وشجعه على إرسال المسلمين لتكثيف حملاتهم على أراضي السواد، إذ لا بقاء لهم في العراق، إذ لم تعزز قواتهم هناك بمدد قوي١.
أحجم معظم المسلمين، عن الاستجابة لنداء عمر، إذ كانت العرب تهاب الفرس، وتخاف الخروج لقتالهم، وذلك بفعل هيبتهم، وسطوتهم وشدة بأسهم في القتال، والواقع أن حدود فارس تبدو صعبة في نظر العرب، وخطرة ورهيبة في أعينهم، كما كانت تثير كثيرًا من الاحترام في قلوبهم، ويتجنبون تجاوزها خشية من ملوك الفرس لاعتقادهم بأنهم على قدر من القوة يكفل لهم إدخال شعوب سائر الدول تحت سلطانهم، لكن المثنى استدرك الموقف، وشرح للمسلمين حقيقة الوضع الفارسي المنهار٢.
أدرك عمر، من واقع الوضع الميداني، عظم المهمة، ورأى في المقابل ضآلة حجم الاستجابة، فلا بد إذن من إشراك كافة المسلمين، ودفعهم لمواجهة رد الفعل الفارسي، إنه استوعب العلاقة العضوية المباشرة بين إمكان توحيد جميع القبائل العربية الإسلامية، وإنهاء التصدعات الموجودة بينها، وبين التنظيم الواسع لحملات الفتوح، لهذا كان أول إجراء سياسي اتخذه هو رفع هذا الحاجز بين القبائل التي استمرت على إسلامها بعد وفاة النبي، وبين القبائل التي ارتدت، فدعا من كان قد ارتد، وحسن إسلامه للاشتراك في الفتوح، وقد أحدثت هذه الانعطافة تطورات جوهرية، وفتحت آفاقًا واسعة، وجديدة لحركة الفتوح القائمة على أراضي دولتي الفرس وبيزنطية، الأمر الذي أسفر في وقت قصير جدًا عن تغيير طابع هذه الحملات تغييرًا كليًا٣.
كان صدى دعوة عمر عند قبائل الردة من نوع آخر تمامًا قياسًا بقبائل المدينة، فقد استجابت هذه القبائل لدعوة الخليفة، وكأنها كانت تنتظرها، وسارعت بإرسال جموعها إليه لتلبية هذا النداء الذي طال ترقبها له.
وهكذا رفع الحاجز بين المدينة، وبين قبائل الردة، وأخذت هذه تتدفق على المدينة بتسارع مذهل طالبة الاشتراك في الفتوح، مثل بجيلة بقيادة جرير بن عبد الله البجلي٤.
стр. 177
اختار عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي قائدًا للجيش؛ لأنه أول من لبى النداء، متجاوزًا المثنى الذيء أرسله إلى العراق على عجل لتهيئة الأجواء، واستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، وأوصاه بالحذر، والتيقظ واستشارة أصحاب النبي، وبعدم التسرع في الحرب١.
الوضع الداخلي في فارس:
ساد البلاد الفارسي آنذاك جو من الاضطراب بسبب الصراع على العرش، وتهاوى عدة ملوك في تسارع مستمر وفي مدة زمنية قياسية، ففقد الفرس بذلك فرصة استغلال الموقف الناجم عن مغادرة خالد العراق، ورحيل المثنى إلى المدينة لاستعادة الأراضي التي خسروها أمام المسلمين، وطرد هؤلاء من العراق٢.
أثارت أحداث فارس بوران بنت كسرى أبرويز التي اعتلت العرش الفارسي بمساعدة القائم رستم حاكم خراسان، ثم رأت في شخصه القائد الذي ينقذ فارس من كبوتها، من التردي الداخلي، والتقهقر العسكري أمام المسلمين، فملكته وعينته على حرب فارس، وأطلقت يده في السلطة مدة عشر سنوات يكون الملك بعدها لآل كسرى، وأمرت ولاة المملكة وأعيانها بطاعته، فاستجابوا لها، وبذلك أنهى الفرس صراعاتهم، واتحدوا لمواجهة الزحف الإسلامي، واستردت المملكة قوتها السابقة٣.
أقدم رستم على خطوة أولى وهي خلق وعي قومي فارسي في المدن، والقرى التي فتحها المسلمون، وإثارة سكانها ضد حكامهم الجدد، فأرسل العمال والنقباء إلى جميع مدن العراق ليثيروا الحمية الدينية والقومية، فاندلعت نتيجة ذلك، الثورة ضد المسلمين في جميع مدن الفرات، وفقد هؤلاء المناطق التي كانت بحوزتهم٤.
وجهزت بوران جيشًا كبيرًا بقيادة نرسي ابن خالة كسرى، وجابان وهو أحد أثرياء العراق المعروفين، بعدائه الشديد للمسلمين، وسلك هذان القائدان طريقين مختلفين تحسبًا من أن ينقض عليهما المسلمون، فوصل نرسي إلى كسكر بين الفرات، ودجلة وعسكر فيها بناء لأوامر رستم، وتخطى جابان الفرات إلى الحيرة، ونزل في موقع متقدم، وفي النمارق بين الحيرة والقادسية، وطلب القائدان مزيدًا من القوات من المدائن تعزيزًا لصفوفهما٥.
стр. 178
ووصل المثنى في هذا الوقت، إلى الحيرة، ولما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة، أدرك أنه لا قبل له بلقاء من عبأهم الفرس، فآثر الحذر وانسحب من الحيرة إلى خفان١، وأدركه أبو عبيد فيها٢.
معركة النمارق ٣:
عبأ أبو عبيد جيش المسلمين البالغ عشرة آلاف مقاتل٤، وزحف من خفان نحو النمارق، وعسكر بمواجهة جابان، وفي المعركة التي دارت الطرفين في "٨ شعبان ١٣هـ/ ٨ تشرين الأول ٦٣٤م"، هزم الفرس، ووقع جابان في الأسر، ولم يكن يعرفه المسلمون، فتمكن بدهائه من خديعة آسره، ففدى نفسه وهرب، كما أسر القائدان جوشن شاه ومردان، وقتل الثاني على يد آسره٥.
معركة السقاطية:
توجه من نجا من الفرس إلى كسكر لينضم إلى جيش نرسي، فطاردهم المثنى حتى درنا٦، ووصلت في ذلك الوقت أنباء هزيمة جابان إلى المدائن، فجهز رستم جيشًا آخر بقيادة الجالينوس، ودفعه إلى المعركة مددًا لنرسي، وتمنى هذا الأخير أن يدركه قبل الاشتباك مع المسلمين، فراح يناور ويتمهل في خوض المعركة، غير أن أبا عبيد لم يمهله كثيرًا، واصطدم بقواته في الساقطية الواقعة جنتوبي كسكر قرب واسط، وذلك في "١٢ شعبان ١٣هـ/ ١٢ تشرين الأول ٦٣٤م"، وانتصر عليه، وفر نرسي في جو الهزيمة القاتم٧.
رفعت هذه الانتصارات الروح المعنوية للمسلمين، وحفزتهم على تكثيف حملاتهم في السواد، فأرسل أبو عبيد مجموعات صغيرة من الجيش لمطاردة فلول الفرس، والإغارة على قرى السواد، وتم لأول مرة سبي السكان، وتوزيعهم على المقاتلين كجزء من الغنيمة٨.
стр. 179
شعر أهل القرى في السواد بعجزهم عن مواجهة غارات المسلمين، والحد منها وبخاصة أن القوات الفارسية قد انسحبت من المنطقة، فاضطروا إلى مهادنتهم على أن يؤدوا لهم الجزية، ويدخلوا في ذمتهم١.
معركة باقسياثا ٢:
عسكر الجالينوس في باقسياثا، وتقوى بمن انضم إليه من فلول جابان، فاصطدم به أبو عبيد في "١٧ شعبان ١٣هـ/ ١٦ تشرين الأول ٦٣٤
م" وهزمه، وفر القائد الفارسي من أرض المعركة، وعاد إلى المدائن٣، وانتشر المسلمون في قرى السواد، وغلبوا على تلك البلاد.
معركة الجسر ٤:
أثار الانتشار الواسع للمسلمين في قرى السواد حفيظة الفرس الذين بدأوا يستوعبون مقدار الخطر الحقيقي الذي يهددهم، فجهزوا جيشًا آخر قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، وأرسلوه إلى الحيرة، بقيادة بهمن جاذوبه وهو أشد العجم على العرب المسلمين، ورافقه الجالينوس، واصطحب معه راية فارس الشهيرة "درفش جاويان"٥ لتحفيز الهمم، وعددًا من الفيلة.
ويبدو أن رستم أراد أن يكسب معركة أمام المسلمين تعيد إلى دولته موازنة الموقف، ولحكومته هيبتها، ولجيوشه روحها المعنوية، وثقتها بنفسها.
رأى أبو عبيد، عندما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة؛ أن يتمهل ويتحصن
стр. 180
في مكان أكثر أمنًا، ويراقب تحركات الجيش الفارسي، فارتحل عائدًا إلى الحيرة. وعندما تناهي إلى أسماعه أن وجهته الحيرة، قرر أن يصطدم به خارجها، فخرج منها وتوجه إلى قس الناطف، فعبر الفرات واستعد لمواجهته، وصل بهمن جاذويه إلى قس الناطف، وعسكر على الضفة المقابلة، وفصل نهر الفرات بين الجيشين، وخير بهمن أبا عبيد إما أن يعبر إليه، أو يدعه يعبر إلى الجانب الإسلامي على الرغم من معارضة أركان حربه، فخسر بذلك مكانًا ملائمًا للعمليات العسكرية وفقًا لأساليب العرب القتالية؛ لأن فيه "مجال وملجأ، ومرجع من فرة إلى كرة"١، ونسي نصيحة عمر إذ بعثه، وتحذيره له من أرض المكر والخديعة، وتحكمت به عواطفه "لن يكونوا أجرأ على الموت منا"٢، في الوقت الذي كان أحوج إلى التفكير العقلاني الهادئ، والتخطيط السليم بعيدًا عن انفعالات العواطف.
عبر المسلمون نهر الفرات فوق جسر أقيم لهذه الغاية، وقد ترك لهم بهمن مكانًا ضيقًا أجبرهم على النزول فيه خاليًا من مجال الكر والفر، مما أفقدهم حرية الحركة والانتشار، وميزة المناورة، ففرض بذلك عليهم المعركة، وأسلوب القتال، ارتكب أبو عبيد خطأ آخر حين قطع الجسر حتى يحول دون تفكير جنوده بالتراجع والانسحاب.
ودارت بين الطرفين رحى معركة ضارية أدت الفيلة فيها دورًا كبيرًا، بل إنها حددت نتائجها مبكرًا حيث كانت تجفل خيل المسلمين، وإذ حشر هؤلاء في مكان ضيق، فقد أمطرهم الفرس بالسهام، ومزقوا صفوفهم، حتى عضهم الألم، وكانت معركة غير متكافئة قتل خلالها أبو عبيد تحت أقدام الفيلة مع عدد من القادة المسلمين، عندئذ أدرك المثنى حرج الموقف، وأن المعركة خاسرة، فخطط للانسحاب آملًا أن يرتد المسلمون في نظام وهدوء، فعقد الجسر، لكن عبد الله بن مرثد الثقفي بادر إلى قطعه، ومنع الجنود من العبور حتى يموتوا على ما مات عليه أمراؤهم أو يظفروا، مبرهنًا عن قصر نظر في الحقل العسكري، إذ عندما تعرض المسلمون لضغط قتالي متزايد لم يكن أمامهم سوى طريق النهر للفرار، فتواثبوا إليه، فغرق من لم يصبر في حين أسرع القتل فيمن صبر، وأخيرًا تمكن المثنى الذي جرح في المعركة من إزاحة عبد الله، وأعاد وصل الجسر، وانسحب مع من بقي من
стр. 181
أفراد الجيش باتجاه أليس، وجرت المعركة في "٢٣ شعبان ١٣هـ/ ٢٢ تشرين الأول ٦٣٤م"١.
كان انتصار الفرس واضحًا، على الرغم من تكبدهم ستة آلاف قتيل، وخسر المسلمون أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وفر ألفان، وصمد ثلاثة آلاف مع المثنى٢.
لم يتعقب بهمن جاذويه المسلمين؛ لأن أخبارًا وصلت إليه عن نشوب ثورة ضد رستم، فآثر العودة إلى المدائن حتى يكون قريبًا من مجرى الأحداث، إلا أنه ترك اثنين من قادته في المنطقة هما جابان، ومردان شاه ليتعقبا المسلمين، والواقع أن المثنى كمن لهما في أليس وأسرهما وقتلهما مع جندهما، وتحصن في هذه المدينة بانتظار جلاء الموقف.
تعقيب على معركة الجسر:
- كانت معركة الجسر أول معركة يخسرها المسلمون أمام الفرس، وتعد تجربة حية في حروبهم لإثبات قيمة كفاءة القيادة، إذ إن الإيمان والجشاعة وحدهما لا يكفيان لتحقيق الانتصار.
- إن الحماس المجرد الذي أبداه أبو عبيد قبل بدء القتال، لا مكان له في المعارك إذ لم تسانده أسس صحيحة، وتخطيط سليم.
- افتقد أبو عبيد إلى عنصر الأمن حين حشره بهمن جاذويه في مكان ضيق، وحرمه من حرية الحركة، والانتشار الضروريين لخوض معركة ناجحة.
- على الرغم من تفوق الفرس في القتال، فإنهم لم يتمكنوا من أسر أحد من المسلمين، مما يدل على أن المقاتل المسلم احتفظ بميزاته في أشد المواقف حرجًا وشدة، وظل يقاتل حتى آخر رمق.
- لا شك بأن ثبات المسلمين في القتال، كان من العوامل التي دفعت الفرس للعودة إلى المدائن، ومنعتهم من مطاردتهم.
- كان لهذه المعركة أن تدور بطريقة أفضل لو أن أبا عبيد استجاب لنصيحة مستشاريه، وتذكر نصائح الخليفة عمر بن الخطاب له.
- أضاعت هذه المعركة مكاسب المعارك السابقة، ولكن إلى حين، وجعلت
стр. 182
الحرب سجالًا بعد أن كانت سلسلة متصلة الحلقات من الانتصارات المتعاقبة١.
- غلب على معارك المسلمين الثلاث، قبل قدوم أبي عبيد، الطابع التقليدي، وهو الإغارة على القرى، ولم يكن المسلمون مهيئين لصدام جبهوي واسع مع جيش فارسي بغياب قيادة كقيادة خالد بن الوليد.
- أضحى استمرار التقدم مستحيلًا بعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر دون إدخال إمدادات جديدة إلى المعركة، إذ إن الآلاف الثلاثة من المقاتلين الذين نجوا من المعركة، واستمروا بالتواجد على أرض العراق، شكلوا أصغر قوة إسلامية منذ بدء الفتح، فضلًا عن إثخانهم بالجراح.
رد فعل عمر:
تلقى عمر نبأ هزيمة المسلمين في معركة الجسر بسكون لافت، إلا أنه تأثر ضمنيًا بشكل بالغ، وشق ذلك أيضًا على المسلمين في المدينة، ثم بدأت فلول الجند من المهاجرين، والأنصار تصل إلى المدينة جزعين بما أصابهم، ورأى عمر فيهم ذلك، فنعى الشهداء وراح يواسي الناس٢، إلا أنه كان قلقًا على موقف المسملين في العراق، وأدرك أن المثنى بحاجة إلى مدد يرسل إليه على وجه السرعة كي يواجه هذا الموقف الدقيق، فقام بتكثيف حملاته التعبوية بين قبائل الردة، وأرسل رسله إليها يدعوها للسير نحو فارس لغزوها، فاستجابت لندائه، وبدأت الحشود تتوافد على المدينة، من كافة أنحاء الجزيرة العربية، على رأسها قبيلة بجيلة بزعامة جرير بن عبد الله البجلي كما أشرنا، وحشود أخرى من بني ضبة وكنانة والأزد، وبعض تميم من الرباب، وبكر بن هوازن، وخثعم وحنظلة، وكان على عمر أن يتفاوض بحدة، وشدة مع هذه القبائل لإقناعها بضرورة الذهاب إلى العراق لقتال الفرس؛ لأن معظمها كان يبغي الالتحاق بجيوش المسلمين في بلاد الشام٣.
وهكذا دفع عمر بحشود ضخمة إلى أرض العراق مددًا للمثنى، ومن ناحية أخرى أرسل المثنى النقباء إلى جميع المناطق الحدودية يستنفر العرب، وكان من ضمنهم جموع من نصارى النمر عليهم أنس بن هلال النمري، وجموع من بني تغلب، وقبائل عربية أخرى مقيمة بالعراق، وقد آثروا الانضمام إلى إخوانهم العرب، والقتال في صفوفهم ضد العجم، وقد جمعتهم رابطة الجنس٤.
стр. 183
معركة البويب ١:
تناهت إلى أسماع الفرس أنباء الإمدادات الإسلامية التي كانت ترسل تباعًا إلى العراق، فهالهم أمرها، وأدركوا أن انتصارهم في معركة الجسر لم يكن حاسمًا، وأن الأمور قد وصلت إلى مرحلة لا بد معها من الإعداد المنظم لمقاومة الانتشار الإسلامي الذي أتاحه الصراع الداخلي على السلطة، ولا يتحقق ذلك إلا بإزالة الخلافات الداخلية المتجددة، وهكذا أنهى رستم خلافه مع فيروز، الطامع باعتلاء العرش الفارسي، واتفقا على تجهيز جيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل بقيادو مهران بن باذان الهمذاني، ودفعه إلى ساحة القتال، وقد اختارا هذا القائد؛ لأنه تربى في الوسط العربي، فنشأ يعرف اللغة العربية، ويقدر مدى قوة العرب، ويقف على أساليبهم القتالية٢.
غادر مهران المدائن باتجاه الحيرة، وهو حريص على تحقيق انتصار يفوق بأهميته انتصار بهمن من قبل، وعلم المثنى، من جهته، بأنباء هذا الخروج فقرر أن يتحرك على الفور للاصطدام به، فغادر مكان إقامته في مرج السباخ٣ إلى البويب، وهو المكان الذي اختاره لخوض المعركة، وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلي ليوافيه في هذا المكان، ولما وصل، عسكر على شاطئ الفرات الشرقي في مكان يعرف بدير هند، وقد بلغ عدد قواته ثمانية آلاف بعد وصول الإمدادات، وسار مهران إلى البويب أيضًا، وعسكر في بسوسا٤ مقابل المسلمين لا يفصل بينهما إلا النهر٥.
أرسل مهران إلى المثنى يقول له: "إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم" متبعًا في ذلك خطى بهمن جاذويه، وما كان للمثنى أن يعيد خطأ أبي عبيد، كما عمل بنصيحة عمر حين عهد إليه، وإلى المسلمين ألا يعبروا بحرًا، ولا جسرًا إلا بعد ظفر٦.
وعبر الفرس إلى البويب، ونزلوا في الملطاط مما يلي دير الأعور في رقعة تسمى شوميًا، ومعهم ثلاثة أفيال، وعبأ كل جمع قواته استعدادًا للقاء، يحاول كل منهما أن يجعله حاسمًا، ثم اشتبكا في رحى معركة طاحنة، وأدار المثنى المعركة بحكمة بالغة
стр. 184
مما كفل له النصر، وقتل مهران في المعركة، وتشتت جيشه، وفر أفراده في فوضى واضطراب، فطاردهم المسلمون مدة يومين حتى السيب، وهو موضع على نهر دجلة، وسمى المسلمون معركة البويب التي حصلت في "شهر رمضان ١٣هـ/ شهر تشرين الثاني ٦٣٤م" يوم الأعشار؛ لأنهم أحصوا مائة رجل قتل كل منهم عشرة في المعركة١.
تعقيب على معركة البويب ٢:
- يعد انتصار المسلمين في البويت ردًا على خسارتهم في معركة الجسر، ولا شك بأن الفرس أخطأوا حين ظنوا أن بإمكانهم تكرار ما حصل قبل شهر، فإذا بهم يفجعون بفقدان الآلاف من فرسانهم.
- استطاع المثنى أن يتجنب ما ارتكب من أخطاء في معركة الجسر، وأن يحول دون اتخاذا لفرس لهذا الانتصار نقطة تحول في سير العمليات العسكرية لصالحهم، بل إنه جعل من ذلك الانتصار الفارسي حدثًا عرضيًا مر وانتهى، وزال أثره.
- أثبت المثنى أنه جندي محترف، وقائد عسكري على درجة عالية من الكفاءة والفروسية، فقد اختار أرض المعركة، وكانت محصورة بين الفرات والبويب، وهي تصلح لنصب الكمائن للعدو، ثم وضع الخطط المناسبة لهذه الأرض بحيث يتسنى للقوات القليلة العدد أن تكون فاعلة، وتفقد الأكثرية العددية فاعليتها، وذلك من واقع سعة خط المواجهة المحدود الذي سوف يسمح بتواجد أعداد متكافئة من الطرفين، في حين تظل الكثرة العددية خلف هذا الخط دون فاعليه، بل إنها تصبح عبئًا على جيشها، ويعد وجودها خرقًا لمبدأ الاقتصاد في القرى، كما يعد تعريضها للخطر خرقًا لمبدأ الأمن، ويكون النصر في هذه الحالة إلى جانب التدريب الأعلى، والمهارة القتالية في الميدان، وقد كان ذلك للمسلمين على الفرس، يضاف إلى ذلك، فقد ارتكب مهران خطأ عسكريًا آخر حين أغفل حراسة الجسر الذي كان يمثل خط الرجعة الوحيد له، ولعله كان واثقًا من قدرته على الانتصار.
- خاض المسلمون معركة البويب بروح معنوية مرتفعة، حتى كان لكل قبيلة موقفها الذي تتحدث عنه بعد المعركة وتفاخر به، وعندما خطب المثنى بالمسلمين يحثهم على الحرب تجنب الحديث عن يوم الجسر، أو التذكير به، ولا شك بأنه كان حريصًا، وهو على أبواب معركة كبرى أن لا يذكر لهم الهزيمة.
стр. 185
- استفاد المسلمون من أخطاء معركة الجسر، وأثبتت تجربة البويب التي خاضوها في ظروف مشابهة ذلك، بل إن المثنى استطاع أن يعيد مشاهد معركة الجسر بحذافيرها إنما بشكل معكوس، أي تبادل الغالب، والمغلوب أوضاعهما، فضلًا عن أنه نجح في الانسحاب مع من تبقى من جيشه، في حين لم ينجح الفرس في سحب قواتهم في البويب، بل تبددت وأبيدت على ضخامة حجمها.
- كان من بين عوامل الانتصار التصاق المثنى كقائد في ميدان المعركة بقواته حيث ربطته بهم محبة فياضة، وذلك من خلال أحاديثه معهم، وطوافه بفرسه الشموس على راياتهم، يحمسهم ويعطيهم توجيهاته، ويحرك مشاعرهم، فضلًا عن طوافة بينهم والمعركة دائرة، ولا يغفل عن ملاحظة أي حادث يمكن أن يؤثر على معنوياتهم، فيستدركه، من ذلك ما فعل حين أصيب أخوه مسعود إصابة قاتلة، ورأى أثر ذلك على المقاتلين، فطلب منهم مواصلة القتال، ورفع الرايات حتى ينضوي تحتها المقاتلون، فقال: "يا معشر المسلمين لا يرعكم مصرع أخي، فإن مصارع خياركم هكذا"، ولا يقل عن هذا قوله عن نفسه مستبشرًا بالشهادة: "ارفعوا راياتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرعي".
- أرسل المثنى بعض السرايا إلى عمق الجبهة مع الفرس، وذلك لتحقيق هدفين:
الأول: تشتيت قوى العدو وإرباكها، ومنعها من إعادة التجمع، فراح المسلمون يشنون الغارات فيما بين كسكر، وجنوبي الفرات إلى عين التمر، وما والاها من أرض الفلاليج١ والعال٢، فشملت جميع الجنوب العراقي، وامتدت حتى تكريت٣ وصفين٤، وبلغوا ساباط٥ على مرأى من المدائن، فغنموا وسبوا كثيرًا بحيث لم يحظ بمثلها مسلم مقاتل من قبل.
الثاني: الحصول على الأقوات الضرورية لتموين قواته، فهاجم المسلمون قرى السواد، وأسواق العراق الغنية مثل الخنافس، وبغداد.
стр. 186
رد فعل الفرس -تولية يزدجرد السلطة:
كان للأحداث السلبية التي شهدتها أرض العراق، رد فعل في الدوائر الحاكمة في فارس، إذ إن الهزائم المتكررة أدت إلى فقدان التوازن في دولة هرمة وعاجزة، وبدا واضحًا أن الارتباط الذي ساد مواقف الدولة إزاء الوجود العسكري الإسلامي في ممتلكاتها العراقية، أدى إلى ضياع الفرصة النادرة لوقف الخطر عبر ثلاثة أعوام من المجابهة الحذرة والمترددة، فتنبه حكام الفرس لخطورة الموقف، وأدركوا أن الأمور لم تجر على نحو طيب، إذ ما بعد بغداد وساباط، وتكريت سوى المدائن١.
وتشاور أركان الحكم لاختيار أنجح السبل للخروج من المأزق، فرأوا أنهم بحاجة إلى رجل حاكم يقودهم في الحرب، فعزلوا آزرميدخت٢، ونصبوا يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو يزدجرد الثالث، فعين رستم قائدًا للجيش، وكلفه بأمر المسلمين في الجنوب، وجدد المسالح والثغور، وعين عليها حاميات عسكرية، فسمى جند الحيرة، والأنبار والمسالح، وجند الأبلة٣.
أدى هذا التفاهم، بين القيمين على شئون الحكم في فارس، إلى إنهاء حالة التمزق، كما رفع الروح المعنوية للدهاقنة، والسكان في السواد، فتوقفوا عن دفع الجزية للمسلمين، وفضوا عقود الصلح معهم، وقام الدهاقنة بمساعدة من كان لديهم من جنود ومقاتلة، بتنظيم انتفاضة فلاحية واسعة، ثم دعمها ماديًا ومعنويًا من قبل المدائن، وسارت هذه الانتفاضة بشكل مواز مع الإجراءات التي اتخذتها المدائن من واقع تنظيم جيش موحد تحت قيادة رستم بهدف التصدي للمسلمين.
وهكذا حقق يزدجرد الشروط الأولى الضرورية للبدء بمواجهة التطورات السلبية في جنوبي الإمبراطورية، وجسد الالتفاف حول حكمه تطورًا جديًا لدى الجانب الفارسي، وولد انعطافة نوعية في وضع القتال على الجبهة الفارسية، وكان البدء بالانتقال إلى عملية منظمة واسعة لفتح العراق فتحًا شاملًا، وطرد الحكام الفرس منه محتوى هذه الانعطافة لدى الجانب الإسلامي٤.
أثارت هذه الصحوة السياسية، والعسكرية للفرس المثنى، الذي أدرك أنه توغل في
стр. 187
خريطة مواقع الجيشين قبل المواجهة
стр. 188
التقدم أكثر مما تسمح به قوته، الاحتفاظ به، وتوقع أن يشن الفرس هجومًا مضادًا على قواته، فكتب إلى الخليفة يطلب منه النصح والرأي١.
стр. 189
معركة القادسية:
مقدمات المعركة:
قدر عمر خطر الاصطدام بالفرس حق قدره، وكان شديد القلق، وهو يتلقى أنباء الحشود الفارسية الهائلة المتقدمة نحو الحيرة حيث معسكر المسلمين، وكاد الوقت أن يكون لغير صالح الخلافة دون أن يتاح لها القيام بدور ما لتبديد هذا القلق، وإنقاد قواتها في العراق؛ لولا التدابير السريعة التي اتخذتها.
لقد قرر عمر عدم التراجع على الجبهة الفارسية مقتنعًا بأن الموارد البشرية الهائلة التي اكتسبها بتطبيع العلاقات مع قبائل الردة، وكذلك الموارد المادية الجيدة التي يمكن الاستفادة منها من فتوح الشام؛ كافية لتكوين قاعدة متينة لمواجهة التحدي الفارسي.
لذلك ما كادت كفة الصراع في بلاد الشام تتحول لصالح المسلمين، حتى تحولت الجهود الجدية إلى العراق، وحصر الخليفة زمام المسئولية، والمبادرة والقيادة بين يديه، وقال: "والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب"١.
وبعد مشاورات مستفيضة مع كبار الصحابة، تقرر إعادة انتشار القوات الإسلامية في العراق كخطوة أولى لتجنيبها خطر الإبادة على يد الفرس بانتظار قذف قوى جديدة إلى ميدان المعركة، فكتب عمر إلى المثنى يأمره بالخروج من بين ظهري الأعاجم، ويتنحى إلى البر، ويتفرق في المياه التي تلي الأعاجم على حدود الجزيرة العربية٢، فنزل المثنى بذي قار، ووزع قواته بالجل٣، وشراف٤ إلى غضي٥، فتفرقت في المياه من أول صحراء العراق إلى آخرها من غضي إلى القطقطانة٦، مسالح ينظر بعضهم إلى بعض٧.
стр. 190
وقام عمر بتكثيف سياسته التعبوية بين قبائل الردة، وحثها على الانخراط في الجيش الذي سوف يقذف به إلى العراق، وأخذ يجمع كل قادر على حمل السلاح والقتال، ثم أمر جميع القبائل المقاتلة التي كانت مع خالد بن الوليد في السواد، وذهبت معه إلى الشام، بالعودة إلى العراق، والالتحاق بجيوش المسلمين هناك١.
وهكذا اجتمع لدى عمر بضعة آلاف مقاتل تدفقوا عليه من كافة أنحاء الجزيرة العربية، فعزم على قيادتهم بنفسه، فاستدعى عليًا بن أبي طالب، وسلمه أمور الخلافة، وخرج من المدينة وتوجه ناحية العراق٢، وقد فجر ترؤس عمر للجيش الإسلامي حماسًا عامًا بين وحداته القتالية، ووصل إلى صرار٣، وهو أول منازل السفر إلى العراق، وعسكر على ماء هناك٤.
ويبدو أن كبار الصحابة رأوا في ذهاب أمير المؤمنين إلى أرض المعركة بنفسه لا يتلاءم مع المصلحة العامة، فعرضوا عليه أن يبقى في المدينة، ويعين قائدًا للجيش الذاهب إلى العراق، وتقرر بعد التشاور تعيين سعد بن أبي وقاص قائدًا عامًا للحملة٥، وهو أحد الصحابة المقربين من النبي، والمشاركين في العمليات العسكرية الأولى بين المدينة ومكة، وكانت كفاءته والظروف الصعبة التي يمر بها المسلمون في العراق وراء اختياره لهذه المهمة، ومع ذلك، فقد أمسك الخليفة، بزمام أمور الحملة كلها على سبيل الحيطة، والحذر من واقع إرسال الأوامر والتوجيهات باستمرار إلى قائده تتعلق بتحركات الجيش، وإدارة المعركة وتقسيم العسكر وغيرها من الأمور، ولم يكن سعد يقدم على عمل دون توجيهاته الخاصة.
خرج سعد من المدينة على رأس أربعة آلاف مقاتل اصطحبوا معهم نساءهم وأبناءهم، قاصدًا العراق٦، وكان عمر يردفه بمن يتوافد على المدينة من المقاتلين، فوصل إلى زرود٧ وعسكر فيها٨.
كان المثنى آنذاك في ذي قار ينتظر قدوم سعد ليتقدما معًا إلى الحيرة، لكن مقامه لم يطل إذا توفي متأثرًا بجراحه التي أصيب بها في معركة الجسر، وكان قد كتب
стр. 191
وصية لسعد تتضمن خلاصة تجاريه العسكرية في العراق، وأمر أخاه المعنى أن يعجل بها إليه١.
كانت الحملات الإسلامية السابقة تستهدف دخول المدائن عن طريق اختراق أرض العراق من خلال إقليم الحيرة، إذ يعد هذا الإقليم القاعدة المتقدمة للوثوب على عاصمة الساسانيين، ومع ذلك لم يغب عن تفكير أبي بكر الصديق من قبل، وعمر بن الخطاب من بعد، وقادتهما، أهمية منطقة الأبلة وشط العرب، وقد ذكرنا كيف أمر أبو بكر خالدًا بن الوليد أن يبدأ غزو العراق من الأبلة، ولم يغفل خالد أمر ذلك الثغر، فكان يترك فيه حامية عسكرية لحفظ أمن جيشه من تلك التخوم، ومراقبة تحركات الجيوش الفارسية، ورأينا المثنى ينتهج الخطة نفسها حين انسحب من العراق، فنشر قواته ما بين القطقطانة شمالًا إلى غضي بجبال البصرة جنوبًا، لذلك كتب عمر إلى سعد أثناء خروجه من زرود إلى شراف: "أن ابعث إلى فرج الهند رجلًا ترضاه يكون بحياله، ويكون ردءًا لك من شيء إن أتاك من تلك التخوم"٢، فأرسل سعد المغيرة بن شعبة على رأس خمسمائة فارس، فتمركز في غضي بالصحراء تجاه البصرة، حيث كان جرير بن عبد الله البجلي ما زال هناك منذ أن أرسله المثنى، ولكن جريرًا سوف ينضم إلى قوات سعد المتقدمة باتجاه الحيرة، وكذلك سوف يفعل المغيرة، فاختص شريح بن عامر أحد بني سعد بن بكر بالتمركز في ثغر الأبلة، وكان يغير على المناطق المجاورة، ومضى إلى الأهواز من أرض إيران٣.
كانت محصلة جملة هذه التدابير تشكيل جيش بلغ تعداده بضعة وثلاثين ألف مقاتل، والجدير بالذكر أن عمر، وسعدًا بتنظيمهما لهذا الجيش قاما بوضع الأشكال التنظيمية الأساسية لجيوش المسلمين في هذه المرحلة، وهي ستغدو عما قريب الأساس التنظيمي لديوان عمر، كما بلورت وعيًا جديدًا لدى المقاتلين حيث بدا واضحًا توسع رقعة الاستفادة من الغنائم بالانتقال من غزو قرية، أو مدينة إلى غزو شامل للأراضي الفارسية بأكملها، وأن المعادلة الآن هي إما الخسران الكامل، أو الربح الكامل٤.
استقبل سعد، وهو في شراف، المعنى بن حارثة الذي سلمه وصية المثنى ليستأنس بمضمونها في حروبه، وفيها: "ألا يقاتل عدوه وعدوهم -يعني المسلمين-
стр. 192
من أهل فارس، إذا استجمع أمرهم وملأهم في عقر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب،
وأدنى قدرة١ من أرض العجم؛ فإن يظهر الله المسلمين عليهم فلهم ما وراءهم، وإن تكن الأخرى فأووا إلى فئة، ثم يكونوا أعلم بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم؛ إلى أن يرد الله الكرة عليهم"٢.
وكتب عمر إلى سعد وهو بشراف كتابًا يتضمن نصائح عسكرية تماثل ما تضمنه كتاب المثنى، حيث استفاد من تجارب الحروب السابقة مع الفرس، فوضع له خطة عسكرية تقوم على قاعدتين:
الأولى: اختيار مكان مناسب لخوض المعركة على أن يكون على الحدود الطبيعية بين الصحراء، وبين المسالك والمسطحات المائية، ويحفظ خط الرجعة لجيش المسلمين إذا دارت الدائرة عليهم؛ لأنه ليس وراءهم إلا الصحراء، في حين تكون هذه العوائق المائية نكبة على الفرس إذا دارت الدائرة عليهم؛ لأنها ستعرقل انسحابهم.
الثانية: أن تكون المعركة حاسمة تقضي على القوة الميدانية للجيش الفارسي بحيث يتعذر على الفرس حشد قوة أخرى بعدها٣.
أرسل سعد زهرة بن الحوية إلى العذيب٤ كطليعة، وكانت هذه القرية من مسالح فارس الحصينة، وتحوي مخازن أسلحة الفرس، ولما وصل إليها دخلها دون قتال؛ لأن الفرس قد هجروها، وارتحل سعد في إثره، فأنزل فيها نساء المسلمين، ووضع فيها حامية عسكرية بقيادة غالب بن عبد الله الليثي، ثم تابع تقدمه حتى وصل إلى القادسية، فتمركز بحصن قديس٥، في حين عسكر زهرة أمام قنطرة العتيق٦، وهي مفتاح المرور بتلك الجبهة، وذلك بناء على أوامر الخليفة٧.
واجه سعد في بداية الأمر مشكلة تأمين المواد التموينية لقواته الضخمة، وبخاصة أنه متمركز على تخوم الصحراء، وبعد مشاورات مع المدينة تقرر أن يمدهم الخليفة
стр. 193
بما يلزم اعتمادًا على سهم "سبيل الله" من الزكاة التي تؤديها قبائل الجزيرة العربية، بالإضافة إلى ما يؤمنه الجيش من واقع ما يشنه من غارات على نواحي العراق بين كسكر والأنبار١.
أقام سعد مدة شهر في القادسية، وعلم خلال ذلك، من أهل الحيرة، أن يزدجرد عين رستم قائدًا لجيش فارس، وأمره بمحاربة المسلمين، والواقع أن القائد الفارسي كان له رأي آخر، إذ فضل أن يبقى في المدائن، وعرض على الإمبراطور الفارسي رأيه في عدم التسرع بالحرب، واقترح إرسال الجالينوس٢.
أتاح هذا التردد في الزحف للمسلمين القيام بغارات على قوى السواد، كانت شديدة أحيانًا، وذلك بهدف تامين مواد التموين من جهة، وشن حرب استنزاف على الفرس من جهة أخرى، آتت هذه الغارات أكلها، فأثر ضغطها المادي والنفسي على السكان والدهاقنة، فكثرت استغاثتهم بيزدجرد، وهددوا بالاستسلام للمسلمين إذا لم ينجدهم الملك على وجه السرعة٣.
قطع هذا التهديد كل تردد، فأمر يزدجرد رستم بالخروج فورًا من المدائن لمحاربة المسلمين، فسار إلى ساباط على طريق الحيرة وعسكر فيها، ومكث أربعة أشهر بتثاقل عن الخروج منها يتنازعه الإحجام عن القتال خشية الخسارة، والاندفاع لخوض معركة سافرة مع المسلمين يقضي عليهم، ويطردهم من العراق، إذ لم يكن تقدير الموقف العسكري المائل لصالح هؤلاء غائبًا عن ذهنه، على الرغم من الاستعدادات الفارسية الضخمة، ومن المستبعد أن يكون قد رجح النصر في الوقت الذي قدر فيه الخسارة، أو لعله تمهل ظنًا منه أن يهن المسلمون إذا لم يجدوا مؤونة تكفيهم، أو يسأموا طول المقام، فينصرفوا إلى بلادهم، وأخيرًا وصل إلى القادسية، وعسكر فيها في مقابل المسلمين٤.
كان الموقف خطيرًا، حيث بدأ رستم يجتاح الإقليم بقواته الضخمة البالغة مائة وعشرين ألف مقاتل نصفهم من الفرسان الدارعين، معززين بالفيلة٥، والأدوات الحربية المتطورة قياسًا إلى الأسلحة التي كانت بحوزة المسلمين، فالتفوق كان ملحوظًا، نظريًا، لمصلحة الفرس، إلا أنهم لم يكن باستطاعتهم الارتقاء إلى مستوى القضية، وهي السلاح الأقوى لدى المسلمين، فقد بلغ النظام الساساني آنذاك حدًا
стр. 194
كبيرًا من الانهيار، وانحدرت معه قيم المجتمع لتخدم مصالح الفئة الحاكمة التي التفت حول يزدجرد، والمرتبطة عضويًا بمصالح كبار رجال الدين، مما ولد حالة من التباعد بين النظام والشعب١.
المفاوضات التي سبقت المعركة:
كتب سعد إلى عمر بشرح له الموقف الميداني، فأجابه عمر بأن يبعث إلى صاحب الفرس من يناظرونه، ويدعونه إلى الإسلام قبل الإقدام على القتال. فامتثل سعد لأوامر الخليفة، لكن المباحثات التي جرت بين الوفد برئاسة النعمان بن مقرن المزني ويزدجرد، انتهت بالفشل، وقد غضب الملك الفارسي عندما عرض عليه النعمان إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية، أو الحرب، وقد جرحت كبرياؤه أمام حاشيته وبطانته، وقد عد العرب أشقى، وأسوأ الناس "إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا ولا أسوأ ذات بين منكم، وقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم٢، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكًا يرفق بكم٣.
وجرت اتصالات مكثفة بين سعد ورستم قبل القتال، وتبادلا السفراء، ففي غمرة تردد رستم في خوض معركة سافرة مع المسلمين، بعث برسالة إلى سعد يطلب منه إرسال رجل من عنده يفاوضه بشأن الصلح، فكلف
سعد ربعيًّا بن عامر بهذه المهمة، فعرض عليه أن يختار واحدة من ثلاث: الإسلام أو الجزية، أو الحرب، وأمهله ثلاثة أيام، وترددت الرسل بين القائدين كان آخرهم المغيرة بن شعبة المشهور بفصاحته وبلاغته، وقد تمكن من إثارة حفيظة رستم أثناء المناقشة التي لم تخرج عن إطار العرض الإسلامي السابق، فيما عرض رستم منح المسلمين العطايا مقابل العودة إلى بلادهم، فرد عليه المغيرة: "إن لم تقبل الإسلام أو الجزية، فسيكون الحكم للسيف"، فاستشاط رستم
غضبًا، وأقسم بالشمس: "لا يرتفع الصبح غدًا حتى نقتلكم أجمعين"، فنهض المغيرة وانصرف، وانتهت كل آمال الصلح والمهادنة٤.
стр. 195
خريطة معركة القادسية
стр. 196
أحداث المعركة:
أثار حديث المغيرة الحمية، والغيرة في نفس رستم، كما عظم على أصحابه أن يفرض العرب الجزية على الفرس، فأصدر أوامره بالاستعداد فورًا للقتال، وأرسل إلى سعد يقول له: "إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم"١، وما كان لسعد أن يعبر النهر، ومعركة الجسر ماثلة في ذهنه، لذلك بقي في مكانه مطمئنًا إلى موقعه يحميه النهر أمامه وخندق سابور عن يمينه، والصحراء وراء ظهره، وكان لا بد لرستم من أن يعبر النهر، وبدأت جموع الفرس تتوجه نحو القنطرة ليعبروها، فضايقهم المسلمون؛ لأن سعدًا قرر أن يحتفظ بهذا الموقع نظرًا لأهميته العسكرية، إذ يعد مخرجًا سهلًا للفرس إذا دارت الدائرة عليهم، كما يتيح لهم الانتقال إلى مواقع أخرى تتيح لهم الصمود في معارك تالية أمام المسلمين، لذلك تمهل رستم حتى جن الليل، ثم أمر جنوده فطمروا العتيق بالتراب، والقصب وعبروا عليه٢.
عبأ رستم قواته في ثلاثة عشر صفًا الواحد تلو الآخر، فوضع الهرمزان على الميمنة والجالينوس على يساره، ووضع مهران على الميسرة، واختص هو بالقلب، وضرب لنفسه قبة نصب فيها سريره الفخم، وعين بهمن
في الوسط بينه، وبين الجالينوس وبيرزان على يساره، ووزع الفيلة في مؤخرة
القلب، وفي الميسرة والميمنة، ووضع الرجال على مسافات قصيرة لإيصال أخبار المعركة إلى المدائن٣، وهذا نظام مستحدث بدلًا من نظام البريد التقليدي.
وفي المقابل، عبأ سعد قواته، فعين زهرة بن حوية التميمي على المقدمة، ووضع عاصمًا بن عمرو التميمي في الوسط بين ميمنة عبد الله بن المعتم العبسي، وميسرة شرحبيل بن السمط الكندي، وعين صاحب الطلائع سوادًا بن مالك الأسدي على الطراز -المبارزة-، وشغل المسافات والفجوات، فخلط بين الجند في القلب، والميمنة والميسرة، واعتمد في اتصاله بالمدينة على البريد اليومي٤.
كان مصير فارس يتوقف على نتيجة المعركة، فإذا لم يضرب رستم المسلمين في القادسية، فسوف ينهار سلطان الأكاسرة، وتزول هيبة الفرس، لذلك كان الفرسان يتحرقون شوقًا للقاء المسلمين.
لم يشترك سعد مع الجيش في المعركة؛ لأنه كان يشتكي من عرق النساء، فكان
стр. 197
عاجزًا عن الحركة والمشي، فتمركز في قصر ملكي قديم في القادسية، واستند على وسادة، وأشرف على سير المعركة، وتوجيه المقاتلين بواسطة الرقع التي كان يرمي بها إلى خالد بن عرفطة الذي عينه قائدًا عنه، تتضمن أوامره١. والتحم أقدر قائدين على أرض العراق في رحى معركة طاحنة استمرت ثلاثة أيام٢، ونصف اليوم، تبادل الطرفان خلالها النصر والهزيمة، وانتهت بانتصار المسملين، وقتل رستم في المعركة، كما قتل الجالينوس أثناء فراره٣.
رسالة الفتح إلى المدينة:
نظرًا لأهمية معركة القادسية على الوضع الإسلامي العام، كان الناس في كافة أرجاء الجزيرة العربية يتابعون أخبارها شوقًا لمعرفة نتائجها٤، وكان عمر أشد الناس قلقًا، لذلك كان يخرج كل صباح إلى ظاهر المدينة يتلمس الأخبار، ويسأل الركبان عن أهل القادسية، فإذا انتصف النهار رجع إلى منزله٥.
والواقع أن سعدًا كتب إلى عمر في صباح اليوم التالي للانتصار، يبشره بفتح القادسية، ويشرح له تفاصيل ما جرى من قتال٦، وعندما تسلم عمر الرسالة قرأها على الناس، وعلق على هذا الإنجاز بشيء من التواضع٧.
استمر سعد يكتب إلى عمر كلما واجهته مشكلة جديدة ناتجة عن عملية الفتح، مثل تقسيم الغنائم، والعلاقة مع أهل البلاد المفتوحة الذين نقضوا عهود الصلح مع المسلمين، وساندوا الفرس، فيرسل إليه قرار حلها.
ففيما يتعلق بتقسيم الغنائم، كان نصيب الفارس ستة آلاف، ونصيب الراجل ألفين، فأمر عمر سعدًا أن يفضل أهل البلاء عند العطاء، فزاد كل واحد منهم خمسائة، كما أمره بأن يعطي حملة القرآن٨.
وأما فيما يتعلق بالعلاقة مع أهل البلاد المفتوحة، فقد قسمهم إلى قسمين:
الأول: من استمر على عهده ولم يساعد الفرس، فلهم الذمة، وعليهم الجزية.
الثاني: من ادعى أنه استكره، ولم يخالف الفرس واسندهم في القتال، فيجب قتلهم٩.
стр. 198
تعقيب على معركة القادسية ١:
- لم يبادر عمر في الدخول في المعركة قبل إتمام الاستعدادات اللازمة، وبخاصة حشد القوى، وتنظيم الموارد، لقد بدأ حربه مع فارس بدراسة واقعية للموارد المتاحة للمعركة المطلوبة، واهتم اهتمامًا خاصًا بحشد الخطباء، والشعراء ورؤساء القبائل لما لهؤلاء من أثر معنوي في الحرب، لذلك كان تقدم سعد إلى القادسية بطيئًا.
- درس عمر متطلبات الدخول في معركة ناجحة، فتضمنت الرسائل المتبادلة بينه، وبين سعد دراسة ميدانية لأرض المعركة، ومنطقة العمليات من حيث طبيعتها، ومداها، ومسافاتها، وكان اختيار الموقع بصفاته هذه هو أساس لمعركة القادسية، فاعتمدت على مزاياه كلها واستفادت منها، وبعد أن توضحت الصورة الميدانية، خطط للعمليات العسكرية.
- كانت أرض القادسية عند التقاء الصحراء بالسواد، ووراءها الصحراء العربية، وأمامها أنهار السواد وبطائحه المغمورة بالمياه والزرع، فإذا كانت المعركة لصالح المسلمين، انحصر الفرس بين الأنهار، وتعذر على قواتهم الكثيفة الانسحاب، مما يجعلهم هدفًا سهلًا للمسلمين، أما إذا دارت الدائرة على المسلمين، فخط رجعتهم مفتوح على الصحراء التي يتوه فيها الخصم.
- سبق المسلمون الفرس في الوصول إلى أرض المعركة، فاتخذوا مواقعهم فيها قبل أن يعبر هؤلاء، ثم لم يتركوا لهم متسعًا مناسبًا يستوعبهم استيعابًا مريحًا. ففرضوا عليهم مكان المعركة، وظروفها القتالية حين حرموهم من حرية الحركة، والانتشار الضروريين لخوض معركة ناجحة.
- يتبين من دراسة مواقع تمركز الطرفين، أن الشمس كانت تقابل وجوه الفرس، فتضايقهم كما حرمتهم من وضوح الرؤية، بينما هي في ظهور المسلمين.
- تمتع المسلمون بمعنويات مرتفعة، قائمة على إيمان قوي لا يتزعزع، منحت المقاتلين أعلى درجات الشجاعة، فهاجموا الفيلة المدرعة، والمدربة وعليها المقاتلين، وأخرجوها من المعركة مما أحدث أثرًا مزدوجًا، إذ ارتاح المسلمون منها كما فجع الفرس بخروجها؛ لأنهم كانوا يعتمدون عليها، ويعدونها سلاحهم الرهيب، كما واجهوا الأعداد الهائلة من المشاة الفرس، وفرسانهم الدارعين.
- تمتع الفرس بمميزات لم تكن للمسلمين، كانت الكثرة العددية إلى جانبهم،
стр. 199
وأفضلية العدة والسلاح ونوعيته، وسلاح الفيلة، وستون ألفًا من الفرسان، ودرجات عالية من الكفاءة القيادية، والعسكرية تمثلت في رستم، وأركان حربه، الهرمزان والجالينوس، وبهمن جاذوبه وبيرزان، ومهران وغيرهم، واستقرار سياسي حيث التف الجمع حول يزدجرد ينصرونه، ويؤازرونه مع توقف حروب الدولة على جبهات أخرى مع البيزنطيين وغيرهم، يقاتلون في ديارهم؛ ومع ذلك كله فقد انتصرت القلة المؤمنة المسلحة على كل تلك الإمكانات.
- كثرت خطب الحماسة، والتشجيع أثناء التحضير للمعركة، تذكر من ذلك قيام عاصم بن عمرو أحد قادة القادسية، الذي ألقى خطبة مؤثرة، حث فيها المقاتلين على الصبر والقتال١.
- تشير الخطب والسجالات المتبادلة بين سعد، ورستم قبل بدء القتال، إشارة واضحة إلى أن خروج المسلمين من الصحراء، وما نجم عن ذلك من اندماج يومي فيما بينهم، وعلاقات متبادلة مستمرة من جهة، واصطدامهم الحضاري والثقافي مع الفرس الممعنين في الحضارة من جهة أخرى؛ أدى تدريجيًا إلى بداية تشكيل وعي عربي -إسلامي عام، وشامل يتجاوز حدود الوعي القبلي الضيق، ولم يكن هذا الوعي الجديد إفرازًا لعملية التوسع، وإنما أيضًا عاملًا مدعمًا لها ومؤثرًا فيها، تأثيرًا بناء وإيجابيًا.،إذا كان أهل الحضارة قد نافروا برقيهم وتفوقهم، وعيروا العرب ببداوتهم، فإن العرب لم ينكروا ذلك، بل أقروه كما فعل المغيرة بن شعبة في رده على رستم، لكن طرأ ما بدل الحال العربية، فكان الدين الإسلامي الذي اعتنقته القبائل العربية، وراحت تحتمي به، وتستمد منه العزة، والثقة التي تحتاجها لمتابعة توسعها، وهكذا غدا العرب أصحاب دين ورسالة، وبالتالي أصحاب ثقافة، كانت المبرر لعمليات الفتوح، وعلى هذه الصورة أخذ الدين الإسلامي يتحول إلى مكون سياسي للهوية الثقافية، والحضارية للشخصية الفاتحة التي كانت تحتاج إلى سلاح معنوي بالإضافة إلى سلاحها المادي، يبرر لها وللآخرين مشروعية غزوها لملك الآخرين بعامة٢.
- عرفت القادسية في الجاهلية بأنها باب فارس، حيث اتخذ سعد مركز قيادته، وسجل التاريخ نصرًا جديدًا لقوات المسلمين المنسجمة والمتلاحمة، كما سجل
стр. 200
بداية عملية الفتوح الحقيقية لبلاد فارس، وبالتالي انهيار الإمبراطورية
الفارسية الساسانية، ووفرت الفرصة التاريخية الكبرى التي سمحت للمسلمين
بالتدخل، والتوغل في عمق الأراضي الفارسية دون عقبات كبيرة، وغدت مسألة إخضاع البلاد بعد هزيمة رستم، مسألة وقت.
- تمكن المسلمون من تحطيم القوة الميدانية، للجيش الفارسي، وأدى مقتل رستم إلى زيادة اليأس، والاضطراب في المجتمع الفارسي.
- تساوت القادسية في أهميتها ودورها مع اليرموك، كما سنرى.
- عادت بعض القبائل العربية الضاربة في الشمال إلى طاعة المسلمين، واعتنق بعضها الإسلام.
стр. 201
الفصل السابع: استكمال فتوح العراق -فتوح فارس "إيران "
استكمال فتوح العراق:
الطريق إلى المدائن:
أقام سعد مدة شهرين في القادسية أراح خلالها جنده ودوابه، وشفي هو من مرضه، وتبادل الرسائل مع عمر فيما ينبغي أن يتصرف به، فجاء أمر عمر بأن يسير إلى المدائن، فاستعد للزحف، وأرسل عدة قادة كطليعة لتمهيد الطريق أمام الجيش الرئيسي، اصطدم هؤلاء بجيوب فارسية على امتداد الطريق المؤدي إلى المدائن، في اللسان١ وبرس٢ التي كانت مخزنًا لعتاد حرب الفرس بفعل حصانتها، وبابل وكوثي٣ وتغلبوا عليها، وصالحهم أهل ساباط٤، ووصلت إحدى هذه الطلائع إلى بهرسير إحدى ضواحي المدائن بقايدة هاشم بن عتبة، ثم خرج سعد وراءهم، ولما وصل إلى بهرسير في شهر "ذي الحجة ١٥هـ/ كانون الثاني ٦٣٦م"، ضرب عليها الحصار، وبث خيله في المناطق المجاورة، فأغارت على من ليس له عهد بين دجلة والفرات٥، واستعمل سعد لأول مرة في حرب العراق، والأسلحة الثقيلة كالمجانيق وغيرها، استمر الحصار بضعة أشهر، ودافعت خلالها الحامية عن المدينة بشكل ملفت؛ لأنها تعد معبرًا إلى العاصمة، فإذا سقطت انكشفت المدائن، وأمدها يزدجرد بالإمدادات عبر جسر يصلها بها٦.
стр. 202
كانت أنباء الحصار، والقتال تصل إلى مسامع يزدجرد يوميًا، فيغنم، وقدر أن بهرسير سوف تسقط في أيدي المسلمين وسوف تتبعها المدائن، وذلك بفعل عدم توازن القوى الذي مال لصالح هؤلاء، وحتى يحافظ على ما تبقى عرض الصلح على سعد على أن يكون نهر دجلة حدًا فاصلًا بين الأملاك الإسلامية، والأملاك الفارسية، لكن سعدًا رفض عرض الصلح١، وأصر على القتال في ظل تعليمات الخليفة الواضحة بفتح المدائن؛ وفي ظل تراجع قوة الفرس الميدانية على الأرض، وبخاصة أنه يوشك أن يقتحم بهرسير.
وأخيرًا اقتحم المسلمون، ودخلوها في شهر "صفر ١٦هـ/ آذار ٦٣٧م" بعد أن تخلت حاميتها عنها وتوجهت إلى المدائن، وقد دمر أفرادها الجسور التي أقامواها من قبل، وحطموا السفن التي تجري في نهر دجلة على مسافة مائة وثمانين كيلو مترًا جنوبي المدائن، ومائة وثلاثين كيلو مترًا شمالها فيما بين البطائح وتكريت، حتى لا يستعملها المسلمون في العبور٢، ويبقى النهر بتياره الجارف خط دفاع يصدهم عن العاصمة.
ووقف المسلمون على شاطء النهر، فلاح لهم إيوان كسرى بقبته البيضاء الشامخة، وجدرانه البيضاء، فبهتوا من روعته، وضخامة بنائه وارتفاعه، واتخذ سعد من بهرسير قاعدة عسكرية استعدادًا لمهاجمة المدائن.
فتح المدائن:
كان نهر دجلة هو الحائل بين بهرسير والمدائن، ولم يكن هناك جسر، ولا قارب يحمل الجيش، وسعد حريص على العبور، حتى جاءه رجل فارسي، فدله على مخاضة يعبر عليها دجلة إلى قلب الوادي، فأمر سعد عاصمًا بن عمرو التميمي بالعبور، والتمركز على الضفة الأخرى للنهر ليحمي المسلمين أثناء العبور، ووضع تحت إمرته ستمائة جندي، فاشتبك مع قوة فارسية في مكان يسمى الفراض، وهزمها وولى أفرادها الأدبار، وسيطر على الضفة الأخرى للنهر وسط ذهول الفرس٣.
وصمد خرزاد، قائد حرس السواحل، مع عدد قليل من الجند، لتأخير زحف المسلمين حتى يتسنى لأهل الحكم مغادرة المدائن، وعين كتائب من الرماة على المناهل، وأنزل فرقة عسكرية في النهر لتسد طريق عبور المسلمين، وجرت معركة
стр. 203
غير متكافئة خاضتها طليعة الجيش الإسلامي، فأجلت حرس الشواطئ الذين انسحبوا إلى الداخل الفارسي تاركين المدائن خالية ممن يدافع عنها، ويحميها١.
وشرع يزدجرد، فور تبلغه بسقوط بهرسير، بنقل أفراد الأسرة المالكة إلى حلوان٢، وكنوزه وأمواله إلى النهروان٣، وعندما علم بعبور المسلمين إلى المدائن غادر المدينة إلى حلوان٤، مرتكبًا خطًا عسكريًا فادحًا في الدفاع عن عاصمته، إذ كان عليه أن يصمد، والواقع أنه لم يعد يملك القوة الضرورية للدفاع عن المدائن، وفضل النجاة بنفسه.
عبر سعد بعد ذلك بهدوء، ولما دخل المدائن وجدها خالية، والصمت سائد في جميع نواحيها، ثم دخل إيوان كسرى، ونصب المنبر مكان العرش الملكي وصلى بالمسلمين صلاة الجمعة، وغنم المسلمون ما يحويه الإيوان من كنوز، وأموال ونفائس، وأمتعة وآنية مذهبة، وآلاف القطع التذكارية منذ عهد الأكاسرة، كان من بينها سيوف، ودروع بهرام جوبين، وسياوش والنعمان بن المنذر، وقيصر الروم وراجا داهر خاقان الصين، وخناجر كيقباد وهرمز، وكسرى وتاج أنوشروان المرصع، والثياب الملكية وغيرها، والواقع أن يزدجرد لم يتمكن من نقل كل أمواله ومتاعه، كما كان مطمئنًا بعدم قدرة المسلمين على عبور النهر إلا بعد وقت طويل، وصالح من بقى من سكان المدينة المسلمين على أداء الجزية، وأمر سعد زهرة بمطاردة فلول الجيش الفارسي المنسحب إلى النهروان، والمعروف أن مهران، أحد قادة الجيش، انسحب إلى هذه الناحية وعسكر بها، ثم انتقل إلى جلولاء٥.
فتح جلولاء:
تحصن مهران في جلولاء وخندق على نفسه، وفرش الأشواك وحسك الحديد في الطرق، والممرات التي سيسلكها الجيش الإسلامي، وأعد نفسه ورجاله لقتال
стр. 204
طويل ومرير، وأمده يزدجرد بالرجال من شتى أنحاء المملكة١، والواضح أن الفرس أرادوا إغلاق طريق المدائن -حلوان أمام زحف المسلمين، فاختاروا جلولاء مكانًا لجولة أخرى.
تناهت أنباء الحشود الفارسية إلى مسامع سعد، فكتب إلى عمر يستطلع رأيه. فكتب إليه بأن يرسل هاشم بن عتبة إلى جلولاء على رأس اثني عشر ألفًا، وأن يجعل القعقاع بن عمرو على مقدمته، وسعدًا بن مالك على ميمنته، وعمرو بن مالك على ميسرته، وعمرو بن مرة الجهني على الساقة٢.
ويبدو أن منطقة عمليات مهران كانت أوسع من منطقة جلولاء، ولعلها شملت جميع القوات الفارسية المتواجدة بين حلوان والمدائن٣.
خرج هاشم من المدائن على رأس الجيش الإسلامي وهو على تعبئة، ووصل إلى جلولاء بعد أربعة أيام، وضرب عليها حصارًا مركزًا استمر الحصار مدة ثمانين يومًا تخلله مناوشات، وكر وفر من كلا الجانبين قبل أن يشتبكا في قتال ضار "لم يقاتل المسلمون مثله في موطن من المواطن حتى نفذ منهم النبل والنشاب، وتطاعنوا بالرماح حتى كسروها، ثم فضوا إلى السيوف والطبرزينات"٤.
وانقض عقد الفرس وتراجعوا، فاقتحم المسلمون المدينة، وكبدوا العدو آلاف القتلى، فجللوا المجال وما أمامه وما خلفه، ولذلك سميت جلولاء بما يجللها من قتلاهم، وتم فتح المدينة في "أول ذي القعدة ١٦هـ/ ٢٤ تشرين الثاني ٦٣٧م"٥.
وأصاب المسلمون من الفيء، والمغانم أفضل مما أصابوا في القادسية.
فتح حلوان:
بعد أن تمت هزيمة الفرس في جلولاء، أرسل سعد القعقاع بن عمرو إلى حلوان بناء على تعليمات عمر، وأمده بأكثر من ثلاثة آلاف مقاتل إضافة إلى من اصطحبهم معه، فانطلق في آثار الفرس إلى خانقين٦، وسانده الجنود الفرس الذين أسلموا، فأدرك سبيًا كثيرًا عرف في التاريخ بـ"سبي جلولاء"، وقتل من
стр. 205
أدرك من مقاتليهم، وكان مهران نفسه من بين القتلى؛ وفر القائد فيرزان باتجاه الشرق١.
بلغت أنباء هذه التطورات السلبية مسامع يزدجرد وهو بحلوان، فأدرك أن المسلمين في الطريق إليه، فخرج منها نحو الري٢، وترك فيها حامية عسكرية بقيادة خسروشنوم للدفاع عنها، وتأخير تقدم المسلمين، وقد وصل هؤلاء إلى قصر شيرين الواقع على بعد ثلاثة أميال من حلوان٣.
والتقى الجمعان على بعد فرسخ من حلوان، وجرت بينهما معركة قاسية، هزم فيها الفرس، وقتل زينبدي، دهقان حلوان وقائد المقدمة، وهرب خسروشنوم. ودخل القعقاع حلوان صلحًا، فكف عن أهلها وأمنهم على دمائهم، وجعل لمن أحب منهم الخروج أن لا يتعرض له، ثم عين جريرًا بن عبد الله البجلي حاكمًا على المدينة، ومضى نحو الدينور٤ فلم يفتحها، وفتح قرميسين٥.
تطهير العراق من بقايا الوجود الفارسي:
كان فتح حلوان خاتمة فتوح العراق، لكن الوضع العسكري تطلب القيام بعمليات تطهير شاملة لبقايا الوجود الفارسي، وإخضاع القرى وبخاصة في السواد الشرقي لدجلة، فنفذ هاشم هذه العمليات بنجاح، فصالحه دهقان مهرومز على جريب من دراهم على ألا يقتل أحدًا منهم، ولكن دهقان دسكرة٦ اتهم بغش المسلمين فقتله هاشم، ثم توجه نحو بندنيجين٧، فصالحه سكانها على أداء الجزية مقابل الأمان، ولم يبق من سواد دجلة ناحية إلا غلب عليها المسلمون، وأقبل أمراء الثغور عليهم لطلب الأمام مقابل دفع الجزية٨.
стр. 206
كان لهذه الانتصارات الإسلامية أثرها الإيجابي على الوضع العام للسكان، فأقبل مزيد من الفرس على اعتناق الإسلام دين الفاتحين الجدد، وأرسل سعد هاشمًا بن عتبة، ومعه الأشعث بن قيس إلى الشمال، فمر بالراذانات١، وأتى دقوقاء٢، وخانيجار٣، فغلب عليها، وفتح كورباجرمي، ثم نفذ إلى سن بارما٤، والبوازيج٥ حتى حدود شهرزور٦.
وهكذا سيطر المسلمون على جنوبي العراق، ووسطه وتطلعوا لاستئناف التوسع باتجاه الشرق والشمال، وبخاصة أن القوة الميدانية للفرس قد انهارت، وأضحت كافة الطرق مفتوحة أمامهم للتوغل داخل الأراضي الفارسية بأمان، وهذه فرصة لا يجب أن يفوتها، وطلب سعد موافقة المدينة، لكن عمر رفض التقدم شرقًا، والتوغل في أرض مجهولة، والانسياج وراء الفرس خشية على جند المسلمين، وجعل سلسلة جبال فارس الحدود التي تفصل بين المسلمين والفرس٧.
والواقع أن موقف عمر يدل على بعد نظر وتفكير سليم، إنه حرص على سلامة المسلمين، وفضلها على الأنفال، وبخاصة أنهم لم يكونوا قد أمنوا العراق، واطمأنوا إلى حياة الاستقرار فيه، فقد كان شماله لا يزال على الحرب، والوضع في الجنوب لا يزال غير مستقر، فليس من سداد الرأي في هذه الظروف، أن يندفع المسلمون إلى جبال إيران، ويتوغلوا شرقًا وراءهم جبهة غير صلبة، ومن الخير أن يتخذوا جبال إيران حدًا فاصلًا بينهم وبين الفرس، وأن يفرغوا من القضاء على حركات التمرد بالعراق، يضاف إلى ذلك، فقد تطلع عمر إلى ضم الجنس العربي، وصهره في بوتقة الإسلام، وفي وحدة يكون السلطان فيها للمدينة، ويكون بين المسلمين وبين الفرس، والروم من حسن الجوار ما يذهب عن العرب والمسلمين الروع٨.
стр. 207
فتح تكريت:
احتشدت جموع من البيزنطيين من أهل الموصل بقيادة الأنطاق، وانضمت إليهم بعض قبائل العرب المتنصرة، مثل إياد وتغلب، والنمر والشهارجة، وعسكروا في تكريت على نهر دجلة شمالي المدائن، وتحصنوا بها، وحفروا حولها خندقًا واستعدوا لصد هجوم إسلامي مرتقب١، والواضح أن المسلمين تطلعوا إلى فتح شمالي العراق بعد أن سيطروا على جنوبه ووسطه.
أرسل سعد إلى عمر يخبره بأمر هذه الحشود، فجاءت تعليماته بأن يرسل فرقة عسكرية بقيادة عبد الله بن المعتم، ويجعل على مقدمته ربعيًا بن الأفكل العنزي، وعلى ميمنته الحارث بن حسان الذهلي، وعلى ميسرته فراتًا بن حسان العجلي وعلى ساقته هانئًا بن قيس، وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة، فإن هزموا عدوهم يسرح عبد الله بن المعتم، وابن الأفكل إلى الحصنين٢.
نفذ سعد تعليمات عمر، فأرسل هؤلاء النفر في خمسة آلاف مقاتل، فخرجوا من المدائن، ووصلوا إلى تكريت بعد أربعة أيام، وضربوا عليها حصارًا مركزًا استمر مدة أربعين يومًا، تخلله مناوشات متبادلة، ولجأ عبد الله بن المعتم إلى السياسة لإضعاف قوة خصمه، فاستقطب العرب المتنصرة، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام، وحدث ما شجع هؤلاء على قبول الدعوة، وذلك أن البيزنطيين الذين نفذوا عدة عمليات عسكرية ضد المسلمين، خسروها جميعًا، فتخاذلوا وراحوا ينسحبون من المدينة، عندئذ قبل العرب دعوة عبد الله مقابل الأمان، وطلب منهم القائد المسلم أن يهاجموا البيزنطيين من ناحيتهم عندما يسمعون صيحات التكبير، في محاولة لاختيبار صدقهم، وجرى قتال بين الطرفين الإسلامي، والبيزنطي أمام الخندق، ووفت القبائل العربية بوعدها، فهاجمت البيزنطيين من الخلف، وفوجئ هؤلاء بالهجوم يشن عليهم من أمامهم ومن خلفهم، فأسقط في أيديهم، ولم ينج أحد منهم غير أولئك الذين أسلموا. وسقطت تكريت بيد المسلمين في "جمادى الأول ١٦هـ/ حزيران ٦٣٧م"٣.
فتح نينوى والموصل:
وعملًا بتعليمات عمر، أرسل عبد الله بن المعتم ربعيًا بن الأفكل العنوي إلى نينوى، والموصل على رأس أربعة آلاف مقاتل، بالإضافة إلى من انضم إليه من العرب الذين أسلموا حديثًا٤.
стр. 208
اتبع عبد الله أسلوب السرعة، والسبق حتى يفاجئ حامية الحصنين، وفعلًا فوجئت حاميتا الحصنين بوصول المسلمين الذين بدأوا فورًا عملية اقتحام منظمة، فاضطرتا إلى الاستسلام وطلب الصلح، فأجابهما عبد الله، وذلك في "أواخر عام ١٦هـ/ أواخر ٦٣٧م"١.
فتح قرقيسياء ٢ وهيت ٣:
بلغت أنباء انتصار المسلمين في تكريت، والموصل مسامع البيزنطيين في بلاد الشام، وكانوا في قتال مع جيوش المسملين هناك، فخشوا أن يصل المسلمون في العراق إلى المناطق الحدودية مع بلاد الشام، فيقعوا بين فكي الكماشة، لذلك شجعوا سكان الجزيرة القرآنية الموالين لهم على مقاومتهم، فاحتشدت جموع منهم استعدادًا لذلك.
وأرسل سعد عمر بن مالك بن عتبة على رأس فرقة عسكرية إلى هبت بناء على تعليمات عمر بن الخطاب، فلما وصل إليها حاصرها، وفصل قسمًا من جيشه لحصار قرقسياء، فاستلمت المدينتان٤.
فتح ماسبذان ٥:
احتشدت قوة عسكرية، ممن فر من الفرس من جلولاء، في ماسبذان على الحدود الفاصلة بين العراق من الغرب، وفارس من الشرق، بقيادة آذين بن الهرمزان، فأرسل إليهم سعد ضرارًا بن الخطاب على رأس قوة عسكرية بناء على أوامر عمر، وانتهى المسلمون إلى سهل ماسبذان، والتقوا بالقوة الفارسية في بهندف، وجرت بينهما معركة أسفرت عن انتصار المسلمين، وتشتت الفرس وأسر آذين فقتله ضرار، ودخل المنتصرون المدينة وفر سكانها إلى الجبال، فدعاهم ضرار إلى العودة لقاء الأمان، ودفع الجزية فعادوا٦.
стр. 209
فتح الأبلة والبصرة:
شكل قطاع الأبلة والبصرة، والأهواز جبهة قتالية مساندة تزامنت أحداثها مع فتح المدائن، وما تفرع عنه، لقد أراد عمر أن يفتح جبهة ثانية ضد يزدجرد الذي كان يقاتل انطلاقًا من المدائن لتخفيف الضغط عن هذه الجبهة، فأرسل عتبة بن غزوان المازني إلى البصرة في "أواخر ذي القعدة ١٥هـ/ أواخر كانون الول ٦٣٦م"، وحدد له هدفين:
الأول: حجز القوات الفارسية في هذه المنطقة، ومنعها من التحرك شمالًا لمساعدة جبهة المدائن.
الثاني: فتح الأبلة؛ لأن سقوطها سوف يربك الفرس، ويزيد الوضع الفارسي سوءًا.
وأمره أن يدعو القوم إلى الإسلام، فمن أجابه قبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة١.
وصل عتبة إلى الخريبة٢ في شهر "ربيع الآخر ١٦هـ/ نيسان ٦٣٧م" على رأس ثمانمائة مقاتل، وعسكر في أقصى البر من أرض العرب، وأدنى أرض الريف من أرض العجم على مقربة من البصرة اليوم، وبها حامية فارسية مهمتها منع غارات المسلمين على الأبلة مرفأ التجارة، وقصبة الهند٣.
أقام عتبة بضعة أشهر لا يغزو، ولا يقاتل ولا يخرج إليه أحد، والواقع أن الفرس رصدوا تحركات المسلمين على هذه الجبهة الجنوية لكن لم يكونوا يملكون القوى الكافية للتصدي لهم، فقبعوا في أماكنهم بانتظار تطورات القتال في الشمال، فأرسل من أبلغ قائد الحامية: "إن ها هنا قومًا معهم راية، وهم يريدونك"٤.
وهكذا اضطرت الحامية إلى الخروج من أماكن تمركزها، واصطدمت بالقوة الإسلامية، ولم يمض مقدار "جزر جزور" إلا وانتصر المسلمون، وولى الفرس منهزمين إلى داخل المدينة، واحتموا وراء أسوارها، وعاد عتبة إلى معسكره٥.
ويبدو أن الحامية شعرت بضغط القتال، وأدركت عدم جدوى الاستمرار في المقاومة، وبخاصة أن الاتصالات مقطوعة مع الشمال مما يحرمها من طلب
стр. 210
الإمدادات، فانسحبت شمالًا نحو الفرات وعبرته دون قتال، ودخل عنه الأبلة وكتب إلى عمر يخبره بالفتح، وكان ذلك في شهر "رجب ١٦هـ/ آب ٦٣٧م"١.
آثار سقوط الأبلة بيد المسلمين قادة النواحي، ومنهم مرزبان دست ميسان٢، فحشد قوة صغيرة، واصطدم بهم، إلا أنه هزم وولى الأدبار، واستغل عتبة الوضع
السيئ للحاميات الفارسية القليلة العدد بأسفل دجلة والفرات، لمهاجمتها، وطردها من المنطقة، فتقدم نحو ميسان واشتبك مع الفرس في نواحي المذار وأبرقباذ، وهزمهم، وعاد إلى البصرة٣.
تمصير البصرة:
بالقدر الذي تحولت فيه عمليات الفتوح في العراق، وفي الأقطار الأخرى، بعد ذلك، إلى حالة دائمة ومستقرة؛ أخذت تتوضح بذات القدر ملامح تنظيم جديد يحل محل أشكال الاستقرار الطارئة، والعفوية والمحلية التي كانت سائدة في البداية، فمن البديهي أن العرب وقد غادروا الجزيرة العربية كمحاربين، فإن التجمعات السكانية في المدن، والقرى المفتوحة ظلت كالسابق مقتصرة على سكانها الأصليين دون اختلاط بين هؤلاء وبين العرب، فقد كان الخليفة حريصًا على أن يكون العنصر المقاتل في الدولة من العرب وحدهم، وهذا أمر طبيعي في وقت لم يكن فيه إسلام الشعوب الخاضعة لهم قد طرح جديًا في تلك المرحلة المبكرة، وبهدف الاحتفاظ بشدة الروح القتالية لدى العرب، عمد الخليفة إلى إبعاد هؤلاء عن المراكز الحضارية، خارج الجزيرة العربية، وتجميعهم في قواعد عسكرية يتم اختيارها عادة على شواطء الأنهار، وهي قريبة الشبه بالقواعد العسكرية من حيث المهمات المنوطة بها، ودورها في خطط الفتوح٤.
كانت قاعدة البصرة في جنوبي العراق من أقدم هذه الأمصار، وكان عمر، لكي يحمي البلاد من الهجمات الفارسية الارتداية، قد كلف عتبة بن غزوان بإقامة مدينة قريبة من ميناء الأبلة، حيث كانت ترسو سفن فارس والهند، وقد وصف له طبيعة الأرض وموقعها: "أجمع أصحابك في موضع واحد، ولكن قريبًا من الماء والمرعى، واكتب إلي بصفته، فاختار موضع البصرة، وكتب إلى الخليفة بصفته، فاستحسنه
стр. 211
واطمأن إلى موقعه"١، والواقع أن هذا المكان كان ميدانًا قفرًا به حصى وحجارة، محاطًا بالماء والكلأ، فهو مناسب تمامًا لطبيعة العربي.
وضع عتبة أساس المدينة، وبنى المسجد الجامع من القصب، وكذلك بنى الناس منازلهم، وكلف عاصمًا بن دلف لينزل القبائل في مواضعها، وتم بناء المباني الخاصة بدوائر الحكومة والإدارة، وفي عام "١٧هـ/ ٦٣٨م" اندلعت النار في المكان، فاحترق أكثر البيوت، فأرسل سعد إلى الخليفة يستأذنه في بناء مبان من اللبن تكون أكثر ثباتًا، فوافق عمر لكنه أكد على ألا يبني الفرد أكثر من ثلاث حجرات في المنزل٢، كما أمر بشق قناة تصل المدينة بدجلة، وأضحت البصرة بعد ذلك، ثغر العراق على الخليج العربي.
استأذن عتبة الخليفة في أن يقدم عليه في المدينة، فأذن له، فاستخلف المغيرة بن شعبة على البصرة، وأقر عمر إمارته، فظل بها حتى شهر "ربيع الأول ١٧هـ/ نيسان ٦٣٨م"، عندما استبدله بأبي موسى الأشعري، فاختط البصرة من جديد، وأقام البناء باللبن، والطين ووسع المسجد الجامع، وجدد دار الإمارة٣.
تمصير الكوفة:
استقر المسلمون في المدائن بعد فتحها، ويبدو أن البنية الجغرافية لهذا الإقليم لم تتناسب مع ما ألفه العرب من جو صحراوي مفتوح، فشحب لونهم، فلما وقف الخليفة على ذلك كتب إلى سعد يأمره بأن يتخذ للمسلمين دار هجرة يقيمون فيها، وأن يختار مكانًا مناسبًا بحيث لا يكون بينهم، وبينه بحر ولا جسر٤، وإنما أراد عمر بهذا أن يحقق عدة أهداف لعل أهمها:
- أن يكون المكان المختار لمقام هؤلاء العرب جافًا كالبادية، وتجري فيه، مع ذلك، المياه الصالحة.
- أن تكون المدينة الجديدة قاعدة متقدمة لإمداد بشري للفاتحين بحيث لا يحول بحر، ولا جسر دون إرسال المدد إلى الجند المقيمين في هذه المنطقة إذا احتاجوا يومًا إليه.
- أن يشكل الموضع مركز انطلاق عسكري يساعد على تثبيت أقدام المسلمين في البلدان المفتوحة
стр. 212
نزل سعد في الأنبار، وقرر اتخاذها مقرًا، ولكن كثرة الذباب فيها اضطره إلى النزوح إلى كويفة عمر، فلم يجدها كما يرغب، فكتب إلى الخليفة للوقوف على رأيه، فأجابه: "إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان، وحذيفة١ رائدين، فليرتادوا منزلًا بريًا بحريًا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر"، نفذ سعد أوامر عمر، ونجح الرائدان في اختيار مكان مناسب بين الحيرة والفرات، فنزله المسلمون في شهر "محرم ١٧هـ/ كانون الثاني ٦٣٨م"، وضربوا خيامًا في بادئ الأمر حتى يظلوا متأهبين للجهاد، ويبدو أن هذه كانت رغبة الخليفة حتى لا يلجأ المسلمون إلى الدعة، ثم أذن لهم بعد ذلك بأن يقيموا بيوتًا من القصب والقش، ولكن حريقًا كبيرًا شب، فالتهم معظم هذه البيوت، فطلب المسلمون من عمر أن يأذن لهم بإعادة البناء باللبن، فأذن لهم بشرط ألا يتطاولوا في البنيان٢.
أشرف أبو الهيجاء بن مالك الأسدي على تخطيط المدينة، وأول ما شيد من أبنيتها المسجد الجامع، وبنيت أمامه ظلة واسعة المساحة أقيمت على أعمدة، وشيدت دار الإمارة بجوار المسجد، وسميت قصر سعد، وأقام الجند منازلهم حول فناء المسجد، فاختارت كل قبيلة مكانًا نزلت فيه وجعلت به خيامها. وكان من أهم مميزات المدينة الجديدة اتساع طرقها، حتى لا تحجب الأبنية هواء البادية عن سكانها.
فتوح فارس "إيران":
стр. 213
فتوح فارس "إيران ":
تمهيد:
لم يكن عمر بن الخطاب قد خطط في هذا الوقت لتفح بلاد فارس المعروفة بإيران اليوم، وكان هدف الاصطدامات التي حدثت حتى الآن داخل الأراضي الفارسية هو الحفاظ على إنجازات المسلمين، والمحافظة على الأراضي الإسلامية، إلا أن العراق الذي ضم إلى رقعة الدولة الإسلامية، يعد جزءًا من بلاد العرب؛ لأن العرب سكنوا في أنحائه قبل الإسلام، وكان عمر يقول: "وددت أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم"، ولكن الفرس لم يركنوا إلى الهدوء، فكانوا يجهزون الجيوش استعدادًا لمواصلة الحرب، كما كانوا يقومون بأعمال التمرد في البلاد المفتوحة١، ولما سأل عمر كبار الصحابة عن سبب ذلك
стр. 214
أجابوه: "لا يمكن أن تخمد هذه الفتنة ما لم يخرج يزدجرد من حدود إيران، ولا يمكن أن تنقطع آمال الإيرانيين طالما تراودهم هذه الفكرة، وهي أن وارث عرش "كنعان" موجود على قيد الحياة"١.
ومما زاد في تشجيع الفرس على التمادي في الخروج على حكم المسلمين، والاستعداد لحرب الاسترداد؛ إخفاق هؤلاء في فتح مدينة إصطخر٢، والمعروف أن العلاء بن الحضرمي عامل عمر على البحرين عبر الخليخ إلى البر الفارسي دون الحصول على إذن من الخليفة، فقصد اصطخر، وتغلب على حامية السواحل، وتابع زحفه باتجاه المدينة، إلا أنه لم يؤمن على مؤخرته حيث تقضي السياسة العسكرية السليمة بتمركز قوة عسكرية في النقاط المهمة على الطريق إلى اصطخر، فقطع الفرس عليه خط الرجعة بقيادة الهربذ، ولم ينقذه سوى قرار الخليفة بإرسال مدد من حاميات البصرة، والكوفة وعزله عمر بعد ذلك جزاء مغامرته، ووضعه بتصرف سعد٣.
فتح الأهواز وتستر ٤:
اعتقد الفرس أن الأندفاع الإسلامي سوف يتوقف بعد أن يصل المسلمون إلى الثور، ولهذا اطمأنوا على ديمومة مملكتهم، والواقع أن سياسة عمر أن يتوقف المسلمون عن الزحف شرقًا، ولا يتعدوا العراق انسجامًا مع تطلعاته العربية حيث كانت بعض القبائل العربية تقيم فيه؛ لكن الأحداث المتسارعة دفعته خإلى تغيير هذه السياسة تجاه الفرس، وشجعته الانتصارات الإسلامية على التوغل في عمق الأراضي الفارسية.
كانت الأوضاع السياسية في فارس مزعزعة، وأركان الحكم متفرقين في النواحي، فقد رحل يزدجرد إلى الري كما ذكرنا، إلا أنه تعرض لمؤامرة من قبل حاكمها آبان جاذويه، فغادرها إلى خراسان عن طريق أصفهان وكرمان، وأقام بمرو، واتخذها قاعدة جديدة يحكم منها ما تبقى من مملكته، واستقر الهرمزان في الأهواز، وتشتت جنود فارس في مختلف النواحي٥.
стр. 215
وعندما علم يزدجرد، وأهل فارس بقرار الخليفة بألا يتعدى المسلمون العراق، ظنوا بأن هؤلاء أمسكوا عن تعقبهم خوفًا ورهبة، فطمعوا في استرداد ما فقدوه، ولم يزل يزدجرد يثير الفرس من قاعدته في مرو حتى تحركت قوة عسكرية ضخزة نحو تستر عاصمة الأهواز بقيادة الهرمزان، فأرسل سعد فرقة عسكرية من الكوفة إلى الأهواز بقيادة النعمان بن مقرن المزني، بناء على تعليمات عمر، كما كتب "عمر" إلى أبي موسى الأشعري عامله على البصرة بأن يرسل قوة عسكرية من جند البصرة بقيادة سهل بن عدي١.
كان سكان الأهواز قد أشعلوا الثورة ضد الوجود الإسلامي بفعل قرب بلادهم من الأبلة والبصرة، وقد أثارهم التغيير السريع للولاة في البصرة، وقد أملوا أن تندلع الاضطرابات الداخلية بين المسلمين، مما يساعدهم على طردهم من المنطقة.
سلك النعمان طريق السواد، وعبر دجلة عند ميسان وتابع زحفه إلى الأهواز، فاجتاز نهر تيري، ومناذر وسوق الأهواز، ثم اصطدم بالقوة الفارسية بقيادة الهرمزان بن رامهرمز في أربك٢، وتغلب عليها، وانسحب الهرمزان إلى تستر وأخلى رامهرمز، فدخلها النعمان، ثم أتم فتح الأهواز بعد أن انضم إليه الجند الذين قدموا من البصرة بقيادة سهل بن عدي، كما انضم أبو موسى الأشعري إلى الجيش الإسلامي بعد ذلك، وحاصر المسلمون تستر، وقد تحصن بها الهرمزان، دام الحصار بضعة أشهر تخلله مناوشات بين الطرفين كانت سجالًا قبل أن يقتحم المسلمون المدينة بمساعدة أحد سكانها، وأسر الهرمزان، وأرسل إلى عمر في المدينة، فأعلن إسلامه أمامه٣.
فتح السوس ٤:
أحاط المسلمون بالسوس، وعليها شهريار أخو الهرمزان، وجرت بين الطرفين عدة مناوشات.
وعلم المسلمون أثناء الحصار بأن الفرس يحشدون قوات كثيفة في نهاوند، فرأوا أن يسيطروا على السوس قبل الزحف نحوها، فشنوا هجومًا مركزًا على المدينة واخترقوا تحصيناتها، فاستسلم سكانها وطلبوا الأمان٥.