← История

История · id 9911

تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

محمد سهيل طقوش

Полный текст (492 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك، قال خالد: أوما تراه لك صاحبًا؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، فقال له: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال خالد: هذه بعد تلك، وكان عبد الله بن عمر، وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالدًا في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم فينا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه"١. قد تكون هذه الرواية أقرب إلى القبول؛ لأنها تذكر سبب ردة مالك بن نويرة، ومن اتبعه من قومه، وهي امتناعه عن دفع الزكاة لأبي بكر، كما أن كلامه بحق النبي لا يصدر عن شخص مخلص في إسلامه، ألا يرى مالك أن النبي سد له وصاحب؟ ومع ذلك فقد تضمن الاستجواب إشارتين إلى إسلام مالك، وهما القول بأنه على استعداد لإقامة الصلاة، وقوله لخالد: "أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة" غير أنه رفض دفع الزكاة، وهنا يوصف بأنه مرتد معاند، وأن تصريحاته الاستفزازية لم تدع مجالًا لخاير آخر سوى القتل، ومن هنا أيضًا استقى خالد حجته عليه بعد أن كشف نواياه التي لا تخرج من قلب سليم الإيمان، ومع ذلك فإن خالدًا لم يتسرع في إصدار الحكم عليه، وجادله عليه يتمكن من إقناعه بالعودة عن ردته، إلا أنه أصر على موقفه، فلم يبق في نفس خالد بعد ذلك موضع للشك في ردته، فعقد العزم على قتله، ورفض أن يرسله إلى أبي بكر كما أرسل غيره، أمثال قرة بن هبيرة والفجاءة السلمي وغيرهما، ولم يكن مالك بأقل قدرا منهم، إلا أنه كان أعظم إثمًا٢، وأستبعد أن يكون أصدقاء خالد اختلقوا حديثًا متقن الحبكة يضع عنه الوزر؛ لأن مالكًا إذا كان مطلعًا على الإسلام هذا الاطلاع الحسن، والذي يمكنه من مناقشة خالد في دقائقه، فمعنى ذلك أنه كان مسلمًا٣، والراجح أنه لم يكن مسملًا وقت قتله على الأقل. وتصب شهادة أبي قتادة الأنصاري في مصلحة مالك، إذ أنكر على خالد فعله، فظن ما حدث حيلة من حيله، فذهب إليه، وقال: "هذا عملك، فزبره خالد، فغضب، ومضى حتى أتى أبا بكر"، فأثار القضية أمامه٤، والراجح أن إقحام اسم أبي قتادة هو

стр. 72

من نوع التمويه والتضليل، وأن يكون هذا الرجل بخاصة هو الذي يدلي بالشهادة ضد خالد، فأمر يستحق النظر؛ لأنه هو نفسه كان قد عارض خالدًا في أمر بني جذيمة، وانتقده انتقادًا كبيرًا١، أو كان للحادث في نفسه صورة أخرى، فهم منها أبو بكر ما أملى عليه قوله في رده على عمر "تأول فأخطأ". يضاف إلى ذلك، فقد شاهد عشرات من الصحابة ما شاهد أبو قتادة، ولم يتصرفوا مثله، أما عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي حضر الجلسة، فعلى الرغم من أنه خالف خالدًا، وعبر عن رأيه في هذه القضية إلا أنه لم يخرج على قائده، وهذا من فقه ابن عمر؛ لأنه علم أن خالدًا، ومن معه من الصحابة الذين وافقوه على قتل مالك لا يصدرون أحكامهم عن هوى، وأنهم إن أخطأوا فقد تأولوا٢. تتحدث بعض روايات التاريخ الإسلامي عن اختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر، وعمر في هذه القضية، فتجري إحداها أنه لما بلغ خبر مقتل مالك، وأصحابه عمرًا، قال: "إن في سيف خالد رهقًا٣، فإن لم يكن هذا حقًا، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك"، فأجابه أبو بكر: "هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد"، وأضاف: "لم أكن لأشيم سيفًا سله الله على الكافرين"، وودى مالكًا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل٤. وثمة مشهد حدث في المسجد يلخص حكاية جرت في المدينة حيث يظهر خالد عند أبي بكر قادمًا من أرض بني تميم، فيدخل المدينة مصحوبًا بكل علائم الحرب، ويلتقي عمر في مسجد النبي، فيذله ويرميه بتهمه يلقي بها في وجهه: "قتلت امرأ مسلمًا ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك"، فلم يكلمه خالد، ومضى في اضطراب بالغ إلى أبي بكر، وهو يظن أن رأيه مثل رأي عمر. وجرى حوار بين الرجلين اعتذر في نهايته خالد أمام أبي بكر، فعذره وتجاوز عنه، لكنه عنفه في التزويج الذي كانت العرب تجمع على كراهته أيام الحرب، وأمره أن يفارق امرأة مالك، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، ودخل بيته"٥. الواضح أن هذه الرواية قد استغلت من واقع توجيهها دون مراعاة لحرمة

стр. 73

أصحاب رسول الله: فتصور خالدًا في صورة تجافيها المروءة، وينكرها الدين، وتشمئز منها الرجولة، ولا يرضى عنها عامة الناس، وتحشر رجلًا هو ثالث ثلاثة، فنجعل منه محورًا تدور عليه فصولها، وذلك هو عمر بن الخطاب، وهي تحمل في طياتها عوامل الشك فيها، منها: - أنها تصور خلافًا حادًا في الرأي بين أبي بكر، وعمر في تقييم ما صنع خالد، وهو خلاف غريب في حادث يمس حدًا من حدود الله، وإذا لم يكن الاتفاق ضروريًا بين المجتهدين، فليس هذا الحادث من مواضع اختلاف المجتهدين؛ لأنه اختلاف في تكييف الحادث لا في فهم النص، وتطبيقه،١ بالإضافة إلى ماهية السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف الدقيق من حياة المسلمين تجاه المرتدين، وقيام الثورة في أنحاء الجزيرة العربية٢. - لا يمكن الوصول إلى دلالة "ابن أم شملة"، التي هتف بها خالد في وجه عمر أثناء خروجه من عند أبي بكر، لكن مما لا شك فيه أن خالدًا لم يكن يكنى بذلك عن والدة عمر، ولكن مجرد المخاطبة بلقب ابن امرأة ينطوي وحده على إهانة بالغة، وهذا بعيد عن سلوك الصحابة. - لم تذكر هذه الرواية لأحد من أصحاب رسول الله رأيًا في هذه القضية سوى أبي بكر وعمر، ولا سيما أنها تتعلق بتصرف أكبر قادة المسلمين الذي إذا صح ما نسب إلى عمر في إتهامه لخالد، لكان جزاء هذا القائد في الشريعة الإسلامية القتل، ولا يحق للخليفة تعطيل أحكام الدين، أما بقاء المتهم في مقامه في صدارة الدولة، فهذا يتناقض مع ما عرف عن الصحابة من شدة البحث عن الحقيقة٣، فهل اقتدى أبو بكر بالنبي عندما لم يضع نهاية لتقدير خالد عن تصرفه مع بني جذيمة، ولم يقم الحد عليه، والمعروف أن الحادثين متشابهتان في حيثياتهما من حيث الالتباس في إسلام القوم من وجهة نظر فئة من المسلمين، والتأكيد على عدم إسلامهم في نظر خالد على الأقل، وهو أمير السرية آنذاك وإليه يعود تقدير الأمور٤. - عندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر، وكان رجلًا قوامًا على حدود الله، جريئًا في الحق، وكان خالدًا يومئذ أميرًا على عامة جيوش المسلمين في

стр. 74

بلاد الشام، فلم يرجمه بأحجاره كما توعده، ولم يقتله قصاصًا بمالك وأصحابه، أما عزله عن الإمارة، فلم تكن قضية مالك بن نويرة سببًا من أسبابها على وجه اليقين١. وتتباين المصادر أيضا في وضع أرملة مالك بن نويرة، ويمكن أن نطرح عدة أسئلة تتعلق به مثل: هل تزوج خالد أم تميم امرأة مالك أم اتخذها محظية فحسب؟ وهل عاشرها فورًا، أم بعد انتهاء عدتها، وكيف تطورت العلاقة بينهما بعد ذلك؟ يروي الطبري: "وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب، وتعايره"٢، وثمة رواية أخرى: "وقبض خالد امرأته "امرأة مالك"، فقيل: اشتراها من الفيء وتزوج بها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلى نفسه، فأجابته"، فطلب من ابن عمر، وأبي قتادة أن يحضرا النكاح فأبيا٣، وتجري رواية ثالثة على لسان عمر أثناء قدوم خالد للاجتماع بأبي بكر: "قتلت امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته"، وكأنه يتهمه بالزنى، ومع هذه النظرة العامة، فإن المسألة لم تحسم بعد، لكن معظم المصادر تتحدث عن زواج، على أن الوضع الشرعي يوصف بمسألة ما إذا كان يجوز له أسر زوجة مسلم، أما الزواج من أرملة، فلم يكن يحول دونه شيء إذا تم الالتزام بمدة العدة الشرعية إلا أن تكون غير مسلمة، أما معاشرة الأسيرة "الأمة"، فلم يكن يوجد تقييد لها، وكان الاستحواذ على نساء المغلوبين من قبل المنتصر ما يزال أمرًا مألوفًا، وعلى هذا لا يتوافر التصرف الجرمي إلا إذا كان مالك، وأم تميم مسلمين، وعند ذلك فإن عملية الزواج تكون متفرعة من أصل عملية القتل، فإن كان قتل مالك حلالًا، فلا شيء على خالد، وإن كان قتله حرامًا، فجرم القتل أعظم من جرم الزواج، وجرم قتل الجماعة أخطر من جرم قتل الفرد الواحد, ومن المستبعد أن يضع خالد نفسه في موقف دقيق من الوجهة الشرعية، والراجح أن تكون الروايات عن زواج مع الإشارات المؤيدة لها إلى انتظار مدة الطهر، إنما تم إيرادها لتدعيم وضع مالك من حيث كونه مسلمًا٤. والخلاصة أن سلسلة من الحقائق يمكن وضعها في مواضعها المحكمة من العملية التاريخية، إذ تواجه المرء أكثر من رواية لا تنسجم بالضررة مع الصورة العامة للردة، فإذا كان خالد قد اقترف ظلمًا عندما قتل مالكًا بن نويرة، فماذا يبقى إذن بعد ردة بني تميم؟ أتراهم بالفعل كانوا مسلمين جميعًا؟ وهل كان من الممكن

стр. 75

القضاء على التذبذب لدى زعماء القبائل الذين تتحدث عنهم أكثر المصادر مودة بلغة تهديد بالغة الضآلة من قبل المدينة؟ وهل كان تجلد أبي بكر، وثباته يكفيان لإدماج قبيلة تميم الكبرى من جديد في المجتمع الإسلامي؟ إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بسهولة عندما يفكر المرء في حال المصادر، ذلك؛ لأن هدف المؤرخين كان يتمثل على ما يبدو في خفض حجم ردة بني تميم إلى مستوى شخص مالك، بل تقديمه في صورة المسلم الذي يساء تقدير إسلامه١.

стр. 76

القضاء على ردة بني حنيفة: الزحف نحو اليمامة: عاد خالد من المدينة إلى البطاح بعد أن كلفه أبو بكر بقتال مسيلمة في اليمامة، وزوده بقوة عسكرية إضافية ضمت جماعة من المهاجرين، وممن شهد بدرًا والقراء، فبلغ عديد جيشه، ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألف مقاتل، كما زوده بتعليمات سياسية، وعسكرية محددة تنم عن وعي كامل لرجل دولة يواجه تحديات كبرى١. والواقع أن المسلمين لم يواجهوا أي قتال ضار خلال القضاء على المرتدين قبل اليمامة، حيث كانت القبائل التي هاجمت المدينة عقب وفاة النبي، وبيعة أبي بكر، لا يدعي أحد من أفرادها النبوة، ولا تطمع في شيء إلا أن تعفى من الزكاة، وتضاءلت قوة طليحة بعد انقضاض القبائل عنه، ولم تكن أم زمل بقادرة على خوض معركة ناجحة بمن اجتمع حولها من فلول تلك القبائل، وكان بنو تميم على خلاف داخلي، في الوقت الذي وهنت سجاح من قوة مالك بن نويرة، فمل يكن بينه، وبين خالد قتال. أما الوضع في اليمامة، فكان مختلفًا، فقد أنكر بنو حنيفة نبوة محمد، ووضعوا أنفسهم بمصاف قريش، فلها نبي ورسول ولهم نبي ورسول، كما كان لهم مكانة بين العرب تضارع مكانة قريش، وفيهم من الجند الشجعان أضعاف جند قريش، وهم إلى ذلك كتلة متراصة لا يفت في عضدهم خلاف، ولا يضعضع من عزمهم تنافس، وليس بينهم تفاوت في العقيدة والجنس، فكانوا أولي بأس شديد، كما انتصروا على جيشين إسلاميين أرسلهما أبو بكر لإخضاعهم، الأول بقيادة عكرمة بن أبي جهل، والثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة٢.

стр. 77

وصل خالد إلى أراضي بني حنيفة، وبعد أن درس الوضع الميداني وضع خطة عسكرية من شقين: الأول: إرباك العدو وإضعافه، وتوهين عزائمه، فيما يسمى في عصرنا بالحرب النفسية، وذلك عن طريق الإنذار والتهديد. الثاني: الاصطدام المسلح به. ففي ما يتعلق بالشق الأول، فقد حاول استقطاب بعض أشراف بن حنيفة، والطلب منهم التأثير على أتباع مسيلمة، وسلخهم من جيشه، عن طريق الترهيب والترغيب، لكن محاولته فشلت في دق إسفين بين بني حنيفة، ومسيلمة، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها١، فقد جاءت نتائجها الإيجابية محدودة جدًا، وظل بنو حنيفة متكتلين حول مسيلمة، وقد نظروا إلى هذا الصراع من زاوية قبلية محضة. وفي ما يتعلق بالشق الثاني، فقد توغل في أراضي بني حنيفة، وهو على تعبئة، استعدادًا للقاء المرتقب مع مسيلمة، وكان هذا الأخير قد عسكر بعقرباء في طرف اليمامة عندما علم بزحف المسلمين جاعلًا ريف اليمامة، وحصونها وراء ظهره، وعبأ جنوده البالغ عددهم أربعين ألفًا استعدادًا للمواجهة، وعسكر خالد في مواجهته، وتأهب الجمعان لخوض أشرس معركة سمع بها العرب حتى ذلك الحين، يعلق كل طرف مصيره بمصير ذلك اليوم، ولم يبالغ أي منهما في تقدير هذا الأمر، فيوم اليمامة من الأيام الحاسمة في التاريخ المبكر للإسلام، وفي تاريخ العرب. معركة عقرباء: ابتدأت المعركة بمبارزات فردية قبل أن يلتحم الجمعان في عدة جولات، وتعرض المسلمون في بداية المعركة لضغط قتالي شديد مما اضطر خالدًا إلى تعديل خطته العسكرية، فأجرى تغيرات جذرية في وضع الجيش من خلال تمييز المقاتلين حسب قبائلهم٢, ويقصد به أن تمتاز كل فرقة عن أختها، أي تفترق عنها وتقاتل منفردة، وقد هدف من وراء هذا التعديل أن: - يعرف بلاء كل فرقة على حدة. - يعرف المسلمون من أبلى بلاء حسنًا، ومن صمد منهم في المعركة، ومن ضعف وانهزم. - إثارة التنافس بين المسلمين للقتال حتى أقصى مداه.

стр. 78

وفعلًا، فقد أثارت هذه التغييرات القوة العصبية، والحمية الدينية لدى المقاتلين المسلمين، فاشتد التنافس بينهم، وبلغت الحماسة الدينية الأوج، فكل فرقة تقاتل تحت رايتها، وتود أن تنال النصر وشرف الغلبة، فيندفع جنودها إلى الموت١. استمر القتال في الجولة الأخيرة عدة ساعات، كثر فيها عدد القتلى من الجانبين، وثبت بنو حنيفة لوقع السيوف، ولم يحفلوا بكثرة من قتل منهم، فأدرك خالد عندئذ أن الحرب لا تخف وطأتها ما بقي مسيلمة بين بني حنيفة، وأن العدو لا ينهزم إلا إذا قتل، ولن تنتهي بالمعركة إلا بموته، لذلك شدد ضغطه القتالي، فاضطر مسيلمة إلى التراجع، ودخل حديقته مع عدد كبير من أتباعه، وأغلق بابها لتخفيف الضغط، حاصر المسلمون الحديقة، واقتحموها وجرى بداخلها قتال ضار، ولاحت لوحشي، مولى المطعم بن عدي، وقاتل حمزة في معركة أحد، وكان قد أسلم بعدها، فرصة انكشف مسيلمة خلالها أمامه، فضربه بحربته، فأصابه ووقع أرضًا، فانقض عليه سماك بن خرشة بسيفه وأجهز عليه٢. شكل مقتل مسيلمة بداية النهاية لهذه المعركة الضارية، ووضع حدًا لذلك القتال الشديد، إذا تزعزعت قوة العدو وانهارت، واشتدت في المقابل قوة المسلمين، ففتكوا بجنود مسيلمة فتكًا ذريعًا لم يترك لمجاعة من مرارة الحنفي، الذي تولى القيادة بعد مقتل مسيلمة، الخيار، فأعلن استسلامه، وطلب الصلح٣، تكبد بنو حنيفة واحدًا وعشرين ألف قتيل، فيحين تكبد المسلمون ألفًا ومائتي قتيل٤، وتقرر الصلح على البندين التاليين: - يسلم بنو حنيفة نصف ما عندهم من الذهب، والفضة والسلاح، والخيل، وربع السبي، وحائطًا من كل قرية ومزرعة. - يعصم المسلمون دماءهم على أن يدخلوا في الإسلام٥. والواقع أنه لم تعرف الجزيرة العربية في تلك العصور موقعة كان فيها ما كان في معركة عقرباء من دماء، لذلك أطلق المسلمون على حديقة مسيلمة، وهي حديقة الرحمن، اسم حديقة الموت، كما عرف هذا اليوم بيوم اليمامة٦.

стр. 79

ظهور اتجاه معارض للصلح: لقي صلح خالد -مجاعة، معارضة من الجانبين الإسلامي والحنفي، فقد عارضه فريق من الأنصار بزعامة أسيد بن حضير، وأبي نائلة اللذين تمسكا بوصية أبي بكر إلى خالد عندما أرسله لقتال بني حنيفة: "إن أظفرك الله ببني حنيفة، فلا تبق عليهم"، لذلك، أشارا عليه برفض الصلح، والإجهاز على القوم، لكن خالدًا أبى الانصياع لهذه المشورة، وبخاصة أن المسلمين أنهكتهم الحرب، وأنه أبرم صلحًا مع القوم لا يجوز نقضه، فاقتنع الأنصار، وكتب خالد إلى أبي بكر بالصلح الذي أبرمه، فأجازه١. وعارض سلمة بن عمير الحنفي، وهو أحد قادة بني حنيفة، الصلح وراح يحرض قومه على القتال، لكنهم رفضوا الاستجابة له، وبخاصة أن القتال كان قد أجهدهم، وتكبدوا خسائر فادحة في الأرواح بحيث لم يبق سوى النساء والأطفال، والشيوخ، والضعفاء من الرجال٢. عودة بني حنيفة إلى الإسلام: وحشر بنو حنيفة للبيعة والبراء مما كانوا فيه، وجيء بهم إلى خالد في معسكره، فبايعوا وأعلنوا توبتهم منن الردة، وعودتهم إلى الإسلام، ثم فتحت الحصون وأخرج ما فيها من السلاح، والحلقة والكراع، والذهب والفضة، فقسمه خالد على الجند وعزل الخمس، فأرسله إلى أبي بكر مع وفد من بني حنيفة تدليلًا على توبتهم، فجددوا إسلامهم أمامه٣. زواج خالد من ابنة مجاعة: بعد أن اطمأن خالد إلى النصر، وأتم الصلح، وتسلم زمام الأمر؛ طلب من مجاعة أن يزوجه ابنته، فوافئق بعد تردد، وتعرض خالد للنقد من جانب الخليفة، لكنه دافع عن نفسه، وبين وجهة نظره في هذا الزواج٤. إن قراءة متأنية لكتاب أبي بكر إلى قائده ورد خالد عليه، توضح لنا موقف كل منهما من هذه التطور الحدثي. ففيما يتعلق بموقئف أبي بكر، فقد عاب على خالد أنه: - فارغ النفس من الهموم، لا يشغله ما كان حريًا أن يشغل غيره من المسلمين ممن يقف في موقفه.

стр. 80

- لم يحزن على قتلى المسلمين، ودماؤهم لم تجف بعد، ولم يصرفه هذا الحزن عن التفكير في الزواج، والتعريس بالنساء استجابة لعواطفه. - خدع عن رأيه حين صالح القوم بعد أن أمكنه الله منهم، وكان باستطاعته أن يستأصل شأفتهم، وبخاصة أنه يخطب إلى الرجل الذي خدعه١، فيرتبط معه برباط المصاهرة بعد الذي بدر منه٢. وفيما يتعلق بموقف خالد: - جاء دفاع خالد عن نفسه حازمًا في لين، صريحًا في صدق، قويًا في هدوء. - إن النصر ولو مع التضحية لا يبقي في النفوس الكبيرة آثار الآلم، ولواعج الأحزان، ولقد تم للقائد السرور بالنصر المؤزر، وفرت به الدار ببسط سلطانه على أعدائه. - يؤكد خالد ما يبرر خطبته إلى هذا الرجل الذي خدعه حتى لا تندفع الأوهام الضعيفة في التظنن بالقائد الفذ، كما وقع التظنن في زواجه بامرأة مالك بن نويرة من قبل، فهو يعلن أنه قد خطب إلى رجل هو سيد قومه، فيما يمنعه من أن يجعل الخطبة إليه وسيلة من وسائل الاستقرار، وتطييب النفوس، على أن الخطبة سعت إليه دون تخطيط مسبق، ولو عمل إليها من المدينة قصدًا لها ما كان عليه في ذلك من عتاب. - أبدى خالد حزنه على قتلى المسلمين، بشكل واضح، وأن هذا الحزن كان كفيلًا أن يرد الحياة إليهم، لو كان حزن يرد الحياة إلى ميت، وكان كفيلًا أن يخلد من كان من المسلمين باقيًا، لو كان الله كتب البقاء، والخلود لأحد من الأحياء٣. ولا بد أن نشير في هذا المقام إلى النتائج العامة لمعركة اليمامة الشهيرة، فقد: - أعادت الموازين إلى حجمها في الجزيرة العربية. - أنهت أسطورة مسيلمة. - أوقعت الرعب في قلوب بقية المرتدين في الجزيرة العربية، وبخاصة في تهامة التي تجمعت فيها فلول ممن انضوى تحت قيادة مسيلمة، من مدلج وخزاعة، وكنانة بقيادة جندب بن سلمى المدلجي، وراحوا يجوبون المنطقة بين صنعاء ونجران.

стр. 81

فأرسل إليهم عتاب بن أسيد، عامل أبي بكر على مكة، أخاه فاصطدم بهم في الأبارق وانتصر عليهم، وفر جندب من أرض المعركة"١. - أظهرت الألمعية القيادية التي اتصف بها خالد، والتي ستتجلى في حروب الفتوح. القضاء على الردة في البحرين: استمرت الردة مشتعلة في البحرين، وعمان ومهرة واليمن، وحضرموت وكندة، وهي ممالك تقع كلها على شاطء الخليجين العربي، والعماني والبحر الأحمر، وهي بعيدة عن الحجاز، وشمالي الجزيرة العربية، وتفصلها عنها صحراء الربع الخالي، وبحكم موقعها الجغرافي، كان لفارس عليها سلطان ونفوذ، وهو أكثر وضوحًا في البحرين وعمان، وقد استوطنتهما جاليات فارسية، كانت فارس تمدها بنفوذها، وتدعمها بقواتها في أوقات الشدة، وبحكم واقعها هذا لم يتجذر الإسلام في نفوس سكانها، فكانوا آخر من دان بالإسلام في عصر الرسالة، كما كانوا أول من ارتد بعد وفاة النبي، ثم سيكونون آخر من يعود إلى الإسلام بعد حروف طاحنة تختم حروف الردة. بدأ المسلمون بالبحرين؛ لأنها تجاور اليمامة، وقد استوطنتها بنو بكر بن وائل، وبنو عبد القيس من ربيعة، وأقامت جماعة من التجار الهنود، والفرس في الثغور من مصب الفرات إلى عدن، كان ملك هذه الأنحاء، المنذر بن ساوى العبدي زعيم عبد القيس، وكان نصرانيًا، لكنه اعتنق الإسلام حين دعاه العلاء بن الحضرمي مبعوث النبي إلى البحرني في السنة التاسعة للهجرة، واقتدى قومه به. وتوفي المنذر في السنة التي توفي فيها النبي، فارتد بنو بكر بزعامة الحطم بن ضبيعة، وملكوا عليهم المنذر بن النعمان بن المنذر بن سويد، وكان يسمى الغرور، وهو من سلالة المناذرة الذين حكموا الحيرة يومًا، واستمر بنو عبد القيس على إسلامهم توجيه من زعيمهم الجارود بن المعلى، وحاصر المرتدون بني عبد القيس في جواثا٢، فأرسل إليهم أبو بكر قوة عسكرية بقيادة العلاء بن الحضرمي، وعسكر الطرفان في مواجهة بعضهما، وخندقا على أنفسهما، ثم جرى اشتباك بينهما أدى إلى انتصار المسلمين، وقتل الحطم في المعركة وأسر الغرور، وفر من نجا إلى جزيرة دارين٣ واعتصموا

стр. 82

بها، فلحقهم المسلمون، وجرى بين الطرفين قتال شديد دارت الدائرة فيه على المرتدين الذين قتلوا عن آخرهم، وكتب العلاء إلى أبي بكر بخبره بما فتح الله عليه، واستقر المسلمون في البحرين١. القضاء على ردة أهل عمان، ومهرة وعك والأشعريين: كانت عمان تابعة لفارس، وعليها أمير يدعى جيفر بن عبد الله بن مالك من بني سليم، وقد أرسل إليه النبي عمرو بن العاص، فأسلم على يديه، أقام عمرو بين القوم حتى وفاة النبي حيث عاد إلى المدينة بعد أن ارتد أهل عمان، وفر جيفر إلى الجبال، ولم يرتد مع المرتدين٢. تزعم ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي حركة الارتداد، وادعى النبوة مقتديًا بغيره، وكان يعرف بالجلندي، وعندما بلغت أخبار الردة مسامع أبي بكر أرسل ثلاث فرق عسكرية إلى المنطقة، الأولى بقيادة حذيفة بن محصن الغلفاني الحميري، والثانية بقيادة عرفجة بن هرثمة البارقي الأزدي، والثالثة بقيادة عكرمة بن أبي جهل٣. والتقى الطرفان في دبا، وأسفر عن انتصار المسلمين، أقام حذيفة بعمان يوطد الأمور، ويسكن الناس، وعاد عرفجة إلى المدينة، ومعه خمس الغنائم، وتوجه عكرمة غربًا إلى مهرة، فأخضع سكانها من المرتدين بقيادة المصيح، أحد بني محارب٤. وارتدت قبائل عك والأشعريين بتهامة، وانضم إليهم الأوزاع، فتمركزوا في الأعلاب٥، وقطعوا المواصلات بين مكة والساحل، فتعطل الأمن على الطريق المؤدي إلى اليمن٦. كانت الطائفة أقرب المدن الإسلامية إلى هذا الطريق، فكتب عاملها طاهر بن أبي هالة إلى أبي بكر يشرح له الوضع المتدهور، ويستأذنه بإخضاع المرتدين، فإذن له، فاصطدم بهم في الأعلاب وهزمهم٧. القضاء على الردة في اليمن: تعرض اليمن بعد وفاة النبي لانقسامات سياسية حادة نتج عنها اضطراب في

стр. 83

أوضاعه، وقد تضافرت عدة عوامل، أججت الوضع الداخلي لعل أهمها عاملان: الأول: تنافس الزعامات القبلية، وتسابقها لاستعادة نفوذها السابق، متأثرة بانتشار الردة في مختلف أرجاء الجزيرة العربية. الثاني: عامل العصبية لقد أجرى أبو بكر تعديلات في السلطة في اليمن، فعين فيروزًا على صنعاء، وداذويه، وجشيشًا مساعدين له، وقيس بن هبيرة على الجند، كان الثلاثة الأوائل من الفرس في حين كان قيس عربيًا من حمير، وراودته أحلام السيطرة على كامل مخاليف اليمن، لذلك غضب من تدابير أبي بكر. والواقع أن قيسًا خشي من تصاعد نفوذ الأبناء، الذي يهدد النفوذ العربي في اليمن، فحاول استقطاب عرب اليمن جميعًا للقضاء عليهم، وبخاصة ذي القلاع الحميري١، ولعله أدرك قيمة حمير في أحداث اليمن، غير أن "ذا القلاع" لم يستجب له كما لم ينصر الأبناء، واكتفى بالرد عليه "لسنا مما ها هنا في شيء، أنت صاحبهم، وهم أصحابك"٢. ويبدو أن موقف الحميريين من هذا النزاع حتمه واقع الظروف الدينية، ذلك أن الأبناء كانوا مسلمين، ويتمتعون بحماية المدينة، وكل نزاع معهم قد تكون نتائجه سلبية على الوضع العام في اليمن، وبخاصة بعد ارتداد جماعات من اليمنيين، بحيث أضحى هذا البلد معرضًا لهجمات المسلمين من الشمال مما لا سبيل لليمنيين إلى مواجهته. حاول قيس، بعد فشله في استقطاب الحميريين، إقناع أتباع الأسود العنسي، فطلب منهم أن ينضموا إليه بفعل الأهداف المشتركة، وهي العداء للأبناء وطردهم من اليمن، فاستجابوا له، وهاجمت قوى التحالف صنعاء ودخلتها، وقتلت داذويه، وتربع قيس على دست الحكم، وفر فيروز وجشيش إلى جبل خولان، ملتجئين عند أخوال الأول، وانضمت إليهما جماعات من حمير في ظل استمرار إحجام الزعماء٣. وأقدم قيس على إجلاء أسر الأبناء عن اليمن، وحاز رضى أهل اليمن من مختلف القبائل، مما أثار فيروز، فاستقطب القبائل التي استمرت على إسلامها، وشكل منهم قوة عسكرية، واصطدم بقيس وأجلاه عن صنعاء، وعاد أميرًا عليها، ووافقه الخليفة على ذلك، وأمده بقوة عسكرية مساندة بقيادة طاهر بن أبي هالة٤.

стр. 84

والواقع أن عودة فيروز إلى الحكم، لم تحقق الأمن والسلم في ربوع اليمن، إذ استمر الثائرون على ردتهم، ويبدو أن الخصومة القديمة بين الحجاز، واليمن كانت حائلًا دون التوصل إلى تفاهم، وقاد عمرو بن معدي كرب جموع اليمنيين في حركة معادية للوجود الإسلامي، وسانده قيس، وحافظ أهل نجران على عهودهم مع المسلمين، فلم ينضووا تحت لوائه١. واجه أبو بكر هذه الثورة بحزم، فأرسل جيشين إلى اليمن أحدهما بقيادة عكرمة بن أبي جهل، والآخر بقيادة المهاجر بن أبي أمية لإخضاع اليمنيين، ويبدو أن الثائرين هالهم زحف المسلمين باتجاه بلادهم، وشعروا بعجزهم عن التصدي لهم، وبخاصة بعد أن دب الخلاف بين عمرو وقيس، وقبض الثاني على الأول وسلمه إلى المهاجر، فقبض هذا الأخير على الاثنين، وأرسلهما إلى أبي بكر الذي عفا عنهما٢، ودخل المهاجر صنعاء وتعقب فلول المتمردين، وعسكر عكرمة في الجنوب بعد أن استبرأ النخع وحمير، فانتهت بذلك الردة في اليمن، وعاد هذا البلد إلى حظيرة الإسلام٣. القضاء على الردة في كندة وحضرموت: كان النبي قد أمر بأن توزع بعض صدقات كندة في حضرموت، وبعض صدقات حضرموت في كندة، ويبدو أنه حدث خلاف بين سكان البلدين بشأن هذا التوزيع، والتبادل في الصدقات، وتوفي النبي في هذا الأثناء مما دفع سكان البلدين إلى الارتداد، واستجابت كندة لدعوة الأسود العنسي٤. كان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري عامل النبي على حضرموت، والمهاجر بن أبي أمية عامله على كندة، لكنه لم يتسلم منصبه حتى توفي النبي، وأناب عنه زيادًا بن لبيد، ويبدو أن هذا الوالي اشتد في جباية الصدقات، مما أثار الناس، وشكل دافعًا آخر للجنوح نحو الارتداد، ولما حاول قمع الثورة بالقوة، تعرض للهزيمة على يد الأشعث بن قيس الكندي، وتوسعت الثورة، فشملت كندة وحضرموت٥. خشي الوالي من استفحال الأمر، فاستنجد بالمهاجر في صنعاء فأنجده، كما أنجده عكرمة، وانضمت قواته إلى قوات المهاجر، وهاجمتا الأشعث بمحجر الزرقان وتغلبتا عليه، وفر الأشعث من ساحة المعركة، والتجأ إلى حصن النجير،

стр. 85

فحاصره المسلمون، وأرسل المهاجر في الوقت نفسه قوة عسكرية طهرت المنطقة حتى الساحل، أما عكرمة فقد تمركز في مأرب وفقًا لاتفاق القادة١. ويبدو أن المتحصنين في النجير أزعجهم توغل المسلمين في بلادهم، كما خشوا من عواقب إطالة الحصار، لذلك قرروا الخروج، والتصدي للمحاصرين، وهكذا حديث الصدام الذي أسفر عن انتصار المسلمين، وأسقط في يد الأشعث الذي اتصف بالتقلبات السياسية، فهو مع الجانب القوي دائمًا ليحافظ على حياته ونفوذه، فبدا له أن يسلم الحصن للمسلمين وينجو بنفسه. فذهب إلى عكرمة ليستأنس له من المهاجر على نفسه، وعلى تسعة من أتباعه، فطلب منه عكرمة أن يدون أسماءهم، فدونها، ونسى أن يدون اسمه معهم، وعندما دخل المهاجر إلى الحصن أطلق سراح التسعة، ولما لم يكن اسم الأشعث من بينهم قبض عليه، وأرسله إلى المدينة، وجرى حوار بينه وبين الخليفة، هو أقرب إلى المعاتبة، والتهديد بالقتل من جانب الخليفة، وانتهى بالعفو عن الأشعث بعد أن عاد إلى الإسلام، وأقام المهاجر وعكرمة في حضرموت، وكندة حتى استتبت الأمور تمامًا للمسلمين وتحقق الأمن، فكان ذلك آخر حروب الردة٢. نتائج حروب الردة ٣: انتهت حروب الردة في الجزيرة العربية، وقد شكلت حدثًا ترك آثارًا على أوضاع العرب المسلمين بعامة لعل أهمها: - شملت حروب الردة كافة أنحاء الجزيرة العربية كرقعة جغرافية، وأصابت كل شخص في المجتمع العربي حيث كان، إما مرتدًا أو ثابتًا على الإسلام، فهي إذن حروب أهلية من الصعوبة أن تمحى آثارها من ذاكرة العربي في مجتمع يقوم على الثأر، وبخاصة أن العرب كانوا حديثي عهد بالإسلام، إذ إن القتل أصاب مختلف القبائل التي ارتدت، فكان من الضروري فتح جبهات جديدة تحول اهتمام الناس عن الشأن الداخلي، فكانت الفتوح خارج نطاق الجزيرة العربية، مع الملاحظة بأن العامل الديني كان السبب الأبرز، والدافع الأول الذي دفع الجيوش العربية الإسلامية إلى الفتوح. - كانت الوحدة السياسية بعد الوحدة الدينية ضرورية لدفع العرب إلى جزيرتهم

стр. 86

التي تعد قاعدة الفتوح، فإذا كانت هذه القاعدة مضطربة، فكيف يمكن للفتوح أن تبدأ وتنجح وتستمر، وقد أناحت حروب الردة تحقيق هذه الوحدة، وتعبئة كل طاقات العرب، وحشدها للأعمال العسكرية التي تلت. - هناك صلة بين حركة الردة والفتوح، ذلك أن حجم واتساع حروب الردة كانت أول تدريب عسكري عملاني على الأرض لكافة العرب المسلمين في الجزيرة العربية، على مستوى الجيوش الكبيرة، ابتداء من الحشد، والتعبئة العامة إلى التحركات والسير والالتحام، إلى أعمال الدوريات، والحصار والجاسوسية والتدابير اللوجستية، ويذكر أن الحروب بين العرب في الجاهلية، وحتى عصر الرسالة كانت على مستويات أقل، فكانت حروب الردة أول حرب أشعلت كل الجزيرة العربية، واشترك في معاركها عشرات الآلاف من المقاتلين، وعليه يمكن وصف هذه الحروب بمثابة جسر عبر المسلمون العرب عليه إلى خارج الجزيرة العربية بهدف الفتح. - كانت حروب الردة فرصة موآتية لبروز قيادات عسكرية اكتسبت خبرة في القتال، وتدرجت من قيادة عمليات صغيرة محدودة الإمكانات إلى قيادة عمليات على نطاق أوسع، نذكر من بين هذه القيادات: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، والقعقاع بن عمرو، وأخاه عاصمًا وجرير بن عبد الله، والمثنى بن حارثة الشيباني وعدي بن حاتم، والنعمان بن مقرن وإخوته، وغيرهم كثير. - كانت حروب الردة مرحلة وسيطة من حيث الحجم بين غزوات النبي، وبين المعارك الكبرى للفتوح التي غيرت مجتمعات فارسية، وبيزنطية مثل اليرموك والقادسية وما بعدهما. - كانت حروب الردة ذات قيمة فنية لا تقدر، إنها أعطت المسلمين الثقة بالنفس، وبالنظام الذي اختاروه، وبالقدرة على الانتصار، وهي ثقة هامة وضرورية في مواجهة قوى كبرى تتمتع بقدرات مادية وكثرة عددية، هذا إلى جانب الإيمان بالهدف.

стр. 87

الفصل الرابع: أوضاع الدولتين الفارسية، والبيزنطية عشية الفتوح الإسلامية: أوضاع الدولة الفارسية ١: الوضع السياسي: يبرز أمامنا، في بداية هذا الفصل، سؤال كبير هو كيف تمكن المسلمون من تحقيق انتصارات مذهلة على الجيوش الفارسية، والبيزنطية "الرومية" النظامية، مع أنهم كانوا خارجين حديثًا من جزيرتهم، ولأول مرة، كمحاربين فاتحين لم يبلغوا من التطور ما بلغته الشعوب التي فتحوا بلادها. والواقع أن تلك الدولتين، وإن كانتا على شيء من الأبهة والعظمة، إلا أن الدولة الفارسية الساسانية٢ كانت تمر بمراحل شيخوختها، والدولة البيزنطية أهملت الدفاع عن حدودها الجنوبية مع الجزيرة العربية، كما كانت تمر بمرحلة تحول إدري عسكري بعد انتصارها على الفرس، ولم تجد الوقت الكافي للانتقال إلى الوضع

стр. 88

الجديد واستثماره، يضاف إلى ذلك، أنها كانت في نزاع مذهبي مع سكان بلاد الشام. استغل المسلمون هذه الأوضاع القلقة ليحققوا، بفضل إيمانهم، تلك الانتصارات المذهلة، ولا بد لنا من شرح موجز لأوضاع الدولية الفارسية، وتراجع النفوذ البيزنطي في بلاد الشام، ورصد تأثير ذلك على حركة الفتوح. كان العراق، الذي غزاه المسلمون بعد حروب الردة، جزءًا من الإمبراطورية الساسانية التي أسسها أردشير بن بابك في عام ٢٢٤م، وبعد أن توسع باتجاه الجنوب وسيطر على كرمان١، والخليج العربي والأهواز٢، وميسان٣، وتغلب على الجيش الأشكاني بقيادة أردوان، آخر الملوك الأشكانيين٤، التفت نحو الشمال، وسيطر على همذان٥ والجبال٦، وأذربيجان٧ وأرمينية٨، والموصل٩ واجتاز السواد١٠، ثم

стр. 89

بسط سلطانه على المناطق الفارسية الشرقية، وتجاوز خراسان١ إلى مرو، وبلخ وخوارزم٢، واتخذ المدائن عاصمة له، وأطلق على نفسه لقب شاهنشاه، أي ملك الملوك٣. توفي أردشير في عام٢٤١م٤ بعد أن أقام صرح الدولة على أساس وحدة الإقليم، وأخضع العروش الكثيرة التي تربع عليها ملوك الطوائف، إما باستعمال القوة أو بالإغراء بالمال، وحدد سياسته تجاههم وعلاقته بهم من جانب قوي، بوصفه الأقوى على الساحة السياسية والعسكرية، فمنحهم بعض الامتيازات مثل حق اختيار خلفه، وأشرك معهم رجال الدين، لكنه لم يقدر أنه سيكون من بين خلفائه أشخاص ضعاف، وأنهم سوف يخضعون لمشيئة هؤلاء مما سينعكس سلبًا على أوضاع الدولة. وأثبتت الأحداث السياسية، اللاحقة تذبذب ولاء هؤلاء لملك الملوك، وفقًا لتطورات الظروف السياسية مما أدخل البلاد في متاهات الصراع على السلطة والنفوذ، واضطر ملوك الملوك بعد أردشير أن يتعاونوا مع ملوك الإقطاع، ورجال الدين، الذين تزايد خطرهم بعد أن ملكوا القرى، والأراضي الشاسعة، وأضحوا مركز قو عسكرية ومادية، كما أضحى بقاء ملك الملوك أو سقوطه رهنًا بإرادتهم٥. تعرضت الدولة الساسانية خلال مراحل تاريخها لصراعات حادة على السلطة بين أفراد البيت الساساني، نذكر منها: صراع فيروز وأخيه هرمز ابنا يزدجرد بن بهرام حيث قتل الأول الثاني، وتولى الحكم "٤٥٩- ٤٨٤م"، وصراع بلاش وأخيه قباذ الأول، فقد خلف بلاش والده على الحكم "٤٨٤- ٤٨٨م"، فنازعه أخوه وخلعه، وتولى السلطة "٤٨٨- ٥٣١م"، وقتل هرمز "٥٧٩- ٥٩٠م" إخوته حتى لا ينافسوه على الحكم، كما قتل قباذ الثاني شيرويه "٦٢٨م" أباه وتخلص من إخوته حتى لا ينازعوه على السلطة.

стр. 90

وحتى يقوي المتنازعون مواقفهم لجأوا إلى الاستعانة بقوى بقوى خارجية غير مكترثين بما يترتب على ذلك من إذلال، وسقوط هيبة الحكم، نذكر منها: استعان بهرام جور "٤٢٠- ٤٣٨م" بالمناذرة١ العرب ليجلسوه على عرش أبيه يزدجر الأول، كما استعان قباذ الأول بالهياطلة٢ في صراعه مع أخيه بلاش، واستعان كسرى الثاني أبرويز "٥٩٠- ٦٢٨م" بالبيزنطيين لمحاربة بهرام جوبين الذي اغتصب العرش الساساني. وفقدت الدولة الساسانية وحدتها السياسية منذ عام ٦٣١م حين انقسمت على نفسها، ففي الشرق بويع لكسرى الثالث بن الأمير قباذ أخي كسرى الثاني، وفي المدائن، عين الأشراف ورجال الدين بوران دخت بنت كسرى الثاني أبرويز، وقد حكمت سنة وأربعة أشهر قبل أن تخلفها أختها آزرميدخت، وظهر في عهدها القائد رستم بن فرخ هرمزذ كأحد القادة الأقوياء، ويبدو أنه استاء من تولي امرأة عرش الأكاسرة، كما حنق عليها لقتلها والده، فزحف نحو العاصمة، واستولى عليها وعزل الملكة، وسمل عينيها. وتتابع على الحكم حكام ضعاف مثل هرمز الخامس وكسرى الرابع، لكن لم يكن معترفًا بهما إلا في بعض أجزاء البلاد، ثم تولى عرش الدولة الساسانية أحد عشر ملكًا على مدى أربعة أعوام، كان آخرهم يزدجرد الثالث ابن الأمير شهريار الذي استولى على الحكم بمساعدة القائد رستم٣. والواقع أن التفكك والضعف بدآ يظهران على جسم الدولة في الأعوام المضطربة، التي تلت موت كسرى الثاني أبرويز في عام ٦٢٨م بفعل السياسية العسكرية التي نفذها كسرى الأول أنوشروان "٥٣١- ٥٧٩م"، فمال التطور شيئًا فشيئًا نحو التسلط العسكري، واستقل كل قائد وحاكم ولاية بإقطاعه، وكأنه وراثي، وبخاصة عندما هوت الأسرة المالكة إلى تدهورها النهائي، وقد كثرت محاولات اغتصاب السلطة

стр. 91

من قبل القادة، وبعد تسلط هؤلاء آخر مرحلة من مراحل التطور السياسي أيام الساسانيين، ولكن نظام الإقطاع الذي برز في هذه المرحلة لم يكن لديه متسع من الوقت ليتحد قبل الفتح الإسلامي، ومنذ عهد فيروز الثاني الذي تولى الحكم بعد آزرميدخت، كانت جميع الأقاليم الواقعة شرقي مرو الروذ١ خارجة عن سلطة الدولة، ولم تكن هراة نفسها تابعة للساسانيين، وخضعت الولايات الواقعة على شواطئ بحر قزوين للديالمة، واستقرت الولايات الشمالية، والشرقية في أيدي ملوك وأمراء مستقلين. أضحى رستم الحاكم الفعلي لفارس، ولم تفلح جهود التي بذلها في إعادة اللحمة، والقوة إلى الدولة المتداعية، ووجد نفسه عاجزًا عن وقف زحف المسلمين الجارف. الوضع الاجتماعي: لم يكن تغيير الأسرة الحاكمة في فارس حدثًا سياسيًا فحسب، بل امتاز بظهور روح جديدة في الدولة، والطابعان المميزان للنظام الجديد هما تركيز قوى السلطان، واتخاذ دين رسمي للدولة، وإذا كان الطابع الأول هو عودة إلى التقاليد التي سادت أيام الملك دارًا٢، فإن الطابع الثاني يعد تجديدًا، وفي مقابل تطور الحياة العامة، والتنظيم الإداري، فإن الهيكل الاجتماعي، والإداري الذي أنشأه أو أكمله مؤسس الدولة الساسانية بقي حتى نهايتها من الأمور المقدسة التي لا تحتمل التغيير٣. قام المجتمع الفارسي على نظام ملزم للطبقات، ونصت الأوستا، الكتاب المقدس للفرس، على ثلاث طبقات هي: رجال الدين، رجال الحرب والحراثين، وأصحاب المهن والحرف، إذا استثنينا طبقة الحكام، غير أن تطور الحياة العامة في الدولة الساسانية، أفرز نظامًا سباعيًا على أساس سبع طبقات، وقسمت كل طبقة بدورها إلى عدة أقسام. الطبقة الأولى: الملوك، وتشمل الأمراء، وحكام الولايات، وعلى رأس هؤلاء ملك فارس الذي يحكم وفقًا لنظرية الحق الإلهي المقدس للملوك، ويدعي حاكم الولاية مرزبان، ويحمل لقب ملك "شاه"، والإمارة وراثية شرط الالتزام بما يفرضه ملك

стр. 92

الملوك من تدابير يتمثل بعضها بالتزام الأمير المقطع وضع قواته العسكرية تحت تصرفه، وتأدية جزية معينة١. الطبقة الثانية: الأشراف، ويشكل هؤلاء الطبقة القوية المكونة من رؤساء الأسر السبع الممتازة، وبحق لهم وضع التيجان على رءوسهم؛ لأنهم كانوا أساسًا مساوين لملك فارس لكن تيجانهم أصغر حجمًا، ولكل من هذه الأسر منطقة نفوذ تقيم فيها إلى جانب انخراط أفرادها في البلاط، ويحتكرون بعض الوظائف العامة مثل: تتويج الملك، التعبئة العسكرية، وإدارة شئون الحرب، الإدارات المدنية، فض النزاع بين المتخاصمين الراغبين في التحكيم، قيادة الفرسان، جباية الضرائب وغيرها، والراجح أن هذه الوظائف شرفية استنادًا إلى خصائص الحكومة المطلقة التي كانت في الواقع أساس الحكم في الدولة الساسانية، إذ من غير المنطقي أن تخضع وظائف رئاسة الوزارة، وقيادة الجيش لعملية الانتقال بالميراث من رجل لآخر، وألا يكون لملك الملوك حق اختيار مستشاريه٢. الطبقة الثالثة: رجال الدين، وهم عدة أقسام يرأسهم موبذان موبذ، ثم المؤابذة والزهاد، والسدنة "الهرابذة" الهربذ هو خادم النار، ويدير السدنة المراسم الدينية في المعابد، ويترأس الهرابذة، هربذان هربذ، ثم المراقبون، والمعلمون، والسدنة الروحيون، وهم المغان٣. الطبقة الرابعة: رجال الحرب، يترأسهم إيران سياهيد، وتشمل صلاحياته وزارة الحرب وقيادة الجيش العليا، وله صلاحية إجراء مفاوضات الصلح، يتألف الجيش الفارسي من الفرسان والمشاة، ولكل من القسمين رتبه وموظفوه. ويطلق على ضباط الجيش لقب الأساورة، ومن رجال الجيش أيضًا، الحرس الملكي٤. الطبقة الخامسة: الكتاب، وهم موظفو الدواوين، ومنهم كتاب الرسائل والحسابات، ويلقب رئيس هذه الطبقة بلقب إيران دبيران، ويدخل الشعراء والأطباء، والمنجمون في هذه الطبقة. الطبقة السادسة: الدهاقون، إنهم رؤساء القرى، يستمدون قوتهم من الملكية الوراثية للإدارة المحلية، فهم الرؤساء، وملاك الأراضي والقرى، أما وظيفتهم الأساسية، فهي استلام الضرائب وتمويل الدولة.

стр. 93

الطبقة السابعة: الشعب، وهم الفلاحون والصناع والرعاة، والتجار وأهل الحرف، تتفاوت الطبقات الاجتماعية في النسب والمنزلة, ويبدو التمييز بينها واضحًا في المركب، والملبس والمسكن والنساء والخدم١، فلكل فرد منزلته ومرتبته، ومكانه المحدد في الجماعة، وحظر الانتقال من طبقة إلى طبقة أعلى منها بوجه عام إلا في حدود ضيقة، على أن هذا الاستثناء لا يطال الارتقاء إلى طبقة رجال الدين، فالموبذ يجب أن يكون ابن موبذ، لاعتقاد أفراد هذه الطبقة أنهم أسرة واحدة لا يجوز لأجنبي أن ينتسب إليها. ضاق الفرد الفارسي بهذا النظام، فهو يربي أولاده ويرعاهم، حتى إذا شبوا وبدأوا يساعدونه على تحمل أعباء الحياة؛ جمعهم الأشراف ليقدموهم إلى ملك الملوك الذي يقذف بهم في أتون الحروب، ولقد استهان ملك الملوك برؤساء الطبقات الرفيعة، فلم يراع حق الدين والوطن، وربما أجلس عدو البلاء على العرش، كما أن رجال الدين خلعوا لباس التقوى، وألهاهم جمع المال، وفتنوا بالمظاهر، وأذلهم الطمع، وأفسد رسالتهم الحرص على الدنيا، وهم في عداء سافر مع الأشراف يكيد بعضهم لبعض، وكل طائفة تسعى لمصحلتها دون النظر إلى مصلحة المجموع٢. أفقدت هذه الأوضاع الشاذة ثقة الفارسي بمجتمعه ووطنه، وتزعزع إيمانه بهذا النظام، ولم تقض إصلاحات كسرى الأول أنوشروان على ما هو في نفوس الناس من الشعور بالظلم، والتطلع إلى من يتحدث عن المساواة، وتكافؤ الفرص بين الناس، حتى وجدوا ذلك في الدين الإسلامي. الوضع الديني: أتخذ الساسانيون، منذ بداية عهدهم، الزرادشتية٣ دينًا رسميًا، ومن خصائص هذا الدين تقديس عناصر الطبيعة، وللشمس عند الساسانيين حرمة عظيمة، غير أن النار أعظم شأنًا، لذلك دخلت كعامل رئيسي في عباداتهم، وبيوت النار عندهم هي مراكز العبادة والتقديس. يعتقد الزرادشتيون بوجود إله للخير والنور، خالق يسمونه أهورامزدا، وإله للشر، والظلمة يسمونه آهرمان، ولكنه ليس بمستوى أهورامزدا، إنها إذن نحلة تقوم على

стр. 94

الثنوية والنزاع الدائم بين إله الخير وإله الشر، لكن النصر في النهاية سيكون للإله الأول بما يبذله الإنسان من أعمال حسنة للتغلب على روح الشر. وابتلي الساسانيون بنزاعات دينية بعد ظهور الديانتين المانوية١، والمزدكية٢ بفعل اختلاف فلسفاتها وتعاليمها، وكان تشجيع الأكاسرة لإحدى هذه الديانات يدفع معتنقيها إلى اضطهاد مخالفيهم، وقد أضاع هذا التاجر البلاد حين وضعها في جو مشحون بالنزاعات. تركيبة الجيش الفارسي: نحت الدولة الساسانية، منذ بداية حياتها السياسية، منحى توسعيًا؛ بهدف إحياء الإمبراطورية الشرقية التي قضى عليها الإسكندر المقدوني، وقد تطلب ذلك إنشاء جيش منظم وقوي، لذلك أدخل الملك أردشير الأول طوائف الجند التي كانت تتبع صاحب الإقطاع في الجيش النظامي، والمعروف أن الفرسان الدارعين يشكلون القوة الضاربة في الجيش الفارسي، وأن النصر يتوقف على مدى اندفاعهم، وشجاعتهم في القتال، وبخاصة الفرقة المعروفة بالخالدين، وهي مؤلفة من عشرة آلاف فارس يختارون من بين المجلين٣. وتتخذ الفيلة مكانها خلف الفرسان، وكأنها حصون، وتشكل عامل رعب لخيل العدو، وعامل ثقة لأفراد الجيش الفارسي، كما يحمل عليها أبراج من الخشب مشحونة بالمقاتلين، والسلاح ورماة النبال، وحاملي الرايات، ويقدمونها أحيانًا أمامهم، ويجعلون منها نواة لفرقهم، تلتف حول كل فيل فرقة من الجيش، وإذا ذعر فيل أثناء المعركة، وارتد على جنود الفرس، يبادر الفيال إلى قتله٤. شكل المشاة مؤخرة الجيش، وهم من أهل القرى، يستدعون إلى الحرب دون

стр. 95

أجر أو حافز، إنهم الحراثون الخاضعون للنظام الإقطاعي، يلبسون دروعًا من الخيزران المتشابك المغطى بجلد غير مدبوغ١، وهم جنود غير مهرة عادة، يولون الأدبار قبل أن يبدأهم العدو بحرب. واعتمد الجيش الفارسي على المرتزقة أيضًا، وهم من الشعوب القاطنة في أطراف الدولة من الذين اشتهروا بالشدة في القتال، نذكر منهم: السجستانيون، الساجيون، القوقازيون، الديالمة وغيرهم. يقود ملك الملوك، عادة، الجيش في المعارك، وينصب العرش المالكي، وسط الجيش، ويحيط به خدمه وحاشيته، وفرقة من الجند المكلفة بحراسته. واقتبس الفرس بعض الفنون العسكرية من الرومان، مثل عمليات حصار القلاع، واستعمال المجانيق والأبراج المتحركة، وآلات الحصار الأخرى التي كانت تستعمل قديمًا، كما نفذوا أسلوب حرق المحاصيل الزراعية حتى لا يستفيد العدو منها، وفتح السدود في الأراضي التي يخصبها الري، حتى يغرق الوادي ويوقف تقدم العدو، هذا ويشترط بالقائد أن تتوفر فيه الصفات العسكرية الضرورية لإدارة الحرب، والقدرة على وضع، وتنفيذ الخطط العسكرية. لم يكن الفرس شديدي البأس في الحرب، ولم يعتادوا القتال ببسالة إلا أن يكونوا على مسافة بعيدة من عدوهم، وإذا شعروا بأن فرقهم تتراجع يتقهقرون مطلقين خلفهم سهامهم حتى يخففوا من مطاردة عدوهم لهم. تعتمد الخطط العسكرية التي طبقها الساسانيون في القتال، على الصدمة بأفواج منظمة من الفرسان الدارعين في صفوف كثيفة، كما طبقوا نظام التعبئة القائم على المقدمة من الفرسان، والقلب الذي يرتاد أفراده مكانًا مشرفًا، والجناحين والمؤخرة من الرماة والمشاة، وهو نظام الزحف٢ من خلال تقسيم الجيش إلى كراديس، والواقع أن هذا النظام العسكري، لم يثبت أمام التعبئة الإسلامية القائمة على الكر والفر، والمعروف أن المسلمين استعملوا أيضًا أسلوب الكراديس في القتال. العلاقة مع البيزنطيين "الروم": إن نظرة سريعة إلى تاريخ العلاقات بين فارس وبيزنطية، خلال القرون السبعة الأولى للنصرانية، تبين أنها اتسمت بالطابع العسكري المرير مع بعض الهدوء النسبي

стр. 96

عل مراحل متعددة، وقد فرضه انقسام داخلي إلى درجة الإعياء تعجيز هذا الطرف أو ذاك عن القيام بالحرب، أو حين كان الحرص على السلام يدفع بأحد الطرفين أن يذهب في التساهل إلى أي مدى يقتضيه تحقيق السلام. لقد ورث الساسانيون العداوة القديمة بين فارس، واليونان مع اختلاف الخصم بعد أن حل الرومان في ربوع الشرق الأدنى، وكان التنازع على مناطق الأطراف، وأهمية أرمينية لكلا الطرفين، بالإضافة إلى السيطرة على طرق القوافل التجارية بين الشرق، والغرب من أهم أسباب النزاع. والواقع أن الإقليم الجبلي الذي يمتد بين أقاصي شرق البحر الأسود، والمجرى الأوسط لنهر دجلة، لا يشكل حدًا طبيعيًا فاصلًا بين الإمبراطوريتين، ولو أن أرمينية كانت قوية لدرجة تكفي للحفاظ على استقلالها من اعتداء الدولتين لاستطاعت أن تشكل حاجزًا بينهما. لقد توالى على حكم أرمينية ملوك يمتون بصلة النسب البعيد إلى الأشكانيين، والنفوذ الروماني فيها متفوق على النفوذ الفارسي، لكن أردشير الأول لم يحقق نصرًا حاسمًا في حروبه مع الرومان. تجدد الصراع بين الدولتين في عهد خلفائه، فقد اصطدم سابور الأول "٢٤١- ٢٧٢م" بالرومان مرتين، وأسر الإمبراطور الروماني فالريان١، إلا أنه تعرض لهزيمة قاسية على يد أذينة، الحاكم العربي لمملكة تدمر في الصحراء السورية، وحليف الرومان، واستعاد الحاكم العربي الأراضي التي كان الفرس قد استولوا عليها في إقليم الجزيرة، وطارد القوات الفارسية إلى ما وراء نهر الفرات، ووصل إلى أسوار المدائن٢. استؤنفت الحرب بين الدولتين في عهد بهرام الثاني "٢٧٦- ٢٩٣م"، فتقدمت القوات الرومانية بقيادة الإمبراطور كاروس باتجاه المدائن، لكن الجيش الروماني تراجع فجأة إثر وفاة الإمبراطور، ثم عقد الصلح بين الدولتين في عام ٢٨٣م، وكان من أهم بنوده، إعادة أرمينية، وإقليم الجزيرة إلى الحكم الروماني، يبدو أن ثورة هرمزد أخي بهرام الثاني، في خراسان، أجبرته على القبول بهذا التنازل٣.

стр. 97

تواصلت الحرب في عهد نرسي بن بهرام الثاني "٢٩٣- ٣٠٢م"، وقد أثارها طرد الفرس، ملك أرمينية وحليف الرومان، وهزم القائد الروماني غاليريوس الجيش الفارسي، ووقعت أرسان زوجة نرسي أسيرة، واضطر الإمبراطور الفارسي أن يتنازل للرومان عن مقاطعة أرمينية الصغرى، وعاد ترادت ملكًا على أرمينية، واستمرت حالة السلم بين الدولتين مدة أربعين عامًا قبل أن تستأنف حالة العداء في عهد سابور الثاني "٣٠٩- ٣٧٩م"١. وشهدت الإمبراطورية الرومانية في غضون ذلك تحولًا نوعيًا في سياستها الدينية تمثل باعتراف الإمبراطور قسطنطين الأول بالديانة النصرانية في عام ٣١٣م بموجب مرسوم ميلان٢، واعتناقه النصرانية فيما بعد، وانتشرت هذه الديانة في الربوع الأرمينية، كما اعتنقها الفرس في بابل، وجنديسابور٣، وآشور وغيرها من المدن، فتوثقت الصلات بذلك، بين بيزنطية وأرمينية، ومن بين الأسباب التي دفعت الإمبراطور قسطنطين الأول إلى نقل عاصمته من روما إلى بيزنطية، التي أسسها على ضفاف البوسفور في عام ٣٣٠م؛ اعتزامه أن يقاوم الخطر الفارسي من مكان قريب. وانقسمت أرمينية آنذاك على نفسها بفعل الصراع الحزبي والطبقي، فأخذت الطبقة الغنية تسعى وراء مصالحها الذاتية، وسعى الحزب المحافظ إلى إقامة علاقات وثيقة مع فارس بوصفها جارة قوية، بينما سعى حزب آخر، نتيجة لاعتناق أفراده الديانة النصرانية، إلى إنشاء اتحاد بينه، وبين إخوته النصاري في الغرب، وهناك حقيقة كانت تعمل على إذكاء العداء بشكل عام، هي أن الإمبراطورية الفارسية الساسانية كانت وثنية، وأن الإمبراطورية البيزنطية كانت نصرانية٤، وحيكت المؤامرت، ونفذت عمليات اغتيال، مما أدى إلى حدوث اضطرابات. تذرع سابور الثاني بتردي الأوضاع الداخلية في أرمينية لشن الحرب، واسترجاع الأراضي التي فقدتها الإمبراطورية في عهد نرسي، فاجتاح أرمينية، واصطدم بالجيش البيزنطي في منطقة الجزيرة، وتوفي قسطنطين الأول أثناء ذلك، فتولى خليفته قنسطانز إدارة الحرب، فتحالف مع إرشاك الثالث ملك أرمينية، مما أثار سابور الثاني

стр. 98

فاجتاح إقليم الجزيرة، واستولى على آمد١، واحتل سنجار٢، وجزيرة ابن عمر في عام ٣٥٩م٣، وأضحى للفرس اليد العليا، والنفوذ الأقوى في هذا الإقليم٤. توفي الإمبراطور قنسطانز في عام ٣٦١م، فخلفه الإمبراطور يوليان، وقد قاد بنفسه الجيوش البيزنطية لحرب الساسانيين، فعبر الفرات في عام ٣٦٣م على رأس جيش ضخم، ثم اتجه شرقًا نحو دجلة، فاستولى على سلوقية٥ بعد أن هزم خصمه، ثم زحف نحو المدائن، غير أنه تعرض لمقاومة شديدة، وأصابه سهم في ذراعه أودى بحياته٦. ترتب على مصرع يوليان تحول في السياسة البيزنطية جاء لمصلحة فارس، إذ إن خليفته الإمبراطور جوفيان عقد صلحًا مع الفرس حصل هؤلاء بموجبه على أقاليم عديدة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وتخلى جوفيان عن مزاعمه في أمتلاك أرمينية، وتنازل عن نصيبيين٧ وسنجار. انقسمت الإمبراطورية الرومانية بعد وفاة جوفيان في عام ٣٦٤م إلى قسمين، شرقي وغربي، فحكم فالنز القسم الشرقي، فورث بذلك الصراع مع الساسانيين، في حين حكم القسم الغربي أخوه فالنتيان، وحاول فالينز مرتين التدخل في شئون أرمينية، وتنصيب حاكم موال له، لكنه فشل في ذلك، واضطر إلى عقد صلح مع سابور الثاني تنازل بموجبه عن حق التدخل في الشئون الأرمينية٨. استمر النزاع بين الدولتين الساسانية، والبيزنطية حول أرمينية في عهد خلفاء سابور الثاني، وبخاصة بهرام الرابع "٣٨٨- ٣٩٩م"، وفي عام ٥٢٧م اعتلى الإمبراطور

стр. 99

جستنيان عرش بيزنطية، فبدأ عهده باسترداد تدمر١، وفي مطلع عام ٥٢٨م، فيما كان الجيش البيزنطي يجتاز الصحراء للاستيلاء على مدينة نصيبين من الخلف، داهمه جيش الفرس، وألحق به خسارة كبيرة، وجدد الفرس، بمساعدة عرب الحيرة بقيادة المنذر، مهاجمة البيزنطيين في ربيع عام ٥٢٩م، وهزموا الجيش البيزنطي، وارتأى قباذ الأول أن يهاجم أرمينية، لكنه استمع إلى نصائح المنذر، وتوجه بقواته إلى أنطاكية، فهاجمها ودخلها دون مقاومة تذكر، فسبى وغنم، وتراجع دون أن يلقى الجيش البيزنطي، وعرض قباذ الأول على البيزنطيين عقد هدنة، لكن عمق الخلافات حال دون تحقيقها. جدد الفرس هجماتهم على الأراضي البيزنطية في ربيع عام ٥٣١م، وبلغوا موقعًا متوسطًا بين قنسرين٢ ونهر الفرات، وهزموا القائد البيزنطي بلزاريوس الذي تراجع إلى الرقة٣، ثم اجتاحوا منطقة الرها٤، ودخلوا إلى المدينة ونهبوها. خشي جستنيان من انهيار الجبهة الشرقية، فأثار مملكة أكسوم الحبشية على شن هجمات على مناطق النفوذ الفارسي في جنوبي الجزيرة العربية انطلاقًا من اليمن التي احتلها الأحباش قبل بضع سنوات، وعمد في الوقت نفسه إلى مسالمة الفرس، فأرسل إليه قباذ الأول مقترحات السلام التي تقوم على المبادئ التالية: - تدفع بيزنطية تعويضات الحرب للفرس. - تسحب بيزنطية قيادة قواتها من بلاد ما بين النهرين، وبالتحديد من دارا٥. - تمول بيزنطية حماية الفرس لممرات القوفاز. قبل جستنيان هذه المقترحات، ولم يغير موت قباذ الأول الوضع، وجرى التوقيع على اتفاقية السلام من قبل كسرى الأول أنوشروان، الذي خلف قباذ، وسميت هذه المعاهدة بالسلام الأبدي٦. يعد ارتقاء كسرى الأول عرش فارس فاتحة عهد جديد في التاريخ الفارسي بما

стр. 100

أجرى من إصلاحات مدنية وعسكرية، وكان السلم مستتبًا بين فارس، وبيزنطية في عام ٥٣٢م، وهي السنة الثانية من حكمه، ولكن كانت تبرز بين الحين، والآخر إشارات إلى عودة الصدام. كانت بيزنطية لا تزال تنظر إلى فارس على أنها العدو الأكبر التي أحدثت على الدوام أوضاعًا مقلقة على امتداد الحدود الطويلة بينهما، فكان لا بد من إضعافها، وبرزت في القرن السادس ظاهرة السيطرة على طرق القوافل التجارية بين الشرق والغرب، كلما أن النزاع بين الغساسنة التابعين لبيزنطية، ومملكة الحيرة التابعة لفارس، شغل حيزًا كبيرًا من هذا القرن، فكان الاصطدام ضرورة سياسية واقتصادية، وأدت الحروب شبه المستمرة بينهما إلى فقدان الأمن على الطريق التجاري الذي يربط الخليج العربي بصحراء بلاد الشام عبر الفرات، وفقدت المنطقة أهميتها التجارية مما أدى إلى ضرورة تحويل طريق إلى غربي الجزيرة العربية، أو البحر الأحمر، لكن بيزنطية لم تيأس من احتمال تعزيز موقعها التجاري باستعادة بلاد ما بين النهرين، كما أن تحويل طريق التجارة إلى غربي الجزيرة العربية أفقد الفرس عنصرًا مهمًا من قوتهم؛ لذلك تطلعوا إلى السيطرة على بلاد الشام ومصر، ملتقى جميع الطرق الشمالية، والجنوبية آنذاك١. وكان الحرير في ذلك الوقت قد أضحى أحد أهم عناصر التجارة الشرقية وأثمنها، وأدى احتكار الفرس لهذه التجارة إلى إثارة قلق بيزنطية، ورغبتها في البحث عن حل؛ لأنها كانت تستورد الحرير وتستعمله في الصناعة، كما كانت معظم مكاسب الفرس من هذه التجارة تنفق على القوى المسلحة الساسانية، لذلك حاول جستنيان أن يقلص هذه المكاسب، فخفض أسعار الحرير، ورد عليه الفرس بتقليص المبيعات٢. لهذه الأسباب كان الصراع بين الدولتين تجاريًا في جانب مهم منه، وعمدت الدولتان إلى تقوية حلفائهما من البدو، أو إنصاف البدو واتخاذهما رأس حربة في هذا الصراع، فكان الغساسنة والمناذرة حلفاء البيزنطيين، وحلفاء الفرس. وإذ أدرك الإمبراطور الفارسي كسرى الأول ما للإمبراطور البيزنطي جستنيان من أطماع في الغرب، وبأهمية مصالحه على الحدود الشرقية، استغل الموقف، وانتهز فرصة استنجاد القوط الشرقيين به؛ فنقض الصلح، وهكذا لم يستمر السلام الأبدي سوى بضع سنين، وبدأ من جنديد العداء السافر بين الطرفين.

стр. 101

استؤنفت العمليات العسكرية في عام ٥٣٩م، كان النصر فيها حليف الفرس. فتقدم كسرى الأول باتجاه بلاد الشام، واستولى على دارا والرها، ومنبج١ وقنسرين وحلب، وأنطاكية التي نقل سكانها إلى أرض السواد، وسيطر في العام التالي على حمص، وأفامية٢ ومدن كثيرة مجاورة، وبلغ في تقدمه ساحل البحر المتوسط، ولما حاول أن يشق طريقه شمالًا إلى البحر الأسود اعترضته قبائل اللازيين، والقوقازيين الذين يدينون بالطاعة لبيزنطية، فهزمهم واستولى على معاقلهم٣. نتيجة هذا التوسع الفارسي على الأرض، خشي جستنيان مغبة الأمر، وعمد إلى الحصول على هدنة، فطلب كسرى الأول مبلغًا كبيرًا من المال، وأتاوة سنوية، وأجرة حراسة ممرات القوقاز من هجمات البرابرة. وفي الوقت الذي كان فيه الإمبراطور البيزنطي يدرس هذه المقترحات شدد كسرى الأول من ضغطه العسكري، ووصل إلى البحر المتوسط مرة أخرى عند سلوقية، واجتاح قلعة المضيق الواقعة شمال غرب حماة، وقنسرين ومنطقة الرها، واجتاز الفرات أكثر من مرة، وهدد مدينة الرها، فدفعت له الجزية، ثم استدار إلى حران٤، لكنه فشل في اقتحام دارا مرة أخرى، واضطر جستنيان إلى قبول شروط الصلح. في هذه الأثناء، انتهى القائد بلزاريوس من حربه في إيطاليا، وظن جستنيان أن باستطاعته استرداد ما انتزعه كسرى الأول فحشد جيوشه، وكان من بينهم الفرقة العسكرية العربية في بلاد الشام بقيادة الحارث بن جبلة، ووضع خطة لاجتياح بادية الشام، فهاجم مناطق الفرات في عام ٥٤٢م، وما إن علم كسرى الأول بذلك حتى تخلى عن جبهة أرمينية، فاجتاز كسرى الأول في عام ٥٤٤م نهر الفرات مرة أخرى، وضرب حصارًا فاشلًا على الرها، ثم انسحب من المنطقة، ثم تبادل الطرفان السفراء بعد ذلك بهدف تهدئة الوضع، واتفقا في عام ٥٤٥م على عقد صلح لمدة خمسة

стр. 102

أعوام، وذكر الطبري شروط هذا الصلح بقوله: "أما سائر مدن الشام ومصر، فإن يخطيانوس "جستنيان" أتباعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنة، على أن لا يغزو بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابًا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كل عام"١. والواقع أن هذا الصلح لم يستمر طويلًا، إذ إن نشوب الاضطرابات في أرمينية كان السبب المباشر في نقضه، فاستؤنفت العمليات العسكرية، واجتاحت القوات البيزنطية بقيادة الإمبراطور جستنيان بلاد ما بين النهرين، وأراضي ملطية٢ في عام ٥٧٢م، ورد كسرى الأول باجتياز الفرات في الاتجاه الآخر مستفيدًا من ضعف وسائل الدفاع البيزنطي، وفتور العلاقات البيزنطية مع الغساسنة، فوصل إلى أفامية، فأحرقها وعاد أدراجه دون أن يصادف مقاومة، فيما كان الجيش البيزنطي يحاول عبثًا محاصرة نصيبين، ثم انسحب إلى ماردين٣ متخليًا عن دارا، واجتاح الفرس وادي الخابور الأعلى، واتجهوا إلى كبادوكيا، ثم انسحبوا من المنطقة٤. تجدد القتال بعد ذلك، حين اضطهد كسرى الأول النصارى البلازيين في القوقاز، وعقد الصلح في عام ٥٦١ أو ٥٦٢م لمدة خمسين عامًا، وتضمن البنود التالية: - تعهد الإمبراطور البيزنطي بأن يدفع سنويًا مبلغًا كبيرًا من المال لفارس. - وعد ملك الفرس بالمضي في سياسة التسامح الديني مع النصارى بشرط أن يمتنعوا عن تحويل الناس عن عقائدهم إلى النصرانية. - يتحتم على التجار من كلا الطرفين ألا يباشروا تبادل تجاراتهم إلا في أماكن معينة، حيث يجري تحصيل المكوس. - يتخلى الفرس للبيزنطيين عن لاذيق، وهو الإقليم الواقع جنوب شرقي البحر الأسود، وبذلك لم يعد للفرس موضع على ساحل هذا البحر. ولهذه الحقيقة أهميتها من الناحيتين السياسية الاقتصادية، مع ذلك فإن قوة الدولة الفارسية ازداد شأنها في الشرق الأدنى حين أخذ نجم بيزنطية في الأفول في هذه الجهات٥.

стр. 103

استمر النشاط الحربي ناشطًا على الرغم من توقيع معاهدة الصلح، فقد اغتنم الفرس القطيعة التي حصلت بين البيزنطيين، والغساسنة في عام ٥٧٥م لشن هجمات على بلاد الشام، ورد البيزنطيون بقيادة موريس بمهاجمة بلاد ما بين النهرين، وطارد الفرس حتى سنجار، واستؤنفت مفاوضات السلام مرة أخرى. وفيما كانت معاهدة جديدة قيد الإعداد، مات جستنيان في شهر تشرين الأول عام ٥٧٨م، ثم مات بعده كسرى الأول في شهر آذار عام ٥٧٩م، تلا ذلك سلسلة من المعارك غير الحاسمة حتى عام ٥٩١م، حيث عقد الصلح من جديد. وبفضل ما اشتهر به موريس من المهارة السياسية، استغل لجوء كسرى الثاني أبرويز إلى القسطنطينية لطلب المساعدة ضد حركة التمرد الداخلي التي قامت ضد حكمه، ونتيجة لهذا التعاون، نجح كسرى الثاني في استعادة عرشه، وتنازل لبيزنطية مقابل هذه المساعدة عن أرمينية الفارسية، والجزء الشرقي من إقليم الجزيرة بما في ذلك مدينة دارا، ولم تنطو المعاهدة على شرط دفع الجزية السنوية الذي كان يعد بمثابنة إهانة للدولة البيزنطية١. ولا شك بأن كسرى الثاني كان مسرورًا بنقضها حين قتل موريس على يد فوقاس في عام ٦٠٢م، والواقع أن الإطاحة بهذا الإمبراطور، وإعدامه قد مزق الإمبراطورية، فتراجعت قوتها العسكرية، ولم تستعدها خلال العقود الثلاثة التي تلت ذلك، وقد شكلت مرحلة جديدة، وقاسية في القرن السابع الذي برزت فيه خطوة التبدل المتسارعة في بلاد الشام إن على يد الفرس، أو على يد المسلمين بعد ذلك، ومن الخطأ الاعتقاد أن موريس كان الإمبراطور القادر على إعادة تنظيم الولايات الشرقية، وتطوير علاقات سياسية مع فارس، والقبائل العربية، على الرغم من مهارته السياسية، فثمة فجوات متعددة في سياسته مع العرب تشير إلى أن قراراته كانت غير فاعلة. لكن بيزنطية لم تكن قد وصلت آنذاك إلى مراحل شيخوختها، مع أن التبدل التنظيمي كان يسير في خطى بطيئة في الإمبراطورية، واستمر على هذه الحال حتى أوائل القرن السابع، عندما أخذت خطوات التبدل في التسارع بفضل إصلاحات الإمبراطور هرقل. وكشفت الغزوات الفارسية التي تلت ذلك في أيام كسرى الثاني أبرويز عن مواطن الضعف في الإمبراطورية، فالانهيار الواقعي للجيوش البيزنطية بين عامي ٦١٠.

стр. 104

و ٦١٨م والحملة الفارسية التي أدت إلى احتلال بلاد الشام ومصر، والحملات السلافية في البلقان، والسلب الذي رافقها؛ كل هذا أظهر للعيان الوضع المنذر بالخطر على كيان الإمبراطورية التي استطاعت أن تتحمله، ولكن على وهن، والذي لم يتح لهرقل فرصة للراحة بعد أن أطاح بالإمبراطور فوقاس، وأعدمه في عام ٦١٠م، فقد واجه ثورة قام بها كومنتيولوس أخو فوقاس في شهر تشرين الأول عام ٦١٠م، وقد أتاحت هذه الأوضاع القلقة للفرس أن يقوموا باختراقات على الجبهة الشرقية في عام ٦١١م، فقد أرسل كسرى الثاني أبروزي ثلاث حملات عسكرية لغزو بلاد الروم، والشام ومصر: الأولى: بقيادة رميوزان، توجهت إلى بلاد الشام، فاستولت على أنطاكية في عام ٦١١م، وعلى دمشق في العام التالي، أما في الجنوب، فقد سقطت بين المقدس في يدها في عام ٦١٤م، فأحرقتها واستولت على الصليب المقدس من كنيسة القيامة ونقلته إلى المدائن، وساقت بطريركها زكريا وقسيسيها، ومن بها من النصارى أسرى، ونقلتهم إلى العاصمة، والواقع أن ما ساد بلاد الشام، وفلسطين من النزاع الديني مع بيزنطية، بشر على الفرس الاستيلاء على البلاد. الثانية: بقيادة شهربراز، توغلت في أراضي آسيا الصغرى، وبلغت البوسفور، وعسكرت فرقها العسكرية في خلقدونية القريبة من القسطنطينية، وذلك في عام ٦١٧م. الثالثة: بقيادة شاهين، توجهت إلى مصر والنوبة، فاستولت على بيلوز في عام ٦١٧م، وعلى الإسكندرية في العام التالي، فترتب على ذلك انقطاع القمح عن العاصمة القسطنطينية ما أسهم في تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأضحى الفرس يسيطرون على معظم أجزاء الشرق الأدنى١. أخل هذا الانتشار الواسع للقوات الفارسية بموازين القوى، وتبين أن البيزنطيين أخطأوا تقدير الموقف العسكري، وكن ذلك عاملًا على بعث الهمم داخل بيزنطية، فظهر زعيم قادر على مواجهة الموقف العصيب تمثل بهرقل، وإذ أدرك هذا الإمبراطور مدى فداحة خسارة بلاد الشام ومصر، وحرمان الإمبراطورية من دعائمها الروحية، والاقتصادية والحضارية؛ نهض لمحاربة الفرس واستعادة البلدان التي احتلها هؤلاء، وذلك في عام ٦٢٢م، بعد أن أجرى إصلاحات عسكرية، واقتصادية كفلت له تقوية موقفه.

стр. 105

وبعد أن طرد الفرس من مناطق البحر الأسود وكبادوكيا، توغل هرقل في أرمينية في عام ٦٢٣م، وتخلي الفرس عن مواقعهم في دروب آسيا الصغرى. وقد استدعى كسرى الثاني قواته من بلاد الشام في عام ٦٢٤م لصد الزحف البيزنطي، لكنه مني بهزيمة قاسية، وحقق هرقل أول أهدافه، وهو تخليص أرمينية من قبضة عدوه١. رفض كسرى الثاني أن يعترف بالهزيمة، فوجه في عام ٦٢٦م جيشين لمهاجمة القسطنطينية، واتفق مع الآفار في الغرب على أن يهاجموا المدينة في الوقت نفسه وذلك في شهر حزيران، وبعد حصار دام شهرًا باء الهجوم النهائي بالفشل. وكان هرقل، خلال حصار عاصمته، قد أعد خطة عسكرية لاجتياح فارس انطلاقًا من شمالي القوقاز بمعاونية الأرمن، والجورجيين والخزر، فاستولى أولًا على تفليس ودوين في أرمينية، ودخل مدينة جانزاك عاصمة أردشير الأول، وأشعل النار في معبد زرادشت انتقامًا لما أنزله الفرس بكنيسة القيامة، وفر كسرى الثاني من المدينة، غير أن ما تعرضت له القسطنطينية من جانب الآقار في الغرب حمل هرقل على نقل قواته إلى الجبهة الغربية، وأتاح لكسرى الثاني أن يقوم من جانبه بمهاجمة القسطنطينية من الشرق، فانطلق جيش فارسي ضخم بقيادة شهربراز باتجاه العاصمة البيزنطية، فاجتاز آسيا الصغرى، واحتل خلقدونية، وأقسام معسكره على شاطئ البوسفور، غير أن فشل هجوم الآقار حمله على الانسحاب، وارتد إلى بلاد الشام. أتاحت هذه الظروف الفرصة لهرقل ليستكمل خطته الهجومية التي كان قد أعدها، فشرع في خريف عام ٦٢٧م بالزحف نحو الأراضي الفارسية، وظهر أمام نينوى٢، وهناك نشبت المعركة الحاسمة التي قررت مصير النزاع بين فارس وبيزنطية، فأحرز هرقل نصرًا واضحًا، وحلت بالجيش الفارسي هزيمة ساحقة، ثم واصل زحفه باتجاه المدائن، فاستولى عليها في عام ٦٢٨م، وكان كسرى الثاني قد هرب منها عند اقتراب الجيش البيزنطي. وما حدث آنذاك من انقلاب في فارس، إذا جرى عزل كسرى الثاني، وقتله وتولية ابنه قباذ الثاني شيرويه العرش؛ جعل من استمرار الحرب أمرًا لا داعي له، فعقدت الدولتان اتفاقية صلح استردت بيزنطية بموجبها ما كان لها من أملاك في أرمينية، والجزيرة، وبلاد الشام وفلسطين.

стр. 106

حطمت معركة نينوى القوى الميدانية للجيش الفارسي، ولم يعد لفارس ما كان لها من أهمية سياسية، وعسكرية في الوقت الذي كانت فيه تعاني من الإفراط في الثقة بالنفس جعلها تقف عاجزة أمام زحف المسلمين، كما أن الحملات الإسلامية التي جاءت بسرعة في أعقاب انتصار هرقل لم تسمح باستعادة التوازن الإمبراطوري، وقد أدى توالي الأزمات الداخلية، والخارجية السريعة إلى عدم الاستقرار، والتناقضات والتقلب، وهي الأمور التي فرضت على هرقل أن يظل في حالة مضطربة، صحيح أن هرقل حافظ على وحدة الإمبراطورية البيزنطية، وحال دون تفككها، إلا أنه لم يذلل الصعاب الاقتصادية التي تفاقمت من جزاء ست سنوات من الحملات العسكرية التي أدت إلى الإفلاس، ولم يتخلص من المصاعب الدينية التي أذكاها الاحتلال الفارسي. ولا شك بأن هذه الحروب بين فارس، وبيزنطية أنهكت الدولتين، واستنفدت طاقتهما دون أن تحقق لأحدهما ما كانت تهدف إليه من زعامة في الشرق الأدنى.

стр. 107

تراجع النفوذ البيزنطي من بلاد الشام عشية الفتوح الإسلامية: عوامل التراجع: يتحدث المؤرخون عن خصائص الإمبراطورية البيزنطية، وأسباب ضعفها عشية الفتح الإسلامي لبلاد الشام، والواقع أن الدراسة الموضوعية تدفعنا إلى استعراض أوضاع هذه البلاد، من خلال علاقة النبي محمد ﷺ بالقبائل الضاربة على الحدود مع الجزيرة العربية، وسياسة الدولة البيزنطية في هذه المنطقة. ويمكن للباحث أن يرصد ثلاثة عوامل في تراجع النفوذ البيزنطي، إذا استثنينا التأثير الضعيف نسبيًا للاضطرابات الدينية في الإمبراطورية على أوضاعها الداخلية، وقوتها العسكرية، على الرغم من أن ما حدث من القلاقل الدينية بسبب ما جرى من محاولة لتنفيذ قرارات مجمع خلقدونية لعام ٤٥١م١، اتخذ صفة الثورات الوطنية العنيفة، بدليل استمرار تحالف القبائل العربية النصرانية، المخالفة للعقيدة الملكانية الرسمية مع بيزنطية٢.

стр. 108

الأول عامل المفاجأة: فقد نجح البيزنطيون في حل المشكلة العربية على حدودهم الجنوبية حلًا جذريًا، بنظام الأحلاف التي عقدوها مع القبائل الضاربة على مشارف بلاد الشام، لحراسة هذه البلاد من هجمات قد تنطلق من الجزيرة العربية، وقامت القبائل المعنية بدور ناجح، واقتصرت مهمة الفرق البيزنطية النظامية المتواجدة في قواعد ثابتة، ومتفرقة على الإشراف على تنقلات القبائل، ومساعدتها في التصدي لغزوات البدو عند الحاجة، ونسي البيزنطيون بعد ذلك، عرب الجزيرة، وأنهم قد يشكلون خطرًا عليهم في المستقبل. والحقيقة أن الإمبراطور البيزنطي هرقل لم يدرك مدى خطورة الوضع على جبهته الجنوبية بعد تنامي قوة المسلمين حتى رأى نفسه يواجه، فجأة، زحفهم باتجاه بلاد الشام، ولم تنفع تدابيره التي اتخذها على عجل في وقفهم، حيث كان من الصعب تجريد الحدود مع فارس في الشرق والصقالبة، والآقار في الغرب، المعرضة للخطر، من الجنود، ونقلهم للدفاع عن بلاد الشام في ظل محدودية نقلهم، واختيار مواقعهم، وكانت أي محاولة لتدريب السكان المدنيين في هذه البلاد وتسليحهم، قضية معقدة وبطيئة، ولا يمكنها أن تواجه التهديدات الخارجية المفاجئة والعنيفة، ويعد المدى الذي يمكن للقوات النظامية أن تتكيف فيه مع الأوضاع الطبيعية والمناخية، قضية أخرى، ورأى هرقل أن أفضل وسيلة للدفاع عن بلاد الشام في القرن السابع تكمن في: - تجنيد البدو العرب المقيمين على أطراف الإمبراطورية، وبخاصة أنهم يتمتعون بصفة إضافية هي معرفة طبيعة الأرض، ومناخها بالإضافة إلى أساليب القتال. وتبنى النظرية القائلة إن خير وسيلة لقتال العرب هي استخدام عرب آخرين إزائهم، لذلك كان من الضروري لبيزنطية أن تحتفظ بصداقة بعض القبائل، وتنويع صلاتها بالعرب. - تجنيد الأرمن، والمعروف أن عدد الجيش البيزنطي النظامي في بلاد الشام لم يكن كبير الحجم، ولا يمكن للإدارة العسكرية البيزنطية توفير أكثر من عشرين ألف

стр. 109

جندي للدفاع عن هذه البلاد، في ظل الأخطار التي تتعرض لها الولايات الأخرى في آسيا، وأوروبا ومصر، ولا يمكن الحصول على جنود منها، ولم يكن ثمة مجال في البحث عن قوى عسكرية لبلاد الشام سوى أرمينية القريبة التي يمكن الاعتماد عليها. ويقودنا هذا العامل إلى ضرورة البحث في نقطتين: الأولى: التواجد القبلي في بلاد الشام عشية الفتح الإسلامي. الثانية: اهتمام النبي محمد ﷺ ببلاد الشام. ففيما يتعلق بالنقطة الأولى، فقد انتشرت بعض القبائل العربية في مناطق الحدود الفاصلة بين الجزيرة العربية، وبلاد الشام مشكلة سدًا استغلته بيزنطية لصد غارات البدو على المناطق الزراعية. فقد سكن بنو عذرة، وبنو سعد هزيم على الطريق الممتد من شمالي الحجاز إلى بلاد الشام، وامتد بعض أفخاذهم، وبطونهم إلى وادي القرى١ في الشمال، واتصلوا بالمسلمين في أواخر حياة النبي، واعتنق بعض بني عذرة الإسلام قبل غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة٢. وسكنت إراشة وهي فرع من بلي في منطقة البلقاء في الشمال، فجاورت البيزنطيين، وأقامت حلفًا معهم، وساهمت في قتال المسلمين في معركة مؤتة٣، فأرسل إليهم النبي سرية بقيادة عمرو بن العاص، فقاتلهم وفرقهم، وهي الغزوة التي عرفت بذات السلاسل٤، اضطرت بعدها إراشة إلى الدخول في الإسلام، ثم ارتدت بعد وفاة النبي٥. وأشارت روايات المصادر إلى نزول لخم بين مدين٦، وتبوك امتدادًا إلى أذرح٧

стр. 110

وانتشر اللخميون في المنطقة الواقعة غرب البحر الميت ونهر الأردن١، وسكنت قبيلة جذام في المنطقة الممتدة من تبوك إلى شرق وادي عربة، والبحر الميت حتى منطقة البلقاء، حول عمان، فتداخلت مع سكن بعض فروع لخم، شكلت هاتان القبيلتان جزءًا من التحالف القبلي الخاضع لبيزنطية الذي حارب المسلمين في معركة مؤتة، وكانت غزوة تبوك ردًا على تحرك القبائل العربية، والبيزنطيين باتجاه المناطق الجنوبية٢، ويبدو أن بعض بطون لخم هالهم قيام تحالف قبلي -بيزنطي موجه ضد إخوان لهم من العرب؛ فأسلم نفر منهم في السنة التاسعة للهجرة٣، واعتزلت حدس، وهي إحدى بطون لخم، القتال في مؤتة، لكن هذين الحدثين لا يكفيان لإقامة الدليل على قيام علاقات طيبة بين المسلمين، وقبيلة لخم. وأغرى تعاظم قوة المسلمين بعد فتح مكة بعض الجذاميين، فاعتنقوا الإسلام، وأقاموا علاقات طيبة مع المسلمين، مثل فروة بن عمرو الجذامي حاكم معان٤ من قبل بيزنطية٥، وساند بنو الضبيب، وهم رهط من جذام، اعتنقوا الإسلام، زيدًا بن حارثة عندما هاجم الجذاميين الذين اعتدوا على دحية بن خليفة الكلبي، مبعوث النبي إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل٦. ونزلت قبيلة القين -بلقين- في المنطقة الواقعة شرق ديار لخم وجذام، أي في المنطقة الممتدة من وادي تجر شمال تيماء بمحاذاة وادي السرحان، وباتجاه الشمال إلى تخوم حوران، وجاورت بلاد بلي وعذرة، وكان بنو القين من ضمن التحالف القبلي الذي حارب المسلمين في معركة مؤتة٧، ويبدو أن جماعة منهم اعتنقت الإسلام قبل وفاة النبي في السنة الحادية عشرة للهجرة، وأن النبي ولى عليهم عمرو بن الحكم٨. وفرض الغساسنة، وهم من الأزد، وجودهم في مناطق حوران، وشرق الأردن وبعض فلسطين، بعد أن تغلبوا على بني سليح الضجاعمة وكلاء البيزنطيين٩، وشعر
следующие страницы →