← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ابن خالدون أنه كان من الأقباط، والمقريزيّ سمّاه «المقوقس الروميّ» فلما هاجم الفرس مصر فرّ حاكم الإسكندرية من قبل البيزنطيين، واسمه) John the Almoner (من الإسكندرية إلى قبرص ومات هناك، فعيّن هرقل مكانه نائبا آخر اسمه «جورج» ، ولعلّه هو الذي يسمّيه العرب ب «جريج» وولّاه رئاسة الكنيسة الملكانية، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ تعيينه كان في سنة ٦٢١ م. ويرجّح «ألفرد بتلر» مؤلّف كتاب «فتح العرب لمصر» أنّ العرب كانوا يعتقدون أنّ الحاكم الذي كان يحكم مصر من قبل الدولة البيزنطية بعد انتصارها على إيران، كان يلقّب ب «المقوقس» وكان رئيس الكنيسة وحاكم مصر في وقت واحد، فأطلقوا على جورج الذي كان نائبا عن الدولة بهذا اللقب، ويرجّح أن «المقوقس» لقب لا علم، وقد ردّ هذا الاسم إلى أصول قبطية، ويمكن أن أسقفا قبطيا تسلّم زمام الحكم، ورئاسة الكنيسة عند استيلاء الفرس على مصر، وقد انسحبت القوات الإيرانية عن مصر في سنة ٦٢٧ م، ولكن لم توقّع وثيقة الصلح إلّا في سنة ٦٢٨ م، فيمكن أنّ كتاب النّبيّ ﷺ إلى المقوقس وصل إليه في هذه الفترة، حين كان الحاكم المصريّ شبه مستقل «١» ولذلك خاطبه النّبيّ ﷺ ب «عظيم القبط» . وقد كانت مصر من أغنى ولايات الدولة البيزنطيّة، وأكثرها خصوبة وإنتاجا وسكّانا، وكانت تموّن العاصمة بالمواد الغذائية، وقد وصفها فاتح مصر عمرو بن العاص (م ٦٣ هـ) وقد دخلها بعد أن مضى على كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ١٤ عاما، في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ بقوله: «مصر تربة غبراء وشجرة

стр. 387

خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر» «١» . ويدلّ على عمرانها وكثرة نفوسها أنّ عمرو بن العاص لمّا تمّ له فتح مصر سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) أحصى من تستحقّ عليه الجزية يومئذ، فبلغوا أكثر من ستة ملايين «٢» ، وكان الرومان يبلغون مئة ألف. وقد جاء في كتاب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب- ﵁: «أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أنّي أحصيت فيها أربعة آلاف متنة «٣» ، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، وأربعمئة ملهى للملوك» «٤» . النجاشيّ: إنّ هذه البلاد لم تزل تسمّى من قديم الزمان بالحبشة) Abyssinia (أو أثيوبيا،) Ethiopia (وهي بلاد من إفريقية الشرقية، واقعة في الجنوب الغربيّ من البحر الأحمر ولا يمكن تقدير حدودها في العصر الذي نتحدّث عنه. وحكومتها من أقدم الحكومات في العالم، وتقول الأخبار اليهوديّة أن ملكة «سبأ» كانت تسكن في الحبشة، وأنّ ذرّية سليمان ما زالت تحكم الحبشة، وقد بدأ اليهود يسكنون في الحبشة بعد خراب هيكل سليمان،

стр. 388

وبدأت النصرانيّة تنتشر في الحبشة منذ القرن الرابع الميلاديّ، ولمّا بدأ ملك اليمن يضطهد المسيحيّين في بلاده طلب جستينين الأول من ملك الحبشة أن يساعد المسيحيّين في اليمن، فاستولى على اليمن في سنة ٥٢٥ م، ودامت السلطة الحبشية على اليمن العربية نحو خمسين سنة (وفي هذه الفترة هاجم ملك اليمن من قبل الحبشة أبرهة مكّة ليخرّب البيت، ووقعت حادثة الفيل) . وكانت عاصمة الحبشة) Axum (وكانت حكومة مستقلة لا تخضع لحكومة أجنبية، ولا تؤدّي إليها الخراج، ولا تتصل بالإمبراطورية البيزنطيّة إلا عن طريق الصداقة والمشاركة في ديانة واحدة (المسيحية) يدلّ على ذلك دلالة واضحة أنّ الإمبراطور البيزنطيّ «جستينين» عيّن في منتصف القرن الثالث المسيحيّ رجلا اسمه «جوليان) Julian ( «سفيرا في بلاط الحبشة «١» . ويقول) De Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد» : «كانت الحبشة منذ ٥٢٢ م حتّى ظهور الإسلام مسيطرة على تجارة شرق المحيط الأحمر وإفريقية، بل لعلّها كانت مسيطرة على تجارة الهند أيضا» «٢» . وكان ملك الحبشة يلقّب دائما ب «النجاشيّ.Nagusa Nagashi « وقد اضطربت الأقوال والروايات في تعيين هذا النجاشيّ الذي كتب إليه رسول الله ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، وممّا لا شكّ فيه أنّ هنالك شخصيّتين متمايزتين، الأول هو الذي هاجر إليه المسلمون من مكّة، وكان

стр. 389

فيهم جعفر بن أبي طالب، وذلك سنة خمس من النبوّة، ويستبعد أنّه ﷺ كتب إليه كتابا يدعوه في ذلك الحين، فإنّ الأوضاع لم تكن تسمح بذلك، ولم يكن قد آن أوانه بعد، ولا نعرف أنّه ﷺ كتب إلى ملك من الملوك قبل الهجرة يدعوه إلى الإسلام، وغاية الأمر أنّه طلب منه أن يؤوي المسلمين الذين قست عليهم قريش وابن خالدون أنه كان من الأقباط، والمقريزيّ سمّاه «المقوقس الروميّ» فلما هاجم الفرس مصر فرّ حاكم الإسكندرية من قبل البيزنطيين، واسمه) John the Almoner (من الإسكندرية إلى قبرص ومات هناك، فعيّن هرقل مكانه نائبا آخر اسمه «جورج» ، ولعلّه هو الذي يسمّيه العرب ب «جريج» وولّاه رئاسة الكنيسة الملكانية، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ تعيينه كان في سنة ٦٢١ م. ويرجّح «ألفرد بتلر» مؤلّف كتاب «فتح العرب لمصر» أنّ العرب كانوا يعتقدون أنّ الحاكم الذي كان يحكم مصر من قبل الدولة البيزنطية بعد انتصارها على إيران، كان يلقّب ب «المقوقس» وكان رئيس الكنيسة وحاكم مصر في وقت واحد، فأطلقوا على جورج الذي كان نائبا عن الدولة بهذا اللقب، ويرجّح أن «المقوقس» لقب لا علم، وقد ردّ هذا الاسم إلى أصول قبطية، ويمكن أن أسقفا قبطيا تسلّم زمام الحكم، ورئاسة الكنيسة عند استيلاء الفرس على مصر، وقد انسحبت القوات الإيرانية عن مصر في سنة ٦٢٧ م، ولكن لم توقّع وثيقة الصلح إلّا في سنة ٦٢٨ م، فيمكن أنّ كتاب النّبيّ ﷺ إلى المقوقس وصل إليه في هذه الفترة، حين كان الحاكم المصريّ شبه مستقل «١» ولذلك خاطبه النّبيّ ﷺ ب «عظيم القبط» . وقد كانت مصر من أغنى ولايات الدولة البيزنطيّة، وأكثرها خصوبة وإنتاجا وسكّانا، وكانت تموّن العاصمة بالمواد الغذائية، وقد وصفها فاتح مصر عمرو بن العاص (م ٦٣ هـ) وقد دخلها بعد أن مضى على كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ١٤ عاما، في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ بقوله: «مصر تربة غبراء وشجرة

стр. 390

خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر» «١» . ويدلّ على عمرانها وكثرة نفوسها أنّ عمرو بن العاص لمّا تمّ له فتح مصر سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) أحصى من تستحقّ عليه الجزية يومئذ، فبلغوا أكثر من ستة ملايين «٢» ، وكان الرومان يبلغون مئة ألف. وقد جاء في كتاب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب- ﵁: «أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أنّي أحصيت فيها أربعة آلاف متنة «٣» ، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، وأربعمئة ملهى للملوك» «٤» . النجاشيّ: إنّ هذه البلاد لم تزل تسمّى من قديم الزمان بالحبشة) Abyssinia (أو أثيوبيا،) Ethiopia (وهي بلاد من إفريقية الشرقية، واقعة في الجنوب الغربيّ من البحر الأحمر ولا يمكن تقدير حدودها في العصر الذي نتحدّث عنه. وحكومتها من أقدم الحكومات في العالم، وتقول الأخبار اليهوديّة أن ملكة «سبأ» كانت تسكن في الحبشة، وأنّ ذرّية سليمان ما زالت تحكم الحبشة، وقد بدأ اليهود يسكنون في الحبشة بعد خراب هيكل سليمان،

стр. 391

وبدأت النصرانيّة تنتشر في الحبشة منذ القرن الرابع الميلاديّ، ولمّا بدأ ملك اليمن يضطهد المسيحيّين في بلاده طلب جستينين الأول من ملك الحبشة أن يساعد المسيحيّين في اليمن، فاستولى على اليمن في سنة ٥٢٥ م، ودامت السلطة الحبشية على اليمن العربية نحو خمسين سنة (وفي هذه الفترة هاجم ملك اليمن من قبل الحبشة أبرهة مكّة ليخرّب البيت، ووقعت حادثة الفيل) . وكانت عاصمة الحبشة) Axum (وكانت حكومة مستقلة لا تخضع لحكومة أجنبية، ولا تؤدّي إليها الخراج، ولا تتصل بالإمبراطورية البيزنطيّة إلا عن طريق الصداقة والمشاركة في ديانة واحدة (المسيحية) يدلّ على ذلك دلالة واضحة أنّ الإمبراطور البيزنطيّ «جستينين» عيّن في منتصف القرن الثالث المسيحيّ رجلا اسمه «جوليان) Julian ( «سفيرا في بلاط الحبشة «١» . ويقول) De Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد» : «كانت الحبشة منذ ٥٢٢ م حتّى ظهور الإسلام مسيطرة على تجارة شرق المحيط الأحمر وإفريقية، بل لعلّها كانت مسيطرة على تجارة الهند أيضا» «٢» . وكان ملك الحبشة يلقّب دائما ب «النجاشيّ.Nagusa Nagashi « وقد اضطربت الأقوال والروايات في تعيين هذا النجاشيّ الذي كتب إليه رسول الله ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، وممّا لا شكّ فيه أنّ هنالك شخصيّتين متمايزتين، الأول هو الذي هاجر إليه المسلمون من مكّة، وكان

стр. 392

فيهم جعفر بن أبي طالب، وذلك سنة خمس من النبوّة، ويستبعد أنّه ﷺ كتب إليه كتابا يدعوه في ذلك الحين، فإنّ الأوضاع لم تكن تسمح بذلك، ولم يكن قد آن أوانه بعد، ولا نعرف أنّه ﷺ كتب إلى ملك من الملوك قبل الهجرة يدعوه إلى الإسلام، وغاية الأمر أنّه طلب منه أن يؤوي المسلمين الذين قست عليهم قريش واضطهدوهم. ويستأنس من الأخبار التي رواها ابن هشام وغيره في كتب السيرة أنّه دخل الإيمان في قلبه، وآمن بأنّ عيسى ابن مريم- ﵊ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم. أمّا النّجاشيّ الذي كتب له النّبيّ ﷺ كتابا يدعوه إلى الإسلام، فهو كما مال إليه الحافظ ابن كثير هو النجاشيّ الذي ولّي بعد المسلم صاحب جعفر بن أبي طالب، يقول ابن كثير: «وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبل الفتح» ، ونرجّح أنه هو الذي أسلم ونعاه رسول الله ﷺ إلى المسلمين، وصلى عليه، وقد ذكر الأبيّ عن الواقديّ وغيره من أهل السير: «أنّه النجاشيّ الذي صلّى عليه رسول الله ﷺ وذلك في رجب سنة تسع منصرف تبوك» «١» . وبذلك يحصل التوفيق بين الروايات المختلفة، وتدلّ عليه القرائن والدراية، والله أعلم. كيف تلقّى هؤلاء الملوك هذه الرسائل الكريمة؟ فأمّا «هرقل» و «النّجاشي» و «المقوقس» فتأدّبوا، ورقّوا في جوابهم،

стр. 393

وأكرم «النجاشيّ» و «المقوقس» رسل رسول الله ﷺ وأرسل «المقوقس» هدايا منها جاريتان كانت إحداهما مارية أمّ إبراهيم بن رسول الله ﷺ . وأمّا كسرى أبرويز، فلمّا قرىء عليه الكتاب مزّقه، وقال: يكتب إليّ هذا وهو عبدي؟! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مزّق الله ملكه» «١» . وأمر كسرى باذان وهو حاكمه على اليمن بإحضاره، فأرسل بابويه يقول له: إن ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فأخبره رسول الله ﷺ بأنّ الله قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه فقتله «٢» . وقد تحقّق ما أنبأ به رسول الله ﷺ بكلّ دقّة، فقد استولى على عرشه ابنه «قباذ» الملقب ب «شيرويه» وقتل كسرى ذليلا مهانا بإيعاز منه سنة ٦٢٨ م، وقد تمزّق ملكه بعد وفاته، وأصبح لعبة في أيدي أبناء الأسرة الحاكمة، فلم يعش «شيرويه» إلا ستة أشهر، وتوالى على عرشه في مدّة أربع سنوات عشرة ملوك، واضطرب حبل الدولة إلى أن اجتمع الناس على «يزدجرد» وتوجوه، وهو آخر ملوك بني ساسان، وهو الذي واجه الزحف الإسلاميّ الذي أدى إلى انقراض الدولة الساسانية التي دامت وازدهرت أكثر من أربعة قرون انقراضا كلّيا، وكان ذلك في سنة ٦٣٧ م، وهكذا تحقّقت هذه النبوءة في ظرف ثماني سنين «٣» ، ولم تعد بعد ذلك الإمبراطورية الساسانية،

стр. 394

فتحققت به نبوءة أخرى لرسول الله ﷺ وهو قوله: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» «١» . وملّك الله المسلمين إيران، وهدى أهلها للإسلام، فكان منهم أئمة في العلم والدين، وعباقرة الإسلام، وأعلام المسلمين، وصدق عليهم قول رسول الله ﷺ : «لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس» «٢» . حوار بين «هرقل» وأبي سفيان: وقد أراد «هرقل» أن يتثبّت في أمر النّبيّ ﷺ وبحث عمّن يستخبره في شأنه، وصادف ذلك وجود أبي سفيان في «غزة» فأحضره إليه- وقد جاء في تجارة- وكانت استفساراته استفسارات عاقل مجرّب خبير بتاريخ الديانات وخصائص الأنبياء وسيرهم وشأن الأمم معهم وسنّة الله في أمرهم، وصدقه أبو سفيان شأن العرب الأولين حياء من أن يأثر الناس عليه كذبا، وجرى بينهما الحوار الآتي: هرقل: كيف نسبه فيكم؟ أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. هرقل: فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟ أبو سفيان: لا.

стр. 395

هرقل: فهل كان من آبائه من ملك؟ أبو سفيان: لا. هرقل: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟ أبو سفيان: بل يزيدون. هرقل: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أبو سفيان: لا. هرقل: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أبو سفيان: لا. هرقل: فهل يغدر؟ أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها، (قال: ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة) . هرقل: فهل قاتلتموه؟ أبو سفيان: نعم. هرقل: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال «١» ، ينال منّا وننال منه. هرقل: ماذا يأمركم؟

стр. 396

أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرّسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسّى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت: أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أنّ ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنّهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ، وسألتك أيرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولم أكن أظنّ أنّه منكم، فلو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو

стр. 397

كنت عنده لغسلت عن قدميه «١» .. وأذن لعظماء الروم في القصر وأمر أبوابه فغلّقت، ثمّ اطّلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد أن يثبت ملككم وتبايعوا هذا النبيّ؟ ففرّوا وبادروا إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت، فلمّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردّوهم عليّ، وقال: إنّي قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه «٢» . وهكذا آثر هرقل الملك على الهداية، ووقعت بينه وبين المسلمين في خلافة أبي بكر وعمر حروب ومعارك، وكان فيها ذهاب ملكه وسلطانه «٣» . من هم الأريسيون ؟ وردت كلمة «الأريسيين» أو «اليريسيين» - على اختلاف الروايات- في الكتاب الذي وجّه إلى «هرقل» وحده، ولم ترد في كتاب من الكتب التي أرسلت إلى غيره. واختلف علماء الحديث واللغة في مدلول هذه الكلمة، فالقول المشهور أنّ «الأريسيين» جمع «أريسي» وهم الخول والخدم والأكّارون «٤» .

стр. 398

وجاء في «لسان العرب» لابن منظور: «الأرس» : الأصل و «الأريس» : الأكار، نقله عن ثعلب. وذكر عن ابن الأعرابيّ: أنه قال أرس يأرس أرسا إذا صار أريسا، وأرّس يؤرّس تأريسا: إذا صار أكارا. ونقل عن أبي عبيدة أنّه قال: الأجود عندي أن يقال أنّ «الأريس» كبيرهم الذي يمتثل أمره، ويطيعونه إذا طلب منهم الطاعة «١» . وهنا يتساءل القارىء الفطن إذا كان المراد من «الأريسيين» الفلّاحين، كان «كسرى أبرويز» إمبراطور إيران أحقّ بأن يحذر من وقوع إثمهم ومسؤوليتهم عليه، وبأن ترد هذه الكلمة في الكتاب الذي كتب إليه، فإنّ طبقة الفلاحين كانت أعظم وأوسع وأكثر تميزا في المملكة السّاسانية الإيرانية منها في المملكة البيزنطيّة الرومانية، وكان أكثر اعتماد إيران في دخلها ومواردها على الفلاحة، وإلى ذلك نبّه الأزهريّ، كما نقل عنه ابن منظور بقوله: «وكان أهل السواد من هو على دين كسرى أهل فلاحة وإثارة للأرض، وكان أهل الروم أهل أثاث وصنعة، فكانوا يقولون للمجوس «أريسيين» نسبوهم إلى «الأريس» وهو الأكار، وكانت العرب تسمّيهم «الفلّاحين» «٢» . ولذلك نرجّح أنّ المراد بالأريسيين هم أتباع «أريوس» المصريّ) Arius ٠٨٢ -٦٣٣ (وهو مؤسس فرقة مسيحية كان لها دور كبير في تاريخ العقائد المسيحيّة والإصلاح الدينيّ، وقد شغلت الدولة البيزنطية والكنيسة المسيحية زمنا طويلا.

стр. 399

و «أريوس» هو الذي نادى بالتوحيد، والتمييز بين الخالق والمخلوق والأب والابن- على حدّ تعبير المسيحيين- فأثار نقاشا حول الموضوع، وكان الشغل الشاغل في المجتمع المسيحيّ لعدّة قرون، وآراؤه تتلخص في أنّه ليس من شأن الإله الواحد أن يظهر على الأرض، لذلك هو ملأ السيد المسيح بالقوة والكلام الإلهيّ، وأنّ من صفات الله الأساسية الوحدانية والأبدية وأنّه لم يخلق أحدا من ذاته رأسا، وأن الابن ليس هو الإله، بل هو مظهر لحكمة أمر الربّ، وأنّ ألوهيته إضافية لا مطلقة «١» . ويقول جيمس ماكنون) James Mackinon (في كتابه «من المسيح إلى قسطنطين» : «كان «أريوس» يلحّ على أنّ الله وحده القديم، كان الأزليّ الأبديّ، وليس له شريك، وهو الذي خلق الابن من العدم، لذلك ليس الابن هو الأزليّ، ولم يكن الله أبا من الأبد، فقد كان حين من الدهر لم يكن فيه وجود للابن، وأنّ الابن يحمل حقيقة خاصة لا يشاركه فيها الله وهو خاضع للتطورات، وليس هو الله بالمعنى الصحيح، إلا أنّه يصلح لأن يكون كاملا، ولكنّه على كلّ حال مخلوق كامل» «٢» . بينما كانت كنيسة إسكندرية في أوائل القرن الرابع المسيحيّ تدين بألوهية المسيح إطلاقا من غير تفريق بين الخالق والمخلوق والأب والابن. وقد أقصاه رئيس الكنيسة المصريّة البطريق ألكساندر) Alexander (في سنة ٣٢١ م من كنيسة الإسكندرية، وغادر «أريوس» المدينة، ولكن لم ينته النزاع بخروجه، وحاول الإمبراطور قسطنطين حسم هذا الخلاف ولكنّه أخفق.

стр. 400

وفي سنة ٣٢٥ م عقد مجمعا في نيقية اجتمع فيه ٢٠٣٠ أسقفا، وكان الإمبراطور يميل إلى ألوهية المسيح فحكم ضدّ «أريوس» رغم أن أغلبية الحاضرين كانت تؤيد «أريوس» ، ولم يوافقه إلا ٣١٨ أسقفا، فنفاه إلى إليريا) Illyria (وأحرقت كتاباته، وكان من وجدت عنده يعاقب. ولكنّ هذه المحاولات لم تقلّل من أهميّة «أريوس» وإقبال الناس عليه، وكان آخر أمره أنّ «قسطنطين» لان في موقفه ورفع الحظر على عقيدته، وبعد موت منافسه الأكبر ألكساندر ونفي خليفته) Athanasius (عاد «أريوس» إلى الإسكندرية، وكاد «قسطنطين» يولّيه رئاسة الكنيسة المصرية، ويدين بعقيدته، ولكن باغتته المنية قبل ذلك «١» . وقد جاء في كتاب «الصّراع بين الدين والعلم» ل «درابر» أنّ ثلاثة عشر مجمعا مسيحيا حكمت ضدّ «أريوس» في القرن الرابع المسيحيّ، وخمسة عشر مجمعا حكمت في تأييده، وسبعة عشر مجمعا أدلت برأي قريب من رأي «أريوس» ، وهكذا عقدت خمسة وأربعون مجمعا للتقرير في هذه القضية. والحقّ أنّ العالم المسيحيّ لم يكن له عهد بعقيدة التثليث السائدة الآن قبل القرن الرابع، وقد جاء في دائرة المعارف الكاثوليكيّة الجديدة: «أنّه لم يرفع الستار عن تطوّر عقيدة التثليث وسرّها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلاديّ.. وكلّ من يتحدّث عن عقيدة التثليث المطلقة، إنّما ينتقل من فجر التاريخ المسيحيّ إلى ربع القرن الرابع الأخير، فإنّ القول بأنّ الإله الواحد له ثلاثة مظاهر لم يتغلغل في أحشاء العالم المسيحيّ في حياته وفكره إلّا في هذه الفترة الزمنيّة» «٢» .

стр. 401

ودامت عقيدة «أريوس» ودعوته تصارعان الدعوة المكشوفة إلى تأليه المسيح وتسويته بالإله الواحد الصّمد وكانت الحرب سجالا، وقد دان بهذه العقيدة عدد كبير من النصارى في الولايات الشرقيّة من المملكة البيزنطيّة إلى أن عقد تيوسودس الكبير) Theosodus The Great (مجمعا مسيحيا في القسطنطينيّة، قضى بألوهية المسيح وابنيّته، وقضى هذا الإعلان على العقيدة التي دعا إليها «أريوس» واختفت. ولكنّها عاشت بعد ذلك، ودانت بها طائفة من النصارى، اشتهرت ب «الفرقة الأريسية» أو «الأريسيين» . إذا من المرجّح المعقول أنّ النّبي ﷺ إنّما عنى هذه الفرقة بقوله: «فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين» فإنّها هي القائمة بالتوحيد النسبيّ في العالم المسيحيّ الذي تتزعمه الدولة البيزنطيّة العظمى، التي كان على رأسها القيصر «هرقل» «١» . ومن الغريب أنّ بعض كبار علماء الإسلام في العصر الأول قد ذهبوا إلى هذا، فجاء في «مشكل الآثار» للإمام أبي جعفر الطّحاويّ مؤلّف «شرح معاني الآثار» المشهور (ت ٣٢١ هـ) ما نصّه: «وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذه المعاني أنّ في رهط هرقل فرقة تعرف بالأريسية توحّد الله، وتعترف بعبودية المسيح له ، ولا تقول شيئا ممّا يقول النصارى في ربوبيته وتؤمن بنبوّته، فإنّها تمسك بدين المسيح مؤمنة بما في إنجيله جاحدة لما يقوله النصارى سوى ذلك، وإذا كان ذلك كذلك،

стр. 402

جاز أن يقال لهذه الفرقة «الأريسيون» في الرفع و «الأريسيين» في النصب والجرّ، كما ذهب إليه أصحاب الحديث «١» . وقريبا من ذلك قال الإمام محيي الدين يحيى النّوويّ شارح «صحيح مسلم» (ت ٦٧٦ هـ) فقال: «الثاني أنّهم اليهود والنصارى وهم أتباع عبد الله «٢» بن أريس، (الذي تنسب إليه الأروسية) من النصارى، وله مقالة في كتب المقالات، ويقال لهم «الأروسيون» «٣» . رسائل إلى أمراء العرب: ومن أمراء العرب كتب إلى المنذر بن ساوى صاحب البحرين «٤» ، وإلى جيفر بن الجلندى «٥» وعبد بن الجلندى الأزديين صاحبي عمان، وإلى

стр. 403

كتاب النبي ﷺ إلى هرقل كتاب النبي ﷺ إلى المنذر بن ساوى

стр. 404

هوذة بن عليّ «١» صاحب اليمامة «٢» ، وإلى حارث بن شمر الغسّانيّ. وأسلم المنذر بن ساوى وجيفر وعبد ابنا الجلندى، وأمّا هوذة بن عليّ صاحب اليمامة فطلب من رسول الله ﷺ أن يجعل له بعض الأمر فأبى، ومات هوذة على أثر ذلك «٣» . غزوة بني لحيان وغزوة ذي قرد: وكان بين صلح الحديبية (سنة ست من الهجرة) وبين غزوة خيبر غزوة بني لحيان، وغزوة ذي قرد «٤» ، خرج فيهما رسول الله ﷺ واستعمل ابن أمّ مكتوم على المدينة. وكان سبب الأولى طلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عديّ وأصحابه. وسبب الثانية إغارة المشركين على لقاح لرسول الله ﷺ بالغابة، وقتل رجل من بني غفار، واحتمال امرأته مع اللّقاح «٥» «٦» .

стр. 405

غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة جائزة من الله: إنّ الله بشّر أصحاب بيعة الرّضوان- في الحديبية- الذين أطاعوا الله ورسوله، وآثروا حكم الله وأمره على ما تهواه أنفسهم، وترشد إليه عقولهم، بالفتح القريب والمغانم الكثيرة، فقال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [الفتح: ١٨- ١٩] . وكانت مقدّمة هذه الفتوح والمغانم، غزوة خيبر، وكانت «خيبر» مستعمرة يهودية تتضمن قلاعا حصينة «١» ، وقاعدة حربية لليهود، وكانت آخر معقل من معاقلهم في جزيرة العرب، وكانوا يتربّصون بالمسلمين الدوائر، ولا ينسون ما حلّ بإخوانهم، ولا يأمنون أن يحلّ بهم، وكانوا يتامرون مع

стр. 406

خريطة غزوة خيبر محرم ٧ هجرية

стр. 407

غطفان لغزو المدينة «١» ، فأراد رسول الله ﷺ أن يستريح منهم ويأمن من جهتهم، وكانت في الشمال الشرقيّ للمدينة على بعد سبعين ميلا منه. جيش مؤمن تحت قيادة نبيّ: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجّة وبعض المحرم، ثمّ خرج في بقيّة المحرم سنة سبع إلى «خيبر» . وكان عامر بن الأكوع يرتجز في مسيره إليها، فيقول: [من الرجز] : والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا إنّا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا «٢» وأقبل رسول الله ﷺ بجيشه وكانوا ألفا وأربعمئة، وكان معهم مئتا فرس، ولم يأذن لمن تخلّف عن الحديبية، وخرجت عشرون امرأة من نساء الصحابة، لمداواة المرضى وخدمة الجرحى، والإسعاف بالماء والطعام أثناء القتال. وأقبل الجيش حتّى نزل ب «الرّجيع» «٣» بين اليهود وغطفان، ليحول

стр. 408

بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، فقد كانوا لهم مظاهرين، فامتنعوا عن ذلك، وأقاموا في أموالهم وأهليهم، وخلّوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر «١» . ودعا رسول الله ﷺ بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسّويق، فأمر به، فثرّي «٢» ، فأكل المسلمون «٣» ، ودعا رسول الله ﷺ لما أشرف على خيبر، وسأل الخير، واستعاذ من شرّها وشرّ أهلها، وكان إذا غزا قوما لم يغزهم حتّى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، فبات رسول الله ﷺ حتّى إذا أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركب القوم، واستقبلوا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم «٤» وبمكاتلهم «٥» ، فلمّا رأوا رسول الله ﷺ والجيش، قالوا: محمد والخميس «٦» معه، فأدبروا هربا، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «٧» .

стр. 409

قائد منصور: ونازل رسول الله ﷺ حصون خيبر، وبدأ يفتتحها حصنا حصنا، وكان أول حصن افتتح حصن ناعم، ومنها- حصن القموص- وقد استعصى حصن القموص على المسلمين، وكان عليّ بن أبي طالب رمدا، فقال رسول الله ﷺ : ليأخذنّ الرّاية غدا رجل يحبّه الله ورسوله، يفتح عليه، وتطاول له كبار الصحابة- ﵃ وكلّ منهم يرجو أن يكون صاحب ذلك، ودعا عليّا، وهو يشتكي عينيه، فأتى فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرىء، حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية «١» ، فقال عليّ- ﵁: أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا. قال رسول الله ﷺ : «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» «٢» «٣» . بين أسد الإسلام وبطل اليهود: وأتى عليّ- ﵁ حصن القموص، فخرج «مرحب» وهو

стр. 410

الفارس المشهور، يرتجز فاختلفا ضربتين، فبدره عليّ بضربة، ففلق مغفره ورأسه، ووقع في الأضراس، وكان الفتح «١» . وكانت لمحمد بن مسلمة مواقف بطولية في هذه المعركة، وأبلى فيها بلاء حسنا، وقتل بعض كبار الفرسان والأبطال من اليهود. عمل قليلا وأجر كثيرا: وجاء عبد أسود حبشيّ من أهل خيبر، كان في غنم لسيّده، فلمّا رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنّه نبيّ، فوقع في نفسه ذكر النبيّ، فأقبل بغنمه إلى رسول الله ﷺ فقال: ماذا تقول؟ وما تدعو إليه؟ قال: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، وألا تعبد إلا الله، قال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله ، قال: «لك الجنّة إن متّ على ذلك» . فأسلم ثمّ قال: يا نبيّ الله! إنّ هذه الغنم عندي أمانة، فقال رسول الله ﷺ : أخرجها من عندك وارمها ب «الحصباء» «٢» فإنّ الله سيؤدّي عنك أمانتك، ففعل، فرجعت الغنم إلى سيّدها، فعلم اليهوديّ أنّ غلامه قد أسلم، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فوعظهم، وحضّهم على الجهاد، فلمّا التقى المسلمون واليهود قتل- فيمن قتل- العبد الأسود، واحتمله

стр. 411

المسلمون إلى معسكرهم، فأدخل في الفسطاط «١» فزعموا أنّ رسول الله ﷺ اطّلع في الفسطاط، ثمّ أقبل على أصحابه، وقال: «لقد أكرم الله هذا العبد، وساقه إلى خير، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصلّ لله سجدة قطّ» «٢» . ما على هذا اتبعتك: وجاء رجل من الأعراب إلى النّبيّ ﷺ فامن به واتبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلمّا كانت غزوة خيبر، غنم رسول الله ﷺ شيئا فقسّمه له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسمه لك رسول الله ﷺ فأخذه، فجاء به إلى النّبيّ ﷺ فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «قسم قسمته لك» قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا- وأشار إلى حلقه- بسهم، فأموت فأدخل الجنّة، فقال: «إن تصدق الله يصدقك» . ثمّ نهضوا إلى قتال العدوّ، فأتي به إلى رسول الله ﷺ وهو مقتول، فقال: «أهو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صدق الله فصدقه» فكفّنه النّبيّ ﷺ في جبّته ثم قدّمه، فصلّى عليه، وكان من دعائه له: «اللهمّ هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك، قتل شهيدا وأنا عليه شهيد «٣» » .

стр. 412

شرط البقاء في خيبر: وافتتحت الحصون، حصن بعد حصن، بعد قتال وحصار، دام أياما، حتّى سألوا رسول الله ﷺ الصلح، وأراد رسول الله ﷺ أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمّد! دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أنّ لهم الشطر من كلّ زرع وثمر، ما بدا لرسول الله ﷺ أن يقرّهم «١» وكان رسول الله ﷺ يبعث إليهم عبد الله بن رواحة، فيخرص عليهم، ويجعل ذلك نصفين، فيخيّرهم أن يأخذوا أيهما شاؤوا، فيقولون: بهذا قامت السموات والأرض «٢» . روح التسامح الديني: وكان من بين المغانم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر صحائف متعدّدة من التوراة، فلمّا جاء اليهود يطلبونها أمر النّبيّ ﷺ بتسليمها لهم «٣» ، ويقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على هذه القصّة: «ويدلّ هذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول من المكانة العالية مما جعل اليهود يشيرون إلى النبيّ بالبنان، ويحفظون له هذه اليد حيث لم يتعرّض بسوء لصحفهم المقدّسة، ويذكرون بإزاء ذلك ما فعله الرّومان حين تغلّبوا على أورشليم وفتحوها سنة ٧٠ ب. م إذ حرقوا الكتب المقدّسة

стр. 413

وداسوها بأرجلهم، وما فعله المتعصّبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حيث أحرقوا أيضا صحف التوراة، وهذا هو البون الشاسع بين الفاتحين ممّن ذكرناهم وبين رسول الإسلام» «١» . قدوم جعفر بن أبي طالب: وفي هذه الغزوة قدم على رسول الله ﷺ ابن عمّه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ففرح به رسول الله ﷺ فرحا عظيما، وتلقّاه بالبشر، وقبّل جبهته، وقال: «والله ما أدري بأيّهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» «٢» . محاولة أثيمة لليهود: وفي هذه الغزوة سمّ رسول الله ﷺ ، أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية، امرأة سلّام بن مشكم، شاة مشوية قد سمّتها، وسألت: أيّ اللّحم أحبّ إليه؟ فقالوا: الذراع، فأكثرت السمّ في الذراع، فلمّا انتهش من ذراعها، أخبره الذراع بأنّه مسموم، فلفظ الأكلة. وجمع اليهود، ثمّ قال: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه» ؟ قالوا: نعم. قال: «أجعلتم في هذه الشاة سمّا» ؟ قالوا: نعم. قال: «فما حملكم على ذلك» ؟

стр. 414

قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نسترح منك، وإن كنت نبيا لم يضرّك. وجيء بالمرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: أردت قتلك. فقال: «ما كان الله ليسلّطك عليّ» . قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا» ولم يتعرّض لها، ولم يعاقبها. ولم يقتلها ﷺ أولا، فلمّا مات بشر بن البراء بن معرور قتلها «١» . أثر غزوة خيبر: وكان لغزوة خيبر وانتصار المسلمين فيها انتصارا رائعا وقع كبير في قلوب القبائل العربية التي لم تسلم بعد، فقد كانت تعرف قوة اليهود الحربية في خيبر، وما كانوا يتمتّعون به من غنى ورفاهية، وثروة زراعية غذائية، ووفور السلاح والكراع، وقوّة الحصون والآطام، واستعصائها على الزاحفين المهاجمين، ووجود القادة المحنّكين، والأبطال المدرّبين كمرحب، والحارث أبي زينب، وكان له أثر في مجرى الحوادث. يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على غزوة خيبر وأثرها في تاريخ الإسلام:

стр. 415

«وممّا لا شكّ فيه أنّ غزوة خيبر كانت ذات شأن عظيم في تاريخ الفتوح الإسلاميّة، إذ كانت قبائل الحجاز تراقب نتيجتها باهتمام وتنظم شؤونها على حسب ما كان يتراءى لها من نتيجة صليل السّيوف بين الأنصار واليهود، وقد كان أعداء الرسول الكثيرون في بادية العرب وحاضرتها يعلّقون آمالا كبيرة على تلك الغزوة» «١» . والأمر في غزوة خيبر (كما لاحظه الدكتور حسين مؤنس) لم يكن يقتصر على القضاء على مركز المقاومة اليهوديّ، بل يتخطّى ذلك إلى ما لا يقلّ أهمية عن ذلك، وهو القضاء على مقاومة أكبر القبائل العربية الضاربة فيما بين الحجاز ونجد في الشمال وسط الجزيرة وهي غطفان، ولم يكن من ذلك مفرّ قبل أن يتّجه النّبيّ ﷺ بقواته كلّها نحو مكّة للفراغ من أمرها «٢» . فتوح ومغانم: وبعد ما انتهى رسول الله ﷺ من أمر خيبر، انصرف إلى فدك «٣» ، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ يصالحونه على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم، وكان رسول الله ﷺ يقسّمه حيث يرى من مصالحه ومصالح المسلمين «٤» . ثمّ جاء إلى وادي القرى «٥» ، وهي مجموعة قرى بين «خيبر»

стр. 416

و «تيماء» «١» وقد استعمرها اليهود قبل الإسلام، وأصبحت لهم مركزا، وانضاف إليهم جماعة من العرب، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، وأخبرهم أنّهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله «٢» . وكانت في هذه الغزوة مبارزات، كان الزبير بن العوام- ﵁ بطلها، وكان الانتصار فيها للمسلمين، وأعطى اليهود من غد ما بأيديهم، وغنم المسلمون أموالا، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، وقسّم رسول الله ﷺ ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بيد اليهود، وعاملهم عليها. ولمّا بلغ يهود تيماء ما واطأ عليه رسول الله ﷺ أهل خيبر، وفدك، ووادي القرى، صالحوا رسول الله ﷺ وأقاموا بأموالهم، وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة «٣» . تعفّف المهاجرين: ولمّا وصل المسلمون إلى المدينة، ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل، حين صار لهم بخيبر مال ونخيل، وكانت أمّ سليم- وهي أمّ أنس بن مالك- أعطت رسول الله ﷺ عذاقا فأعطاهن مولاته أم أيمن، فردّ رسول الله ﷺ على أمّ سليم عذاقها «٤» ،

стр. 417

خريطة عمرة القضاء ٧ هجرية

стр. 418

وأعطى أمّ أيمن مكانهنّ من حائطه مكان كلّ عذق عشرة «١» . وبعث رسول الله ﷺ بعد خيبر سرايا كثيرة، وأمّر عليها كبار الصحابة، وكان في بعضها قتال، ولم يكن في بعضها قتال «٢» . عمرة القضاء: ولمّا كان العام المقبل، وذلك في سنة سبع، قدم رسول الله ﷺ والمسلمون، وخلّت قريش بينه وبين مكّة، وأقفلوا بيوتهم، وطلعوا على جبل قعيقعان «٣» ، فأقام بها ثلاثا، واعتمر، وهو قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ٢٧] . التنافس في حضانة البنت وتكافؤ المسلمين في الحقوق: وقد تغيّرت النفوس والعقول بتأثير الإسلام تغيرا عظيما، فعادت البنت التي كان يتعيّر بها أشراف العرب، وجرت عادة وأدها في بعض القبائل،

стр. 419

فرارا من العار، وزهدا في البنات- حبيبة يتنافس في كفالتها وتربيتها المسلمون. وكانوا سواسية، لا يرجح بعضهم على بعض إلا بفضل أو حقّ، ولمّا أراد النّبيّ ﷺ الخروج من مكّة، تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ! يا عمّ! فتناولها عليّ، فأخذ بيدها وقال لفاطمة- ﵍: دونك ابنة عمّك، فحملتها، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها، وهي بنت عميّ، وقال جعفر: ابنة عمّي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى فيها النّبيّ ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأمّ» وقال لعليّ: «أنت منّي وأنا منك» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» «١» .

стр. 420

خريطة غزوة مؤتة جمادى الأولى ٨ هجرية

стр. 421

غزوة مؤتة «١» جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة قاتل سفير المسلمين وعقوبته: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزديّ بكتابه إلى شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ، حاكم «بصرى» التابع لقيصر ملك الروم، فأوثقه رباطا، ثمّ قدّمه فضرب عنقه «٢» ، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسّفراء، عند الملوك والأمراء، مهما اشتدّ الخلاف، وكرهت الرسالة التي يحملونها، وكان حادثا لا يجوز التغاضي عنه، ففيه خطر عظيم على الرّسل والسّفراء، وإهانة شديدة للمرسل والرسالة، فكان لا بدّ من تأديب هذا المعتدي والغضب لهذا المعتدى عليه، حتّى لا تهون حياة السفراء، ولا تتكرّر هذه المأساة. أول جيش في أرض الروم: فلمّا بلغ رسول الله ﷺ الخبر، أراد أن يبعث بعثا إلى «بصرى» وذلك

стр. 422

في جمادى الأولى من السّنة الثامنة للهجرة، فتجهز الناس، وهم ثلاثة آلاف، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وهو مولى رسول الله ﷺ ، وفي الجيش كبار المهاجرين والأنصار، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» ، فلمّا حضر خروجهم، ودّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلّموا عليهم «١» ، وكان أمامهم سفر طويل شاقّ، وعدوّ ذو شوكة، يتمتّع بحماية أعظم مملكة في ذلك العصر. ومضى الجيش، حتّى نزل ب «معان» وبلغ المسلمين أنّ هرقل ب «البلقاء» في مئة ألف من الروم، وانضمّ إليهم جمع كثير من قبائل العرب: لخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، وبلي، فأقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدوّنا، فإمّا أن يمدّنا بالرّجال، وإمّا أن يأمر بأمره فنمضي له «٢» . ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة: وشجّع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: يا قوم! والله إنّ الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين، إمّا ظفر وإما شهادة، فمضى الناس «٣» .

стр. 423

قتال المستميتين وصولة الأسود: فلمّا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم الجموع من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» ودنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها «مؤتة» والتقى الناس، واقتتلوا «١» . وقاتل زيد بن حارثة- ﵁ براية رسول الله ﷺ حتّى استشهد، وقد أخذت الرماح منه كلّ مأخذ، ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها، حتّى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية بعضديه حتّى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة «٢» ، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسّيف، وطعنة بالرمح كلّها في الأمام «٣» ، ومات فتى الفتيان وهو يحنّ إلى الجنّة، ويتغنّى بنعمائها، ويستهين بالعدوّ وعدده وعدده، وبزخارف الدنيا. فلمّا قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية وتقدّم بها، ونزل عن فرسه، وأتاه ابن عمّ له، بعظم عليه بعض لحم، وقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذ بيده وأخذ منه بفمه يسيرا، ثمّ ألقاه من يده، وأخذ سيفه فتقدّم وقاتل حتى قتل «٤» .

стр. 424

قيادة خالد الحكيمة: واصطلح النّاس بعده على خالد بن الوليد- ﵁ فأخذ الراية، ودافع القوم، وكان شجاعا حكيما، يعرف سياسة الحرب، فانحاز بالجيش الإسلاميّ إلى الجنوب، وانسحب العدوّ نحو الشمال «١» ، وأرخى الليل سدوله، حتّى انصرف النّاس، وكلا الفريقين اغتنم السلامة، ورأى المصلحة في عدم التحرّش ومتابعة القتال. ومعروف أنّ عملية الانسحاب- كما يقول الفاضل اللواء الركن محمود شيت خطّاب- تعدّ من أصعب العمليات العسكرية لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدّي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين، ولا تعدّ خسائر المسلمين الضئيلة في مؤتة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكريّة التي أفادها الاطلاع على خواصّ قوات الروم وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها مما اتضح أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد «٢» . ووزّع خالد عددا غير قليل من رجاله في خطّ مؤخرة جيشه، أحدثوا حين أصبح الناس ضجّة عظيمة، أدخلت إلى روع العدوّ أنّ مددا جاء من المدينة، فتهيّب الروم المسلمين، وقالوا: إذا كان صنع ثلاثة آلاف بنا ما قد رأيناه، فكيف بهم إذا جاءهم المدد، الذي لا يعرف عدده وقوته؟!!، فتقاعس الروم عن مهاجمة الجيش الإسلاميّ، وكفى الله المؤمنين القتال «٣» .

стр. 425

خبر عيان لا بيان: وبينما كان المسلمون يخوضون المعركة، كان رسول الله ﷺ يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في المعركة، يقول أنس بن مالك- ﵁: إنّ رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال: «أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب» وعيناه تذرفان «حتّى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتّى فتح الله عليهم» «١» . وفي رواية أنّه قال وهو على المنبر: «وما يسرّهم أنّهم عندنا» . الطيّار ذو الجناحين: وقال في جعفر: «إنّ الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء «٢» » ولذلك لقّب ب «جعفر الطيّار» و «ذي الجناحين» . حبّ نبويّ وعاطفة إنسانية: وقال رسول الله ﷺ لزوج جعفر: «ائتيني ببني جعفر» ، فلمّا حضروا تشمّمهم، وذرفت عيناه، وأخبر بشهادة جعفر، ولمّا أتاهم النعي، قال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم أمر يشغلهم» وعرف في وجه رسول الله ﷺ الحزن «٣» .
следующие страницы →