوس، وهم أصحاب المشيئة الواحدة المعارضة للمذهب الملكاني الذي اعتنقه البيزنطيون، إذ كانت القبائل العربية المنتصرة على مذهب الآريوسية الذي حمل اسم اليعقوبية فيما بعد، كما وردت لفظة الأكاريين للدلالة على أولئك الذين يعملون بحراثة الأرض وزراعتها٢. وهكذا ستحمل هذه المرحلة الجديدة اهتمامًا أكثر من جانب النبي بأمور بلاد الشام، وستتوج سياسته هذه بغزوتي مؤنة، وتبوك في العامين الثامن والتاسع الهجريين. ففيما يتعلق بغزوة مؤنة، فإن أسبابها مرتبطة بالتحولات التي أسفرت عنها عودة البيزنطيين إلى بلاد الشئام من واقع سياسة هرقل الجديدة نحو القبائل العربية، والعمل على احتوائها بصورة مباشرة، وكان احتكاك المسلمين بعدد من هذه القبائل، وبخاصة كلب وجذام وقضاعة وفزارة، قد أثار حفيظة الإمبراطور، وعده تحريضًا لها على الخروج على السيادة البيزنطية٣، كما أن مواقف هذه القبائل المعادية للنبي والمسلمين، والتي اتخذت صفة الغدر برسله إلى بلاد الشام؛ دفعته للعمل على تأديبها. كان حادث اعتراض شرحبيل بن عمرو الغساني لمبعوث النبي الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصري، وقتله عند قرية مؤتة؛ هو الذي فجر الوضع العسكري في وقت بلغ فيه التوتر ذروته بين الطرفين، وتجلى ذلك في سرعة المبادرة في إعداد

стр. 116

حملة من ثلاثة آلاف مقاتل لتأديب القبائل العربية إن لم تستجب لدعوة الإسلام، وإشعارها بقوة الدولة الإسلامية، وقدرتها على ردع المعتدين والغادرين، وأوصى قائدها: "إن لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأيتهن ما أجابوك إليها، فاقبل منهم واكفف عنهم، الدخول في الإسلام، أو إعطاء الجزية أو القتال"١. وأدرك النبي مدى الخطر الذي يهدد الحملة أمام القوات البيزنطية وخلفائها، فسمى ثلاثة قادة يخلف الواحد منهم الآخر في حال استشهاده، وهم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة٢. حشد هرقل، الذي كان يتتبع أخبار تحرك المسلمين من مقره في أنطاكية، قوة عسكرية بيزنطية بقيادة أخيه تيودور زحفت باتجاه الجنوب، وعسكرت في مؤاب من أرض البلقاء، وانضمت إليها في هذا المكان قوات عربية موالية من بهراء، ووائل بن بكر ولخم، وجذام تقدر بمائة ألف مقاتل٣. خرجت الحملة الإسلامية من المدينة في شهر "جمادى الأولى ٨هـ/ أيلول ٦٢٩م"، وعسكرت في مدينة معان في طرف بادية الشام من أرض البلقاء، وترامت إلى مسامع قادتها أنباء الحشود الضخمة التي حشدها هرقل، فعقدوا مجلسًا حربيًا للتشاور في أمر الحرب، وقرروا المضي في مهمتهم، فانحازوا إلى قرية مؤتة ليتحصنوا بها، وجرى اللقاء بين الطرفين في هذه القرية٤. والواقع أن الحملة كانت أقرب إلى أن تكون حملة استطلاعية منها إلى حملة هدفها الدخول في صدام مسلح غير متكافئ، على الرغم من وصية النبي لقادتها بقتال المشركين، بدليل قلة الخسائر التي لم تتجاوز عشرة قتلى بالإضافة إلى القادة الثلاثة، وانعدام تفاصيل تتعلق بسير القتال وطبيعته، والمعروف أن خالد بن الوليد تسلم قيادة الجيش بعد استشهاده القادة الثلاثة، وتراجع من ساحة المعركة وفق خطة تكتيكية، وعاد إلى المدينة٥. لكن ذلك لا يعني التقليل من أهمية المواجهة من جانب المسلمين، حيث كان لاستشهاد القادة الثلاثة تأثير عميق في المدينة، كما شكلت حافزًا جديدًا للاستمرار في هذه السياسة، ولم ير النبي فيها إخفاقًا، أو تراجعًا لمشروعه "ليسوا بالفرار، ولكنهم

стр. 117

الكرار إن شاء الله تعالى"،١ أما من الجانب البيزنطي، فقد كانت جزءًا من عملية استطلاع تنظيمي لمناطق خلت من عمليات عسكرية مدة عقدين، كان البيزنطيون خلالها يحاولون تثبيت سلطتهم في مناطق تخلي عنها الفرس على امتداد التخوم الجنوبية لبلاد الشام، معتمدين على مساعدة القبائل العربية المتحالفة معهم، وكان تيودور هو الذي أقنعه بإرسال وحدات قتالية إلى هناك كإجراء احترازي، إزواء تهديد المسلمين الوشيك. وتشير الروايات الواردة عن معركة مؤتة إلى أن البيزنطيين استعادوا نوعًا من السلطة في تلك المناطق البعيدة نسبيًا الواقعة شرقي نهر الأردن من أجل: - المحافظة على جناح فلسطين. - الاستجابة لمطالب السكان المحليين للحماية. - عودة الإمبراطورية إلى الحدود السابقة. - حماية الحجاج النصارى إلى بيت المقدس، وإلى جبل نبو، وهو المكان الوحيد الذي يقصده الحجاج في شرقي نهر الأردن. - تأمين طرق التجارة مع البدو، وسكان سواحل البحر الأحمر، بفعل تذمر التجار الذين كانوا يتأذون من انعدام الأمن. مما أثار النبي محمد ﷺ ، ودفعه إلى اتخاذ قرار بإرسال حملة إلى تبوك في شمالي الحجاز، وواحة دومة الجندل. وهكذا فإن حتمية مواجهة الخطر الذي فرضته التعبئة البيزنطية الواسعة في البلقاء، كانت أبرز دوافع هذا التحرك الإسلامي المضاد، تفاديًا لإثارة المشكلات الداخلية في الجزيرة العربية، وحفاظًا على انتصارات المسلمين في الداخل، وشمولية الدعوة الإسلامية. وفي غمرة هذه التحولات، أرسل النبي حملة أخرى إلى بلاد الشام بقيادة عمرو بن العاص بعد نحو شهر، عندما بلغه أن حشودًا من بلي، وقضاعة وعاملة وكلب وغسان، ولخم وجذام تجمعت بهدف غزو المدنية، وهي التي عرفت بغزوة ذات السلاسل، وقد بلغ عديدها ثلاثمائة مقاتل، وبفعل الحشود القبلية الضخمة التي صادفها عمرو، طلب نجدة عاجلة من المدينة، فأمده النبي بمائتي مقاتل بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وبعد عدة اصطدامات مع جماعات قبلية عادت الحملة إلى المدينة٢.

стр. 118

غطت هذه الحملة بنتائجها الإيجابية، والمتمثلة بفرض الوجود الإسلامي بعد الانتشار الواسع للمسلمين في هذه المناطق، وتهديد بلاد الشام، وإن يشكل غير مباشر؛ النتائج السلبية لغزوة مؤتة، وأعادت الثقة إلى نفوس المسلمين في المدينة. ووصلت إلى مسامع النبي، بعد عودته إلى المدينة في "أواخر ٨هـ/ أوائل ٦٣٠م"، في أعقاب فتح مكة وانتصاره في حنين؛ أنباء عن حشود بيزنطية -عربية مشتركة بهدف القيام بهجوم على المدينة، والقضاء على الدولة الإسلامية الناشئة، قبل أن يشتد ساعدها، وتشكل خطرًا جديًا على الوجود البيزنطي في بلاد الشام؛ فقرر التصدي لها، فخرج من المدينة في شهر "رجب ٩هـ/ تشرين الأول ٦٣٠م" على رأس جيش يقدر بثلاثين ألف مقاتل، ووصل إلى تبوك، وهي إحدى المحطات التجارية على الطريق التجارية بين وادي القرى، وبلاد الشام١. ويبدو أن قوى التحالف تهيبت الموقف، فآثرت الانسحاب باتجاه الشمال، مستهدفة في الوقت نفسه جر القوات الإسلامية إلى عمق الأراضي الشامية، والانقضاض عليها هناك، لكن النبي لم يتح للمتحالفين تحقيق هدفهم، وعسكر في تبوك جاعلًا إياها آخر نقطة في توغله شمالًا. وراح النبي يتصل بزعماء القبائل النصرانية المنتشرة في المنطقة في محاولة لاستقطابهم، وفك تحالفهم مع بيزنطية، وفعلًا وفدت عليه وفود القبائل المجاورة، وصالحته على الجزية نذكر منهم يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة٢، ووفود من جرباء٣ وأذرح ومقنًا٤، وأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك أمير دومة الجندل، فقاتله وأسره وقدم به إلى المدينة، فعفا عنه النبي وصالحه على الجزية٥. الواقع أن النبي حقق بحركته الصعبة تلك، انتصارًا على الجبهة الشمالية، فقد استقطب عددًا من القبائل العربية القاطنة في جنوبي بلاد الشام، وربطها بالدولة الإسلامية التي أظهرت تفوقًا أمامها، وامتد نفوذ هذه الدولة إلى عمق المناطق التي كان سكانها يعملون لصالح البيزنطيين، ويؤدون دورًا خطيرًا في مقاومة امتداد الإسلام

стр. 119

باتجاه الشمال، ويعد خضوع هذه القبائل، وقطع علاقاتها ببيزنطية فتحًا لمنافذ الطرق إلى بلاد الشام، وبعثًا لروح المقاومة والتحرير في نفوس العرب، ويذكر الأزدي١. أن لخمًا وجذامًا وغسانًا، وعاملة والقين وقبائل من قضاعة، اشتركوا مع المسلمين في معركتي أجنادين٢ واليرموك٣، كما تعد المعاهدات التي عقدها النبي مع هذه القبائل بمثابة اعتراف بالقوة الإسلامية الناشئة، كما يصح عدها نواة الفتوح الإسلامية لبلاد الشام في عهد أبي بكر الصديق٤. وجهز النبي، بعد عودته إلى المدينة من غزوة تبوك، حملة أخرى بقيادة أسامة بن زيد لإرسالها إلى التخوم الشمالية، والواضح أنه لم يستهدف فتح بلاد الشام، أو الدخول في معركة سافرة مع البيزنطيين بدليل أنها تألفت من ثلاثمائة مقاتل فقط، وإنما هدف أن تكون أشبه بمناورة عسكرية، وإظهار قوة المسلمين أمام القبائل التي ما تزال تساند البيزنطيين، لكن النبي توفي قبل أن تنطلق الحملة٥. الثاني: التغيير الإداري عندما تسلم هرقل زمام الحكم في القسطنطينية في عام ٦١٠م، كان الخراب والدمار قد حلا بالإمبراطورية، وساءت أحوال البلاد الاقتصادية والمالية، وأصاب الشلل أجهزة الإدارة الحكومية، وأضحى النظام العسكري الذي يستند على تجنيد المرتزقة، عديم الفائدة، بعد أن عجزت الدولة، عن تجنيد المرتزقة بفعل فراغ الخزانة من الأموال، ويكمن دور المال هنا في تجنيد العرب للخدمة في الجيس البيزنطي، وضمان استمرارهم فيه، وازدادت أهميته مع تنامي الدولة الإسلامية، وتهديدها للمناطق الجنوبية من بلاد الشام، وتعرضت الأقاليم الكبيرة الواقعة في وسط الإمبراطورية لغارات الأعداء، فاستقر الصقالبة، والآقار في البلقان، في حين وطد الفرس وجودهم في قلب آسيا الصغرى، ولم يكن ثمة وسيلة لإنقاذ الإمبراطورية، التي أضحت بحاجة ماسة للدفاع عن نفسها، سوى قيام حركة إصلاح داخلية.

стр. 120

وفي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية تتعرض للضغط الخارجي، وسوء الأحوال الداخلية، انصرف هرقل إلى القيام بإصلاحات بالغة الأهمية، وهبتها قوة جديدة، لقد التفت في بادئ الأمر إلى إعادة تنظيم أقاليم الدولة بما أدخله من نظام الأجناد، وترتب على ذلك التخلص من أسس النظام الإداري الذي وضعه الإمبراطوران دقلديانوس وقسطنطين، والذي لم يعد ملائمًا لسد حاجات العصر١. وجرى تقسيم الأراضي التي لم يمسها العدو بالضرر إلى أقاليم عسكرية كبيرة، وهي المعروفة بالأجناد، يتولى حكم كل منها قائد عسكري، وبذلك اتخذت التنظيمات الإدارية الجديدة طابعًا عسكريًا خالصًا٢. ويتمثل هذا النظام في استقرار الجند في أقاليم آسيا الصغرى، وبلاد الشام، ولذا جرى إطلاق لفظ أجناد على الأقاليم العسكرية التي نشأت بعد ذلك، وأضحى هذا اللفظ الذي كان يطلق على لواء من الجند، يطلق على الأرض التي تشغلها القوات العسكرية، وتقرر منح الجند مساحات من الأرض كحل للاضطراب المالي بشرط أن تكون الخدمة العسكرية مقابل ذلك وراثية. قسم هرقل آسيا الصغرى إلى أربعة أجناد هي: الأرمنياك ويقع إلى الشمال الشرقي، ويتاخم أرمينية، والأبسيق الذي يقع قرب بحر مرمرة على الساحل الغربي، والكاراباسيني، ويقع على الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى، والناطليق ويقع في المنطقة الشرقية، أما الأقاليم الواقعة إلى الشرق، والجنوب من هذه الجهات، فكانت في أيدي الفرس لذلك لم يشملها نظام الأجناد٣. ويعد نظام الإقطاع العسكري الأساس الذي قام عليه جيش وطني قوي، وهو الذي حرر الإمبراطورية مما تفتقر إليه من الجند المرتزقة الذين يكلفون الدولة أموالًا طائفة، وغدا الجند الفلاحون الذين حصلوا على إقطاعات مقابل الالتزام بالخدمة العسكرية، والنازلون في الإقطاعة، عنصرًا ثابتًَا في قوات الجيش البيزنطي، وأمدتهم إقطاعاتهم بالوسائل الاقتصادية التي تكفل لهم سبل العيش، فكان كل منهم يخرج إلى الحرب بسلاحه وفرسه٤، ومن النتائج التي ترتبت كذلك على قيام هذا النظام أن أصبح من اليسير تجنيد جيش من داخل الإمبراطورية البيزنطية يتراوح عديده بين

стр. 121

مائة وثلاثة عشر ألفًا، ومائة وثلاثين ألفًا موزعين على مختلف المناطق التي تشكل الإمبراطورية. وحل نظام الأجناد محل نظام حكومات الأقاليم الذي فقد أهميته، والذي كان يعد من أهم مظاهر الإدارية البيزنطية، ونتج عن ذلك أن تغلبت الصفة العسكرية على إدارة الإمبراطورية، وأعيد النظر بتنظيم القوات المسلحة، وأتاح هذا التغيير إلى قلب المعادلة العسكرية لصالح البيزنطيين أمام الفرس١. غير أن هذا النظام الجديد لم يترسخ في بلاد الشام بفعل قصر المدة بين إقراره، ووقوع هذه البلاد بأيدي المسلمين، وبالتالي لم يتح لهذا الإقليم أن يستفيد من إيجابياته، وفوجئ البيزنطيون بالزحف الإسلامي باتجاه بلاد الشام، وهم في حالة انتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد المستحدث. الثالث: النظام الضريبي، وأثره على الحياة العامة تعود أسس النظام الضريبي في الدولة البيزنطية إلى أيام الإمبرطورين دقلديانوس وقسطنطين، وكانت الضرائب المفروضة على المدن، والقرى في بلاد الشام على نوعين: ضرائب نظامية، وضرائب طارئة لمواجهة أوضاع خاصة، وأهم الضرائب النظامية اثنتان: الأولى: ما يفرض على الأرض، وتقدر بنسبة معينة من قيمتها، ثم قدرت بنسبة "١٢.٥%" من المحاصيل. الثانية: ضريبة الرأس. أما الضرائب الطارئة فتفرض في مناسبات خاصة، وتعد أكثر إرهاقًا لطبقة الشعب من الضرائب النظامية، مثل ضريبة الحرب في أيام الإمبراطور هادريان، وضريبة التاج، وضريبة الطعام لسد الحاجات المتغيرة للحاميات، وللإدارة الرومانية، وأضيفت ضريبة الأرض إلى ضريبة الرأس في عهد قسطنطين، فأضحى مجموع الوحدات التي تجمع بين الناس والأرض، أساساً للتقدير، وهذا يعني ربط الإنسان بالأرض٢. ويبدو أن هذا النظام الضريبي لم يعد يفي بسد حاجات الدولة بسبب كثرة النفقات العسكرية الإدارية، وسبب عيوب النظام الإداري انتشار الفساد، وتفشي

стр. 122

السرقة، وابتزاز الأموال، وأدى ذلك إلى الفقر والخراب، وأثار الاضطرابات الداخلية، وفقدان الأمن. وما حدث في الإمبراطورية بعد ذلك، من مشكلات اجتماعية، وتراجع الزراعة بفعل الحروب المستمرة في الخارج، والثورات الداخلية، دفع بالإمبراطور جستنيان إلى حل المشكلات المالية من خلال إصلاح النظام الضريبي، ففرض على رعاياه أن يدفعوا كل ما للحكومة من ضرائب، وأمر بمسح الأرض، وقسمها إلى وحدات متساوية في قيمة الإنتاج بغض النظر عن مساحتها، تدفع كل وحدة منها ضريبة ثابتة، ثم أحصى السكان في القرى، وفرض عليهم ضريبة الرأس، وتحددت قيمة الضريبة في بلاد الشام على الذكور من ١٤ إلى ٦٥ عامًا، وعلى الإناث من ١٢ إلى ٦٥ عامًا١. وحصل الملاكون الكبار على حق جباية الضرائب المستحقة على ضياعهم، ودفعها إلى الخزينة المركزية مباشرة مما جعل سلطة الجباة عليهم منعدمة، وكلف المجلس البلدي في كل قرية بجمع الضرائب من القرى التابعة للمدينة وتوزيعها، ولقد ساهم سكان القرية في دفع الضرائب. نتج عن هذا النظام، أن تحمل الفلاحون، والمزارعون العبء الأكبر من الضريبة، وربطوا هم، وأسرهم بالأرض التي سجلوا عليها، وذلك بهدف تيسير جمع الضرائب، ولضمان زراعة الأرض، كما أن سوء الجباية وتعسف الجباة دفع صغار الملاكين إلى طلب حماية كبار الملاكين؛ ليتولوا مسئولية دفع الضرائب عنهم مقابلت نازلهم لهم عن أملاكهم، فأصبحوا بذلك مزارعين مرتبطين بالأرض، وعمد الملاكون الكبار من جهتهم إلى مضايقة الملاكين الصغار، ودفعهم إلى طلب حمايتهم بهدف توسيع ملكياتهم، ومع أن السلطات الإمبراطورية لم تكن تشجع الحماية، وحاولت الحد منها، إلا أنها اعترفت بها في أوائل القرن الخامس الميلادي، كأمر واقع وكحل لمشكلة الضائقة الاقتصادية٢. ومن الأمثلة التي يسوقها المؤرخون المتعلقة بالظلم الاجتماعي في بلاد الشام المرتبط أساسًا بالنظام المالي، أن أبا عبيدة بن الجراح استعمل حبيبًا بن مسلمة على خراج حمص بعد أن فتحها المسلمون بموجب الصلح الذي عقد بين الطرفين، وكان من أهم بنوده أن منح الأمان لأهل المدينة مقابل "سبعين ألف دينار عاجلة، وعلى أداء الجزية عن كل محتلم في كل سنة أربعة دنانير"٣.

стр. 123

وعندما اضطر المسلمون للجلاء عن حمص قبل معركة اليرموك، طلب أبو عبيدة من عامله على الخراج أن يعيد ما كان قد أخذه من أهل حمص إليهم، "فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئًا"١. واجتمع حبيب بن مسلمة بأهل حمص ورد عليهم ما لهم، فقالوا له: "ردكم الله إلينا، ولعن الذين كانوا يملكوننا من الروم، ولكن والله لو كانوا هم ما ردوا علينا بل غصبونا، وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا، لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم، والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"٢. الجيش البيزنطي ٣: عندما بحثنا في أوضاع الإمبراطورية الفارسية، تناولنا أوضاع الجيش الفارسي من حيث تشكيلاته، وعدته وتكتيكه العسكري، وحتى نستكمل الدراسة العسكرية للقوى المسلحة التي واجهها المسلمون أثناء الفتوح، نبحث هنا أوضاع الجيش البيزنطي. لقد وضع الإمبراطور موريس، والقائد بلزاريوس أساس الجيش البيزنطي، وزاد الإمبراطور هرقل من كفاءته، وقدرته القتالية، وانتصر به على الفرس، والصقالبة والآفار. أعاد الإمبراطور موريس تنظيم الهيكل العام للجيش، ووضع أسس التجنيد، ورفع عديد الوحدة القتالية إلى أربعمائة، وجعلها الوحدة الأساسية للجيش، ثم جمع عددًا من هذه الوحدات في مجموعة واحدة يتراوح عديدها بين ستة وثمانية آلاف، وسماها "الفرقة". وتشكل فرقة الفرسان الثقيلة عماد الجيش البيزنطي بما لها من أهمية كبيرة، ويرتدي الفارس قميصًا معدنيًا من رقبته حتى الفخذين، ويحمل درعًا مستديرًا، كما يرتدي قلنسوة على رأسه، وقفازًا طويلًا يغطي اليدين إلى ما بعد الرسغ، وينتعل حذاء من الصلب، وزودت جياد الضباط، وقوات الخط الأمامي بمقدمة حديد لحمايتها، وجهزت الجياد بسروج مريحة، وركاب حديدي. يستخدم الفارس أثناء القتال سيفًا عريضًا، وخنجرًا وقوسًا، ويحمل جعبة مملوءة بالسام وحربة طويلة، ويثبت بلطة في سرج جواده أحيانًا.

стр. 124

وكان الزي العسكري موحدًا، يشتمل على معطف، وعلم مثلث على رأس الرمح، وخصلة من الشعر على الخوذة. والواقع أن هذا اللباس العسكري للفرسان، الذي اتصف بثقل الوزن، شكل عاتقًا أثناء العمليات القتالية أمام القوى الإسلامية التي اتصف مقاتلوها بخفة الحركة، إذ حد من حرية حركة الفارس، وحرمه من الاستفادة من كفاءته القتالية، ولياقته البدنية. وانقسمت فرقة المشاة في الجيش البيزنطي إلى قسمين: الأولى: فرقة المشاة الثقيلة، ارتدى أفرادها رداء معدنيًا، وقفازات طويلة، ودروعًا للساق، وخوذة حديدية من الأمام، وحملوا دروعًا مستديرة كبيرة، وشكل الرمح والسيف، والبلطة سلاحهم الهجومي، وكان هذا اللباس عائقًا ميدانيًا لهذه الفرقة من المشاة تمامًا مثل فرقة الفرسان الثقيلة. الثانية: فرق المشاة الخفيفة، واقتصرت مهماتها العسكرية على الدفاع عن الممرات، والمناطق الجبلية، وحماية القلاع، والمدن الهامة، وشكل الرماة عماد هذه الفرقة. ويتناسب تنظيم الوحدات العسكرية مع التكتيل الذي ينفذونه أثناء القتال، وهو أسلوب مرن يتغير من معركة إلى أخرى، ويحدد من قبل القادة بالاستناد إلى أسلوب العدو القتالي. وكان هناك سلم لرتب الضباط، أما المصطلحات الفنية المستخدمة في الجيش البيزنطي، فكانت خليطًا من الكلمات الرومانية، واليونانية واللاتينية. وعرفت بيزنطية نظام الكتائب في التكتيك القتالي القائم على سلاحي الفرسان والمشاة، وذلك بعد أن أخذته عن اليونان، إلا أن في العصر الإسلامي الأول، كانت جيوش بيزنطية تقسيم إلى فرق تسمى كراديس بضم كل منها زهاء ستمائة جندي١.

стр. 125

خريطة العراق

стр. 126

خريطة خطة أبي بكر لفتح العراق

стр. 127

الفصل الخامس: الفتوح في عهد أبي بكر فتوح العراق: تمهيد: ترتبط البدايات الأولى لفتح العراق بانتهاء حروب الردة، فقد وجد المسلمون أنفسهم على حدود هذا البلد، حيث طارد المثنى بن حارثة الشيباني فلول المرتدين حتى دخل جنوبي العراق، فاستأذن أبا بكر في غزوه، وطلب منه أن يؤمره على قومه ليقاتل بهم الفرس، فكان له ما أراد١، ويذكر أنه حدث في مطلع القرن السابع الميلادي، ما جعل العراق أرضًا ممهدة، ومهيأة للعمليات العسكرية، فقد تدهورت العلاقات بين الفرس، وبين عرب العراق لا سيما قبيلة بكر بن وائل التي ينتسب إليها المثنى، وفي الحديث عن فتوح العراق نقرأ في روايات المصادر ما يفيد بأن كلا من المثنى، وخالد بن الوليد، كان حريصًا على أن يبدأ بفتح المناطق التي تنزلها قبائل عربية. حشد المثنى جيشًا من قومه، وراح يغير على أسفل العراق، على نواحي كسكر٢ تارة، وعلى أسفل الفرات تارة أخرى، وبعد عدة عمليات ناجحة تبين له خلو المنطقة من مقاومة جدية. لفت هذا النجاح المبدئي نظر أبا بكر، وأدرك الوضع المتهاوي الذي تتخبط فيه دولة الفرس، وأنه حان الوقت لغزو أراضيها، وضمها إلى الدولة الإسلامية، فوضح خطة عسكرية تقضي بفتح كافة البلدات ابتداء من الأبلة في الجنوب حتى المصيخ٣ في الشمال في خط مواز لشهر الفرات، وتطهير منطقة غربي الشهر من القوات

стр. 128

الفارسية والعربية الموالية للفرس، وبذلك ثقف جيوش المسلمين على حدود لا تبعد أكثر من خمسين كيلو مترًا مخن المدائن، وهي الهدف الأسمى. يتطلب تنفيذ هذه الخطة إرسال جيشين، يقوم أحدهما بعبور شبكة الأنهار إلى المدائن، ويكون الآخر عونًا له، وحاميًا لمؤخرته، على أن يدخلا المنطقة من ناحيتين مختلفتين، ويلتقيان في الحيرة، فكتب إلى خالد بن الوليد، وكان آنذاك في اليمامة، يأمره بالتوجه إلى العراق لمحاربة الفرس على أن يبدأ بالأبلة، كما كتب إلى عياض ابن غنم، وكان بالفراض١ يأمره بغزو العراق من أعلاه على أن يبدأ بالمصيخ، حتى يلقى خالدًا على أن تكون القيادة لمن يصل إلى الحيرة أولًا، وأمرهما بأن لا يكرها أحدًا على المضي معهما٢، وبهذه الخطة العسكرية الذكية يكون أبو بكر قد حصر القوات الفارسية الموجودة في العراق بين فكي الكماشة بحيث تواجه أحد الجيشين، وهي مهددة من خلفها بالجيش الآخر، مما يسبب لها الارتباك. انطلق القائدان، كل في الطريق المحدد له، ونفذ خطة الخليفة بتفاصيلها، ولكن قواتهما تناقصت نتيجة عدم رغبة بعض الجنود بقتال الفرس، فكتبا إلى الخليفة يطلبان مددًا، فأمد خالدًا بالقعقاع بن عمرو التميمي، وعياضًا بعبد بن عوف الحميري، وأوصاهمتا باستنفار من قاتل المرتدين، ونهاهما عن الاستعانة بمرتد، كما استنصرهما بالمثنى٣. نزل خالد في النباج وكتب إلى المثنى، وكان بـ"خفان"٤، أن ينضم إليه مع قواته البالغ عديدها ثمانية آلاف مقاتل فأثمر بأمره، كما كتب إلى أمراء الجند المنتشرين في المنطقة بأن ينضموا إليه، ففعلوا، وكانت تحت إمرتهم ثمانية آلاف مقاتل أيضًا، فبلغ عديد جيشه عندما دخل إلى العراق ثمانية عشر ألف مقاتل٥. معركة ذات السلاسل: سار خالد إلى الأبلة في شهر "محرم ١٢هـ/ أواخر آذار ٦٣٣م"، وعندما اقترب من مشارفها كتب إلى حاكمها هرمز يدعوه إلى إحدى الخصال الثلاث: الإسلام أو

стр. 129

الجزية أو الحرب١، وهو بهذا يستوفي ركنين شرعيين: الأول: أداء واجب الدعوة قبل الحرب. الثاني: إعلان الحرب في حال الرفض٢. بالإضافة إلى إحداث أثر نفسي بإلقاء الرعب في قلب عدوه بما اشتمل عليه الكتاب من تهديد ووعيد٣. رسم خالد خطته العسكرية على أساس دخول العراق من أربعة محاور على أن تلتقي الفرق العسكرية الأربع في الحفير٤، وعندما علم هرمز بزحف المسلمين تصرف على محورين: الأول: كتب إلى الإمبراطور قباذ الثاني شيرويه، وإلى أردشير بن شيرويه يخبرهما بالوضع الميداني المستجد. الثاني: عبأ قواته، وزحف بها إلى الحفير للاصطدام بالمسلمين، لكن هرمز لم يحظ بالجيش الإسلامي؛ لأن خالدًا غير بعض جزئيات خطته العسكرية لأسباب تكتيكية، وتوجه إلى كاظمة٥، فلحقه هرمز إلى هناك، واصطدم به بعد أن ربط جنوده بالسلاسل خشية الفرار، فبارزه خالد وقتله، وتعرض جيشه للهزيمة، وفرت فلوله فطاردهم المثنى٦، وانتقل خالد بعد المعركة إلى منطقة البصرة، ونزل في موقعها، وسيطر على الخريبة٧، وهي من مسالح الفرس. معركة المذار ٨: علمت الدوائر الحاكمة في المدائن بأنباء الهزيمة التي مني بها الجيش الفارسي في كاظمة، فأدرك القيمون على الحكم مدى تأثيرها السلبي على وضعهم في

стр. 130

العراق، وأنهم إذا لم يتحركوا فورًا لوقف الزحف الإسلامي، فإن عاصمتهم تصبح مهددة، لذلك قرروا متابعة القتال. وكان الإمبراطور الفارسي قد جهز، فور تسلمه كتاب خالد من عامله هرمز، جيشًا بقيادة قارن بن قريانس، وأرسله مددًا لهرمز، غير أنه لم يدركه، وعندما وصل إلى المذار بلغته أنباء الهزيمة، ومصرع هرمز، ووصلت إليه فلول ذات السلاسل، فضمها إلى صفوف قواته، ثم أجرى مباحثات مع القيادة المركزية تقرر بنتيجتها أن يعسكر الجيش في المذار على ضفة الثني، استعدادًا للتصدي للمسلمين١. علم المثنى، الذي كان يجوب المنطقة، باستقرار الجيش الفارسي في المذار، فكتب إلى خالد الذي بادر فورًا بالتوجه إلى هناك، وهو على تعبئة، وفتح أثناء زحفه بزندود في إقليم كسكر، ودرتي وهرمزجرد٢. والواقع أن المذار لم تكن على محور الأبلة -الحيرة، المرسوم للتقدم، غير أن طبيعة التحرك الفارسي حتم على خالد أن يوفر عنصر الأمن لجيشه المتقدم من أن يضرب من جانبه الأيمن، ومع ذلك لا تعد خروجًا على الخطبة التي وضعها أبو بكر. واستنادًا إلى التقاليد العسكرية التي كانت سائدة في ذلك العصر، والقاضية بالتزام المبارزة قبل الالتحام، خرج قارن من قلب جيشه، ودعا المسلمين للمبارزة، فهرع إليه خالد، ومعقل بن الأعشى، وكان الثاني الأسرع في التحرك، فبارزه وقتله، ثم التحم الجيشان في رحى معركة رهيبة، كانت أشد قتالًا مما كان في ذات السلاسل، وأسفرت عن انتصار المسلمين، وقتل من الفرس زهاء ثلاثين ألفًا كان من بينهم قائدان مشهوران هما أنوشجان وقباذ، ولجأ من نجا إلى السفن ليعبروا، فغرق بعضهم، وحال الماء دون مطاردة المسلمين لهم لافتقارهم إلى السفن، وجرت المعركة في شهر "صفر ١٢هـ/ نيسان ٦٣٣م"٣. ذيول معركة المذار: أقام خالد والمسلمون في المذار، واتخذوها قاعدة للانطلاق، وتقصي أخبار الفرس، وأقر خالد، في خطوة لافتة، الفلاحين على أرضهم، وفرض الخراج والجزية، ثم استعد للتقدم نحو الحيرة، وعمد قبل الإقدام على هذه الخطوة إلى تنفيذ إجراء إداري -عسكري تمثل بما يلي:

стр. 131

- وضع حاميات عسكرية تجاه الأبلة، والخريبة في وضع جسر البصرة على شط العرب، وفي أسفل دجلة. - عين حاكمًا عسكريًا للمنطقة، هو سويد بن مقرن المزني، على أن يتمركز في الحفير في موقع خلفي ليحمي مؤخرة الجيش الإسلامي المتقدم. - عين أمراء في النواحي المختلفة، وربطهم بالقيادة في الحفير نذكر منهم: سويد بن قطبة على ناحيته من منازل بني ذهل من جهة البصرة، قحطبة بن قتادة السدوسي على جهته، شريح بن عامر القيني السعدي على الخريبة. وجاء هذا الإجراء لأسباب منها: - أهمية منطقة الأبلة الاقتصادي، والعسكري بوصفها الطريق المائي الوحيد بين المدائن والشرق. - قطع الطريق على أي تحرك فارسي مضاد لاستعادة المنطقة في حال توغل في عمق الأراضي العراقية. - تأمين سلامة قواته، والمحافظة على خطوط مواصلاته مع المدينة. معركة الولجة ١: أقام خالد في المذار، بعض الوقت، يستقصي أخبار عدوه، ويجمع المعلومات عنه، ويراقب مسار تحركاته، وفي المقابل، جهز الإمبراطور الفارسي أردشير جيشين بعد أن بلغته أنباء هزيمة جيشه في المذار، ودفعهما إلى ساحة المعركة، قاد الجيش الأول أندرزغر، في حين كان الجيش الثاني بقيادة بهمن جاذويه، وأمرهما بأن يعسكرا في الولجة، وينتظرا جيش المسلمين فيها، ويبدو أن بهمن جاذويه كانت له نظرة عسكرية أخرى، فحتى يحشر جيش المسلمين بين فكي كماشة، توجه إلى وسط السواد، ولم يلحق بالجيش الأول، وذلك بهدف مهاجمة المسلمين من الأمام في الوقت الذي يهاجمهم فيه أندرزغر من الخلف، حين يخرج من السواد إلى تخوم الصحراء، ونظرًا لأهمية المواجهة، استنفر الفرس القبائل العربية الموالية لهم، وبخاصة قبيلة بكر بن وائل، والدهاقين، فانضموا إلى الجيش الأول٢. علم خالد وهو بالمذار بأنباء الحشود الفارسية الضخمة، وزحفها باتجاه الولجة، وحتى يتفادى الخطة الفارسية قرر ضرب الجيشين الفارسيين كلًا على حدة، وفعلًا

стр. 132

ضرب الجيش الأول في الولجة قبل أن يصل الجيش الثاني، وفر أندرزغر في جو الهزيمة القائم إلى الصحراء، فمات عطشًا، وجرت المعركة في "٢٢ صفر ١٢هـ/ ٨أيار ٦٣٣م"١. معركة أليس ٢: فجع العرب الموالون للفرس بكثير من رجالهم في معركة الولجة، فتنادوا للثأر، وطلبوا من الفرس مساعدة عاجلة، وعسكروا في أليس بقيادة عبد الأسود العجلي، وانضم إليهم بعض الفرس ممن وجدوا في المنطقة، وانتظروا قدوم الجيش الفارسي الذي وعدهم به الإمبراطور، والواقع أن أردشير أمر بهمن جاذويه بالتوجه إلى أليس لمساعدة من اجتمع فيها من الفرس والعرب، وأمده بقوة إضافية بقيادة جابان. إدرك بهمن جاذويه صعوبة الموقف العسكري، وخطورته فتصرف على محورين: الأول: عين جابان قائدًا للجيش، وأمره بالتقدم إلى أليس، وأوصاه بعدم الدخول في معركة مع المسلمين حتى يلحق به إلا إذا بدأوه هم بالقتال. الثاني: غادر المنطقة وتوجه إلى المدائن لإجراء مباحثات مع أركان الحكم، لوضح خطة عسكرية شاملة لوقف زحف المسلمين. ولما وصل إلى العاصمة الفارسية وجد الإمبراطور مريضًا فأقام إلى جانبه، وترك جابان يواجه قوة المسلمين منفردًا. وصل جابان في غضون ذلك إلى أليس، وسبق خالدًا إليها، فعسكر فيها ينتظر قدومه، كان خالد في طريقه إلى أليس لمقاتلة من تجمع فيها من العرب، ولم يكن يعلم شيئًا عن وصول جابان إليها، ففوجئ بهذه الأعداد الضخمة من المقاتلين، وكان الجنود الفرس يتناولون الطعام، فاستغل هذه الفرصة، وقرر الدخول في معركة فورًا كي لا يدع لخصمه مجالًا للتفكير ورد الفعل السريع، وفعلًا التحم الجيشان في رحى معركة ضارية انتهت بانتصار المسلمين، وتكبدت قوى التحالف سبعين ألف قتيل، وجرت المعركة في "٢٥ صفر ١٢هـ/ ١١ أيار ٦٣٣م"٣.

стр. 133

خريطة فتح الحيرة

стр. 134

فتح أمغيشيا ١: كانت أمغيشيا مصرًا كبيرًا كالحيرة، لم تحدث فيها معركة، ولم يقع فيها قتال، إنما كانت فيئًا بغير قتال، ذلك أن خالدًا أتى البلدة بعد أن فرغ من أليس، وقد غادرها سكانها متفرقين في السواد لعدم توفر المقاتلين، وإمكانات الصمود، فدخلها المسملون، واستولوا على ما فيها من أموال، وأثاث وخيول، وذلك في "٢٨ صفر ١٢ هـ/ ١٤ أيار ٦٣٣م"٢. فتح الحيرة: كانت الحيرة تحت حكم المرزبان آزاذيه، الذي كان يراقب تحركات المسلمين، فأدرك أن الحيرة هي هدفهم التالي بعد أمغيشيا، وتجهز للتصدي لهم، إلا أنه لم يتخذ التدابير العسكرية الضرورية للانتصار عليهم، واقتصرت خطته القتالية على عرقلة تقدمهم، فسد مجرى الفرات، وفتح مجاري الأنهار التي ترفده حتى يمنع جريان الماء فيه، ويحول دون عبورهم، لكن خالدًا نجح في إعادة المياء إلى مجاريها جريان الماء فيه، ويحول دون عبورهم، لكن خالدًا نجح في إعادة المياه إلى مجاريها بعد أن انتصر على القوة التي تحمي السد، بقيادة ابن المرزبان، وفجره، ونقل جيشه عبر الماء نحو الحيرة على السفن التي كان قد غنمها من الفرس، ولما علم المرزبان بهذه التطورات السلبية، انسحب مع جنوده إلى ما وراء نهر الفرات، إذ لم يكن هناك من ينجده بعد موت أردشير، وانهماك أركان الحكم في المدائن في اختيار خلف له، تاركًا إقليم الحيرة يواجه مصيره، ويدافع عنه أهله من العرب. وضرب المسلمون الحصار على الحيرة، وقد تحصن أهلها بحصونهم، ورفضوا ما عرضه عليهم خالد من الدخول في الإسلام، أو الاستسلام ودفع الجزية، وأصروا على المقاومة، وبعد مناوشات عسكرية خارج أسوار الحصون، تمكن المسلمون من اقتحامها، واضطر المقاومون إلى استسلام، وجرت مفاوضات بين الجانبين، وافق بنتيجتها نقباء الحيرة على دفع الجزية، وجرى تحرير معاهدة الصلح في شهر "ربيع الأول ١٢هـ/ حزيران ٦٣٣م"٣. ذيول فتح الحيرة: تعد الحيرة أول عاصمة إقليمية فارسية يفتحها المسلمون، وهي حاضرة متقدمة

стр. 135

في الطريق إلى المدائن، تقع على حافة السواد وحافة البادية، ويقع الجزء المهم منها على الضفة الغربية لنهر الفرات، وتتصل بالمزارع والمتاجر الواردة من الهند والصين، وأدى سقوطها في أيدي المسلمين إلى: - تراجع الروح المعنوية للفرس. - حصول المسلمين على قاعدة تموينية مهمة. - حصول المسلمين على ميزة سياسية، وعسكرية بفعل موقعها الجغرافي، فهي قاعدة، وموطئ قدم للانطلاق نحو الداخل العراقي، كما أنها طريق مناسب لأي انسحاب إسلامي إذا لزم الأمر. - خضوع القرى المجاورة لسيطرة المسلمين، ذلك أن الدهاقين كانوا ينتظرون نتيجة الصراع على الحيرة، ولما وقعت في أيدي المسلمين، واطلعوا على شروط الصلح الذي أربمه خالد مع أهلها، اقتدروا بهم كي يجنبوا قراهم ويلات الحرب، نذكر من هؤلاء: دهاقين الملطاط١، وقس الناطف٢، والقرى بين الفلاليج٣، وهرمزجرد٤. - أتاح فتح الحيرة للمسلمين التوغل في عمق الأراضي العراقية في ما وراء نهر الفرات حتى شاطئ دجلة، ولم يعد للفرس موطئ قدم بين الحيرة، ودجلة. - بدأ خالد يمارس سلطاته الجديدة العسكرية منها والمدنية، إذ إن النتيجة الطبيعة لعقد المعاهدات دفعته للقيام بأمرين: الأول: حماية المستفيدين من مفاعيل الصلح ضد التعديات الفارسية. الثاني: جباية الجزية منهم. لذلك خصص حاميات عسكرية لحماية أهل الذمة، وأرسل العمال للجباية. - كان لفتح الحيرة صدى كبير في الجزيرة العربية، إذ كانت في نظر جميع العرب قبلة الشعر، وفرح المسلمون بهذا الفتح فرحًا عظيمًا. - أقام خالد في الحيرة، وجعلها مقرًا لقيادته، ومعقلًا لجيشه.

стр. 136

خريطة فتح الأنبار

стр. 137

فتح الأنبار: انتهى خالد من تنفيذ الشق الأول من خطة أبي بكر بغزو العراق من جهة الجنوب، وأقام في الحيرة ينتظر أن يفرغ عياض بن غنم من أمر دومة الجندل، وكانت أول موقع عليه إخضاعه قبل أن يدخل إلى العراق من شماله وصولًا إلى الجنوب، لكنه فشل في اقتحامها، وبالتالي فإنه تأخر في الزحف نحو هدفه، وهو الوصول إلى الحيرة، وكانت أوامر الخليفة صريحة بألا يقتحم المسلمون أرض أرض الفرس، وخلفهم حاميات لهم متحصنين، والمعروف أنه ما زال للفرس حاميات في عين التمر١، والأنبار والفراض تشكل جميعها خطرًا على ميسرة، ومؤخرة أي جيش يتقدم من الحيرة إلى داخل العراق. دفعت هذه التطورات السلبية خالدًا على أن يقوم بنفسه بعمل عياض، بعد أن حصل على إذن من الخليفة، فاستخلف القعقاع بن عمرو التميمي على الحيرة، وخرج منها على رأس الجيش متوجهًا إلى الأنبار، وقد تحصن بها أهلها، وحفروا حولها خندقًا، استعدادًا للمقاومة, ولما وصل إليها طاف بالخندق متفحصًا، ثم أمر جنود ببدء القتال، وأوصاهم قائلًا: "إني أرى أقوامًا لا علم لهم بالحرب، فارموا عيونهم لا توخوا غيرها"، فرموهم فأصابوا ألف عين، ولذلك سميت المعركة بـ"ذات العيون". ودبت الفوضى داخل الحصن، وشغل أهله بمن أصيب منهم، فاضطر حاكم الأنبار شيرزاد إلى الاستسلام بعد أن فشل في المقاومة، وكان المسلمون قد طمروا الخندق، واقتحموا الحصن، ووافق شيرزاد على شروط خالد لعقد الصلح لكنه طلب بالمقابل السماح له بالخروج مع مفرزة من الفرسان، فوافق خالد، فخرج إلى المدائن حيث اجتمع ببهمن جاذويه، وشرح له صعوبة الموقف، وكان فتح الأنبار في "٤ رجب ١٢هـ/ ١١ أيلول ٦٣٣م"٢. استقر خالد في الأنبار، وقدمت عليه وفود من العرب والفرس، ممن يقيمون في الجوار، يطلبون الصلح، فصالحهم. معركة عين التمر: كان هدف خالد بعد الأنبار حصن عين التمر، حيث اجتمعت فيه قوات فارسية

стр. 138

وعربية بقيادة مهران بن بهرام جوبين وعقة بن أبي عقة، فخرج من الأنبار متوجهًا إليه، ولما علم من بداخل الحصن بقدوم المسلمين قرروا بعد مشاورات بينهم أن يتفرد العرب بخوض المعركة على أساس أنها ستجري مع طرف عربي، وأنهم أعلم بأساليب العرب القتالية، فخرجت القوة العربية بقيادة عقة من الحصن، وعسكرت على طريق الكرخ بانتظار وصول القوات الإسلامية في حين بقيت القوة الفارسية داخل الحصن. ووصل المسلمون إلى المكان، وعقة يعبئ قواته، فقرر خالد مباغتته منفردًا، فاندفع نحوه واحتضنه وأسره، فأثر ذلك على معنويات قواته، فولوا الأدبار لا يلوون على شيء، ولما رأى مهران ما حل بعقة، وجنوده خشي على نفسه، فغادر الحصن هاربًا مع أتباعه، وتوجه نحو الشمال، واقتحم المسلمون الحصن واستسلم من به، وقتل خالد عقة، وقد حدث ذلك في "١١ رجب ١٢هـ/ ٢١ أيلول ٦٣٣م"١. فتح دومة الجندل: تعد دومة الجندل موقعًا حصينًا بين المدينة ودمشق، ولها أهمية تجارية وعسكرية تحث المسلمين على فتحها. ففي ما يتعلق بأهميتها التجارية، فهي بحكم موقعها الجغرافي عند ملتقى الطرق مع المدينة، والكوفة ودمشق، تستطيع أن تتحكم بسير القوافل التجارية. وفي ما يتعلق بأهميتها العسكرية، فهي موقع حصين على الطرف الجنوبي لبلاد الشام المحاذي لمناطق الحدود الشمالية للجزيرة العربية، في الوقت الذي كان فيه للمسلمين وجود عسكري في العراق، وبلاد الشام، يتطلب حماية جنوبية قبل توغل جيوشهم في عمق بلاد الشام بخاصة، كان عياض بن غنم في طريقه إلى دومة الجندل، ولما وصل إليها واجه تكتلًا قبليًا من بهراء، وتنوخ وغسان، وكلب والضجاعم، فطلب مددًا من الخليفة، فأمده بالوليد بن عقبة الذي جاء من العراق موفدًا من قبل خالد، وضرب المسلمون الحصار على الحصن، وتمكنت قوة عربية من الحلفاء الخروج من الحصن، وحاصرت المسلمين من الخلف، فوقع هؤلاء بين فكي الكماشة، وتخرج موقفهم، فعقدوا مجلسًا للمشورة، وتقرر الاستعانة بخالد، فطلبوا منه القدوم لمساعدتهم، فاستجاب لنداء الاستغاثة. وصل خالد إلى دومة الجندل في غضون عشرة أيام، فتسلم إمرة الجيش

стр. 139

*الإسلامي، واشتبك مع قوى التحالف خارج الحصن، وأسفر الاشتباك عن انتصار المسلمين، والواقع أن الخطة العسكرية التي فرضها خالد على المتحالفين، والتي أدت إلى توزيع قواتهم في اتجاهين متعاكسين ومتباعدين، بالإضافة إلى انسحاب أكيدر بن عبد الملك صاحب الحصن من قوى التحالف، بسبب اختلاف وجهات النظر حول التعامل مع المسلمين١؛ قد أثر على نتيجة المعركة، واقتحم المسلمون الحصن، وقتلوا من بداخله من المقاتلين، وتم هذا الفتح في "٢٤ رجب ١٢هـ/ ٤ تشرين الأول ٦٣٣م"٢. معركة الحصيد ٣: أقام خالد في دومة الجندل، وأرسل الأقرع بن حابس إلى الأنبار، فتراجع اندفاع المسلمين في العراق، وقد لاحظ الفرس ذلك، فنهضوا لاستعادة ما فقدوه من مدن وقرى، وطرد المسلمين من المنطقة، وقد نسقوا مع القبائل العربية الموالية لهم، وهكذا خرج جيشان فارسيان من بغداد٤ باتجاه الأنبار. الأول بقيادة زرمهر، وقد توجه إلى الخنافس٥، والثاني بقيادة روزبة، وقد سار إلى الحصيد. كان الزبرقان بن بدر حاكم الأنبار٦ يتتبع تحركات الفرس، وحلفائهم من العرب، فكتب إلى القعقاع بن عمرو في الحيرة، يشرح له الوضع الميداني، فأرسل هذا قوتين عسكريتين إلى الحصيد بقيادة أعبد بن فدكي السعدي، وإلى الخنافس بقيادة عروة بن الجعد؛ لقطع الطريق على الفرس. لم ير الفرس ما يستوجب الدخول فورًا في معركة، وإنما انتظروا قدوم حلفائهم من عرب ربيعة، فأعطى هذا التباطؤ في التحرك فرصة للمسلمين استغلوها بنجاح، وكان خالد قد عاد في غضون ذلك إلى الحيرة مع عياض بن غنم، فأرسل قوة عسكرية بقيادة أبي ليلى بن فدكي السعدي إلى الخنافس للاصطدام بزرمهر، وأخرى بقيادة القعقاع إلى الحصيد للاصطدام بروزبة، وخرج هو على رأس قوة عسكرية إلى عين التمر تمهيدًا للتدخل عند الضرورة.

стр. 140

فوجئ روزبة بزحف المسلمين، فاستغاث بزرمهر، فأنجده؛ وخاضا معًا معركة خاسرة ضد القوات الإسلامية حيث لقيا مصرعهما، وجرت المعركة في "١٠ شعبان ١٢هـ/ ٢٠ تشرين الأول ٦٣٣م"١. معركة الخنافس: لجأت فلول الفرس الناجية من معركة الحصيد إلى الخنافس، فأدى ذلك إلى إلقاء الرعب في قلوب سكانها، ووهنت نفوسهم، وفر بعضهم إلى المصيخ للاحتماء بها، مما سهل مهمة أبي ليلى، فدخلها دون قتال في "١١ شعبان ١٢هـ/ ٢١ تشرين الأول ٦٣٣م"٢. فتح المصيخ: أتيح لخالد، بعد هذه الانتصارات، أن يهاجم المصيخ في محاولة لمنع الحلفاء من الفرس، والعرب من إعادة تنظيم صفوفهم، فاستدعى قادته، وهاجموا البلدة من ثلاثة محاور، وفاجأوا خصومهم وهم نائمون، وذلك في "١٩ شعبان ١٢هـ/ ٢٩ تشرين الأول ٦٣٣م"٣. فتح الثني ٤ والزميل ٥: كانتا الهدف التالي بعد المصيخ، فاقتحمهما المسلمون من ثلاثة محاور، ونجحوا في دخولهما، كما وقعت الرضاب٦ في أيديهم، وذلك في "٢٣ شعبان ١٢هـ/ ٢ تشرين الثاني ٦٣٣م"٧. معركة الفراض: كانت معركة الفراض آخر أعمال خالد الكبيرة في العراق، فبعد أن بسط سلطان المسلمين على سواد العراق، أراد أن يؤمن حماية مؤخرة جيشه، حتى إذا اجتاز السواد إلى فارس، كان مطمئنًا لما يخلف وراءه، وتقع الفراض على الحدود المشتركة بين البيزنطيين، والفرس وعرب الجزيرة، وكان اندفاعه حتى الفراض، توغلًا في أرض

стр. 141

يحكمها البيزنطيون مما أثار هؤلاء، كما حقد الفرس، والعرب الموالون لهم على المسلمين، فتنادوا للثأر مما حل بهم، وبخاصة تغلب وإياد والنمر، وزحفوا نحو الفراض، وجرى بين الجانبين قتال دموي رهيب في "١٥ ذي القعدة ١٢هـ/ ٢١ كانون الثاني ٦٣٤م"، انتهى بهزيمة الحلفاء١.

стр. 142

فتوح بلاد الشام: تمهيد: يكاد يتفق الباحثون في تاريخ الفتوح الإسلامية على أن بلاد الشام كانت في مقدمة اهتمامات الخليفة أبي بكر الهادفة إلى التوسع عبر المناطق المألوفة للعرب جغرافيًا٢، وكانت هذه البلاد أكثرها التصاقًا بذاكرة العربي التاجر، حيث سعى إليها في رحلة الصيف، أو سمع الكثير عنها من رجال القوافل، ورواة الأخبار. وتعود بدايات السياسية التوسعية في تلك المنطقة إلى عصر الرسالة، كما ذكرنا من قبل، وكانت هذه الرؤية حاضرة في ذهن أبي بكر الحريص على انتهاج سياسة النبي التوسعية، منذ بداية عهده، وإذا كانت ملامح هذه السياسة قد ظهرت أولًا في العراق، فإن الجبهة الشامية قد استقطبت الجانب الأكبر من اهتمامات أبي بكر٣، وبخاصة بعد انتصارات المسلمين في العراق. وتمت خطة التحرك نحو بلاد الشام في السنة الثانية عشرة للهجرة، بعد مشاورات أجراها أبو بكر مع كبار الصحابة من أهل الحل والعقد، ثم قام بتعبئة المسلمين لغزو هذه البلاد. كان رد فعل عامة المسلمين الفوري الصمت، وذلك بفعل هيبة غزو البيزنطيين، حتى قام خالد بن سعيد بن العاص الأموي، فتقبل الفكرة، فكان أول من خرج إلى بلاد الشام بعد أن عقد له أبو بكر لواء، هو أول لواء عقده لحرب الشام. تحمست بعض القبائل، في سياق هذه الحملة التعبوية، للمشاركة في عملية فتوح بلاد الشام، وأرسلت مقاتليها إلى المدينة، ومع ذلك ظلت الاستجابة بالمشاركة ضعيفة، مما دفع أبا بكر إلى استنفار قبائل اليمن، فجاءه المتطوعون من حمير ومذحج.

стр. 143

منازل القبائل العربية في وسط وشمالي الجزيرة العربية وبلاد الشام في العصر النبوي

стр. 144

خريطة فتوح الشام

стр. 145

يخبرنا البلاذري أن أبا بكر سارع فور انتهائه من قمع قبائل الردة بتعبئة قبائل نجد، والحجاز، واليمن لغزو بلاد الشام، وسعى لتشجيعها بالغنائم العظيمة، "فسارع الناس إليه بين محتسب وطامع"١، وهذا يعني أن بعض القبائل كانت تدفعهم غريزة العزو والغنيمة، وفق تقاليد الغزو المعروفة في المجتمع العربي، وأن أبا بكر لجأ إلى هذه الوسيلة التشجيعية بعد أن لمس ضعف الاستجابة العربية لمشروعه، مما يدل على أن بعض العرب كان الإسلام لا يزال ضعيفًا في قلوبهم، كما أن منع أبي بكر، المرتدين من المشاركة في حرب الفتوح، وهم أكثر العرب، قد أثر على ذلك. ومهما يكن من أمر، فإن حركة الفتوح الإسلامية لبلاد الشام، نوقشت بين أهل الحل والعقد، ثم عرضت على عامة المسلمين، ووضعت الخطوط العريضة لها أثناء انعقاد اجتماع كبار الصحابة. جيوش الفتوح: بعد أن استكملت التجهيزات وتمت الاستعدادات، عين أبو بكر قادة الجيوش التي قرر أن يرسلها إلى بلاد الشام، وهي على الشكل التالي: الجيش الأول: عقد أبو بكر قيادة هذا الجيش إلى خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وحدد له دمشق كهدف، ويتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مقاتل، وقد أبدى عمر بن الخطاب تحفظًا على قيادة خالد، لموقف اتخذه من بيعة أبي بكر٢، فأعفاه الخليفة بعد أن اقتنع برأي عمر، واسترد منه اللواء، وعين مكانه يزيد بن أبي سفيان، وهو أموي أيضًا٣، وربما أراد أبو بكر من ذلك، حظ التوازن في توزيع المسؤوليات بين الأسر القرشية، إنما حفظ لخالد مكانته، وعينه قائدًا لقوات احتياطية تتمركز في تيماء، ويكون تابعًا لأبي عبيدة، وذلك قبل أن ينطلق هذا الأخير إلى بلاد الشام٤، وأردف أبو بكر ربيعة بن الأسود بن عامر مددًا ليزيد، فأضحى عدد قواته سبعة آلاف مقاتل، وحدد لقائده طريق زحفه وهو: وادي القرى -تبوك- الجابية٥- دمشق، وزوده
следующие страницы →