غزوة مؤتة «١» جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة
قاتل سفير المسلمين وعقوبته:
بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزديّ بكتابه إلى شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ، حاكم «بصرى» التابع لقيصر ملك الروم، فأوثقه رباطا، ثمّ قدّمه فضرب عنقه «٢» ، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسّفراء، عند الملوك والأمراء، مهما اشتدّ الخلاف، وكرهت الرسالة التي يحملونها، وكان حادثا لا يجوز التغاضي عنه، ففيه خطر عظيم على الرّسل والسّفراء، وإهانة شديدة للمرسل والرسالة، فكان لا بدّ من تأديب هذا المعتدي والغضب لهذا المعتدى عليه، حتّى لا تهون حياة السفراء، ولا تتكرّر هذه المأساة.
أول جيش في أرض الروم:
فلمّا بلغ رسول الله ﷺ الخبر، أراد أن يبعث بعثا إلى «بصرى» وذلك
стр. 422
في جمادى الأولى من السّنة الثامنة للهجرة، فتجهز الناس، وهم ثلاثة آلاف، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وهو مولى رسول الله ﷺ ، وفي الجيش كبار المهاجرين والأنصار، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» ، فلمّا حضر خروجهم، ودّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلّموا عليهم «١» ، وكان أمامهم سفر طويل شاقّ، وعدوّ ذو شوكة، يتمتّع بحماية أعظم مملكة في ذلك العصر.
ومضى الجيش، حتّى نزل ب «معان» وبلغ المسلمين أنّ هرقل ب «البلقاء» في مئة ألف من الروم، وانضمّ إليهم جمع كثير من قبائل العرب: لخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، وبلي، فأقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدوّنا، فإمّا أن يمدّنا بالرّجال، وإمّا أن يأمر بأمره فنمضي له «٢» .
ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة:
وشجّع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: يا قوم! والله إنّ الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين، إمّا ظفر وإما شهادة، فمضى الناس «٣» .
стр. 423
قتال المستميتين وصولة الأسود:
فلمّا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم الجموع من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» ودنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها «مؤتة» والتقى الناس، واقتتلوا «١» .
وقاتل زيد بن حارثة- ﵁ براية رسول الله ﷺ حتّى استشهد، وقد أخذت الرماح منه كلّ مأخذ، ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها، حتّى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية بعضديه حتّى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة «٢» ، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسّيف، وطعنة بالرمح كلّها في الأمام «٣» ، ومات فتى الفتيان وهو يحنّ إلى الجنّة، ويتغنّى بنعمائها، ويستهين بالعدوّ وعدده وعدده، وبزخارف الدنيا.
فلمّا قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية وتقدّم بها، ونزل عن فرسه، وأتاه ابن عمّ له، بعظم عليه بعض لحم، وقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذ بيده وأخذ منه بفمه يسيرا، ثمّ ألقاه من يده، وأخذ سيفه فتقدّم وقاتل حتى قتل «٤» .
стр. 424
قيادة خالد الحكيمة:
واصطلح النّاس بعده على خالد بن الوليد- ﵁ فأخذ الراية، ودافع القوم، وكان شجاعا حكيما، يعرف سياسة الحرب، فانحاز بالجيش الإسلاميّ إلى الجنوب، وانسحب العدوّ نحو الشمال «١» ، وأرخى الليل سدوله، حتّى انصرف النّاس، وكلا الفريقين اغتنم السلامة، ورأى المصلحة في عدم التحرّش ومتابعة القتال.
ومعروف أنّ عملية الانسحاب- كما يقول الفاضل اللواء الركن محمود شيت خطّاب- تعدّ من أصعب العمليات العسكرية لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدّي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين، ولا تعدّ خسائر المسلمين الضئيلة في مؤتة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكريّة التي أفادها الاطلاع على خواصّ قوات الروم وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها مما اتضح أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد «٢» .
ووزّع خالد عددا غير قليل من رجاله في خطّ مؤخرة جيشه، أحدثوا حين أصبح الناس ضجّة عظيمة، أدخلت إلى روع العدوّ أنّ مددا جاء من المدينة، فتهيّب الروم المسلمين، وقالوا: إذا كان صنع ثلاثة آلاف بنا ما قد رأيناه، فكيف بهم إذا جاءهم المدد، الذي لا يعرف عدده وقوته؟!!، فتقاعس الروم عن مهاجمة الجيش الإسلاميّ، وكفى الله المؤمنين القتال «٣» .
стр. 425
خبر عيان لا بيان:
وبينما كان المسلمون يخوضون المعركة، كان رسول الله ﷺ يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في المعركة، يقول أنس بن مالك- ﵁: إنّ رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال: «أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب» وعيناه تذرفان «حتّى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتّى فتح الله عليهم» «١» .
وفي رواية أنّه قال وهو على المنبر: «وما يسرّهم أنّهم عندنا» .
الطيّار ذو الجناحين:
وقال في جعفر: «إنّ الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء «٢» » ولذلك لقّب ب «جعفر الطيّار» و «ذي الجناحين» .
حبّ نبويّ وعاطفة إنسانية:
وقال رسول الله ﷺ لزوج جعفر: «ائتيني ببني جعفر» ، فلمّا حضروا تشمّمهم، وذرفت عيناه، وأخبر بشهادة جعفر، ولمّا أتاهم النعي، قال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم أمر يشغلهم» وعرف في وجه رسول الله ﷺ الحزن «٣» .
стр. 426
كرّارون لا فرّارون:
ولمّا دنا الجيش من حول المدينة، تلقّاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدّون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابّة، فقال:
«خذوا الصبيان واحملوهم، وأعطوني ابن جعفر» فأتي بعبد الله، فأخذه، فحمله بين يديه.
وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرّار! فررتم في سبيل الله، ويقول رسول الله ﷺ : «ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله تعالى» «١» .
بين مؤتة وفتح مكة:
وكان بين غزوة مؤتة وفتح مكة سرية ذات السلاسل، كانت في جمادى الآخرة، سنة ثمان، وهي وراء وادي القرى، وكانت في بلاد قضاعة، دوّخها الجيش الإسلاميّ.
وسريّة الخبط، وكان أميرها أبا عبيدة بن الجرّاح، وكانت في رجب سنة ثمان، في ثلاثمئة رجل من المهاجرين والأنصار، أرسلهم إلى حيّ من جهينة، مما يلي ساحل البحر، وأصابهم في الطريق جوع شديد، حتّى أكلوا الخبط (وهو ورق الشجر) وألقى إليهم البحر حوتا عظيما، يقال له «العنبر»
стр. 427
فأكلوا منه نصف شهر، وادّهنوا منه، حتّى صلحت منه أجسامهم، ولمّا سمع رسول الله ﷺ قال: «هو رزق أخرجه الله لكم» فتناول من لحمه شيئا «١» .
стр. 428
خريطة فتح مكة المكرمة رمضان ٨ هجرية
стр. 429
فتح مكّة «١» رمضان سنة ثمان من الهجرة
تمهيد لفتح مكة:
ولمّا تمّ أمر الله في ترسيخ هذا الدّين، وتربية المسلمين، وامتحن الله قلوبهم للتّقوى، وفاضت كأس قريش ظلما وعدوانا، وجحودا بالحقّ، وصدّا عن سبيل الله، ومحاربة للإسلام وأهله، أراد الله أن يدخل رسوله والمسلمون مكة فاتحين غالبين، يطهّروا الكعبة من الرّجس من الأوثان وقول الزّور، ويعيدوا مكة إلى مكانتها الأولى، فتكون مثابة للناس وأمنا، ويجعلون البيت كما كان مباركا وهدى للعالمين.
نقض بني بكر وقريش الحلف:
وقد هيّأ الله لذلك أسبابا، وساعدت عليها قريش، بل دعت إليها من حيث لا تشعر، فقد وقع حادث لم يسوّغ ذلك فحسب، بل أوجبه، ولله جنود السّماوات والأرض.
كان قد تقرّر في صلح الحديبيّة أنّ من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فعل، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، ودخلت
стр. 430
بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده «١» .
وكان بين بني بكر وبين خزاعة ترة «٢» قديمة، وعداء متوارث، يرجع تاريخه إلى ما قبل البعثة، وجاء الإسلام فحجز بينهم، وتشاغل الناس بشأنه، فلمّا كانت الهدنة، ودخلت القبيلتان في معسكرين متحاربين، أراد بنو بكر أن ينتهزوا هذه الفرصة، ليصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فبيّت نفر من بني بكر لخزاعة وهم على ماء لهم فأصابوا منهم رجالا، وتناوشوا واقتتلوا.
وأعانت قريش بني بكر بالسّلاح، وقاتل معهم أشراف من قريش مستخفين ليلا، حتّى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلمّا انتهوا إليه قالت بنو بكر لبعض رجالهم: إنّا قد دخلنا الحرم، إلهك! إلهك! فقال: لا إله اليوم! يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلا تجدون هذه الفرصة بعد ذلك «٣» .
الاستغاثة برسول الله ﷺ :
وخرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، وقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فوقف عليه، وأنشد أبياتا، ينشده فيها الحلف الذي كان بينه وبين خزاعة، وسأله النصر والنجدة، ويخبره بأنّ قريشا أخلفوه الموعد، ونقضوا ميثاقه المؤكد، وأنّهم بيّتوا وهم على ماء لهم وقتلوا ركّعا وسجّدا، فقال رسول الله ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم!» .
стр. 431
براءة الذمة وإقامة الحجة:
وأراد رسول الله ﷺ أن يستوثق منهم الخبر، ويعذر إلى قريش، فبعث إليهم رجلا يخيّرهم بين إحدى ثلاث خلال، بين أن يدفعوا دية قتلى خزاعة، أو يبرؤوا من حلف من تولّى كبر هذا النقض، وقاد الحملة على خزاعة، وهم بنو نفاثة من بني بكر، أو ينبذ إليهم على سواء، فأجابه بعض زعمائهم: لكن ننبذ إليهم على سواء، وبذلك برئت ذمّة قريش، وقامت عليهم الحجّة «١» .
محاولة قريش لتجديد العهد:
وقال رسول الله ﷺ للنّاس حين بلغه الخبر: «كأنّكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ العقد ويزيد المدّة» وهكذا كان، فرهبت قريش مما صنعت، وندمت على الجواب القاسي الذي أجاب به بعض سفهائهم، فبعثوا أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ليشد العقد ويزيد المدّة «٢» .
إيثار النّبيّ على الآباء والأبناء:
وقدم أبو سفيان على رسول الله ﷺ المدينة ودخل على ابنته «أمّ حبيبة» زوج النّبيّ ﷺ ، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنيّة! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنّي؟
قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس، ولم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ .
стр. 432
قال: والله لقد أصابك بعدي شرّ «١» .
حيرة أبي سفيان وإخفاقه:
وأتى أبو سفيان رسول الله ﷺ فكلّمه فلم يردّ عليه شيئا، ثمّ ذهب إلى أبي بكر فكلّمه أن يكلّم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل، وراود عمر وعليّا وفاطمة على ذلك، فلم يجبه أحد إلى ذلك، وقالوا: إنّ الأمر أجلّ منه، حتّى احتار في أمره، وقال لفاطمة: يا بنت محمد! هل لك أن تأمري بنيّك هذا- وأشار إلى الحسن بن عليّ، وهو غلام يدبّ- أن يجير بين الناس، فيكون سيّد العرب إلى آخر الدهر، قالت: والله ما بلغ بنيّي هذا أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ ، ولمّا رأى عليّ حيرته، وما فيه من ضيق وكرب، قال له: ما أعلم لك شيئا يغني عنك شيئا، ولكنّك سيّد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّي شيئا؟ قال: والله ما أظنّه، ولكنّي لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إنّي قد أجرت بين الناس، ثمّ ركب بعيره، فانطلق «٢» .
ولمّا سمعت قريش القصّة، قالوا: جئتنا بما لا يغني عنّا، ولا يغني عنك شيئا.
التأهب لمكّة وكتاب حاطب بن أبي بلتعة:
وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، واستعان على أمره بالكتمان، ثمّ أعلم الناس أنّه سائر إلى مكّة وأمرهم بالجدّ والتجهّز، وقال: «اللهم! خذ
стр. 433
العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» «١» .
ولمّا كان المجتمع الإسلاميّ المدنيّ مجتمعا بشريا يعيش في واقع الحياة، وبين المشاعر الإنسانيّة، وخواطر النفس ورغباتها، كان الأفراد فيه يصيبون ويخطئون، وقد يكونون متأوّلين في تصرّفاتهم وأحكامهم، وقد يجانبهم الصواب في هذا التأويل، وذلك من خصائص المجتمعات البشريّة التي تتمتّع بالحريّة والثقة، وكان رسول الله ﷺ حين لا يقرّهم على هذا الخطأ، يلتمس لهم العذر، ويتسامح معهم، وكان من أوسع الناس صدرا مع هؤلاء المخطئين، وأكثرهم معرفة بفضلهم وحسن بلائهم في الجهاد، وسوابقهم في الإسلام، وقد حفظ لنا الحديث وكتب السيرة النبويّة وتاريخ الإسلام مثل هذه الحوادث النادرة في الوقوع، وهو ممّا يدلّ على أمانتها وشهادتها بالحقّ.
ومن هذه الحوادث ما وقع لحاطب بن أبي بلتعة، وهو ممّن هاجر من مكّة وشهد بدرا، فقد جاء في الروايات أن النّبيّ ﷺ لمّا أعلم الناس أنّه سائر إلى مكّة، وأسرّ الأمر، فتجهّز الناس كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، ثمّ أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تبلّغه قريشا، فجعلته في قرون رأسها «٢» ، ثمّ خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السّماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والزّبير، فقال:
انطلقا حتّى تأتيا روضة خاخ «٣» ، فإنّ فيها ظعينة معها كتاب إلى قريش.
стр. 434
فانطلقا تعادي بهما خيلهما حتّى وجدا المرأة بذلك المكان، فاستنزلاها وقالا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب! ففتّشا رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها عليّ- ﵁: أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، والله لتخرجنّ الكتاب، أو لنجرّدنك، فلمّا رأت الجدّ منه، قالت:
أعرض، فأعرض، فحلّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم.
فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال: «يا حاطب ما هذا» فقال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، والله إنّي لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت، ولا بدّلت، ولكنّي كنت امرأ ملصقا في قريش، لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنّه قد خان الله ورسوله، وقد نافق. فقال رسول الله ﷺ : «إنّه شهد بدرا، وما يدريك يا عمر! لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» ! فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم «١» .
وخرج رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان من المدينة ومعه عشرة
стр. 435
آلاف «١» ، ومضى حتّى نزل «مرّ الظهران» ، وعمّى الله الأخبار عن قريش، فهم على وجل وارتقاب.
عفو عمّن ظلم:
ولقي رسول الله ﷺ في الطريق ابن عمّه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فأعرض عنه، لما كان يلقاه منه من شدّة الأذى والهجو، فشكا ذلك إلى عليّ، فقال له: ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: ٩١] ، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك فقال له رسول الله ﷺ : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] ، وحسن إسلامه بعد ذلك، وما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه «٢» .
أبو سفيان بين يدي رسول الله ﷺ :
وأمر رسول الله ﷺ الجيش، فأوقدوا النيران، وخرج أبو سفيان بن حرب يتجسّس الأخبار، وهو يقول: «ما رأيت كاللّيلة نيرانا قطّ ولا عسكرا» ، وكان العبّاس بن عبد المطلب، قد خرج من مكّة قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا ولحق بالعسكر، فعرف صوت أبي سفيان، وقال: هذا
стр. 436
رسول الله ﷺ في النّاس، واصباح قريش! فأركبه في عجز بغلته، وخشي عليه أن يدركه أحد المسلمين فيقتله، وأتى به رسول الله ﷺ .
فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنّه لا إله إلا الله؟» .
قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا بعد.
قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟» .
قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أمّا هذه والله فإنّ في النفس منها حتى الآن شيئا.
قال العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحقّ «١» .
عفو عامّ وأمن بسيط:
ووسّع رسول الله ﷺ في الأمن والعفو، حتّى أصبح أهل مكّة لا يهلك منهم إلّا من زهد في السلامة، وكره الحياة، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» «٢» .
ونهى رسول الله ﷺ جيشه عن أن يستخدموا السلاح عند ما يدخلون مكّة على أيّ إنسان إلّا من اعترضهم وقاومهم، وأمر بأن يعفّ الجيش عن أموال
стр. 437
أهل مكّة وممتلكاتهم وأن يكفّوا أيديهم عنها «١» .
أبو سفيان أمام موكب الفتح:
وأمر رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يجلس أبا سفيان حيث تمرّ به كتائب الإيمان.
وتحرّكت كتائب الفتح كأنّها بحر يموج، وكانت القبائل تمرّ على راياتها، كلّما مرّت قبيلة سأل عباسا عنها وعن اسم القبائل، فيقول: ما لي ولبني فلان؟ حتّى مرّ الرسول ﷺ في كتيبة خضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس من هؤلاء؟
قال: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما.
قال: يا أبا سفيان! إنّها النبوّة.
قال: فنعم إذا «٢» .
وقام أبو سفيان فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
قالوا: قاتلك الله، ما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد «٣» .
стр. 438
دخول خاشع متواضع، لا دخول فاتح متعال:
ودخل رسول الله ﷺ مكّة، وهو واضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتّى إنّ ذقنه ليكاد يمسّ واسطة الرّحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح «١» .
وفي دخوله مكّة فاتحا- وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحيّ والسياسيّ- رفع كلّ شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد «٢» ، وهو ابن مولى رسول الله ﷺ ولم يردف أحدا من أبناء هاشم وأبناء أشراف قريش، وهم كثير.
وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمان من الهجرة.
أتى النبيّ ﷺ رجل فكلّمه، فجعل ترعد فرائصه «٣» ، فقال له رسول الله ﷺ : «هوّن عليك فإنّي لست بملك، وإنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «٤» «٥» .
стр. 439
مرحمة لا ملحمة:
ولمّا مرّ سعد بن عبادة بأبي سفيان في كتيبة الأنصار، قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فلما حاذاه رسول الله ﷺ في كتيبته شكا إليه ذاك أبو سفيان، قال: يا رسول الله! ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: «وما قال؟» قال: كذا وكذا.
فاستنكر رسول الله ﷺ مقالة سعد، وقال: «بل اليوم يوم المرحمة، اليوم يعزّ الله قريشا، ويعظّم الله الكعبة» «١» .
وأرسل إلى سعد، فنزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد إذ صار إلى ابنه «٢» .
ولم يزد الرسول الملهم أن أبدل حرفا بحرف، وأبا بابن، فعالج نفس أبي سفيان المكلومة- وكان في حاجة إلى تأليف القلب- من غير أن يسيء إلى سعد، صاحب سوابق في الإسلام.
مناوشات قليلة:
وكانت مناوشات قليلة بين صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وبين أصحاب خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثني عشر رجلا، ثم انهزموا «٣» ، وكان رسول الله ﷺ قد عهد
стр. 440
إلى أمرائه من المسلمين، حين يدخلون مكّة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم «١» .
تطهير الحرم من الأوثان:
ولمّا نزل رسول الله ﷺ واطمأنّ النّاس، خرج حتّى جاء البيت، فطاف به، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمئة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: ٨١] وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ [سبأ: ٤٩] ، والأصنام تتساقط على وجوهها «٢» .
ورأى في الكعبة الصّور والتماثيل، فأمر بالصّور وبالتماثيل فكسرت «٣» .
اليوم يوم برّ ووفاء:
ولمّا قضى طوافه، دعا (عثمان بن طلحة) ، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، ودخل، وكان قد طلب منه المفتاح يوما قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول، ونال منه، فحلم عنه، وقال: «يا عثمان! لعلّك ترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت» .
فقال: لقد هلكت قريش يومئذ وذلّت.
فقال: «بل عمرت وعزّت يومئذ» .
стр. 441
ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعا، وظنّ أنّ الأمر سيصير إلى ما قال «١» .
فلمّا خرج من الكعبة، قام إليه عليّ بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده ﷺ ، قال لرسول الله ﷺ : اجمع لنا الحجابة مع السّقاية، صلّى الله عليك وسلّم، فقال رسول الله ﷺ : «أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له، فقال:
«هاك مفتاحك يا عثمان! اليوم يوم برّ ووفاء «٢» ، خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» «٣» .
الإسلام دين توحيد ووحدة:
وفتح رسول الله ﷺ باب الكعبة، وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ينتظرون ماذا يصنع، فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال: «لا إله إلّا الله
стр. 442
وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة أو مال أو دم، فهو تحت قدميّ هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» «١» .
«يا معشر قريش! إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة، وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب» ، ثمّ تلا هذه الآية:
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «٢» [الحجرات: ١٣] .
نبيّ المحبّة ورسول الرحمة:
ثم قال رسول الله ﷺ : «يا معشر قريش! ما ترون أنّي فاعل بكم؟»
قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!
قال: «فإنّي أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٣» .
وأمر بلالا أن يصعد، فيؤذن على الكعبة، ورؤساء قريش وأشرافهم يسمعون كلمة الله تعلو، ومكّة ترتجّ بالأذان.
ودخل رسول الله ﷺ دار أمّ هانىء بنت أبي طالب، فاغتسل، وصلّى ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله عليه «٤» .
стр. 443
لا تمييز في تنفيذ حدود الله:
وسرقت امرأة من بني مخزوم- اسمها فاطمة- في هذه الغزوة، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد، لمكانته عند رسول الله ﷺ يستشفعونه، فلمّا كلّم رسول الله ﷺ تلوّن وجهه، وقال: «أتكلّمني في حدّ من حدود الله؟!» .
قال أسامة: استغفر الله لي يا رسول الله!
فلمّا كان العشيّ، قام رسول الله ﷺ خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد، فإنّما أهلك الناس قبلكم، أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، والذي نفس محمد بيده، لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
ثمّ أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة، فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك، وتزوّجت «١» .
عفو عن الأعداء الألدّاء:
ولمّا استقرّ الفتح، وأمّن رسول الله ﷺ الناس كلّهم، إلا تسعة نفر، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم من ارتدّ عن دينه، ومنهم من قتل مسلما غيلة، ومنهم من كان يشتغل ويتسلّى بهجائه ويذيعه بين الناس،
стр. 444
وكان منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتدّ.
ومنهم عكرمة بن أبي جهل، وكان قد خرج إلى اليمن كارها لدولة الإسلام وخائفا على نفسه، فاستأمنت له امرأته بعد أن فرّ، فأمّنه النّبيّ ﷺ وهو ابن أعدى عدوّ له في الدنيا، وثب إليه رسول الله ﷺ وما عليه رداء، فرحا به وترحيبا، وأسلم عكرمة، فسرّ به رسول الله ﷺ سرورا عظيما، وحسن إسلامه، وكان له مواقف عظيمة في حروب الرّدّة وحروب الشّام.
ومنهم وحشيّ مولى جبير بن مطعم، وقاتل عمّ الرسول وأسد الله ورسوله حمزة بن عبد المطلب- وكان رسول الله ﷺ قد أهدر دمه- فأسلم، وقبل رسول الله ﷺ إسلامه.
ومنهم هبّار بن الأسود، وكان قد عرض لزينب بنت الرسول ﷺ حين هاجرت، فنخس بها حتّى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، ففرّ، ثمّ أسلم، وحسن إسلامه، واستؤمن لسارة ولإحدى القينتين اللتين كانتا تغنّيان بهجائه، فأمّنهما فأسلمتا «١» .
بين هند بنت عتبة وبين رسول الله ﷺ :
واجتمع النّاس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإسلام، فجلس لهم على الصّفا، وأخذ على النّاس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا.
ولمّا فرغ من بيعة الرّجال، بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان متنقبة متنكّرة لما كان من صنيعها بحمزة «٢» .
стр. 445
قال رسول الله ﷺ لهنّ: «بايعنني على ألّا تشركن بالله شيئا» .
فقالت هند: والله إنّك لتأخذ علينا ما لا تأخذ من الرجال.
قال: «ولا تسرقن» .
فقالت: إنّي كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة «١» ، وما كنت أدري أكان ذلك حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان- وكان شاهدا لما تقول-: أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حلّ.
فقال رسول الله ﷺ : «وإنّك لهند بنت عتبة» ؟
قالت: نعم، فاعف عمّا سلف، عفا الله عنك.
ثم قال: «ولا تزنين» .
فقالت: يا رسول الله! وهل تزني الحرّة؟ «٢» .
ثم قال: «ولا تقتلن أولادكنّ» .
قالت: ربّيناهم صغارا، وقتلتهم كبارا، فأنت وهم أعلم «٣» ، فضحك عمر بن الخطاب- ﵁ حتى استغرق.
ثمّ قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ» .
فقالت: والله إنّ إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
ثمّ قال: «ولا يعصينني» .
стр. 446
فقالت: في معروف «١» .
المحيا محياكم والممات مماتكم:
ولمّا فتح الله مكة على رسوله- وهي بلده ووطنه ومولده- تحدّث الأنصار فيما بينهم، فقالوا: إنّ رسول الله ﷺ قد فتح الله عليه أرضه وبلده، فهو مقيم بها، لا يعود إلى المدينة.
وسأل رسول الله ﷺ الأنصار عن حديثهم، ولا يعرفه غيرهم، فاستحيوا ثم أقرّوا به، فقال: «معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم» «٢» .
كيف انقلب العدوّ محبا والماجن تقيا:
همّ فضالة بن عمير أن يقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلمّا دنا منه قال له: «فضالة!»
قال: نعم يا رسول الله!
فقال: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» .
قال: لا شيء، كنت أذكر الله.
فضحك النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «استغفر الله» ، ثمّ وضع يده على صدره، فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري، حتّى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه.
стр. 447
قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدّث إليها، قالت: هلمّ إلى الحديث، قال: يأبى الله عليك والإسلام «١» .
إزالة آثار الجاهليّة وشعائر الوثنيّة:
وبثّ رسول الله ﷺ سراياه إلى الأوثان التي كانت حول الكعبة، فكسرت كلّها، منها اللّات والعزّى، ومناة الثالثة الآخرى، ونادى مناديه بمكّة:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع في بيته صنما إلّا كسره» .
وبعث رجالا من أصحابه إلى القبائل، فهدموا أصنامها «٢» ، وقال جابر:
كان بيت في الجاهليّة يقال له «ذو الخلصة» و «الكعبة اليمانية» و «الكعبة الشاميّة» ، فقال لي النّبيّ ﷺ : «ألا تريحني من ذي الخلصة» ؟
يقول جابر: فنفرت في مئة وخمسين راكبا من أحمس، (وكانوا أصحاب خيل) فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيت النّبيّ ﷺ فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس «٣» «٤» .
وقام رسول الله ﷺ في مكّة خطيبا، فأعلن حرمة مكّة إلى يوم القيامة:
«لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، أو يعضد «٥» بها
стр. 448
شجرة» ، وقال: «لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد يكون بعدي» »
، ثمّ انصرف راجعا إلى المدينة «٢» .
أثر فتح مكّة:
وكان لفتح مكّة أثر عميق في نفوس العرب، فشرح الله صدر كثير منهم للإسلام، وصاروا يدخلون فيه أرسالا.
وكانت عدّة قبائل بينها وبين قريش حلف، وكانت ممتنعة عن الدخول في الإسلام لمكانة هذا الحلف.
وكانت قبائل ترهب قريشا وتجلّها، فلما رأتهم استسلموا للإسلام ورغبوا فيه زال الحاجز.
وكانت قبائل تعتبر مكّة لا يفتحها ولا يدخلها ملك جبّار أو من يريد لها سوءا، ولا يزال فيها من عاصر حادثة الفيل، وشاهد ما فعل بأبرهة، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنّه إن ظهر عليهم فهو نبيّ صادق «٣» .
فلمّا فتح الله لنبيّه مكّة، وخضعت قريش للإسلام طوعا أو كرها، أقبل العرب على الإسلام إقبالا لم يعرف قبل ذلك، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجا «٤» ، وصدق الله العظيم: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ
стр. 449
النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [النصر: ١- ٢]
أمير شابّ حديث السنّ:
وأمّر رسول الله ﷺ قبل أن يغادر مكّة عتّاب بن أسيد «١» ، يدير أمورها، ويقيم الموسم والحجّ بالمسلمين، وهو دون العشرين سنة، أو فوقها قليلا، وذلك بمحضر من أهل الأسنان والفضل، فدلّ على أنّ المناصب على الجدارة والقوة، وأقرّه أبو بكر في خلافته «٢» .
стр. 450
خريطة السرايا والغزوات بعد فتح مكة رمضان ٨ هـ ربيع الآخر ٩ هجرية
стр. 451
غزوة حنين «١» شوّال سنة ثمان من الهجرة
محاولة أخرى لإطفاء نور الله بالأفواه:
وبعد أن تمّ فتح مكة، وبدأ النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، أطلق العرب السّهم الأخير في كنانتهم على الإسلام والمسلمين، فكانت محاولة يائسة لمحاربة الرسول ﷺ ووقف مدّ الإسلام في جزيرة العرب.
اجتماع هوازن «٢» :
وكانت هوازن قوة كبيرة بعد قريش، وكان بينها وبين قريش تنافس، فلم تخضع لما خضعت له قريش، وأرادت أن يكون لها الفضل والصيت في استئصال شأفة الإسلام، فيقال: إنّ هوازن استطاعت ما لم تستطعه قريش.
قام مالك بن عوف النّصريّ- سيد هوازن- فنادى بالحرب واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلّها، ونصر وجشم كلّها، وسعد بن بكر، وتخلّف عن هوازن
стр. 452
خريطة غزوة حنين شوال ٨ هجرية
стр. 453
كعب وكلاب، وأجمع السير إلى رسول الله ﷺ ، وحطّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، ليثبتوا ويدافعوا عن الأهل والعرض.
وشهد الحرب دريد بن الصّمّة، وكان شيخا كبير السّنّ، مجرّبا، له رأي وحكمة، ونزلوا ب «أوطاس» «١» ، وللبعير رغاء، وللحمير نهاق، وللشاء ثغاء «٢» ، وللصغار بكاء، وقال مالك للناس: «إذا رأيتم المسلمين فاكسروا جفون سيوفكم «٣» ، ثمّ شدّوا شدّة رجل واحد» «٤» .
وخرج رسول الله ﷺ ومعه ألفان من أهل مكّة، ومنهم من هو حديث العهد بالإسلام، ومنهم من لم يسلم، وعشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة فبلغ عددهم إلى ما لم يبلغه في غزوة قبل ذلك، حتى قال أناس من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلّة، وأعجبتهم كثرة الناس «٥» .
واستعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أميّة أدراعا وسلاحا- وهو مشرك- ومضى على وجهه يريد لقاء هوازن «٦» .
لا رجعة للوثنيّة:
قد خرج مع رسول الله ﷺ إلى حنين بعض حديثي العهد بالجاهليّة، وكانت لبعض القبائل شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: «ذات أنواط»
стр. 454
يأتونها كلّ سنة، فيعلّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما.
وبينما هم يسيرون مع رسول الله ﷺ إذ وقع بصرهم على الشجرة، فتحلّبت أفواههم على أعياد الجاهليّة التي هجروها، ومشاهدها التي طال عهدهم بها، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا «ذات أنواط» كما لهم «ذات أنواط» ، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر! قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨] ، لتركبنّ سنن من كان قبلكم» «١» .
في وادي حنين:
واستقبل المسلمون وادي حنين، وذلك في عاشر شوال، سنة ثمان، وهم ينحدرون فيه انحدارا في ظلام الصبح، وكانت هوازن قد سبقتهم إلى الوادي، وكمنوا لهم في شعابه وأحنائه ومضايقه، فما راع المسلمين إلّا أن رشقوهم بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، وكانوا قوما رماة «٢» .
وانشمر عامة المسلمين راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد «٣» ، وكانت فترة حاسمة، يوشك أن تدور الدائرة على المسلمين، فلا تقوم لهم
стр. 455
قائمة بعد ذلك، وكانت شبيهة بما وقع يوم أحد حين طار في الناس أن النّبي ﷺ قد قتل، وانحسر عنه المسلمون.
شماتة الأعداء وتزلزل ضعاف الإيمان:
ولمّا رأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكّة، والذين لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، هذه الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضّغن، فقال بعضهم: «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر» ، وقال بعضهم:
«ألا بطل السحر اليوم» «١» .
الفتح والسكينة:
ولمّا تمّ ما أراد الله من تأديب المسلمين الذين أعجبتهم الكثرة، وأذاقهم الله مرارة الهزيمة بعد حلاوة الفتح، ليقوّي إيمانهم، فلا يبطرهم الفتح، ولا تؤيسهم الهزيمة، ردّ لهم الكرّة على الأعداء، وأنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، وكان رسول الله ﷺ واقفا في موقفه، على بغلته الشهباء، غير وجل ولا هيّاب، وقد بقي معه نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، والعباس بن عبد المطلب آخذ بحكمة بغلته، ورسول الله ﷺ يقول: [من مجزوء الرجز]
أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب «٢»
стр. 456
ولمّا استقبلته كتائب المشركين، أخذ قبضة من تراب، ورمى بها إلى عيون الأعداء إلى البعد، فملأت أعين القوم.
ولمّا رأى انشغال الناس بأنفسهم، قال: «يا عباس! اصرخ يا معشر الأنصار! يا معشر أصحاب السمرة!» فأجابوا: لبّيك لبّيك، وكان رجلا صيّتا، فيؤمّ الرجل الصوت ويقتحم عن بعيره، ويأخذ سيفه وترسه، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، حتّى إذا اجتمع إليه منهم طائفة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا.
وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه، فنظر إلى القوم يجتلدون، فقال:
«الآن حمي الوطيس» «١» ، ثمّ أخذ رسول الله ﷺ حصيّات فرمى بهنّ وجوه الكفار، يقول عباس: «فما زلت أرى حدّهم كليلا وأمرهم مدبرا» «٢» .
واجتلد الناس، فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم، حتّى وجدوا الأسارى مكتّفين عند رسول الله ﷺ «٣» ، وأنزل الله ملائكته بالنّصر، فامتلأ بهم الوادي «٤» ، وتمّت هزيمة هوازن، وذلك قوله تعالى:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ
стр. 457
كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [التوبة: ٢٥- ٢٦] .
آخر غزوة ضدّ الإسلام والمسلمين:
وبغزوة حنين طفئت جمرة العرب، فقد استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلّت جمعهم، فانشرحت صدورهم للدخول في الإسلام.
في أوطاس:
ولمّا تمّت الهزيمة لهوازن، ذهبت فرقة منهم- فيهم الرئيس مالك بن عوف- فلجؤوا إلى الطائف، فتحصّنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا ب «أوطاس» ، فبعث إليهم رسول الله ﷺ سرية من أصحابه، عليهم أبو عامر الأشعريّ، فقاتلوهم فغلبوهم «١» .
وجمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، فأمر بالسّبايا والأموال إلى «الجعرانة» «٢» فحبست بها «٣» .
وكان السّبي ستّة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر
стр. 458
من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضّة، وكان أكبر مغنم غنمه المسلمون.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى أصحابه يوم حنين، أن يقتلوا وليدا، أو امرأة، أو أجيرا، أو عبدا مستعانا به، وتأسّف على امرأة قتلت في حنين «١» .
стр. 459
غزوة الطّائف شوّال سنة ثمان من الهجرة
فلول ثقيف:
وقدم فلّ «١» ثقيف الطائف، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتها، ورموا حصنهم، وأدخلوا فيه ما يصلح لهم لسنة، وأعدّوا للحرب عدّتها، فسار رسول الله ﷺ وذلك في شوّال سنة ثمان إليهم، ومضى حتّى نزل قريبا من الطائف، ولم يقدروا على أن يدخلوه، فقد أغلقوه دونهم، ورمت ثقيف المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنّه رجل «٢» جراد، وكانوا رماة.
حصار الطائف:
فنقل رسول الله ﷺ العسكر إلى مكان آخر، وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنّبل، واستخدم رسول الله ﷺ في هذا الحصار المنجنيق لأوّل مرّة، واشتدّ الحصار، وقتل رجال من المسلمين بالنبل «٣» .
стр. 460
الرحمة في ميدان الحرب:
ولمّا ضاق الحصار، وطالت الحرب، أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف وهي مما يعتمدون عليها في معاشهم، ووقع الناس فيها يقطعون، فسألوه أن يدعها لله، وللرحم، فقال: «فإنّي أدعها لله والرحم» .
ونادى منادي رسول الله ﷺ : «أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ» ، فخرج منهم بضعة عشر رجلا، فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة «١» .
رفع الحصار:
ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتح الطائف، فأمر عمر بن الخطّاب ﵁ فأذّن في الناس بالرّحيل، فضجّ الناس من ذلك، وقالوا:
نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ : «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله ﷺ : «إنا قافلون غدا إن شاء الله» فسرّوا بذلك، وأظعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله ﷺ يضحك «٢» .
سبايا حنين ومغانمها:
ونزل رسول الله ﷺ «الجعرانة» فيمن معه من النّاس، واستأنى بهوازن