← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٤- ٢١٥] ، ووَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩] . فخرج رسول الله ﷺ وصعد على جبل «الصّفا» ونادى بأعلى صوته: «يا صباحاه» ، وكانت صيحة معروفة مألوفة، كلّما أحسّ إنسان بخطر عدوّ، يغير على بلد، أو على قبيلة، على غفلة منهما، نادى: «يا صباحاه» فلم تتأخّر قريش في تلبية هذا النداء، واجتمعوا إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث إليه رسوله. فقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب! أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدّقتموني؟!» . كان العرب واقعيّين عمليّين، إنّهم رأوا رجلا جرّبوا عليه الصّدق والأمانة والنصيحة، قد وقف على جبل يرى ما أمامه، وينظر إلى ما وراءه، وهم لا يرون إلّا ما هو أمامهم، فهداهم ذكاؤهم وإنصافهم إلى تصديق هذا المخبر الأمين الصّادق، فقالوا: نعم. ولمّا تمّت هذه المرحلة الطبيعية البدائية، وتحققت شهادة المستمعين، قال رسول الله ﷺ : «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» . الحكمة البليغة في الدعوة والتعليم: وكان ذلك تعريفا بمقام النبوّة، وما ينفرد به من علم بالحقائق الغيبية

стр. 177

والعلوم الوهبية، وموعظة وإنذارا، في حكمة وبلاغة لا نظير لهما في تاريخ الديانات والنبوّات، فلم تكن طريق أقصر من هذا الطريق، ولا أسلوب أوضح من هذا الأسلوب. فسكت القوم، ولكنّ أبا لهب قال: «تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلّا لهذا؟!» «١» . وقد نبّه بذلك رسول الله ﷺ بحكمة لا حكمة فوقها على أنّ العدوّ اللّدود كامن في نفوسهم، مترصّد في بيوتهم، وهو أولى بأن يخافوه ويأخذوا له عدّته، فالجهل عن خالق هذا الكون وربّ العالمين، وصفاته وأسمائه الحسنى، والوقوع في حبائل الشّرك والوثنية، وعبادة النفس والشهوات، والاسترسال إلى الأوهام والخرافات، وتعدّي الحدود، وانتهاك الحرمات، أكثر نفورا وأعظم خطرا من جيش مترصّد، وكتيبة كمينة «٢» يحسبون لها كلّ حساب، ويفزعون لها كلّ فزع. إظهار قومه العداوة وحدب أبي طالب عليه: ولمّا أظهر رسول الله ﷺ الدعوة للإسلام، وصدع بالحقّ كما أمره الله تعالى، لم يبعد منه قومه، ولم يردّوا عليه حتى ذكر آلهتهم، وعابها، فلمّا فعل ذلك، أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته. وحدب على «٣» رسول الله ﷺ عمّه أبو طالب، ومنعه وقام دونه،

стр. 178

ومضى رسول الله ﷺ في دعوته وصدعه بالحق، لا يردّه عنه شيء، ومضى أبو طالب يحدب عليه ويذود عنه. فلمّا طال ذلك، مشى رجال من قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا وإمّا أن تخلي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه، من دين وعقيدة. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا، فانصرفوا عنه «١» . بين رسول الله- ﷺ وأبي طالب: وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ وحضّ بعضهم بعضا عليه، ومشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب! إنّ لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وقد رجوناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل، فإنّا والله لا نصبر أكثر مما صبرنا على شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، فإمّا أن تكفّه عنّا وإمّا أن ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: «يابن أخي! إنّ قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق» . لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري: وظنّ رسول الله ﷺ أنّ أبا طالب قد اضطرب في أمره، وضعف عن نصرته والقيام معه، فقال:

стр. 179

«يا عمّ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» . واستعبر رسول الله ﷺ فبكى، ثمّ قام، فلمّا ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يابن أخي! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «١» . تعذيب قريش للمسلمين: ومضى رسول الله ﷺ يدعو إلى الله، ويئست قريش منه ومن أبي طالب، ونزل غضبهم على من كان أسلم من أبناء قبائلهم، وليس لهم من يمنعهم. فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب، والجوع، والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتدّ الحرّ. وكان بلال الحبشيّ- وقد أسلم- يخرجه مولاه أميّة بن خلف، إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثمّ يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثمّ يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللّات والعزّى، فيقول- وهو في ذلك البلاء-: أحد، أحد «٢» . فمرّ به أبو بكر الصديق- ﵁ فأعطى أمية غلاما أسود أجلد منه، وأقوى، وأخذ منه بلالا وأعتقه «٣» .

стр. 180

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمّه- وكانوا أهل بيت إسلام- إذا حميت الظهيرة، يعذّبونهم برمضاء «١» مكة، فيمرّ بهم رسول الله ﷺ ويقول: «صبرا آل ياسر! موعدكم الجنة» فأمّا أمّه فقتلوها، وهي تأبى إلّا الإسلام «٢» . وكان مصعب بن عمير فتى مكة، شبابا وجمالا وتيها، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمّه غنية كثيرة المال، تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقّه، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرميّ من النعال، وكان رسول الله ﷺ يذكره ويقول: «ما رأيت بمكة أحسن لمّة «٣» ولا أرقّ حلّة، ولا أنعم نعمة، من مصعب بن عمير» . وبلغ مصعب بن عمير أنّ رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام في دار أرقم بن أبي الأرقم، فدخل عليه، فأسلم، وصدق به، فخرج، فكتم إسلامه خوفا من أمّه وقومه، فكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرّا، فبصر به عثمان بن طلحة يصلّي فأخبر أمّه وقومه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثمّ رجع مع المسلمين، حين رجعوا، فرجع متغير الحال- قد حرج- يعني غلظ- فكفّت أمّه عنه من العذل «٤» .

стр. 181

وكان بعض المسلمين قد دخل في جوار بعض المشركين، من أشراف قريش ورؤسائهم، وكانوا يمنعونهم ويحمونهم. وكان عثمان بن مظعون قد دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ثمّ أبت غيرته ذلك، فردّ عليه جواره، وكان وفيا كريم الجوار، وقال: قد أحببت ألا أستجير بغير الله، ودار بينه وبين أحد المشركين حديث أغضب المشرك، فقام إليه ولطم عينه، فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ذلك، فقال: أما والله يا بن أخي! إن كانت عينك عمّا أصابها لغنية، لقد كنت في ذمّة منيعة، قال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإنّي لفي جوار من هو أعزّ منك وأقدر، يا أبا عبد شمس «١» . ولمّا أسلم عثمان بن عفانّ- ﵁ أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص بن أميّة، فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملّة آبائك إلى دين محدث؟ والله! لا أحلّك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين، فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه، فلمّا رأى الحكم صلابته في دينه تركه «٢» . ويقول خبّاب بن الأرتّ: لقد رأيتني يوما أخذوني فأوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما اتقيت الأرض- أو قال برد الأرض- إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره، فإذا هو قد برص «٣» .

стр. 182

محاربة قريش لرسول الله- ﷺ وتفنّنهم في الإيذاء: فلمّا لم تلق قريش نجاحا في صرف هؤلاء الفتيان الذين أسلموا، عن دينهم، ولم يلن رسول الله ﷺ ولم يحابهم، اشتدّ عليهم ذلك، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالسّحر والشّعر، والكهانة والجنون، وتفنّنوا في إيذاء رسول الله ﷺ وذهبوا فيه كلّ مذهب. وكان أشرافهم مجتمعين يوما في الحجر «١» ، إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ومرّ بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، وعادوا بذلك ثلاث مرّات، فوقف ثمّ قال: أتسمعون يا معشر قريش؟، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذّبح، فأسكت القوم، فلا حراك بهم، وصاروا يلاطفونه بالقول. فلمّا كان من الغد، وهم في مقامهم، طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، وأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر- ﵁ دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول: ربّي الله؟! فانصرفوا عنه، ورجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه، وقد جرّوه بلحيته «٢» . وخرج رسول الله ﷺ يوما فلم يلقه أحد من الناس، إلا كذّبه وآذاه،

стр. 183

لا حرّ ولا عبد، فرجع رسول الله ﷺ إلى منزله، فتدثّر من شدّة ما أصابه، فأنزل الله تعالى عليه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «١» [المدثر: ١] . ما فعل كفّار قريش بأبي بكر: وقام أبو بكر يوما في الناس، يدعو إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر فوطىء، وضرب ضربا شديدا، وجعل عتبة بن ربيعة يضربه بنعلين مخصوفتين يحرفهما بوجهه حتى ما يعرف وجهه من أنفه. وحملت بنو تيم أبا بكر، وهم لا يشكّون في موته، وتكلّم آخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله ﷺ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا، أو تسقيه إياه، فلمّا خلت به ألحّت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب، فخرجت حتى أتت أمّ جميل، فمضت معها، ودنت منه أمّ جميل وهي ممن أسلم فسألها عن رسول الله ﷺ قالت: هذه أمّك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: فإنّ لله عليّ ألا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ﷺ ، فأمهلتا، حتى إذا هدأت الرّجل، وسكن الناس، خرجتا به يتّكىء عليهما، حتى أدخلتاه، ورقّ له رسول الله ﷺ رقة شديدة فقال أبو بكر: بأبي وأمّي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال مني الفاسق من وجهي، وهذه أمّي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع لها عسى أن يستنقذها بك من النار، فدعا رسول الله ﷺ لأمّه، ودعاها إلى الله، فأسلمت «٢» .

стр. 184

حيرة قريش في وصف رسول الله- ﷺ -: وحارت قريش في أمر رسول الله ﷺ بماذا يصفونه، وكيف يحولون بينه، وبين من يقصده، أو يستمع إليه، من الوافدين من بعيد، واجتمعوا إلى الوليد ابن المغيرة- وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم- فقال لهم: يا معشر قريش! إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا، ودار بينهم حديث طويل وأخذ وردّ. ولم يرض الوليد بما عرضوه، ونقضه، فرجعوا إليه وقالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟! قال: إن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بسحر، يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس، حين قدموا الموسم، لا يمرّ أحد إلا وحذّروه إياه، وذكروا له أمره «١» . قسوة قريش في إيذاء رسول الله ﷺ ومبالغتهم في ذلك: وتفنّنت قريش، وقسوا في إيذاء رسول الله ﷺ فلم يرعوا فيه قرابة، وتخطّوا حدود الإنسانية. فبينا النبيّ ﷺ ساجد- ذات يوم- في المسجد، وحوله ناس من قريش، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور «٢» ، فقذفه على ظهر النبيّ ﷺ فلم يرفع

стр. 185

رأسه، فجاءت ابنته «فاطمة» ﵍ فأخذته من ظهره، ودعت على من صنع هذا، ودعا عليهم النبيّ ﷺ «١» . إسلام حمزة بن عبد المطلب: ومرّ أبو جهل برسول الله ﷺ ذات يوم عند «الصّفا» فاذاه وشتمه، فلم يكلّمه رسول الله ﷺ فانصرف عنه. ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحا «٢» قوسه، راجعا من قنص له، وكان أعزّ فتى في قريش، وأشدّ شكيمة، وأخبرته مولاة عبد الله بن جدعان بما جرى لرسول الله ﷺ فاحتمل حمزة الغضب، ودخل المسجد، ورأى أبا جهل جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس، فضربه بها، فشجّه شجّة منكرة، ثمّ قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ فسكت أبو جهل، وأسلم حمزة، وعزّ ذلك على قريش لمكانته وشجاعته «٣» . ما دار بين عتبة وبين رسول الله ﷺ : ولمّا رأت قريش أنّ أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون استأذن عتبة ابن ربيعة قريشا، أن يأتي رسول الله ﷺ فيكلّمه، ويعرض عليه أمورا، لعلّه يقبل بعضها، فيعطونها، ويكفّ عنهم، وأذنت له قريش، واستخلفته.

стр. 186

وجاء عتبة إلى رسول الله ﷺ فجلس إليه، وقال: يابن أخي! إنّك منّا حيث قد علمت، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلّك تقبل منها بعضها. فقال رسول الله ﷺ : «قل يا أبا الوليد! أسمع» . قال: يابن أخي! إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا، سوّدناك علينا، حتّى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيّا «١» تراه، لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك أطباء، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرّئك منه. فلمّا فرغ عتبة، قال رسول الله ﷺ : «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» . قال: نعم. قال: فاسمع منّي. قال: أفعل. فقرأ رسول الله ﷺ آيات من سورة فُصِّلَتْ إلى السجدة، فلمّا سمع منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره، معتمدا عليهما، يسمع منه، فلمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، سجد، ثمّ قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمّا جلس إليهم، قالوا: ما وراءك

стр. 187

يا أبا الوليد؟! قال: ورائي أنّي قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم «١» . هجرة المسلمين إلى الحبشة: ولمّا رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنّه لا يقدر على أن يمنعهم، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكا، لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتّى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرجت عند ذلك جماعة من المسلمين إلى أرض الحبشة، فكانت أوّل هجرة في الإسلام، وكانوا عشرة رجال وأربع نسوة فيهم عثمان بن عفّان وزوجه رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، أمّروا عليهم عثمان بن مظعون. ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون، حتّى اجتمعوا بأرض الحبشة، منهم من خرج بأهله، ومنهم من خرج بنفسه، وكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا «٢» . ولم تكن الغاية الوحيدة من الهجرة إلى الحبشة الخلاص من أذى قريش، بل كانت مقترنة بالدعوة إلى الإسلام والتخفيف من هموم النبيّ ﷺ . واستعراض قائمة المهاجرين يدلّ على سعة الدائرة البشرية وتنوّعها

стр. 188

خريطة الهجرة إلى الحبشة

стр. 189

وشمولها للطبقات والمستويات في المجتمع المكيّ، ففيها الغنيّ والفقير، والكهل والشّابّ، والرجال والنساء، وينتمي أغلبهم إلى أسر مكيّة عريقة، فدلّ على شدّة تأثير الدعوة وقوتها وشمولها. تعقّب قريش للمسلمين: ولمّا رأت قريش أنّ هؤلاء قد أمنوا واطمأنّوا بأرض الحبشة، بعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشيّ ولبطارقته «١» ، مما يستطرف من متاع مكّة، وقدما على النجاشيّ، وقد استمالا البطارقة، وأرضياهم بهداياهم، وتكلّما في مجلس الملك، فقالا: إنّه لجأ إلى بلد الملك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم، فهم أبصر بهم وأقرب إليهم، وقالت البطارقة حوله: صدقا أيّها الملك، فأسلمهم إليهما. فغضب النّجاشيّ، وأبى أن يقبل كلامهم، ويسلم من لجأ إليه وإلى بلاده، وحلف بالله، وأرسل إلى المسلمين، فدعاهم، ودعا أساقفته «٢» ، وقال للمسلمين: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم؟ ولم تدخلوا في ديني ودين أحد من هذه الملل؟. تصوير جعفر بن أبي طالب للجاهلية وتعريفه بالإسلام: وقام جعفر بن أبي طالب- وهو ابن عمّ رسول الله ﷺ فقال له:

стр. 190

«أيّها الملك! كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث الله إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده، ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام- فعدّد عليه أمور الإسلام- فصدّقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان، من عبادة الله تعالى، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث. فلمّا قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيّها الملك!» . وسمع النجاشيّ كلّ ذلك في هدوء ووقار، ثمّ قال: هل معك ممّا جاء به صاحبكم عن الله من شيء؟. قال جعفر: نعم. قال النجاشيّ: فاقرأه عليّ.

стр. 191

فقرأ جعفر صدرا من سورة مريم، فبكى النجاشيّ، حتى اخضلّت «١» لحيته، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم «٢» . إنّ كلام جعفر بن أبي طالب أمام ملك الحبشة، وتصويره للإسلام، كلام حكيم قد جاء في أوانه ومكانه، وقد دلّ على بلاغة صاحبه العقلية، قبل أن يدلّ على بلاغته العربيّة البيانيّة، ولا يعلّل ذلك إلّا بإلهام من الله وتأييد هذا الدين الذي أراد الله أن يتمّ نوره، وأن يظهره على كلّ دين، ويدلّ كذلك على سلامة الفطرة، ورجاحة العقل، اللتين فاق فيهما بنو هاشم قريشا، وفاقت فيهما قريش العرب كلّهم، فقد فضّل جعفر أن يكون جوابه حكاية حال لما كان عليه أهل الجاهلية في الجزيرة العربية، ولما آل إليه أمرهم بعد ما أرسل الله رسوله فيهم، ودعا إلى الله وإلى الدين الحنيفي السمح، ومكارم الأخلاق، وآمنوا به واتّبعوه، وحكاية الحال- خصوصا إذا لم يجانب فيه صاحبها الصواب- أبعد شيء عن المناقشة والمناظرة، وأقدر شيء على غرس المعاني المقصودة، وتحقيق الأهداف المنشودة، والتهيّؤ للتأمّل والإنصاف وحسن الاستماع «٣» . خيبة وفد قريش: ثمّ قال النجاشيّ: إنّ هذا والذي جاء به عيسى، يخرج من مشكاة واحدة، ثمّ أقبل على رسولي قريش، فقال: انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكم، ولا يكادون.

стр. 192

وأطلق عمرو بن العاص آخر سهم من سهام جعبته، وهو سهم مسموم، فغدا على النجاشيّ من الغد، وقال له: أيها الملك! إنّهم ليقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأقبل الملك على المسلمين، فقال: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟. قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه ما جاء به نبيّنا ﷺ هو عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشيّ بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثمّ قال: والله ما زاد عيسى ابن مريم على ما قلت مقدار هذا العود. وردّ المسلمين ردّا كريما، وأمّنهم، وأمر بردّ هدايا رسولي قريش، وخرجا من عنده مقبوحين «١» ، فأقام المسلمون بخير دار مع خير جار. وقد هاجم النجاشيّ عدوّ له، فانتصر المهاجرون المسلمون للنجاشيّ اعترافا بحسن موقفه من المهاجرين المضطهدين ومكافأته على حسن صنيعه «٢» ، وكان ذلك مطابقا لتعاليم الإسلام الخلقيّة ولائقا بأخلاق المسلمين. وكانت هذه الهجرة إلى الحبشة سنة خمس بعد النبوّة، وقد بقي جعفر بن أبي طالب مع عدد من أصحابه إلى سنة ٧ من الهجرة، فقد قدم جعفر بن أبي طالب على رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فكان بقاؤه في الحبشة خمس عشرة سنة، وهي مدّة طويلة، لا بدّ أنّ جعفرا قد انتفع بها في الدعوة إلى الإسلام، والتعريف به في بلد امتاز عن كثير من البلاد النصرانية بالتسامح وإيواء

стр. 193

المضطهدين، وعرف حاكمه بالعدل والإنسانية، ولكنّ العهد لم يكن عهد تسجيل الحوادث، وليست أمامنا وثائق تاريخية تثبت ذلك، ولكنّ القياس يقتضيه. إسلام عمر بن الخطّاب ﵁: وأيّد الله الإسلام والمسلمين بإسلام عمر بن الخطّاب العدويّ القرشيّ، وكان رجلا مهيبا، ذا قوّة وشكيمة، وكان رسول الله ﷺ حريصا على إسلامه، يدعو الله لذلك. وكان من خبر إسلامه أنّ أخته «فاطمة» بنت الخطاب أسلمت وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وكانا يخفيان إسلامهما من عمر، لهيبته وشدّته على الإسلام والمسلمين، وكان خبّاب بن الأرتّ يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن. فخرج عمر يوما متوشّحا سيفه، يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه، قد ذكر له أنّهم اجتمعوا في بيت عند «الصّفا» فلقيه نعيم بن عبد الله- وهو من قومه بني عديّ، وكان قد أسلم- فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدا هذا الصّابىء، الذي فرق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: لقد غرّتك نفسك يا عمر! أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتقيم أمرهم؟ قال عمر: وأيّ أهل بيتي؟! قال: ختنك وابن عمّك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطّاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.

стр. 194

ورجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خبّاب بن الأرتّ، ومعه صحيفة، فيها سورة طه يقرئها إيّاها، فلمّا سمعوا حسّ عمر، تغيب خبّاب في مخدع لهم «١» ، وأخذت فاطمة الصحيفة وجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خبّاب، فلمّا دخل، قال: ما هذه الهينمة «٢» ؟. قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى، والله لقد أخبرت أنّكما تابعتما محمّدا على دينه. وبطش عمر بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة، لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجّها. فلمّا فعل ذلك، قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! ولمّا رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما صنع، وتوقّف وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، وكان عمر قارئا، فلمّا قال ذلك، قالت له أخته: إنّا نخشاك عليها. قال: لا تخافي، وحلف لها بالهته، فلمّا قال ذلك، طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي! إنك نجس على شركك وإنّه لا يمسّها إلا الطاهر. فقام عمر، فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها طه، فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام، وأكرمه!.

стр. 195

فلمّا سمع ذلك خبّاب، خرج إليه، وقال له: يا عمر! والله إنّي لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه، فإنّي سمعته أمس، وهو يقول: «اللهمّ أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام (يعني أبا جهل) أو بعمر بن الخطاب» فالله الله يا عمر «١» . عند ذلك قال له عمر: فدلّني يا خبّاب على محمّد، حتى آتيه فأسلم، قال خبّاب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه، فتوشّحه، ثمّ عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلمّا سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب، فرآه متوشّحا بالسّيف. فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب، متوشّحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن جاء يريد شرّا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : «ائذن له» ، فأذن له الرجل. ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته «٢» ، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذة شديدة، وقال: «ما جاء بك يابن الخطّاب؟، فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة» . فقال عمر: يا رسول الله! جئتك لأؤمن بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله.

стр. 196

قال: فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف منها أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أنّ عمر قد أسلم «١» . وعزّ المسلمون في أنفسهم، حينما أسلم عمر، وقد أسلم حمزة من قبل، وعرفوا وقع ذلك في نفوس الكفّار من قريش، وأثره في حياة مكة، ولم يكونوا على خطأ، فلم يستثقل المشركون إسلام أحد ولم يحسبوا له حسابا، مثل ما فعلوا عند إسلام عمر- ﵁. وأعلن عمر إسلامه، وشاع ذلك في قريش، وقاتلوه وقاتلهم «٢» ، حتى يئسوا منه «٣» . مقاطعة قريش لبني هاشم والإضراب عنهم: وجعل الإسلام يفشو في القبائل، فاجتمعت قريش، وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على ألّا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعونهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فلمّا اجتمعوا لذلك، كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا، وتواثقوا على ذلك، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدا على أنفسهم. في شعب أبي طالب: فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي

стр. 197

طالب، فدخلوا معه في شعبه «١» ، وذلك في محرّم سنة سبع من النبوّة. وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطّلب، وكان مع قريش. وأقام بنو هاشم على ذلك حتّى جهدوا من ضيق الحصار، وأكلوا ورق السّمر «٢» ، وأطفالهم يتضاغون من الجوع، حتّى يسمع بكاؤهم من بعيد، وقريش تحول بينهم وبين التجار، فيزيدون عليهم في السّلعة أضعافا، حتّى لا يشتروها. ومكثوا على ذلك نحو ثلاث سنوات «٣» ، لا يصل إليهم شيء إلا سرّا، ممن أراد صلتهم من قريش، ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرّا وجهارا، وبنو هاشم صابرون محتسبون. نقض الصحيفة وإنهاء المقاطعة: وقام نفر من قريش، من أهل المروءة والضّمائر، في مقدّمتهم هشام بن عمرو بن ربيعة، فكرهوا هذا التعاقد الظالم، وعافته نفوسهم، وكان هشام رجلا واصلا، وكان ذا شرف في قومه، فمشى إلى رجال من قريش، أنس فيهم الرقة والرجولة، فاستثار حميتهم وإنسانيتهم لنقض الصحيفة والخروج من هذا التعاقد الظالم، ولمّا كانوا خمسة اجتمعوا وتعاقدوا على نقض الصحيفة. فلمّا كانت قريش في أنديتها من غد، قام زهير بن أبي أميّة، وكانت أمّه «عاتكة» بنت عبد المطلب، وأقبل على الناس، قال: يا أهل مكّة! أنأكل

стр. 198

الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع لهم ولا يبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة الظالمة. وتدخّل أبو جهل في الحديث، فلم يفد، وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلّا «باسمك اللهم» وكان النبيّ ﷺ قد أخبر بذلك أبا طالب، ومزقت الصحيفة وبطل ما فيها «١» . وفاة أبي طالب وخديجة ﵄: ومات أبو طالب وخديجة في عام واحد- العام العاشر من النبوّة- وهما من عرفنا من حسن الصحبة والوفاء والنصر والتأييد، ولم يسلم أبو طالب، وتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب «٢» . وقع القرآن في القلوب السليمة: وقدم الطّفيل بن عمرو الدّوسيّ مكة، وكان رجلا شريفا، وشاعرا لبيبا، فحالت قريش بينه وبين رسول الله، وخوّفوه من الدّنوّ إليه، وسماع كلامه، وقالوا: إنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنّه ولا تسمعنّ منه شيئا. يقول الطّفيل: والله ما زالوا بي حتى أجمعت ألّا أسمع منه شيئا، ولا أكلّمه، حتى حشوت في أذني قطنا، وغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلّي عند الكعبة، فقمت منه قريبا، فأبى الله إلّا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إنّي

стр. 199

لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنا، قبلته، وإن كان قبيحا تركته. ودخل الطفيل على رسول الله ﷺ في بيته، وحكى له القصّة، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليه القرآن، فأسلم، ورجع إلى قومه داعيا إلى الإسلام، وأبى أن يساكن أهله حتى يسلموا، فدخلوا في الإسلام جميعا، ودعا دوسا إلى الإسلام، وفشا الإسلام فيهم «١» . وكان أبو بكر- ﵁ يعبد ربّه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ثمّ بدا له فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف «٢» عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدّغنة الذي أجاره، فقدم عليهم، فقالوا: إنّا كنّا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربّه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنّا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فانهه فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره، فعل، وإن أبى إلّا أن يعلن بذلك، فسله أن يردّ إليك ذمّتك، فإنا كرهنا أن نخفرك «٣» ، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان. فلمّا أخبره ابن الدّغنة بما قالت قريش، قال أبو بكر: فإنّي أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله «٤» .

стр. 200

الخروج إلى الطّائف وما لقي فيها من الأذى: ولمّا مات أبو طالب نال رسول الله ﷺ من قريش من الأذى ما لم تكن تطمع فيه قريش، في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا. ولمّا اشتدّ أذى قريش، وانصرافهم عن الإسلام، وزهدهم فيه، خرج رسول الله ﷺ إلى الطّائف، يلتمس النصرة من ثقيف وأن يدخلوا في الإسلام، وكان له أمل في أهل الطائف «١» ، ولا غرابة في ذلك فإنّه رضع في بني سعد وهم بمقربة من الطائف وفيهم مراضعه وحواضنه. أضواء على الطائف: ولمّا كانت مدينة الطّائف هي المدينة الثالثة الكبيرة (بعد مكة ويثرب) التي سعدت بقدوم النبيّ ﷺ إليها، وقد كانت هذه الرحلة في سبيل الدعوة حدثا كبيرا، ليس في السيرة النبوية وحدها بل في تاريخ النبوات والدعوات وقد قصدها مرّتين، الأولى في شوّال في السنة العاشرة بعد البعثة، والثانية في شوال في السنة الثامنة بعد الهجرة- استحقّت- أكثر من مدينة أخرى في الجزيرة- أن تلقى عليها بعض الأضواء لتعرف مكانتها التاريخيّة والجغرافيّة والاجتماعيّة، وإلى القارىء بعض المعلومات عنها: تقع مدينة الطائف على مسافة خمسة وسبعين ميلا تقريبا إلى الجنوب

стр. 201

خريطة طريق رسول الله ﷺ إلى الطائف

стр. 202

الشرقيّ من مكة «١» ، وهي واقعة على ظهر جبل غزوان، ويبلغ ارتفاع هذا الجبل نحو ستة آلاف قدم «٢» . واسم الطائف مأخوذ من السّور أو الحائط الذي كان يحيط ويطوف بالمدينة، وكان الاسم القديم لهذه المدينة هو «وجّ» «٣» . وكان أثرياء قريش ووجوهها قد ابتنوا قصورا في الطائف، وكانوا يقضون فيها شهور الصيف القائظة. وكان للعبّاس بن عبد المطلب عقارات بالطائف، يقول البلاذريّ «٤» : «كانت لعامّة قريش أموال بالطائف يأتونها من مكة فيصلحونها» . وأدّى الثراء الواسع إلى فساد اجتماعيّ، فاشتهر أثرياء الطائف بأنّهم أصحاب ربا وزنى وخمر، وانتشرت فيها صناعة الخمور وصناعة الزبيب، ودبغ الجلود، وصناعة العطور، وتوافرت فيها موارد المياه، وخصوبة الأرض، فكثرت البساتين، وطابت الثمار، وتنوعت الفواكه، وانتشرت الزراعة وغرس الأشجار، وهو الشأن إلى الآن. وكانت مصيفا للمتنعمين، وظلّت كذلك إلى العهد الإسلاميّ فما بعده، يقول الشاعر الأمويّ عمر بن أبي ربيعة: [من مجزوء الكامل] تشتو بمكّة نعمة ... ومصيفها بالطّائف

стр. 203

ولمّا كان أهل الطائف أصحاب أملاك وبساتين، وثراء ورخاء، أورثهم كلّ ذلك الكبر والبطر، وجعلهم مصداقا لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ: ٣٤- ٣٥] . وانفردت ثقيف بالسيادة في الطائف، وأصبحت من أعظم القبائل العربيّة، التي يضرب بقوّتها وثروتها المثل، وكانت من قبائل العرب المستعربة أي العرب العدنانية. وكانت بين ثقيف وقريش منافسة في مجال الدين، ورئاسة الأوثان وشعبيّتها، وكانت تنظر إلى وثنها (اللات) كمنافس لهبل، بل للكعبة، فأقامت حوله حرما، وأحاطته بنفس مظاهر التقديس وشعائر الدين، التي كانت مختصة بالكعبة. وحين زحف أبرهة بجيشه إلى مكة انفردت ثقيف بموقف التأييد له، وبعثت معه أبا رغال دليلا للجيش على الطريق إلى مكة، وقد مات هذا الدليل في الطريق، وأبغضه العرب ورجموا قبره «١» . وكان الثّقفيون أرغد العرب عيشا كما قال (ياقوت) ، وكان هواهم مع بني أمية، وقد التقوا على حبّ الثراء والجاه، والتوسّع في التجارة، وقد قال رسول الله ﷺ : «قريش والأنصار حليفان، وبنو أميّة وثقيف حليفان» «٢» . وكان عروة بن مسعود- وهو سيّد ثقيف- زوج آمنة بنت أبي سفيان،

стр. 204

وكان له منها داود بن عروة «١» ، وذهب كثير من المفسّرين أنّه المعنيّ في قوله تعالى حكاية عن أهل مكّة: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «٢» [الزخرف: ٣١] . وقد نبغ في ثقيف الحارث بن كلدة، وقد رحل إلى فارس، وتعلّم الطّبّ، واشتهر طبّه بين العرب، واشتهر بعده ابنه النضر وهو ابن خالة الرسول ﷺ «٣» ، وقد تجوّل في عدّة أقطار وصحب الأحبار والكهنة، وكان له إلمام بعلوم الفلسفة والحكمة، وأخذ الطبّ من أبيه، وكان النضر كثير العداء والحسد للنبيّ ﷺ «٤» . واشتهر فيهم أمية بن أبي الصّلت، وكان من الشّعراء المخضرمين الذين عاصروا الجاهلية والإسلام، اطلع على كتب القدماء وخاصة التوراة، وكان في مقدمة الحنفاء، فلمّا بعث رسول الله ﷺ سقط في يده، وكفر به حسدا، وأخذ يحرّض على الرسول، ويرثي قتلى أعدائه في وقعة بدر، له في التوحيد والحكمة شعر كثير، وفيه يقول النبيّ ﷺ : «آمن شعره وكفر قلبه» «٥» . وممّا يذكر لثقيف من الماثر أنّه ارتدّ غالب العرب بعد وفاة النبيّ ﷺ إلا قريشا وثقيفا، يقول الحافظ ابن كثير: «وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على

стр. 205

الإسلام لم يفرّوا، ولا ارتدّوا» «١» ، وكان لهم أثر وبلاء في الحروب الإسلاميّة ومواقف بطولية محمودة. وقد قصد رسول الله ﷺ الطائف، إمّا لأنّه المركز الثاني للقوّة والسيادة في الحجاز بعد مكة، أو لأن أخواله من بني ثقيف، فرأى أن يخرج إلى الطائف، «يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه» «٢» . وما كان النبيّ ﷺ وهو ابن مكّة الواعي- يجهل الصّلات الوطيدة بين مكّة والطائف وتزاور أبنائهما، وإنّ أخبار تكذيب قريش له وتصدّيهم بالأذى قد بلغت الطائف، ولكنّه تجشّم هذه الرحلة حرصا على تبليغ الرسالة وانتشار الدعوة، وذلك يدلّ على علوّ همّته النبويّة وشدة توكّله على الله، وأمله في الفطرة البشريّة السليمة. وقد خرج الرسول ﷺ إلى الطائف في شهر شوال في السنة العاشرة بعد البعثة النبويّة «٣» ، ويذكر ابن سعد «٤» وابن الأثير «٥» ، والمقريزي «٦» ، أنّ الرسول ﷺ قد استصحب في رحلته إلى الطائف مولاه زيد بن حارثة «٧» .

стр. 206

في الطائف: وكانت الطائف تلو مكة في الأهمية، واتساع العمران، ورفاهية السكان، ونقل القرآن مقالة الخصوم من قريش فقال: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] . وكانت مستقرّ عبادة (اللّات) وكان صنما يعبد ويحجّ إليه، وكانت تضارع في ذلك مكة التي كانت مستقرّ عبادة «هبل» صنم قريش الأكبر. فلمّا قدم رسول الله ﷺ الطائف، عمد إلى نفر من سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، فكان ردّهم شرّ ردّ، واستهزؤوا به ﷺ وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به، ويرجمونه بالحجارة، فعمد إلى ظلّ نخلة، وهو مكروب، فجلس فيه، وكان ما لقي في الطائف أشدّ ما لقيه من المشركين، وقعد له أهل الطائف صفّين على طريقه، فلمّا مرّ جعلوا لا يرفع رجليه إلا رموها بالحجارة، حتى أدموه، وهما تسيل منهما الدّماء، وفاض قلبه ولسانه بدعاء شكا فيه إلى الله ضعف قوته، وقلّة حيلته، وهوانه على الناس، واستعاذ بالله تعالى وبنصره وتأييده، فقال: «اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني «١» ؟ أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا

стр. 207

والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى «١» حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلا بالله» «٢» . فأرسل الله إليه ملك الجبال، يستأذنه في أن يطبق الأخشبين «٣» ، فقال له رسول الله ﷺ : «بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «٤» . ولمّا رآه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وما لقي، تحرّكت لهما المروءة، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له «عدّاس» فقالا له: خذ قطفا من العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرّجل، فقل له يأكل منه، ففعل «عداس» ، وأسلم بما سمعه من حديث رسول الله ﷺ ورأى من أخلاقه «٥» . وانصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى مكّة، وقومه أشدّ ما كانوا عليه من خلاف وعداء، وسخرية واستهزاء.

стр. 208

الإسراء والمعراج ثمّ أسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى «١» ، ومنه إلى ما شاء الله من القرب والدنوّ، والسير في السموات، ومشاهدة الآيات، والاجتماع بالأنبياء: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٢» [النجم: ١٧- ١٨] . فكانت ضيافة كريمة من الله، وتسلية وجبرا للخاطر، وتعويضا عما لقيه في الطائف من الذلّة والهوان، والجفاء والنكران. فلمّا أصبح غدا على قريش، فأخبرهم الخبر، فأنكروا ذلك، واستعظموه وكذّبوه، واستهزؤوا به، وأمّا أبو بكر فقال: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟ فو الله إنّه ليخبرني أنّ الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فأصدقه، فهذا أبعد ممّا تعجبون منه «٣» .

стр. 209

معاني الإسراء والمعراج العميقة ومراميها البعيدة: ولم يكن الإسراء مجرّد حادث فرديّ بسيط رأى فيه رسول الله ﷺ الآيات الكبرى، وتجلّت له ملكوت السموات والأرض مشاهدة وعيانا، بل زيادة إلى ذلك اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان عميقة دقيقة كثيرة، وإشارات حكيمة بعيدة المدى. فقد ضمّت قصة الإسراء وأعلنت السّورتان الكريمتان اللّتان نزلتا في شأنه وتسمّى سورة الإسراء وسورة النجم أنّ محمدا ﷺ هو نبيّ القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكّة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وصلّى الأنبياء خلفه، فكان هذا إيذانا بعموم رسالته

стр. 210

وخلود إمامته وإنسانيّة تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان، وأفادت هذه السورة الكريمة تعيين شخصية النبيّ ﷺ ووصف إمامته وقيادته وتحديد مكانة الأمة التي بعث فيها وآمنت به، وبيان رسالتها ودورها الذي ستمثله في العالم، ومن بين الشّعوب والأمم. وجاء الإسراء خطا فاصلا بين الناحية الضيّقة المحليّة المؤقّتة وبين الشخصيّة النبويّة الخالدة العالميّة، فإن كان الرسول- ﵊ زعيم أمة، أو قائد إقليم، أو منقذ عنصر، أو مؤسّس مجد، لم يكن في حاجة إلى الإسراء والمعراج، ولم يكن في حاجة إلى سياحة في عالم الملكوت، ولم يكن في حاجة إلى أن تتصل بسببه الأرض والسماء اتصالا جديدا، لقد كان له في أرضه التي يعيش فيها وفي محيطه الذي يكافح فيه، وفي مجتمعه الذي يسعى لإسعاده، غنى وسعة، لا يفكر في غيره، ولا يتجاوز إلى رقعة أخرى من الأرض فضلا عن السموات العلا، وسدرة المنتهى، وفضلا عن المسجد الأقصى الذي يبعد عن بلده بعدا كبيرا، والذي كان في ولاية الديانة المسيحيّة وحكومة الأمة الرومية القوية. وجاء الإسراء، وأعلن أن محمدا ﷺ ليس من طراز القادة والزعماء الذين لا تتجاوز مواهبهم، وجهودهم، ودوائر كفاحهم حدود الشعوب والبلاد، ولا تسعد بهم إلا الشعوب التي يولدون فيها، والبيئات التي ينبعون منها، إنّما هو من جماعة الأنبياء والرّسل الذين يحملون رسالات السماء إلى الأرض، ويحملون رسالات الخالق إلى الخلق، وتسعد بهم الإنسانيّة على اختلاف شعوبها وطبقاتها وعهودها وأجيالها. فرض الصّلوات: وفرض الله عليه وعلى أمّته خمسين صلاة في كلّ يوم، وما زال رسول الله

стр. 211

صلى الله عليه وسلم يسأله التخفيف، حتى جعلها الله خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، من أدّاهنّ إيمانا واحتسابا كان له أجر خمسين صلاة «١» . عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل: وبدأ رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى أن يمنعوه من الأعداء، ويقول: يا بني فلان! إنّي رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا به، وتصدّقوا به، وتمنعوني حتّى أبين عن الله ما بعثني به. فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، قام أبو لهب، فقال: يا بني فلان! إنّ هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللّات والعزّى من أعناقكم، وحلفائكم من الجنّ، إلى ما جاء به من البدعة والضّلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه «٢» . الطريق إلى الإسلام: وكان الطريق إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام مفروشا بالأشواك، محفوفا بالمخاوف والأخطار، لا يهتدي إليه الباحث عن الحقّ إلا إذا خاطر بنفسه، وجازف بحياته، يدلّ على ذلك ما حكاه ابن عباس- رضي الله

стр. 212

عنهما- من قصّة قدوم أبي ذرّ الغفاريّ إلى مكّة ولقائه للرسول ﷺ ودخوله في الإسلام: «عن ابن عبّاس- ﵄ لمّا بلغ أبا ذر مبعث النبيّ ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثمّ ائتني، فانطلق الأخ، حتى قدمه وسمع من قوله، ثمّ رجع إلى أبي ذرّ- ﵄ فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردت. فتزوّد وحمل شنة «١» له، فيها ماء، حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبيّ ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه عليّ فعرف أنّه غريب، فلمّا رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثمّ احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظلّ ذلك اليوم، ولا يراه النبيّ ﷺ حتّى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمرّ به عليّ- ﵁ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتّى إذا كان اليوم الثالث، فعاد عليّ على مثل ذلك، فأقام معه، ثمّ قال: ألا تحدّثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّني، فعلت، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبيّ ﷺ ودخل معه، وسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبيّ ﷺ : ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتّى يأتيك أمري، قال: والذي نفسي بيده لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله

стр. 213

إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، ثمّ قام القوم، فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس، فأكبّ عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنّه من «غفار» وأنّ طريق تجّاركم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثمّ عاد من الغد لمثلها فضربوه، وثاروا إليه فأكبّ العباس عليه» «١» .

стр. 214

الفصل الرابع الهجرة إلى المدينة إسلام الأنصار بيعة العقبة الأولى خصائص المدينة المنوّرة (يثرب) بيعة العقبة الثانية الإذن بالهجرة إلى المدينة تامر قريش على رسول الله ﷺ هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة

стр. 215

الهجرة إلى المدينة بدء إسلام الأنصار: خرج رسول الله ﷺ في الموسم، فبينما هو عند العقبة، إذ لقي رهطا من الخزرج من الأنصار، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكانوا جيران اليهود في المدينة، وكانوا يسمعونهم يخبرون بنبيّ قد أظلّ زمانه «١» ، فقال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلمون والله أنّه النبيّ الذي توعّدكم به اليهود، فلا يسبقنّكم إليه، فأجابوه، وصدّقوه، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك «٢» . وانصرفوا راجعين إلى بلادهم، وآمنوا، وصدّقوا، فلمّا قدموا المدينة ذكروا لإخوانهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام، حتّى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ «٣»
следующие страницы →