يحكمها البيزنطيون مما أثار هؤلاء، كما حقد الفرس، والعرب الموالون لهم على المسلمين، فتنادوا للثأر مما حل بهم، وبخاصة تغلب وإياد والنمر، وزحفوا نحو الفراض، وجرى بين الجانبين قتال دموي رهيب في "١٥ ذي القعدة ١٢هـ/ ٢١ كانون الثاني ٦٣٤م"، انتهى بهزيمة الحلفاء١.
стр. 142
فتوح بلاد الشام:
تمهيد:
يكاد يتفق الباحثون في تاريخ الفتوح الإسلامية على أن بلاد الشام كانت في مقدمة اهتمامات الخليفة أبي بكر الهادفة إلى التوسع عبر المناطق المألوفة للعرب جغرافيًا٢، وكانت هذه البلاد أكثرها التصاقًا بذاكرة العربي التاجر، حيث سعى إليها في رحلة الصيف، أو سمع الكثير عنها من رجال القوافل، ورواة الأخبار.
وتعود بدايات السياسية التوسعية في تلك المنطقة إلى عصر الرسالة، كما ذكرنا من قبل، وكانت هذه الرؤية حاضرة في ذهن أبي بكر الحريص على انتهاج سياسة النبي التوسعية، منذ بداية عهده، وإذا كانت ملامح هذه السياسة قد ظهرت أولًا في العراق، فإن الجبهة الشامية قد استقطبت الجانب الأكبر من اهتمامات أبي بكر٣، وبخاصة بعد انتصارات المسلمين في العراق.
وتمت خطة التحرك نحو بلاد الشام في السنة الثانية عشرة للهجرة، بعد مشاورات أجراها أبو بكر مع كبار الصحابة من أهل الحل والعقد، ثم قام بتعبئة المسلمين لغزو هذه البلاد.
كان رد فعل عامة المسلمين الفوري الصمت، وذلك بفعل هيبة غزو البيزنطيين، حتى قام خالد بن سعيد بن العاص الأموي، فتقبل الفكرة، فكان أول من خرج إلى بلاد الشام بعد أن عقد له أبو بكر لواء، هو أول لواء عقده لحرب الشام.
تحمست بعض القبائل، في سياق هذه الحملة التعبوية، للمشاركة في عملية فتوح بلاد الشام، وأرسلت مقاتليها إلى المدينة، ومع ذلك ظلت الاستجابة بالمشاركة ضعيفة، مما دفع أبا بكر إلى استنفار قبائل اليمن، فجاءه المتطوعون من حمير ومذحج.
стр. 143
منازل القبائل العربية في وسط وشمالي الجزيرة العربية وبلاد الشام في العصر النبوي
стр. 144
خريطة فتوح الشام
стр. 145
يخبرنا البلاذري أن أبا بكر سارع فور انتهائه من قمع قبائل الردة بتعبئة قبائل نجد، والحجاز، واليمن لغزو بلاد الشام، وسعى لتشجيعها بالغنائم العظيمة، "فسارع الناس إليه بين محتسب وطامع"١، وهذا يعني أن بعض القبائل كانت تدفعهم غريزة العزو والغنيمة، وفق تقاليد الغزو المعروفة في المجتمع العربي، وأن أبا بكر لجأ إلى هذه الوسيلة التشجيعية بعد أن لمس ضعف الاستجابة العربية لمشروعه، مما يدل على أن بعض العرب كان الإسلام لا يزال ضعيفًا في قلوبهم، كما أن منع أبي بكر، المرتدين من المشاركة في حرب الفتوح، وهم أكثر العرب، قد أثر على ذلك.
ومهما يكن من أمر، فإن حركة الفتوح الإسلامية لبلاد الشام، نوقشت بين أهل الحل والعقد، ثم عرضت على عامة المسلمين، ووضعت الخطوط العريضة لها أثناء انعقاد اجتماع كبار الصحابة.
جيوش الفتوح:
بعد أن استكملت التجهيزات وتمت الاستعدادات، عين أبو بكر قادة الجيوش التي قرر أن يرسلها إلى بلاد الشام، وهي على الشكل التالي:
الجيش الأول:
عقد أبو بكر قيادة هذا الجيش إلى خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وحدد له دمشق كهدف، ويتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مقاتل، وقد أبدى عمر بن الخطاب تحفظًا على قيادة خالد، لموقف اتخذه من بيعة أبي بكر٢، فأعفاه الخليفة بعد أن اقتنع برأي عمر، واسترد منه اللواء، وعين مكانه يزيد بن أبي سفيان، وهو أموي أيضًا٣، وربما أراد أبو بكر من ذلك، حظ التوازن في توزيع المسؤوليات بين الأسر القرشية، إنما حفظ لخالد مكانته، وعينه قائدًا لقوات احتياطية تتمركز في تيماء، ويكون تابعًا لأبي عبيدة، وذلك قبل أن ينطلق هذا الأخير إلى بلاد الشام٤، وأردف أبو بكر ربيعة بن الأسود بن عامر مددًا ليزيد، فأضحى عدد قواته سبعة آلاف مقاتل، وحدد لقائده طريق زحفه وهو: وادي القرى -تبوك- الجابية٥- دمشق، وزوده
стр. 146
خريطة توزيع الجيوش على القطاعات
стр. 147
بتعليمات مهمة١ تشكل مخططًا واضحًا للتعبئة، وتحدد السياسة الإسلامية العامة لقادة جيوش الفتوح، وتوضح المعطيات التالية:
- عدم إلزام القائد، نفسه وأصحابه، بما يؤثر على مسيره، وإعطاء كل جندي حقه مع الراحة الضرورية لأفراد الجيش للمحافظة على قدرتهم القتالية، على أن يشاورهم في الأمر للوصول إلى قرار سليم؛ لأن ذلك يرفع من روحهم المعنوية، كما أن عليه ألا يكون شديدًا على مرءوسيه حتى لا يضعف روحهم المعنوية.
- تأمين العدل لمرءوسيه، وإبعاد الشر والظلم عنهم فيوقت السلم حتى يلازموه في وقت الحرب.
- تنفيذ المبادرة وإعادة تجميع القوات، وعدم الفرار عند لقاء العدو؛ لأن ذلك يغضب الله.
- تجنب قتل الأولاد والشيوخ، والأطفال ونقض العهود والعذر؛ في حال الانتصار؛ لأن ذلك يؤدي إلى بث الطمأنينة في نفوس سكان المناطق المفتوحة، ويدفعهم إلى الالتزام بما عاهدوا عليه، وفي ذلك كسب كبير للمسلمين.
- عدم التعرض لرجال الدين في الأديرة على أن يخير الأعداء المشركون الموالون للشيطان، بين القتل أو الدخول في الإسلام أو الجزية، وفي ذلك كسب معنوي ومادي.
انطلق هذا الجيش في "٢٣ رجب ١٢هـ/ ٣ تشرين الأول ٦٣٣م" سالكًا الطريق المحدد له٢.
الجيش الثاني:
عين أبو بكر شرحبيل بن حسنة قائدًا للجيش الثاني، وهدفه بصرى عاصمة حوران، ويتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مقاتل على أن يسلك طريق معان -الكرك٣- مأدبًا- البلقاء- بصرى، وأوصاه بمثل ما أوصى به يزيد، وزاد
عليها خصالًا هي: "أوصيك بالصلاة في وقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل، وبعيادة المرضى، وبحضور الجنائز، وذكر الله كثيرًا على كل حال".
стр. 148
خرج هذا الجيش من المدينة في "٢٧ رجب/ ٧ تشرين الأول"١، سالكًا الطريق المحدد له، وشكل الجناح الأيسر للجيش الثالث، والجناح الأيمن للجيش الرابع، ولم يصادف أثناء زحفه مقاومة تذكر، وعندما وصل إلى بصرى ضرب عليها حصارًا مركزًا، استمر حتى قدوم خالد بن الوليد من العراق.
الجيش الثالث:
بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وهدفه حمص، ويتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مقاتل، على أن يسلك طريق وادي القرى -الحجر- ذات المنار٢ -زيزاء٣- مآب٤- الجابية- حمص، وأوصى أبو بكر قائده بمثل ما أوصى به عمرو بن العاص، وأضاف قائلًا له: "فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم أو ضعفهم، وليس بكم والحمد لله قلة ولا ذلة، فلا أعرفن من جبنتم عنهم ولا ما خفتم منهم"٥.
يتضمن هذا النص مفهومًا واضحًا للتعبئة العسكرية بما حدده الخليفة من قدرة على الإمداد الصحيح في الوقت المناسب بما يزيد على إمداد العدو، وأضاف إلى التعبئة المادية، تعبئة معنوية عندما أكد لأفراد الجيش أنهم في عدة وعدد حسن، وهم فرسان ذوو بصيرة، وقدرة على القتال، وما بهم خوف ولا جبن، مما يدفعهم إلى ملاقاة عدوهم بقلوب قاسية لا تعرف المسالمة ولا اللين.
وأضاف أبو بكر "فبث خيلك في القرى والسواد، ولا تحاصر مدينة من مدنهم حتى يأتيك أمري"٥، والواضح أن في هذا الأمر علاقة بالتوزيع السكاني في بلاد الشام، وأن أبا بكر أراد أن يجنب قادته صدامًا كبيرًا مع العدو في المرحلة الأولى من الفتوح، ويدل ذلك على:
- أن غالبية سكان مدن بلاد الشام كانوا متحالفين مع البيزنطيين، ويعارضون الانتشار الإسلامي في ربوع بلادهم.
- أن سكان القرى والوساد كانوا أقرب إلى صداقة المسلمين وأقل عداوة، وذلك بفعل طبيعتهم البدوية التي تنسجم مع طبيعة العربي المسلم.
- إدراك أبي بكر لطبيعة التوزع السكاني في بلاد الشام، وتوجهات سكانها.
стр. 149
- نية أبي بكر بمد سلطانه على القبائل العربية التي كان بعضها يعيش في مناطق التخوم الشامية مع الجزيرة العربية، أو في القرى المنتشرة بين الحجاز والشام, وينسجم هذا التوجه مع الهدف الأساسي للفتوح ألا وهو نشر الإسلام بين العرب أولًا، وسواهم من الأمم بعد ذلك.
ويذكر في هذا المقام أن سكان بلاد الشام كانوا على نوعين من الناحية القومية، عربًا وغير عرب، أما العرب فهم بدو القبائل الرحل، وأنصاف الرحل الذين استقروا في القرى، والسواد المتاخمة للجزيرة العربية، وهؤلاء هم الذين أشار إليهم أبو بكر، وأما غير العرب، وأعني بهم سكان المدن، فقد كانوا يتكلمون خليطًا من اللغات، وإن توزع بعض العرب بينهم.
خرج الجيش الثالث إلى وجهته في "٧ شعبان/ ١٧ تشرين الأول"١، وصادف أثناء زحفه قوة للعدو في بلدة مآب، فقاتلها وهزمها، وسيطر على الجابية، ورابط فيها استعدادًا للزحف نحو حمص.
الجيش الرابع:
كان الجيش الرابع بقيادة عمرو بن العاص، وهدفه فلسطين، ويتراوح عديده بين ستة وسبعة آلاف مقاتل، على أن يسلك طريق ساحل البحر الأحمر حتى العقبة، فوادي القرى فالبحر الميت وصولًا بيت المقدس، وأعطاه توجيهات دينية وسيساية، وعكسرية تعد نموذجًا في التفكير لرجل الدولة: "لا تسلك الطريق الذي سار عليه يزيد، وشرحبيل بن حسنة، بل طريق إيلياء٢ حتى تصل إلى فلسطين، ابعث العيون ليأتوك بالأخبار عن أبي عبيدة لمساعدته إذا كان يريد ذلك، وإلا فأنت لقتال فلسطين، قدم الفرسان لأبي عبيدة، والجيش إثر الجيش، إذا طلب منك ذلك، أكرم من معك ولا تتعال عليهم وانصحهم، شاور أولي الأمر ... اعمل على حراسة القوات وحمايتها، أوصيك بالمعاملة الحسنة لمن معك"٣، واستعمله على القبائل العربية الضارية على طريقه، وهي بلي وعذرة وسائر قضاعة، ومن سقط هناك من العرب، وأمره بندبهم إلى الجهاد.
خرج الجيش الرابع من المدينة في "٣ محرم ١٣هـ/ ١٠ آذار ٦٣٤م"٤، واصطدم أثناء تقدمه بقوات بيزنطية منتشرة في المنطقة، فهزمها وفتح جانبًا من فلسطين الشرقية والجنوبية، ثم توجه إلى بيت المقدس.
стр. 150
خريطة مسارات الجيوش إلى الشام
стр. 151
الجيش الخامس:
بقيادة عكرمة بن أبي جهل، أبقاه في المدينة كاحتياط، ويبلغ عديده نحو ستة آلاف مقاتل.
تعقيب على خطة أبي بكر:
الواضح أنه لم تكن مهمة هذه الجيوش القيام بعمليات عسكرية واسعة ضد البيزنطيين، بل كانت أبسط من ذلك إلى حد بعيد، وهي محاولة إدخال السكان العرب في شمال الجزيرة العربية في المجال الإسلامي، ومن أجل ذلك أرسلت جيوش منفصلة، لكن عليها أن تعمل متساندة بناء لأوامر الخليفة، بحيث إذا اجتمع جيشان، أو أكثر في منطقة واحدة، فإنها تنضوي تحت إمرة قائد واحد.
إن قراءة متأنية لخطة أبي بكر على الجبهة الشامية تطلعنا على الأمور التالية:
- استحالة تعيين قائد عام لهذه الجيوش نظرًا لصعوبة الاتصال فيما بينها، إذ كانت تعمل مستقلة بعضها عن بعض، وكانت المسافة الفاصلة بين مناطق عملياتها لا تدع مجالًا للتفكير في أعمال مشتركة، ولم يكن في وسع المرء أن يتنبأ بالضرورة بأن المسألة ستنتهي باصطدامات كبرى مع الجيوش البيزنطية النظامية.
- إن عدد أفراد الجيش الواحد كان قليلًا جدًا بالمقارنة مع عدد
أفراد كل جيش من جيوش العدو، على الرغم من أن الجيوش الإسلامية لم تكن ثابتة فيما يتصل بحجمها وتركيبها، بل كانت تتلقى تعزيزات على نحو متواصل.
- إن الجيوش البيزنطية كانت مجهزة بأحدث معدات القتال ووسائله، ومهيأة للحرب بأحدث أساليبها، وكانت تقاتل على أرض تحتلها، وبالقرب من خطوط تموينها، ومركز قيادتها.
- تقضي الضرورة العسكرية على المسلمين المقاتلين على أرض بلاد الشام، بألا يتوغلوا فيها قبل أن تتمكن القوة الزاحفة إلى فلسطين من تثبيت أقدامها هناك.
- إن الخطة المضادة من قبل البيزنطيين الذين ردوا على التهديد بتعبئة الجيوش التي كانت تزداد حجمًا في نمو مطرد؛ وهي وحدها التي فرضت التنسيق على قوات المسلمين، وطرحت مسألة القيثادة العامة في حال العمليات المشتركة.
- إن تخصيص قادة الجيوش الإسلامية بالكور، أو الأجناد يتضمن الإشارة إلى تقسيم بلاد الشام الإداري في حاضرة البيزنطي، ومستقبله الإسلامي، فدل بذلك على أن هذه البلاد عندما كانت تحت الحكم البيزنطي كانت منقسمة إلى هذه الأجناد الأربعة، ويمكن أن نميز في وقائع فتوح الشام نمطين من المواجهات العسكرية:
стр. 152
اصطدامات متفرقة خاضها الأمراء منفردين مع جندهم حتى وطئوا أرض بلاد الشام، أو حين توغلوا فيها، ومعارك كبرى خاضتها الجيوش الإسلامية مجتمعة في مواقع فاصلة، انتهت إلى سيطرة المسلمين على هذه البلاد كما سنرى.
رد الفعل البيزنطي:
انطلقت الجيوش الإسلامية من قاعدتها في المدينة باتجاه أهدافها المحددة، في أوقات مختلفة كما أشرنا، وقد شعرت القبائل العربية المتنصرة، والمتحالفة مع بيزنطية بهذا الزحف، فخشيت من اجتياح إسلامي لقراها وأراضيها، كما خشي سكان المدي من توغل إسلامي في عمق بلاد الشام مما يشكل تهديدًا لهم، فكتبوا إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل يعلمونه بالأوضاع المستجدة، ويطلبون منه مساعدة عاجلة لصد الزحف الإسلامي.
كان هرقل آنذاك في فلسطين أو في دمشق، فدعا إلى عقد اجتماع مع مستشاريه، وأركان حربه للتشاور، وأدرك في الوقت نفسه مدى جدية المسلمين في تقدمهم باتجاه بلاد الشام في هذه المرحلة التي تختلف في التخطيط، والأداء عن الحملات السابقة، لذلك عرض على المجتمعين تجنب القتال، وعقد صلح معهم، إذ إن إعطاءهم نصف خراج البلاد، والاحتفاظ بالنصف الآخر، أفضل من خسارة خراج البلاد بكامله، غير أن المجتمعين عارضوا هذا الرأي، فنزل عندئذ على رأيهم١، على الرغم من أنه كان أكثرهم تقديرًا لخطر المسلمين على ملكه ودولته، كما كان أكثرهم ذعرًا وخوفًا، حتى أنه رجل عن فلسطين، واستقر بعيدًا في أنطاكية في أقصى طرف بلاد الشام الشمالي، ليوجه الجيوش منها، ويبعث بتعليماته إلى قادته، ويدير العمليات العسكرية.
كان للبيزنطيين في بلاد الشام جيشان كبيران، يتمركز الأول في فلسطين، ويبلغ عديده سبعين ألف مقاتل، ويتمركز الثاني في أنطاكية، ويبلغ عديده مائتي ألف مقاتل معظمهم من الأرمن والروم.
معركة مؤاب ٢:
وصل يزيد بن أبي سفيان إلى تبوك في أواخر عام ١٢هـ، في الوقت الذي نزل فيه شرحبيل بن حسنة في بصرى، وأبو عبيدة في الجابية، وكان هرقل قد جهز قوة
стр. 153
عسكرية قوامها ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة سرجيوس قائد منطقة غزة، وأرسلها إلى وادي عربة في فلسطين لحصار المسلمين المتقدمين باتجاه الشمال، من الخلف، وقطع خطوط إمداداتهم مع المدينة.
كان من المفروض أن يتصدى خالد بن سعيد لهذه القوة، وقد أمره أبو بكر بأن يتقدم في تيماء دون أن يقتحم حتى لا يؤتى من خلفه، غير أن خالدًا توغل أكثر مما سمح له حتى إنه سبق جيش أبي عبيدة المرابط في الجابية، فبلغ مرج الصفر في ضواحي دمشق.
علم يزيد بتقدم جيش سرجيوس، وهو في البلقاء، في مكان يقع شرقي البحر الميت، ثم شاهد طلائعه، فاصطدم به في مؤاب وتغلب عليه، وانسحب البيزنطيون في جو الهزيمة القاتم إلى داثن، إحدى قرى غزة حيث أعاد سرجيوس تنظيم صفوف قواته ليستأنف القتال١.
كانت مؤاب أول مدينة بيزنطية في بلاد الشام تسط في أيدي المسلمين، والواضح أنه كان من المجازفة أن يقوم هؤلاء بنشاطات عسكرية كبرى إلى الغرب من وادي عربة دون فتح هذه المدينة، إذ أمن هذا الفتح المركز المسيطر عسكريًا على المنطقة الواقعة جنوبي وادي الموجب، أو نهر أرنون، وسمح للمسلمين القيام بنشاطات عسكرية في وادي عربة، ثم في داثن، بعد أن أضحى جناحهم الشمالي محميًا، وأزاح كل الحواجز العسكرية الجدية من طريقهم حيث أضحى الانتشار في ربوع فلسطين يتم وفق إرادتهم.
وقد أدى بذل الحد الأدنى من الضغط، في اللحظة الحرجة والمكان الصحيح إلى انتصار المسلمين مع تكبدهم الحد الأدنى من الخسائر، ويتحمل سرجيوس الذي ربما استخف بقوة المسلمين، المسئولية حيث كان استعداده العسكري غير واضح، ودخل المعركة بشكل عشوائي، وبدا واضحًا بعد اختراق المسلمين لجنوبي فلسطين أنه لم يكن ثمة خطة بيزنطية مدروسة، ومتماسكة للدفاع عن بلاد الشام، وما اتخذه هرقل، بعد ذلك، من إجراءات لتجنب الكارثة، جاءت متسرعة، ولم تحل دون وقوعها.
معركة داثن:
تحصن سرجيوس في داثن، وخاض المعركة الثانية ضد المسلمين فخسرها،
стр. 154
وخسر حياته حيث قتل في المبارزة التي جرت بينه، وبين ربيعة بن عامر، وذلك في "٢٤ ذي الحجة ١٢هـ/ ١ آذار ٦٣٤م"١.
عززت معركة داثن النجاح الذي حققه المسلمون إلى مدى أبعد شرقًا، وفي منطقة مختلفة، وخلفت الخسارة البيزنطية صدى قويًا تراوح بين الفرح الذي عم السكان اليهود بخاصة الذين عدوا انتصار المسلمين فاتحة زوال السيطرة البيزنطية، وبين الأسى الذي عم الدوائر الحاكمة في القسطنطينية، وبعض القبائل
العربية في بلاد الشام، وتمثل هذه المعركة إلى جانب الهدف الديني الأسمى للمسلمين، المقاومة الإسلامية للمحاولات البيزنطية لتضييق الخناق الاقتصادي عليهم، من واقع فرض السيطرة على المناطق الحدودية، والتحكم بمرور القوافل التجارية، بعد أن استعاد هؤلاء سيطرتهم على سواحل البحر الأحمر.
وتابع يزيد زحفه بعد انتصاره، فاجتاز حوران، وغوطة دمشق حتى وصل إلى أبواب مدينة دمشق، وتمركز حولها، ومنع حاميتها من الاتصال بالقيادة المركزية في أنطاكية، ثم اتصل ببقية الجيوش الإسلامية.
معركة مرج الصفر:
رأى هرقل أن يضرب أولًا جيش خالد بن يزيد الزاحف باتجاه مرج الصفر، فاستنفر العرب المتنصرة مثل بهراء، وكلب وسليح، وتنوخ ولخم وجذام وغسان، فتوافدوا وعسكروا في مكان قريب من آبل٢، وزيزاء والقسطل٣ بقيادة باهان، فاصطدم بهم خالد بن يزيد بعد أن استأذن أبا بكر، وانتصر عليهم، وفر باهان مع من تبقى من جنوده من ساحة المعركة٤.
كتب خالد بن سعيد بأنباء الانتصار إلى أبي بكر، وطلب منه إرسال المزيد من الإمدادات، فاستجاب لطلبه، ثم تسرع -خالد- فشق طريقه إلى مرج الصفر متجاوزًا القواعد العسكرية الضرورية للزحف، وبخاصة إرسال الطلائع لاستكشاف المنطقة، ورصد وجود تحركات العدو، مما أعطى الفرصة لباهان الذي كان يراقب تحركاته، لمهاجمته، وعندما وصل إلى مرج الصفر بين الواقوصة ودمشق، قطع عليه خط الرجعة دون أن يشعر، ثم التف حول الجيش الإسلامي وفاجأه، فلاذ خالد بن سعيد
стр. 155
بالفرار تاركًا جيشه تحت رحمة البيزنطيين، لكن عكرمة بن أبي جهل نجح في إعادة تنظيم صفوفه، وانسحب من ميدان المعركة، وعسكر على مقربة من الشام، وجرت المعركة في "٤ محرم ١٣هـ/ ١١آذار ٦٣٤م"١.
وصلت أنباء هذه الهزيمة إلى مسامع أبي بكر، فكتب إلى خالد بن سعيد، الذي وصف بأنه قائد غير كفوء، يعنفه، ويتهمه بالجبن، والفرار طلبًا للنجاة، وأمره بأن يظل في مكانه.
الخطة البيزنطية لوقف الزحف الإسلامي:
وضع هرقل خطة عسكرية لمواجهة المسلمين على أثر انتشارهم في أجزاء من بلاد الشام، تقوم على الأسس التالية:
- ضرب الجيوش الإسلامية منفردة.
- يتراجع البيزنطيون وفق خطة تكتيكية، ويتخلون للمسلمين عن مناطق الحدود الشمالية للجزيرة العربية.
- تتجمع وحدات الجيش الأول في فلسطين، بعد تعزيزها، بقيادة تيودور أخي هرقل لمواجهة جيش عمرو بن العاص.
- تتجمع وحدات الجيش الثاني في أنطاكية بقيادة وردان أمير حمص.
- يزحف الجيش الثاني من أنطاكية إلى حمص، ويباشر القتال مع كل جيش من الجيوش الإسلامية الثلاثة الأول، والثاني والثالث، بكشل منفرد بحيث يستدرج كل جيش منها إلى القتال على حدة، فيهزمه ثم يميل إلى الآخر، وهكذا إلى أن ينتهي منها جميعًا، مستخدمًا أسلوب "المناورة بالخطوط الداخلية"٢.
وبناء على ذلك، تراجع البيزنطيون بسرعة من أمام المسلمين متخلين عن الأراضي المتاخمة لحدود الجزيرة العربية، ثم استجمعوا قواهم في أنطاكية، وفلسطين استعدادًا للتصدي للمسلمين٣، وهكذا نشأت أمام المسلمين حالة جديدة لم يكونوا يتوقعونها.
الخطة الإسلامية المقابلة:
ازداد الموقف العسكري وضوحًا بعد استعدادات البيزنطيين، وحشدهم الجند.
стр. 156
ووقف القادة المسلمون في بلاد الشام على هذه التعبئة البيزنطية، فتشاوروا فيما بينهم، واستقر الرأي على اقتراح قدمه عمرو بن العاص ويقضي باجتماع الجيوش الإسلامية في مكان واحد١، وقضت الخطة:
- بالجلاء بأقصى سرعة ممكنة عن المناطق التي فتحوها في الداخل، إذ المهم في الحرب ليس السيطرة على العواصم والبلدان، بل القضاء على جيوش العدو وسحق مقاومتها.
- بالتراجع حتى جوار بصرى، مع تجنب الاشتباك بالعدو، والدخول معه في معركة غير متكافئة، على أن يتم تنظيم المرحلة التالية من العمليات فيما بعد٢.
تنفيذًا لهذه الخطة سار أبو عبيدة باتجاه بصرى، وجلا يزيد عن الغوطة، ورفع الحصار عن دمشق، ثم جلا شرحبيل رافعًا الحصار عن بصرى، واجتمعت الجيوش الثلاثة في جوار بصرى في حين أخذ عمرو بن العاص ينسحب تدريجيًا بمحاذاة الضفة الغربية لنهر الأردن ليتصل بزملائه٣.
بعد تنفيذ إجراءات التراجع والتجمع في جوار بصرى، كتب أبو عبيدة رسالة إلى أبي بكر يعلمه بقرار القادة ويطلب موافقته عليه، وفعلًا وافق أبو بكر على هذا القرار، وأدرك في الوقت نفسه حرج موقف المسلمين على الجبهة الشامية، وأنهم بحاجة إلى قيادة عسكرية فذة تخرجهم من هذا الوضع الحرج، وجدها في خالد بن الوليد الذي انتشرت أخبار انتصاراته على الفرس في العراق، فاستشار أصحابه، فوافقوه٤.
والواقع أن المسلمين في العراق حققوا هدفهم الآني، وهو السيطرة على إقليم الحيرة وغربي الفرات، وأزاحوا وأزاحوا نفوذ القبائل النصرانية عن الفرات الأوسط، وبفعل ضعف رد الفعل الفارسي تجاه هذا التوسع بسبب النزاعات الداخلية، كان لا بد من تفعيل جبهة بلاد الشام، وبخاصة أن الجيوش الإسلامية هناك لم تحرز تقدمًا يذكر، وظلت تتمركز في مواقعها الأساسية عند حافة الصحراء على الرغم من أن التهديد الخطير الذي يمكن أن تشكله الفرق العسكرية البيزنطية في المنطقة لم يكن يتسم بالرجحان الشديد، واحتاج المسلمون إلى قوات إضافية للتوسع في مناطق المدن، وتمثل هذه الأفكار الخلفية لاستدعاء خالد بشطر الجيش، انطلاقًا من النظرة الصحيحة.
стр. 157
خريطة عبور السماوة
стр. 158
استدعاء خالد بن الوليد إلى الجبهة الشامية:
كتب أبو بكر رسالة إلى خالد بن الوليد، وهو في العراق يأمره بالتوجه إلى بلاد الشام، جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، أما بعد، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد ﷺ ، أما بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فدع العراق، وخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخففًا في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من اليمامة، وصحبوك في الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح، ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة, والسلام عليك"١، وفي رواية: "إني قد وليتك على جيوش المسلمين، وأمرتك بقتال الروم، وأن تسارع إلى مرضاة الله وقتال أعداء الله، وكن ممن يجاهد في الله حق جهاده"٢.
يتضمن الكتاب توجيهات الخليفة بوصفه القائد العام للجيوش الإسلامية، فقد حدد لقائده الهدف، وبين له العناصر الضرورية للوصول إليه، ومنها: المكان الجغرافي، الإمكانات والموارد التي يمكن توفيرها، التحرك السريع، تولي قيادة الجيوش الإسلامية في بلاد الشام، محاربة البيزنطيين حتى النصر، إلا أنه ترك له حرية اختيار الطريق الذي سيسلكه، وأسلوب قتال عدوه؛ مبرهنًا عن بعد نظر في الشئون العسكرية.
انتقال خالد بن الوليد من العراق إلى بلاد الشام:
كان خالد في الحيرة عندما تلقى أمر الخليفة بالتوجه إلى بلاد الشام، لنجدة الجيوش الإسلامية المرابطة هناك، وكان قد أنشأ لنفسه موقعًا ثابتًا موطد الأركان، نسبيًا، في غربي الفرات، لكنه لم يكن ينطوي منذ البداية على الرغبة في فتح إقليم لنفسه، والاستقرار فيه، ولا بد للعمليات العسكرية المتوقعة في بلاد الشام أن تكون موضع ترحيب منه، من واقع كونها تحديًا لكفاءته العسكرية؛ لذلك أطاع الأمر فورًا٣.
قسم خالد، قبل مغادرته العراق، جيشه إلى قسمين، اصطحب معه تسعة آلاف، وهم الذين قدموا معه يوم جاء إلى العراق، وترك ثمانية آلاف بقيادة المثنى، وهم
стр. 159
الذين كانوا معه في العراق١، وكان عليه أن يتحرك بسرعة ليقطع المسافة بين الحيرة في العراق، وبصرى في بلاد الشام بأقل مما يمكن من الوقت، والمعروف أن المسافة بينهما لا تقل عن ستمائة ميل، واختار طريق عين التمر -قراقر٢- سوى٣ -أرك٤ -تدمر- القريتين -الغوطة- بصرى، ويتميز هذا الطريق بأنه خال من قلاع الفرس، والبيزنطيين ومسالحهم، ويصل بسالكه إلى بصرى دون أن يتعرض لهجمات العدو، لكنه يمر بمفازة قاحلة طويلة تحتاج إلى مسيرة خمسة أيام بلياليها، لا ماء فيها ولا كلأ، وتنتشر عليها بعد "سوى" قبائل متحالفة مع البيزنطيين، وبعد اجتيازها مغامرة قد تكون مميتة إن لم ينتصر من يغامر فيها على سراب رمال الصحراء، وعلى عطشها، ولهيب شمسها خمسة أيام متتالية، إنه طريق خطر على الرغم من قصر مسافته.
خرج خالد من الحيرة في "٨ صفر ١٣هـ/ ١٤ نيسان ٦٣٤م"، وأرسل رسالة عامة إلى المسلمين في بلاد الشام يخبرهم بأمر الخليفة بنجدتهم، ورسالة خاصة إلى أبي عبيدة يخبره بأمر الخليفة تعيينه قائدًا عامًا لجيوش المسلمين في هذه البلاد٥.
كان أبو عبيدة في الجابية حين أتاه عمرو بن الطفيل مبعوث خالد بالرسالتين، فقرأ على المسلمين الرسالة الأولى، واحتفظ لنفسه بالرسالة الثانية، وعلق عليها قائلًا: "بارك الله خليفة رسول الله فيما رأى، وحيا خالدًا بالسلام"٦.
اجتاز خالد مع قواته المفازة بمعاونة الدليل رافع بن عميرة الطائي، فكان يسير في الليل مهتديًا بكوكب الصبح ويستريح في النهار، ولتأمين الماء للحملة، خصص خالد، بناء على اقتراح رافع، عددًا من الإبل السمان، فأعطشها أيامًا، ثم أوردها الماء حتى امتلأت أجوافها، ثم قطع مشافرها حتى لا تجتر، كما اصطحب كل جندي معه معدات المياه المنفردة، فكان كلما نزل مكانًا للراحة ينحر عشرًا من تلك الإبل، ثم
стр. 160
يشق بطونها، ويأخذ ما فيها من الماء فيروي الخيل منه، ويطعم أفراد الجيش من لحومها، ويرتوي هؤلاء مما حملوا من الماء على ظهور الإبل، ثم يتابع سيره إلى أن أشرفت المفازة على نهايتها، وأشرفت الإبل على النفاذ، كما نفذ الماء المحمول على ظهورها، وأحضى الجيش عرضة للهلاك عطشًا، وكان فجر اليوم الخامس حين بلغ الجيش موقع سوى، فخشي خالد أن يهلك أفراده عطشًا، فنادى رافعًا، وسأله عن الماء فطمأنه قائلًا: "خير، أدركتم الري، وأنتم على الماء"، ودلهم على بئر ماء مطمور، فحفروا ونبع الماء، فشرب الجند والإبل والخيل١، واستراح أفراد الجيش برهة في سوى، ثم تابعوا سيرهم حتى وصلوا إلى تدمر، وصالح أهل مصيخ بهراء وأرك، خالدًا بعد أن اصطدم بهم٢.
تجنب خالد حين حاذى إقليم الجزيرة الفراتية أن يصطدم بالبيزنطيين الذين كانوا يحتلونه، واجتهد، حين أشرف على بلاد الاشم، وأراد أن يتوغل فيها؛ ألا يترك خلفه مواقع قائمة للبيزنطيين، أو لحلفائهم من العرب، فإن الشام غير الجزيرة.
فتح تدمر:
كانت تدمر من المراكز العسكرية المحصنة، فحاصرها المسلمون من كل جانب، وقد تحصن بها أهلها، فهددهم خالد، وقد أصر على فتحها، ويبدو أنهم أدركوا حرج موقفهم في ظل غياب الدعم البيزنطي، فمالوا إلى طلب الصلح، وفتحوا أبواب مدينتهم للمسلمين٣.
فتح القريتين ٤ وحوارين ٥:
واصل المسلمون سيرهم حتى وصلوا إلى القريتين، فاعترضهم أهلها، وجرى اشتباك بين الطرفين أسفر عن انتصار المسلمين، ثم مروا بحوارين، فتحصن أهلها وراء أسوارهم، وطلبوا مساعدة عاجلة من المدن والقرى المجاورة، فجاءهم جيشان الأول من بعلبك، والثاني من بصرى، يبلغ عديدهما أكثر من أربعة آلاف مقاتل، لكن المسلمين اصطدموا بهما قبل أن
يصلا وشتتوهما، واضطر أهالي حوارين إلى قبول الصلح٦.
стр. 161
خريطة معسكرات المسلمين بالشام
стр. 162
خريطة أجنادين
стр. 163
خريطة حصار دمشق
стр. 164
توجه المسلمون بعد حوارين باتجاه الجنوب قاصدين غوطة
دمشق، فاعترضتهم قبيلة غسان بقيادة الحارث بن الأيهم، وجرى اشتباك بين الطرفين أسفر عن انتصار المسلمين، وتراجعت غسان إلى حصون دمشق، وواصل المسلمون تقدمهم حتى بلغوا الثنية، ووقفوا على التل المعروف بهذا الاسم، ونشروا عليه الراية السوداء المسماة بالعقاب وهي راية النبي، ولهذا سمي المكان بثنية العقاب١، وأغاروا على بعض قرى الغوطة، وعسكروا أمام الباب الشرقي لدمشق على دير صليبا، وفي رواية أن خالدًا عسكر على باب الجابية الغربي، وأجرى مباحثات مع أسقف المدينة، وعامل هرقل منصور بن سرجون أسفرت عن معاهدة صلح، وكتب خالد كتاب الصلح "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطي خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها، أعطاهم أمانًا على أنفسهم، وأموالهم وكنائسهم، وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله، وذمة رسول الله ﷺ ، والخلفاء والمؤمنين، لا يفرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية"٢، والواضح أن دمشق لم تكن هدف خالد الآني، إنما أراد أن يحمي مؤخرة جيشه عندما يستأنف
الزحف باتجاه الجنوب.
واجتاز المسلمون الغوطة من الشمال إلى الجنوب حتى وصلوا إلى قناة بصرى، وكانت لا تزال بأيدي البيزنطيين، وعليها أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد٣، فاجتمعت الجيوش الإسلامية الأربعة أمامها، ويذكر بأن خالدًا قطع المسافة بين الحيرة، وبصرى في ثمانية عشر يومًا.
فتح بصرى:
في ظل هذه الظروف، ومع تنامي خطر الاصطدام مع البيزنطيين، حاول خالد أن يأخذ زمام المبادرة في الوقت الذي كان فيه عمرو بن العاص يتراجع بمحاذاة الضفة الغربية لنهر الأردن، يرهقه جيش تيودور، ووجد نفسه
أمام خيارين:
الأول: تجميع الجيوش الإسلامية الأربعة في بصرى بعد الإيعاز إلى عمرو بن العاص بالإسراع نحوهم، والانضمام إليهم، ثم انتظار جيش أنطاكية البيزنطي الزاحف باتجاه الجنوب بقيادة وردان حاكم حمص، والاشتباك معه في ذلك المكان.
الثاني: الإسراع لنجدة عمرو بن العاص، والاشتباك مع جيش تيودور، حتى إذا
стр. 165
فرغوا منه عادوا ليقاتلوا جيش أنطاكية، بعد أن يكونوا قد ضمنوا مؤخرتهم، ووطدوا أقدامهم في فلسطين١.
وتقرر اعتماد الخيار الثاني، وهو الأخطر والأصعب، وترتب على هذا الاختيار فتح بصرى أولًا للانطلاق منها نحو الهدف، لذلك شدد المسلمون الحصار عليها، وأجبروا أهلها على طلب الصلح، فكانت أول مدينة فتحت صلحًا في بلاد الشام، وأول جزية وقعت في هذا البلد في عهد أبي بكر، وفقًا لرواية البلاذري٢.
معركة أجنادين:
ارتد عمرو بن العاص نحو أجنادين الواقعة بين الرملة، وبيت جبرين، وتوقف فيها ينتظر وصول جيش تيودور الذي كان يتقدم نحوه متمهلًا،
وهو مطمئن إلى قوته وضعف عدوه، فوصل أيضًا إلى هذه البلدة، وانضم إليه نصارى العرب، وأهل الشام آملين أن ينالوا نهائيًا من المسلمين، ويخرجوهم من فلسطين، وكان مثل هذا العمل سيؤدي إلى إحراج المسلمين المنتشرين في المناطق الواقعة شرقي البحر الميت ونهر الأردن، ووضعهم في موضع مكشوف على نحو ينذر بالخطر، إذ كانت القوى الإسلامية بعيدة عنهم، ولعل وردان الذي تشير إليه بعض الروايات على أنه كان القائد العسكري في حمص، كان أيضًا في القيادة.
عقد خالد بن الوليد مجلسًا عسكريًا عندما علم بزحف البيزنطيين تقرر فيه تجميع القوى الإسلامية، والصمود في أجنادين، وجرى اللقاء في هذه البلدة يوم السبت في "٢٧ جمادى الأول ١٣هـ/ ٣٠ تموز ٦٣٤م"، دارت فيه الدائرة على القوات البيزنطية٣.
كانت معركة أجنادين مكشوفة، وأدت إلى جعل البيزنطيين أقل حماسة عما كانوا عليه من قبل لمجابهة المسلمين في الأماكن المكشوفة، والواقع أن الخوف كان يسبق القتال المكشوف، وقد نال المسلمون حرية نسبية مكنتهم من فتح معظم المدن دون مقاومة، وشل حركة المواصلات بين المدن.
واضطرت القيادة البيزنطية إلى تغيير خططها العسكرية، بالاعتماد على المدن
стр. 166
المحصنة كقواعد حماية لجنودها، والانطلاق لمناوشة المسلمين مع تجنب خوض معارك مكشوفة، مما قلص حركية القوى البيزنطية، وجعل المبادرة بيد المسلمين، إذ إن توزيع القوى في مدن مستقلة حال دون التعاون فيما بينها حيث شغلت كل مدينة بالدفاع عن نفسها، وأضعف قدرتها على مجابهة خصومها، وخلقت في نفوس سكانها عقلية دفاعية، ومع ذلك فقد كانت هزيلة مما يسر للمسلمين فتحها كما سنرى، وكان هرقل قد جمع سكان دمشق، وأمرهم أن يقفلوا الأبواب إقفالًا وثيقًا، وأن يأتمروا بأمر القائد الذي سيعينه عليهم، وشجعهم على الاهتمام بالدفاع عن أنفسهم.
بعد أجنادين:
اختلف الرواة والمؤرخون حول ما حصل بعد أجنادين، ويقول الطبري في ذلك: "ومن الأمور التي تستنكر وقوع مثل هذا الاختلاف الذي ذكرته في وقته لقرب بعض ذلك من بعض"١، ويمثل التاريخ الحولي للأحداث التي سوف أتحدث عنها إحدى المشكلات، التي لم يجر التوصل إلى حل لها في تاريخ صدر الإسلام، والروايات الواردة عند المؤرخين المسلمين متناقضة فيما بينها، وسوف انتهج خلال هذا البحث الترتيب الذي أراه أقرب إلى الصحة، والواقع من خلال النقد التاريخي للمصادر كلما أمكن ذلك.
يروي الأزدي أن خالدًا سار بالمسلمين بعد أجنادين إلى دمشق٢، وذكر المدائني وسيف أنه بعد أجنادين كانت اليرموك، ثم دمشق وفحل معًا٣، في حين تذكر روايات كثيرة أخرىأنه بعد أجنادين كانت فحل بالأردن٤، غير أن منطق الأحداث من خلال ترجيح الروايات التي أوردها الأزدي بفعل أنها أوثق بصفة عامة، كما أنها مقبولة، يحملنا على الاعتقاد بأن المسلمين قصدوا دمشق بعد أن انتهوا من معركة أجنادين.
الاصطدام في مرج الصفر:
توجه المسلمون إلى دمشق بعد أن فرغوا من أجنادين، عبر الجولان، ولما وصلوا إليها ضربوا عليها حصارًا مركزًا، فعكسر خالد تجاه دير صليبا، والذي عرف فيما بعد بدير خالد، وهو على مسافة ميل من الباب الشرقي، وعسكر أبو عبيدة على باب الجابية في حين نزل يزيد على جانب آخر من دمشق٥، ولم يشترك جيش
стр. 167
شرحبيل في الحصار، ويبدو أنه بقي في الجنوب لحماية مؤخرة المسلمين.
كان هرقل لا يزال يحشد قواته، ويدفعها لقتال المسلمين، فأرسل جيشًا بلغ تعداده خمسة آلاف مقاتل بقيادة درنجار١ لمساعدة أهل دمشق، وانضم إليه عدد كبير من حامية خمص، فاضطر المسلمون أن يخففوا الضغط عن دمشق، وساروا نحو مرج الصفر لاعتراض القوة البيزنطية التي لا بد وأن تمر من هذا المكان للوصول إلى المدينة، وجرى قتال بين الطرفين في "١٧ جمادى الآخرة ١٣هـ/ ١٨ آب ٦٣٤م"، أسفر عن انتصار المسلمين، فقتلوا عددًا كبيرًا من البيزنطيين، وفر من نجا من المعركة في كل اتجاه٢.
عاد المسلمون بعد انتهاء المعركة إلى دمشق، فنزل خالد على الباب الشرقي، وأبو عبيدة أمام باب الجابية، ويزيد على بعض أبوابها، وعمرو بن العاص على باب آخر، وجاءهم، وهم على هذا الحال، نعي الخليفة أبي بكر الذي توفي مساء الثلاثة في "٢١ جمادى الآخرة ١٣هـ/ ٢٢ آب ٦٣٤م"، وعزل خالد عن قيادة جيوش الشام، وتعيين أبي عبيدة بدلًا منه٣، لكن هذا الأخير أخر إشاعة نبأ العزل؛ لأن المسلمين كانوا في صدد تحضير فتح دمشق، ولم يشأ أن يحدث هذا التبديل أي بلبلة في صفوف الجيش الإسلامي، ولهذا كان هناك نوع من الأزدواجية في الإمارة على الجيش لدى محاولة فتح دمشق.
стр. 168
ال باب الثاني: عمر بن الخطاب ١٣-٢٣هـ/٦٣٤-٦٤٤م
الفصل السادس: استئناف الفتوح في عهد عمر:
فتوح العراق:
التعريف بعمر:
أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وينسب إلى عدي، فيقال له: العدوي، وأمه خثمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وكان نفيل جد عمر شريفًا نبيلًا تتحاكم إليه قريش١.
تعد عشيرة بني عدي من أوسط قريش قوة وجاهًا، على أنها لم تبلغ من المكانة في مكة قبل الإسلام ما بلغه بنو هاشم، وبنو أمية وبنو مخزوم، إذ لم يكن لها من الثروة ما لهم، ومع ذلك نافست بني عبد شمس على الشرف، وحاولت أن تبلغ مكانتهم، إلا أنها كانت على جانب كبير من العزة والمنعة، شغل أفرادها منصب السفارة، والحكم في المنافرات، فكانوا المتحدثين عن قريش إلى غيرها من القبائل فيما ينجم من خلاف يتوجب حسمه بالمفاوضات، وبفعل التنافس العشائري، اضطر بنو عدي في حياة الخطاب، والد عمر، إلى الجلاء عن منازلهم القائمة عند الصفاء، وانحازوا إلى عشيرة بني سهم، وأقاموا في جوارها.
ولد عمر بن الخطاب في عام ٤٠ قبل الهجرة، وقبل حرب الفجار الآخر بأربع سنين٢، ونشأ في مكة وترعرع في بيئة وثنية في ظل والده الخطاب، وكان فظًا عليه
стр. 169
يكلفه بالأعمال الشاقة، ويضربه ضربا مبرحًا إذا قصر في ذلك العمل، وقد تأثر بالبيئة التي عاش فيها كغيره من فتيان مكة وشبابها، تعلم الفارسية، والقتال حتى أضحى من أبطال قريش في الجاهلية، مهاب الشخصية، مرهوب الجانب، يدافع عن عبادة الأصنام بقوة، أجاد الكتابة والخطابة، والمفاخرة، تذوق الشعر ورواه، واعتلى منزلة رفيعة بين القرشيين في الجاهلية، فكان مكلفًا بالسفارة لهم.
وعندما بعث النبي محمد ﷺ ، وآمن به عدد من القرشيين وسكان مكة، كان عمر شديد الأذى عليهم، ويرى أنهم خرجوا على دين قومهم، وبالتالي تجب محاربتهم، فكان من أشد أهل مكة خصومة للدعوة الإسلامية، ومحاربة لها؛ لأنه رأى في تعاليم الإسلام ما يقوض النظام المكي، ويثير الفساد في مكة، لقد فرقت الدعوة الإسلامية كلمة قريش، ولا بد من وضع حد لها بالتخلص من صاحبها.
كان النبي يعرف تمامًا هذه الخصال في شخص عمر، ويطمع في إسلامه، ويرى بعض الذين أسلموا مبكرًا استحالة إسلامه، لكن النبي كان يدعو، ويلح بالدعاء: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" ١، وكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.
كانت نفس عمر تضطرب، فإذا خرج إلى قومه، ورأى تفرقهم ساءه ذلك حتى عزم على القضاء على مصدر الفتنة، وظل هذا الخاطر يتردد في نفسه حتى أمر النبي محمد ﷺ أتباعه بالهجرة إلى الحبشة فرارًا إلى الله بدينه، وبعد أن صبت قريش جام غضبها، وعذابها عليهم.
وساد مكة، بعد الهجرة إلى الحبشة، جو كئيب من الوحشة، إذ كان الذين هاجروا من الكثرة بحيث تركوا فراغًا هائلًا شعر به ذوو النفوس الحساسة، والعواطف الرقيقة، وكان من بينهم عمر بن الخطاب الذي انتابه قلق، وانقباض حتى فارقه المرح الذي عهد منه، وراح عمر يفكر في الحالة التي وصلت إليها مكة، ومرت به خواطر من الماضي حيث كان محمد لا يزال صغيرًا بينما هو الآن قد خرج، بعدما كبر، بتعاليم جديدة، أراد أن يفرضها على أهل مكة، تجعل الصديق يشهر سيفه في وجه صديقه، وتفرق الجماعة، وتفرض على الأغنياء أن يساعدوا الفقراء، وتلقي العداوة بين الأخ وأخيه.
وقرر عمر أن يضع حدًا لتلك الأحداث، وإخماد الفتنة التي تجتاح مكة نتيجة
стр. 170
تعاليم محمد، فصمم على قتله، وأثناء عودته إلى بيته ليستعد لتنفيذ الخطة الحاسمة شاهد جارة له كان يعذبها، قد جمعت متاعها، ووقفت أمام منزلها تنتظر زوجها ليخرجا معًا إلى الحبشة، فاقترب منها، وبادرها قائلًا: "إنه للانطلاق يا أم عبد الله"١، ولم يكن في صوته حدة أو دليل عدوان، فأجابته: "نعم، والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله فرجًا"٢، وسكت عمر وراح يفكر خلال صمته بجارته التي ستخرج أيضًا لتلحق، وزوجها بمن سبقهما، وازداد حزنه حتى رق قلبه لهذا الفراق، وسرت الرقة في صوته، وهو يحاورها، ويقول لها: "صحبكم الله" حتى طمعت في إسلامه لما تنبهت إلى تغيير نبرة صوته، واختلاف حركاته، قال لها زوجها عندما أخبرته: "فلا يسلم الذي رأيته حتى يسلم حمار الخطاب"٣.
أما عمر فقد خرج من بيته بعد قليل متوشحًا سيفه، ويمم وجهه صوب دار الأرقم حيث يجتمع محمد بأصحابه، ليقتله أمامهم وبخاصة حمزة الذي ضرب أبا جهل وشجه في رأسه، ثم اعتنق الإسلام، حتى يلقنه درسًا قاسيًا، ولا يجرؤ بعد ذلك على تهديد فرسان قريش، وقد صمم على قتله إن هو حاول أن يعترضه، أو يدافع عن ابن أخيه، وبذلك يكون قد أخمد الفتنة التي أحدثتها تعاليم محمد.
وفجأة لقيه أحد أصدقائه، وهو نعيم بن عبد الله النحام من بني عدي، وكان قد أسلم سرًا، فسأله عن وجهته، فأجابه عمر: "أريد محمدًا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله"٤، وقال له صاحبه وهو يحاوره، وقد خشي على محمد غضبة عمر، فأراد أن يصرفه عما اعتزم: "والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدًا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتقيم أمرهم"٥.
غضب عمر لكلام نعيم، فلم يكن يعلم بإسلام أخته فاطمة، وختنه وابن عمه سعيد بن زيد، فنسي غايته التي خرج من بيته لأجلها، وولى وجهة شطر بيت أخته، وقد انتفخت أوداجه بنار الغضب، وما إن وصل إلى المنزل حتى سمع صوت هيمنة لرجل غريب يتلو، فقرع الباب بشدة فزع لها من بالداخل، وسألوا من بالباب، فأجاب: "أنا عمر" فارتج عليهم عندما سمعوا صوته وارتبكوا، وأسرعوا يخفون ما
стр. 171
كان من أمرهم، فاختبأ خباب من الأرت الذي كان يقرؤهما القرآن، في بعض البيت، وأخذت فاطمة الصحيفة التي كان يقرأ منها فأخفتها خلفها، وقام زوجها ليفتح الباب، ودخل عمر هائجًا يدور بعينيه في أرجاء الدار يبحث عن مصدر الصوت الذي سمعه، فلم ير أحدًا غير أخته وزوجها، فسألهما بغضب: "ما هذه الهيمنة التي سمعت" فأنكرا خوفًا منه، ثم صرخ في وجههما: "لقد أخبرت أنكما تبعتما محمدًا على دينه"، فتقدم من زوج أخته، وضربه بمقبض سيفه، فسال دمه، وقامت أخته فاطمة تدافع عن زوجها، فضربها عمر أيضًا فشج رأسها، عند ذلك اعترفت له "نعم قد أسلمنا، فاصنع ما بدا لك"١.
وعندما رأى عمر الدم يسيل من رأس أخته تخاذلت قواه، فهدا وراح يحاسب نفسه حتى ندم على تصرفه، ثم وقع نظره على الصحيفة التي كان يقرأ منها خباب، فطلب من أخته أن تطلعه عليها لينظر ما جاء به محمد، فأعطته إياها بعد أن طلبت منه أن يغتسل، ثم قرأ ما أذهله وملأ قلبه روعة، فقال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"، وسمع خباب وهو في مخبئه قول عمر، فاندفع إليه قائلًا: "يا عمر فإني أرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" ٢.
وأسرع عمر من فوره إلى دار الأرقم، فقرع الباب بلهفة وعنف، ففتح له حمزة وتهيأ للقائه إن بدر منه شر، لكن النبي أراد أن يردع عمر بنفسه، فقام للقائه، وأمسكه بطرف ردائه، وجذبه جذبة قوية ارتعد على إثرها عمر، وما أفاق حتى سمع محمدًا يقول له: "ما جاء بك يا ابن الخطاب، فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة"، فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم٣.
وعارض عمر أسلوب استخفاء المسلمين، وأبى إلا أن يخرجوا إلى الكعبة ليؤدوا الصلاة فيها جهارًا أمام القرشيين، ووافق النبي على الفكرة، وفي اليوم التالي، خرج المسلمون يمشون في طرقات مكة نحو الكعبة في صفين، على أحدهما حمزة وعلى الآخر عمر، فسماه النبي منذ ذلك الوقت بالفاروق؛ لأنه فرق
стр. 172
بين الحق والباطل١، وهكذا أسلم عمر بن الخطاب في السنة السادسة من البعثة، وهو يومئذ ابن تسع وعشرين سنة وأشهر، وعدد المسلمين لا يزيد عن أربعين٢.
دخل عمر في دين الله بالحمية نفسها التي كان يحاربه من قبل بها، إذ ما لبث حين أسلم أن حرص على أن يذيع في قريش كلها إسلامه، وبإسلامه وبإسلام حمزة من قبل، شعر المسلمون بالمنعة، والقوة حتى قال عبد الله بن مسعود: "إن إسلام عمر كان فتحًا ... ولقد كنا لا نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلم أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه"٣.
وعندما أذن النبي لأصحابه بالهجرة إلى المدينة كان عمر من أوائل المهاجرين. وقد حضر مع النبي غزوة بدر، وأحد والمعارك كلها، وشارك في كثير من السرايا وقاد بعضها، وتزوج النبي ابنته حفصة.
كانت لعمر مواقف حادة، وشديدة ضد أعداء الإسلام، وقد قال رسول الله ﷺ في حقه: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٤، نذكر منها: "اقتراحه قتل أسرى بدر حتى لا يعودوا لمناوأة المسلمين، على الرغم من إقرار جماعة المسلمين قبول الفداء، ونزل الوحي مؤيدًا رأي عمر في أمر الأسرى٥، فزاد ذلك عمر قربًا من النبي، ومكانة عنده، ورفض عمر صلح الحديبية مع قريش لظنه أن في بعض بنوده مهانة للمسلمين، فراح يناقش النبي في ذلك٦.
ولعمر مواقف أخرى ملفته بطول المقام عن شرحها، منها: موقفه من عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين ومن حكم الخمر، ومن نساء النبي٧، وهي تكشف عن جانب من شخصيته التي كانت تزداد وضوحًا، وقوة على مر الزمن.
وبرز عمر في السياسة العامة، لذلك كان النبي يدعوه وزيره، وحين يشاور أصحابه يجعل لرأي عمر مكانة تعدل مكانة الرأي الذي يبديه أبو بكر، على أن صرامة عمر، وصراحته وشدته، ومخالفة النبي لرأيه في بعض ما أشار به لم تنقص يومًا من مكانة عمر، أو من احترامه، وذلك بأنه كان مخلصًا صادقًا في كل ما يراه، ويشير به.
стр. 173
كان عمر زاهدًا، فعندما أصاب أرضًا بخيبر، أتى النبي فقال: "أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به"، فأجابه النبي: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت به"، فتصدق عمر بها للفقراء، وذوي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله والضيف.
نتيجة هذه الصفات التي اتصف بها عمر، كان موضع تقدير واحترام كل المسلمين، على الرغم مما كان فيه من غلظة وشدة، وكان عمر سندًا لأبي بكر، وقد ذكرنا في فصول سابقة مواقفه من بعض القضايا التي واجهت الخليفة الراشدي الأول.
بيعة عمر:
عندما مرض أبو بكر وشعر بدنو أجله، فكر في أمر خلافته، وخشي إن هو توفي، ولم يعهد بالخلافة إلى أحد، أن يتجدد الخلاف بين المسلمين، كما حدث في سقيفة بني ساعدة، ولئن اختلفوا هذه المرة، فيكون اختلافهم أشد خطرًا، وربما أدى إلى الفتنة، وقد تشمل كافة العرب، وذلك بفعل اتساع الدائرة، إذ لم يعد الأمر محصورًا بين المهاجرين والأنصار.
أما إذا استخلف وجمع كلمة المسلمين على من يستخلفه، فقد يتقي ما يخشى، ويكفل لسياسة الفتوح الاستمرارية والنجاح، فرأى ببعد نظره أن يحتاط لهذا الأمر تلافيًا للأخطار، وقد دفعته الظروف إلى العمل بأسلوب آخر يختلف عن الأسلوب الذي تولى بموجبه شئون الأمة من حيث الشكل، ويتفق معه من حيث الروح, وهكذا نتعرف على صورة جديدة من صور البيعة المؤسسة على الشورى، وعلى اجتهاد أبي بكر وبعد نظره.
وراح أبو بكر يستعرض سير أصحابه، ومواقفهم ليختار من بينهم رجلًا يكون شديدًا في غير عنف، ولينًا في غير ضعف، فوجد أن من توفرت فيه هذه الصفات من أصحابه أحد رجلين، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، إلا أن الأول ربما يريد الأمر، فيرى في طريقه عقبة فيدور إليه، والثاني يرى الاستقامة لا يبالي بالعقبة تقوم بين يديه، فهو بهذا إلى الشدة أميل منه إلى اللين.
وأدرك بخبرته وتجربته أن عبء الخلافة الثقيل لا يستطيع أن يتحمله شخص آخر سوى عمر، ففضله على غيره بفعل مرونته السياسية، كما أن الصفات الأخرى التي اصطبغ بها، ومالت به إلى إيثار الخير العام على نفسه، وأهله وذويه، ثم إن هذا التفكير الذي انتهى إلى تطابق في المواقف من قضية الفتوح مع الخليفة الراشدي الأول،
стр. 174
كان دافعًا آخر لأبي بكر على التصميم على اختيار عمر خلفًا له، أما القول بأن هذا الاختيار جاء ردًا على مساندته له في سقيفة بني ساعدة، فهو بعيد الاحتمال، بفعل أن أحدًا من الصحابة لم يحتج على اختيار عمر، يضاف إلى ذلك أن عمرًا كان لصيقًا بأبي بكر أثناء خلافته، وأتاحت له هذه الميزة أن يطلع على دقائق الأمور أثناء تسيير دفة الحكم، فاكتسب مزيدًا من الخبرة في الشأن العام، ربما حرم منها كثير من الصحابة، فإذا هو تسلم الحكم فهو أهل له.
وراح أبو بكر، بعد أن قرر اختيار عمر لخلافته، يستشير كبار الصحابة من أهل الحل، والعقد ليقف على توجهاتهم وآرائهم، فلم يجد معارضة لديهم، بل ثناء على هذا الاختيار، باستثناء ما ظهر من تردد عند بعضهم، مثل طلحة بن عبيد الله الذي خشي أن يفرق جماعة المسلمين بفعل غلظته وشدته، لكن سرعان ما تلاشى١، ثم عرض قراره على الأمة، وخاطب المسلمين في المسجد، فما تردد أحد، وقالوا جميعًا: "سمعنا وأطعنا"٢.
والواقع أن أبا بكر لجأ إلى هذا الأسلوب مضطرًا، وعلق خلافة عمر على رضا الناس، كما أنه لم يستخلف أحدًا من أبنائه أو أقربائه، وأكد اجتهاده في هذا الاختيار بقوله: "فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به، ورجائي فيه، وإن بدل وغير، فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"٣، وبعد أن اطمأن إلى ضمان موافقة المسلمين، دعا عثمان بن عفان، وأملى عليه أمر الاستخلاف ليكتبه٤.
وهكذا أضاف أبو بكر إلى معجم الفكر السياسي الإسلامي مصطلحًا جديدًا هو الاستخلاف أو العهد، وهو شكل من أشكال الترشيح، أو البيعة الخاصة، أو البيعة الصغرى، ولا بد من البيعة العامة، أو البيعة الكبرى بعد ذلك، وقد تحققت في المسجد.
ودعا أبو بكر عمر، فعهد إليه وأوصاه باستكمال الفتوح، وذكره بما يجب على ولي أمر المسلمين من تحري الحق، وبأن الله ذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راهبًا، فلما فرغ من وصيته خرج عمر من عنده، وهو يفكر في هذا المر الذي ألقي على عاتقه، فود لو أن أبا بكر برئ من مرضه ليواجه موقفًا دقيقًا٥.
стр. 175
دعي عمر بن الخطاب خليفة أبي بكر الصديق، أو خليفة رسول
الله، ولما آنس المسلمون في اللقب طولًا، سموه الخليفة على إطلاقه، وأمسى هذا لقبا لرئيس دولة الإسلام، ثم أضافوا إلى عمر لقبًا جديدًا يتماشى مع حركة الفتوح هو لقب أمير المؤمنين، وهو أول من تسمى به.
دعوة المسلمين إلى الجهاد:
حتى وفاة أبي بكر جرت في سواد العراق غارات، ومناوشات عديدة بين المسلمين، وبين الفرس ومن ساندهم من العرب المنتصرة القاطنين هناك، لكن هؤلاء عجزوا عن وقف هجمات المسلمين كما كان عليه الحال مثلًا في معركة عين التمر، وكانت الفرق الإسلامية تجوب أراضي السواد مغيرة على هذه القرية أو تلك، لكن في المدة، بين رحيل خالد بن الوليد
ووفاة أبي بكر، لم تحدث إلا اصطدامات محدودة، بفعل أن جيش العراق ضعف
بغياب خالد، وبخاصة أنه فصل معه أكثر من نصف القوات، وانهمك الفرس في المقابل في الصراعات الداخلية، والتنافس على الحكم، مما أدى إلى ركود الجبهة العراقية، واضطر المثنى، على الرغم من براعته القتالية، أن ينكفئ إلى الحيرة، وتحصن بها، إلا أنه احتفظ بكل ما غنمه المسلمون من سواد العراق، صحيح أنه
انتصر على جيش فارسي في بابل، وجهه شهربراز بن أردشير بقيادة هرمز جاذويه في "أواخر ربيع الأول ١٣هـ/ أواخر أيار ٦٣٤م"١، إلا أنه تحصن بعد انتصاره في مواقعه الأولى خشية أن يباغت مدركًا في أنه لن يستطيع التقدم، وإن استطاع المقاومة، بل تصبح المقاومة مستحيلة إذا تكتل الفرس، والعرب الموالون لهم مرة أخرى، فضلًا عن أنه لا يستطيع أن يحتفظ بالإنجازات المحققة، فكيف إذا قرر التقدم، لذلك كان لا بد من تعزيز القوة الإسلامية الموجودة
تحت تصرفه، فغادر العراق إلى المدينة ليبحث مع أبي بكر في الوضع الميداني على الجبهة العراقية، ويقدم له مشروعًا جديدًا للتعبئة العامة من واقع تجنيد من ظهرت توبته من أهل الردة، وعندما وصل إليها وجد أبا بكر مريضًا، ولما أفضى إليه ما جاء من أجله، استدعى عمر وأوصاه بندب الناس مع المثنى إذا توفي٢.
وما كاد عمر يفرغ من دفن أبي بكر بعد وفاته حتى دعا الناس إلى التطوع لحرب الفرس مع المثنى، وركز على تعبئة المسلمين على الجبهة العراقية، وأدى المثنى دورًا بارزًا في ذلك حين اجتمع به، وشرح له الوضع الداخلي المتدهور للفرس،
стр. 176
وشجعه على إرسال المسلمين لتكثيف حملاتهم على أراضي السواد، إذ لا بقاء لهم في العراق، إذ لم تعزز قواتهم هناك بمدد قوي١.
أحجم معظم المسلمين، عن الاستجابة لنداء عمر، إذ كانت العرب تهاب الفرس، وتخاف الخروج لقتالهم، وذلك بفعل هيبتهم، وسطوتهم وشدة بأسهم في القتال، والواقع أن حدود فارس تبدو صعبة في نظر العرب، وخطرة ورهيبة في أعينهم، كما كانت تثير كثيرًا من الاحترام في قلوبهم، ويتجنبون تجاوزها خشية من ملوك الفرس لاعتقادهم بأنهم على قدر من القوة يكفل لهم إدخال شعوب سائر الدول تحت سلطانهم، لكن المثنى استدرك الموقف، وشرح للمسلمين حقيقة الوضع الفارسي المنهار٢.
أدرك عمر، من واقع الوضع الميداني، عظم المهمة، ورأى في المقابل ضآلة حجم الاستجابة، فلا بد إذن من إشراك كافة المسلمين، ودفعهم لمواجهة رد الفعل الفارسي، إنه استوعب العلاقة العضوية المباشرة بين إمكان توحيد جميع القبائل العربية الإسلامية، وإنهاء التصدعات الموجودة بينها، وبين التنظيم الواسع لحملات الفتوح، لهذا كان أول إجراء سياسي اتخذه هو رفع هذا الحاجز بين القبائل التي استمرت على إسلامها بعد وفاة النبي، وبين القبائل التي ارتدت، فدعا من كان قد ارتد، وحسن إسلامه للاشتراك في الفتوح، وقد أحدثت هذه الانعطافة تطورات جوهرية، وفتحت آفاقًا واسعة، وجديدة لحركة الفتوح القائمة على أراضي دولتي الفرس وبيزنطية، الأمر الذي أسفر في وقت قصير جدًا عن تغيير طابع هذه الحملات تغييرًا كليًا٣.
كان صدى دعوة عمر عند قبائل الردة من نوع آخر تمامًا قياسًا بقبائل المدينة، فقد استجابت هذه القبائل لدعوة الخليفة، وكأنها كانت تنتظرها، وسارعت بإرسال جموعها إليه لتلبية هذا النداء الذي طال ترقبها له.
وهكذا رفع الحاجز بين المدينة، وبين قبائل الردة، وأخذت هذه تتدفق على المدينة بتسارع مذهل طالبة الاشتراك في الفتوح، مثل بجيلة بقيادة جرير بن عبد الله البجلي٤.
стр. 177
اختار عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي قائدًا للجيش؛ لأنه أول من لبى النداء، متجاوزًا المثنى الذيء أرسله إلى العراق على عجل لتهيئة الأجواء، واستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، وأوصاه بالحذر، والتيقظ واستشارة أصحاب النبي، وبعدم التسرع في الحرب١.
الوضع الداخلي في فارس:
ساد البلاد الفارسي آنذاك جو من الاضطراب بسبب الصراع على العرش، وتهاوى عدة ملوك في تسارع مستمر وفي مدة زمنية قياسية، ففقد الفرس بذلك فرصة استغلال الموقف الناجم عن مغادرة خالد العراق، ورحيل المثنى إلى المدينة لاستعادة الأراضي التي خسروها أمام المسلمين، وطرد هؤلاء من العراق٢.
أثارت أحداث فارس بوران بنت كسرى أبرويز التي اعتلت العرش الفارسي بمساعدة القائم رستم حاكم خراسان، ثم رأت في شخصه القائد الذي ينقذ فارس من كبوتها، من التردي الداخلي، والتقهقر العسكري أمام المسلمين، فملكته وعينته على حرب فارس، وأطلقت يده في السلطة مدة عشر سنوات يكون الملك بعدها لآل كسرى، وأمرت ولاة المملكة وأعيانها بطاعته، فاستجابوا لها، وبذلك أنهى الفرس صراعاتهم، واتحدوا لمواجهة الزحف الإسلامي، واستردت المملكة قوتها السابقة٣.
أقدم رستم على خطوة أولى وهي خلق وعي قومي فارسي في المدن، والقرى التي فتحها المسلمون، وإثارة سكانها ضد حكامهم الجدد، فأرسل العمال والنقباء إلى جميع مدن العراق ليثيروا الحمية الدينية والقومية، فاندلعت نتيجة ذلك، الثورة ضد المسلمين في جميع مدن الفرات، وفقد هؤلاء المناطق التي كانت بحوزتهم٤.
وجهزت بوران جيشًا كبيرًا بقيادة نرسي ابن خالة كسرى، وجابان وهو أحد أثرياء العراق المعروفين، بعدائه الشديد للمسلمين، وسلك هذان القائدان طريقين مختلفين تحسبًا من أن ينقض عليهما المسلمون، فوصل نرسي إلى كسكر بين الفرات، ودجلة وعسكر فيها بناء لأوامر رستم، وتخطى جابان الفرات إلى الحيرة، ونزل في موقع متقدم، وفي النمارق بين الحيرة والقادسية، وطلب القائدان مزيدًا من القوات من المدائن تعزيزًا لصفوفهما٥.
стр. 178
ووصل المثنى في هذا الوقت، إلى الحيرة، ولما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة، أدرك أنه لا قبل له بلقاء من عبأهم الفرس، فآثر الحذر وانسحب من الحيرة إلى خفان١، وأدركه أبو عبيد فيها٢.
معركة النمارق ٣:
عبأ أبو عبيد جيش المسلمين البالغ عشرة آلاف مقاتل٤، وزحف من خفان نحو النمارق، وعسكر بمواجهة جابان، وفي المعركة التي دارت الطرفين في "٨ شعبان ١٣هـ/ ٨ تشرين الأول ٦٣٤م"، هزم الفرس، ووقع جابان في الأسر، ولم يكن يعرفه المسلمون، فتمكن بدهائه من خديعة آسره، ففدى نفسه وهرب، كما أسر القائدان جوشن شاه ومردان، وقتل الثاني على يد آسره٥.
معركة السقاطية:
توجه من نجا من الفرس إلى كسكر لينضم إلى جيش نرسي، فطاردهم المثنى حتى درنا٦، ووصلت في ذلك الوقت أنباء هزيمة جابان إلى المدائن، فجهز رستم جيشًا آخر بقيادة الجالينوس، ودفعه إلى المعركة مددًا لنرسي، وتمنى هذا الأخير أن يدركه قبل الاشتباك مع المسلمين، فراح يناور ويتمهل في خوض المعركة، غير أن أبا عبيد لم يمهله كثيرًا، واصطدم بقواته في الساقطية الواقعة جنتوبي كسكر قرب واسط، وذلك في "١٢ شعبان ١٣هـ/ ١٢ تشرين الأول ٦٣٤م"، وانتصر عليه، وفر نرسي في جو الهزيمة القاتم٧.
رفعت هذه الانتصارات الروح المعنوية للمسلمين، وحفزتهم على تكثيف حملاتهم في السواد، فأرسل أبو عبيد مجموعات صغيرة من الجيش لمطاردة فلول الفرس، والإغارة على قرى السواد، وتم لأول مرة سبي السكان، وتوزيعهم على المقاتلين كجزء من الغنيمة٨.
стр. 179
شعر أهل القرى في السواد بعجزهم عن مواجهة غارات المسلمين، والحد منها وبخاصة أن القوات الفارسية قد انسحبت من المنطقة، فاضطروا إلى مهادنتهم على أن يؤدوا لهم الجزية، ويدخلوا في ذمتهم١.
معركة باقسياثا ٢:
عسكر الجالينوس في باقسياثا، وتقوى بمن انضم إليه من فلول جابان، فاصطدم به أبو عبيد في "١٧ شعبان ١٣هـ/ ١٦ تشرين الأول ٦٣٤
م" وهزمه، وفر القائد الفارسي من أرض المعركة، وعاد إلى المدائن٣، وانتشر المسلمون في قرى السواد، وغلبوا على تلك البلاد.
معركة الجسر ٤:
أثار الانتشار الواسع للمسلمين في قرى السواد حفيظة الفرس الذين بدأوا يستوعبون مقدار الخطر الحقيقي الذي يهددهم، فجهزوا جيشًا آخر قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، وأرسلوه إلى الحيرة، بقيادة بهمن جاذوبه وهو أشد العجم على العرب المسلمين، ورافقه الجالينوس، واصطحب معه راية فارس الشهيرة "درفش جاويان"٥ لتحفيز الهمم، وعددًا من الفيلة.
ويبدو أن رستم أراد أن يكسب معركة أمام المسلمين تعيد إلى دولته موازنة الموقف، ولحكومته هيبتها، ولجيوشه روحها المعنوية، وثقتها بنفسها.
رأى أبو عبيد، عندما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة؛ أن يتمهل ويتحصن
стр. 180
في مكان أكثر أمنًا، ويراقب تحركات الجيش الفارسي، فارتحل عائدًا إلى الحيرة. وعندما تناهي إلى أسماعه أن وجهته الحيرة، قرر أن يصطدم به خارجها، فخرج منها وتوجه إلى قس الناطف، فعبر الفرات واستعد لمواجهته، وصل بهمن جاذويه إلى قس الناطف، وعسكر على الضفة المقابلة، وفصل نهر الفرات بين الجيشين، وخير بهمن أبا عبيد إما أن يعبر إليه، أو يدعه يعبر إلى الجانب الإسلامي على الرغم من معارضة أركان حربه، فخسر بذلك مكانًا ملائمًا للعمليات العسكرية وفقًا لأساليب العرب القتالية؛ لأن فيه "مجال وملجأ، ومرجع من فرة إلى كرة"١، ونسي نصيحة عمر إذ بعثه، وتحذيره له من أرض المكر والخديعة، وتحكمت به عواطفه "لن يكونوا أجرأ على الموت منا"٢، في الوقت الذي كان أحوج إلى التفكير العقلاني الهادئ، والتخطيط السليم بعيدًا عن انفعالات العواطف.
عبر المسلمون نهر الفرات فوق جسر أقيم لهذه الغاية، وقد ترك لهم بهمن مكانًا ضيقًا أجبرهم على النزول فيه خاليًا من مجال الكر والفر، مما أفقدهم حرية الحركة والانتشار، وميزة المناورة، ففرض بذلك عليهم المعركة، وأسلوب القتال، ارتكب أبو عبيد خطأ آخر حين قطع الجسر حتى يحول دون تفكير جنوده بالتراجع والانسحاب.
ودارت بين الطرفين رحى معركة ضارية أدت الفيلة فيها دورًا كبيرًا، بل إنها حددت نتائجها مبكرًا حيث كانت تجفل خيل المسلمين، وإذ حشر هؤلاء في مكان ضيق، فقد أمطرهم الفرس بالسهام، ومزقوا صفوفهم، حتى عضهم الألم، وكانت معركة غير متكافئة قتل خلالها أبو عبيد تحت أقدام الفيلة مع عدد من القادة المسلمين، عندئذ أدرك المثنى حرج الموقف، وأن المعركة خاسرة، فخطط للانسحاب آملًا أن يرتد المسلمون في نظام وهدوء، فعقد الجسر، لكن عبد الله بن مرثد الثقفي بادر إلى قطعه، ومنع الجنود من العبور حتى يموتوا على ما مات عليه أمراؤهم أو يظفروا، مبرهنًا عن قصر نظر في الحقل العسكري، إذ عندما تعرض المسلمون لضغط قتالي متزايد لم يكن أمامهم سوى طريق النهر للفرار، فتواثبوا إليه، فغرق من لم يصبر في حين أسرع القتل فيمن صبر، وأخيرًا تمكن المثنى الذي جرح في المعركة من إزاحة عبد الله، وأعاد وصل الجسر، وانسحب مع من بقي من