«الإنسان الأول» وكان لا يسمّى باسمه عند الخطاب، وكان يعتبر من نسل الآلهة «١» .
وكانت موارد البلاد كلّها ملكا لهؤلاء الملوك، وقد تطرّفوا في اكتناز الأموال، وادّخار الطرف، والأشياء الغالية، والتأنّق في المعيشة، والتمتّع بالحياة، وقد وصل الولوع بالتلذّذ، وترفيه الحياة، والمسابقة في مظاهر الغنى والعظمة، إلى حدّ الخيال والشعر لا يتصوّره إلّا من توسّع في دراسة تاريخ إيران القديمة، وشعرها وأدبها «٢» ، واطّلع على تفاصيل مدينة «طيسيفون» وإيوان كسرى، وبهار كسرى «٣» ، (بساط الربيع) ، وتاج كسرى، وما كان يختصّ بملوكهم من خدم وحشم، وزوجات وجوار، وغلمان وطهاة، ومربّين للطيور والسّباع، وأوان وقنص، التفاصيل الأسطورية التي يدهش لها الإنسان «٤» ، وقد بلغ ذلك إلى حدّ أن يزدجرد آخر ملوك إيران لمّا خرج من عاصمته- المدائن- هاربا ينجو بنفسه في الفتح الإسلاميّ العربيّ أخذ معه- وهو في حالة الفرار- ألف طاه، وألف مغنّ، وألف قيّم للنّمور، وألف قيّم للبزاة، وحاشية أخرى، وكان يستقلّ هذا العدد، ويعتبر نفسه لاجئا حقيرا، ويتصوّر أنّه في حالة يرثى لها من قلّة الحاشية، وفقدان أسباب الترفيه والتسلية «٥» .
هذا بجانب ما كان يعانيه الشعب من بؤس وشقاء، وتعب وعناء، وتذمّر وبكاء، فكان أفراد هذا الشعب في جهد من العيش للحصول على ما يسدّ
стр. 72
رمقهم، ويستر عورتهم، يرزحون تحت أثقال الضرائب والإتاوات، ويرسفون في القيود والأغلال، ويعيشون عيش البهائم، حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم، أو دخلوا الأديرة فرارا من الضرائب والخدمة العسكرية «١» وكانوا وقودا حقيرا في حروب طاحنة مدمّرة، قامت في فترات من التاريخ، ودامت سنين طوالا بين المملكة الشرقية الساسانية والمملكة الغربية البيزنطية، لا مصلحة للشعب فيها ولا رغبة «٢» .
٣- الهند:
أمّا الهند التي برزت في العصر القديم في العلوم الرياضيّة وعلم الفلك والطبّ والتعمّق في الفلسفة، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين لها على أنّ أحطّ أدوارها ديانة، وخلقا، واجتماعا، ذلك العهد الذي يبتدىء من مستهلّ القرن السادس الميلاديّ «٣» ، فانتشرت الخلاعة حتّى في المعابد وأصبحت لا عيب فيها، لأنّ الدين قد أضفى عليها لونا من القدس والتعبّد «٤» .
وكانت المرأة لا قيمة لها ولا عصمة، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار «٥» ، وإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج ولا تستحق احتراما، وانتشرت عادة إحراق الأيامى نفوسهن على وفاة أزواجهن، خاصّة في الطبقات الشريفة والأرستقراطيّة إظهارا للوفاء، وفرارا من الشقاء، وتسمّى
стр. 73
هذه العادة ب «ستّي» ولم تزل زوالا كليا إلا بعد الاحتلال الإنجليزيّ «١» .
وامتازت الهند من بين جاراتها وأقطار العالم بالتفاوت الفاحش بين طبقات الشعب، والامتياز بين الإنسان والإنسان، وكان نظاما قاسيا لا هوادة فيه ولا مرونة، مدعما بالدين والعقيدة، خاضعا لمصلحة الآريّين المحتلّين، والبراهمة المحتكرين للديانة والقداسة، قائما على أساس الحرف والصنائع وتوارثها، والعنصرية والسّلالية، وكان ذلك تابعا لقانون مدنيّ سياسيّ دينيّ، وضعه المشرّعون الهنديّون الذين كانت لهم صفة دينية، أصبح القانون العام للمجتمع ودستور الحياة، وهو يقسّم سكان الهند في أربع طبقات:
(١) طبقة الكهنة ورجال الدين، وهم «البراهمة» .
(٢) ورجال الحرب والجندية وهم «شتري» .
(٣) ورجال الفلاحة والتجارة وهم «ويش» .
(٤) ورجال الخدمة وهم «شودر» وهم أحطّ الطبقات، فقد خلقهم خالق الكون من أرجله، وليس لهم إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث وإراحتها.
وقد منح هذا القانون البراهمة مركزا ومكانة لا يشاركهم فيها أحد، والبرهميّ رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز فرض جباية عليه، ولا يعاقب بالقتل في حال من الأحوال.
أمّا «شودر» فليس لهم أن يقتنوا مالا، أو يدّخروا كنزا، أو يجالسوا برهميّا، أو يمسّوه بيدهم، أو يتعلّموا الكتب المقدّسة «٢» .
стр. 74
وكانت الهند في حالة فوضى وتمزّق تحكمها إمارات وحكومات تعدّ بالمئات، تضعفها حروب ومنافسات، ويسود الاضطراب وسوء الإدارة واختلال الأمن وإهمال شؤون الرعيّة والاستبداد.
وكانت تعيش في عزلة عن العالم، يسيطر عليها الجمود، والتزمّت، والتطرّف، في العادات والتقاليد، والتفاوت الطبقيّ، والتعصّب الدمويّ والسّلاليّ.
يتحدّث مؤرّخ هندوكيّ أستاذ التاريخ في إحدى جامعات الهند، عن عصر سابق لدخول الإسلام في الهند، فيقول:
«كان أهل الهند منقطعين عن الدنيا، منطوين على أنفسهم، لا خبرة عندهم بالأوضاع العالميّة، وهذا الجهل أضعف موقفهم، فنشأ فيهم الجمود، وعمّت فيهم أمارات الانحطاط والتّدهور، كان الأدب في هذه الفترة بلا روح، وهكذا كان الشأن في الفنّ المعماريّ، والتصوير، والفنون الجميلة الآخرى» .
«كان المجتمع الهنديّ راكدا جامدا، كان هناك تفاوت عظيم بين الطبقات، وتمييز معيب بين أسرة وأسرة، وكانوا لا يسمحون بزواج الأيامى ويشدّدون على أنفسهم في أمور الطعام والشراب.
أمّا المنبوذون فكانوا يعيشون- مضطرّين- خارج بلدهم ومدينتهم» «١» .
٤- أوربّة:
أمّا الأمم الأوربيّة- المتوغّلة في الشمال والغرب- فكانت تعيش في ظلام
стр. 75
الجهل والأميّة، والحروب الدامية، وكانت بعيدة عن جادّة قافلة الحضارة الإنسانية، والعلوم والآداب، لا شأن للعالم بها ولا شأن لها بالعالم.
كانت أجسامهم قذرة، ورؤوسهم مملوءة بالأوهام «١» ، وكانوا يزهدون في النظافة واستعمال الماء، ويغالي الرهبان منهم في تعذيب الأجسام، والفرار من الإنسان «٢» ، وكانوا يبحثون في أنّ المرأة حيوان أم إنسان، ولها روح خالدة أم ليست لها روح خالدة، وأنّ لها حقّ الملكيّة، والبيع، والشراء، أم ليس لها شيء في ذلك؟
يقول روبرت بريفولت» ) Robert Briffault (: لقد أطبق على أوربة ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاما وسوادا، وقد كانت همجيّة ذلك العهد أشدّ هولا، وأفظع من همجية العهد القديم، لأنّها كانت أشبه بجثّة حضارة كبيرة قد تعفّنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة، وقضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا، وفرنسا، فريسة الدّمار والفوضى والخراب» «٣» .
٥- الجزيرة العربية في العصر الجاهلي:
أمّا العرب فساءت أخلاقهم، فأولعوا بالخمر والقمار، وبلغت بهم القساوة والحميّة المزعومة إلى وأد البنات، وشاعت فيهم الغارات، وقطع الطّرق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة، فكانت تورث كما يورث المتاع
стр. 76
أو الدابّة، ومن المأكولات ما هو خاصّ بالذكور، محرّم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوّج ما يشاء من النّساء من غير تحديد.
وكانت العصبية القبليّة والدمويّة شديدة جامحة، وأغرموا بالحرب، حتى صارت مسلاة لهم وملهى وهواية، ينتهزون للتسلية وقضاء هوى النّفس نشوب حرب لها مسوّغ، أو لا مسوّغ لها، يدلّ على ذلك ما قاله الشاعر الجاهليّ (الرقّاد بن المنذر بن ضرار الضبّي) :
إذا المهرة الشّقراء أدرك ظهرها ... فشبّ الإله الحرب بين القبائل
وأوقد نارا بينهم بضرامها ... لها وهج للمصطلي غير طائل «١»
ويقول (عمير التّغلبيّ) المعروف بالقطامي، وهو يعبّر عن رغبة أهل الجاهلية في القتال، وتحيّن الفرص له:
وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلّا أخانا «٢»
وهانت عليهم إراقة الدّماء، فتثيرها حادثة تافهة، وتدوم الحرب أربعين سنة، يقتل فيها ألوف من الناس «٣» .
أمّا من جهة الأخلاق، فكانت فيهم أدواء وأمراض متأصّلة، وأسبابها فاشية.
فكان شرب الخمر واسع الشّيوع، شديد الرّسوخ فيهم، تحدّث عن معاقرتهم والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانبا كبيرا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق
стр. 77
والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب «١» ، وكانت حوانيت الخمّارين مفتوحة دائما يرفرف عليها علم يسمّى (غاية) .
قال لبيد بن ربيعة العامري «٢» :
قد بتّ سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها
وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التّجارة مرادفة لبيع الخمر، كما قال لبيد: و (غاية تاجر) .
وقال عمرو بن قميئة «٣» :
إذا أسحب الرّيط «٤» والمروط «٥» إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللّمما «٦»
وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهليّة، قال الشاعر الجاهليّ «٧» :
أعيّرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا بن ريطة ظاهر
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر
وكان عدم المشاركة في مجالس القمار عارا. يقول الشاعر:
وإذا هلكت فلا تريدي عاجزا ... غسّا ولا برما ولا معزالا
قال قتادة: كان الرّجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزينا
стр. 78
سليبا، ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضا «١» .
وكان أهل الحجاز: العرب واليهود، يتعاطون الرّبا، وكان فاشيا فيهم، وكانوا يجحفون فيه، ويبلغون إلى حدّ الغلوّ والقسوة، قال الطّبريّ:
«كان الرّبا في الجاهلية في التضعيف وفي السّنين، يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حلّ الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلّا حوّله إلى السّن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض «٢» يجعلها ابنة لبون «٣» في السنة الثانية، ثم حقّة «٤» ، ثم جذعة «٥» ، ثم رباعيا «٦» هكذا إلى فوق.
وفي العين «٧» يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، وإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مئة، فيجعلها إلى القابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة يضعفها له كلّ سنة أو يقضيه» «٨» .
стр. 79
وقد رسخ الرّبا فيهم، وجرى منهم مجرى الأمور الطبيعية التي صاروا لا يفرّقون بينه وبين التّجارة الطبيعية، وقالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] .
وقال الطّبري: «إنّ الذين كانوا يأكلون الرّبا من أهل الجاهلية، كان إذا حلّ مال أحدهم على غريمه، يقول الغريم لغريم الحقّ: زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لا يحلّ، فإذا قيل لهما ذلك، قالا: سواء علينا زدنا في أوّل البيع أو عند محلّ المال» «١» .
ولم يكن الزّنى نادرا، وكان غير مستنكر استنكارا شديدا، فكان من العادات أن يتّخذ الرجل خليلات، وتتّخذ النساء أخلّاء بدون عقد، وقد كانوا يكرهون بعض النساء على الزّنى.
قال ابن عبّاس: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزّنى يأخذون أجورهم «٢» .
وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، تؤكل حقوقها، وتبتزّ أموالها، وتحرم إرثها، وتعضل بعد الطّلاق، أو وفاة الزّوج من أن تنكح زوجا ترضاه «٣» ، وتورث كما يورث المتاع أو الدّابة «٤» .
وقد بلغت كراهة البنات إلى حدّ الوأد، ذكر الهيثم بن عديّ- على ما حكاه عنه الميدانيّ- أنّ الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، فكان
стр. 80
يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد، منهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة، ومخافة لحوق العار بهم من أجلهنّ، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤما منهم بهذه الصّفات.
وكانوا يقتلون البنات، ويئدونهنّ بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخّر وأد الموءودة لسفر الوالد أو شغله، فلا يئدها إلّا وقد كبرت، وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق «١» .
ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب، فكان يشتريهم بعض سراة العرب وأشرافهم «٢» فصعصعة ابن ناجية يقول: «جاء الإسلام وقد فديت ثلاثمئة موءودة» «٣» .
ومنهم من كان ينذر- إذا بلغ بنوه عشرة- نحر واحدا منهم، كما فعل عبد المطّلب.
ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله- سبحانه عمّا يقولون- فألحقوا البنات به تعالى «٤» .
ظلام مطبق ويأس قاتل:
وقصارى القول: إنّ القرن السادس المسيحيّ- الذي كانت فيه البعثة
стр. 81
المحمّدية- وما يليه من فترة زمنيّة، كان من أحطّ أدوار التاريخ، ومن أشدّها ظلاما ويأسا من مستقبل الإنسانية وصلاحيتها للبقاء والازدهار.
نظرة عامّة على العصر الجاهلي:
قد أحسن المؤلّف الإنجليزيّ المعروف هـ- ج- ولز) H.G.Wells (تصوير هذا العصر، فقال- وهو يبحث الظروف السّائدة في عهد الحكومتين؛ السّاسانية والبيزنطية في القرن السادس للميلاد-:
«كانت العلوم والفلسفة والسياسة في حالة احتضار في عهد هذين النّظامين المتحاربين والمتّجهين إلى الانحطاط، فقد كان الجيل الأخير من فلاسفة (أثينا) «١» عاضّا على المؤلّفات الأدبية العتيقة بالنواجذ، بكلّ احترام وحبّ، ولو بدون فهم لها.
فلمّا انقرض هذا الجيل، لم تبق طبقة ولا أفراد أحرار شجعان، يتزعّمون حرية الفكر وحرية التعبير، ولا الذين يحتفظون- على الأقلّ- بتراث فكر حرّ، وبحث نزيه جديّ، على دأب القدماء والسابقين لهم.
وبجانب ما كان للفوضى السياسية والاجتماعية من دور كبير في القضاء على مثل هذه الطبقة، كان من العوامل التي ساعدت على شلل الفكر الإنسانيّ، وتجمّد القرائح البشرية.
إنّ هذا العصر كان عصر العصبية وعدم التسامح في ظلال الحكومتين الإيرانيّة والبيزنطيّة، فقد كانت هاتان الحكومتان دينيتين نوعا ما، وقد كانتا فرضتا قيودا على العقل البشريّ» .
стр. 82
وبعد ما قصّ الكاتب قصة زحف الإمبراطورية الإيرانية على الإمبراطورية البيزنطية، ثم انتصار البيزنطيين على الإيرانيين في شيء من التوسّع، عاد إلى وصف التّدهور الاجتماعيّ والخلقيّ السائد في أواخر القرن السادس المسيحيّ، فقال:
«كان يسوغ لمتتبّع- غير محنّك ناضج الفكر- للأوضاع السائدة في أوائل القرن السابع المسيحيّ، أن يتنبّأ بسهولة وبثقة بأنّ أوربة، وآسيا، ستقعان تحت رحمة المغول الوحوش في غضون بضعة قرون قادمة، فلم تكن في أوربة الغربية أمارات للأمن والنظام وحكم القانون، وقد كانت المملكتان:
البيزنطيّة والإيرانية مشغولتين في حرب إبادة وتدمير، بينما كانت الهند في حالة توزّع وبؤس» «١» .
ظهر الفساد في البرّ والبحر
وبالجملة فقد كانت الإنسانية في عصر البعثة في طريق الانتحار، وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشرّ، والحسن والقبيح، وكان الناس في شغل شاغل وفكر ذاهل، لا يرفعون إلى الدّين والآخرة رأسا، ولا يفكّرون في الروح والقلب، والسعادة الآخروية وخدمة الإنسانية، وإصلاح الحال لحظة، وربّما كان إقليم واسع ليس فيه أحد يهمّه دينه ويعبد ربّه، لا يشرك به شيئا، ويتألم للإنسانية ومصيرها البائس، وصدق الله العظيم:
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١] .
стр. 83
لماذا بعث النّبيّ ﷺ في جزيرة العرب
قد اقتضت حكمة الله أن تطلع هذه الشمس التي تبدد الظلام، وتملأ الدّنيا نورا وهداية، من أفق جزيرة العرب الذي كان أشدّ ظلاما، وكان أشدّ حاجة إلى هذا النور الساطع.
وقد اختار الله العرب، ليتلقّوا هذه الدعوة أولا، ثمّ يبلّغوها إلى أبعد أنحاء العالم، لأنّ ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة عميقة يصعب محوها وإزالتها، شأن الروم، والفرس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وآدابهم الراقية، ومدنيّاتهم الزاهية، وبفلسفاتهم الواسعة، فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية، لم يكن من السّهل حلّها.
أمّا العرب فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خطّتها يد الجهل والبداوة، ومن السّهل الميسور محوها وغسلها، ورسم نقوش جديدة مكانها، وبالتعبير العلميّ المتأخّر: كانوا أصحاب «الجهل البسيط» «١» الذي تسهل مداواته، بينما كانت الأمم المتمدّنة الراقية في هذا العصر مصابة ب «الجهل المركّب» «٢» الذي تصعب مداواته وإزالته.
وكانوا على الفطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا التوى عليهم فهم الحقّ
стр. 84
حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم، أحبّوه واحتضنوه، واستماتوا في سبيله.
يعبّر عن هذه النفسية العربية خير تعبير، ما قاله سهيل بن عمرو، حين سمع ما جاء في كتاب الصّلح في الحديبيّة «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ : والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك» «١» ، وما قاله عكرمة بن أبي جهل حين حمي الوطيس في معركة اليرموك، واشتدّ عليه الضغط: «قاتلت رسول الله ﷺ في كلّ موطن وأفرّ منكم اليوم؟!» ثمّ نادى: من يبايع على الموت، فبايعه من بايعه، ثمّ لم يزل يقاتل حتى أثبت جراحا وقتل شهيدا» «٢» .
وكانوا واقعيّين جادّين، أصحاب صراحة وصرامة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم، اعتادوا القول السديد، والعزم الأكيد، يدلّ على ذلك دلالة واضحة ما روي عن قصة بيعة العقبة الثانية، التي تلتها الهجرة إلى المدينة، قال ابن إسحاق:
«لمّا اجتمعت الأوس والخزرج في العقبة ليبايعوا رسول الله ﷺ قال العبّاس بن عبادة الخزرجيّ: «يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم.
قال: إنّكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم
стр. 85
ترون أنّكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل، أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة «١» الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدّنيا والآخرة.
قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفّينا؟
قال: الجنّة.
قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه» «٢» .
وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه وبايعوا رسوله، وقد قال سعد بن معاذ «٣» على لسانهم يوم بدر:
«فو الّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد «٤» لفعلنا» «٥» .
وقد تجلّى هذا الصّدق في العزم، والجدّ في العمل، وروح الامتثال للحقّ، في الجملة التي تؤثر عن عقبة بن نافع القائد العربيّ المسلم، فقد خاض البحر الأطلسيّ بجيشه وخيله، ثمّ قال: «يا ربّ لولا هذا البحر
стр. 86
لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك» «١» .
أمّا اليونان والرّومان، وأهل إيران، فقد اعتادوا مجاراة الأوضاع، ومسايرة الزمان، لا يهيجهم ظلم، ولا يستهويهم حقّ، ولا تملكهم فكرة ودعوة، ولا تستحوذ عليهم استحواذا يتناسون فيه أنفسهم، ويجازفون فيه بحياتهم ولذّاتهم.
وكان العرب بمعزل عن أدواء المدنية والترف، التي يصعب علاجها، والتي تحول دون التحمس للعقيدة والتّفاني في سبيلها.
وكانوا أصحاب صدق وأمانة وشجاعة، ليس النّفاق والمؤامرة من طبيعتهم، وكانوا مغاوير حرب «٢» ، وأحلاس خيل «٣» ، وأصحاب جلادة وتقشّف في الحياة، وكانت الفروسية هي الخلق البارز الذي لا بدّ أن تتصف به أمة تضطلع بعمل جليل، لأنّ العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوّة والبطولة.
وكانت قواهم العملية والفكرية، ومواهبهم الفطرية، مذخورة فيهم، لم تستهلك في فلسفات خيالية، وجدال عقيم «بيزنطيّ» ومذاهب كلامية دقيقة، وحروب إقليمية سياسية، فكانت أمّة بكرا، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس.
وكانوا أمّة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحبّ الطبيعة، والسّذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبية، ولم تألف الرقّ والعبودية، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرّومانية،
стр. 87
واحتقارها للإنسان والإنسانية، فكان الملوك في إيران- المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في النّاس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكّان العاصمة عملا، ويكفّوا عن كلّ صناعة أو ممارسة لنشاط «١» ، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمن عليه، لأنّه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحدا من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يوما مشهودا خالدا يؤرّخ به في رسائله ويصبح تقويما جديدا، ويعفى من الضريبة إلى مدة معينة، ويتمتع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات، لأنّ الملك شرّفه بالزيارة «٢» .
هذا فضلا عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة، من الوقوف بحضرته، والتكفير له «٣» ، وقيام كقيام العباد أمام الرّبّ في الصّلوات، وهو تصوير حال كانت عليه إيران السّاسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق، وهو كسرى الأول المعروف بأنوشيروان العادل (٥٣١- ٥٧٩ م) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت؟
وقد كانت حرّيّة إبداء الرّأي والملاحظة- فضلا عن النقد- مفقودة تقريبا
стр. 88
في المملكة الإيرانيّة الواسعة، وقد حكى الطّبريّ حكاية طريفة عن عهد أفضل ملوكها وأعدلهم «كسرى أنوشيروان العادل» تدلّ كلّ الدلالة على مدى ما وصل إليه الحكم الإيرانيّ من الاستبداد والحظر على إبداء الرأي الجريء والتعليق الجريء في البلاط الإيرانيّ، فيقول:
«أمر الملك قبّاذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها، ليضع الخراج عليها، فمسحت، غير أنّ قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتّى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النّخل والزيتون والجماجم «١» ، ثمّ أمر كتّابه فاستخرجوا جعل ذلك، وأذن للناس إذنا عاما، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليه الجمل التي استخرجت من أصناف غلّات الأرض وعدد النّخيل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثمّ قال لهم كسرى: إنّا قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جريان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بإنجامها «٢» في السنة في ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا من ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه، ببذلنا فيه مالا كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال، فما ترون فيما رأينا من ذلك، وأجمعنا عليه؟
فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة ولم ينبس بكلمة، فكرّر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات.
فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيّها الملك- عمّرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر
стр. 89
يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها؟
فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم! من أيّ طبقات النّاس أنت؟
قال: أنا رجل من الكتّاب.
فقال كسرى: اضربوه بالدّويّ «١» حتّى يموت، فضربه بها الكتّاب خاصة تبرّؤا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج» «٢» .
ولم يكن الرّومان يختلفون عن الإيرانيّين كثيرا، وإن لم يبلغوا شأوهم في الوقاحة وامتهان الإنسانية وإهدار كرامتها، فقد روى المؤرّخ الأوربيّ) Victor Chopart (في كتابه «العالم الرومانيّ» ما ترجمته:
«كانت القياصرة آلهة، ولم يكن ذلك عن طريق الوراثة، بل كان كلّ من تملّك زمام البلاد كان إلها، وإن لم تكن هناك أمارة تدلّ على وصوله إلى هذه الدّرجة، ولم يكن لقب «أغسطس Augustus «الملوكيّ المفخم ينتقل من إمبراطور إلى إمبراطور بموجب دستور أو قانون، ولكن لم يكن من شغل مجلس الشيوخ الرّومانيّ إلا أن يؤكّد صحة كلّ حكم يصدر بحدّ السيف، ولم تكن هذه الإمبراطورية إلا صورة لدكتاتورية عسكرية» «٣» .
ولم يكن السّجود للملوك نادرا، فقد حكى أبو سفيان بن حرب في القصّة التي رواها عن هرقل قيصر الرّوم حين بلغه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه فيه إلى الإسلام، وقد جاء في آخر هذه القصّة:
стр. 90
«فلمّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردّوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل» «١» .
أمّا الهند فقد بلغ فيها إهدار كرامة الإنسان، وازدراء الطبقات التي اعتبرها الشعب الآريّ المحتلّ للبلاد، والقانون المدنيّ الذي وضعه مشرّعوه، مخلوقا خسيسا لا يتميّز عن الحيوان الدّاجن إلا بأنّه يمشي على اثنين، ويحمل صورة الآدميّ، وإنّ كانوا سكّان البلاد الأصليّين، مبلغا يصعب تصوّره، فقد نصّ هذا القانون على أنّه: «إذا مدّ أحد من المنبوذين إلى برهميّ يدا أو عصا، ليبطش به، قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله «٢» وإذا ادّعى أنّه يعلمه سقي زيتا فائرا «٣» ، وكفّارة قتل الكلب، والقطّة، والضّفدع، والوزغ، والغراب، والبومة، ورجل من الطبقة المنبوذة سواء» «٤» .
إذا قورن ذلك بما اعتاده العرب من الحريّة، وعزّة النفس، والاقتصاد في التعظيم والأدب قبل ظهور الإسلام، ظهر فرق هائل بين طبيعة الأمّتين، ووضع المجتمعين: العجميّ والعربيّ، فكانوا يخاطبون ملوكهم بقولهم:
стр. 91
«أبيت اللّعن» و «عم صباحا» وقد بلغت هذه الحريّة والتماسك والاحتفاظ بالكرامة بالعرب إلى حدّ كانوا يمتنعون في بعض الأحيان عن الخضوع لمطالب بعض ملوك العرب وأمرائهم، ومما يستطرف في ذلك أنّ أحد ملوك العرب طلب من رجل من بني تميم في الجاهلية فرسا له، يقال له «سكاب» فمنعه إياها، وقال أبياتا أوّلها: [من الوافر]
أبيت اللّعن إنّ سكاب «١» علق «٢» ... نفيس لا تعار ولا تباع
مفدّاة مكرّمة علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع
سليلة سابقين تناجلاها ... إذ نسبا يضمّهما الكراع «٣»
فلا تطمع- أبيت اللعن- فيها ... فمنعكها بشيء يستطاع «٤»
وقد سرت هذه الحريّة، والاعتداد بالنفس، والأنفة من التذلّل، إلى جميع طبقات الشعب، وعمّت الذكور والإناث، يدلّ على ذلك ما ذكره المؤرّخون العرب عن سبب قتل عمرو بن كلثوم الفارس المشهور والشاعر الفحل، لعمرو بن هند ملك الحيرة، فقد ذكروا أن عمرو بن هند ملك الحيرة أرسل إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمّه، فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، ودخل عليه عمرو بن كلثوم في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرّواق، وقد كان عمرو بن هند أمر أمّه أن تنحي الخدم إذا دعا
стр. 92
بالظرف، وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بمائدة، ثمّ دعا بالظرف فقالت هند:
«ناوليني يا ليلى ذلك الطبق!» فقالت ليلى: «لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها» فأعادت عليها وألحّت، فصاحت ليلى: «واذلّاه يا لتغلب» فسمعها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه، ووثب إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرواق، فضرب به رأس عمرو بن هند، وانتهب بنو تغلب ما في الرواق وساروا نحو الجزيرة «١» ، وقال في ذلك عمرو بن كلثوم قصيدته المشهورة التي عدّت من المعلّقات السبع «٢» .
ولمّا دخل المغيرة بن شعبة رسول المسلمين على رستم، وهو في أبهته وسلطانه، جلس معه- على عادة العرب- على سريره ووسادته، فوثبوا عليه، وأنزلوه ومغثوه «٣» ، فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم، إنّا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا، إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأنّ هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموني» «٤» .
وفي جزيرة العرب، وفي مكّة كانت الكعبة، التي بناها إبراهيم وإسماعيل- ﵉ ليعبد الله فيها وحده، ولتكون مصدر الدعوة للتوحيد إلى آخر الأبد.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ «٥» [آل عمران: ٩٦]
стр. 93
وقد بقيت كلمة وادي «بكّة» في التوراة على ما دخل فيها من التحريف والتغيير، إلّا أنّ المترجمين حوّلوها إلى «وادي البكّاء» وجعلوها اسم نكرة بدل علم، وقد جاء في مزامير داود ما نصّه:
«طوبى لأناس عزّهم بك، طرق بيتك في قلوبهم، عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعا» (مزامير «١» ٨٤- ٥- ٦- ٧) .
وقد انتبه علماء اليهود بعد قرون إلى أنّ هذه الترجمة كانت خاطئة، فقد جاء في دائرة المعارف اليهوديّة اعتراف بأنّه واد مخصوص لا ماء فيه، وأنّ في ذهن من صدرت عنه هذه العبارات صورة لواد له أوضاع طبيعية عبّر عنها بهذه الكلمة «٢» .
وقد كان ناقلو هذه الصّحف إلى الإنجليزيّة أكثر أمانة ودقة في الترجمة من الذين قاموا بالترجمة العربيّة، فقد تركوا كلمة «بكّة» كما كانت في الأصل، وكتبوها بالحرف الاستهلالي، كما تكتب الأعلام، ففي الترجمة الإنجليزيّة كما يلي «٣» :
Blessed is the man whose strength is in the Thee; In Whose heart are the ways of them who passing thorough the Valley of) Baca (make it well.) psalms
.) ٦ -٥ -٨٩ وكانت بعثته ﷺ استجابة لدعاء إبراهيم وإسماعيل عند رفعهما لقواعد الكعبة، وكان دعاؤهما كما نقله القرآن:
стр. 94
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] .
وقد جرت سنّة الله باستجابة أدعية المخلصين المبتهلين- فضلا عن الأنبياء والمرسلين- والصحف السماوية والأخبار الصادقة مشحونة بأمثلتها، وقد جاء في التوراة نصّ يدل على استجابة هذا الدعاء الذي دعا به إبراهيم، فقد جاء في سفر التكوين ما لفظه:
«وعلى إسماعيل استجبت لك هو ذا أباركه وأكبّره وأكثّره جدا، فسيلد اثني عشر رئيسا وأجعله لشعب كبير» .
ولذك صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه كان يقول عن نفسه: «أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى» «١» .
وفي التوراة- على ما أصابها من التحريف- شواهد على أنّ هذا الدعاء قد استجيب، فقد جاء في كتاب التثنية (١٨- ١٥) على لسان نبيّ الله موسى، ما نصه:
«يقيم لك الربّ إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي، له تسمعون» .
وقد دلّت كلمة «إخوتك» على أنّ المراد بها هم بنو إسماعيل، الذين هم أبناء عمومة بني إسرائيل، وقد جاء ما يؤيّد هذا بعد آيتين (١٨- ١٧) من نفس الصحيفة، وهو كما يلي:
«قال لي الربّ: قد أحسنوا فيما تكلّموا، أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلّمهم بكلّ ما أوصيه به» ، (سفر التثنية ١٧- ١٨) .
стр. 95
وكلمة «أجعل كلامي في فمه» يعني محمّدا ﷺ فهو النبيّ الوحيد الذي بكلام الله نصّا وفصّا، وأعلن الله عن ذلك بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣- ٤] ، وبقوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] .
أمّا صحف أنبياء بني إسرائيل، فهي لا تدّعي أنّها من كلام الله لفظا ومعنى، ولا يتحرّج علماء هذه الطوائف من إضافة تأليفها إلى الأنبياء، فقد جاء في دائرة المعارف اليهودية ما يلي:
«إنّ الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدّس (العهد القديم) كما تقول الأخبار اليهوديّة القديمة، من تأليف النبيّ موسى، باستثناء ثماني آيات أخيرة جاء فيها الحديث عن موت موسى، وما زال الرّبيون يعنون بتناقضات واختلافات وردت في هذه الصّحف، وما زالوا يصلحونها بحكمتهم ولباقتهم» » .
وأمّا الأناجيل الأربعة التي تسمّى «العهد الجديد» فهي أبعد من أن تكون كلاما إلهيا لفظا ومعنى، يقتنع بذلك كلّ من أجال النظر فيها وتصفّحها، وفي الحقيقة هي بكتب السيرة والأخبار أشبه منها بالكتب المنزّلة من الله، المبنيّة على الوحي والإلهام «٢» .
ثمّ إنّ موقع الجزيرة العربيّة الجغرافيّ، يجعلها جديرة بأن تكون مركزا لدعوة تعمّ العالم، وتخاطب الأمم «٣» ، فهي مع كونها جزءا من قارّة آسيا تقع
стр. 96
بمقربة من قارّة إفريقية، ثم قارّة أوربة، وكلّ منها مركز الحضارات، والثقافات، والدّيانات، والحكومات القويّة الواسعة، وتمرّ بها القوافل التجارية، التي تصل بين بلاد مختلفة، وقد تصل بين قارّات تحمل من بلد ما يستطرف وينتج فيه إلى بلد يفتقر إليه.
وتقع هذه الجزيرة بين قوّتين متنافستين: قوة المسيحيّة وقوّة المجوسية، وقوّة الغرب وقوّة الشرق، وقد ظلّت رغم ذلك كلّه محتفظة بحريّتها وشخصيّتها، ولم تخضع لإحدى الدّولتين إلا في بعض أطرافها، وفي قليل من قبائلها، وكانت في خير موقف لتكون مركزا لدعوة إنسانيّة عالمية، تقوم على الصعيد العالميّ وتتحدّث من مستوى عال، بعيدة عن كلّ نفوذ سياسيّ، وتأثير أجنبيّ.
لذلك كلّه اختار الله الجزيرة العربية، ومكة المكرّمة، لتكون مبعث الرسول ومهبط الوحي، ونقطة انطلاق للإسلام في العالم.
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]
فترة حالكة مؤيسة:
وبالرّغم من هذه المواهب التي أكرم الله بها العرب، والمزايا التي امتازت
стр. 97
بها الجزيرة العربيّة، التي تجلّت بها حكمة الله في اختيارها مهدا للبعثة المحمديّة وظهور الإسلام لم تكن في الجزيرة العربية أمارات يقظة، أو آثار قلق ظاهر، وما كان «الحنفاء» «١» والباحثون عن الحقّ، الذين لا يجاوز عددهم رؤوس الأصابع، إلّا كعدد ضئيل من اليراع، يطير في ليلة شاتية، مطيرة، شديدة الظلام، فلا يهدي تائها، ولا يدفىء مقرورا.
وكانت هذه الفترة- التي بعث فيها محمد ﷺ من أشدّ الفترات التي مرّت بها الجزيرة العربية ظلما وانحطاطا، وأبعد من كلّ أمل في الإصلاح، وأصعب مرحلة واجهها نبيّ من الأنبياء، وأدقّها.
وقد أحسن أحد الكتّاب الإنجليز في السيرة النبويّة وليم ميور -) Sir William Muir (وهو معروف بتحامله على الإسلام وصاحب رسالته ﵊ تصوير هذه الفترة، والإنكار على ما قاله بعض الكتاب الأوربيّين، أنّ البركان كان متهيّئا للانفجار، فجاء محمد ﷺ في أوانه ومكانه، فناوله شرارة من النّار، فانفجر، يقول:
«لم تكن الأوضاع الاجتماعية في الجزيرة العربيّة صالحة لقبول أيّ تغير، أو نهضة عندما كان النبيّ ﷺ شابا، ولعلّ اليأس عن إصلاح القوم لم يصل ذروته مثل ما وصل في عصره، ولكن حينما تضعف الثقة بسبب واحد لنتيجة خاصة، تفتعل له أسباب أخرى، وتعتبر أسبابا لحدوث هذه النتيجة.
من ذلك ما يقوله النّاس: إنّ محمدا ﷺ حين نهض، نهض معه العرب كلهّم لإيمان جديد، ووقفت الجزيرة العربية وقفة رجل واحد، ثم يستنتجون
стр. 98
من ذلك أنّ الجزيرة العربية كلّها كانت متهيّئة متحمّسة إذ ذاك لتحوّل مفاجىء عظيم.
ولكنّ التاريخ عندما يكذّب هذه النتيجة، إذا تأمّلنا في تاريخ العرب قبل ظهور الإسلام بقلب هادىء، فلم تنجح جهود المسيحيّين المتواصلة، ودعوتهم وموعظتهم المستمرة خلال خمسة قرون إلا في كسب عدد قليل جدّا من بعض القبائل، فتمرّ موجة صغيرة على سطح بحر الحياة العربية الهادىء، نتيجة لتلك الجهود الحقيرة الضعيفة، التي قام بها دعاة المسيحية، تتخلّلها حينا بعد حين موجات أكثر قوة وعمقا، يتجلّى فيها تأثير الدعوة اليهودية، ولكنّ موجات الوثنية العربية والأوهام الإسماعيليّة كانت أعنف وأطغى، كان هذا التيّار الجاهليّ الوثنيّ يضرب جدران الكعبة» .
وقال في مكان آخر من هذا الكتاب:
«وكانت أوضاع العرب قبل البعثة المحمّدية بعيدة عن كلّ تغيير دينيّ، كما كانت بعيدة كلّ البعد عن وحدة الصفوف واجتماع الشّمل، وكان دينهم يقوم على أساس وثنيّة سخيفة تعمّقت جذورها، واصطدمت بصخرتها محاولات نصارى مصر والشام للإصلاح، فباءت بالفشل» «١» :
وبهذه الحقيقة التاريخيّة التي تشبه لغزا علميّا يشيد العالم الغربيّ الشهير) Bosworth Smith (بوسروت إسمث في إيجاز ولكن في قوّة ووضوح:
«إنّ مؤرّخا يمتاز من بين زملائه بالاتجاه الفلسفيّ يقرر بأنّه لم تكن من بين الثورات التي تركت ارتسامات خالدة على تاريخ البشرية العمرانيّ؛ ثورة
стр. 99
أبعد من القياس والأمل عند العقل البشريّ من ظهور الإسلام في العرب، فقد كان حادثا لم يكن يتوقّع حدوثه.
إنّنا مضطرّون إلى أن نسلّم أنّ علم التاريخ- إذا كان هنالك شيء يستحقّ أن يسمّى علم التاريخ- يبقى حائرا مرتبكا في العثور على حلقات الأسباب والعلل التي يجب عليه البحث عنها (بحكم منصبه ووظيفته) لحدوث هذا الإنقلاب» «١» .
الحاجة إلى نبيّ مرسل:
كانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليها الإنسان في منتصف القرن المسيحيّ، أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلّمون من أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلّمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر.
ولكنّ القضية كانت قضية إزالة أنقاض جاهلية، ووثنية تخريبية، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلّمين، وإقامة بناء شامخ مشيّد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كلّه، ويؤوي الأمم كلّها.
قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كلّ شيء، كأنّه ولد من جديد، أو عاش من جديد أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ١٢٢] .
قضية اقتلاع جرثومة الفساد، واستئصال شأفة الوثنية، واجتثاثها من
стр. 100
جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخا، لا يتصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، والانتصار للحق، يتغلب على كلّ رغبة، ويقهر كلّ شهوة، ويجرف بكلّ مقاومة.
وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانية المنتحرة التي استجمعت قواها للوثوب في جحيم الدنيا والآخرة، والسّلوك بها على طريق أولها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون، وآخرها جنّة الخلد التي وعد المتّقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله تعالى في معرض المنّ ببعثة محمد ﷺ .
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: ١٠٣] .
إنّه لم يعرف في تاريخ البشريّة كلّه عمل أدقّ وأعقد، ومسؤولية أعظم وأضخم، من مسؤولية محمّد ﷺ كنبيّ مرسل.
كما أنّه لم يعرف غرس أثمر مثل غرسه، وسعي تكلّل بالنجاح مثل سعيه، إنّها أعجوبة العجائب، ومعجزة المعجزات.
وقد شهد بذلك أديب وشاعر فرنسيّ في قوّة وبلاغة، ووضوح وصراحة، يقول «لامارتين:) Lamartine ( «١» : «
«إنّ إنسانا لم ينهض أبدا- متطوّعا أو غير متطوّع- لمثل هذا الهدف الأسمى، لأنّ هذا الهدف كان فوق طاقة البشر، لقد كان تحطيم تلك الحواجز من الأوهام والأحلام، التي حالت بين الإنسان وخالقه، والأخذ بيد الإنسان إلى عتبة ربّه، وتحقيق عقيدة التوحيد النقية العقلية المعقولة
стр. 101
الساطعة، في ضباب هذه الوثنيّة السائدة والآلهة المادية، هو ذلك الهدف الأسمى والأعلى، إنّه لم يحمل إنسان مثل هذه المسؤولية الضخمة، والمهمّة العظيمة الجليلة، التي تخرج عن طوق البشر، بمثل هذه الوسائل الحقيرة الضئيلة» .
إلى أن قال:
«وأروع من ذلك أنّه هزّ تلك الأصنام والآلهة، والأديان، والتصوّرات، والعقائد والنفوس الإنسانية هزة عنيفة، إنّه بنى على أساس ذلك الكتاب الذي يعتبر كلّ كلمة منه مصدر التشريع، قومية ربانية، ألّفت بين أفراد كلّ جيل، وسلالة، ولغة.
إنّ الميّزة الخالدة لهذه الأمة، التي كوّنها لنا محمد ﷺ أنّها شديدة المقت والتقزز من الآلهة الباطلة، شديدة الحبّ لله الواحد الذي يتنزّه عن المادة وشوائبها، وهذا هو الحبّ الذي يدفعه إلى الثأر والانتصاف من كلّ إهانة توجّه إلى الذات الإلهيّة، وهذا الحبّ يعتبر أساس سائر الفضائل عند هذه الأمّة.
لقد كان إخضاع ثلث العالم لهذه العقيدة الجديدة من مأثرته بلا ريب، لكنّ الأصحّ أنّه كان معجزة العقل لا معجزة فرد واحد، إنّ الإعلان بعقيدة التوحيد في زمن كانت تئنّ فيه الدّنيا تحت وطأة أصنام لا حصر لها، كان معجزة مستقلة بذاتها.
وما لبث محمّد ﷺ أن أعلن هذه العقيدة أمام الملأ، حتى أقفرت المعابد القديمة من عبادها فلا داعي فيها ولا مجيب، وتكهرب ثلث العالم بحرارة الإيمان» «١» .
стр. 102
إنّما كان يحتاج هذا الانقلاب الشامل، وهذا البعث الجديد للإنسانية إلى رسالة جديدة، من أعظم الرّسالات، وإلى رسول يرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه، وصدق الله العظيم:
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ١- ٣] .
стр. 103
خريطة توزيع القبائل العربية في جزيرة العرب
стр. 104
خريطة بعض الأوثان التي عبدها العرب في الجاهلية
стр. 105
جزيرة العرب قبل البعثة «١»
تحديد جزيرة العرب:
ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة، تنيف على شبه جزيرة العرب في المساحة، فهي أكبر شبه جزيرة في العالم، ويطلق علماء العرب عليها تجوّزا اسم (جزيرة العرب) ، تحيط بها المياه من أطرافها الثّلاثة، وهي إقليم في الجنوب الغربيّ من آسيا، يحدّه من الشّرق الخليج العربيّ المعروف عند اليونان باسم «الخليج الفارسيّ» ، ومن الجنوب المحيط الهنديّ، أمّا حدّه الغربيّ فهو البحر الأحمر، كما يسمّى في الخارطات الحديثة، المعروف باسم «الخليج العربيّ) Sinus prabicus ( «في الخارطات اليونانيّة واللّاتينيّة، وب «بحر القلزم» في الكتب العربيّة القديمة، وحدّه الشّماليّ خطّ وهميّ يمتدّ (في اصطلاح العلماء العرب) من خليج العقبة
стр. 106
حتّى مصبّ شطّ العرب في الخليج العربيّ.
وقد قسّم الإسلاميّون جزيرة العرب على خمسة أقسام:
١- الحجاز، والحجاز يمتدّ من أيلة (العقبة) إلى اليمن، وسمّي حجازا- فيما يقولون- لأنّه سلسلة جبال تفصل تهامة- وهي الأرض المنخفضة على طول شاطىء البحر الأحمر- عن نجد.
٢- وتهامة، وقد وصفناها.
٣- واليمن.
٤- ونجد. وهو الجزء المرتفع الّذي يمتدّ من جبال الحجاز، ويسير شرقا إلى صحراء البحرين، وهو مرتفع فسيح، فيه صحراوات وجبال.
٥- والعروض، وهي تتصل بالبحرين شرقا، وبالحجاز غربا، وسمّيت بالعروض لاعتراضها بين اليمن ونجد، وتسمّى باليمامة أيضا «١» .
طبيعة الجزيرة، وأهلها:
وقد تغلّبت الصّحراويّة على شبه الجزيرة، وظهر الجفاف عليه لعوامل طبيعيّة وحوادث جيولوجية، وبسبب الموقع الجغرافيّ، فكان ذلك كلّه سببا في قلّة نفوس جزيرة العرب في الماضي وفي الحاضر، وفي سبب عدم نشوء مجتمعات حضريّة، وحكومات مركزيّة كبيرة فيها، وفي سبب تفشّي البداوة، وغلبة الطّبيعة الأعرابية على أهلها، وبروز روح الفرديّة عند أهلها، وتقاتل القبائل بعضها مع بعض، لذلك انحصرت الحضارة في الأماكن
стр. 107
الممطورة، والأماكن التي خرجت فيها المياه الجوفيّة عيونا وينابيع، أو قاربت المياه فيها سطح الأرض فأمكن حفر الآبار فيها.
فالحياة في جزيرة العرب، هي هبة الماء، فكانت القوافل تؤمّه، وإليه كانت الطبيعة تقذف بالأعراب من كلّ مكان، وكانوا لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع بأرضه، فلا يستقرّون في مكان إلّا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء، فإذا جفّ الكلأ، وقلّ الماء ارتحلوا إلى مواضع جديدة.
ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية، يتمثّل مجتمعهم في القبيلة، فالقبيلة هي الحكومة والقوميّة في نظر البدويّ، وكانت هذه الحياة لا تعرف الرّاحة والاستقرار، ولا تعترف إلا بمنطق القوّة، حياة جلبت المشقّة لأصحابها، والمشقّة لمن يقيم على مقربة منهم من الحضر، فهم في نزاع دائم فيما بينهم، ثمّ هم في نزاع مع الحضر.
ولكنّ العربيّ من ناحية أخرى مخلص، مطيع لتقاليد قبيلته، كريم يؤدّي واجبات الضّيافة، والمحالفة في الحروب، كما يؤدّي واجبات الصّداقة، مخلصا في أدائها، بحسب ما رسمه العرف، وقد نطق به شعرهم، وزخر به أدبهم، من حكم وأمثال، ومثل، وقيم.
والعربيّ يحبّ المساواة، ويعشق الحرّية، وهو رجل جادّ، صارم، قلّ في مجتمعه الإسفاف، محافظ، متمسّك بحياته، معتزّ بما كتب له، وإن كانت حياة خشونة وصعوبة.
والممعن في البداوة منهم ضعيف الإيمان بدين، قلّ أن يؤمن إلّا بتقاليد قبيلته، وما ورثه عن آبائه، مثله الأعلى في الأخلاق تركّز فيما سمّاه المروءة، وتغنّى بها في شعره وأدبه.
стр. 108
مراكز عمران وحضارة:
وفي تلك المواضع الّتي توفّرت فيها المياه، من مطر، وعيون، وآبار، ظهرت الحضارة على شكل قرى ومستوطنات، وأسواق موسميّة، كان لها أثر خطير في حياة العرب عموما، ونشأت مجتمعات، لها طبيعة خاصّة، وشخصيّة مستقلّة، متأثّرة بطبيعة الأرض، وطبيعة الجوّ، وطبيعة الحرف والصّناعات، وطرق العيش الّتي يمارسها هذا المجتمع، فكان في مكّة مجتمع خاصّ، له طابع متميّز، وكذلك لأهل الحيرة ولأهل يثرب، وكان مجتمع اليمن من أغنى المجتمعات العربيّة وأرقاها، لأوضاعه الخاصّة، وتاريخه الحضاريّ القديم، والسّياسيّ الحديث، فتفوّق في إنتاج الغلّة، وتربية الحيوان، واستخراج المعادن، وأقام له قصورا وحصونا، واستورد آلات تساعده في ممارسة الصّناعات، وتيسير الحياة، من العراق وبلاد الشّام، ومن إفريقية.
طبقات العرب:
اتّفق الرّواة وأهل الأخبار، أو كادوا يتّفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات:
١- عرب بائدة.
٢- وعرب عاربة.
٣- وعرب مستعربة.
واتّفقوا أو كادوا يتّفقون على تقسيم العرب، من حيث النسب إلى قسمين:
قحطانيّة، منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانيّة، منازلهم الأولى في الحجاز.
стр. 109
كذلك يقسّم النّسّابون عدنان إلى فرعين كبيرين، ربيعة ومضر.
وكان بين القحطانيّة والعدنانيّة منافسة قديمة، كما كان بين ربيعة ومضر عداء شديد، ظلّ قرونا طويلة.
واتفقوا على أنّ القحطانيّة هم الأصل، والعدنانيّة الفرع «١» منهم أخذوا العربيّة، وبلسانهم تكلّم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، وإسماعيل هو الجدّ الأكبر للعرب المستعربة، أي العرب العدنانيين.
وللنّسب عند العرب شأن كبير، وقد أقرّ به أهل الخبرة من العجم، فقد قال رستم قائد قوّاد الفرس لأهل مجلسه حين استخفّوا بالمغيرة بن شعبة رسول المسلمين، واحتقروه لرثاثة ثيابه، وتبذّله: «ويلكم.. إنّ العرب يستخفّون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب» «٢» .
وحدة اللغة:
وكان خليقا بهذا القطر الواسع، الّذي يكاد يكون شبه قارّة، أن تتعدّد فيه اللغات وتتنوّع، لبعد المسافة بين مواطن القبائل، وبين جنوبيّ الجزيرة وشماليّها، وقلّة اتصال أهل الجنوب بأهل الشّمال، وأهل الشّرق بأهل الغرب، وبحكم العصبيّة القبليّة والسّلاليّة السائدة عليهم، وتأثّر القبائل المتاخمة للرّوم والفرس بلغاتهم.
وقد كثر عدد اللّغات في أوربة الوسطى، وفي شبه القارة الهنديّة، كثرة
стр. 110
هائلة، ولا يزال عدد اللّغات المعترف بها في دستور الهند يبلغ ١٥ لغة إقليمية، تختلف فيما بينها اختلاف لغات مستقلة، قائمة بذاتها، حتّى يحتاج أبناؤها للتفاهم إلى ترجمان، أو لغة أجنبية كالإنجليزية.
ولكن امتازت الجزيرة العربية على سعتها، وترامي أطرافها، وتشتّت قبائلها، بوحدة اللغة، كانت ولا تزال أداة تفاهم والتقاء لجميع أبناء هذه الجزيرة، حضرهم وبدوهم، والقحطانيّ منهم والعدنانيّ، وهي اللغة العربيّة على اختلاف لهجاتها، وفروقها الإقليميّة الّتي تقتضيها طبيعة اللغات وفلسفتها، وطبيعة الأقاليم والأجواء، وطبيعة الانعزال والانطواء.
فاللغات تختلف في لهجاتها بمسافات، قد تطول وقد تقصر، وكانت هذه الوحدة اللغويّة التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهمّ أسباب تيسير مهمّة الدعوة الإسلاميّة، وسرعة انتشار الإسلام فيها، ومخاطبة الوحدات العربيّة المنتشرة، في لغة واحدة، هي اللغة العربيّة الفصحى، وبكتاب واحد هو القرآن العربيّ المبين.
جزيرة العرب في تاريخ الأمم والديانات:
قد تبيّن من الآثار العتيقة أنّ بلاد العرب كانت مأهولة بالنّاس، منذ العصور «الباليوليتية) Paleolithic ( «أي العهود الحجرية المتقدّمة، ومن أقدم الآثار الّتي عثر عليها آثار من أيام العصور المعروفة ب) Chellian (أي الأدوار الأولى من أدوار حضارة العصر الحجريّ.
وقد جاء ذكر العرب في مواضع من أسفار التّوراة، تشرح علاقات العبرانيّين بالعرب، وما ذكر في التوراة عن العرب يرجع تاريخه إلى ما بين ٧٥٠، والقرن الثاني قبل المسيح، وقد وردت في التّلمود إشارات إلى العرب كذلك.