← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأحوال، إذا تركت وشأنها، شأن الشعوب والمجتمعات التي أكبر اعتمادها في الكسب والمعاش على التجارة، ومسير القوافل، وتنظيم الأسواق، وتوجّه الرواد من كلّ صوب إلى بلدها، والتقائهم التقاء يفيدها إجلالا دينيا، وفائدة اقتصادية، ويدرّ عليها الأرزاق الكريمة، وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٣- ٤] . لذلك كانت قريش- ما لم تتحدّ عقيدتها ولم تثر غيرتها الدينية أو القبلية- تؤمن بمبدأ «التعايش السلميّ» ، ولكنّها رغم كلّ ذلك كانت قوة حربية يحسب لها الحساب، وكانت شجاعتها مضرب المثل، وكانت مشهورة بالفروسيّة العربيّة، و «الغضبة المضريّة» معروفة في جزيرة العرب وآدابها وأمثالها. ولم تكتف قريش بقوّتها الذاتية في الحروب، ولكنّها كانت تستخدم قوة الأحابيش، وهم بطون من القبائل العربيّة الضاربة حول مكّة، من كنانة وخزيمة بن مدركة، وخزاعة تحالفوا مع قريش، وكان لقريش عدد كبير من العبيد والموالي، الذين كانوا يقاتلون في صفوفها، فكانت تستطيع أن توجّه إلى القتال بضعة آلاف مقاتل، وقد استطاعت أن تجمع عشرة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب. وهي أكبر قوّة حربية عرفها تاريخ الجزيرة العربية في العصر الجاهليّ. كبرى مدن الجزيرة وعاصمتها الروحية والاجتماعية: وبهذا المركز الدينيّ، والمكانة الاقتصادية، وقيادة النشاط التجاريّ، والتقدّم في المدنيّة والآداب، أصبحت مكّة كبرى مدن الجزيرة العربية، وبدأت تنافس صنعاء اليمن في زعامة الجزيرة، بل إنّها تفوقت عليها، بعد ما

стр. 142

حدث باليمن من استيلاء الحبشة عليها، وتملك الفرس لها، في منتصف القرن السادس المسيحيّ، وفقدت مملكة الحيرة ومملكة غسان الشيء الكثير من العظمة والأبّهة، فأصبحت مكّة بعد ذلك كلّه هي عاصمة جزيرة العرب الروحيّة والاجتماعيّة من غير منافس ولا مشارك. الناحية الخلقية: وكانت الناحية الخلقية ضعيفة- غير الأعراف والآداب والقيم الجاهليّة التي كانوا يؤمنون بها ويعضّون عليها بالنّواجذ- فقد فشا فيهم القمار، والميسر، وافتخروا به، وفشت فيهم الخمر وانتشرت القيان، ومجالس اللهو، وحفلات العزف، يقدّم فيها الشراب، وفشا فيهم بعض الفواحش، وقد وجد الظلم والقسوة، وغمط الناس، وبطر الحق، وأكل أموال الناس بالباطل. ولا تصوير للحالة الخلقية التي كان يعيشها أهل الجزيرة بصفة عامة وأهل مكة بصفة خاصة، أبلغ وأصدق من تصوير جعفر بن أبي طالب الهاشميّ القرشيّ- وهو ابن مكة الأصيل- للحياة العربية والأخلاق الجاهلية أمام النجاشيّ، وقد جاء فيه: «أيها الملك! كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف» «١» .

стр. 143

الناحية الدينية: وكانت الناحية الدينية أضعف- بحكم بعد العهد بالنبوّات، وفشوّ الجهل، وانتشار الوثنية، التي اقتبسوها من الأمم المجاورة فغلوا فيها- من الناحية الأدبية والحضاريّة، فأغرقوا في الوثنيّة، وأولعوا بالأصنام، فكان في جوف الكعبة وفنائها ثلاثمئة وستّون صنما. وكان كبيرها عندهم «هبل» وكان على بئر في جوف الكعبة، وهي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان بالعقيق الأحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدا من ذهب. وكان أمام البيت صنمان «أساف» و «نائلة» ، وموضعهما عند الكعبة، أحدهما يلصق بالكعبة، والآخر بموضع زمزم، فنقلت قريش الذي يلصق بالكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما، وكان على الصّفا صنم، يقال له «نهيك مجاود الريح» وعلى المروة صنم، يقال له «مطعم الطّير» . وكان في كلّ دار من مكّة صنم يعبدونه. وكانت «العزّى» قريبا من عرفات، وكان عليها بيت، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يستقسمون عند أصنامهم بالأزلام. وكانت «ذو الخلصة» بأسفل مكّة، وكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون إليها الشعير والحنطة، ويصبّون عليها اللّبن، ويذبحون لها، ويعلقون بيض

стр. 144

النعام بها، وكانت الأصنام يطاف بها في مكّة، فيشتريها أهل البادية ويخرجون بها إلى بيوتهم. وكذا وصلوا- رغم ما طبعوا عليه من الفتوّة وخلال المروءة وكثير من الأخلاق العربيّة الكريمة- إلى درجة سخيفة راعنة من الوثنية وعبادة الأصنام والتمسّك بالخرافات والأوهام، وجهل المفاهيم الدينية الصحيحة، والبعد عن الإبراهيمية الحنيفيّة السّمحة، درجة لم يصل إليها إلا النادر من الشّعوب والأمم «١» . هذه مكّة في منتصف القرن السادس المسيحيّ عند بعثة الرسول الأعظم ﷺ وطلوع شمس الإسلام من أفقها المظلم، وصدق الله العظيم: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ «٢» [يس: ٦]

стр. 145

الفصل الثاني من الولادة الكريمة إلى البعثة العظيمة شجرة النبي ﷺ ولادته ونسبه الشريف رضاعته، وحادثة شقّ الصدر وفاة أمّه وجدّه، وكفالة عمّه قصة الراهب بحيرى وتفنيدها زواجه من خديجة بنت خويلد قصة بناء الكعبة ودرء الفتنة حلف الفضول

стр. 146

شجرة النّبي ﷺ «١» آباؤه الكرام أمّهاته العظام عمومة الأمّهات خؤولة الأمّهات ١- عبد الله آمنة وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب (انظر مسلسل ٦ آباء النبي ﷺ برة بنت عبد العزى بن عبد الدار ابن قصي (انظر مسلسل ٥ آباء النبي ﷺ . ٢- عبد المطّلب فاطمة عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرّة (انظر مسلسل ٧ آباء النبي ﷺ صخرة «٢» بنت عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرّة (انظر مسلسل ٧ آباء النبي ﷺ . ٣- هاشم سلمى عمرو بن زيد بن لبيد بن خدا بخش بن عامر بن غنم بن عدي ابن النجار (تيم الله) بن ثعلبة الخزرجي. عميرة «٣» بنت صخر بن خبيب ابن الحارث بن ثعلبة بن مازن ابن النجار ساكن المدينة. ٤- عبد مناف عاتكة مرّة بن هلال بن فالج بن زكوان ابن ثعلبة بن بهنة بن سليم بن مضر (انظر رقم ١٨ من آباء النبي ﷺ ماوية «٤» (صفية) بنت حوزة بن عمرو بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن. (رقم ١٧ من آباء النبي ﷺ . ٥- قصيّ حبّى خليل بن جثبية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة (وهو الخزاعي) . هند «٥» بنت عامر بن النضّر بن عمرو بن عامر (الخزاعي) .

стр. 147

آباؤه الكرام أمّهاته العظام عمومة الأمّهات خؤولة الأمّهات ٦- كلاب فاطمة سعد بن سيل (حير) بن نوف بن عامر الحاؤ، وكان أول من بنى جدار الكعبة فقيل أربع عماما، أزدشنوءة. ظريفية «١» بنت قيس بن أمية ذي الرأسين بن جيثم بن كنانة بن عمرو بن القين بن فهم بن عمرو ابن قيس بن عيلان بن إلياس (انظر مسلسل ١٧ آباء النبي ﷺ . ٧- مرّة هند سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك (مسلسل رقم ١٢ آباء النبي ﷺ أمامة «٢» بنت عبد مناة بن كنانة (انظر مسلسل ١٤ من آباء النبي ﷺ ٨- كعب محشية شيبان بن محارب بن فهر (انظر مسلسل ١١ آباء النبي ﷺ وحشية «٣» بنت وائل بن قاسط ابن هنسب بن أقصى بن صعمى ابن جديلة. ٩- لؤيّ ماوية كعب بن القين (هو النعمان) ابن حير بن شيع الله بن أسد ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. عاتكة بنت كاهل بن عذرة ١٠- غالب عاتكة يخلد بن النضر بن كنانة (انظر مسلسل ١٤ آباء النبي ﷺ أنيسة «٤» بنت شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل. ١١- فهر الملقّب بقريش ليلى حارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة (انظر مسلسل ١٦ آباء النبي ﷺ . سلمى «٥» بنت طانجة بن إلياس (انظر مسلسل ١٧ آباء النبي ﷺ ١٢- مالك جندلة عامر بن الحارث بن مضاض بن زيد بن مالك الجرهمي هند بنت الطليم بن مالك بن الحارث الجرهمي.

стр. 148

آباؤه الكرام أمّهاته العظام عمومة الأمّهات خؤولة الأمّهات ١٣- نضر عكرشة عدنان (الحارث) بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر (انظر مسلسل ١٨ آباء النبي ﷺ . - ١٤- كنانة برّة مر بن أد بن طانجة (أخت تميم ابن مر) [وطانجة أخو مدركة] . ١٥- خزيمة عوانة- هند سعد بن قيس بن عيلان بن إلياس (مسلسل ١٧ آباء النبي ﷺ وعد بنت إلياس (انظر مسلسل ١٧ آباء النبي ﷺ . ١٦- مدركة سلمى الحاف بن قضاعة- ١٧- إلياس ليلى (خندف) حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ضرية بنت ربيعة بن نزار (مسلسل ١٩ آباء النبي ﷺ . ١٨- مضر رباب حيدة بن معد (مسلسل ٢٠ آباء النبي ﷺ ١٩- نزار سودة عك بن الريث بن عدنان مسلسل ٢١ آباء النبي ﷺ ٢٠- معد معانة جوشم بن جلهمة بن عمر بن برة بن جرهم سلمى بنت الحارث بن مالك بن غنم (من جرهم) ٢١- عدنان مهدد لهم بن جلحب بن جديس بن جاثم بن أثرم (إرم) .

стр. 149

من الولادة الكريمة إلى البعثة العظيمة عبد الله وآمنة: كان لعبد المطّلب- سيّد قريش- عشرة أبناء، كانوا شامة بين الناس، وعبد الله واسطة العقد «١» ، وزوّجه أبوه «آمنة» بنت وهب- سيّد بني زهرة- وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا» . ولم يلبث عبد الله أن مات، وأمّ رسول الله ﷺ حامل به، وقد رأت من الآثار والآيات ما يدلّ على أنّ لابنها شأنا «٣» . ولادته الكريمة ونسبه الزكيّ: وولد رسول الله ﷺ يوم الإثنين اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، عام الفيل (٥٧٠ المسيحي) «٤» فكان أسعد يوم طلعت فيه الشمس.

стр. 150

وهو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وينتهي نسب عدنان إلى سيّدنا إسماعيل بن إبراهيم ﵉ «١» . فلمّا وضعته أمّه ﷺ أرسلت إلى جدّه عبد المطّلب أنّه قد ولد لك غلام فأتاه، فنظر إليه، وحمله، ودخل به الكعبة، قام يدعو الله «٢» ، ويحمده وسمّاه «محمّدا» وكان هذا الاسم غريبا، فتعجّب منه العرب «٣» . إمارات خارقة للعادة لولادة عالم جديد، وبعث للإنسانية جديد: وقد روى عدد من كبار المؤلّفين في السيرة وأصحاب الاختصاص في الحديث. ما ظهر على الولادة النبويّة المباركة من أمارات خارقة للعادة، خارجة من التأثير البشريّ، لافتة إلى استئناف العالم والحياة البشرية دورا جديدا في الدين والأخلاق، ومسيرة الركب الإنسانيّ، ومصيره، وهي

стр. 151

حوادث خارقة للعادة، مسترعية للانتباه- ممن رزق قوة الاستنتاج والاعتبار-. منها ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وغاضت بحيرة ساوا، وخمدت نيران فارس، التي كانوا يعبدونها ولم تخمد منذ ألف عام «١» . رضاعته ﷺ : أرضعته ثويبة جارية عمّه أبي لهب بضعة أيّام «٢» ، ثمّ التمس عبد المطّلب

стр. 152

لحفيده اليتيم، الذي كان أحبّ أولاده إليه، مرضعا من البادية، على عادة العرب، وكان العرب يؤثرون البادية لرضاعة الأطفال ونشأتهم الأولى، لما في هواء البادية من الصفاء، وفي أخلاق البادية من السلامة والاعتدال، والبعد عن مفاسد المدنية، ولأنّ لغة البادية سليمة أصيلة. وجاءت المراضع من قبيلة بني سعد، وكانت لها شهرة في المراضع وفي الفصاحة، وأدركت حليمة السعديّة «١» هذه السعادة، وكانت خرجت من بلدها تلتمس الرضعاء، وكان العام عام جدب، وهم في ضيق وشدّة، وعرض رسول الله ﷺ على جميع المراضع فزهدن فيه، وذلك لأنهنّ كنّ يرجون المعروف من أبي الصبيّ، فقلن: يتيم! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟! وهكذا فعلت حليمة، فانصرفت عنه أوّل مرة، ثمّ انعطف قلبها عليه، وألهمها الله حبّه، وأخذه، ولم تكن وجدت غيره، فرجعت إليه، فأخذته، وذهبت به إلى رحلها، ولمست البركة بيدها، فكان لكلّ شيء في رحلها شأن غير الشأن، ورأت البركة في اللبان والألبان، والشارف والأتان، وكلّ يقول: لقد أخذت يا حليمة! نسمة مباركة، وحسدتها صواحبها «٢» .

стр. 153

خريطة ديار بني سعد

стр. 154

ولم تزل تتعرّف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتان في بني سعد، وفصلته، وكان يشبّ شبابا لا يشبه الغلمان، وقدمت به ﷺ على أمّه، وطلبت أن تتركه عندها بعض الوقت، فردّته إليها «١» . وجاء ملكان وهو في بني سعد، فشقّا بطنه، واستخرجا من قلبه علقة سوداء، فطرحاها ثمّ غسلا قلبه، حتى أنقياه وردّاه كما كان «٢» . ورعى رسول الله ﷺ الغنم مع إخوته من الرضاعة، ونشأ على البساطة والفطرة، وحياة البادية السامية، واللغة الفصيحة التي اشتهر بها بنو سعد بن بكر، وكان يقول لأصحابه فيما بعد: «أنا أعربكم، أنا قرشيّ، واسترضعت في بني سعد بن بكر» «٣» . وفاة عبد الله وآمنة وعبد المطّلب وكفالة أبي طالب: وقد تحقّق أنّ أبا رسول الله ﷺ عبد الله بن عبد المطلب توفي قبل ولادته ﷺ ، وكان قافلا من الشام، فمرض في الطريق، ووصل إلى يثرب- مدينة أخواله بني عديّ بن النّجار- ومات هناك في شبابه.

стр. 155

واختلف في عمره حينذاك، وقد روى الواقديّ أنّه كان في الخامسة والعشرين (٢٥) من عمره «١» وقد روي أقلّ من ذلك «٢» . ولمّا بلغ ﷺ ستّ سنين، خرجت به أمّه إلى مدينة يثرب، تزيره خؤولة جدّه فيها، وتزور قبر بعلها الحبيب عبد الله بن عبد المطّلب «٣» ، وفي عودتها إلى مكّة أدركها الموت بمكان بين مكة والمدينة، اسمه «الأبواء» ، واجتمعت له وحشة فراق الأمّ الحنون ووحشة الغربة، وذلك الشأن معه من يوم ولد، وفيها من أسرار التربية الإلهية ما لا يعلمها إلا الله. وعادت به أمّ أيمن بركة الحبشية إلى مكة، وسلمته إلى جدّه عبد المطلب، فكان مع جدّه، وكان به حفيا، يجلسه على فراشه في ظلّ الكعبة ويلاطفه. فلمّا بلغ رسول الله ﷺ ثماني سنين، مات عبد المطلب «٤» ، فذاق مرارة اليتم مرة ثانية كانت أشدّ من الأولى، فإنّه ﷺ لم ير أباه، ولم ينعم بعطفه وحنوّه، فكان الشّعور بفقده شعورا عقليّا تقليديا، وكان الشعور بفقد عبد المطّلب شعورا حسيا تجريبيا، والفرق بينهما واضح. كان رسول الله ﷺ بعد عبد المطّلب مع عمّه أبي طالب، وهو أخو عبد الله من أب وأمّ، وكان عبد المطّلب يوصيه به فكان إليه ومعه، وكان أرفق

стр. 156

به وأكثر حدبا عليه من أبنائه: عليّ، وجعفر، وعقيل «١» . قصّة الراهب بحيرى: يقال: إنّ أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشّام، وكان رسول الله ﷺ إذ ذاك ابن تسع سنين «٢» فتعلّق بعمّه، فرقّ له، واستصحبه في هذه الرّحلة، فلمّا نزل الركب «بصرى» من أرض الشّام وبها راهب يقال له «بحيرى» في صومعة له، اهتمّ بهم، وصنع لهم طعاما، ولم يكن هذا من شأنه، لمّا رأى صنع الله به والخوارق من العادات، فلمّا رأى رسول الله ﷺ احتفى به وتأكّد من آثار النبوّة فيه، ونبّه أبا طالب على علوّ مكانته، وقال: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فرجع به أبو طالب إلى مكّة سالما. وقد جاءت هذه القصة مطوّلة في سيرة ابن هشام وغيرها «٣» وتكلّم في صحتها كثير من النّقاد والمحدّثين رواية ودراية، قد جاء في «سيرة النبيّ» للعلامة شبلي النّعمانيّ أنّ جميع روايات هذه القصة مرسلة «٤» ، فإنّ كلّ من

стр. 157

روى هذه القصة من الصحابة، إنّما سمعها من غيره ولم يسمعه من النبيّ ﷺ ، وقد قال الترمذيّ بعد ما روى هذا الحديث: «حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه» ومن رواته عبد الرحمن بن غزوان، وقد تكلّم فيه أكثر أهل الصناعة، فقال العلامة الذهبيّ: كان يروي الأحاديث المنكرة، وأشدّها نكارة الرواية التي جاء فيها قصّة «بحيرى» . وممّا يقدح في هذا الحديث أنّه قد جاء فيه أنّ أبا طالب أرسل رسول الله ﷺ مع بلال، قال العلامة ابن القيّم في «زاد المعاد» (١/ ١٨) : «ووقع في كتاب الترمذيّ وغيره أنّه بعث معه بلالا، وأنّه من الغلط الواضح، فإنّ بلالا إذ ذاك لعلّه لم يكن موجودا، وإن كان فلم يكن مع عمّه ولا مع أبي بكر» (انتهى كلام العلامة النعماني) «١» . ونختم هذا النقد بما قاله الذهبيّ في قصّة «بحيرى» : «وهو حديث منكر جدّا، وأين كان أبو بكر، كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد، وأيضا فإذا كان عليه

стр. 158

غمامة تظلّله كيف يتصوّر أن يميل فيء الشجرة؟ لأنّ ظلّ الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبيّ ﷺ ذكر أبا طالب قطّ بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ مع توفّر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك «١» . مثال غريب من التعصّب الدينيّ والإمعان في الافتراض والتخمين: وانتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة- وهي لقاء رسول الله ﷺ بحبر من أحبار النصارى، شخصيته ومكانته في العالم مجهولتان- فصنعوا من الحبّة قبة، وأسّسوا عليها بناء شامخا، من تلقّي رسول الله ﷺ لتعاليم التوحيد النقية من عالم نصرانيّ. وأغرب من هذا أنّ) Carra De vaux (الفرنسي ألّف كتابا مستقلا في هذا الموضوع، أسماه «مؤلف القرآن» حاول أن يثبت فيه أنّ «بحيرى» لقّن محمدا ﷺ القرآن كلّه، في هذا اللقاء القصير. هذا- إن صحّت الرواية- لا يقوله عاقل رزق من سلامة العقل والإنصاف ذرّة، فكيف يعقل أنّ غلاما لا يجاوز عمره تسع سنوات- على الأصحّ- واثني عشر عاما- على الأكثر- تلقّى من شيخ لا يعرف لغته، ولم يجلس إليه إلّا ما يستغرقه وقت الجلوس على مائدة، المسائل الدقيقة والتفاصيل العميقة في نقد عقيدة الشرك والمسيحية الممسوخة في القرن السادس المسيحيّ، التي لم يهتد إليها كبار النقّاد، والمصلحين في المذهب البروتستانتي وكبار

стр. 159

المصلحين في العالم المسيحيّ، والتمييز الدقيق بين عقائد الفرق المسيحية وأقوالها، وتعرض القرآن لحوادث لم تحدث إلا بعد ثلاثين وأربعين سنة، حين أصبحت عظام (بحيرى) نخرة «١» ، كاندحار الرّوم أمام الفرس في الأعوام الأولى من القرن السابع المسيحيّ (٦٠٣- ٦١٦) إلى آخر نقطة من تراجع الجيوش وتقلّص الحكومات، حتى كادت الإمبراطورية البيزنطية تلفظ نفسها الأخير، وتصبح مستعمرة ساسانية حقيرة، وانقطع كلّ أمل في نهوض الدولة البيزنطيّة وعودتها إلى أوجها الأول، ثمّ انتصار الروم البيزنطيين الرائع، النافي لكلّ تقدير وتخمين، على الفرس الظافرين المنتصرين، حتى أوغلت الجيوش الروميّة في قيادة هرقل في إيران، وغرزت أعلام الفتح في قلب البلاد، وأثخنت الشعب الإيرانيّ قتلا وجراحا، وأهانت المعابد والمقدّسات الدينية، وعادت من أسوار العاصمة ظافرة مرفوعة الرأس، وذلك كلّه في ظرف تسع سنين «٢» ، وهو ما أعلنه القرآن بقوله: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [الروم: ١- ٧] . وهي نبوّة لا يقدر عليها إلّا العليم القدير الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ، ولم يكن

стр. 160

شيء أغرب خيالا، وأبعد منالا من هذه النبوّة التي أعلنها القرآن عند فرح قريش والمشركين بانتصار المجوس المشركين على أهل الكتاب المسيحيين، وشماتتهم بهزيمة الروم المنكرة، فقال: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ٣- ٤] (والبضع ما دون العشر) واستبعدته قريش كلّ الاستبعاد، حتى قامروا على ذلك استبعادا له. يقول المؤرّخ الإنجليزيّ جبون:) Edward Gibbon ( «إنّ محمّدا تنبّأ حين بلغت فتوح الإيرانيين أوجها وقمتها، أنّ الرايات الرومية سترتفع بالفتح والانتصار في بضع سنين، ولم يكن شيء أبعد عن القياس من هذه النبوة التي أعلنها محمد، لأنّ السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكم هرقل كانت تعلن بتمزّق الإمبراطوريّة الروميّة، ونهايتها القريبة» «١» . ولكن تحقّقت هذه النبوّة بشكل غريب خارق للعادة، وذلك في سنة ٦٢٥ م (العام الثاني من الهجرة النبوية عند غزوة بدر) يقول «جيبون» في أسلوبه الأدبي القويّ المعروف: «كما أنّ ضباب الصبح والأصيل ينقشع ويتبدد بنور الشمس البازغة الوهاج، كذلك تحوّل الأمير الرقيق المترف الذي لم يكن يعرف إلا الشباب والهوى، والذي كان على قدم أركاديوس في عصره «٢» ، فارسا منتصرا يقود الجيوش ويفتح البلاد كسيزر «٣» ، لقد أنقذت كرامة هرقل وروما بطريقة غريبة رائعة، وعاد إليهما اعتبارهما وقيمتهما» «٤» .

стр. 161

هذا إلى نبوءات أخرى وإعلانات بعيدة عن القياس والقرائن، كالفتح المبين (صلح الحديبية) المهين في نظر كثير من المسلمين وغير المسلمين «١» ، ودخول الناس في الإسلام أفواجا «٢» ، وظهوره على الدين كلّه بعد ما كان المسلمون مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطّفهم الناس، وقيام دولتهم وشوكتهم «٣» ، وبقاء القرآن محفوظا متلوا، مبينا مفسرا، يتلوه ويحفظه أكبر عدد من البشر «٤» إلى غير ذلك من النبوءات الغريبة، والإعلانات المتحدية للعقل والقياس، والأخبار الغيبية التي زخر بها القرآن «٥» . ولا يصنع من هذه الحبّة قبّة إلا من أعماه التعصّب الدينيّ، والاسترسال في الخيال، والإمعان في الافتراض والتخمين، والإتيان بالبعيد المضحك للعقلاء، والتطرّف، وإبعاد النجعة في العداء، ولولا ورود هذه القصّة في عامّة كتب السيرة لما أوردناها في هذا الكتاب، ولما تعرّضنا لبحثها ونقدها «٦» .

стр. 162

التربية الإلهية: وشبّ رسول الله ﷺ محفوظا من الله تعالى، بعيدا عن أقذار الجاهليّة وعاداتها، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأشدّهم حياء، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والبذاءة، حتى ما أسموه في قومه إلّا «الأمين» «١» . يعصمه الله تعالى من أن يتورّط فيما لا يليق بشأنه، من عادات الجاهلية، وما لا يرون به بأسا، ولا يرفعون له رأسا، وكان واصلا للرّحم، حاملا لما يثقل كواهل الناس، مكرما للضيوف، عونا على البرّ والتقوى «٢» ، وكان يأكل من نتيجة عمله، ويقنع بالقوت. ولمّا بلغ رسول الله ﷺ أربع أو خمس عشرة سنة، هاجت حرب الفجار بين قريش وبين قيس، وشهد رسول الله ﷺ أيامها، وكان ينبل «٣» على أعمامه وبذلك عرف الحرب، وعرف الفروسيّة والفتوّة «٤» . ولمّا شبّ عن الطوق اتّجه إلى العمل، فرعى الأغنام، وفيه كسب

стр. 163

شريف، وتربية نفسية، وترويض على العطف على الضعفاء، وسياسة للأوابد، واستنشاق للهواء النقيّ الصّافي، وتقوية للجسم، وفوق ذلك كلّه إنّه اتباع لسنّة الأنبياء، فقد روي عنه أنّه قال بعد النبوّة: «ما من نبيّ إلّا وقد رعى الغنم» قيل: وأنت يا رسول الله؟!، قال: «وأنا» . وقد رعى الغنم في بني سعد مع إخوته من الرضاعة، فلم يكن بعيدا عنه ولا جاهلا له، وقد ثبت في (الصّحاح «١» ) أنّه كان يرعى الغنم في مكة على قراريط «٢» يأخذها من أهلها. زواجه- ﷺ من خديجة: ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة، تزوج خديجة بنت خويلد، وهي من سيّدات قريش، وفضليات النساء، رجاحة عقل، وكرم أخلاق، وسعة مال، وكانت أرملة، توفّي زوجها أبو هالة، وكانت إذ ذاك في الأربعين من سنّها، ورسول الله ﷺ في الخامسة والعشرين من عمره «٣» . وكانت خديجة امرأة تاجرة، تستأجر الرّجال في مالها، وتضاربهم بشيء

стр. 164

تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجّارا، وقد كانت اختبرت صدق حديث رسول الله ﷺ وكرم أخلاقه، ونصيحته، حين خرج في مال لها إلى الشّام تاجرا، وبلغها من كبر شأنه في هذه الرّحلة، فعرضت عليه نفسها، وكانت قد رفضت طلب كثير من أشراف قريش، وخطبها إليه عمّه حمزة، وخطب أبو طالب الخطبة، فكان الزواج «١» . وكانت أوّل امرأة تزوّجها رسول الله ﷺ «٢» وولدت له ولده كلّهم إلا إبراهيم «٣» . قصة بنيان الكعبة ودرء فتنة عظيمة: ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وقد أرادوا ذلك ليسقفوها، وكانت حجارة بعضها على بعض، من غير طين يركب بعضها على بعض، وكانت فوق القامة، وكان لا بدّ من هدم وبناء جديد «٤» . فلمّا بلغ البنيان موضع الركن، اختصموا في الحجر الأسود، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الآخرى، وكلّ قبيلة تريد أن يكون لها هذا

стр. 165

الشرف، حتّى آل الأمر إلى الحرب، وكانت تنشب في أهون من هذا بكثير في الجاهلية. واستعدّوا للقتال، وقرّبت بنو عبد الدّار جفنة مملوءة دما، وتعاقدوا، هم وبنو عديّ، على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدّم في تلك الجفنة. وكانت آية الموت والشرّ. ومكثت قريش على ذلك أياما، ثمّ اتّفقوا على أنّ أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينهم، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد. ودعا رسول الله ﷺ بثوب وأخذ الحجر، ووضعه فيه بيده، ثمّ قال: «لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعا» ففعلوا، حتّى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بنى عليه «١» . وهكذا درأ «٢» رسول الله ﷺ الحرب عن قريش، بحكمة ليست فوقها حكمة، وكانت مقدّمة درئه للحروب والشرور عن الشعوب والأمم بعد النبوّة، بحكمته، وتعاليمه، ورفقه، وتلطّفه في الأمور، والإصلاح بين الناس، فيكون رحمة للعالمين كما كان رحمة للمتخاصمين والمتحاربين في قوم بسطاء أمّيين.

стр. 166

حلف الفضول: وشهد رسول الله ﷺ حلف الفضول «١» ، وكان أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، وكان سببه أنّ رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل أحد أشراف قريش، فحبس عنه حقّه، فاستعدى عليه الزبيديّ أشراف قريش، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل لمكانته، وانتهروه، واستغاث الزّبيديّ أهل مكة، واستعان بكلّ ذي مروءة. وهاجت الغيرة في رجال من ذوي المروءة والفتوّة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما، وتعاقدوا، وتعاهدوا بالله، ليكوننّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدي إليه حقّه، فسمّت قريش ذلك الحلف «حلف الفضول» وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيديّ، فدفعوها إليه «٢» . وكان رسول الله ﷺ مغتبطا بهذا الحلف، متمسّكا به حتّى بعد البعثة يقول: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحبّ أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت» . تحالفوا على أن يردّوا الفضول على أهلها، وألّا يعزّ «٣» ظالم مظلوما «٤» .

стр. 167

ويرى المتتبّع لأوضاع جزيرة العرب بصفة عامة، ووضع مكّة المكرمة مركز الجزيرة الدينيّ والثقافيّ والسياسيّ وواقعها، أنّ الباعث لأهل الضّمائر الحيّة على إنشاء هذا الحلف لم يكن حادثة تتعلّق بفرد واحد أو لبعض حقوق مهضومة لأفراد معدودين، بل كان الباعث القويّ هو القلق من حالة الفوضى وعدم الثقة التي كانت تسود مكة وما حولها، والشعور بالحاجة إلى الأمن والاستقرار- خصوصا بعد حرب الفجار- واحترام الحقوق والكرامات، وحماية الغرباء والوافدين إلى مكّة من التجار والصنّاع. قلق غامض وعدم ترقّب لنبوّة أو رسالة: وكان رسول الله ﷺ يجد في نفسه قلقا غامضا، لا يعرف مصدره ولا

стр. 168

مصيره، ولا يخطر بباله لحظة ما الله مكرمه به من الوحي والرسالة، ولا يحلم بذلك في يوم من الأيام، يقول الله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] . وقال: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ [القصص: ٨٦] . وكان من حكمة الله تعالى وتربيته، أن نشأ رسول الله ﷺ أميّا، لا يقرأ ولا يكتب، فكان أبعد عن تهمة الأعداء، وظنّة المفترين، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] . وقد لقّبه القرآن بالأمّيّ فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] .

стр. 169

الفصل الثالث العهد المكّيّ من البعثة إلى الهجرة مبعثه ﷺ تحنّثه في غار حراء إسلام خديجة وعليّ وزيد ﵃ تعذيب قريش للمسلمين إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ الهجرة إلى الحبشة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ مقاطعة قريش لبني هاشم الهجرة إلى الطائف الإسراء والمعراج

стр. 170

العهد المكّيّ من البعثة إلى الهجرة تباشير الصبح وطلائع السعادة: أتمّ رسول الله ﷺ أربعين سنة من عمره، والدّنيا واقفة على شفا حفرة من النّار، والإنسانيّة تخطو بخطى سريعة إلى الانتحار، هنالك ظهرت تباشير الصبح وطلائع السعادة، وآن أوان البعثة، وتلك سنّة الله إذا اشتدّ الظلام وطالت الشّقوة. وبلغ قلق رسول الله ﷺ مما كان يراه من جهل وجاهلية، وخرافة ووثنية، وتطلّعه إلى الإرشاد والهداية، من فاطر الكون وخالق السموات والأرض- ذروته، كأنّ حاديا يحدوه، فحبّب إليه الخلاء، فلم يكن شيء أحبّ إليه من أن يخلو وحده، وكان يخرج من مكّة ويبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطونها وأوديتها، فلا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله! ويلتفت رسول الله ﷺ حوله وعن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة «١» .

стр. 171

وكان أوّل ما بدىء به، الرّؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح «١» . في غار حراء: وكان يخلو- غالبا- بغار «حراء» ، فيمكث فيه ليالي متواليات، وكان يتزوّد لذلك، وكان يتعبّد ويدعو على الطريقة الإبراهيميّة الحنيفيّة والفطرة السليمة المنيبة إلى الله «٢» . مبعثه- ﷺ -: وكان في إحدى المرّات إذ جاءه اليوم الموعود لبعثته، وكان ذلك في رمضان (١٧ من رمضان «٣» ، في السنة الحادية والأربعين من ميلاده، الموافق ٦ أغسطس ٦١٠ م) في يقظة ووعي، فجاءه الملك وهو بحراء، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارىء، قال رسول الله ﷺ : «فأخذني فغطني، حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «٤» [العلق: ١- ٥] .

стр. 172

وكان ذلك أوّل يوم من أيام النبوّة، وأول وحي من القرآن «١» . في بيت خديجة- ﵂ -: وفزع منه رسول الله ﷺ فإنّه لم يعهده ولم يسمع به، وقد طالت الفترة، وعهد العرب بالنبوّة والأنبياء بعيد، وخاف على نفسه، ورجع إلى بيته ترتعد فرائصه وقال: زمّلوني، زمّلوني، لقد خشيت على نفسي. وسألت خديجة- ﵂ عن السّبب، فقصّ عليها القصّة، وكانت عاقلة فاضلة، سمعت بالنبوّة والأنبياء والملائكة، وكانت تزور ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصّر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل (التوراة) و (الإنجيل) ، وكانت تنكر من أهل مكّة ما ينكره أهل الفطرة السليمة والأذهان المستقيمة. وكانت من أعرف الناس بأخلاق رسول الله ﷺ لمكانها منه، وعشرتها له، واطّلاعها على السرّ والعلانية، وقد رأت من أخلاق رسول الله ﷺ وشمائله ما يؤكّد أنّه الرّجل الموفّق والمؤيّد من الله، المصطفى من خلقه، المرضيّ في سيرته وسلوكه، وأنّ من كانت هذه أخلاقه وسيرته، لا يخاف

стр. 173

عليه لمّة من الشيطان، أو أن يكون به مسّ من الجنّ، وأنّ ذلك يتنافى مع ما عرفته من حكمة الله ورأفته في خلقه، فقالت في ثقة وإيمان وفي قوّة وتأكيد: «كلّا! والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» «١» . بين يدي ورقة بن نوفل: وقد قالت ذلك خديجة، اعتمادا على العقل السليم، والفطرة الصحيحة، وعلى تجاربها في الحياة، ومعرفتها للنّاس. ولكنّ الأمر كان أعظم من هذا، وكان يحتاج إلى رجل له خبرة بالدّيانات وتاريخها، والنبوّات وسننها، ومعرفة بأهل الكتاب الذين عندهم أخبار الأنبياء وعلمهم. فرأت أن تستعين في ذلك بابن عمّها العالم «ورقة بن نوفل» فانطلقت برسول الله ﷺ إليه. وأخبر رسول الله ﷺ ورقة خبر ما رأى، فقال ورقة: «والّذي نفسي بيده إنّك لنبيّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، وإنّ قومك سيكذّبونك، ويؤذونك، ويخرجونك، ويقاتلونك» . وتعجّب رسول الله ﷺ حين قال ورقة: إنّهم سيخرجونك، لأنّه كان يعرف منزلته عند قريش، فلا ينادونه ولا يخاطبونه إلا ب «الصّادق» وب «الأمين» فقال متعجّبا: «أو مخرجيّ هم؟!» . قال ورقة: «نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عاداه النّاس

стр. 174

وحاربوه، وإن أدركت ذلك اليوم، وطالت بي الحياة، نصرتك نصرا مؤزّرا» «١» . وفتر الوحي زمانا، ثم تتابع، وبدأ القرآن ينزل. إسلام خديجة ﵂ وأخلاقها: وآمنت به خديجة، فكانت أوّل من آمن بالله وبرسوله، وكانت بجواره، تؤازره، وتثبّته، وتخفّف عنه، وتهوّن عليه أمر الناس. إسلام علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة ﵄: ثمّ أسلم عليّ بن أبي طالب- ﵁ وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام، أخذه من أبي طالب في أيام الضائقة، وضمّه إليه «٢» . وأسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وكان قد تبنّاه رسول الله ﷺ «٣» . فكان إسلام هؤلاء شهادة أقرب النّاس إليه، وأعرفهم به، وبصدقه، وإخلاصه، وحسن سيرته، وأهل البيت أدرى بما فيه. إسلام أبي بكر بن أبي قحافة وفضله في الدعوة إلى الإسلام: وأسلم أبو بكر بن أبي قحافة، وكانت له منزلة في قريش، لعقله ومروءته واعتداله، وأظهر إسلامه، وقد كان رجلا محبّبا سهلا، عالما بأنساب قريش

стр. 175

وبأخبارها، وكان تاجرا، ذا خلق ومعروف، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام، من وثق به من قومه، ممّن يغشاه ويجلس إليه «١» . إسلام أشراف من قريش: وأسلم بدعوته أشراف من قريش، لهم مكانة وسؤدد، منهم عثمان بن عفّان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا «٢» . وتلاهم رجال من قريش، لهم شرف ومكانة، منهم أبو عبيدة بن الجرّاح، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد، وخبّاب بن الأرتّ، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وغيرهم- ﵃ «٣» . ودخل الناس في الإسلام أرسالا من الرّجال والنّساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدّث به «٤» . الدّعوة جهارا على جبل «الصّفا» : وكان رسول الله ﷺ يخفي أمره، ومضى على ذلك ثلاث سنوات، ثمّ أمره الله تعالى بإظهار دينه، وقال: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] . وقال: وَأَنْذِرْ

стр. 176

عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٤- ٢١٥] ، ووَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩] . فخرج رسول الله ﷺ وصعد على جبل «الصّفا» ونادى بأعلى صوته: «يا صباحاه» ، وكانت صيحة معروفة مألوفة، كلّما أحسّ إنسان بخطر عدوّ، يغير على بلد، أو على قبيلة، على غفلة منهما، نادى: «يا صباحاه» فلم تتأخّر قريش في تلبية هذا النداء، واجتمعوا إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث إليه رسوله. فقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب! أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدّقتموني؟!» . كان العرب واقعيّين عمليّين، إنّهم رأوا رجلا جرّبوا عليه الصّدق والأمانة والنصيحة، قد وقف على جبل يرى ما أمامه، وينظر إلى ما وراءه، وهم لا يرون إلّا ما هو أمامهم، فهداهم ذكاؤهم وإنصافهم إلى تصديق هذا المخبر الأمين الصّادق، فقالوا: نعم. ولمّا تمّت هذه المرحلة الطبيعية البدائية، وتحققت شهادة المستمعين، قال رسول الله ﷺ : «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» . الحكمة البليغة في الدعوة والتعليم: وكان ذلك تعريفا بمقام النبوّة، وما ينفرد به من علم بالحقائق الغيبية

стр. 177

والعلوم الوهبية، وموعظة وإنذارا، في حكمة وبلاغة لا نظير لهما في تاريخ الديانات والنبوّات، فلم تكن طريق أقصر من هذا الطريق، ولا أسلوب أوضح من هذا الأسلوب. فسكت القوم، ولكنّ أبا لهب قال: «تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلّا لهذا؟!» «١» . وقد نبّه بذلك رسول الله ﷺ بحكمة لا حكمة فوقها على أنّ العدوّ اللّدود كامن في نفوسهم، مترصّد في بيوتهم، وهو أولى بأن يخافوه ويأخذوا له عدّته، فالجهل عن خالق هذا الكون وربّ العالمين، وصفاته وأسمائه الحسنى، والوقوع في حبائل الشّرك والوثنية، وعبادة النفس والشهوات، والاسترسال إلى الأوهام والخرافات، وتعدّي الحدود، وانتهاك الحرمات، أكثر نفورا وأعظم خطرا من جيش مترصّد، وكتيبة كمينة «٢» يحسبون لها كلّ حساب، ويفزعون لها كلّ فزع. إظهار قومه العداوة وحدب أبي طالب عليه: ولمّا أظهر رسول الله ﷺ الدعوة للإسلام، وصدع بالحقّ كما أمره الله تعالى، لم يبعد منه قومه، ولم يردّوا عليه حتى ذكر آلهتهم، وعابها، فلمّا فعل ذلك، أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته. وحدب على «٣» رسول الله ﷺ عمّه أبو طالب، ومنعه وقام دونه،

стр. 178

ومضى رسول الله ﷺ في دعوته وصدعه بالحق، لا يردّه عنه شيء، ومضى أبو طالب يحدب عليه ويذود عنه. فلمّا طال ذلك، مشى رجال من قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا وإمّا أن تخلي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه، من دين وعقيدة. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا، فانصرفوا عنه «١» . بين رسول الله- ﷺ وأبي طالب: وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ وحضّ بعضهم بعضا عليه، ومشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب! إنّ لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وقد رجوناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل، فإنّا والله لا نصبر أكثر مما صبرنا على شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، فإمّا أن تكفّه عنّا وإمّا أن ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: «يابن أخي! إنّ قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق» . لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري: وظنّ رسول الله ﷺ أنّ أبا طالب قد اضطرب في أمره، وضعف عن نصرته والقيام معه، فقال:

стр. 179

«يا عمّ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» . واستعبر رسول الله ﷺ فبكى، ثمّ قام، فلمّا ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يابن أخي! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «١» . تعذيب قريش للمسلمين: ومضى رسول الله ﷺ يدعو إلى الله، ويئست قريش منه ومن أبي طالب، ونزل غضبهم على من كان أسلم من أبناء قبائلهم، وليس لهم من يمنعهم. فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب، والجوع، والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتدّ الحرّ. وكان بلال الحبشيّ- وقد أسلم- يخرجه مولاه أميّة بن خلف، إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثمّ يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثمّ يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللّات والعزّى، فيقول- وهو في ذلك البلاء-: أحد، أحد «٢» . فمرّ به أبو بكر الصديق- ﵁ فأعطى أمية غلاما أسود أجلد منه، وأقوى، وأخذ منه بلالا وأعتقه «٣» .

стр. 180

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمّه- وكانوا أهل بيت إسلام- إذا حميت الظهيرة، يعذّبونهم برمضاء «١» مكة، فيمرّ بهم رسول الله ﷺ ويقول: «صبرا آل ياسر! موعدكم الجنة» فأمّا أمّه فقتلوها، وهي تأبى إلّا الإسلام «٢» . وكان مصعب بن عمير فتى مكة، شبابا وجمالا وتيها، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمّه غنية كثيرة المال، تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقّه، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرميّ من النعال، وكان رسول الله ﷺ يذكره ويقول: «ما رأيت بمكة أحسن لمّة «٣» ولا أرقّ حلّة، ولا أنعم نعمة، من مصعب بن عمير» . وبلغ مصعب بن عمير أنّ رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام في دار أرقم بن أبي الأرقم، فدخل عليه، فأسلم، وصدق به، فخرج، فكتم إسلامه خوفا من أمّه وقومه، فكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرّا، فبصر به عثمان بن طلحة يصلّي فأخبر أمّه وقومه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثمّ رجع مع المسلمين، حين رجعوا، فرجع متغير الحال- قد حرج- يعني غلظ- فكفّت أمّه عنه من العذل «٤» .
следующие страницы →