← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وخرج عليّ بن أبي طالب، فملأ درقته «١» ماء، وغسل من وجهه الدم، وكانت فاطمة بنت الرسول ﷺ تغسله، وعليّ يسكب الماء بالمجنّ «٢» ، فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، وألصقتها، فاستمسك الدّم «٣» . وكانت عائشة بنت أبي بكر وأمّ سليم تنقلان القرب على متونهما تفرغانها في أفواه القوم، ثمّ ترجعان فتملأ انها، ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم «٤» ، وكانت أمّ سليط تزفر «٥» لهما القرب «٦» . ووقعت هند بنت عتبة، والنّسوة اللائي معها يمثّلن بالقتلى من المسلمين، يجد عن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة- ﵁ فمضغتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها «٧» .

стр. 317

ولمّا أراد أبو سفيان الانصراف، أشرف على الجبل، ثمّ صرخ بأعلى صوته: إنّ الحرب سجال، يوم بيوم، اعل هبل. فقال النبيّ ﷺ : «قم يا عمر، فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، فقتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار» «١» . قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. قال النبيّ ﷺ : «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟. قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» «٢» . ولمّا انصرف، وانصرف المسلمون، نادى: إنّ موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «٣» . وفزع النّاس لقتلاهم، وحزن رسول الله ﷺ على حمزة، وكان عمّه وأخاه من الرضاعة، والمقاتل دونه. صبر امرأة مؤمنة: وأقبلت صفيّة بنت عبد المطّلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمّها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزّبير بن العوام: «القها، فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» .

стр. 318

فقال لها: يا أمّه! إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثّل بأخي، وذلك في الله لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله، وأتته، فنظرت إليه، وصلّت عليه، واسترجعت واستغفرت له، ثمّ أمر رسول الله ﷺ فدفن «١» . كيف دفن مصعب بن عمير وشهداء أحد ؟ وقتل مصعب بن عمير صاحب لواء رسول الله ﷺ ومن أنعم فتيان قريش قبل الإسلام، فكفّن في بردة، إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّيت رجلاه بدا رأسه، فقال النبيّ ﷺ : «غطّوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر «٢» » «٣» . وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الرّجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحد، قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» ، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا «٤» .

стр. 319

إيثار النساء لرسول الله ﷺ : عاد المسلمون إلى المدينة، فمرّوا بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ فلمّا نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان! هو بحمد الله كما تحبّين، قالت: أرونيه حتّى أنظر إليه، حتّى إذا رأته قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل «١» . اتّباع المسلمين أثر العدوّ واستماتتهم في نصرة الرسول ﷺ : وتلاوم المشركون، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم وحدّهم، ثمّ تركتموهم ولم تبتروهم «٢» . فأمر رسول الله ﷺ بطلب العدوّ هذا، والمسلمون مثخنون بالجراح، فلمّا كان الغد من يوم الأحد، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في النّاس بالخروج في طلب العدوّ، وأذّن ألا يخرجنّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، وما من المسلمين إلا جريح ثقيل، فخرجوا مع رسول الله ﷺ لم يتخلف منهم أحد، وانتهوا إلى «حمراء الأسد» ، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها رسول الله ﷺ والمسلمون الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثمّ رجعوا إلى المدينة «٣» وقد أثنى الله تعالى على ذلك وخلّد ذكره، فقال: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً

стр. 320

وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٢- ١٧٥] . وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون، أكثرهم من الأنصار، ﵃، وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا «١» . تربية نفوس المسلمين: وقد كان ما وقع في أحد من محنة للمسلمين، تمحيصا وتربية لهم، فلا ثقة بجماعة عاشت على سرور انتصار، ونشوة الفتح، وحلاوة الظفر، ولم تذق مرارة المصائب والخسائر، فإنّها إذا أصيبت بذلك في يوم من الأيام، عزّ ذلك عليها واضطرب إيمانها، ولذلك يقول الله تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٥٣] . وقد هيّأ الله نفوس المسلمين في هذه المعركة، لتتلقّى نبأ وفاة رسول الله ﷺ وشهادته، وإن تأخّر ذلك، والثبات على العقيدة، والدعوة إليها والجهاد في سبيلها والوفاء لها في حياته، وبعد حياته، فلا يجبنون ولا يتخاذلون، ولا يهنون ولا يستكينون، فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] .

стр. 321

أحبّ إلى النفس من النفس: وفي سنة ثلاث للهجرة طلبت «عضل» «و «القارة» نفرا من المسلمين، ليعلّموهم، فبعث معهم رسول الله ﷺ ستة من أصحابه، معهم عاصم بن ثابت، وخبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنة، حتّى إذا كانوا على «الرّجيع» وهو موضع بين «عسفان» ومكة، غدروا بهم، قالوا: لكم عهد الله وميثاقه ألّا نقتلكم، فقال بعض المسلمين: لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا، وقاتلوا القوم حتّى قتلوا. وأمّا زيد بن الدّثنة، وخبيب بن عديّ، وعبد الله بن طارق، فأعطوا بأيديهم، فأسرهم المشركون، وقتل عبد الله بن طارق في الطريق، وأمّا خبيب وزيد، فباعوهما من قريش، وابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب، ليقتله بأبيه إهاب، وأمّا زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف. وأخرجوا زيدا من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد! أتحبّ أنّ محمدا عندنا الآن في مكانك وأنّك في أهلك، قال: ما أحبّ أنّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنّي جالس في أهلي «١» ، قال أبو سفيان: ما رأيت من النّاس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا، ثمّ قتل «٢» . وأمّا خبيب، فلمّا جاؤوا به ليصلبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني

стр. 322

خريطة يوم الرجيع

стр. 323

حتّى أركع ركعتين، فافعلوا، قالوا: دونك، فاركع، فركع ركعتين، أتمّهما وأحسنهما، ثمّ أقبل على القوم، فقال: أمّا والله لولا أن تظنّوا أنّي إنّما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة، وأنشد بيتين: [من الطويل] فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ شقّ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع «١» بئر معونة: بعث رسول الله ﷺ نفرا من أصحابه على طلب من عامر بن مالك ليدعوهم إلى الإسلام، وكانوا سبعين رجلا من خيار المسلمين، فساروا حتّى نزلوا بئر معونة، واجتمع عليهم قبائل من بني سليم: «عصيّة» و «رعل» و «ذكوان» ، فغشوا القوم، وأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، إلا كعب بن زيد، عاش حتّى قتل يوم الخندق شهيدا «٢» .

стр. 324

كلمة قتيل كانت سببا لإسلام القاتل: وفي هذه السّرية قتل حرام بن ملحان، قتله جبار بن سلمى، وكان سبب إسلامه كلمة قالها حرام، وهو يجود بنفسه، يقول جبار: إنّ مما دعاني إلى الإسلام أنّي طعنت رجلا منهم يومئذ برمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: فزت وربّ الكعبة! فقلت في نفسي: ما فاز؟! ألست قد قتلت الرجل؟! حتّى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: للشهادة، فقلت: فاز لعمر الله، فكان سببا لإسلامه «١» .

стр. 325

خريطة إجلاء بني النضير ربيع الأول سنة ٤ هجرية

стр. 326

إجلاء بني النّضير خرج رسول الله ﷺ إلى بني النّضير- وهم قبيلة عظيمة من اليهود- ليستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فرقّوا في الكلام ووعدوا بخير، ولكنّهم أضمروا الغدر والاغتيال، وكان رسول الله ﷺ قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم، فناجى بعضهم بعضا: إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟! وكان رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ ﵃. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السّماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسّير إليهم، ثمّ سار بالنّاس، حتّى نزل بهم، وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع، فحاصرهم ستّ ليال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فقبل، واحتملوا من أموالهم ما استقلّت بها الإبل، وكان الرجل منهم يهدم بيته عن العتبة والأسكفة، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به «١» ، يقول الله تعالى في هذه الغزوة:

стр. 327

هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] . فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشّام، وتخلّص المسلمون من وكر من أوكار المكيدة والمؤامرة والنّفاق والخداع، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب: ٢٥] . وقسّم رسول الله ﷺ أموالهم إلى المهاجرين الأوّلين «١» . غزوة ذات الرقاع: وفي سنة أربع غزا رسول الله ﷺ نجدا فسار حتى نزل نخلا، وكان ستة رجال- منهم أبو موسى الأشعريّ- بينهم بعير يتعقّبونه، فنقبت أقدامهم، وسقطت أظفارها، فكانوا يلفّون على أرجلهم الخرق، فسمّيت «غزوة ذات الرّقاع» «٢» . وتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتّى صلّى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف «٣» .

стр. 328

من يمنعك مني ؟ ولمّا قفل رسول الله ﷺ من هذه الغزوة، وقفل معه النّاس أدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرّق الناس في العضاه «١» ، يستظلّون الشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة، فعلّق بها سيفه. قال جابر: فنمنا نومة، ثمّ إذا رسول الله ﷺ يدعونا، فإذا عنده أعرابيّ جالس، فقال رسول الله ﷺ : إنّ هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده مصلتا، فقال لي: من يمنعك منّي؟، قلت: «الله» فها هو جالس، ثمّ لم يعاقبه رسول الله ﷺ «٢» . غزوات لم يكن فيها قتال: وخرج رسول الله ﷺ في شعبان سنة أربع، إلى بدر؛ لميعاد أبي سفيان فنزله، وأقام عليه ثماني ليال، ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان، ثمّ بدا له الرجوع، وقال: إنّ عامكم هذا عام جدب، وإنّي راجع فارجعوا، وكفى الله المؤمنين القتال. وغزا دومة الجندل «٣» ، ولم يلق كيدا، فرجع إلى المدينة «٤» .

стр. 329

خريطة السرايا والغزوات بين أحد والخندق

стр. 330

غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب شوّال سنة خمس من الهجرة وفي شوّال سنة خمس كانت غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب «١» ، وكانت من الحوادث التي لها أثر بعيد في تاريخ الإسلام والمسلمين، وفي تقرير مصير الدعوة الإسلامية، وفي المدّ الإسلاميّ، وكانت معركة حاسمة، ومحنة ابتلي فيها المسلمون ابتلاء لم يبتلوا بمثله. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [الأحزاب: ١٠- ١١] . وكان سببها اليهود، فقد خرج نفر من بني النّضير، ونفر من بني وائل، فقدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وكانوا قد جرّبوها واكتووا بنارها، فصاروا يتهيّبونها، ويزهدون فيها، فزيّنها لهم الوفد اليهوديّ وهوّن أمرها، وقالوا: إنّا سنكون معكم حتّى نستأصله، فسرّ ذلك

стр. 331

خريطة غزوة الخندق شوال ٥ ه ـ

стр. 332

قريشا، ونشطوا لما دعوهم إليه، واجتمعوا لذلك، واتعدوا له. ثمّ خرج الوفد، فجاء غطفان، فدعاهم إلى ذلك، وطاف في القبائل، وعرض عليها مشروع غزو المدينة، وموافقة قريش عليه «١» . وتمّت اتفاقية عسكرية، كان قريش واليهود وغطفان من أهمّ أعضائها، واتّفقوا على شروط، من أهمّها أن تشارك غطفان في «جيش الاتحاد» أو عسكر الحلفاء، بستة آلاف مقاتل، وأن يدفع اليهود لقبائل غطفان كلّ ثمر نخل خيبر لسنة واحدة، وحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل، وغطفان ستة آلاف مقاتل، فكانوا عشرة آلاف، وأسندت قيادة الجيش إلى أبي سفيان «٢» . الحكمة ضالّة المؤمن: ولمّا سمع رسول الله ﷺ بزحفهم إلى المدينة، وتحزّب الأحزاب لقتال المسلمين، وعزمها على استئصال شأفتهم، أهمّ المسلمين ذلك، وتهيؤوا للحرب، وقرّروا التحصّن في المدينة والدفاع عنها، وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل. هنالك أشار سلمان الفارسيّ بضرب الخندق على المدينة «٣» ، وكانت خطّة حربيّة متبعة عند الفرس «٤» ، قال سلمان: يا رسول الله! إنّا كنّا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل خندقنا علينا، وقبل رسول الله ﷺ رأيه فأمر بحفر

стр. 333

الخندق في السهل الواقع شمال غرب المدينة وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدوّ «١» . وقسّم رسول الله ﷺ الخندق بين أصحابه، لكلّ عشرة منهم أربعون ذراعا «٢» ، وقد بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، والعرض من تسعة إلى ما فوقها «٣» «٤» . روح المساواة والمواساة بين المسلمين: وعمل رسول الله ﷺ في حفر الخندق، ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا «٥» ، وكان البرد شديدا، ولا

стр. 334

يجدون من القوت إلا ما يسدّ الرمق، وقد لا يجدونه. يقول أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين «١» . وكانوا مسرورين، يحمدون الله، ويرتجزون، ولا يشكون ولا يتعتّبون. يقول أنس- ﵁: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلمّا رأى ما بهم من النّصب والجوع، قال: اللهمّ إنّ الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له: [من الرجز] نحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا «٢» قال: ويؤتون بملء كفّ من الشّعير، فيصنع لهم بإهالة «٣» سنخة «٤» «٥» . نور الفتوح الإسلاميّة في ظلام الحصار والشدّة: عرض للمسلمين في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها

стр. 335

المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فلما رآها أخذ المعول، وقال: «باسم الله» وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام» فقطع ثلثا آخر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنّي لأبصار قصر المدائن الأبيض» ثمّ ضرب الثالثة، فقال: «باسم الله» فقطع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنّي لأبصار أبواب صنعاء من مكاني الساعة» «١» . هذا، والمسلمون في شكّ من حياتهم، يعضّهم الجوع، ويؤذيهم البرد، وينذرهم العدوّ. المعجزات النبوية في الغزوة: وظهرت المعجزات على يد الرسول ﷺ فإذا اشتدّت على المسلمين في بعض الخندق كدية «٢» ، دعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثمّ دعا بما شاء الله أن يدعو به، ونضح ذلك الماء على تلك الكدية فانهالت وعادت كالكثيب «٣» . وظهرت البركة في طعام قليل، فشبع به عدد كبير، وكفى الجيش كلّه. قال جابر بن عبد الله: إنّا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النبيّ ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ثمّ قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبيّ ﷺ المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم «٤» ، فقلت: يا رسول الله!

стр. 336

ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق «١» ، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتّى جعلنا اللحم في البرمة «٢» ، ثمّ جئت النبيّ ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي «٣» ، قد كادت أن تنضج فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: «كم هو؟» فذكرت له، قال: «كثير طيب. قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التّنوّر، حتّى آتي» فقال: «قوموا» فقام المهاجرون والأنصار. فلمّا دخلت على امرأتي، قلت: ويحك! جاء النبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم ويخمّر «٤» البرمة والتنّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه، ثمّ ينزع. فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا. وبقي بقية، قال: «كلي هذا وأهدي، فإنّ الناس قد أصابتهم مجاعة» «٥» . وفي رواية: قال جابر: جئته، فساررته فقلت: يا رسول الله! ذبحنا بهيمة لنا وطحنّا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح

стр. 337

النبيّ ﷺ وقال: «يا أصحاب الخندق! إن جابرا قد صنع سورا» «١» «٢» . إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم: وأقبلت قريش، حتّى نزلت أمام المدينة، في عشرة آلاف، وأقبلت غطفان بتوابعهم، فنزلوا أمام المدينة أيضا، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون في ثلاثة آلاف وبينه وبين قومه الخندق. وكان بين المسلمين وبين بني قريظة عقد وعهد، فحملهم حييّ بن أخطب سيّد بني النضير- على نقض العهد، وقد فعل ذلك بنو قريظة بعد امتناع وتردّد، وتحققه رسول الله ﷺ «٣» فعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، ونجم النفاق من بعض المنافقين، وهمّ رسول الله ﷺ بعقد الصلح بينه وبين غطفان على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، رفقا بالأنصار، وتخفيفا عنهم، فقد استقلّوا بأكبر نصيب من أعباء الحرب. ثمّ عدل عن ذلك، بعد ما رأى من سعد بن معاذ وسعد بن عبادة الثبات والاستقامة، والصمود أمام العدوّ، والإباء، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنّا نحن وهؤلاء على الشّرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد

стр. 338

الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السّيف، حتّى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ : «فأنت وذاك» «١» . بين فارس الإسلام وفارس الجاهلية: وأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوّهم محاصرهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أنّ فوارس من قريش أقبلوا تسرع بهم خيلهم حتّى وقفوا على الخندق، فلمّا رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها! ثم تيمّموا مكانا ضيّقا من الخندق، فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه، فجالت بهم في أرض المدينة، ومنهم الفارس المشهور: عمرو بن عبد ودّ، الذي كان يقوّم بألف فارس، فلمّا وقف قال: من يبارز؟ فبرز عليّ بن أبي طالب- ﵁ فقال: يا عمرو! إنّك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين، إلا أخذتها منه. قال: أجل. قال له عليّ: فإنّي أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإنّي أدعوك إلى النّزال. فقال له: لم يابن أخي؟ فو الله، ما أحبّ أن أقتلك. قال له عليّ- ﵁: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك.

стр. 339

فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثمّ أقبل على عليّ- ﵁ فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ- ﵁ «١» وكان من فوارسهم نوفل بن مغيرة قد اقتحم الخندق بفرسه، فتورط فيه، فقتل هنالك، وخرجت خيلهم منهزمة، حتّى اقتحمت من الخندق هاربة. أمّ تحرّض ابنها على القتال والشهادة: تقول عائشة- أمّ المؤمنين- ﵂ وكانت مع نسوة مسلمات في حصن بني حارثة وذلك قبل أن يضرب عليهنّ بالحجاب: مرّ سعد بن معاذ وعليه درع قصيرة، قد خرجت منها ذراعه كلّها، وهو يرتجز، فقالت له أمّه: الحق يا بنيّ فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أمّ سعد! والله لو ددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. وكان ما تخوّفته عائشة- ﵂ فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل «٢» ، ومات شهيدا في غزوة بني قريظة «٣» . ولله جنود السموات والأرض: أحاط المشركون بالمسلمين، حتّى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من شهر، وأخذوا بكلّ ناحية، واشتدّ البلاء، وتجهّر النفاق، واستأذن بعض الناس رسول الله ﷺ في الذهاب إلى المدينة

стр. 340

وقالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً [الأحزاب: ١٣] . وبينما رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدّة، إذ جاءه نعيم بن مسعود الغطفانيّ، فقال: يا رسول الله! إنّي قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة» . فخرج نعيم بن مسعود، فأتى بني قريظة، وتكلّم معهم بكلام جعلهم يشكّون في صحّة موقفهم وولائهم لقريش وغطفان الذين ليسوا من أهل البلد، وعدائهم للمهاجرين والأنصار، الذين هم أهل الدار وجيرانهم الدائمون، وأشار عليهم بألّا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتّى يأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونوا بأيديهم ثقة لهم، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثمّ خرج حتى أتى قريشا، فأظهر لهم إخلاصه ونصيحته، وأخبرهم بأنّ اليهود قد ندموا على ما فعلوا، وسيطلبون منهم رجالا من أشرافهم تأمينا للعهد، وسيسلمونهم إلى النبيّ ﷺ وأصحابه فيضربون أعناقهم ثم خرج إلى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش، فكان كلا الفريقين على حذر، وتوغّرت صدورهم على اليهود، ودبّت الفرقة بين الأحزاب، وتوجّس كلّ منهم خيفة من صاحبه «١» . ولمّا طلب أبو سفيان ورؤوس غطفان معركة حاسمة بينهم وبين المسلمين تكاسل اليهود، وطلبوا منهم رهنا من رجالهم، فتحقّق لقريش وغطفان صدق ما حدّثهم به نعيم بن مسعود، وامتنعوا عن تحقيق طلبهم، وتحقق لليهود صدق حديثه كذلك، وهكذا تخاذل بعضهم عن بعض وتمزّق الشمل وتفرّقت الكلمة.

стр. 341

وكان من صنع الله لنبيّه أن بعث الله على الأحزاب الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تقلب قدورهم وتطرح أبنيتهم، وقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش! إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قدور، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإنّي مرتحل. وقام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم. وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ورسول الله ﷺ قائم يصلّي، وأخبره حذيفة بن اليمان الذي أرسله رسول الله ﷺ عينا إلى الأحزاب ينظر له ما فعل القوم، ثمّ يرجع، فأخبره بما رأى «١» ، فلمّا أصبح انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة، وانصرف المسلمون ووضعوا السلاح «٢» ، وصدق الله العظيم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الأحزاب: ٩] . وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب: ٢٥] . ووضعت الحرب أوزارها، فلم ترجع قريش بعدها إلى حرب

стр. 342

المسلمين، وقال رسول الله ﷺ : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنّكم تغزونهم» «١» . واستشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة على أكثر تقدير، وقتل من المشركين أربعة «٢» .

стр. 343

غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة نقض بني قريظة العهد: كان رسول الله ﷺ لمّا قدم المدينة، كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم، وجاء فيه: «وأنّ من تبعنا من يهود، فإنّ له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وأنّه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنّ قبائل «١» يهود أمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم» . وجاء فيه: «أنّ بينهم النصر على ما حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وأنّ بينهم النّصر على من دهم يثرب» «٢» .

стр. 344

ولكنّ حييّ بن أخطب اليهوديّ- سيّد بني النضير- نجح في حمل بني قريظة على نقض العهد، وممالأة قريش، بعد ما قال سيدهم كعب بن أسد القرظيّ: لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، ونقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ . ولمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ خبر نقضهم للعهد، بعث سعد بن معاذ ﵁ سيد الأوس- وهم حلفاء بني قريظة- وسعد بن عبادة- سيّد الخزرج- في رجال من الأنصار، ليتحقّقوا الخبر، فوجدوهم على شرّ مما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد «١» . وبدؤوا بالفعل في الاستعداد للهجوم على المسلمين، وهكذا حاولوا طعن جيش المسلمين من الخلف «٢» ، وكان ذلك أشدّ وأنكى من الهجوم السافر والحرب في الميدان، وذلك قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب: ١٠] . واشتدّ ذلك على المسلمين، حتّى قال سعد بن معاذ- وكان من أولى الناس بالحدب عليهم، يحنو عليهم في كلّ ما يلمّ بهم- لما أصابه السهم في غزوة الخندق، فقطع منه الأكحل، وأيقن بالموت-: «اللهمّ! لا تمتني

стр. 345

حتّى تقرّ عيني من بني قريظة» «١» . المسير إلى بني قريظة: فلمّا انصرف رسول الله ﷺ والمسلمون من الخندق راجعين إلى المدينة ووضعوا السلاح، أتى جبريل، وقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: «نعم» فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، إنّ الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم، فمزلزل بهم، فأمر رسول الله ﷺ مؤذّنا، فأذّن في النّاس: «أنّ من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلّا في بني قريظة» «٢» . ونزل رسول الله ﷺ ببني قريظة، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، حتّى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب «٣» . ندم أبي لبابة وتوبة الله عليه: وبعثت بنو قريظة إلى رسول الله أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف- وكانوا حلفاء الأوس- لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان، يبكون في

стр. 346

وجهه، فرقّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنّه الذبح. قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي خنت الله ورسوله ﷺ ، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهدت الله ألّا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. ولمّا تاب الله عليه قال: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٠٢] . فثار النّاس إليه ليطلقوه، فقال: لا، والله، حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، ومرّ عليه رسول الله ﷺ خارجا إلى صلاة الصبح، فأطلقه وقد أقام مرتبطا بالجذع نحو عشرين ليلة، تأتيه امرأته في كلّ وقت صلاة، فتحلّه للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع «١» . آن «٢» لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم: ونزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس، وقالوا: يا رسول الله! إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا «٣» بالأمس ما قد علمت، فقال رسول الله ﷺ : «ألا ترضون يا معشر الأوس

стр. 347

أن يحكم فيهم رجل منكم» ؟ قالوا: بلى. قال رسول الله ﷺ : «فذاك إلى سعد بن معاذ» ، فأرسل إليه، فلمّا جاء إليه، قال له بنو قبيلته: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنّما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فلمّا أكثروا عليه، قال: لقد أنى لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذّراري والنساء، قال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله» «١» . موافقة لشريعة بني إسرائيل: وقد وافق ذلك قانون الحرب في شريعة بني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية (الإصحاح العشرون ١٠- ١١- ١٢- ١٣) :

стр. 348

«حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكلّ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، وتستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفع الربّ إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الربّ إلهك» . وهذه كانت العادة المتبعة في بني إسرائيل في عهد أنبيائهم، فقد جاء في التوراة: «فتجنّدوا على مديان كما أمر الربّ، وقتلوا كلّ ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم، أوي، وراقم، وصور، وحور، ورابع، خمسة ملوك مديان، وبلعام بن باعور قتلوه بالسيف، وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكلّ أملاكهم، أحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار» . (سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون ٧- ٨- ٩- ١٠) . وذلك في عهد موسى- ﵇ وبموافقة منه. وقد جاء في التوراة: «فخرج موسى والعازر الكاهن وكلّ رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كلّ أنثى حيّة» (سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون ١٣- ١٦) «١» .

стр. 349

ونفّذ في بني قريظة حكم سعد بن معاذ، وخلت المدينة من جميع أوكار المؤامرة والمحاربة اليهودية، وأمن المسلمون من الطّعن من الخلف، ومن نشر الفوضى في الداخل. وقتلت الخزرج سلّام بن أبي الحقيق، وكان ممن حزب الأحزاب، وكانت الأوس قد قتلت من قبل كعب بن الأشرف، وكان مقدّما في عداوته لرسول الله ﷺ والتحريض عليه، فنجا المسلمون من الرؤوس التي كانت تكيد ضدّ الإسلام والمسلمين، وتقود الحركات ضدّهم، واستراح المسلمون «١» . وكان ما عامل به رسول الله ﷺ بني قريظة مما اقتضته سياسة الحرب وطبيعة القبائل العربية واليهودية، وكان لا بدّ من عقوبة صارمة تكون درسا للعابثين بالعهود والمحالفات، ونكالا لما بين يديها وما خلفها، يقول LR.V.C.Bodley في كتابه «حياة محمد الرسول» : «وكان محمد وحيدا في بلاد العرب، وكانت هذه البلاد من حيث المساحة ثلث الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عدد النفوس فيها يبلغ خمسة ملايين نفس.. ولم يكن عنده من الجيوش التي تحمل الناس على امتثال أمره إلا الجيش الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف جنديّ، ولم يكن هذا الجيش مسلّحا تسليحا كاملا، فإذا وهن محمد في هذه القضية أو ترك جريمة غدر بني قريظة من غير أن يعاقبهم عليها، لم يكن للإسلام في جزيرة العرب بقاء، إنّه لا شكّ أنّ عملية قتل اليهود كانت عنيفة، ولكن لم يكن حادثا فريدا من نوعه في تاريخ الديانات، ولقد كان لهذا العمل مبرّر من وجهة نظر

стр. 350

المسلمين، قد تحتّم الآن على القبائل العربية واليهود أن يتأملوا مرة بعد مرة قبل أن يقدموا على غدر أو نقض عهد، لأنّهم قد عرفوا عواقبه الوخيمة وشاهدوا أن محمدا يستطيع أن ينفّذ ما يريده» «١» . وقد كان من فوائد القضاء على آخر حصن من حصون اليهود في المدينة الضعف الذي طرأ على معسكر النفاق، ونشاط المنافقين، فقد أثّر ذلك في معنوياتهم، وأفقدهم الشيء الكثير من الثقة والآمال الواسعة، فقد كانوا آخر معقل من معاقلهم الكبيرة، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على غزوة بني قريظة: «وأمّا المنافقون فقد خفت صوتهم بعد يوم قريظة، ولم نعد نسمع لهم أعمالا أو أقوالا تناقض إرادة النّبيّ وأصحابه، كما كان يفهم ذلك من قبل» «٢» . العفو عمّن ظلم وعطاء من حرم: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت بثمامة بن أثال- سيّد بني حنيفة- فربط إلى سارية من سواري المسجد.

стр. 351

خريطة إجلاء بني قريظة سنة ٥ هجرية

стр. 352

ومرّ به رسول الله ﷺ وقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فاسأل تعط ما شئت. فتركه، ثمّ مرّ به أخرى، وقال له مثل ذلك، فردّ عليه كما ردّ عليه أولا، ثم مرة ثالثة، فقال: «أطلقوا ثمامة» فأطلقه. وذهب ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم جاءه فأسلم، وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح دينك أحبّ الأديان إليّ، وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم ثمامة على قريش، قالوا: صبوت يا ثمامة! قال: لا والله، ولكنّي أسلمت مع محمد ﷺ ، لا والله ما يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتّى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، وكانت اليمامة ريف مكة. فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتّى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يكتب إلى ثمامة يخلّي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله ﷺ «١» .

стр. 353

غزوة بني المصطلق وقصّة الإفك [غزوة بني المصطلق شعبان ٥ هجرية] وبلغ رسول الله ﷺ في شعبان سنة ستّ «١» أنّ بني المصطلق وهم فرع من خزاعة، يجمعون له.. فلما سمع خرج إليهم، وقد خرج معه أكبر عدد من المنافقين، خرج في غزوة «٢» ، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقد بلغت سطوة المسلمين أوجها بعد انتصارهم في غزوة الأحزاب التي اجتمعت فيها قريش وحزبت الأحزاب للقضاء على الإسلام، اجتماعا لم تجتمع مثله، فكانت «٣» شوكة في حلقوم الكفّار في مكة، واليهود والمنافقين في المدينة وحولها، وعرفوا أنّ المسلمين لن يغلبوا في ساحة القتال بكثرة العدد والعدد، فاعتمدوا أخيرا على إثارة الفتن الداخلية، والتحريش بين المسلمين بإحياء النّعرة القوميّة القبلية، والإساءة إلى مقام الرسول ﷺ وتشكيك المسلمين فيه، ونشر المقالة حول عرضه وكرامته، وأحبّ أزواجه إليه، وبذلك يتزلزل كيان هذا المجتمع المثاليّ الوليد، الذي كان كلّ عضو من أعضائه مرآة أخيه، إذا سمع عنه ما يريب عاد إلى نفسه، فرآها نزيهة، فنفى

стр. 354

غزوة بني المصطلق شعبان ٥ هجرية

стр. 355

هذه التهمة كما ينفيها عن نفسه، ويفقد بعضهم الثقة ببعض، فإذا زالت الثقة بأهل بيت النبوّة، زالت عن الجميع، وكانت أعظم مؤامرة حاكها المنافقون وقد تجلّت هذه السياسة الماكرة في غزوة بني المصطلق أكثر ممّا تجلّت في أيّ غزوة. خرج رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق، ولقيهم على ماء لهم، يقال له «المريسيع» «١» من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، وانهزم بنو المصطلق «٢» . واقتتل أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار، وحليف للخزرج من جهينة، فصرخ الجهنيّ: «يا معشر الأنصار!» وصرخ الأجير: «يا معشر المهاجرين!» فغضب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم، فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ليس الأمر إلا كما قيل: «سمّن كلبك يأكلك» أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ثمّ أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوّلوا إلى غير داركم» «٣» .
следующие страницы →