حتّى مصبّ شطّ العرب في الخليج العربيّ.
وقد قسّم الإسلاميّون جزيرة العرب على خمسة أقسام:
١- الحجاز، والحجاز يمتدّ من أيلة (العقبة) إلى اليمن، وسمّي حجازا- فيما يقولون- لأنّه سلسلة جبال تفصل تهامة- وهي الأرض المنخفضة على طول شاطىء البحر الأحمر- عن نجد.
٢- وتهامة، وقد وصفناها.
٣- واليمن.
٤- ونجد. وهو الجزء المرتفع الّذي يمتدّ من جبال الحجاز، ويسير شرقا إلى صحراء البحرين، وهو مرتفع فسيح، فيه صحراوات وجبال.
٥- والعروض، وهي تتصل بالبحرين شرقا، وبالحجاز غربا، وسمّيت بالعروض لاعتراضها بين اليمن ونجد، وتسمّى باليمامة أيضا «١» .
طبيعة الجزيرة، وأهلها:
وقد تغلّبت الصّحراويّة على شبه الجزيرة، وظهر الجفاف عليه لعوامل طبيعيّة وحوادث جيولوجية، وبسبب الموقع الجغرافيّ، فكان ذلك كلّه سببا في قلّة نفوس جزيرة العرب في الماضي وفي الحاضر، وفي سبب عدم نشوء مجتمعات حضريّة، وحكومات مركزيّة كبيرة فيها، وفي سبب تفشّي البداوة، وغلبة الطّبيعة الأعرابية على أهلها، وبروز روح الفرديّة عند أهلها، وتقاتل القبائل بعضها مع بعض، لذلك انحصرت الحضارة في الأماكن
стр. 107
الممطورة، والأماكن التي خرجت فيها المياه الجوفيّة عيونا وينابيع، أو قاربت المياه فيها سطح الأرض فأمكن حفر الآبار فيها.
فالحياة في جزيرة العرب، هي هبة الماء، فكانت القوافل تؤمّه، وإليه كانت الطبيعة تقذف بالأعراب من كلّ مكان، وكانوا لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع بأرضه، فلا يستقرّون في مكان إلّا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء، فإذا جفّ الكلأ، وقلّ الماء ارتحلوا إلى مواضع جديدة.
ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية، يتمثّل مجتمعهم في القبيلة، فالقبيلة هي الحكومة والقوميّة في نظر البدويّ، وكانت هذه الحياة لا تعرف الرّاحة والاستقرار، ولا تعترف إلا بمنطق القوّة، حياة جلبت المشقّة لأصحابها، والمشقّة لمن يقيم على مقربة منهم من الحضر، فهم في نزاع دائم فيما بينهم، ثمّ هم في نزاع مع الحضر.
ولكنّ العربيّ من ناحية أخرى مخلص، مطيع لتقاليد قبيلته، كريم يؤدّي واجبات الضّيافة، والمحالفة في الحروب، كما يؤدّي واجبات الصّداقة، مخلصا في أدائها، بحسب ما رسمه العرف، وقد نطق به شعرهم، وزخر به أدبهم، من حكم وأمثال، ومثل، وقيم.
والعربيّ يحبّ المساواة، ويعشق الحرّية، وهو رجل جادّ، صارم، قلّ في مجتمعه الإسفاف، محافظ، متمسّك بحياته، معتزّ بما كتب له، وإن كانت حياة خشونة وصعوبة.
والممعن في البداوة منهم ضعيف الإيمان بدين، قلّ أن يؤمن إلّا بتقاليد قبيلته، وما ورثه عن آبائه، مثله الأعلى في الأخلاق تركّز فيما سمّاه المروءة، وتغنّى بها في شعره وأدبه.
стр. 108
مراكز عمران وحضارة:
وفي تلك المواضع الّتي توفّرت فيها المياه، من مطر، وعيون، وآبار، ظهرت الحضارة على شكل قرى ومستوطنات، وأسواق موسميّة، كان لها أثر خطير في حياة العرب عموما، ونشأت مجتمعات، لها طبيعة خاصّة، وشخصيّة مستقلّة، متأثّرة بطبيعة الأرض، وطبيعة الجوّ، وطبيعة الحرف والصّناعات، وطرق العيش الّتي يمارسها هذا المجتمع، فكان في مكّة مجتمع خاصّ، له طابع متميّز، وكذلك لأهل الحيرة ولأهل يثرب، وكان مجتمع اليمن من أغنى المجتمعات العربيّة وأرقاها، لأوضاعه الخاصّة، وتاريخه الحضاريّ القديم، والسّياسيّ الحديث، فتفوّق في إنتاج الغلّة، وتربية الحيوان، واستخراج المعادن، وأقام له قصورا وحصونا، واستورد آلات تساعده في ممارسة الصّناعات، وتيسير الحياة، من العراق وبلاد الشّام، ومن إفريقية.
طبقات العرب:
اتّفق الرّواة وأهل الأخبار، أو كادوا يتّفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات:
١- عرب بائدة.
٢- وعرب عاربة.
٣- وعرب مستعربة.
واتّفقوا أو كادوا يتّفقون على تقسيم العرب، من حيث النسب إلى قسمين:
قحطانيّة، منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانيّة، منازلهم الأولى في الحجاز.
стр. 109
كذلك يقسّم النّسّابون عدنان إلى فرعين كبيرين، ربيعة ومضر.
وكان بين القحطانيّة والعدنانيّة منافسة قديمة، كما كان بين ربيعة ومضر عداء شديد، ظلّ قرونا طويلة.
واتفقوا على أنّ القحطانيّة هم الأصل، والعدنانيّة الفرع «١» منهم أخذوا العربيّة، وبلسانهم تكلّم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، وإسماعيل هو الجدّ الأكبر للعرب المستعربة، أي العرب العدنانيين.
وللنّسب عند العرب شأن كبير، وقد أقرّ به أهل الخبرة من العجم، فقد قال رستم قائد قوّاد الفرس لأهل مجلسه حين استخفّوا بالمغيرة بن شعبة رسول المسلمين، واحتقروه لرثاثة ثيابه، وتبذّله: «ويلكم.. إنّ العرب يستخفّون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب» «٢» .
وحدة اللغة:
وكان خليقا بهذا القطر الواسع، الّذي يكاد يكون شبه قارّة، أن تتعدّد فيه اللغات وتتنوّع، لبعد المسافة بين مواطن القبائل، وبين جنوبيّ الجزيرة وشماليّها، وقلّة اتصال أهل الجنوب بأهل الشّمال، وأهل الشّرق بأهل الغرب، وبحكم العصبيّة القبليّة والسّلاليّة السائدة عليهم، وتأثّر القبائل المتاخمة للرّوم والفرس بلغاتهم.
وقد كثر عدد اللّغات في أوربة الوسطى، وفي شبه القارة الهنديّة، كثرة
стр. 110
هائلة، ولا يزال عدد اللّغات المعترف بها في دستور الهند يبلغ ١٥ لغة إقليمية، تختلف فيما بينها اختلاف لغات مستقلة، قائمة بذاتها، حتّى يحتاج أبناؤها للتفاهم إلى ترجمان، أو لغة أجنبية كالإنجليزية.
ولكن امتازت الجزيرة العربية على سعتها، وترامي أطرافها، وتشتّت قبائلها، بوحدة اللغة، كانت ولا تزال أداة تفاهم والتقاء لجميع أبناء هذه الجزيرة، حضرهم وبدوهم، والقحطانيّ منهم والعدنانيّ، وهي اللغة العربيّة على اختلاف لهجاتها، وفروقها الإقليميّة الّتي تقتضيها طبيعة اللغات وفلسفتها، وطبيعة الأقاليم والأجواء، وطبيعة الانعزال والانطواء.
فاللغات تختلف في لهجاتها بمسافات، قد تطول وقد تقصر، وكانت هذه الوحدة اللغويّة التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهمّ أسباب تيسير مهمّة الدعوة الإسلاميّة، وسرعة انتشار الإسلام فيها، ومخاطبة الوحدات العربيّة المنتشرة، في لغة واحدة، هي اللغة العربيّة الفصحى، وبكتاب واحد هو القرآن العربيّ المبين.
جزيرة العرب في تاريخ الأمم والديانات:
قد تبيّن من الآثار العتيقة أنّ بلاد العرب كانت مأهولة بالنّاس، منذ العصور «الباليوليتية) Paleolithic ( «أي العهود الحجرية المتقدّمة، ومن أقدم الآثار الّتي عثر عليها آثار من أيام العصور المعروفة ب) Chellian (أي الأدوار الأولى من أدوار حضارة العصر الحجريّ.
وقد جاء ذكر العرب في مواضع من أسفار التّوراة، تشرح علاقات العبرانيّين بالعرب، وما ذكر في التوراة عن العرب يرجع تاريخه إلى ما بين ٧٥٠، والقرن الثاني قبل المسيح، وقد وردت في التّلمود إشارات إلى العرب كذلك.
стр. 111
وفي كتب «يوسفيوس فلافيوس» الذي عاش بين سنة ٣٧ و ١٠٠ للمسيح تقريبا معلومات ثمينة عن العرب، وأخبار مفصّلة عن العرب والأنباط، ووردت في الكتب اليونانية واللاتينية المؤلفة قبل الإسلام- على ما فيها من خطأ- أخبار تاريخية جغرافية كبيرة الخطورة، ووردت فيها أسماء قبائل عربية كثيرة، لولاها لم نعرف عنها شيئا، وتعدّ الإسكندرية من أهمّ المراكز التي كانت تعنى عناية خاصة بجمع الأخبار عن بلاد العرب، وعادات سكّانها، وما ينتج فيها لتقديمها إلى من يرغب فيها من تجّار البحر المتوسط.
ومن أقدم من ذكر العرب من اليونانيّين «خيلوس» (٥٢٥- ٤٥٦ قبل المسيح) و «هيرودوتس» (٤٨٠- ٤٢٥ ق. م) .
وهناك طائفة من الكتّاب الذين تركوا لنا آثارا وردت فيها إشارات إلى العرب، والبلاد العربيّة، منهم (بطليموس) الذي عاش في الإسكندريّة في القرن الثاني للمسيح، وهو صاحب مؤلّفات في الرّياضيات منها «كتاب المجسطي» المعروف في اللغة العربيّة.
وفي الموارد النصرانية مادة غزيرة عن تاريخ العرب في الجاهليّة والإسلام، وإن كانت خاصة بما له صلة بالنصرانيّة وانتشارها، ومراكز نشاطها.
والعرب في التوراة، هم الأعراب، أي سكان البوادي، لذلك فإنّ النّعوت الواردة فيها عنهم، هي نعوت لعرب البادية.
وكذلك في كتب اليونان، والرّومان، والأناجيل، نعوت قصدت بها الأعراب، وقد كانوا يغيرون على حدود إمبراطوريتي الرومان واليونان، ويسلبون القوافل، ويأخذون الإتاوات من التّجار والمسافرين.
وقد وصف ديدوروس الصّقليّ العرب بأنّهم يعشقون الحريّة، فيلتحفون
стр. 112
السماء، ويعتقدون بالإرادة الحرّة، والحريّة المطلقة.
وبذلك يصفهم (هيرودوتس) ، فيقول: إنّهم يقاومون أيّ قوة تحاول استرقاقهم، واستذلالهم، فالحرية عند العرب هي أكبر شعار، وميزة يمتاز بها العرب في نظر الكتبة اليونان، واللاتين.
وكذلك الصّلات بين العرب والهند، ومعرفة إحداهما بالآخرى، والتبادل التجاريّ والثقافيّ بين البلدين قديم ووثيق، وسابق على الإسلام والفتح الإسلاميّ بكثير، وكانت الهند من أعرف الأقطار الآسيوية بالعرب، وأقرب إليها، لعوامل جغرافية، واقتصادية، كما تدلّ على ذلك المصادر الهندية والعربية، والاكتشافات الحديثة «١» .
صلة الجزيرة بالنبوّات، والأديان السماوية:
والجزيرة العربية مهد نبوّات كثيرة، ومبعث عدد من الأنبياء، وقد جاء في القرآن: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأحقاف: ٢١] .
والمراد به نبيّ الله هود الذي أرسل إلى عاد، وعاد من العرب البائدة على قول المؤرّخين، وكان موطنها «الأحقاف» و (الحقف) كثيب مرتفع من الرّمال.
وكانت منازل عاد على المرتفعات المتفرّقة في جنوب الجزيرة، وهي الآن تقع في الجنوب الغربيّ من الربع الخالي، قريبا من «حضرموت» ، لا عمران فيها ولا حياة، وكانت جنّات ومتنزّهات معمورة بأقوام جبابرة
стр. 113
يسمّون قوم عاد، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية جلبت عليهم طوفانا من الرمال «١» .
وقد دلّت الآية على أنّ هودا لم يكن هو الأول أو الآخر من الأنبياء الذين بعثوا في هذه البلاد، بل سبقه أنبياء ولحقوا به، فقد قال: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الأحقاف: ٢١] .
وكذلك صالح نبيّ ثمود، كان مبعثه في جزيرة العرب، فإنّ ثمودا كانت تسكن «الحجر» ، الذي بين الحجاز وتبوك.
وقد نشأ إسماعيل في مكّة، وعاش فيها ومات.
وإذا صحّ أنّ مدين تدخل في جزيرة العرب في إطارها الواسع، فقد كان شعيب الذي أرسل إليها من العرب. فقد كانت «مدين» في أطراف أرض العرب من ناحية الشّام، قال أبو الفداء: «كان أهل مدين قوما عربا، يسكنون مدينتهم «مدين» ، الّتي هي قريبة من أرض معان، من أطراف الشام، مما يلي من ناحية الحجاز، قريبا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة» «٢» .
وكانت أرض العرب مأوى لكثير من أصحاب الرّسالات والدّعوات، الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتنكّرت لهم أوطانهم، فلم يجدوا مأوى إلّا في هذه الأرض البعيدة عن نفوذ الملوك الجبّارين، والرؤساء الظالمين، كما كان الشأن مع إبراهيم في مكّة، وموسى في مدين، هذا عدا الديانات التي لقيت اضطهادا في مهدها، فأوت إلى مواطن في الجزيرة،
стр. 114
فهاجر عدد كبير من اليهود، حين لقوا اضطهادا من الرومان إلى أرض اليمن، ومدينة يثرب.
ولجأت النصرانيّة إلى أرض نجران فرارا من حكم القياصرة الذين اضطهدوها «١» .
إسماعيل ﵇ في مكة:
قصد سيدنا إبراهيم مكّة، وهي في واد محصور بين جبال جرداء، ليس فيه ما يعيش عليه الناس، من ماء، وزرع، وميرة، ومعه زوجه هاجر، وولده إسماعيل، فرارا من الوثنيّة المنتشرة في العالم، ورغبة في تأسيس مركز يعبد فيه الله، ويدعو الناس إليه، ويكون منارا للهدى، ومثابة للناس، ونقطة انطلاق لدعوة التوحيد، والحنيفية السمحة والدين الخالص «٢» .
تقبّل الله هذا العمل الخالص، وبارك في هذا المكان، وأجرى الله الماء لهذه الأسرة المباركة الصغيرة، المؤلّفة من أمّ وابن- وقد تركهما إبراهيم في هذا المكان القاحل المنعزل عن العالم- وكان بئر زمزم، وبارك الله في هذا الماء.
وكان إبراهيم لا يزال في جهاد، ودعوة، وانتقال من مكان إلى مكان، يدعو الناس إلى الله، ويعود إلى مكّة، فيقضي فيها أياما، ثمّ يغادرها «٣» .
стр. 115
ونشأ إسماعيل، وأراد إبراهيم ذبح ابنه إسماعيل، وهو غلام يسعى، إيثارا لحبّ الله تعالى على حبّه، وتحقيقا لما رآه في المنام.
واستسلم إسماعيل لهذا الأمر ورضي به، وفداه الله بذبح عظيم «١» ، وسلّمه ليكون عون أبيه في الدعوة إلى الله، وليكون جدّ آخر نبيّ وأفضل الرسل، وجدّ أمة تضطلع بأعباء الدعوة إلى الله والجهاد في سبيلها.
وعاد إبراهيم إلى مكّة، واشترك الأب والابن في بناء بيت الله، وكان دعاؤهما أن يتقبّل الله هذا البيت، ويبارك فيه، وأن يعيشا على الإسلام، ويموتا عليه، ولا ينقطع بموتهما بل ترثه ذريّته، فتحتضنه، وتغار عليه، وتدعو إليه، وتؤثره على كلّ عزيز، فتنتشر هذه الدعوة في العالم، وأن يبعث الله فيها نبيّا من ذريّته، يجدّد دعوة جدّه إبراهيم، ويتمّ ما بدأه.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٧- ١٢٩] .
ودعا إبراهيم أن يظلّ هذا البيت آمنا دائما، وأن يسلّم الله أولاده من عبادة الأصنام، الّتي لم يكن هو أشدّ كراهة لشيء، ولا أكثر تقزّزا، ولا أخوف لشيء على ذرّيته منها.
فقد رأى مصير الأمم ومصير الأسر، بعد الأنبياء الذين بعثوا فيها، وبعد الجهود الجبّارة والدّعوات القويّة التي قاموا بها، وكيف أصبحت بعد
стр. 116
مفارقتهم للدنيا فريسة الشياطين المفسدين، والدجّالين المضلّلين من عبّاد الأوثان ودعاة الجاهليّة.
وتمنّى أن يكون أولاده وأولاد أولاده على اتصال دائم بدعوته وجهاده، يذكرون قصّة محاربته للوثنيّة، وخلعه للأوثان، وتحطيمه لها، ومصارمته للوالد السّادن لبيت الأصنام، وفراقه للأهل والوطن، وأن يذكروا سرّ اختيار هذا المكان القاحل، الذي لا يصلح للزّرع، وازدهار المدنية، ويعرفوا سرّ إيثاره على المدن الكبيرة، والأمكنة الصالحة للفلاحة والتجارة، وأسباب العيش، وأن يعوّض عن ذلك بأن يعطف عليهم القلوب، ويهوي إليهم الأفئدة، ويسوق إليهم الرزق الكريم، ويجبي إليهم ثمرات كلّ شيء:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٥- ٣٧]
قبيلة قريش:
وتحقّق كلّ ذلك، فبارك الله في ذرّيتهما، وتوسّعت الأسرة الإبراهيمية العربية، فقد صاهر إسماعيل جرهم «١» - وكانوا من العرب العاربة- وبارك الله في ذريّة إسماعيل، حتى كان منه عدنان، وتناقلت العرب العدنانية أنسابها، وهي أكثر الأنساب العربية صحة وحفظا وتداولا.
стр. 117
وكثر أولاد عدنان، اشتهر منهم معدّ بن عدنان، ونبغ في أولاده مضر، ونبغ من أولاده فهر بن مالك.
وسمّي أولاد فهر بن مالك بن النّضر «قريشا» وغلب هذا الاسم على جميع الأسماء، فاشتهرت هذه القبيلة ب «قريش» وأقرّ أهل العرب كلّهم لقريش بعلوّ النّسب، والسيادة، وفصاحة اللغة، ونصاعة البيان، وكرم الأخلاق، والشجاعة، والفتوّة، وذهب ذلك مثلا لا يقبل نقاشا ولا جدلا «١» .
قضيّ بن كلاب وأولاده:
ومن أولاد فهر قصيّ بن كلاب.
وظلّ أمر مكة لجرهم، حتى غلبهم على ذلك خزاعة، وكانت سدانة البيت فيهم، إلى أن عظم شأن قصيّ بن كلاب، وظهر فضله فانتقلت إليه، وانضمّت له قريش، وأجلوا خزاعة عن مكّة، وتمّ له أمر مكة، وكان سيّدا مطاعا، كانت إليه حجابة البيت، وعنده مفاتيحه، فلا يدخل أحد إلا بإذنه، وسقاية زمزم، والرّفادة «٢» ، والندوة التي يجتمعون فيها للمشورة، والرأي، واللواء في الحرب، فحاز شرف مكة كلّه.
وتنبّل في أولاده عبد مناف، وكان هاشم أكبر أبناء والده عبد مناف، وكان كبير قومه، وكانت عنده السّقاية والرّفادة، وهو والد عبد المطلب:
جدّ الرسول ﷺ ، وقد ولي عبد المطّلب السّقاية والرّفادة بعد عمّه المطلب بن
стр. 118
عبد مناف، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبّه قومه، وعظم خطره فيهم «١» .
بنو هاشم:
وكان بنو هاشم واسطة العقد في قريش، وإذا قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم- وهو قليل من كثير جدا- استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كلّ شيء، ورجاحة العقل، وقوّة الإيمان بما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم، ومكابرة الحق، وعلوّ الهمّة، والعطف على الضعيف والمظلوم، والسخاء، والشجاعة.
وما تشتمل عليه كلمة «الفروسية» عند العرب، من معان كريمة، وخلال حميدة، تمثّل السيرة التي تليق بأجداد الرسول الكريم ﷺ وتتفق مع ما كان يفضّله ويدعو إليه، من مكارم الأخلاق، غير أنّهم عاشوا في زمن الفترة، وسايروا أبناء قومهم، في عقائد الجاهليّة وعباداتها.
الوثنية في مكة: تاريخها ومصادرها:
وبقيت قريش متمسّكة بدين إبراهيم الخليل وبدين جدّها إسماعيل، متمسّكة بالتوحيد، وبعبادة الله وحده، حتى كان عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي، فكان أوّل من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وأحدث في الحيوانات من التعظيم والتسييب والتحريم ما لم يأذن به الله، ولم تعرفه شريعة إبراهيم، وكان قد خرج من مكّة إلى الشام، فرأى أهلها يعبدون
стр. 119
الأصنام، ففتن بها، وجلب بعضها إلى مكّة، فنصبها، وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها «١» .
ولا غرابة في أنّه مرّ في طريقه إلى الشّام من «البتراء» التي ضبطها المؤرّخون والجغرافيّون القدامى ب «بطراء» و «بطرة» ، وهي تقع الآن في جنوب المملكة الأردنية الهاشمية، وكانت القصبة العربية الصخريّة المشهورة عند اليونان والرومان، قيل: إنّه أنشأها الأنباط، وهم من أصل عربيّ، قبل آلاف من السّنين، وقد بلغوا في المدنيّة والصناعة شأوا بعيدا، وكان بينهم شعراء وأطباء وتجار كبار، وكانوا يرحلون إلى مصر والشام وبلاد الفرات وروما، ويجوز أنّهم كانوا يمرّون بالحجاز في طريقهم إلى وادي الفرات، وكانوا مع ذلك منغمسين في الوثنيّة السافرة، ينحتون الأصنام ويعبدونها،
стр. 120
قيل: إنّ «اللّات» التي هي في مقدّمة الأصنام التي كان يعبدها أهل شماليّ الحجاز، استوردوها من «البتراء» وجعلوها في أصنامهم الرئيسيّة «١» .
ويؤيّد ذلك ما جاء في كتاب «تاريخ سورية» لمؤلّفه فيليب حتّي) P.K.Hitti (حول المناطق النبطية أي شرقيّ الأردن حاليا، يقول:
«وكان زعيم هؤلاء الآلهة «ذي الشرا» ، وكان يشبه عمودا مستطيلا أو حجرا أسود مربعا ... وكانت «اللّات» الآلهة الخاصة للعرب متصلة ب «ذي الشرا» ومن الآلهة النبطية الآخرى التي ورد ذكرها في كتابة من الكتابات الأثرية، هي «مناة» و «العزّى» وقد ورد ذكر «هبل» أيضا في تلك الكتابات» «٢» .
ولا يعزبنّ عن البال أنّ هذا العصر كان عصر انتشار الوثنيات حول الجزيرة العربية، ومنها حوض البحر الأبيض المتوسط، فلم تظهر دعوة المسيح وحواريه بعد، التي عارضت الوثنية، وقللت من حدتها ونشاطها.
أمّا اليهودية فقد كانت ديانة سلالية محصورة في بني إسرائيل، لم تؤذن لدعوة غير بني إسرائيل إلى التوحيد.
ويؤيّد ذلك ما جاء في كتاب «العرب قبل محمد» لمؤلّفه.LDe Lacy OLeary قال:
«ولا يبعد عن الصحة أن يقال: إنّ عبادة التماثيل إنّما كانت من منح
стр. 121
سورية وفدت إلى الجزيرة عن طريق التقاليد الشاميّة اليونانيّة المنتشرة في سورية، ولعلّها لم تكن سائدة في سائر أنحاء العرب» «١» .
وكذلك كانت الوثنيّة منتشرة في وادي الفرات وشرقيّ الجزيرة العربية، وكان بين الجزيرة وهذه المنطقة اتصالات تجارية وعلاقات وديّة، فلا يستبعد أن يكون لهذه المنطقة نصيب في انتشار الوثنيّة في الجزيرة.
وقد صرّح) Georges Roux (في كتابه «العراق القديم» بأنّ الكتابات الأثرية في العراق تدلّ على أنّ الوثنية كانت منتشرة فيها في القرن الثالث المسيحيّ فيما بعد، وهي كانت مسكنا للآلهة، منها أجنبية ومنها محليّة «٢» .
وقيل: إنّ عبادة الأصنام نشأت في قريش تدريجيّا، فقد توصّلوا من تعظيم حجارة الحرم، التي كانوا يحملونها معهم إذا ظعنوا من مكّة، تعظيما للحرم، ومحافظة على ذكراه، إلى أن صاروا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلّفوا خلفا نسوا ما كانوا عليه، وعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، وفيهم- على ذلك- بقايا من عهد إبراهيم يتمسّكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحجّ والعمرة «٣» .
وتاريخ الأمم والدّيانات في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن الوسائل إلى الغايات، ومن المقدّمات إلى النتائج، يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء من تعليل
стр. 122
بدء الوثنية في العرب بصفة عامة وفي قريش بصفة خاصّة، وتاريخ بعض الشعوب الإسلامية وطوائفها في التدرج إلى عبادة الصّور والضرائح ومغالاتها في التعظيم والتقديس يؤيّد ذلك.
لذلك ألحّت الشريعة الإسلامية على سدّ الذرائع المؤدّية إلى الشّرك، والغلوّ في الأشخاص والآثار «١» .
حادثة الفيل:
ووقع حادث عظيم لم يحدث مثله في تاريخ العرب، وكان دليلا على ظهور حادث أكبر، وعلى أنّ الله يريد بالعرب خيرا، وأن للكعبة شأنا ليس لغيرها من بيوت الدّنيا ومراكز العبادة، وقد نيطت بها رسالة ودور في تاريخ الديانات ومصير الإنسانيّة، لا بدّ أن تؤدّيه وأن تقوم به.
стр. 123
خريطة أصحاب الفيل
стр. 124
إيمان قريش بمكانة البيت عند الله:
ويتجلّى هذا الإيمان بأنّ لهذا البيت مكانة عند الله، وأنّه حاميه ومانعه، في حديث دار بين عبد المطّلب- جدّ الرسول وسيّد قريش- و «أبرهة» - ملك الحبشة- وقد أصاب له الملك مئتي بعير، فاستأذن له عليه، وقد أعظمه أبرهة، ونزل له عن سريره، فأجلسه معه، وسأله عن حاجته، فقال:
حاجتي أن يردّ عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي.
فلمّا قال له ذلك، زهد فيه الملك، وتفادته عينه، وقال: أتكلّمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلّمني فيه؟!.
قال له عبد المطّلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه.
قال: ما كان ليمتنع منّي.
قال: أنت وذاك «١» .
إذا فلا سلطان عليها لزاحف، ولا سبيل إليها لمهاجم، وإنّ الله بالغ أمره في بيته ودينه.
وكان من خبره أنّ أبرهة الأشرم عامل النّجاشيّ (ملك الحبشة) على اليمن بنى ب «صنعاء» كنيسة عظيمة، سمّاها «القلّيس» وأراد أن يصرف إليها حجّ العرب، وغار من الكعبة أن تكون مثابة للناس، يشدّون إليها الرحال، ويأتون من كل فجّ عميق، وأراد أن يكون هذا المكان لكنيسته.
وعزّ ذلك على العرب الذين رضعوا لبان حبّ الكعبة وتعظيمها، لا يعدلون بها بيتا، ولا يرون عنها بديلا، وشغلهم ذلك، وتحدثوا به،
стр. 125
فخرج كنانيّ، ودخل الكنيسة، وأحدث فيها، فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه «١» .
ثمّ سار وخرج معه بالفيل، وتسامعت به العرب، فنزل عليهم كالصّاعقة، وأعظموه، وفزعوا له، وأرادوا كفّه عن ذلك ومحاربته، فرأوا أن لا طاقة لهم بأبرهة وجنوده، فوكّلوا الأمر إلى الله تعالى، وكانوا على ثقة بأنّ للبيت ربّا سيحميه.
وانحازت قريش إلى شعف «٢» الجبال والشّعاب، تخوّفا عليهم من معرّة الجيش، ينظرون ماذا سيصنع الله بمن اعتدى على حرمته، وقام عبد المطلب، ومعه نفر من قريش، فأخذوا بحلقة باب الكعبة، يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده.
وأصبح أبرهة متهيّئا لدخول مكّة، وهو مجمع لهدم البيت، وهيّأ فيله، وكان اسم الفيل «محمودا» وبرك الفيل في طريق مكّة، وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، ووجّهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول.
وهنالك أرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر، مع كلّ طائر منها أحجار
стр. 126
يحملها، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وخرج أهل الحبشة هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، وخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، تسقط أنامله، أنملة أنملة، حتّى قدموا به «صنعاء» فمات شرّ ميتة «١» .
وذلك ما حكاه القرآن، يقول:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) «٢» تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) «٣» فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ١- ٥] .
وقع حادثة الفيل ودلالتها:
فلمّا ردّ الله الحبشة من مكة، وأصابهم ما أصاب، أعظمت العرب قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم العدوّ، وازدادوا تعظيما للبيت، وإيمانا مكانته عند الله «٤» .
وكان ذلك آية من الله، ومقدّمة لبعثة نبيّ يبعث في مكّة، ويطهّر الكعبة من الأوثان، ويعيد إليها ما كان لها من رفعة وشأن، وتكون لدينه صلة عميقة دائمة بهذا البيت، ودلّ هذا الحادث على قرب ظهور هذا النبيّ وبعثته.
واستعظم العرب هذا الحادث، وكان جديرا بذلك، فأرّخوا به، وقالوا وقع هذا في عام الفيل، وولد فلان في عام الفيل، ووقع هذا بعد عام الفيل
стр. 127
بكذا من السّنين، وعام الفيل يصادف سنة ٥٧٠ م «١» .
وما مضى على وقعة الفيل خمس سنوات حتّى انتقم الله من الأحباش، فما لبث أن أزال حكمهم من بلاد اليمن، فخلت الجزيرة العربية من آثار النفوذ المسيحيّ واستعمار الأحباش في وقت واحد.
جاء في «قيام الدولة العربية» ما خلاصته: «قد قامت حركة وطنية في دولة حمير لتخليص اليمن من حكم الأحباش، وقد استنجد سيف بن ذي يزن بكسرى فارس فأمدّه بحملة سنة ٥٧٥ م بقيادة وهرز، وقد تغلّب هذا القائد على الأحباش في اليمن» «٢» .
стр. 128
مكّة زمن البعثة وعند ظهور الإسلام
مكّة مدينة لا قرية:
يتخيّل كثير من النّاس ممّن لا علم لهم بأحوال العصر الذي كانت فيه البعثة، وليس لهم اطّلاع واسع على أيّام العرب وأخبارهم وشعرهم وعوائدهم، أنّ مكّة كانت قرية صغيرة، وكانت الحياة فيها في طور الطفولة العقلية والاجتماعية والحضارية، وكانت أشبه بمسكن للقبائل، فيه مضارب من الشّعر، تسود فيها حياة الخيام، وبين معاطن الإبل «١» ، ومرابض الغنم ومرابط الخيل، متناثرة في حواشي الوادي وشعاب الجبال، يتبلّغ أهلها ببلغة من العيش، ويتعيّشون على الخبز القفار «٢» أو لحم الإبل الذي لم يحسن شواؤه ولم يكمل استواؤه، ويلبسون اللباس الخشن الذي يتخذونه من أصواف الإبل وأوبارها، لا شأن لهم بتوسع في المطاعم والمشارب، أو تأنّق في اللباس، أو لين من العيش، ورقّة في الشّعور، وتوسّع في الخيال.
إنّ هذه الصّورة القاتمة لمكّة، لا تتفق مع الواقع التاريخيّ ومع ما تناثر في كتب التاريخ ودواوين الأدب والشعر الجاهليّ، من وصف مكّة وما كان عليه أبناؤها، في منتصف القرن السادس المسيحيّ من آداب وأعراف وعادات
стр. 129
ومظاهر كثيرة في الحياة، قد انتقلت من طور بدائيّ بدويّ إلى طور بدائيّ مدنيّ، ولا تتّفق مع ما وصفها القرآن بنعوت وأسماء لا تليق بقرية صغيرة، وحياة بدويّة، فقد سمّاها «أمّ القرى» في قوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧] . وقوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ١- ٣] . وقوله: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ «١» [البلد: ١- ٢] .
والحقّ أنّ مكّة قد انتقلت في منتصف القرن الخامس الميلاديّ، من طور البداوة إلى طور الحضارة، وإن كانت حضارة بالمعنى المحدود، وخضعت لنظام يقوم على اتفاق تطوّعيّ وتفاهم جماعيّ وتوزّع للمسؤوليات والمهام، وكان ذلك على يد قصيّ بن كلاب الجدّ الخامس للرسول.
وكان عمران مكّة بطبيعة الحال محصورا في نطاق ضيّق، وكانت مكّة بين الأخشبين، وهو جبل «أبي قبيس» المشرف على الصّفا، والآخر الجبّل الذي يقال له «الأحمر» ، وكان يسمّى في الجاهليّة ب «الأعرف» ، وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان.
إلّا أنّ وجود البيت في هذا الوادي، وما كان يتمتّع به جيرانه وسدنته بصفة خاصّة، وسكان الوادي بصفة عامّة، من شرف ومكانة وأمن، كان مغريا لكثير من القبائل العربيّة، وخصوصا المجاورة، للانتقال إلى جوار
стр. 130
البيت، فازداد العمران، وتوسّع النطاق على مرّ الزمان، وحلّت البيوت المرصوفة بالحجر، أو المبنية بالطين والحجر محلّ الخيام والأخبية، وانطلقت الحركة العمرانية ممّا يلي المسجد الحرام إلى بطحاء مكّة في أعلاها وأسفلها، وكانوا يبنونها أوّل الأمر بحيث لا تستوي على سقوف مربّعة احتراما للبيت، ثمّ هان عليهم ذلك بالتدريج، فلم يروا بذلك بأسا، وتوسّعوا فيه، إلا أنّهم كانوا لا يرفعون بيوتهم عن الكعبة.
وزعم بعض أهل الأخبار أنّ أهل مكّة كانوا يبنون بيوتهم مدوّرة تعظيما للكعبة، وأوّل من بنى بيتا مربّعا «حميد بن زهير» ، فاستنكرته قريش.
وكانت بيوت أثريائها وساداتها مقامة بالحجر، وبها عدد من الغرف، ولها بابان متقابلان، ليتمكّن النّساء من الخروج من الباب الآخر، عند وجود ضيوف في الدّار.
ومن أعلى جبل أبي قبيس الذي يشرف على مكّة من الشرق، يبدو شكلها المستطيل من الشّمال إلى الجنوب في بطن واد ضيق، وعندما ينظر إليها المرء لأول وهلة فإنّه لا يكاد يميّزها عن الأديم الذي تقوم عليه، إنّ الجبال الجرداء الصخرية التي تحيط بها لا تفصلها عنها أية واحة، فليس بينها وبين مكّة أيّ بقعة خضراء، وإنّ سطوح منازلها لتختلط بمنهار الصخور التي تحدّرت على سفوح تلك الجبال.
أمّا بعد أن تراض العين شيئا فشيئا، فإنّها تميّز البيوت والدّور، وتكشف المداخل الخفيّة، ويتنبّه الإنسان بغتة لمنظر مفاجىء لمدينة كبيرة، لم يكن يظنّ وجودها في هذا المكان، إنّ العين تراها تكبر دون حدّ؛ حتّى ليكاد الإنسان يعزو اتساعها المفاجىء إلى سحر ساحر، وتبدو الصّخور بدورها
стр. 131
وكأنّها تحوّلت إلى منازل، وتبدو الآكام أشبه بضواح واسعة لا يدرك الطرف لها نهاية «١» .
نشأة مكّة الجديدة وصاحبها:
كانت نشأة مكّة الجديدة على يد قصيّ بن كلاب، فهو الذي جمع قريشا، وأسكنهم مكّة، وخطّ لهم الرّباع «٢» ، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم، واختطّ بنوه من بعده مكة رباعا، فكانوا يقطنونها، ويبيعونها، وأقامت على ذلك قريش، ليس بينهم اختلاف ولا تنازع.
تنظيم حياة وتوزيع مناصب ومسؤوليات:
تملّك قصيّ على قومه وأهل مكّة، وكانت إليه الحجابة، والسّقاية «٣» ، والرّفادة «٤» ، والندوة، واللواء.
وهو الذي أسّس دار الندوة لا صقة بالمسجد الحرام، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، وهي دار قصيّ بن كلاب، وهي دار الشّورى لقريش ودار الحكم والمجتمع في مكّة، فما تنكح امرأة، ويتزوّج رجل من قريش، وما يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلّا في
стр. 132
خريطة مكة المكرمة
стр. 133
هذه الدار، وما تدرّع جارية إذا بلغت إلّا في هذه الدار، يشقّ عليها فيها درعها (خمارها) ثم تتدرّعه، ثمّ ينطلق بها إلى أهلها.
وكان أمره في قومه في حياته ومن بعد موته كالدّين المتّبع لا يعمل بغيره، ولم يكن يدخل دار الندوة من غير بني قصيّ إلا ابن أربعين سنة، ويدخلها بنو قصيّ جميعا، وحلفاؤهم كبيرهم وصغيرهم. وكانت دار الندوة خاصّة بهاشم، وأمية، ومخزوم، وجمح، وسهم، وتيم، وعديّ، وأسد، ونوفل، وزهرة، وهؤلاء عشرة رهط من عشرة أبطن.
وانقسمت المناصب بعد موته، فكان في «بني هاشم» السّقاية، وفي «بني أمية» العقاب راية قريش، وفي «بني نوفل» الرفادة، وكان في «بني عبد الدار» اللواء والسّدانة مع الحجابة، وكان في «بني أسد» المشورة.
فلم يكن رؤساء قريش يتّفقون على أمر حتّى يعرضوه عليه، فإن وافقه ولّاهم عليه، وإلا تخيّر وكانوا له أعوانا.
وكانت المسؤوليات موزّعة بين رجال من قريش، أقرّت لهم بالفضل وحصافة الرأي.
فكانت إلى أبي بكر الصديق- وهو من بني تيم- الأشنان وهي الديّات والمغرم، فكان إذا احتمل شيئا، فسأل فيه قريشا صدّقوه وأمضوا حمالة من نهض معه، وإن احتمل غيره، خذلوه.
وكان إلى خالد بن الوليد- وهو من بني مخزوم- القبّة والأعنّة- أما القبّة فإنّهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهّزون به الجيش، وأمّا الأعنّة فإنه كان على خيل قريش في الحرب.
وكان إلى عمر بن الخطّاب- وهو من بني عدي- السفارة، وذلك أنّهم
стр. 134
كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حيّ بمفاخرة جعلوه نافرا ورضوا به.
وكان إلى صفوان بن أمية- وهو من بني جمح- الأيسار، وهي الأزلام فكان لا يسبق بأمر هامّ حتّى يكون هو الذي يسيّره على يديه.
وكان إلى الحارث بن قيس الحكومة والأموال المحجّرة التي سموها لآلهتهم، وكانوا يتوارثون هذه المكارم كابرا عن كابر.
النشاط التجاري وحركة التصدير والاستيراد:
وكانت لقريش رحلتان تجاريّتان، إحداهما إلى الشّام في زمن الصيف، والآخرى إلى اليمن في زمن الشّتاء، وكانت أشهر الحجّ عندهم أشهرا حرما، يعقدون فيها أسواقهم التجارية بجانب البيت وداخل حدود الحرم، والنّاس يهرعون إلى هذه الأسواق ويؤمّونها من جهات الجزيرة البعيدة، ليقضوا منها حاجتهم، ويتزوّدوا لقومهم، وقد ذكرت أسواق كانت في مكّة يستدلّ بها على ما وصلوا إليه من مدنيّة وتطوّر، منها سوق العطّارين، ومنها سوق الفاكهة، وسوق الرطب، وكان مكان للحجّامين والحلاقين، وكانت رحبة واسعة كانت تباع فيها الحنطة، والسمن، والعسل، والحبوب، يحملها العير من الخارج، وكانت اليمامة ريف مكّة «١» ، وكان زقاق للحذّائين، وسوق للبزّازين.
стр. 135
مكة المكرمة في زمن الرسول ﷺ
стр. 136
وكانت لأهل مكّة متنزهات ينتجعها المكّيّون في الأصائل، من شهور القيظ، وكان المتنعّمون فيهم يشتون بمكة ويصطافون بالطائف، وكان كثير من فتيانهم اشتهروا بالأناقة في الحياة والتجمّل في اللباس، وكانت كسوة بعضهم تقوّم بمئات من الدراهم.
وقد نشطت الحركة التجارية في مكّة، فكان تجّارها يتجوّلون في بلاد كثيرة من إفريقية وآسيا، ويحملون من كلّ بلد ما يستطرف ويستظرف فيها، وما تشتدّ إليه الحاجة في بلادهم.
فكانوا ينقلون من إفريقية الصمغ، والعاج، والتبر، وخشب الآبنوس، ومن اليمن الجلود، والبخور، والثياب، ومن العراق التوابل، ومن حاصلات الهند الذهب، والقصدير، والحجارة الكريمة، والعاج، وخشب الصندل، والتوابل، والزعفران، ومن مصر والشّام الزيوت والغلال والأسلحة والحرير والخمور.
وكانوا يرسلون إلى بعض الملوك والأمراء ما يستطرف من بضائع مكّة، وكان من أعجب ما يختار منها الأدم، وهي الجلود، كما فعلت قريش حين بعثت إلى النّجاشيّ- ملك الحبشة- عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل، ليستردّا من هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فأرسلوا معهما من الهدايا ممّا يستطرف من متاع مكّة وكان الأدم.
وكانت من النساء تاجرات، لهنّ نشاط في إرسال القوافل التجارية إلى الشام وغيرها، اشتهرت منهن خديجة بنت خويلد، والحنظلية أمّ أبي جهل، يشير إلى ذلك قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء: ٣٢] .
стр. 137
الحالة الاقتصادية والعملة والمكاييل:
وهكذا فاقت مكّة في التجارة، وأثرى كثير من أبنائها، وتضخّمت رؤوس أموالهم، يدلّ على ذلك أن عير قريش التجارية التي كانت عائدة من الشام عند غزوة بدر بلغت ألف بعير، وبلغ المنقول على أثقالهم خمسين ألف دينار.
وكانوا يتعاملون بالعملة الرّومانية البيزنطية والعملة الإيرانية السّاسانية «١»
стр. 138
وكانوا يستعملون الموازين في أسواقهم والمكاييل، منها الصّاع، والمدّ، والرّطل، والأوقيّة، والمثقال، ويعرفون من مفردات أثقالها أنواعا كثيرة، وعندهم علم بالحساب اعتمد عليه القرآن في ذكر السّهام والفرائض.
أثرياء قريش ومترفوها:
وكانت بيوت وأسر اشتهرت بالثراء وسعة في المال، ورقّة في العيش، يمتاز فيها بنو أميّة وبنو مخزوم.
وكان ممّن اشتهر في الثراء وجمع الأموال واقتنائها وتنميتها: الوليد بن المغيرة وعبد العزّى (أبو لهب) ، وأبو أحيحة ابن سعيد بن العاص بن أميّة،
стр. 139
وهو الذي أسهم بثلاثين ألف دينار في القافلة التي كان يقودها أبو سفيان، وعبد بن أبي ربيعة المخزوميّ.
واشتهر منهم عبد الله بن جدعان التيميّ الذي كان يشرب في كأس من الذهب، وكان يطعم عددا كبيرا من المساكين والجيعان.
وكان العبّاس بن عبد المطّلب من أثرياء قريش، ينفق أمواله في الناس، ويتعامل بالرّبا، حتّى جاء الإسلام، وأعلن رسول الله ﷺ إلغاء الأموال الربويّة، وبدأ ذلك بعمّه العباس بن عبد المطلب، وأعلن في حجّة الوداع «وأول ربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطلب» .
وكان منهم مترفون لهم مجالس سمر، ولهم أرائك منصوبة وموائد ممدودة، ونواد للشراب يلهون فيها ويسكرون.
وكانت عامّة مجالس أشرافهم أمام البيت، ينشدون فيها الشعر، ويحضرها بعض كبار شعراء الجاهلية، مثل لبيد بن ربيعة صاحب المعلّقة المشهورة.
وقد ذكر أن عبد المطّلب بن هاشم كان يوضع له فراش في ظلّ الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه، حتّى يخرج إليهم، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له.
الصناعات والثقافة والآداب في مكّة:
ولم تكن للصناعات مكانة كبيرة عند أهل مكّة، بل كان عندهم نوع احتقار لها، وتعيّر منها، ولم يباشرها في عامّة الأحوال إلّا الموالي وأبناء العجم، إلا أنّه قد وجدت بعض صناعات كانوا مضطرّين إليها، ومارسها بعض أبناء مكّة العرب، فقد روي أنّ خبّاب بن الأرتّ كان قينا يعمل السّيوف.
стр. 140
وكانوا يلجؤون في صناعة البناء- وكان لا بدّ منه- إلى عمّال من الرّوم أو الفرس.
وكان منهم كتّاب يعرفون الكتابة والقراءة، وإن كانت الأميّة غالبة عليهم، ولذلك سمّاهم القرآن ب «الأمّيّين» فقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] .
وكانت مكّة وأهلها مثلا في الجزيرة العربيّة في سلامة الذّوق والظّرف والأناقة، شأن العواصم والمدن الرئيسية في كلّ قطر، عريقة في الآداب.
أمّا لغتهم فكانت هي الميزان، وهي المرجع، وعليها الاعتماد في سائر أطراف الجزيرة، وكانوا أبلغ العرب وأفصحهم وأصحّهم تعبيرا ونطقا، وأبعدهم عن الهجنة أو الرطانة وتأثير الاختلاط بالعجم.
وكان حظّهم من تناسب الأعضاء واعتدال الخلق، والخلق، والهندام وحسن الشارة، أكثر من أهل النواحي الآخرى، حتّى كانوا شامة بين الناس، يجمعون بين الصفات التي يسمّى مجموعها ب «الفتوة» و «المروءة» ، وتغنّى بهما شعراء العرب وخطباؤهم، لذلك كانوا أئمة الناس في الشرّ والخير.
وكان أكثر عنايتهم بالأنساب وأخبارها، ثمّ بالشعر، ثم بالنجوم، والأنواء، والعيافة، وشيء يسير من الطّبّ يقوم على التجربة، والتناقل، وشيء كثير من حلية الخيل والمعرفة الدقيقة بأعضائها وصفاتها، والتفرّس بالرجال والخيل، وشاعت فيهم طرق للعلاج، كالكيّ، والبتر، والفصد، والحجامة، وتناول الأدوية.
القوّة الحربية:
أمّا قوّة مكة الحربية، فكانت قريش تؤثر السّلم والهدوء في عامّة
стр. 141
الأحوال، إذا تركت وشأنها، شأن الشعوب والمجتمعات التي أكبر اعتمادها في الكسب والمعاش على التجارة، ومسير القوافل، وتنظيم الأسواق، وتوجّه الرواد من كلّ صوب إلى بلدها، والتقائهم التقاء يفيدها إجلالا دينيا، وفائدة اقتصادية، ويدرّ عليها الأرزاق الكريمة، وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٣- ٤] .
لذلك كانت قريش- ما لم تتحدّ عقيدتها ولم تثر غيرتها الدينية أو القبلية- تؤمن بمبدأ «التعايش السلميّ» ، ولكنّها رغم كلّ ذلك كانت قوة حربية يحسب لها الحساب، وكانت شجاعتها مضرب المثل، وكانت مشهورة بالفروسيّة العربيّة، و «الغضبة المضريّة» معروفة في جزيرة العرب وآدابها وأمثالها.
ولم تكتف قريش بقوّتها الذاتية في الحروب، ولكنّها كانت تستخدم قوة الأحابيش، وهم بطون من القبائل العربيّة الضاربة حول مكّة، من كنانة وخزيمة بن مدركة، وخزاعة تحالفوا مع قريش، وكان لقريش عدد كبير من العبيد والموالي، الذين كانوا يقاتلون في صفوفها، فكانت تستطيع أن توجّه إلى القتال بضعة آلاف مقاتل، وقد استطاعت أن تجمع عشرة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب. وهي أكبر قوّة حربية عرفها تاريخ الجزيرة العربية في العصر الجاهليّ.
كبرى مدن الجزيرة وعاصمتها الروحية والاجتماعية:
وبهذا المركز الدينيّ، والمكانة الاقتصادية، وقيادة النشاط التجاريّ، والتقدّم في المدنيّة والآداب، أصبحت مكّة كبرى مدن الجزيرة العربية، وبدأت تنافس صنعاء اليمن في زعامة الجزيرة، بل إنّها تفوقت عليها، بعد ما
стр. 142
حدث باليمن من استيلاء الحبشة عليها، وتملك الفرس لها، في منتصف القرن السادس المسيحيّ، وفقدت مملكة الحيرة ومملكة غسان الشيء الكثير من العظمة والأبّهة، فأصبحت مكّة بعد ذلك كلّه هي عاصمة جزيرة العرب الروحيّة والاجتماعيّة من غير منافس ولا مشارك.
الناحية الخلقية:
وكانت الناحية الخلقية ضعيفة- غير الأعراف والآداب والقيم الجاهليّة التي كانوا يؤمنون بها ويعضّون عليها بالنّواجذ- فقد فشا فيهم القمار، والميسر، وافتخروا به، وفشت فيهم الخمر وانتشرت القيان، ومجالس اللهو، وحفلات العزف، يقدّم فيها الشراب، وفشا فيهم بعض الفواحش، وقد وجد الظلم والقسوة، وغمط الناس، وبطر الحق، وأكل أموال الناس بالباطل.
ولا تصوير للحالة الخلقية التي كان يعيشها أهل الجزيرة بصفة عامة وأهل مكة بصفة خاصة، أبلغ وأصدق من تصوير جعفر بن أبي طالب الهاشميّ القرشيّ- وهو ابن مكة الأصيل- للحياة العربية والأخلاق الجاهلية أمام النجاشيّ، وقد جاء فيه:
«أيها الملك! كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف» «١» .
стр. 143
الناحية الدينية:
وكانت الناحية الدينية أضعف- بحكم بعد العهد بالنبوّات، وفشوّ الجهل، وانتشار الوثنية، التي اقتبسوها من الأمم المجاورة فغلوا فيها- من الناحية الأدبية والحضاريّة، فأغرقوا في الوثنيّة، وأولعوا بالأصنام، فكان في جوف الكعبة وفنائها ثلاثمئة وستّون صنما.
وكان كبيرها عندهم «هبل» وكان على بئر في جوف الكعبة، وهي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان بالعقيق الأحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدا من ذهب.
وكان أمام البيت صنمان «أساف» و «نائلة» ، وموضعهما عند الكعبة، أحدهما يلصق بالكعبة، والآخر بموضع زمزم، فنقلت قريش الذي يلصق بالكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما، وكان على الصّفا صنم، يقال له «نهيك مجاود الريح» وعلى المروة صنم، يقال له «مطعم الطّير» .
وكان في كلّ دار من مكّة صنم يعبدونه.
وكانت «العزّى» قريبا من عرفات، وكان عليها بيت، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يستقسمون عند أصنامهم بالأزلام.
وكانت «ذو الخلصة» بأسفل مكّة، وكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون إليها الشعير والحنطة، ويصبّون عليها اللّبن، ويذبحون لها، ويعلقون بيض
стр. 144
النعام بها، وكانت الأصنام يطاف بها في مكّة، فيشتريها أهل البادية ويخرجون بها إلى بيوتهم.
وكذا وصلوا- رغم ما طبعوا عليه من الفتوّة وخلال المروءة وكثير من الأخلاق العربيّة الكريمة- إلى درجة سخيفة راعنة من الوثنية وعبادة الأصنام والتمسّك بالخرافات والأوهام، وجهل المفاهيم الدينية الصحيحة، والبعد عن الإبراهيمية الحنيفيّة السّمحة، درجة لم يصل إليها إلا النادر من الشّعوب والأمم «١» .
هذه مكّة في منتصف القرن السادس المسيحيّ عند بعثة الرسول الأعظم ﷺ وطلوع شمس الإسلام من أفقها المظلم، وصدق الله العظيم:
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ «٢» [يس: ٦]
стр. 145
الفصل الثاني من الولادة الكريمة إلى البعثة العظيمة
شجرة النبي ﷺ
ولادته ونسبه الشريف
رضاعته، وحادثة شقّ الصدر
وفاة أمّه وجدّه، وكفالة عمّه
قصة الراهب بحيرى وتفنيدها
زواجه من خديجة بنت خويلد
قصة بناء الكعبة ودرء الفتنة
حلف الفضول