← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهدا في المدينة من اليهود «١» . وقد سكنت بطون الأوس في المنطقة الجنوبية والشرقية، وهي منطقة العوالي من يثرب، بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية، وهي سافلة المدينة، وليس وراءهم شيء في الغرب إلى خلاء حرة الوبرة «٢» . وانقسم أمر الخزرج إلى أربعة أبطن، وهم: مالك، وعديّ، ومازن، ودينار، كلّها من بني النجّار المعروف ب «تيم اللات» ، وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبيّ ﷺ . وقد سكن الأوس المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وجاوروا أهمّ قبائل اليهود وجموعهم، واستوطن الخزرج مناطق أقلّ خصبا، وقد جاورهم قبيلة يهوديّة كبيرة واحدة، وهي «القينقاع» «٣» . ليس من السّهل الحصول الآن على إحصاء دقيق عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكنّ الباحث المتتبع للحوادث يستطيع تحديد قوّتهم الحربية من المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة أربعة آلاف مقاتل «٤» . وكان العرب في وقت الهجرة النبويّة أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وبيدهم كان توجيه الأمور بها، ولم يستطع اليهود مقابل ذلك أن يجمعوا كلمتهم، ويقفوا صفّا واحدا في وجه خصومهم، فتفرّقت بطونهم، ودخل

стр. 247

بعضها في محالفات مع الأوس، ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، واستحكم عداء بين بني القينقاع وبني النّضير وبني قريظة، جعل بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم، ويقتصرون على الصناعة «١» . ووقعت كذلك بين الأوس والخزرج حروب كثيرة، أوّلها حرب سمير، وآخرها بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات «٢» . وقد عمل اليهود بجانبهم على الدسّ بين الأوس والخزرج وتشجيع عوامل الفرقة، وإذكاء روح التحاسد، حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم «٣» ، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم ب «الثعالب» . الوضع الطبيعيّ: كانت يثرب عند الهجرة النبويّة منقسمة إلى عدّة دوائر، تسكنها بطون عربيّة ويهوديّة، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعيّة بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم «٤» أو الآطام «٥» . وقد بلغ عدد آطام اليهود في يثرب تسعة وخمسين أطما «٦» ، ويقول الدكتور ولفنسون في وصف هذه الآطام:

стр. 248

«كانت أهمية الآطام عظيمة في يثرب، فكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدوّ، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة، حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء، وقد كانت الآطام تستعمل كالمخازن تجمع فيها الغلال والثّمار، ذلك أنّها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنّهب والسلب، وكان الأطم مربعا لكنز الأموال والسّلاح، وكان للقوافل المثقلة بالبضائع أن تنزل بالقرب منه، كما كانت تقام على أبوابه الأسواق. وكانت الآطام تشتمل- كما نظنّ- على المعابد وبيوت «المدراس» ، إذ كانت فاخرة الأثاث، كثيرة الأدوات، مملوءة بالأسفار، فكان يجتمع فيها الزّعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدّسة، حين يهمّون بإبرام العقود والاتفاقات» «١» . ويقول الدكتور (ولفنسون) في تفسير كلمة «أطم» : «أنّها مأخوذة من اللغة العبريّة، فيقال أطم عينيه: أغمضهما، وأطم أذنيه: سدّهما، والأطم في الجدران والحيطان: هي النوافذ المغلقة من الخارج، والمفتوحة من الداخل، ويستعمل في السّور أي الحائط الضخم» . يقول الدكتور: «وعلى ذلك يمكننا أن نفترض أنّ اليهود أطلقوا على الحصن اسم أطم، لأنّه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه، وإن كانت له نوافذ من الخارج وتفتح من الداخل» «٢» . ومن هذه الأحياء والدّوائر المحصّنة كانت تتكوّن مدينة (يثرب) ، فهي

стр. 249

في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمّعت، فتكوّنت منها المدينة، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الحشر: ٧] . وبقوله: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ «١» [الحشر: ١٤] . و (حرّة واقم) التي تحدّ المدينة من الشّرق، كانت حرة أكثر عمرانا من الوبرة، وحين هاجر النبيّ ﷺ إلى يثرب، كانت حرة واقم مسكونة بأهمّ قبائل اليهود من بني النّضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الآخرى، كما كانت تسكنها أهمّ البطون الأوسيّة بنو عبد الأشهل، وبنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني الأشهل كان يقوم حصنهم واقم، الذي سمّيت الحرة باسمه «٢» . الحالة الدينيّة والمكانة الاجتماعيّة: كان العرب تابعين لقريش وأهل مكة في العقيدة والديانة، ينظرون إلى قريش كسدنة للبيت، وقادة في الدين، وقدوة في الاعتقاد والعبادة، خاضعين للوثنيّة السائدة على جزيرة العرب، يعبدون من الأصنام ما تعبدها قريش وأهل الحجاز، إلّا أنّ علاقتهم ببعض الأصنام كانت أقوى من علاقتهم ببعضها. فكانت «مناة» لأهل المدينة، وكانت أقدم الأصنام، وكان الأوس والخزرج أشدّ إعظاما لها من غيرهم، وكانوا يهلّون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو «قديد» الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل.

стр. 250

كما كانت اللّات لأهل الطائف، و «العزّى» لأهل مكّة، وكان أهل هذه المدن أكثر تعصّبا وحميّة لها من غيرها، وكان من اتّخذ في داره صنما من أهل المدينة من خشب أو غيره يسمّيه «مناة» أيضا، كما فعل ذلك عمرو بن الجموح سيّد من سادات بني سلمة قبل أن يسلم «١» . وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن عروة عن عائشة في تفسير قوله تعالى: * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨] . قالت: إنّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلّون «لمناة» الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنّا كنّا نتحرّج أن نطوف بالصّفا والمروة في الجاهليّة، فأنزل الله : * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «٢» [البقرة: ١٥٨] . ولم نطّلع على صنم لهم خاصّ في المدينة اشتهر كاللّات ومناة، والعزّى، أو كهبل، يعكفون على عبادته، ويشدّ إليه الرّحال من خارج المدينة، ويبدو أنّ الأصنام لم تنتشر في المدينة انتشارها في مكّة، فقد كان لكلّ بيت في مكة صنم خاصّ، وكانت الأصنام يطاف بها وتباع، فكانوا في الوثنيّة عيالا على أهل مكة وأتباعا لهم. وكان لأهل (المدينة) يومان يلعبون فيهما، فلمّا قدم النبيّ ﷺ المدينة

стр. 251

قال لهم: «قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما، يوم الفطر والأضحى» «١» ، وقد ذكر بعض شرّاح الحديث أنّهما النّيروز والمهرجان، وكأنّهم أخذوهما من الفرس «٢» . وكانت قريش تعترف بشرف الأوس والخزرج، وهم بنو قحطان العرب العاربة، وكانوا يصاهرونهم، ويتزوّجون فيهم، وقد تزوّج هاشم بن عبد مناف وهو سيد قريش في بني النجّار، تزوّج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عديّ بن النّجار، وهم من الخزرج إلا أنّهم كانوا يرون لأنفسهم فضلا عليهم، وقد قال عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة الذين دعوا إلى المبارزة يوم بدر، فخرج إليهم فتية من الأنصار فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ، فلمّا قاموا ودنوا منهم، وسمّوا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام «٣» . وكانوا ينظرون إلى الفلاحة التي كان يمارسها أهل المدينة بحكم طبيعة أرضهم ولاعتمادهم عليها في معاشهم نظرة فيها شيء من الاحتقار، وقد تجلّت هذه النظرة في الكلمة التي قالها أبو جهل وهو عقير، قد قتله ابنا عفراء

стр. 252

وهما من الأنصار، وقد أدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق «لو غير أكّار «١» قتلني» «٢» . الحالة الاقتصادية والحضارية: كانت مدينة يثرب بطبيعتها منطقة زراعيّة، وكان أكثر اعتماد أهلها على الزّراعة والبساتين، وكان من أهمّ حاصلاتها التّمر والعنب، فكانت فيها جنّات النّخيل والأعناب «٣» ، وجنّات معروشات وغير معروشات، وزروع ونخيل صنوان وغير صنوان «٤» ، ومن الزّروع الحبوب والبقول، وكان التمر وخاصة أيام الجدب، وتخلف الأمطار، يسدّ كثيرا من حاجة السكان الغذائية، وكان كعملة يتبادل بها أهلها عند الحاجة، وكانت النّخيل مصدر خيرات كثيرة في حياتهم، فكانوا يستخدمونه في الغذاء، والبناء،

стр. 253

والصناعة، والوقود، وعلف الدوابّ «١» . ولتمر المدينة أنواع كثيرة، وتفاصيل دقيقة تصعب الإحاطة بها «٢» . ولأهل المدينة تجارب وطرق في تنمية حاصل النخيل وتحسينه استفادوها من طول المراس، منها تأبير النخل «٣» . هذا لا ينفي وجود حركة تجارية في المدينة، ولكنّها لم تكن في القوّة والانتشار بمكانة الحركة التجارية في مكة، إذ كان اعتماد أبناء الوادي- وهي غير ذي زرع ومياه وفيرة- على التّجارة ورحلة الشّتاء والصّيف. وكانت في المدينة بعض الصّناعات يمارس أكثرها اليهود، ولعلّهم جلبوها من اليمن، فلم يزالوا فيه إلى أن غادروه في الزمن الأخير، حاذقين في الصناعات، وكان عامة بني قينقاع صاغة، وكانوا أغنى طوائف اليهود في مدينة يثرب، وكانت بيوتهم تحتوي على الأموال الطائلة، والحليّ الكثيرة من الفضّة والذهب، مع أنّ عددهم كان غير كثير «٤» . وقد منح الله أرض يثرب، وهي بركانية التربة، خصبا زائدا، وهي ذات

стр. 254

وديان كثيرة، تفيض بمياه السيول، فتروي أرضها وتسقي النخل والزروع، اشتهر منها وادي العقيق «١» ، الذي كان متنزّه المدينة، وكان يتدفّق بالماء، ويزهو بالبساتين، وكانت الأرض صالحة لحفر الآبار، وقد كثرت فيها البساتين، ومنها ما هو مسوّر ويسمّيه أهل المدينة «الحائط» «٢» . واشتهرت آبار كثيرة بعذوبة الماء ووفرته، وكانت لهم شراج «٣» ، وكانوا يحوّلون الماء بالمساحي إلى حدائقهم «٤» . وكان من الحبوب الرئيسيّة الشعير، ثم القمح، وتكثر الخضراوات والبقول، وكانت لهم طرق في المزارعة، والمؤاجرة، والمزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، والمعاومة، منها ما أقرّه الإسلام ومنها ما منعه أو أصلحه «٥» .

стр. 255

وكانت العملة في مكة والمدينة واحدة، وقد شرحناها ص (١٤٢- ١٤٣) . وكانت المدينة تعتمد على المكاييل، وتحتاج إليها أكثر من مكة، لاعتماد أهلها على الحبوب والثّمار «١» ، وكانت الأكيال المستعملة في المدينة هي المدّ والصّاع والفرق والعرق والوسق «٢» . أمّا الأوزان المستعملة فهي الدرهم والثقاف والدّانق والقيراط والنّواة والرّطل والقنطار والأوقيّة «١» . ولم تكن المدينة- على خصبها- مكتفية غذائيا، فكان أهلها يستوردون بعض المواد الغذائية من الخارج، وكانوا يجلبون دقيق الحوار والسمن والعسل، من الشام. قد جاء في حديث رواه الترمذيّ عن قتادة بن النعمان- ﵁: «كان الناس إنّما طعامهم بالمدينة، التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة «٣» ، من الشام من الدرمك «٤» ، ابتاع الرجل منها فخصّ بها نفسه، وأمّا العيال فإنّما طعامهم التمر والشعير «٥» ، والقصة تلقي ضوءا على الحالة الغذائيّة في المدينة- التي لم

стр. 256

تحدث بعد الهجرة فجأة- وعلى المستويات المختلفة في المعيشة. وكان اليهود- كما عرف من طبيعتهم وتاريخهم في كلّ بلد- أكثر غنى من العرب، وكان العرب بطبيعتهم العربيّة البدويّة، لا يفكّرون في المستقبل كثيرا، فيوفّرون له المال، وكانوا أهل ضيافة وكرم، يضطرون إلى الاستدانة من اليهود، وكثيرا ما تكون هذه الاستدانة بالربا والرهن. وكان لأهل المدينة ثروة من الإبل والبقر والأغنام، ويستخدمون الإبل في إرواء الأراضي ويسمّونها ب «الإبل النواضح» ، وكانت لهم مراع اشتهرت منها «زغابة» و «الغابة» ، يحتطب منها الناس، ويرعون فيها ماشيتهم «١» وكانت لهم خيل يستخدمونها في الحروب وإن كانت قليلة بالنسبة إلى مكة. وكان بنو سليم مشهورين باقتناء الخيل، يجلبونها من الخارج. وكانت في المدينة عدّة أسواق، أهمّها «سوق بني قينقاع» مركز بيع الحلي والمصوغات الذهبيّة، وكانت سوق للبزازين، وتوجد في المدينة المنسوجات القطنية والحريرية، والنّمارق الملونة والسّتور المرسومة «٢» . وكان عطّارون يبيعون أنواع العطور والمسك، وكان يوجد من يتّجر في العنبر والزّئبق «٣» . وكانت أنواع من البيع منها ما أقرّه الإسلام، ومنها ما منعه، مثل

стр. 257

النّجش «١» والاحتكار، وتلقي الرّكبان «٢» خارج المدينة، وبيع المصرّاة «٣» ، والبيع بالنّسيئة «٤» ، وبيع الحاضر للبادي، وبيع المجازفة «٥» ، وبيع المزابنة «٦» ، والمخاضرة «٧» «٨» ، وكان من الأوس والخزرج من يتعامل بالرّبا، وإن كان ذلك نادرا بالنسبة إلى اليهود. وقد توسّعت الحياة في المدينة بعض التوسّع، ورقت بحكم طبيعة أهلها، فكانت البيوت ذات طبقات «٩» ، وكانت لبعض البيوت حدائق، وكانوا يستعذبون الماء، وقد يأتون به من بعيد، وكانت توجد كراس «١٠» ، وكانت تستعمل أقداح من زجاج وأقداح من الحجارة، وسرج منوّعة «١١» ، وكانوا يستخدمون المكاتل والقفف في أعمال المنزل والزراعة، وكان للأغنياء شيء كثير من الأثاث لبيوتهم، خصوصا اليهود، وكانت أنواع من

стр. 258

الحلي كالأساور، والدمالج، والخلاخيل، والأقرطة، والخواتم، والعقود من الذهب أو من جزع ظفار «١» ، وكان الغزل والنسيج فاشيين في النساء، فكانت الخياطة والدباغة وعمل بناء البيوت، وضرب الطوب، والنحت، من الصناعات التي عرفت في المدينة قبل الهجرة. الوضع المعقد الذي واجهه الرسول ﷺ في مدينة يثرب: وهكذا لم ينتقل رسول الله ﷺ والمهاجرون من مدينة- مكة- إلى قرية- يثرب- بل انتقل من مدينة إلى مدينة، وإن كانت هي الآخرى تختلف عن الأولى في مظاهر كثيرة للحياة، وكانت أصغر منها نسبيا، ولكنّ الحياة فيها كانت أكثر تعقّدا، والقضايا التي سيواجهها الرسول أكثر تنوّعا، لوجود ديانات وبيئات وثقافات مختلفة، لا يتغلّب عليها ولا يصهر المدينة كلّها في بوتقة عقيدة واحدة، ودعوة واحدة إلا الرسول المؤيد من الله، الذي أعطاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وقوّة الجمع بين الأنماط البشرية الكثيرة، والقوى المتصارعة والأهواء المتعاكسة، وألقى عليه محبة منه، وصدق الله العظيم: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢- ٦٣]

стр. 259

خريطة أثرية تقريبية للمدينة المنورة

стр. 260

مساكن القبائل الهامة ومواقع الغزوات الإسلامية

стр. 261

في المدينة كيف استقبلت المدينة رسول الله ﷺ ؟ سمع الأنصار بخروج رسول الله ﷺ من مكّة، فكانوا يخرجون كلّ يوم إذا صلّوا الصبح إلى ظاهر المدينة، ينتظرون رسول الله ﷺ فما يبرحون حتّى تغلبهم الشمس على الظّلال، فيدخلون بيوتهم، وكان الزمن زمن صيف وحرّ. وقدم رسول الله ﷺ حين دخل الناس البيوت، وكان اليهود يرون ما يصنع الأنصار، وكان أول من رآه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته، وأخبر الأنصار بقدوم رسول الله، فخرجوا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظلّ نخلة، ومعه أبو بكر- ﵁ في مثل سنّه- وأكثرهم لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، وازدحم الناس، ما يميّزون بينه وبين أبي بكر، وفطن لذلك أبو بكر، فقام يظلّه بردائه فانكشف للناس الأمر «١» . واستقبلهما زهاء خمسمئة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. أقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتّى إنّ العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيّهم هو؟ أيّهم هو؟، يقول أنس

стр. 262

- ﵁: فما رأينا منظرا شبيها به «١» . وخرج الناس حين قدما المدينة في الطّرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر! جاء رسول الله، الله أكبر! جاء محمّد، الله أكبر! جاء محمد، الله أكبر! جاء رسول الله «٢» . ويقول البراء بن عازب- وكان حديث السّنّ-: قدم النبيّ ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ «٣» وكبّر المسلمون فرحا بقدومه، وما فرحوا لشيء في حياتهم كفرحهم بقدوم رسول الله ﷺ . وكانت المدينة باسمة الثّغر، ترفل في حلل الفرح والفخر، وكانت بنات الأنصار ينشدن «٤» في سرور ونشوة: [من مجزوء الرمل]

стр. 263

طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع أيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع يقول أنس بن مالك الأنصاريّ- وهو غلام يومئذ-: شهدت رسول الله ﷺ يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما قطّ، كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا «١» . مسجد قباء وأول جمعة في المدينة: وأقام رسول الله ﷺ ب «قباء» أربعة أيام، وأسّس مسجدا هناك، وخرج يوم الجمعة، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلّاها في مسجدهم، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة «٢» .

стр. 264

في بيت أبي أيوب الأنصاريّ: وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة والناس يتلقّونه في الطريق أرسالا، ويطلبون منه الإقامة عندهم، ويقولون: أقم عندنا في العدد والعدد والمنعة، ويمسكون بزمام النّاقة، فيقول: «خلّوا سبيلها، فإنّها مأمورة» ووقع ذلك مرارا. ولمّا مرّ النبيّ ﷺ بحيّ من بني النجّار إذا جوار يضربن بالدفوف ويقلن: [من الرجز] نحن جوار من بني النّجار ... يا حبّذا محمّد من جار حتّى إذا أتى دار بني مالك بن النجّار، بركت على مكان فيه باب المسجد النبويّ اليوم، وهو يومئذ مربد «١» لغلامين يتيمين من بني النجّار، وهم أخواله ﷺ . ونزل رسول الله ﷺ عن الناقة، فاحتمل أبو أيوب- خالد بن زيد النجاريّ الخزرجيّ- رحله، فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ فبالغ أبو أيوب في ضيافته وإكرامه، ونزل في السّفل من البيت، وكره أبو أيوب وأعظم أن يكون في العلوّ، فطلب منه أن يكون هو ﷺ في العلوّ، ويكون هو- ﵁ وعياله في السفل، فقال: «يا أبا أيوب! إنّ أرفق بنا وبمن معنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت» .

стр. 265

ولم يكن أبو أيوب الأنصاريّ من الموسرين، لكنّه كان عظيم الفرح بنزول رسول الله ﷺ في بيته، كبير الاعتداد والشكر لهذه الكرامة التي أكرمه الله بها. والحبّ يلهم من أساليب الراحة وطرائق الخدمة، ما لا يلهمه شيء آخر، يقول أبو أيوب: وكنّا نصنع لرسول الله ﷺ العشاء، ثمّ نبعث إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيممت أنا وأمّ أيوب موضع يده، فأكلنا منه، نبتغي بذلك البركة، وكان رسول الله ﷺ في سفل البيت وكنّا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حبّ «١» لنا فيه ماء، فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشّف بها الماء، تخوّفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه «٢» . بناء المسجد النبويّ والمساكن: ودعا رسول الله ﷺ الغلامين- صاحبي المربد- «٣» فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا «٤» .

стр. 266

وعمل رسول الله ﷺ في بناء المسجد، فكان ينقل اللّبن، واقتدى به المسلمون، وكان رسول الله ﷺ يقول: اللهمّ إنّ الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره «١» وكان المسلمون مسرورين سعداء، ينشدون الشعر، ويحمدون الله تعالى. وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب سبعة أشهر «٢» ، حتّى بني له مسجده ومساكنه، فانتقل إلى مساكنه. وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ﷺ فلم يبق بمكة منهم أحد، إلّا مفتون، أو محبوس، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها «٣» . كان من الإصلاحات والتطويرات المباركة- وإن كانت لفظية واسمية- تغيير اسم المدينة، فقد كان اسم المدينة المنوّرة القديم «يثرب» ومعناه ذميم يتشاءم به، لأنّ الثّرب فساد في كلام العرب، والتثريب هو اللوم والتعيير «٤» ، وكان اسما شائعا تقصد وتعرف به هذه المدينة، وقد قال الله تعالى: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب: ١٣] . وقد ورد في حديث صحيح أنّ رسول الله ﷺ غيّر اسمها من يثرب إلى

стр. 267

«المدينة» ، ونهى عن استخدام اسمها القديم، وقال: «هي طابة» «١» ، وورد في صحيح البخاري قوله ﷺ : «هذه طابة» «٢» . قال ابن عباس ﵁: «من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله ثلاثا إنّما هي طيبة» «٣» . المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على المواساة، وكان الأنصار يتسابقون في مؤاخاة المهاجرين، حتّى يؤول الأمر إلى الاقتراع، وكانوا يحكمونهم في بيوتهم وأثاثهم وأموالهم وأرضهم وكراعهم، ويؤثرونهم على أنفسهم. وقد يقول الأنصاريّ «٤» للمهاجر «٥» : انظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيّهما أعجب إليك حتى أطلقها، ويقول المهاجر: بارك الله لك في أهلك ومالك، ودلّني على السّوق. فكان من الأنصاريّ الإيثار، ومن المهاجر التعفّف وعزّة النفس «٦» .

стр. 268

وكان هذا الإخاء أساسا لإخاء إسلاميّ عالميّ فريد من نوعه، ومقدمة لنهضة أمة ذات دعوة ورسالة، تنطلق لصياغة عالم جديد، قائم على عقائد صحيحة معيّنة وأهداف صالحة منقذة للعالم من الشّقاء والتناحر والانتحار وعلى علاقات جديدة من الإيمان والإخاء المعنويّ والعمل المشترك، وكان هذا الإخاء المحدود بين المهاجرين والأنصار طليعة وشريطة لاستئناف حياة جديدة للعالم والإنسانية، لذلك خاطب الله هذه الحفنة البشرية في مدينة صغيرة بقوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: ٧٣] كتابه ﷺ بين المهاجرين والأنصار وموادعة يهود: وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهودا، وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم «١» .

стр. 269

شرع الأذان: ولمّا اطمأنّ رسول الله ﷺ بالمدينة، واستحكم أمر الإسلام، وكان الناس يجتمعون إليه للصلاة في مواقيتها بغير دعوة، وكره رسول الله ﷺ طرق الإعلان التي اعتادها اليهود والنصارى من بوق وناقوس ونار، أكرم الله المسلمين بالأذان، فأراه بعضهم في المنام، فأقرّه رسول الله ﷺ وشرعه للمسلمين، واختير بلال بن رباح الحبشيّ للأذان، وكان مؤذّن رسول الله ﷺ فكان إمام المؤذّنين إلى يوم القيامة» . ظهور النفاق والمنافقين في المدينة: لم يكن في مكة نفاق «٢» ؛ لأنّ الإسلام كان هناك مغلوبا على أمره، لا يملك حولا ولا طولا، ولا يملك لأحد نفعا ولا ضرّا؛ وكان كلّ من يدخل فيه يعرّض نفسه للخطر والضّرر، ويثير لها العداء، ويهيج الأعداء، فلا يقبل عليه إلا من صدق عزمه، وقوي إيمانه، وجازف بحياته ومستقبله، ولم تكن هنالك قوتان متماثلتان، إنّما كان المشركون الأقوياء القاهرون، والمؤمنون المضطهدون المستضعفون، وقد صوره القرآن بقوله البليغ: وَاذْكُرُوا إِذْ

стр. 270

أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال: ٢٦] . فلمّا انتقل الإسلام إلى المدينة واستقرّ الرسول ﷺ وأصحابه فيها، وبدأ الإسلام ينتشر، ويزحف، ويعلو، وقام المجتمع الإسلاميّ بجميع لوازمه، تغير الوضع ونجم النفاق ورفع رأسه، وكان ظاهرة طبيعية نفسية لا بدّ منها، فإنّما تظهر بادرة «النفاق» في بيئة تجمع بين دعوتين متنافستين، وقيادتين متقابلتين، هناك يوجد عنصر مضطرب يتأرجح بين هاتين الدعوتين، ويتردد في إيثار إحداهما على الآخرى، وقد ينحاز إلى دعوة، فيكون في معسكرها، ويعطيها ولاءه وحبّه العاطفيّ، إلا أنّ مصالحه المادية، وانتشار الدعوة المقابلة وانتصارها، لا يسمح له بإعلان موقفه، والانضواء إلى الدعوة الأولى، وقطعه للحبال التي تربطه ببيئته الأولى، وقد صوّر القرآن هذا الموقف المضطرب تصويرا دقيقا، فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١] ، وهم الذين وصفهم بقوله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: ١٤٣] . وكان على رأس هؤلاء المنافقين الذين كانوا من الأوس والخزرج واليهود عبد الله بن أبيّ ابن سلول، اتفقوا بعد حرب بعاث على أن يولّوه الرئاسة ويتوّجوه، وكان قد تمّ له كلّ ذلك إذ جاء الإسلام، وصار النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، فشرق به وكرهه كرها شديدا، قال ابن هشام: «قدم رسول الله ﷺ المدينة، وسيّد أهلها عبد الله بن أبيّ ابن سلول العوفيّ.. لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل غيره من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه، ثمّ يملكوه عليهم،

стр. 271

فجاءهم الله تعالى برسوله ﷺ وهم على ذلك، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الإسلام، ضغن «١» ، ورأى أنّ رسول الله ﷺ قد استلبه ملكا، فلمّا رأى قومه قد أبوا إلّا الإسلام دخل فيه كارها، مصرّا على نفاق وضغن» «٢» . وعادى الإسلام كلّ من كان في قلبه مرض، وفي السيادة طمع، وضاق ذرعا بهذا الدّين الزاحف، الذي هدم كلّ ما بناه، ونقض كلّ ما أبرمه، وجعل للمدينة شأنا غير الشأن، ومن المهاجرين والأنصار أمة جديدة، ألّف بين قلوبها، وبذلت نفوسها دون الرسول، وقدّمت محبّته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، فامتلأت قلوب هؤلاء المنافقين غيظا وحسدا، فصاروا يكيدون له، ويتربّصون به الدوائر، ويقلّبون له الأمور، وتكونت في المدينة جبهة معادية، متسرّبة في المجتمع الإسلاميّ، وكان على المسلمين أن يكونوا منها على حذر دائما، فقد تكون أشدّ خطرا على الإسلام والمسلمين من الأعداء المجاهرين، ومن هنا زخر القرآن بذكرهم وإزاحة السّتار عنهم، وكان لهم مع الإسلام وللإسلام معهم شأن، ويتردّد ذكرهم في كتب السيرة، وفي هذا الكتاب. طلائع عداء اليهود: وبدت طلائع عداء اليهود للإسلام بعد ما كان موقفهم موقف الحياد من المسلمين والمشركين من أهل مكة والمدينة، وربّما كانوا أميل إلى الإسلام

стр. 272

والمسلمين، لأنّهم جميعا يلتقون على الإيمان بالنبوات والإيمان بالبعث، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، وهم أقرب الأمم إلى المسلمين في توحيد ذات الله وصفاته- على ما اعترى هذه العقيدة عند اليهود من الوهن بحكم التأثر بالأمم الجاهليّة التي جاوروها، والبلاد الوثنيّة التي قضوا فيها أيام الجلاء والنفي الطويلة، وما دخل فيها من الغلوّ والتقديس لبعض أنبيائهم، كما شرحناه في كلامنا على الوضع الدينيّ لليهودية في القرن السادس المسيحيّ «١» . فكانت كلّ القرائن تدلّ على أنّهم يلتزمون هذا الحياد، إن لم يشايعوا الإسلام الذي جاء مصدّقا لكتابهم، والنبيّ الذي دعا إلى الإيمان بأنبياء بني إسرائيل، وأعلن القرآن على لسان المؤمنين فقال: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] ، ولو كان ذلك لكان للتاريخ البشريّ- فضلا عن التاريخ الإسلاميّ- اتجاه آخر، ولكفيت الدعوة الإسلاميّة الشيء الكثير من المشاكل والقضايا التي أثارها الصراع بين الإسلام واليهودية، والنضال بين المسلمين الذين كانوا في دور النشوء والتكوين وبين اليهود الأقوياء الأغنياء المثقّفين. ولكنّ ذلك لم يكن لسببين رئيسيين: أوّلهما: ما طبع عليه اليهود من حسد، وضيق صدر، وجمود. وثانيهما: ما بدأ القرآن به من نقد لما كان عليه اليهود من عقائد باطلة، وأخلاق منحطة، وعادات سيئة، وذكر لتاريخهم الماضي المليء بالأحداث من محاربة الأنبياء ودعواتهم، والاجتراء على قتلهم، وعنادهم، وصدّ عن

стр. 273

سبيل الله، وافتراء على الله، وشره للمال، وأخذهم الرّبا وقد نهوا عنه، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكلهم السّحت، وتحريفهم للتوراة، وحبّهم الزائد للحياة، وغير ذلك مما زخر به القرآن. وإذا كان مكان رسول الله ﷺ زعيم سياسيّ لحسب للوضع المعقّد- الذي كانت تعيشه المدينة- حسابه، وابتعد عن إثارة سخط اليهود وعدائهم، إن لم يتملّقهم ويتودّد إليهم، ولكنّه الرسول المأمور بتبليغ الرسالة، والصدع بما أمر به، وتمحيص الحقّ والباطل، وعدم مسايرة الفساد والضّلال، والمكلّف بدعوة الطوائف والأمم جميعا إلى الإسلام، وفيهم اليهود والنصارى أهل الكتاب، مهما كلّفه ذلك من ثمن ومشكلات طريفة، فإنّه هو النهج النبويّ الذي سار عليه الأنبياء قبله، وهو النهج القويم، والفارق بين السياسة والنبوّة، والزعماء القوميّين والأنبياء المرسلين. هذا التعرّض لليهود في عقائدهم وحياتهم وأخلاقهم هو الذي أثار اليهود على الإسلام والمسلمين، فغيّروا موقفهم منهم، وناصبوا الإسلام العداء الخفيّ والسافر، وبرزوا في الميدان، وكان الكاتب اليهودي الفاضل «إسرائيل ولفنسون» دقيقا ومنصفا «١» في تحليل أسباب هذا النزاع، فقال: «لو وقفت تعاليم الرسول ﷺ عند حدّ محاربته للدّيانة الوثنيّة فحسب، ولم يكلّف اليهود أن يعترفوا برسالته، لما وقع نزاع بين اليهود والمسلمين، ولكان اليهود قد نظروا بعين ملؤها التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول ﷺ ، ولأيّدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم، حتى يحطّم الأصنام، ويقضي على العقائد الوثنيّة، لكن بشرط ألا يتعرّض لهم ولا لدينهم، وبشرط ألا يكلّفهم الاعتراف بالرسالة الجديدة، لأنّ العقلية اليهودية لا تلين أمام شيء يزحزحها

стр. 274

عن دينها، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبيّ من غير بني إسرائيل» «١» . هذا، وقد زاد اليهود غيظا وحقدا على الإسلام أنّه أسلم بعض أحبار اليهود وعلمائهم، كعبد الله بن سلام «٢» ، وكان ذا مكانة عالية عندهم، ولم يكونوا يتوقّعون أن يدخل مثله في الإسلام، فأثار ذلك الحقد الدفين فيهم «٣» . ولم يقتصر اليهود على مخالفة الإسلام، والابتعاد عنه، بل تعدّوا ذلك إلى تفضيل عبادة أوثان المشركين على المسلمين؛ الذين يلتقون معهم على عبادة الإله الواحد، ونبذ الأوثان والأصنام، وكان من المعقول المنتظر أنّهم إذا طلبت منهم المفاضلة بين دين قريش، والدين الذي يدعو إليه محمد ﷺ ، على ما كان من خلاف بينهم وبين المسلمين- أن يشهدوا بفضل الإسلام على الوثنيّة، ولكنّ عداء الإسلام لم يسمح لهم بذلك، فقد روي أنّ قريشا قالت لعلماء اليهود الذين زاروهم في مكة: «يا معشر اليهود! إنّكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه، نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟!، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ» «٤» .

стр. 275

ويقول العالم اليهوديّ الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على هذا الحادث: «ولكنّ الذي يلامون عليه بحقّ، والذي يؤلم كلّ مؤمن بإله واحد من اليهود والمسلمين على السواء، إنما هو تلك المحادثة التي جرت بين نفر من اليهود، وبين بني قريش الوثنيّين، حيث فضّل هؤلاء النفر من اليهود أديان قريش على دين صاحب الرسالة الإسلاميّة» . إلى أن قال: «ثمّ إنّ ضرورات الحروب أباحت للأمم استعمال الحيل والأكاذيب، والتوسل بالخدع والأضاليل للتغلّب على العدوّ، ولكن مع هذا كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألّا يصرّحوا أمام زعماء قريش، بأنّ عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلاميّ، ولو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم، لأنّ بني إسرائيل الذين كانوا مدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتّى من الأدوار التاريخيّة، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم وكلّ عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين» «١» . وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: ٥١] . تحويل القبلة: وكان رسول الله ﷺ والمسلمون يصلّون إلى بيت المقدس، ومضى على ذلك ستة عشر شهرا بعدما قدم المدينة، وكان رسول الله ﷺ يحبّ أن يصرف

стр. 276

إلى الكعبة، وكان المسلمون العرب- وقد رضعوا لبان حبّ الكعبة وتعظيمها، وامتزج ذلك بلحومهم ودمائهم- لا يعدلون بالكعبة بيتا، ولا بقبلة إبراهيم وإسماعيل قبلة، وكانوا يحبّون أن يصرفوا إلى الكعبة، وكان في جعل القبلة إلى بيت المقدس محنة للمسلمين، ولكنّهم قالوا: «سمعنا وأطعنا» وقالوا: «آمنّا به كلّ من عند ربنا» فلم يكونوا يعرفون إلا الطاعة لرسول الله ﷺ والخضوع لأوامر الله، وافقت هواهم أم لم توافقها، واتفقت مع عاداتهم أم لم تتّفق. فلما امتحن الله قلوبهم للتقوى واستسلامهم لأمر الله، صرف رسوله والمسلمين إلى الكعبة «١» ؛ يقول القرآن: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة: ١٤٣] . وانصرف المسلمون إلى الكعبة مطيعين لله ولرسوله، وصارت قبلة المسلمين إلى يوم القيامة أينما كانوا ولّوا وجوههم شطرها «٢» .

стр. 277

تحرّش قريش بالمسلمين بالمدينة: فلمّا استقرّ الإسلام بالمدينة، وعرفت قريش أنّه في نموّ وازدهار، وأنّ كلّ يوم يمضي يزيد في قوّته وانتشاره، وأنّه إذا بقي الوضع هكذا، فإنّه يفلت منهم الزمام، ويصير كشابّ ترعرع واستكمل قوّته وشبابه، فلا سبيل لهم إليه. هنالك شمّروا للمسلمين عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كلّ جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح، ويقول لهم: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: ٧٧] حتى تهون عليهم الحياة واللذّات، وتسهل لهم الطاعة ومخالفة النفس والإيثار.

стр. 278

الإذن بالقتال فلمّا قويت الشوكة، واشتدّ الجناح، أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم «١» ، فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] «٢» . وبدأ رسول الله ﷺ يبعث سرايا وبعوثا إلى بعض القبائل والنّواحي، ولم تكن في غالب الأحيان حرب، وقد تكون مناوشات، وكانت تفيد إلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتظهر بها شوكة المسلمين ونشاطهم. سرية عبد الله بن جحش: ونخصّ بالذكر من هذه السّرايا سريّة عبد الله بن جحش، فقد نزلت فيها آية، ولأنّها تلقي ضوءا على أنّ القرآن لا يساير المسلمين في كلّ ما يصدر عنهم من تفريط أو خطأ، وأنّه الميزان العادل في الحكم على جميع الأمم والطوائف، وإلى القارىء قصّة هذه السرية بالاختصار: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسديّ في رجب «٣» سنة اثنتين وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب له كتابا، وأمره ألّا ينظر فيه،

стр. 279

حتى يسير يومين ثمّ ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. ولمّا سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلمّا نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثمّ قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا، حتّى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها، فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأمّا أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحد. ومضى عبد الله بن جحش وأصحابه حتّى نزلوا بنخلة، فمرّت بهم عير لقريش، فيها عمرو بن الحضرميّ، فلما رآهم القوم، هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه، فلمّا رأوه أمنوا، وقال: عمّار «١» لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب «٢» فقال المسلمون: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة

стр. 280

ليدخلنّ الحرم، فليمتنعنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التّميميّ عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر اثنين منهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين. فلمّا قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلمّا قال ذلك رسول الله ﷺ سقط في أيدي القوم، وظنّوا أنّهم قد هلكوا، عنّفهم إخوانهم المسلمون فيما صنعوا وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ «١» [البقرة: ٢١٧] . قال العلّامة ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد» : «والمقصود أنّ الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرّىء أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشّهر الحرام بل أخبر أنّه كبير، وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشّهر الحرام، فهم أحقّ بالذمّ والعيب والعقوبة، لا سيّما وأولياؤه كانوا متأوّلين في قتالهم ذلك، أو

стр. 281

مقصّرين نوع تقصير، يغفر لهم الله في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله» «١» . غزوة الأبواء: وغزا رسول الله ﷺ بنفسه «غزوة الأبواء» «٢» ، وتسمّى (بواطا) كذلك، وهي أولّ غزوة غزاها بنفسه، ولم يلق كيدا، فرجع، وتلتها غزوات وسرايا. فرض صوم رمضان: وفي السّنة الثانية الهجريّة فرض الصوم، وذلك بعد أن رسخت العقيدة في قلوب المسلمين، وألفوا الصلاة، وهاموا بها، وتلقّوا الأوامر والأحكام الشرعيّة بقبول واستعداد، كأنّهم كانوا منها على ميعاد، وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] . وقال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «٣» [البقرة: ١٨٥] .

стр. 282

خريطة السرايا قبل غزوة بدر

стр. 283

خريطة غزوة بدر الكبرى ١٧/ رمضان ٢ ه ـ

стр. 284

معركة بدر الحاسمة: سنة اثنتين من الهجرة أهميّة معركة بدر: وفي رمضان سنة اثنتين من الهجرة، كانت غزوة بدر الكبرى «١» ، وهي المعركة الحاسمة التي تقرّر مصير الأمّة الإسلاميّة ومصير الدعوة الإسلاميّة، وعليها يتوقف مصير الإنسانيّة المعنويّ. فكلّ ما حدث من فتوح وانتصارات، وكلّ ما قام من دول وحكومات، مدين للفتح المبين في ميدان بدر، ولذلك سمّى الله هذه المعركة ب «يوم الفرقان» فقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١] . وكان من خبر هذه الغزوة أنّ رسول الله ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشّام في عير عظيمة لقريش، فيها أموالهم وتجارتهم، وكانت الحرب قائمة بين المسلمين وبين قريش المشركين، لا تألو قريش في محاربة الإسلام، والصدّ عن سبيل الله، وإقامة الصعوبات للمسلمين، وكانت تبذل أموالها وكلّ ما تملكه، من حول وطول، ومن سلاح وكراع «٢» في محاربة

стр. 285

الإسلام، وإضعاف شأن المسلمين، وكانت كتائبهم تصل إلى حدود المدينة وإلى مراعيها. فلمّا سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشّام على رأس هذه العير، وكان من أشدّ الناس عداوة للإسلام، ندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، ولم يحتفل احتفالا بليغا، لأنّ الأمر أمر عير لا نفير «١» .
следующие страницы →