صلى الله عليه وسلم يسأله التخفيف، حتى جعلها الله خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، من أدّاهنّ إيمانا واحتسابا كان له أجر خمسين صلاة «١» .
عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل:
وبدأ رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى أن يمنعوه من الأعداء، ويقول: يا بني فلان! إنّي رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا به، وتصدّقوا به، وتمنعوني حتّى أبين عن الله ما بعثني به.
فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، قام أبو لهب، فقال: يا بني فلان! إنّ هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللّات والعزّى من أعناقكم، وحلفائكم من الجنّ، إلى ما جاء به من البدعة والضّلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه «٢» .
الطريق إلى الإسلام:
وكان الطريق إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام مفروشا بالأشواك، محفوفا بالمخاوف والأخطار، لا يهتدي إليه الباحث عن الحقّ إلا إذا خاطر بنفسه، وجازف بحياته، يدلّ على ذلك ما حكاه ابن عباس- رضي الله
стр. 212
عنهما- من قصّة قدوم أبي ذرّ الغفاريّ إلى مكّة ولقائه للرسول ﷺ ودخوله في الإسلام:
«عن ابن عبّاس- ﵄ لمّا بلغ أبا ذر مبعث النبيّ ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثمّ ائتني، فانطلق الأخ، حتى قدمه وسمع من قوله، ثمّ رجع إلى أبي ذرّ- ﵄ فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردت.
فتزوّد وحمل شنة «١» له، فيها ماء، حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبيّ ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه عليّ فعرف أنّه غريب، فلمّا رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثمّ احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظلّ ذلك اليوم، ولا يراه النبيّ ﷺ حتّى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمرّ به عليّ- ﵁ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتّى إذا كان اليوم الثالث، فعاد عليّ على مثل ذلك، فأقام معه، ثمّ قال: ألا تحدّثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّني، فعلت، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبيّ ﷺ ودخل معه، وسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبيّ ﷺ : ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتّى يأتيك أمري، قال: والذي نفسي بيده لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله
стр. 213
إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، ثمّ قام القوم، فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس، فأكبّ عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنّه من «غفار» وأنّ طريق تجّاركم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثمّ عاد من الغد لمثلها فضربوه، وثاروا إليه فأكبّ العباس عليه» «١» .
стр. 214
الفصل الرابع الهجرة إلى المدينة
إسلام الأنصار
بيعة العقبة الأولى
خصائص المدينة المنوّرة (يثرب)
بيعة العقبة الثانية
الإذن بالهجرة إلى المدينة تامر قريش على رسول الله ﷺ
هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة
стр. 215
الهجرة إلى المدينة
بدء إسلام الأنصار:
خرج رسول الله ﷺ في الموسم، فبينما هو عند العقبة، إذ لقي رهطا من الخزرج من الأنصار، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
وكانوا جيران اليهود في المدينة، وكانوا يسمعونهم يخبرون بنبيّ قد أظلّ زمانه «١» ، فقال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلمون والله أنّه النبيّ الذي توعّدكم به اليهود، فلا يسبقنّكم إليه، فأجابوه، وصدّقوه، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك «٢» .
وانصرفوا راجعين إلى بلادهم، وآمنوا، وصدّقوا، فلمّا قدموا المدينة ذكروا لإخوانهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام، حتّى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ «٣»
стр. 216
بيعة العقبة الأولى:
حتّى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار، اثنا عشر رجلا (عشرة من الخزرج واثنان من الأوس) ، فلقوه بالعقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على التوحيد، والتعفّف من السّرقة والزّنى وقتل الأولاد والطاعة في المعروف «١» .
فلمّا همّ القوم بالانصراف بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يسمّى «المقرىء» بالمدينة ونزل على أسعد بن زرارة، وكان يصلّي بهم «٢» .
سبب تهيّؤ الأنصار للإسلام:
وكان من صنع الله تعالى لرسوله وللإسلام، أن هيأ الله الأوس والخزرج «٣» - وهما قبيلتان عربيّتان عظيمتان في مدينة يثرب- لتقدرا هذه النعمة التي لا نعمة أعظم منها، وتسبقا أهل عصرهما، وأبناء الجزيرة، إلى الترحيب بالإسلام والدخول فيه، حين تنكّرت له قبائل العرب وفي مقدّمتها وعلى رأسها قريش وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣] .
وقد ساعدت على ذلك عدّة عوامل، هي من خلق الله تعالى وتيسيره
стр. 217
وصنعه، كانت فارقة بين قريش وأهل مكة، وقبائل يثرب العربية، منها ما طبعها الله عليه من الرقّة واللّين وعدم المغالاة في الكبرياء وجحود الحقّ، وذلك يرجع إلى الخصائص الدمويّة والسّلالية التي أشار إليها رسول الله ﷺ حين وفد وفد من اليمن، بقوله: «أتاكم أهل اليمن أرقّ أفئدة وألين قلوبا» «١» وهما ترجعان في أصلهما إلى اليمن، نزح أجدادهم منها في الزمن القديم، يقول القرآن مادحا لهم:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] .
ومنها أنّهما قد أنهكتهما الحروب الداخلية، وما يوم بعاث ببعيد «٢» ، وقد اكتووا بنارها، وذاقوا مرارتها، وعافوها، ونشأت فيهم رغبة في اجتماع الكلمة، وانتظام الشّمل، والتفادي من الحروب، وذلك ما عبّروا عنه بقولهم: «إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم،
стр. 218
فعسى أن يجمعهم الله بك، فإن يجمعهم الله بك، فلا رجل أعزّ منك» ، قالت عائشة ﵂: «كان يوم بعاث يوما قدمه الله تعالى لرسوله» .
ومنها أنّ قريشا، وسائر العرب قد طال عهدهم بالنبوّات والأنبياء، وأصبحوا يجهلون معانيها بطول العهد، وبحكم الأميّة والإمعان في الوثنيّة، والبعد عن الأمم التي تنتسب إلى الأنبياء وتحمل الكتب السماوية- على ما دخل فيها من التحريف والعبث- وذلك ما يشير إليه القرآن بقوله:
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ [يس: ٦] .
أمّا الأوس والخزرج فكانوا يسمعون اليهود يتحدّثون عن النبوّة والأنبياء، ويتلون صحف التوراة ويفسّرونها، بل كانوا يتوعّدونهم به، ويقولون: إنّه سيبعث نبيّ في آخر الزمان، نقتلكم معه قتل عاد وإرم «١» ، في ذلك يقول الله تعالى:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩] .
وبذلك لم تكن بين أبناء الأوس والخزرج وسكان المدينة من العرب المشركين تلك الفجوة العميقة الواسعة من الجهل والنّفور من المفاهيم الدينية والسّنن الإلهية التي كانت بينها وبين أهل مكة وجيرانهم من العرب، بل قد عرفوها وألفوها عن طريق اليهود، وأهل الكتاب الذين كانوا يختلطون بهم بحكم البلد والجوار والصلح والحرب والمحالفات، فلمّا تعرّفوا برسول الله ﷺ وقد حضروا الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، ارتفعت الغشاوة عن
стр. 219
عيونهم، وكأنّهم كانوا من هذه الدّعوة على ميعاد.
خصائص المدينة المنوّرة (يثرب) :
وكان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة دارا للهجرة، ومركزا للدّعوة، عدا ما أراده الله من إكرام أهلها، وأسرار لا يعلمها إلّا الله، أنّها امتازت بتحصّن طبيعيّ حربيّ، لا تزاحمها في ذلك مدينة قريبة في الجزيرة، فكانت حرة «١» الوبرة مطبقة على المدينة من الناحية الغربية، وحرة واقم مطبقة على المدينة من الناحية الشرقية، وكانت المنطقة الشمالية من المدينة، هي الناحية الوحيدة المكشوفة (وهي التي حصّنها رسول الله ﷺ بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب) وكانت الجهات الآخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النّخيل والزّروع الكثيفة، لا يمرّ منها الجيش إلا في طرق ضيقة لا يتفق فيها النظام العسكريّ، وترتيب الصّفوف.
وكانت خفارات عسكرية صغيرة، كافية بإفساد النظام العسكريّ ومنعه من التقدّم، يقول ابن إسحاق: «كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكّن العدوّ منها» .
ولعلّ النبيّ ﷺ قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهيّة في اختيار المدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: «إنّي رأيت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين» »
стр. 220
وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة.
وكان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوة وإباء وفروسية وقوة شكيمة، ألفوا الحرية، ولم يخضعوا لأحد، ولم يدفعوا إلى قبيلة أو حكومة، إتاوة أو جباية، وقد جاء ذلك صريحا في الكلمة التي قالها سعد بن معاذ- سيّد الأوس- لرسول الله ﷺ : «قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا» «١» .
يقول ابن خالدون: «ولم يزل هذان الحيّان قد غلبوا اليهود على يثرب، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك، ويدخل في ملّتهم من جاورهم من قبائل مضر «٢» .
وجاء في «العقد الفريد» : «ومن الأزد الأنصار، وهم الأوس والخزرج وهما ابنا حارثة بن عمرو بن عامر، وهم أعزّ الناس أنفسا، وأشرفهم همما، ولم يؤدّوا إتاوة قطّ إلى أحد الملوك» «٣» .
وكان بنو عديّ بن النّجار أخواله دنيا «٤» ، فأمّ عبد المطلب بن هاشم إحدى نسائهم، فقد تزوّج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عديّ بن النجّار، وولدت لهاشم عبد المطلب، وتركه هاشم عندها، حتّى صار غلاما دون
стр. 221
المراهقة، فذهب إليه عمّه المطلب، فجاء به إلى مكة، وكانت الأرحام يحسب لها حساب كبير في حياة العرب الاجتماعيّة، ومنهم أبو أيوب الأنصاريّ الذي نزل رسول الله ﷺ في داره في المدينة.
وكان الأوس والخزرج من قحطان، والمهاجرون، ومن سبق إلى الإسلام في مكة وما حولها من عدنان، ولمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقام الأنصار بنصره، اجتمعت بذلك عدنان وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسد واحد، وكانت بينهما مفاضلة ومسابقة في الجاهليّة، وبذلك لم يجد الشيطان سبيلا إلى قلوبهم، لإثارة الفتنة والتعزّي بعزاء الجاهلية باسم الحميّة القحطانيّة أو العدنانية.
فكانت مدينة (يثرب) - لكلّ ذلك- أصلح مكان لهجرة الرسول ﷺ وأصحابه واتخاذهم لها دارا وقرارا، حتى يقوى الإسلام، ويشقّ طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة ثمّ يفتح العالم المتمدّن.
انتشار الإسلام في المدينة:
وجعل الإسلام يفشو في منازل الأنصار- الأوس والخزرج- وأسلم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وهما سيّدا قومهما، من بني عبد الأشهل من الأوس، بحكمة من أسلم قبلهما، وتلطفهم، وبحسن دعوة مصعب بن عمير- ﵁ وأسلم بنو عبد الأشهل عن آخرهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون «١» .
بيعة العقبة الثانية:
ورجع مصعب بن عمير إلى مكة في العام القابل، وخرج عدد من
стр. 222
المسلمين من الأنصار مع حجّاج قومهم من أهل الشرك، حتّى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة، فلمّا فرغوا من الحجّ، ومضى ثلث اللّيل، اجتمعوا في الشعب عند العقبة، وهم ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان من النساء، وجاء رسول الله ﷺ ومعه عمّه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه.
وتكلّم رسول الله ﷺ وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثمّ قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه، واستوثقوا منه ألا يدعهم، ويرجع إلى قومه، فوعد بذلك رسول الله ﷺ فقال: «أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» .
واختار رسول الله ﷺ منهم اثني عشر نقيبا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس «١» .
إذن الرسول ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة:
ولمّا بايع رسول الله ﷺ هذا الحيّ من الأنصار على الإسلام، والنصرة له، ولمن اتبعه، فأوى إليهم عدد من المسلمين، أمر رسول الله ﷺ أصحابه، ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: «إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» فخرجوا أرسالا.
стр. 223
وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر الإذن من الله في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة.
ولم تكن هجرة المسلمين من مكة هيّنة سهلة تسمع بها قريش، وتطيب بها نفسا، بل كانوا يضعون العراقيل في سبيل الانتقال من مكة إلى المدينة، ويمتحنون المهاجرين بأنواع من المحن، وكان المهاجرون لا يعدلون عن هذه الفكرة، ولا يؤثرون البقاء في مكّة، مهما دفعوا من قيمة، فمنهم من كان يضطرّ إلى أن يترك امرأته وابنه في مكّة، ويسافر وحده، كما فعل أبو سلمة، ومنهم من كان يضطرّ إلى أن يتنازل عن كلّ ما كسبه في حياته وجمعه من ماله، كما فعل صهيب ﵁.
قالت أمّ سلمة- ﵂: لمّا أزمع أبو سلمة- ﵁ الخروج إلى المدينة، رحّل لي بعيره، ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثمّ خرج يقود بي بعيره، فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني منه.
قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم.
وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، ففرّق بيني وبين ابني وبين زوجي، فكنت أخرج كلّ غداة، فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مرّ بي رجل من بني عمّي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة،
стр. 224
فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت، فردّ بنو الأسد إليّ عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري، ثمّ أخذت ابني فوضعته في حجري، ثمّ خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، حتّى إذا كنت ب «التنعيم» لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدّار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية؟
قلت: أريد زوجي بالمدينة.
قال: أو ما معك أحد؟
قلت: ما معي أحد إلّا الله وابني هذا.
فقال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قطّ أرى أنّه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثمّ استأخر عنّي، حتّى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحطّ عنه، ثمّ قيده في الشجر، ثمّ تنحّى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام إلى بعيري فقدّمه، فرحله، ثمّ استأخر عنيّ وقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري، أتى فأخذ بخطامه، فقادني حتّى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتّى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف ب «قباء» قال: زوجك في هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلا- فادخليها على بركة الله، ثمّ انصرف راجعا إلى مكة.
فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام، أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قطّ كان أكرم من عثمان بن طلحة «١» .
стр. 225
ولمّا أراد صهيب الهجرة، قال له كفّار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثمّ تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟
والله لا يكون ذلك!
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلّون سبيلي؟.
قالوا: نعم.
قال: إنّي قد جعلت لكم مالي.
وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «١» .
وهاجر عمر بن الخطاب، وطلحة، وحمزة، وزيد بن حارثة، وعبد الرحمن بن عوف، والزّبير بن العوّام، وأبو حذيفة، وعثمان بن عفان، وآخرون- ﵃ أجمعين- وتتابعت الهجرة ولم يتخلّف مع رسول الله ﷺ بمكة غير من حبس وفتن، إلا عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄ «٢» .
تامر قريش على رسول الله ﷺ التامر الأخير، وخيبتهم فيما أرادوا:
ولمّا رأت قريش أنّ رسول الله ﷺ قد صار له أصحاب وأنصار في المدينة ولا سلطان لهم عليها، تخوّفوا من خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وعرفوا أنّه إذا كان ذلك، فلا حيلة لهم فيه، ولا سبيل لهم عليه، فاجتمعوا في «دار النّدوة» وهي دار قصيّ بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرا إلّا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ واجتمع فيها أشراف قريش.
стр. 226
واجتمع رأيهم أخيرا على أن يؤخذ من كلّ قبيلة فتى شابّ صاحب جلادة ونسب، فيها جموا رسول الله ﷺ ويضربوه ضربة رجل واحد، وبذلك يتفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، وتفرق القوم على ذلك، وهم مجمعون له.
وأخبر الله رسوله بهذه المؤامرة، فأمر عليّ بن أبي طالب أن ينام على فراشه، متسجّيا ببردته، وقال: لن يخلص إليك شيء تكرهه.
واجتمع القوم على بابه، وهم متهيّئون للوثوب، وخرج رسول الله ﷺ وأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو آيات من سورة يس من أوّلها إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] .
وأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟
قالوا: محمدا.
قال: خيّبكم الله، قد والله خرج وانطلق لحاجته.
وتطلّعوا، فرأوا عليّا نائما على الفراش، فلم يشكّوا في أنّه رسول الله ﷺ فلمّا أصبحوا قام عليّ- ﵁ عن الفراش، فخجلوا، وانقلبوا خائبين «١» .
стр. 227
خريطة هجرة الرسول ﷺ
стр. 228
هجرة الرّسول ﷺ إلى المدينة
وجاء رسول الله ﷺ إلى أبي بكر، فقال له: إنّ الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصّحبة يا رسول الله! قال: «الصحبة» وبكى أبو بكر- ﵁ من الفرح، وقدّم أبو بكر راحلتين، كان قد أعدّهما لهذا السفر، واستأجر عبد الله بن أريقط، ليدلّهما على الطريق «١» .
تناقض غريب:
وكانت قريش- رغم عدائها لرسول الله ﷺ ورميه عن قوس واحدة- عظيمة الثقة بأمانته، وصدقه، وفتوته، فليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله ﷺ لثقته به، فكان عند رسول الله ﷺ الشيء الكثير من هذه الودائع، فأمر عليا- ﵁ بأن يتخلّف بمكة حتّى يؤدّيها عنه «٢» ، وصدق الله العظيم: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
درس من الهجرة:
وقد أثبتت الهجرة النبوية أنّ الدعوة والعقيدة يتنازل لهما عن كلّ حبيب
стр. 229
وعزيز وأليف وأنيس وعن كلّ ما جبلت الطبائع السليمة على حبّه وإيثاره، والتمسّك به والتزامه، ولا يتنازل عنهما لشيء. وقد اقترن تاريخ الدعوات العظيمة والديانات القديمة بالحركة، حركة الأفراد أحيانا وحركة الجماعات أحيانا كثيرة.
وقد كانت مكة- فضلا عن كونها مولدا ومنشأ للرسول وأصحابه- مهوى الأفئدة ومغناطيس القلوب، ففيها الكعبة البيت الحرام الذي جرى حبّه منهم مجرى الروح والدم، ولكنّ شيئا من ذلك لم يمنعه وأصحابه من مغادرة الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، حين ضاقت الأرض على هذه الدعوة والعقيدة، وتنكّر أهلها لهما.
وقد تجلّت هذه العاطفة المزدوجة- عاطفة الحنين الإنسانيّ وعاطفة الحبّ الإيمانيّ- في كلمته التي قالها مخاطبا لمكّة: «ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ، ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» «١» .
وذلك عملا بقول الله تعالى:
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
[العنكبوت: ٥٦] .
إلى غار ثور:
وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر من مكة مستخفيين، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما بمكة، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهارا ويريحها عليهما ليلا، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام.
стр. 230
من روائع الحبّ:
ولم يزل الحبّ منذ فطر الله الإنسان ملهما للدقائق العجيبة، باعثا على الإشفاق على من تعلّق به القلب وأحبّته النفس، وهذا كان شأن أبي بكر مع رسول الله ﷺ في هذه الرحلة.
وقد روي أنّه لمّا انطلق رسول الله ﷺ إلى الغار ومعه أبو بكر، كان يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر! ما لك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يديّ؟» فقال: يا رسول الله! أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثمّ أذكر الرّصد فأمشي بين يديك «١» .
فلمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله! حتّى أستبرىء لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان، ذكر أنّه لم يستبرىء الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله! حتى أستبرىء فدخل فاستبرأ، ثمّ قال: انزل يا رسول الله! فنزل «٢» .
ولله جنود السموات والأرض:
ودخلا الغار، وبينما هما كذلك إذ بعث الله العنكبوت، فنسجت ما بين الغار والشجرة التي كانت على وجه الغار، وسترت رسول الله ﷺ وأبا بكر، وأمر الله حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تدفّان حتّى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة «٣» ، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفتح: ٤] .
стр. 231
أدقّ لحظة مرّت بها الإنسانيّة:
واقتفى المشركون أثر رسول الله ﷺ وكانت أدقّ لحظة مرّت بها الإنسانيّة في رحلتها الطويلة، وكانت لحظة حاسمة، فإمّا امتداد شقاء لا نهاية له، وإمّا افتتاح سعادة لا آخر لها، وقد حبست الإنسانية أنفاسها، ووقفت خاشعة حين وصل الباحثون إلى فم الغار، ولم يبق بينهم وبين العثور على منشودهم إلا أن ينظر أحدهم إلى تحت قدميه.
ولكنّ الله حال بينهم وبين ذلك، فاختلط عليهم الأمر، ورأوا على باب الغار نسج العنكبوت «١» ، وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: ٤٠] .
لا تحزن إنّ الله معنا:
وبينما هما في الغار، إذ رأى أبو بكر آثار المشركين، فقال:
يا رسول الله! لو أنّ أحدهم رفع قدمه، رآنا. قال: ما ظنّك باثنين الله ثالثهما «٢» ؟ وفي ذلك يقول الله تعالى:
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
стр. 232
ركوب سراقة في أثر الرسول ﷺ وما وقع له:
وجعلت قريش في رسول الله ﷺ حين فقدوه، مئة ناقة، لمن يردّه عليهم، ومكثا في الغار ثلاث ليال ثمّ انطلقا، ومعهما عامر بن فهيرة ودليل من المشركين «١» ، استأجره رسول الله ﷺ فأخذ بهم على طريق السواحل.
وحمل سراقة بن مالك بن جعشم الطمع على أن يتبع رسول الله ﷺ ويردّه على قريش، فيأخذ مئة ناقة منهم، فركب على أثره يعدو، وعثر به الفرس، فسقط عنه فأبى إلا أن يتبعه، فركب في أثره، وعثر به الفرس مرة ثانية، فسقط عنه، وأبى إلا أن يتبعه، فركب في أثره، فلمّا بدا له القوم رآهم، وعثر به الفرس مرة ثالثة، وذهبت يداه في الأرض، وسقط عنه، وتبعهما دخان كالإعصار.
وعرف سراقة حين رأى ذلك أنّ رسول الله ﷺ في حماية الله تعالى، وأنّه ظاهر لا محالة، فنادى القوم، وقال: أنا سراقة بن جعشم، أنظروني أكلمكم، فو الله لا يأتيكم منّي شيء تكرهونه، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر:
«قل له: وما تبتغي منّا؟» قال سراقة: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك، فكتب عامر بن فهيرة كتابا في عظم أو رقعة «٢» .
стр. 233
نبوءة لا يسيغها العقل الماديّ:
وفي هذه الحال التي اضطرّ فيها نبيّ الله إلى الهجرة، والخروج من مكّة، والقوم يطاردونه ويتبعون آثاره، نظر رسول الله ﷺ إلى اليوم البعيد الذي يطأ فيه أتباعه تاج كسرى وعرش قيصر، ويفتحون خزائن الأرض، فتنبأ في هذا الظلام الحالك بهذا النور الباهر، وقال لسراقة: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» .
إنّ الله قد وعد نبيّه بالنصر والفتح المبين، ولدينه بالظهور العامّ والفتح التامّ، وقال: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣] .
وقد أنكر ذلك قصار النظر وضعاف العقول، واستبعدته قريش، ولكنّ عين النبوة ترى البعيد قريبا إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: ٩] .
وكان كذلك، فلمّا أتي عمر- ﵁ بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياها «١» .
وعرض عليه سراقة الزاد والمتاع، فلم يقبله رسول الله ﷺ ولم يزد أن قال: «أخف عنّا» «٢» .
رجل مبارك:
ومرّا في مسيرهما بأمّ معبد الخزاعيّة، وكانت عندها شاة خلّفها الجهد عن الغنم، فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمّى الله، ودعا، فدرّت،
стр. 234
فسقاها، وسقى أصحابه، حتى رووا، ثمّ شرب، وحلب فيه ثانيا، حتّى ملأ الإناء، فلمّا رجع أبو معبد، سأل عن القصّة، فقالت: لا والله إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ووصفته له وصفا جميلا، قال:
والله إنّي لأراه صاحب قريش الذي تطلبه «١» .
ولم يزل يسلك بهما الدّليل، حتّى قدم بهما «قباء» ، وهي في ضواحي المدينة، وذلك في الثاني عشر من ربيع الأول، يوم الإثنين «٢» . فكان مبدأ التاريخ الإسلاميّ.
стр. 235
الفصل الخامس العهد المدنيّ
تصوير المدينة المنوّرة عند الهجرة
الرسول ﷺ في المدينة:
المؤاخاة- الصحيفة- المسجد
الإذن بالقتال معركة بدر الحاسمة
غزوة أحد غزوة الخندق
غزوة بني قريظة
غزوة بني المصطلق وحديث الإفك
صلح الحديبية
دعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام
غزوة خيبر غزوة مؤتة
فتح مكة غزوة حنين
غزوة الطائف غزوة تبوك
عام الوفود حجة الوداع
الوفاة
أزواجه أمّهات المؤمنين وأولاده وأسباطه صلى الله عليه وسلم
стр. 236
تصوير المدينة عند الهجرة
اختلاف بين المجتمع المكيّ والمجتمع المدنيّ:
ولكي نأخذ صورة إجمالية صحيحة عن مدينة (يثرب) - التي اختارها الله دار هجرة للرّسول، ومنطلق الدعوة الإسلامية في العالم، ومهد أوّل مجتمع إسلاميّ يقوم بعد ظهور الإسلام- يجب أن نعرف وضعها المدنيّ، والاجتماعيّ، والاقتصاديّ، وصلة القبائل المقيمة فيها، بعضها ببعض، ومركز اليهود فيها، الاجتماعيّ، والاقتصاديّ، والحربيّ، والواقع الذي كانت تعيشه هذه المدينة الخصبة الغنية، التي التقت فيها ديانات، وثقافات، ومجتمعات مختلفة، بخلاف مكّة ذات الطبيعة الواحدة، والطابع الموحّد، والدين المشترك، وإلى القارىء بعض الأضواء.
اليهود:
المرجّح في ضوء التاريخ أنّ غالبية اليهود حلّوا بالجزيرة العربيّة بصفة عامة، ومدينة يثرب بصفة خاصة، في القرن الأول الميلاديّ، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
«بعد حرب اليهود والرّومان سنة ٧٠ م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين، وتدمير هيكل بيت المقدس، وتشتّت اليهود في أصقاع العالم، قصدت جموع كثيرة من اليهود بلاد العرب كما حدّثنا عن ذلك المؤرّخ اليهوديّ
стр. 237
«يوسي فوس» الذي شهد تلك الحروب، وكان قائدا لبعض وحداتها..
وتؤيّد المصادر العربية كلّ هذا» «١» .
وكانت في المدينة ثلاث قبائل كبيرة رئيسية من اليهود، بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين، وهي: «قينقاع» و «النّضير» و «قريظة» ، ويقدّر أنّ رجال قينقاع المحاربين، بلغ عددهم سبعمئة، كما كان عدد رجال النّضير مثل هذا العدد، وكان الرجال البالغون من قريظة ما بين سبعمئة وتسعمئة «٢» .
وكانت العلاقة بين هذه القبائل الثلاث مضطربة متوتّرة، وقد يكون بعضهم حربا على بعض، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
«قد كانت هناك عداوة بين بني قينقاع وبقية اليهود، سببها أنّ بني قينقاع كانوا قد اشتركوا مع بني الخزرج في يوم «بعاث» وقد أثخن بنو النّضير وبنو قريظة في بني قينقاع، ومزّقوهم كلّ ممزّق، مع أنّهم دفعوا الفدية عن كلّ ما وقع في أيديهم من اليهود، وقد استمرّت هذه العداوة بين البطون اليهودية بعد
стр. 238
يوم «بعاث» ، حتى وقعت الحرب بين الأنصار وبين بني قينقاع، فلم ينهض معهم أحد من اليهود في محاربة الأنصار.
وقد أشار القرآن إلى عداوة اليهود فيما بينهم بقوله:
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ «١» [البقرة: ٨٤- ٨٥] .
وكانوا يعيشون في أحياء وقرى مختلفة خاصة بهم، فكانت بنو قينقاع يسكنون داخل المدينة في محلّة خاصة بهم، بعد أن طردهم إخوانهم بنو النّضير وقريظة من مساكنهم التي كانت خارج المدينة، وكانت مساكن بني النضير بالعالية بوادي «بطحان» على بعد ميلين أو ثلاثة من المدينة، وكانت عامرة بالنّخيل، والزّروع، وكانت بنو قريظة يسكنون في منطقة (مهزور) التي تقع على بعد بضعة أميال من جنوب المدينة «٢» .
وكانت لهم حصون، وآطام، وقرى، يعيشون فيها متكتّلين «٣» مستقلّين، لم يتمكّنوا من إنشاء حكومات يحكمها اليهود، بل كانوا مستقلّين في حماية سادات القبائل ورؤسائها، يؤدّون لهم إتاوة في كلّ عام، مقابل حمايتهم لهم، ودفاعهم عنهم، ومنع الأعراب من التعدّي عليهم، وقد لجؤوا إلى عقد المحالفات معهم، وكان لكلّ زعيم يهوديّ حليف من
стр. 239
الأعراب ومن رؤساء العرب «١» .
وكانوا ينعتون أنفسهم بأنّهم أهل العلم بالأديان والشّرائع، وكانت لهم مدارس «٢» يتدارسون فيها أمور دينهم، وأحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبارهم الخاصّة برسلهم وأنبيائهم، كما كانت لهم أماكن خاصة يقيمون فيها عباداتهم وشعائر دينهم، وكانت تسمّى «المدراس» وكان المكان الذي يتجمّع فيه اليهود لتبادل المشورة في سائر أحوالهم الدينية والدنيوية.
وكانت لهم تشريعاتهم ونظمهم الخاصة بهم، أخذوا بعضها عن كتبهم، وبعضها وضعه لهم كهّانهم وأحبارهم من عند أنفسهم، وكانت لهم أعيادهم الخاصة بهم، وأيام خاصة، يصومون فيها، كيوم عاشوراء «٣» .
ويبدو أنّه ضعفت صلتهم بدينهم الأصيل والتعليمات التي جاءت في صحفهم، وأصبحوا على مرّ الأيام لا يتميّزون عن جيرانهم العرب، إلّا بأثارة من عقيدة التوحيد، وتمييز بين الحلال والحرام، ولمّا جاء الإسلام بعقيدة التوحيد النقيّة الحاسمة كما جاء في القرآن، زال تميّزهم في ذلك أيضا.
وقد بلغوا غاية الإسفاف والتدنّي في الأخلاق، وأصبحوا يستعينون في قضاء ماربهم بأمور خفيّة مدسوسة كالسّحر، ودسّ السّمّ في الطعام، وتسلية النفس بالتنكيت والتوريب «٤» ، واستعمال الكلمات الموهمة ذات المعنيين شأن المجتمعات الحاقدة المغلوبة على أمرها، وبراعة اليهود في فنون السّحر
стр. 240
والكهانة من الحقائق المسلّمة في التاريخ، وظلّ قادتهم وعلماؤهم يعترفون بذلك بشيء من التيه والافتخار، وأشار إلى ذلك القرآن بقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ... الخ [البقرة: ١٠٢] ، وقد ظلّ هذا الواقع باقيا إلى عهد الرسالة، يقول المستشرق اليهوديّ الشهير مارجليوث) Margoliouth (المعروف بتحامله على الإسلام وصاحب رسالته في كتابه عن رسول الله ﷺ :
«كان هؤلاء اليهود بارعين في فنّ السّحر، وكانوا يفضّلون أسلحة الفنّ الأسود (السّحر) على القتال السّافر، والمبارزة في ساحة الحرب» «١» .
وسيأتي في قصّة غزوة خيبر محاولة دسّ السّمّ في شاة مشويّة قدّمت للنبيّ ﷺ للتخلّص منه، وسلم منه النبيّ ﷺ ومات بشر بن البراء بن معرور «٢» .
وأمّا استخدام الكلمات المعروفة بطريقة خاصة وإرادة معانيها المستهجنة فقد جاء في القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠٤] . أخرج أبو نعيم في (الدّلائل) عن ابن عباس ﵁ أنّ اليهود كانوا يقولون: «راعنا» سرّا لرسول الله ﷺ وهو سبّ قبيح بلسانهم، كانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين سدّا للباب وقطعا للألسنة، وإبعادا عن المشابهة، ومعنى هذه الكلمة عند اليهود اسمع-
стр. 241
لا سمعت- وقيل: أرادوا نسبته ﷺ وحاشاه- إلى «الرّعن» مشتقّا من الرعونة وهي الجهل والحمق، والألف حينئذ لمدّ الصوت «١» .
وروى البخاريّ بسنده عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: كان اليهود يسلّمون على النبيّ ﷺ ، يقولون: «السّام عليك» «٢» ويعنون به الموت، وفي الحديث «لكل داء دواء، إلا السّام» «٣» أي: الموت، وفي ذلك نزلت الآية: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ «٤» [المجادلة: ٨] .
وابتلوا كذلك بانحطاط خلقيّ جنسيّ، وتورّط فيما لا يليق بمجتمع فاضل متماسك يقوم على شريعة وتعليمات سماويّة، تجلّى ذلك في قصة امرأة من العرب وقعت في سوق بني قينقاع، وقد جلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده، إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوءتها فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه «٥» ، ويبدو أنّ هذه الحادثة لم تكن فريدة من نوعها، ويتعذّر وقوعها في أسواق العرب غالبا.
وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على الرهان، وتعاطي الرّبا، وكانت لهم من طبيعة منطقة المدينة الزراعيّة فرصة إلى ذلك، لأنّ الزّرّاع
стр. 242
عادة يحتاجون إلى اقتراض الأموال لحين الحصاد «١» .
وكانت الرّهون لا تقتصر على الرهائن الماليّة، بل تخطّتها إلى رهن النساء والولدان، وقد جاء في قصّة قتل كعب بن الأشرف النّضري التي رواها الإمام البخاريّ- ﵀ في صحيحه، أنّه قال له محمد بن مسلمة: قد أردنا أن تسلفنا وسقا «٢» أو وسقين، فقال: نعم، ارهنوني، قالوا: أيّ شيء تريد؟! قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟! هذا عار علينا، ولكنّا نرهنك اللأمة «٣» .
ومن طبيعة هذه الرّهون خصوصا إذا كانت في الأبناء والنساء: نشوء الحقد والكراهة بين الراهنين والمرتهنين، لا سيّما وأنّ العرب اشتهروا بالغيرة الشديدة على نسائهم وشدّة الأنفة.
وقد ترتّب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصاديّة في المدينة وضواحيها أن قوي نفوذهم الماليّ، وصاروا يتحكّمون في الأسواق تحكّما فاحشا، ويحتكرونها لمصلحتهم ومنفعتهم، فكرههم السواد الأعظم من الناس بسبب أنانيتهم واشتطاطهم في أخذ الرّبا، وحصولهم على غنى وثراء بطرق يأنف العربيّ عن سلوكها والتّعامل بها «٤» .
стр. 243
ولما طبعوا عليه من الجشع، ولسياستهم التوسعيّة، يقول) De -Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد» :
«ساءت العلاقات بين أولئك البدو (المدنيين) «١» واليهود المستعمرين في القرن السابع الميلاديّ، فإنّهم كانوا قد وسّعوا مناطقهم المزروعة إلى مراعي هؤلاء البدو» «٢» .
وكانت علاقة اليهود بالأوس والخزرج- سكان المدينة العرب- خاضعة للمنفعة الشخصية والمكاسب الماديّة، فهم يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين، متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم، كما حصل ذلك في كثير من الحروب التي أنهكت الأوس والخزرج، وكان يهمّهم فقط أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة، وحديثهم عن النبيّ المرتقب شجّع الأوس والخزرج على الدخول في الإسلام «٣» .
أمّا لغة اليهود في بلاد العرب، فقد كانت العربية بطبيعة الحال، ولكنّها لم تكن خالصة، بل كانت تشوبها الرّطانة العبريّة، لأنّهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركا تاما، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراساتهم «٤» .
أمّا الجانب الدينيّ والدعويّ فيقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
«لا شكّ أنّه كان في المقدرة اليهوديّة أن تزيد في بسط نفوذها الدينيّ بين
стр. 244
العرب، حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكنّ الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأنّ الأمة الإسرائيلية لم تمل بوجه عام إلى إرغام الأمم على اعتناق دينها، وأنّ نشر الدعوة الدينيّة من بعض الوجوه محظور على اليهود» «١» .
عجز اليهود كعادتهم أن يكيّفوا أنفسهم ومجتمعهم بالحقائق والواقع والتطوّرات الحديثة، ويفهموا التحدّي الحديث وينتفعوا بالفرصة المتاحة ويدينوا بالإسلام، فيأخذوا مكانهم اللّائق بثقافتهم وعقليتهم وتجاربهم والقوى المودعة فيهم، وذلك مصير كلّ مجتمع يعيش على التاريخ، والإدلال بالنسب والتمنّيات والأحلام المعسولة، ورواسب الماضي والقيادات المفلسة المنهارة.
إنّ اليهود لم يستطيعوا أن يبرزوا وجودهم، ويثبتوا صلاحيتهم وتفوّقهم كأمّة ذات رسالة وكتاب سماويّ، وكورثة الأنبياء السابقين وذرّيتهم، فلم يزعجهم ولم يحرّك ساكنهم ما كان عليه العرب من وثنيّة سخيفة وجاهلية منحطة، ولم يدعوا- على الأقلّ- إلى عقيدة التوحيد التي تميّزوا بها عبر العصور والأجيال، ورغم الانحطاط الخلقيّ ومواضع الضعف فيهم، ولعلّ السبب الرئيسيّ هو عدم ارتياحهم إلى دعوة غير الإسرائيليين إلى دين الأنبياء، بل امتناعهم عن ذلك عبر التاريخ- كما يقول (إسرائيل ولفنسون) وكما قالت السيدة مريم جميلة اليهودية الأمريكية سابقا، والمهتدية إلى الإسلام: ثمّ الإخلاد إلى الراحة والانغماس في الكسب والمعيشة، كما هي طبيعة اليهود.
ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ عددا من العرب المنتمين إلى الأوس والخزرج وغيرهما من القبائل العربية الأصيلة، دانوا باليهودية عن رغبة منهم، أو بتأثير
стр. 245
المصاهرة والزواج، أو بحكم النشأة في البيئة اليهودية، وقد كان في يهود العرب جميع هذه الأنواع، وقد ثبت أنّ التاجر اليهوديّ الكبير والشاعر المشهور كعب بن الأشرف الذي يعرف بالنّضريّ كان من قبيلة «طيىء» تزوّج أبوه في «بني النضير» ، فنشأ كعب بن الأشرف يهوديا متحمّسا. قال ابن هشام: «وكان رجلا من طيىء، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمّه من بني النّضير» «١» .
وكان بعض من لا يعيش له ولد من العرب ينذر، إذا ولد له ابن وعاش هوّدوه، وكان في المدينة عدد من العرب الذين دخلوا في اليهوديّة عن هذا الطريق.
روى الإمام أبو داود السّجستاني بسنده عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد، أن تهوّده، فلمّا أجليت بنو النّضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] . قال أبو داود: المقلات: التي لا يعيش لها ولد» «٢» .
الأوس والخزرج:
تنتمي بطون الأوس والخزرج- سكّان المدينة العرب- إلى القبائل الأزدية اليمنيّة، وكانت موجات هذه الهجرة من اليمن إلى يثرب متفرّقة في أوقات مختلفة، وكانت لعوامل متعدّدة، منها اضطراب أحوال اليمن وغزو الأحباش، وإهمال أمر الإرواء، بخراب سدّ «مأرب» .
стр. 246
وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهدا في المدينة من اليهود «١» .
وقد سكنت بطون الأوس في المنطقة الجنوبية والشرقية، وهي منطقة العوالي من يثرب، بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية، وهي سافلة المدينة، وليس وراءهم شيء في الغرب إلى خلاء حرة الوبرة «٢» .
وانقسم أمر الخزرج إلى أربعة أبطن، وهم: مالك، وعديّ، ومازن، ودينار، كلّها من بني النجّار المعروف ب «تيم اللات» ، وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبيّ ﷺ .
وقد سكن الأوس المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وجاوروا أهمّ قبائل اليهود وجموعهم، واستوطن الخزرج مناطق أقلّ خصبا، وقد جاورهم قبيلة يهوديّة كبيرة واحدة، وهي «القينقاع» «٣» .
ليس من السّهل الحصول الآن على إحصاء دقيق عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكنّ الباحث المتتبع للحوادث يستطيع تحديد قوّتهم الحربية من المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة أربعة آلاف مقاتل «٤» .
وكان العرب في وقت الهجرة النبويّة أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وبيدهم كان توجيه الأمور بها، ولم يستطع اليهود مقابل ذلك أن يجمعوا كلمتهم، ويقفوا صفّا واحدا في وجه خصومهم، فتفرّقت بطونهم، ودخل
стр. 247
بعضها في محالفات مع الأوس، ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، واستحكم عداء بين بني القينقاع وبني النّضير وبني قريظة، جعل بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم، ويقتصرون على الصناعة «١» .
ووقعت كذلك بين الأوس والخزرج حروب كثيرة، أوّلها حرب سمير، وآخرها بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات «٢» . وقد عمل اليهود بجانبهم على الدسّ بين الأوس والخزرج وتشجيع عوامل الفرقة، وإذكاء روح التحاسد، حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم «٣» ، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم ب «الثعالب» .
الوضع الطبيعيّ:
كانت يثرب عند الهجرة النبويّة منقسمة إلى عدّة دوائر، تسكنها بطون عربيّة ويهوديّة، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعيّة بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم «٤» أو الآطام «٥» .
وقد بلغ عدد آطام اليهود في يثرب تسعة وخمسين أطما «٦» ، ويقول الدكتور ولفنسون في وصف هذه الآطام:
стр. 248
«كانت أهمية الآطام عظيمة في يثرب، فكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدوّ، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة، حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء، وقد كانت الآطام تستعمل كالمخازن تجمع فيها الغلال والثّمار، ذلك أنّها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنّهب والسلب، وكان الأطم مربعا لكنز الأموال والسّلاح، وكان للقوافل المثقلة بالبضائع أن تنزل بالقرب منه، كما كانت تقام على أبوابه الأسواق.
وكانت الآطام تشتمل- كما نظنّ- على المعابد وبيوت «المدراس» ، إذ كانت فاخرة الأثاث، كثيرة الأدوات، مملوءة بالأسفار، فكان يجتمع فيها الزّعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدّسة، حين يهمّون بإبرام العقود والاتفاقات» «١» .
ويقول الدكتور (ولفنسون) في تفسير كلمة «أطم» : «أنّها مأخوذة من اللغة العبريّة، فيقال أطم عينيه: أغمضهما، وأطم أذنيه: سدّهما، والأطم في الجدران والحيطان: هي النوافذ المغلقة من الخارج، والمفتوحة من الداخل، ويستعمل في السّور أي الحائط الضخم» .
يقول الدكتور:
«وعلى ذلك يمكننا أن نفترض أنّ اليهود أطلقوا على الحصن اسم أطم، لأنّه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه، وإن كانت له نوافذ من الخارج وتفتح من الداخل» «٢» .
ومن هذه الأحياء والدّوائر المحصّنة كانت تتكوّن مدينة (يثرب) ، فهي
стр. 249
في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمّعت، فتكوّنت منها المدينة، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله:
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الحشر: ٧] . وبقوله:
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ «١» [الحشر: ١٤] .
و (حرّة واقم) التي تحدّ المدينة من الشّرق، كانت حرة أكثر عمرانا من الوبرة، وحين هاجر النبيّ ﷺ إلى يثرب، كانت حرة واقم مسكونة بأهمّ قبائل اليهود من بني النّضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الآخرى، كما كانت تسكنها أهمّ البطون الأوسيّة بنو عبد الأشهل، وبنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني الأشهل كان يقوم حصنهم واقم، الذي سمّيت الحرة باسمه «٢» .
الحالة الدينيّة والمكانة الاجتماعيّة:
كان العرب تابعين لقريش وأهل مكة في العقيدة والديانة، ينظرون إلى قريش كسدنة للبيت، وقادة في الدين، وقدوة في الاعتقاد والعبادة، خاضعين للوثنيّة السائدة على جزيرة العرب، يعبدون من الأصنام ما تعبدها قريش وأهل الحجاز، إلّا أنّ علاقتهم ببعض الأصنام كانت أقوى من علاقتهم ببعضها.
فكانت «مناة» لأهل المدينة، وكانت أقدم الأصنام، وكان الأوس والخزرج أشدّ إعظاما لها من غيرهم، وكانوا يهلّون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو «قديد» الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل.
стр. 250
كما كانت اللّات لأهل الطائف، و «العزّى» لأهل مكّة، وكان أهل هذه المدن أكثر تعصّبا وحميّة لها من غيرها، وكان من اتّخذ في داره صنما من أهل المدينة من خشب أو غيره يسمّيه «مناة» أيضا، كما فعل ذلك عمرو بن الجموح سيّد من سادات بني سلمة قبل أن يسلم «١» .
وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن عروة عن عائشة في تفسير قوله تعالى: * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨] . قالت: إنّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلّون «لمناة» الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا:
يا رسول الله إنّا كنّا نتحرّج أن نطوف بالصّفا والمروة في الجاهليّة، فأنزل الله : * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «٢» [البقرة: ١٥٨] .
ولم نطّلع على صنم لهم خاصّ في المدينة اشتهر كاللّات ومناة، والعزّى، أو كهبل، يعكفون على عبادته، ويشدّ إليه الرّحال من خارج المدينة، ويبدو أنّ الأصنام لم تنتشر في المدينة انتشارها في مكّة، فقد كان لكلّ بيت في مكة صنم خاصّ، وكانت الأصنام يطاف بها وتباع، فكانوا في الوثنيّة عيالا على أهل مكة وأتباعا لهم.
وكان لأهل (المدينة) يومان يلعبون فيهما، فلمّا قدم النبيّ ﷺ المدينة