← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

خريطة إجلاء بني قريظة سنة ٥ هجرية

стр. 352

ومرّ به رسول الله ﷺ وقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فاسأل تعط ما شئت. فتركه، ثمّ مرّ به أخرى، وقال له مثل ذلك، فردّ عليه كما ردّ عليه أولا، ثم مرة ثالثة، فقال: «أطلقوا ثمامة» فأطلقه. وذهب ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم جاءه فأسلم، وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح دينك أحبّ الأديان إليّ، وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم ثمامة على قريش، قالوا: صبوت يا ثمامة! قال: لا والله، ولكنّي أسلمت مع محمد ﷺ ، لا والله ما يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتّى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، وكانت اليمامة ريف مكة. فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتّى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يكتب إلى ثمامة يخلّي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله ﷺ «١» .

стр. 353

غزوة بني المصطلق وقصّة الإفك [غزوة بني المصطلق شعبان ٥ هجرية] وبلغ رسول الله ﷺ في شعبان سنة ستّ «١» أنّ بني المصطلق وهم فرع من خزاعة، يجمعون له.. فلما سمع خرج إليهم، وقد خرج معه أكبر عدد من المنافقين، خرج في غزوة «٢» ، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقد بلغت سطوة المسلمين أوجها بعد انتصارهم في غزوة الأحزاب التي اجتمعت فيها قريش وحزبت الأحزاب للقضاء على الإسلام، اجتماعا لم تجتمع مثله، فكانت «٣» شوكة في حلقوم الكفّار في مكة، واليهود والمنافقين في المدينة وحولها، وعرفوا أنّ المسلمين لن يغلبوا في ساحة القتال بكثرة العدد والعدد، فاعتمدوا أخيرا على إثارة الفتن الداخلية، والتحريش بين المسلمين بإحياء النّعرة القوميّة القبلية، والإساءة إلى مقام الرسول ﷺ وتشكيك المسلمين فيه، ونشر المقالة حول عرضه وكرامته، وأحبّ أزواجه إليه، وبذلك يتزلزل كيان هذا المجتمع المثاليّ الوليد، الذي كان كلّ عضو من أعضائه مرآة أخيه، إذا سمع عنه ما يريب عاد إلى نفسه، فرآها نزيهة، فنفى

стр. 354

غزوة بني المصطلق شعبان ٥ هجرية

стр. 355

هذه التهمة كما ينفيها عن نفسه، ويفقد بعضهم الثقة ببعض، فإذا زالت الثقة بأهل بيت النبوّة، زالت عن الجميع، وكانت أعظم مؤامرة حاكها المنافقون وقد تجلّت هذه السياسة الماكرة في غزوة بني المصطلق أكثر ممّا تجلّت في أيّ غزوة. خرج رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق، ولقيهم على ماء لهم، يقال له «المريسيع» «١» من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، وانهزم بنو المصطلق «٢» . واقتتل أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار، وحليف للخزرج من جهينة، فصرخ الجهنيّ: «يا معشر الأنصار!» وصرخ الأجير: «يا معشر المهاجرين!» فغضب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم، فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ليس الأمر إلا كما قيل: «سمّن كلبك يأكلك» أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ثمّ أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوّلوا إلى غير داركم» «٣» .

стр. 356

فلمّا سمع ذلك رسول الله ﷺ أمر بالرحيل، لئلا ينشغل الناس بهذه الفتنة، ويجد الشيطان سبيلا إلى نفوسهم، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس. ومشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتّى أمسى، وليلتهم حتّى أصبح، وصدر يومهم ذلك، حتّى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما. وقدم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ الناس، حتّى وقف لأبيه على الطريق، فلمّا رآه أناخ به، وقال: لا أفارقك حتّى تزعم أنّك الذليل، ومحمد العزيز، فمرّ به رسول الله ﷺ فقال: «دعه، فلعمري لنحسننّ صحبته ما دام بين أظهرنا» «١» . قصّة الإفك: وكان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا، أقرع بين نسائه، فأيّتهن خرج سهمها خرج بها معه، وخرج سهم عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فخرج بها رسول الله ﷺ فلمّا فرغ من سفره ذلك توجّه قافلا، حتّى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا، فبات به بعض الليل، ثمّ أذّن بالرحيل، وخرجت عائشة لبعض حاجتها، وفي عنقها عقد لها، فانسلّ من

стр. 357

حيث لا تشعر، فلمّا رجعت إلى الرّحل فقدت العقد فذهبت تبحث عنه وقد أخذ الناس في الرحيل، فجاء القوم الذين كانوا يرحّلون لها البعير، فأخذوا الهودج، وهم يظنّون أنّها فيه، وكانت فتاة صغيرة السنّ، خفيفة اللحم، فلم ينتبهوا لخفّتها، ولم يشكّوا أنّها فيه، ورجعت عائشة إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب، وقد انطلق الناس، فتلففت بجلبابها، واضطجعت في مكانها. وبينما هي كذلك إذ مرّ بها صفوان بن المعطّل السّلمي، وقد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته، فلمّا رآها استرجع، وقال: ظعينة رسول الله ﷺ ، ثم قرّب البعير واستأخر، فركبت وأخذ برأس البعير، وانطلق سريعا يطلب الناس فأدركهم، وقد نزلوا، ولحقت بالركب، فلم يرع الناس شيء، فكان مما ألفوه في حياة البادية ومسير القوافل، وكان حفظ الذمار والتعفف عن مثل هذه الخسائس، من الأعراف العربية التي كانوا يحافظون عليها في الجاهليّة والإسلام «١» ، فيقول الشاعر الجاهليّ: [من الكامل] وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها «٢»

стр. 358

وقد كان الصحابة- ﵃ مع الرسول ﷺ كالأبناء للآباء، وأزواجه أمهاتهم، وكان أحبّ إليهم من والدهم وولدهم والناس أجمعين، وقد عرف صفوان بن المعطّل بالدين والصلاح والعفّة والحياء، ذكر أنّه لم يكن له أرب في النساء. وكانت القضية لا تسترعي انتباها، ولكنّ عبد الله بن أبيّ تبنّى هذه القضية، وتحدّث بها بعد عودته إلى المدينة، وشايعه أصحابه من المنافقين، واهتبلوها لإثارة الفتنة بين المسلمين وإضعاف الصّلة التي تربطهم بمقام صاحب الرسالة العظمى ومن يتصل به من أهل، وإضعاف ثقة المسلمين بعضهم بأمانة بعض، وتورّط في هذه المكيدة بضع من المسلمين الذين أصبحوا فريسة التشهي للحديث والترديد لكلّ ما قيل من غير تمحيص «١» . فلمّا سمعت بذلك عائشة وفوجئت به في المدينة فزعت له، وحزنت حزنا شديدا، لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم، وكبر على رسول الله ﷺ وعرف مصدره، فقام من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيّ، وهو على المنبر، فقال: «يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت فيه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي» ، فقام أسيد بن خضير، فقال: أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، وكان عبد الله بن أبيّ من الخزرج، فاحتملت بعضهم الحميّة، وثار الحيّان، وكاد الشيطان أن يلعب بهم لولا حكمة رسول الله ﷺ وحلمه.

стр. 359

هذا، والصّدّيقة بنت الصدّيق موقنة ببراءتها، عزيزة النفس، مليئة بالثقة والاعتزاز، شأن الأبرياء الذين لا ترتقي إليهم شبهة، ولا تلتصق بهم لوثة، تعلم أنّ الله سيبرّئها، ويبعد كل ظنّة وتهمة عن ساحة رسول الله ﷺ ، ولكنّها لم تكن تظنّ أنّ الله منزل في شأنها وحيا يتلى، ويجعله كلمة باقية في أعقاب هذه الأمّة، ولكنّها ما تلبّثت طويلا أن أنزل الله على رسوله في شأنها القرآن، وأنزل براءتها من فوق سبع سموات، فقال إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور: ١١- ١٢] . وبذلك انطفأت نار الفتنة، وانحسمت مادة الفساد، وخزي الشيطان، وكأن لم يكن شيء، فتشاغل المسلمون بما أمرهم الله به ورسوله، وبما يعود عليهم وعلى الإنسانيّة بالخير والسعادة «١» .

стр. 360

صلح الحديبية ذو القعدة سنة ست من الهجرة رؤيا رسول الله ﷺ وتهيّؤ المسلمين لدخول مكة: كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنّه دخل مكّة، وطاف بالبيت وذلك في غير تحديد للزمان، وتعيين للشهر والعام «١» - فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فاستبشروا به، وفرحوا فرحا عظيما، وقد طال عهدهم بمكّة والكعبة التي رضعوا لبان حبّها، ودانوا بتعظيمها، وما زادهم الإسلام إلّا ارتباطا بها وشوقا إليها، وقد تاقت نفوسهم إلى الطواف حولها، وتطلّعت إليه تطلّعا شديدا. وكان المهاجرون أشدّهم حنينا إلى مكّة، فقد ولدوا ونشؤوا فيها وأحبّوها حبا شديدا، وقد حيل بينهم وبينها، فلمّا أخبرهم رسول الله ﷺ بذلك، لم يشكّوا أنّ هذه الرؤيا تتفسّر هذا العام، وقد صادف كلّ ذلك رغبة شديدة في نفوسهم، وأثار كامن الشّوق ودفين الحبّ فتهيّؤوا للخروج مع رسول الله ﷺ لم يتخلّف منهم إلا نادر.

стр. 361

إلى مكة بعد عهد طويل: خرج رسول الله ﷺ من المدينة في ذي القعدة سنة ستّ معتمرا- لا يريد حربا- إلى الحديبية ومعه ألف وخمسمئة، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليعلم النّاس أنّه إنما خرج زائرا للبيت، معظّما له «١» . وبعث رسول الله ﷺ خراش الخزاعيّ عينا له من خزاعة، يخبره عن قريش، حتّى إذا كان قريبا من «عسفان» «٢» أتاه عينه، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش «٣» وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، وسار النّبيّ ﷺ حتّى إذا كان بالثنيّة التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقالوا: خلأت «٤» القصواء «٥» ، خلأت القصواء، فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل «٦» ، والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظّمون فيها حرمات الله، ويسألونني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إيّاها» ، ثمّ زجرها، فوثبت به، فعدل، حتّى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فما زال يجيش لهم بالريّ حتّى صدروا عنه «٧» .

стр. 362

فزع قريش من دخول المسلمين في مكّة: وفزعت قريش لنزول رسول الله ﷺ عليهم، فأحبّ أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطّاب- ﵁ ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله! ليس بمكّة أحد من بني عديّ بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفّان، فإنّ عشيرته بها، وإنّه مبلغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم أنّا لم نأت لقتال وإنّما جئنا عمّارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالا بمكّة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشّرهم بالفتح، ويخبرهم أنّ الله مظهر دينه حتى لا يستخفى فيها بالإيمان «١» . امتحان الحبّ والوفاء: وانطلق عثمان حتّى جاء مكة، وأتى أبا سفيان، وعظاماء قريش، وبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. وقالوا حين فرغ عن رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف البيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله ﷺ «٢» . وقال عثمان حين رجع، وقال له المسلمون: أشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟: «بئس ما ظننتم بي والذي نفسي بيده، لو مكثت بها سنة، ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية، ما طفت بها حتّى يطوف بها

стр. 363

رسول الله ﷺ ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت» «١» . بيعة الرضوان: بلغ رسول الله ﷺ أنّ عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه ألّا يفروا، وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه، وقال: هذه عن عثمان «٢» ، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة سمرة «٣» في الحديبية التي أنزل الله عنها: * لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨] . وساطات ومفاوضات: فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في رجال من خزاعة، فكلّمه، وسأله ما الذي جاء به؟ قال رسول الله ﷺ : إنّا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وأنّ قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم، ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلّا فقد جمّوا، وإن أبوا إلا القتال، فو الذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري حتّى تنفرد سالفتي «٤» ، أو لينفذنّ الله أمره.

стр. 364

فلمّا بلّغهم بديل ما قاله رسول الله ﷺ ، قال عروة بن مسعود الثقفيّ: إنّ هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته، وجاء عروة بن مسعود الثقفيّ، فكلّمه رسول الله ﷺ وجعل عروة يرمق أصحاب رسول الله ﷺ فما تنخم نخامة «١» إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها جلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك: على كسرى وقيصر والنجاشيّ، والله ما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا، ووصف لهم ما رآه، وقد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها «٢» . معاهدة وصلح: وجاء رجل من بني كنانة، ورجل اسمه مكرز بن حفص، وأخبرا قريشا بما رأيا، ثمّ بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلمّا رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال: أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، وقال: اكتب بيننا وبينكم كتابا «٣» . حكمة وحلم وتنازل: فدعا الكاتب- وهو عليّ بن أبي طالب- فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» .

стр. 365

فقال سهيل: أمّا «الرّحمن» فو الله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: «باسمك اللهمّ» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها، إلّا «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقال النّبيّ ﷺ : «اكتب باسمك اللهمّ» . ثمّ قال: «اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّي رسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمد بن عبد الله» ، فأمر عليّا أن يمحوها، فقال عليّ: لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله ﷺ : «أرني مكانها» فأراه مكانها، فمحاها «١» . صلح وامتحان: فقال له النّبيّ ﷺ : «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت، فنطوف به» . فقال سهيل: والله لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. قال سهيل: وعلى ألّا يأتيك منّا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! وبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل، يرسف في قيوده، قد

стр. 366

خرج من أسفل مكة، حتّى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين. قال سهيل: هذا يا محمّد أول ما أقاضيك عليه على أن تردّه. قال النّبيّ ﷺ : «إنّا لم نقض الكتاب بعد» . قال: فو الله إذا لا أقاضيك على شيء أبدا. قال النّبيّ ﷺ : «فأجزه لي» . قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: «بلى، فافعل» . قال: ما أنا بفاعل. قال أبو جندل: يا معشر المسلمين! أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذّب في الله عذابا شديدا «١» ، وردّه رسول الله ﷺ . وقد اصطلح الفريقان على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، وعلى أنّه من أتى محمّدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد، لم يردوه عليه، وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه «٢» .

стр. 367

ابتلاء المسلمين في الصلح والعودة إلى المدينة: فلمّا رأى المسلمون ما رأوه من الصلح والرجوع، وما تحمّل عليه رسول الله ﷺ في نفسه، دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتّى كادوا يهلكون، ووقع ذلك من نفوسهم كلّ موقع، حتّى جاء عمر بن الخطّاب إلى أبي بكر- ﵄ فقال: ألم يكن رسول الله ﷺ يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى! أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوف به «١» . فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الصلح، قام إلى هديه، فنحره، ثمّ جلس فحلق رأسه، وعظم ذلك على المسلمين، لأنّهم خرجوا وهم لا يشكّون في دخول مكة والعمرة، ولكن لمّا رأوا رسول الله ﷺ قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون «٢» . صلح مهين أم فتح مبين ؟ ثمّ رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح: ١- ٣] . قال عمر- ﵁: أو فتح هو يا رسول الله؟

стр. 368

قال: «نعم» ! «١» . عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم: ولمّا رجع إلى المدينة، جاءه رجل من قريش اسمه أبو بصير عتبة بن أسيد، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرّجلين، فخرجا به، فخرج هاربا منهم، حتّى أتى سيف البحر، وتفلّت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتّى اجتمعت منهم عصابة، لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشّام إلّا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النّبيّ ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن «٢» . كيف تحوّل الصلح إلى الفتح والنصر ؟ ودلّت الحوادث الأخيرة على أنّ صلح الحديبية الذي تنازل فيه رسول الله ﷺ لقبول كلّ ما ألحّت عليه قريش، ورأوا فيه انتصارا لهم ومكسبا، وتحمّله المسلمون في قوّة إيمانهم، وشدّة طاعتهم للرسول، كان فتح باب جديد لانتصار الإسلام، وانتشاره في جزيرة العرب بسرعة لم تسبق، وكان بابا إلى فتح مكّة، ودعوة ملوك العالم كقيصر وكسرى والمقوقس والنجاشيّ وأمراء العرب، وصدق الله العظيم:

стр. 369

وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١٦] . كان من مكاسب هذا الصّلح اعتراف قريش بمكانة المسلمين، وتسليمهم لهم كفريق قويّ كريم، تبرم معه المعاهدات، ويتّفق معه على مفاوضات، ثمّ كان من أفضل ثمار هذا الصلح الهدنة، التي استراح فيها المسلمون عن الحروب التي لا أوّل لها ولا آخر، والتي شغلتهم واستهلكت قوّتهم، فاستطاعوا في هذه الفترة السلمية، أن يقوموا بدعوة الإسلام، في ظلّ الأمن والسلام، وفي جوّ من الهدوء والسكينة. وأتاح هذا الصلح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواء لأن يختلطوا بعضهم ببعض، فيطلع المشركون على محاسن الإسلام، وما صنع من عجائب ومعجزات في تهذيب الأخلاق، وتزكية النفوس، وتطهير العقول والقلوب، من ألواث الشرك والوثنية، والعداء والخصومة، والضراوة بالدماء، والولوع بالحرب في بني جلدتهم الذين لا يختلفون عنهم في نسب وبيئة ولغة. ولم يخف عليهم- رغم عنادهم وجحودهم- أن تعاليم الإسلام وحدها وصحبة النّبيّ ﷺ هي التي ميّزتهم عن أقرانهم وبني أعمامهم، وجعلت منهم أمة غير أمة، ونمطا من أنماط البشرية غير النمط القديم، فكان في ذلك باعث قويّ على تفهّم الإسلام والاعتراف بتأثيره. فلم يمض على هذا الصّلح عام كامل حتّى دخل في الإسلام من العرب أكثر من الذين دخلوا فيه خلال خمس عشرة سنة- ومكّة لم تفتح بعد-. يقول الإمام ابن شهاب الزّهريّ (ت ١٢٤ هـ) : «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنّما كان القتال حيث التقى الناس، فلمّا كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس،

стр. 370

وكلّم الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث، والمنازعة، فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر» «١» . قال ابن هشام: «والدليل على قول الزهريّ أنّ رسول الله ﷺ قد خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة، في قول جابر بن عبد الله، ثمّ خرج في عام فتح مكّة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف» «٢» . واستفاد بهذه الهدنة المستضعفون في مكّة، وقد أسلم على يد أبي جندل عدد كبير من أبناء قريش في مكّة، وضاقت قريش ذرعا بهذا الداعي إلى الإسلام، وانتشار الإسلام في مكّة. ولحقوا بأبي بصير، وصار مركز دعوة وقوة للإسلام، وتكلّمت في شأنهم قريش، وسألت رسول الله ﷺ أن يلحقهم به في المدينة، ففعل، ونجوا من الضيق الذي كانوا فيه بمكّة، وكان كلّ ذلك من حسنات هذا الصلح وفوائد هذه الهدنة «٣» . وكان من فوائد الموقف المسالم الذي وقفه رسول الله ﷺ وما بدا منه من زهد في الحرب، ورغبة في الصلح، وحلم وأناة أن تغيّرت نظرة القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام بعد، إلى الدين الجديد، والداعي إليه، ونشأ في نفوسهم إجلال للإسلام وتقدير له لم يكن من قبل، وكانت فائدة دعويّة لا يستهان بقيمتها وإن لم تكن مقصودة، سعى إليها الرسول ﷺ والمسلمون.

стр. 371

إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص: وكان صلح الحديبية فتحا للقلوب، دخل في الإسلام خالد بن الوليد الذي كان قائد الفرسان لقريش، وبطل معارك عظيمة، وقد سمّاه رسول الله ﷺ «سيف الله» وهو الذي أبلى في الله بلاء حسنا، وفتح الله على يده الشام. ودخل عمرو بن العاص- أحد كبار القادة والأمراء وفاتح مصر من بعد- وقد قدما المدينة بعد صلح الحديبية، فأسلما وحسن إسلامهما «١» .

стр. 372

خريطة غزوة الحديبية ذي القعدة ٦ هجرية

стр. 373

خريطة كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك

стр. 374

دعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام أواخر سنة ستّ وأوائل سنة أربع من الهجرة دعوة حكمة: ولمّا تمّ الصلح، وهدأت الأحوال، وجدت الدعوة الإسلاميّة متنفّسا ومجالا للتقدّم، فكتب رسول الله ﷺ كتبا إلى ملوك العالم وأمراء العرب، يدعوهم فيها إلى الإسلام «١» وإلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة «٢» ، واهتمّ اهتماما كبيرا، فاختار لكلّ واحد منهم رسولا يليق به، ويعرف لغته وبلاده «٣» .

стр. 375

وقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقته فضة، ونقش فيه (محمّد رسول الله) «١» . وقد دلّت هذه الكتب على أنّ هذا الدّين ليس دين العرب، أو دين الجزيرة العربيّة، وإنما هو دين البشريّة ودين الإنسانيّة، وكان إنذارا للسّلطات الحاكمة خارج الجزيرة المالكة للحول والطول، والحاكمة لأوسع رقاع راقية متمدّنة، بأنّها مهدّدة بالانقراض والزوال، إذا لم تستجب للدعوة أو تسمح- على الأقلّ- من تمكين رعاياها للاطلاع على هذه الدعوة، والاستماع إليها، وتقرير مصيرها في شأنها.

стр. 376

الكتب التي أرسلت إلى الملوك: ومن هؤلاء الملوك الإمبراطور الروميّ «هرقل» وإمبراطور فارس «كسرى أبرويز» ، والنّجاشيّ ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر. وهنا نصوص الكتب التي أرسلت إلى هؤلاء الملوك: قد أرسل رسول الله ﷺ كتابه إلى «هرقل» مع دحية الكلبيّ، وقد دفعه إلى عظيم «بصرى» فدفعه إلى هرقل، وهنا نصّ الكتاب: «بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد عبد الله ورسوله، إلى «هرقل» عظيم الرّوم، سلام على من اتبع الهدى. أمّا بعد؛ فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن توليت فإنّ عليك إثم الأريسيين يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» [آل عمران: ٦٤] » . وجاء في كتابه ﷺ إلى كسرى أبرويز:

стр. 377

«بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيّا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» «١» . وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: «بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد رسول الله، إلى النّجاشيّ عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإنّي رسول الله، وإنّي أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلّغت ونصحت فاقبل نصيحتي، والسّلام على من اتبع الهدى» «٢» . وكتب إلى المقوقس عظيم القبط: «بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد عبد الله ورسوله إلى «المقوقس» عظيم القبط،

стр. 378

سلام على من اتبع الهدى. أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم أهل القبط، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» [آل عمران: ٦٤] » .

стр. 379

اعتبارات حكيمة خاصة بالملوك الذين وجّهت إليهم هذه الرسائل: ويلاحظ القارىء الذكيّ فوارق دقيقة مؤسّسة على حكمة الدعوة والرسالات النبويّة، روعي فيها ما يمتاز به هؤلاء الملوك في العقائد التي يدينون بها، و «الخلفيات» التي يمتازون بها. فلمّا كان «هرقل» و «المقوقس» يدينان بألوهية المسيح كليّا وجزئيا، وكونه ابن الله، جاءت في الكتابين اللذين وجّها إليهما كلمة «عبد الله» مع اسم النبيّ الكريم ﷺ صاحب هاتين الرّسالتين، فيبتدىء الكتابان بعد التسمية بقوله: «من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم» ، وبقوله: «من محمّد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط» بخلاف ما جاء في كتابه ﷺ إلى كسرى أبرويز، فاكتفى بقوله: «من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس» . وجاءت كذلك آية: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] ، في هذين الكتابين، وما

стр. 380

جاءت في كتابه إلى كسرى أبرويز لأنّ الآية تخاطب أهل الكتاب الذين دانوا بألوهية المسيح، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وقد كان هرقل إمبراطور الدولة البيزنطيّة والمقوقس حاكم مصر قائدين سياسيّين، وزعيمين دينيّين كبيرين للعالم المسيحيّ، مع اختلاف يسير في الاعتقاد في المسيح هل له طبيعة أم طبيعتان» «١» . ولمّا كان كسرى أبرويز وقومه يعبدون الشّمس والنّار، ويدينون بوجود إلهين، أحدهما يمثّل الخير وهو يزدان، والثاني يمثّل الشرّ وهو أهرمن، وكانوا بعيدين عن مفهوم النبوّة والتصوّر الصحيح للرسالة السماوية، جاءت في الكتاب الذي وجّه إلى الإمبراطور الإيرانيّ عبارة: (وإنّي رسول الله إلى الناس كافّة لينذر من كان حيّا) . من هم هؤلاء الملوك ؟ ولكي نشعر بأهميّة هذه الرّسائل التي وجّهت إلى دول وبلاد مختلفة، وملوكها، ومكانتها الصحيحة في التاريخ المعاصر، ووقعها في القلوب والنفوس، يجب أن نتعرّف بهؤلاء الأشخاص الأربعة: «هرقل» ، و «كسرى» ، و «النّجاشيّ» ، و «المقوقس» ، وحجم الحكومات التي كانوا يحكمونها. فقد يتصوّر القارىء الذي لم يتّسع وقته لدراسة التاريخ السياسيّ في القرن السابع المسيحيّ، ولم تتوفّر عنده معلومات عن هذه الممالك التي كان يحكمها هؤلاء الملوك، أنّها رسائل وجّهت إلى أمراء، أو

стр. 381

أقيال يكثر عددهم في كلّ زمان ومكان، أمّا من عرف مكانة هؤلاء الملوك في الخريطة السياسية في ذلك العصر، واطّلع على تاريخهم وسيرتهم وأخلاقهم، وما كان لهم من حول وطول، وسطوة ورهبة، عرف ضخامة هذا العمل الذي لا يقدم عليه إلا نبيّ مأمور من الله، مكلّف بالدعوة، بعيد عن كلّ ظلّ من ظلال الخوف والضعف تجلّى عليه ملكوت السموات والأرض فتراءى له هؤلاء الملوك دمى كسيت حللا ملوكية فاخرة، أو تماثيل لا روح فيها ولا حياة. هرقل الأول قيصر الروم (٦١٠- ٦٤١ م) : هو هرقل قيصر الروم الإمبراطور البيزنطيّ، كان يحكم إمبراطورية واسعة، توزّعت مع الإمبراطورية الإيرانية العالم المتمدّن في ذلك اليوم، وحكمت نصف العالم تقريبا، وكانت لها ولايات واسعة غنيّة متمدنة راقية، في القارات الثلاث: أوربة، وآسيا، وإفريقية، وخلفت الدولة الرومية الكبرى التي خضع لها العالم القديم «١» . وكان من أسرة يونانية الأصل، ولد في «كيبوديشية» ونشأ في قرطاجنة «كارتهيج» «٢» ، وكان ابن حاكم إفريقية الروميّ Exarch of Afrca ولم يكن شيء يدلّ على عصاميته ونبوغه، أو عبقريته القيادية، إلى أن قتل فوقاس) Phocas (المغتصب، إمبراطور البيزنطية الشرعيّ موريقس) Maurices (سنة

стр. 382

٦٠٢ م الذي كان صاحب الفضل على كسرى أبرويز، وانتهز الفرس هذه الفرصة للزحف على الدولة البيزنطية فدوّخوها واحتلّوها وأهانوها واحتضرت الدولة البيزنطيّة الشهيرة تلفظ آخر أنفاسها «١» ، فدعي هرقل من قرطاجنة فقتل فوقاس، وتسلّم زمام الحكم والقيادة في سنة ٦١٠ م «٢» ، والمملكة في صراع الموت والحياة، وفي براثن المجاعة، والأمراض الوبائية، والفقر، والعجز الماليّ. وبقي هرقل في سنواته الأولى لا يبعث أملا ولا يحرّك ساكنا، ولكن حدث فيه انقلاب في سنة ٦١٦ م (وهي السنة التي نبّأ القرآن فيها بغلبة الروم في بضع سنين) «٣» ، فتحوّل من ملك متخاذل راكن إلى الدعة والترف، إلى قائد متحمّس غيور، قد ملكته الفكرة وثارت فيه الحميّة، وتوجّه إلى مركز الإمبراطورية الإيرانية، يستعيد بلاده وكرامة أمّته، ويفتح مدن إيران الشهيرة، ويستولي على مراكزها الكبيرة، حتّى أوغل في قلب إيران، وأهان الإمبراطورية الإيرانية العظيمة القديمة، وأثخنها قتلا وجراحا، حتّى أو شكت الإمبراطورية السّاسانية على النهاية، وتزلزلت قوائم عرش آل ساسان، ورجع القائد المنتصر، فدخل القسطنطينية دخول الفاتح العظيم سنة ٦٢٥ م «٤» ، وتوجّه إلى بيت المقدس في سنة ٦٢٩ م، ليعيد إليه الصليب

стр. 383

المقدّس، الذي أخذه الفرس، وليفي بنذره، فكان الناس يبسطون له البسط ليمشي عليها، وينثرون عليه الرياحين «١» ، إبداء لسرورهم وإجلالهم، وأقيم احتفال كبير بمناسبة عودة الصليب المقدّس إلى مكانه، وإظهارا للسّرور بالفتح العظيم في القدس، وهنا وصله كتاب النّبيّ ﷺ يدعوه فيه إلى الإسلام «٢» . وعاد هرقل إلى ما كان عليه من دعة وترف، حتّى واجه الزحف الإسلاميّ الذي أدّى إلى زوال ملكه، وانتهاء الحكم البيزنطيّ من آسيا وإفريقية وانحصاره في أوربة وآسيا الصغرى، وعلى كلّ فإنّه كان من كبار ملوك العالم في عصره، لا ينافسه في اتساع المملكة، والقوة الحربية، وزهوّ المدنية، إلا الإمبراطور الإيرانيّ خسرو الثاني، ومات سنة ٦٤١ م في القسطنطينية، ودفن فيها. كسرى أبرويز (خسرو أبرويز الثاني) (٩٥٠- ٦٢٨) : كان ابن هرمز الرابع، وحفيد خسرو الأول المعروف ب «أنوشيروان» العادل، يسمّيه العرب «كسرى أبرويز» جرى تتويجه على أثر قتل والده في سنة ٥٩٠ م، وثار عليه بهرام جوبين، وانهزم أبرويز فخرج من المملكة السّاسانية، والتجأ إلى الإمبراطور البيزنطيّ موريقس) Maurice (واستعان به

стр. 384

على استرداد ملكه، فأمدّه موريقس بجيوش جرّارة، وبعد حروب دامية انهزم بهرام، وتربّع خسرو على عرش آبائه. وفي سنة ٦١٢ م زحف كسرى أبرويز على المملكة البيزنطيّة ليأخذ بثأر وليّ نعمته وأبيه المعنويّ موريقس، من قاتله النذل المغتصب لعرش القياصرة فوقاس) Phocas (ولم يكفه قتل فوقاس عن الاستمرار في الزحف الذي ساءت فيه نيّته، فواصله إلى القسطنطينية ووصل إلى ما لم يصل إليه سلفه من تدويخ المملكة المنافسة القديمة، وبلغ انتصاره ومجده أوجهما في سنة ٦١٥ م حتى نجح هرقل في دحر الإيرانيّين عن بلاده، والهجوم المنتصر على مركز المملكة السّاسانية، حتى اضطرّ كسرى أبرويز إلى أن يغادر عاصمته، والالتجاء إلى مكان حريز «١» ، ولكنّه ما لبث أن قتل في ثورة في سنة ٦٢٨ م. اتفقت كلمة مؤرّخي إيران على أنّ خسرو الثاني كان أعظم ملوك إيران أبهة وعظمة، فقد بلغت الدولة السّاسانية في عهده أوجها في الزينة والمدنية والزهوّ، ومظاهر الترف والبذخ، وقد دخل جزء من الولاية الشمالية الغربية في الهند في حكمه «٢» ، وكان يلقّب نفسه ويسمّيه كما يلي: «في الآلهة إنسان غير فان، وفي البشر إله ليس له ثان، علت كلمته، وارتفع مجده، يطلع مع الشمس بضوئه، وينير الليالي المظلمة بنوره» «٣» . وقد بلغت في عهده المملكة الساسانية إلى ما لم تبلغ إليه في عهد من عهودها من الأبّهة، والفخفخة، وقد وصفه المؤرخ الطّبريّ في تاريخه بقوله:

стр. 385

«كان من أشدّ ملوكهم بطشا، وأنفذهم رأيا، وأبعدهم غورا، وبلغ فيما ذكر من البأس والنّجدة، والنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز، ومساعدة القدر ومساعدة الدهر إياه، ما لم يتهيأ لملك أكثر منه، ولذلك سمّي «أبرويز» وتفسيره بالعربية «المظفر» «١» . وقد تأنّق تأنّقا عظيما في مظاهر الترف والمدنية، وأبدع في أنواع الأطعمة والأشربة «٢» ، وبلغ في الألطاف والأدهان والعطور شأوا بعيدا، وقد نشأ في عهده ذوق دقيق للأطعمة اللذيذة، والخمور الراقية، والعطور اللطيفة، وارتقى في عهده الغناء والموسيقا، وأقبل الناس عليها إقبالا عظيما، وكانت عنده نهامة بجمع الأموال، واكتناز الكنوز، وجمع الطرف والنفائس، ولمّا نقل كنزه في سنة ٦٠٧- ٦٠٨ م من البناء القديم إلى البناء الجديد في طيسيفون، كان ما نقله ٤٦٠ مليونا وثمانية ملايين مثقال ذهب، وذلك ما يساوي ٣٧٠ مليون وخمسة ملايين فرنك ذهبيّ، وفي العام الثالث عشر من جلوسه على العرش كان في خزانته ٨٨٠ مليون مثقال ذهب «٣» ، وقد حكم ٣٧ سنة، وخلفه ابنه شيرويه. المقوقس: هو حاكم الإسكندرية، والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، وقد ذكره المؤرّخون العرب غالبا باسم «المقوقس» واختلفوا في تسميته الحقيقية وكنيته اختلافا كثيرا، أمّا المؤرّخ أبو صالح الذي ألّف تاريخه في القرن السادس الهجريّ (١٢٠٠ م) فسمّاه ب «جريج بن مينا المقوقس» وقد ذكر

стр. 386

ابن خالدون أنه كان من الأقباط، والمقريزيّ سمّاه «المقوقس الروميّ» فلما هاجم الفرس مصر فرّ حاكم الإسكندرية من قبل البيزنطيين، واسمه) John the Almoner (من الإسكندرية إلى قبرص ومات هناك، فعيّن هرقل مكانه نائبا آخر اسمه «جورج» ، ولعلّه هو الذي يسمّيه العرب ب «جريج» وولّاه رئاسة الكنيسة الملكانية، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ تعيينه كان في سنة ٦٢١ م. ويرجّح «ألفرد بتلر» مؤلّف كتاب «فتح العرب لمصر» أنّ العرب كانوا يعتقدون أنّ الحاكم الذي كان يحكم مصر من قبل الدولة البيزنطية بعد انتصارها على إيران، كان يلقّب ب «المقوقس» وكان رئيس الكنيسة وحاكم مصر في وقت واحد، فأطلقوا على جورج الذي كان نائبا عن الدولة بهذا اللقب، ويرجّح أن «المقوقس» لقب لا علم، وقد ردّ هذا الاسم إلى أصول قبطية، ويمكن أن أسقفا قبطيا تسلّم زمام الحكم، ورئاسة الكنيسة عند استيلاء الفرس على مصر، وقد انسحبت القوات الإيرانية عن مصر في سنة ٦٢٧ م، ولكن لم توقّع وثيقة الصلح إلّا في سنة ٦٢٨ م، فيمكن أنّ كتاب النّبيّ ﷺ إلى المقوقس وصل إليه في هذه الفترة، حين كان الحاكم المصريّ شبه مستقل «١» ولذلك خاطبه النّبيّ ﷺ ب «عظيم القبط» . وقد كانت مصر من أغنى ولايات الدولة البيزنطيّة، وأكثرها خصوبة وإنتاجا وسكّانا، وكانت تموّن العاصمة بالمواد الغذائية، وقد وصفها فاتح مصر عمرو بن العاص (م ٦٣ هـ) وقد دخلها بعد أن مضى على كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ١٤ عاما، في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ بقوله: «مصر تربة غبراء وشجرة

стр. 387

خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر» «١» . ويدلّ على عمرانها وكثرة نفوسها أنّ عمرو بن العاص لمّا تمّ له فتح مصر سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) أحصى من تستحقّ عليه الجزية يومئذ، فبلغوا أكثر من ستة ملايين «٢» ، وكان الرومان يبلغون مئة ألف. وقد جاء في كتاب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب- ﵁: «أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أنّي أحصيت فيها أربعة آلاف متنة «٣» ، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، وأربعمئة ملهى للملوك» «٤» . النجاشيّ: إنّ هذه البلاد لم تزل تسمّى من قديم الزمان بالحبشة) Abyssinia (أو أثيوبيا،) Ethiopia (وهي بلاد من إفريقية الشرقية، واقعة في الجنوب الغربيّ من البحر الأحمر ولا يمكن تقدير حدودها في العصر الذي نتحدّث عنه. وحكومتها من أقدم الحكومات في العالم، وتقول الأخبار اليهوديّة أن ملكة «سبأ» كانت تسكن في الحبشة، وأنّ ذرّية سليمان ما زالت تحكم الحبشة، وقد بدأ اليهود يسكنون في الحبشة بعد خراب هيكل سليمان،

стр. 388

وبدأت النصرانيّة تنتشر في الحبشة منذ القرن الرابع الميلاديّ، ولمّا بدأ ملك اليمن يضطهد المسيحيّين في بلاده طلب جستينين الأول من ملك الحبشة أن يساعد المسيحيّين في اليمن، فاستولى على اليمن في سنة ٥٢٥ م، ودامت السلطة الحبشية على اليمن العربية نحو خمسين سنة (وفي هذه الفترة هاجم ملك اليمن من قبل الحبشة أبرهة مكّة ليخرّب البيت، ووقعت حادثة الفيل) . وكانت عاصمة الحبشة) Axum (وكانت حكومة مستقلة لا تخضع لحكومة أجنبية، ولا تؤدّي إليها الخراج، ولا تتصل بالإمبراطورية البيزنطيّة إلا عن طريق الصداقة والمشاركة في ديانة واحدة (المسيحية) يدلّ على ذلك دلالة واضحة أنّ الإمبراطور البيزنطيّ «جستينين» عيّن في منتصف القرن الثالث المسيحيّ رجلا اسمه «جوليان) Julian ( «سفيرا في بلاط الحبشة «١» . ويقول) De Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد» : «كانت الحبشة منذ ٥٢٢ م حتّى ظهور الإسلام مسيطرة على تجارة شرق المحيط الأحمر وإفريقية، بل لعلّها كانت مسيطرة على تجارة الهند أيضا» «٢» . وكان ملك الحبشة يلقّب دائما ب «النجاشيّ.Nagusa Nagashi « وقد اضطربت الأقوال والروايات في تعيين هذا النجاشيّ الذي كتب إليه رسول الله ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، وممّا لا شكّ فيه أنّ هنالك شخصيّتين متمايزتين، الأول هو الذي هاجر إليه المسلمون من مكّة، وكان

стр. 389

فيهم جعفر بن أبي طالب، وذلك سنة خمس من النبوّة، ويستبعد أنّه ﷺ كتب إليه كتابا يدعوه في ذلك الحين، فإنّ الأوضاع لم تكن تسمح بذلك، ولم يكن قد آن أوانه بعد، ولا نعرف أنّه ﷺ كتب إلى ملك من الملوك قبل الهجرة يدعوه إلى الإسلام، وغاية الأمر أنّه طلب منه أن يؤوي المسلمين الذين قست عليهم قريش وابن خالدون أنه كان من الأقباط، والمقريزيّ سمّاه «المقوقس الروميّ» فلما هاجم الفرس مصر فرّ حاكم الإسكندرية من قبل البيزنطيين، واسمه) John the Almoner (من الإسكندرية إلى قبرص ومات هناك، فعيّن هرقل مكانه نائبا آخر اسمه «جورج» ، ولعلّه هو الذي يسمّيه العرب ب «جريج» وولّاه رئاسة الكنيسة الملكانية، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ تعيينه كان في سنة ٦٢١ م. ويرجّح «ألفرد بتلر» مؤلّف كتاب «فتح العرب لمصر» أنّ العرب كانوا يعتقدون أنّ الحاكم الذي كان يحكم مصر من قبل الدولة البيزنطية بعد انتصارها على إيران، كان يلقّب ب «المقوقس» وكان رئيس الكنيسة وحاكم مصر في وقت واحد، فأطلقوا على جورج الذي كان نائبا عن الدولة بهذا اللقب، ويرجّح أن «المقوقس» لقب لا علم، وقد ردّ هذا الاسم إلى أصول قبطية، ويمكن أن أسقفا قبطيا تسلّم زمام الحكم، ورئاسة الكنيسة عند استيلاء الفرس على مصر، وقد انسحبت القوات الإيرانية عن مصر في سنة ٦٢٧ م، ولكن لم توقّع وثيقة الصلح إلّا في سنة ٦٢٨ م، فيمكن أنّ كتاب النّبيّ ﷺ إلى المقوقس وصل إليه في هذه الفترة، حين كان الحاكم المصريّ شبه مستقل «١» ولذلك خاطبه النّبيّ ﷺ ب «عظيم القبط» . وقد كانت مصر من أغنى ولايات الدولة البيزنطيّة، وأكثرها خصوبة وإنتاجا وسكّانا، وكانت تموّن العاصمة بالمواد الغذائية، وقد وصفها فاتح مصر عمرو بن العاص (م ٦٣ هـ) وقد دخلها بعد أن مضى على كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ١٤ عاما، في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ بقوله: «مصر تربة غبراء وشجرة

стр. 390

خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر» «١» . ويدلّ على عمرانها وكثرة نفوسها أنّ عمرو بن العاص لمّا تمّ له فتح مصر سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) أحصى من تستحقّ عليه الجزية يومئذ، فبلغوا أكثر من ستة ملايين «٢» ، وكان الرومان يبلغون مئة ألف. وقد جاء في كتاب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب- ﵁: «أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أنّي أحصيت فيها أربعة آلاف متنة «٣» ، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، وأربعمئة ملهى للملوك» «٤» . النجاشيّ: إنّ هذه البلاد لم تزل تسمّى من قديم الزمان بالحبشة) Abyssinia (أو أثيوبيا،) Ethiopia (وهي بلاد من إفريقية الشرقية، واقعة في الجنوب الغربيّ من البحر الأحمر ولا يمكن تقدير حدودها في العصر الذي نتحدّث عنه. وحكومتها من أقدم الحكومات في العالم، وتقول الأخبار اليهوديّة أن ملكة «سبأ» كانت تسكن في الحبشة، وأنّ ذرّية سليمان ما زالت تحكم الحبشة، وقد بدأ اليهود يسكنون في الحبشة بعد خراب هيكل سليمان،
следующие страницы →