← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مقصّرين نوع تقصير، يغفر لهم الله في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله» «١» . غزوة الأبواء: وغزا رسول الله ﷺ بنفسه «غزوة الأبواء» «٢» ، وتسمّى (بواطا) كذلك، وهي أولّ غزوة غزاها بنفسه، ولم يلق كيدا، فرجع، وتلتها غزوات وسرايا. فرض صوم رمضان: وفي السّنة الثانية الهجريّة فرض الصوم، وذلك بعد أن رسخت العقيدة في قلوب المسلمين، وألفوا الصلاة، وهاموا بها، وتلقّوا الأوامر والأحكام الشرعيّة بقبول واستعداد، كأنّهم كانوا منها على ميعاد، وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] . وقال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «٣» [البقرة: ١٨٥] .

стр. 282

خريطة السرايا قبل غزوة بدر

стр. 283

خريطة غزوة بدر الكبرى ١٧/ رمضان ٢ ه ـ

стр. 284

معركة بدر الحاسمة: سنة اثنتين من الهجرة أهميّة معركة بدر: وفي رمضان سنة اثنتين من الهجرة، كانت غزوة بدر الكبرى «١» ، وهي المعركة الحاسمة التي تقرّر مصير الأمّة الإسلاميّة ومصير الدعوة الإسلاميّة، وعليها يتوقف مصير الإنسانيّة المعنويّ. فكلّ ما حدث من فتوح وانتصارات، وكلّ ما قام من دول وحكومات، مدين للفتح المبين في ميدان بدر، ولذلك سمّى الله هذه المعركة ب «يوم الفرقان» فقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١] . وكان من خبر هذه الغزوة أنّ رسول الله ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشّام في عير عظيمة لقريش، فيها أموالهم وتجارتهم، وكانت الحرب قائمة بين المسلمين وبين قريش المشركين، لا تألو قريش في محاربة الإسلام، والصدّ عن سبيل الله، وإقامة الصعوبات للمسلمين، وكانت تبذل أموالها وكلّ ما تملكه، من حول وطول، ومن سلاح وكراع «٢» في محاربة

стр. 285

الإسلام، وإضعاف شأن المسلمين، وكانت كتائبهم تصل إلى حدود المدينة وإلى مراعيها. فلمّا سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشّام على رأس هذه العير، وكان من أشدّ الناس عداوة للإسلام، ندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، ولم يحتفل احتفالا بليغا، لأنّ الأمر أمر عير لا نفير «١» .

стр. 286

وبلغ أبا سفيان مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فأرسل إلى مكة مستصرخا لقريش ليمنعوه من المسلمين، وبلغ الصريخ أهل مكّة، فجدّ جدّهم، ونهضوا مسرعين ولم يتخلّف من أشرافهم أحد، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلّف عنهم أحد من بطون قريش إلا القليل النادر، وجاؤوا على حميّة، وغضب، وحنق. تجاوب الأنصار وتفانيهم في الطاعة: ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش استشار أصحابه، وكان يعني الأنصار لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم، فلمّا عزم على الخروج من المدينة، أراد أن يعلم ما عندهم، فتكلم المهاجرون، فأحسنوا، ثمّ استشارهم ثانيا فتكلّموا أيضا فأحسنوا، ثمّ استشارهم ثالثا، ففهمت الأنصار

стр. 287

أنّه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله! كأنّك تعرض بنا، لعلّك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها ألا تنصرك إلّا في ديارهم، إنّي أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان «١» ، لنسيرنّ معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك. وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: «اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون» ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك. فلمّا سمع رسول الله ﷺ ذلك أشرق وجهه، وسرّ بما سمع من أصحابه، وقال: «سيروا، وأبشروا» «٢» . تنافس الغلمان في الجهاد والشهادة: ولمّا توجّه المسلمون إلى بدر، خرج غلام اسمه عمير بن أبي وقّاص، وهو في السادسة عشرة من سنّه، وكان يخاف ألا يقبله النبيّ ﷺ لأنّه صغير، فكان يجتهد ألا يراه أحد، وكان يتوارى، وسأله أخوه الأكبر: سعد بن أبي وقّاص، عن ذلك فقال: أخاف أن يردّني رسول الله ﷺ وأنّا أحبّ

стр. 288

الخروج، لعلّ الله يرزقني الشهادة، وكان كذلك، فأراد رسول الله ﷺ أن يردّه لأنّه لم يبلغ مبلغ الرجال، فبكى عمير، ورقّ له قلب رسول الله ﷺ فأجازه، وقتل شهيدا في الغزوة «١» . التفاوت بين المسلمين والكفار في العدد والعدد: وخرج رسول الله ﷺ مسرعا في ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لم يكن معهم من الخيل إلا فرسان، وسبعون بعيرا، يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد «٢» ، لا فرق في ذلك بين جنديّ وقائد، وتابع ومتبوع، فكان منهم رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة «٣» . ودفع اللّواء إلى مصعب بن عمير، وراية المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب، وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ. ولمّا سمع أبو سفيان خروج المسلمين، خفض ولحق بساحل البحر، ولمّا رأى أنّه قد نجا وسلمت العير، كتب إلى قريش أن ارجعوا، فإنّكم إنّما خرجتم لتحرزوا عيركم، وهمّوا بالرجوع، فأبى أبو جهل إلا القتال «٤» ، وكانت قريش بين ألف وزيادة «٥» ، منهم صناديد قريش وسادتها، وفرسانها

стр. 289

وأبطالها، فقال رسول الله ﷺ : «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «١» . أمرهم شورى بينهم: ومضت قريش، حتّى نزلوا بجانب من الوادي، ونزل المسلمون بجانب بدر، فجاء الحباب بن المنذر، وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله! فإنّ هذا ليس بمنزل، وأشار عليه بأرض تصلح للحرب. فقال رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي، ونهض ومن معه من الناس، فأتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه «٢» . وسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء شطر الليل، وصنعوا الحياض وسمح رسول الله ﷺ لمن وردها من الكفار بالشّرب «٣» . وأنزل الله في تلك الليلة مطرا، كان على المشركين وابلا شديدا، ومنعهم من التقدّم، وكان على المسلمين رحمة، وطّأ الأرض،

стр. 290

وصلّب الرمل، وثبّت الأقدام، وربط على قلوبهم «١» . وهو قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: ١١] . الرسول القائد: وتجلّت عبقريته القيادية العسكرية- بجوار رسالته العظمى التي هي الأساس ومصدر الإلهام والهداية- في قيادته للجيش، وتعبئته الحكيمة، وسدّه لمنافذ الخطر والهجوم، وتقديره الصحيح لقوّة العدوّ الحربيّة وعدده ومواضع نزوله، جاءت تفاصيلها في كتب السيرة «٢» . استعداد للمعركة: وبني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيه، على تلّ مشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: «هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، إن شاء الله» ، فما تعدّى أحد منهم موضع إشارته «٣» . ولمّا طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ

стр. 291

هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحاربك، وتكذّب رسولك» «١» . وكانت ليلة الجمعة، السابع عشر من رمضان، فلمّا أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها، واصطفّ الفريقان «٢» . دعاء وتضرّع، ومناشدة وشفاعة: عدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ورجع إلى العريش، فدخله، ومعه أبو بكر، ورسول الله ﷺ يكثر الابتهال، والتضرّع، والدعاء، وقد علم أن لو وكل المسلمون إلى أنفسهم وقوتهم فالنتيجة معلومة واضحة، نتيجة كلّ قليل ضعيف أمام قويّ كثير العدد، ولمّا رأى الكفّتين: كفّة المسلمين وكفّة المشركين، غير متكافئتين، وضع صنجة «٣» في كفّة المسلمين، رجحت بها رجحانا ظاهرا، فاستغاث بالله الذي لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الأنفال: ١٠] . وشفع للكتيبة المؤمنة القليلة العدد، الفقيرة في العدد، فقال: «اللهمّ! إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض» . وجعل يهتف بربّه ويقول: «اللهمّ! أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ

стр. 292

رسم ساحة القتال في غزوة بدر الكبرى ويبدو في جوانبها الحائط الذي بني حولها، وتقع العدوة القصوى في جانب اليسار من الرسم في الجهة الجنوبية من الساحة والتي كان نزول جيش الكفار فيها. أما العدوة الدنيا فإنها تقع في نهاية الرسم الشرقي وكانت منزل الجيش الإسلامي وتقع بمقربة منها مقابر شهداء بدر التي يبدو جزء من حائطها في الرسم. رسم ساحة القتال في غزوة بدر

стр. 293

نصرك» ويرفع يديه إلى السماء، حتّى سقط الرّداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر ﵁ يسلّيه، ويشفق عليه من كثرة الابتهال «١» . تعريف دقيق بالأمّة وتحديد لمركزها ورسالتها: لقد شفع الرسول ﷺ لهذه العصابة المؤمنة في هذه الساعة الحاسمة الدقيقة، بالكلمة الوجيزة التي تجلّت فيها الثقة والاضطراب والسكينة والافتقار جنبا لجنب، فكانت أدقّ تعريف بهذه الأمة وأدق تحديد لمركزها ومكانتها بين الأمم، وقيمتها وغنائها في هذا العالم، والثغر الذي ترابط عليه، وهو الدعوة إلى الله وإخلاص الدين والعبادة له. وقد أثبت الانتصار الرائع المعجز الذي أبطل كلّ تجربة، صدق هذه الكلمة ودقّتها، وأنّها كانت تصويرا دقيقا لهذه الأمّة «٢» .

стр. 294

هذان خصمان اختصموا في ربّهم: ثمّ خرج رسول الله ﷺ إلى النّاس، فحرّضهم على القتال، وخرج عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فلمّا توسّطوا بين الصفين، طلبوا المبارزة فخرج إليهم ثلاثة فتية من الأنصار فقالوا: من أنتم؟!. قالوا: رهط من الأنصار!. قالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من بني عمّنا. قال النبيّ ﷺ : «قم يا عبيدة بن الحارث (ابن المطلب بن عبد مناف) وقم يا حمزة، وقم يا عليّ» . قالوا: نعم أكفاء كرام. وبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة وعليّ فلم يمهلا خصميهما أن قتلاهما، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة، فأجهزا عليه، واحتملا عبيدة وهو جريح، ومات شهيدا «١» . التحام الفريقين ونشوب الحرب: وتزاحم الناس، ودنا بعضهم من بعض، ودنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» «٢» .

стр. 295

أول قتيل: وقام عمير بن الحمام الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله! جنّة عرضها السّماوات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بخ بخ «١» يا رسول الله!. قال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهنّ، ثمّ قال: لئن حييت حتى آكل من تمراتي هذه، إنّها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثمّ قاتل، حتّى قتل فكان أول قتيل «٢» . والناس على مصافّهم، صابرون ذاكرون الله كثيرا، وقاتل رسول الله ﷺ قتالا شديدا، وكان أقرب الناس من العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأسا «٣» ، ونزّل الله الملائكة بالرحمة والنصر، وقاتلوا المشركين، وهو قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] .

стр. 296

مسابقة الإخوة في قتل أعداء الله ورسوله: وتسابق الشباب في الشهادة ونيل السعادة، وكانت مسابقة بين أخلّاء وأصدقاء، وإخوة أشقّاء. يقول عبد الرّحمن بن عوف: «إنّي لفي الصفّ يوم بدر، إذ التفتّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السّنّ، فكأنّي لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرّا من صاحبه: يا عمّ أرني أبا جهل فقلت: يابن أخي ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرّا من صاحبه مثله، قال: فما سرّني أنّي بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصّقرين حتّى ضرباه، وهما أبناء عفراء» «١» . ولمّا قتل أبو جهل قال رسول الله ﷺ : «هذا أبو جهل فرعون هذه الأمّة» «٢» . الفتح المبين: ولمّا أسفرت الحرب عن انتصار المسلمين وهزيمة المشركين، قال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . وصدق الله العظيم:

стр. 297

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣] . وأمر بالقتلى أن يطرحوا بالقليب فطرحوا فيه، ووقف عليهم، فقال: «يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقا» «١» . وقتل من سراة الكفّار يوم بدر سبعون وأسر سبعون «٢» ، ومن المسلمين من قريش ستّة ومن الأنصار ثمانية «٣» . وقع معركة بدر: وتوجّه رسول الله ﷺ إلى المدينة مؤيّدا مظفّرا، وقد خافه كلّ عدوّ له بالمدينة وحولها، وأسلم بشر كثير من أهل المدينة. وأرسل رسول الله ﷺ بشيرين إلى المدينة منهما عبد الله بن رواحة، يبشّر أهل المدينة، ويقول: «يا معشر الأنصار! أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، ويسمّي من قتل في بدر من صناديد قريش، يبشّرهم دارا دارا، والصبيان ينشدون الأبيات معه سرورا وشكرا، والناس بين مصدّق ومتردّد، حتّى أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة، وجيء بالأسرى وعليهم «شقران» مولى رسول الله ﷺ «٤» ، حتّى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون

стр. 298

يهنّئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين. ووقعت النياحة في بيوت المشركين بمكّة، وكثر البكاء على القتلى «١» ، ودخل الرعب في قلوب الأعداء، ونذر أبو سفيان ألّا يمسّ رأسه ماء، حتّى يغزو رسول الله ﷺ والمسلمين، ووجد المسلمون المستخفون في مكة في أنفسهم قوّة وعزا. إخاء العقيدة فوق إخاء الولادة: أسر يوم بدر أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمّه، وكان مصعب صاحب اللواء يوم بدر، وأبو عزيز صاحب لواء المشركين، ومرّ به أخوه مصعب ورجل من الأنصار يشدّ يديه، فأوصاه بأن يشدّ الوثاق، قال: إنّ أمّه ذات متاع لعلّها تفديه منك، فقال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي؟! فقال له مصعب: إنّه أخي من دونك «٢» . كيف عامل المسلمون الأسرى ؟ وأوصى رسول الله ﷺ بالأسرى، فقال: «استوصوا بهم خيرا» يقول أبو عزيز هذا: «كنت في رهط من الأنصار، حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التّمر، لوصيّة رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي، فأردّها، فيردّها عليّ، ما يمسّها «٣» . وكان من الأسرى العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ وابن عمّه

стр. 299

عقيل بن أبي طالب «١» ، وأبو العاص بن الربيع، زوج بنت النبيّ ﷺ وكان حكم الإسلام عاما، لا يميّز بين قريب وبعيد. تعليم غلمان المسلمين فداء الأسرى: وعفا رسول الله ﷺ عن الأسرى، وقبل منهم الفداء، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان من لا شيء له منّ عليه رسول الله ﷺ فأطلقه، وبعثت قريش في فداء الأسارى وأطلق سراحهم. وكان من بين الأسرى، من لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة «٢» ، فيعلّم كلّ واحد عشرة من المسلمين الكتابة «٣» . وكان زيد بن ثابت ممّن تعلّم بهذا الطريق، وكان في ذلك من تقدير العلم وتشجيع القراءة والكتابة ما لا يحتاج إلى توضيح.

стр. 300

خريطة السرايا والغزوات بين بدر وأحد

стр. 301

خريطة إجلاء بني قينقاع شوال سنة ٢ للهجرة

стр. 302

غزوات وسرايا بين بدر وأحد غزوة السويق: كان أبو سفيان قد نذر ألا يمسّ رأسه ماء، حتّى يغزو المسلمين، فخرج في مئتي راكب من قريش ليبرّ يمينه، واستأذن على سلام بن مشكم سيد بني النّضير، فأذن له، وقراه، وسقاه، وبطن له من خبر الناس، وبعث رجالا، فقتلوا رجلين من الأنصار. وخرج رسول الله ﷺ في طلبهم، ورجع أبو سفيان وأصحابه قبل أن يدركهم المسلمون، وألقوا أزوادا كثيرة، عامّتها سويق، فسمّيت «غزوة السّويق» «١» . إجلاء بني قينقاع: وكان بنو قينقاع أول يهود، نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا في بدر وأحد، وآذوا المسلمين، فحاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، حتّى نزلوا على حكمه، وشفع فيهم حليفهم عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، فأطلقهم له رسول الله ﷺ «٢» وكانوا سبعمئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجّارا «٣» .

стр. 303

أصدر النبيّ ﷺ عفوا عاما عن هؤلاء اليهود شريطة أن يخرجوا من المدينة إلى أيّ مكان شاؤوا، فجلوا عنها إلى الشام آمنين على أنفسهم، وعلى ما قدروا من حمله من أموالهم، وغادر بنو قينقاع يثرب سالمين بعد أن كانوا يتوقّعون الموت جزاء نكثهم وتمرّدهم «١» . يقول المستشرق إسرائيل ولفنسون في كتابه «تاريخ اليهود في بلاد العرب» : «كان لا بدّ من عمل حاسم إزاء بني قينقاع وهم يسكنون داخل المدينة في حيّ واحد، من أحياء العرب وتطهير المدينة وأحياء الأنصار من غير المسلمين» .

стр. 304

قتل كعب بن الأشرف: وكان كعب بن الأشرف أحد رؤساء اليهود، شديد الأذى لرسول الله ﷺ وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلمّا كانت وقعة بدر، ذهب إلى مكة، فجعل يؤلّب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ : «من لكعب بن الأشرف، فإنّه قد آذى الله ورسوله» ؟، فانتدب له رجال من الأنصار، فقتلوه «١» .

стр. 305

خريطة غزوة أحد ١٥ شوال ٣ هجرية

стр. 306

غزوة أحد شوّال سنة ثلاث من الهجرة الحميّة الجاهلية وأخذ الثأر: لمّا أصيب صناديد قريش يوم بدر، ورجع فلّهم إلى مكة، عظم المصاب عليهم، ومشى رجال أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم، فكلّموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فاستعانوا بهذا المال على حرب المسلمين، ففعلوا واجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ وحرّض الشعراء الناس بشعرهم، وأثاروا فيهم الغيرة والحميّة. وخرجت قريش في منتصف شوّال سنة ثلاث للهجرة بحدّها وحديدها، بأبنائها ومن تابعها من القبائل، وخرجوا معهم بالظّعن «١» ، لئلا يفرّوا «٢» ، وخرج سادة قريش بأزواجهم وأقبلوا حتّى نزلوا مقابل المدينة. وكان من رأي رسول الله ﷺ أن يقيم المسلمون بالمدينة، ويدعهم فإن يدخلوا عليهم قاتلوهم فيها، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، وكان رأي عبد الله بن أبيّ ما رأى رسول الله ﷺ فقال رجال من المسلمين ممّن فاتهم بدر: يا رسول الله! اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرونا أنا جبنّا عنهم وضعفنا. فلم يزالوا برسول الله ﷺ حتّى دخل رسول الله ﷺ بيته فلبس لأمته، وندم

стр. 307

الذين اقترحوا الخروج، فقالوا: استكرهناك يا رسول الله! ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلّى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» «١» . فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه «٢» ، فلمّا كانوا بالشّوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبيّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني «٣» . في ميدان أحد: ومضى رسول الله ﷺ حتّى نزل الشّعب من أحد (وهو جبل على نحو ثلاثة كيلو متر من المدينة) وجعل ظهره وعسكره إلى أحد «٤» ، وقال: لا يقاتلنّ أحد منكم حتّى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله ﷺ للقتال، وهو في سبعمئة رجل. وأمّر على الرّماة عبد الله بن جبير، وهم خمسون رجلا، فقال: ادفع

стр. 308

الخيل عنّا بالنّبل، لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا «١» وأمرهم بأن يلزموا مركزهم، وألّا يفارقوا ولو رأوا الطّير تتخطّف العسكر «٢» . ولبس رسول الله ﷺ درعا فوق درع، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ﵁. مسابقة بين أتراب: ردّ رسول الله ﷺ جماعة من الغلمان في يوم أحد لصغرهم، فردّ سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وشفع أبو رافع لابنه وقال: يا رسول الله! إنّ ابني رافعا رام، فأجازه النبيّ ﷺ . وعرض على رسول الله ﷺ سمرة بن جندب وهو في سنّ رافع، وردّه رسول الله ﷺ لصغره، فقال سمرة: لقد أجزت رافعا ورددتني، ولو صارعته لصرعته، ووقعت المصارعة بينهما، فصرع سمرة رافعا فأجيز وخرج وقاتل يوم أحد «٣» . المعركة: والتقى النّاس، ودنا بعضهم من بعض، وقامت هند بنت عتبة في النّسوة، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال يحرضنهم، واقتتل الناس حتّى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة الذي أخذ السيف من رسول الله ﷺ

стр. 309

رسم ساحة القتال في غزوة أحد

стр. 310

ووعده بأنّه يأخذه بحقّه، حتى أمعن في الناس، وجعل لا يلقى أحدا إلا قتله «١» . شهادة حمزة بن عبد المطلّب ومصعب بن عمير ﵄: وقاتل حمزة بن عبد المطّلب قتالا شديدا، وقتل عددا من الأبطال، لا يقف أمامه شيء، وكان وحشيّ غلام جبير بن مطعم له بالمرصاد، وكان يقذف بحربة له قلّما يخطىء بها شيئا، ووعده جبير بالعتق إن قتل حمزة، وقد قتل عمّه طعيمة يوم بدر، وكانت هند تحرّضه كذلك على قتل حمزة وشفاء نفسها، وحمل وحشيّ على حمزة بحربته، فدفعها عليه حتّى خرجت من بين رجليه، فوقع شهيدا «٢» . وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتّى قتل، وأبلى المسلمون بلاء حسنا «٣» . غلبة المسلمين: وأنزل الله تعالى نصره عليهم، وصدقهم وعده، حتّى كشفوا المشركين عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها، وولّت النساء مشمّرات هوارب «٤» .

стр. 311

كيف دارت الدائرة على المسلمين ؟ وبينما هم كذلك إذ انهزم المشركون، وولّوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم، فلمّا رأى الرّماة ذلك، مالوا إلى العسكر، وهم موقنون بالفتح، وقالوا: يا قوم! الغنيمة! الغنيمة! فذكّرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ فلم يسمعوا، وظنّوا أن ليس للمشركين رجعة، فأخلوا الثغر، وأخلوا ظهور المسلمين إلى الخيل «١» ، وأصيب أصحاب لواء المشركين حتّى ما يدنو منه أحد من القوم، فأتاهم المشركون من خلفهم، وصرخ صارخ: ألا! إنّ محمدا قد قتل. فتراجع المسلمون وكرّ المشركون كرّة، وانتهزوا الفرصة، وكان يوم بلاء وتمحيص، وخلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ وأصابته الحجارة، حتّى وقع لشقّه، وأصيبت رباعيته، وشجّ في رأسه «٢» ، وجرحت شفته ﷺ وجعل الدم يسيل على وجهه، فيمسحه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم؟!» «٣» . ولا يعلم المسلمون بمكانه، فأخذ عليّ بن أبي طالب- ﵁ بيد رسول الله ﷺ ورفعه طلحة بن عبيد الله، حتّى استوى قائما، ومصّ مالك بن سنان الدّم عن وجهه ﷺ وابتلعه «٤» . ولم تكن فرّة، إنّما كانت جولة يضطرّ إليها الجيش ثمّ يستأنف كرّة «٥» ،

стр. 312

وما أصاب المسلمين من نكسة ومحنة، وما أصيبوا من خسارة في النفوس، وشهادة من كان قوة للإسلام والمسلمين، وناصرا لرسول الله ﷺ وللدّين، إنّما كان نتيجة زلة للرماة، وعدم تمسّكهم بتعاليم الرسول ﷺ وأمره إلى اللّحظة الأخيرة، وإخلائهم للجبهة التي عيّنهم رسول الله ﷺ عليها، وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٥٢] . روائع من الحبّ والفداء: نزع أبو عبيدة بن الجرّاح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ فسقطت ثنيّته، ونزع الآخرى، فكان ساقط الثنيتين «١» . وتترّس أبو دجانة بنفسه دون رسول الله ﷺ يقع النّبل في ظهره وهو منحن عليه، حتّى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبي وقّاص دون رسول الله ﷺ ويناوله النبيّ ﷺ النبل ويقول: «ارم فداك أبي وأمّي» «٢» .

стр. 313

وأصيبت عين قتادة بن النّعمان، حتّى وقعت على وجنته «١» فردّها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما «٢» . وقصده المشركون، يريدون ما يأباه الله، فحال دونه نفر نحو عشرة، حتّى قتلوا عن آخرهم، وجالدهم طلحة بن عبيد الله، وترس عليه بيده، يقي بها النبيّ ﷺ فأصيبت أنامله وشلّت يده، وأراد رسول الله ﷺ أن يعلو صخرة هنالك، فلم يستطع لما به من الجراح والضعف، فجلس طلحة تحته، حتى صعدها، وحانت الصلاة، فصلّى بهم جالسا «٣» . ولمّا انهزم الناس، لم ينهزم أنس بن النّضر، عم أنس بن مالك- خادم رسول الله ﷺ وتقدّم، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمرو؟ فقال أنس: واها لريح الجنّة، يا سعد إني أجدها دون أحد «٤» .

стр. 314

وانتهى أنس بن النّضر إلى رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ . قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟، قوموا وموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثمّ استقبل القوم، فقاتل حتى قتل. يقول أنس ﵁: لقد وجدنا به يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه «١» . وقاتل زياد بن السّكن في خمسة من الأنصار دون رسول الله ﷺ يقتلون دونه رجلا ثم رجلا، فقاتل زياد حتّى أثبتته الجراحة، فقال رسول الله ﷺ : «أدنوه منّي» فأدنوه، فوسّده قدمه، فمات وخدّه على قدم رسول الله ﷺ «٢» . وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب، يغزون مع رسول الله ﷺ فلمّا توجّه إلى أحد أراد أن يخرج معه، فقال له بنوه: إنّ الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد. وأتى عمرو رسول الله ﷺ فقال: إنّ بنيّ هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، وو الله إنّي لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنّة، فقال له رسول الله ﷺ : أمّا أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعلّ الله يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله ﷺ فقتل يوم أحد شهيدا «٣» .

стр. 315

يقول زيد بن ثابت- ﵁: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الرّبيع، فقال لي: إن رأيته فأقرئه منّي السلام وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو باخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة سيف، ورمية سهم فقلت: يا سعد! إنّ رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله السلام، وقل له: يا رسول الله! أجد ريح الجنّة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته «١» . وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهمّ! إنّي أقسم عليك أن ألقى العدوّ غدا، فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني: فيم ذاك؟ فأقول: فيك!. عودة المسلمين إلى مركزهم: ولمّا عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، وأدركه أبيّ بن خلف، وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت، وقال رسول الله ﷺ : «دعوه» ، فلمّا دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من أحد أصحابه، ثم استقبله وطعنه في عنقه طعنة تقلّب بها عن فرسه مرارا «٢» .

стр. 316

وخرج عليّ بن أبي طالب، فملأ درقته «١» ماء، وغسل من وجهه الدم، وكانت فاطمة بنت الرسول ﷺ تغسله، وعليّ يسكب الماء بالمجنّ «٢» ، فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، وألصقتها، فاستمسك الدّم «٣» . وكانت عائشة بنت أبي بكر وأمّ سليم تنقلان القرب على متونهما تفرغانها في أفواه القوم، ثمّ ترجعان فتملأ انها، ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم «٤» ، وكانت أمّ سليط تزفر «٥» لهما القرب «٦» . ووقعت هند بنت عتبة، والنّسوة اللائي معها يمثّلن بالقتلى من المسلمين، يجد عن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة- ﵁ فمضغتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها «٧» .

стр. 317

ولمّا أراد أبو سفيان الانصراف، أشرف على الجبل، ثمّ صرخ بأعلى صوته: إنّ الحرب سجال، يوم بيوم، اعل هبل. فقال النبيّ ﷺ : «قم يا عمر، فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، فقتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار» «١» . قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. قال النبيّ ﷺ : «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟. قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» «٢» . ولمّا انصرف، وانصرف المسلمون، نادى: إنّ موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «٣» . وفزع النّاس لقتلاهم، وحزن رسول الله ﷺ على حمزة، وكان عمّه وأخاه من الرضاعة، والمقاتل دونه. صبر امرأة مؤمنة: وأقبلت صفيّة بنت عبد المطّلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمّها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزّبير بن العوام: «القها، فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» .

стр. 318

فقال لها: يا أمّه! إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثّل بأخي، وذلك في الله لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله، وأتته، فنظرت إليه، وصلّت عليه، واسترجعت واستغفرت له، ثمّ أمر رسول الله ﷺ فدفن «١» . كيف دفن مصعب بن عمير وشهداء أحد ؟ وقتل مصعب بن عمير صاحب لواء رسول الله ﷺ ومن أنعم فتيان قريش قبل الإسلام، فكفّن في بردة، إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّيت رجلاه بدا رأسه، فقال النبيّ ﷺ : «غطّوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر «٢» » «٣» . وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الرّجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحد، قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» ، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا «٤» .

стр. 319

إيثار النساء لرسول الله ﷺ : عاد المسلمون إلى المدينة، فمرّوا بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ فلمّا نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان! هو بحمد الله كما تحبّين، قالت: أرونيه حتّى أنظر إليه، حتّى إذا رأته قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل «١» . اتّباع المسلمين أثر العدوّ واستماتتهم في نصرة الرسول ﷺ : وتلاوم المشركون، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم وحدّهم، ثمّ تركتموهم ولم تبتروهم «٢» . فأمر رسول الله ﷺ بطلب العدوّ هذا، والمسلمون مثخنون بالجراح، فلمّا كان الغد من يوم الأحد، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في النّاس بالخروج في طلب العدوّ، وأذّن ألا يخرجنّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، وما من المسلمين إلا جريح ثقيل، فخرجوا مع رسول الله ﷺ لم يتخلف منهم أحد، وانتهوا إلى «حمراء الأسد» ، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها رسول الله ﷺ والمسلمون الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثمّ رجعوا إلى المدينة «٣» وقد أثنى الله تعالى على ذلك وخلّد ذكره، فقال: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً

стр. 320

وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٢- ١٧٥] . وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون، أكثرهم من الأنصار، ﵃، وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا «١» . تربية نفوس المسلمين: وقد كان ما وقع في أحد من محنة للمسلمين، تمحيصا وتربية لهم، فلا ثقة بجماعة عاشت على سرور انتصار، ونشوة الفتح، وحلاوة الظفر، ولم تذق مرارة المصائب والخسائر، فإنّها إذا أصيبت بذلك في يوم من الأيام، عزّ ذلك عليها واضطرب إيمانها، ولذلك يقول الله تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٥٣] . وقد هيّأ الله نفوس المسلمين في هذه المعركة، لتتلقّى نبأ وفاة رسول الله ﷺ وشهادته، وإن تأخّر ذلك، والثبات على العقيدة، والدعوة إليها والجهاد في سبيلها والوفاء لها في حياته، وبعد حياته، فلا يجبنون ولا يتخاذلون، ولا يهنون ولا يستكينون، فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] .
следующие страницы →