← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولمّا استقبلته كتائب المشركين، أخذ قبضة من تراب، ورمى بها إلى عيون الأعداء إلى البعد، فملأت أعين القوم. ولمّا رأى انشغال الناس بأنفسهم، قال: «يا عباس! اصرخ يا معشر الأنصار! يا معشر أصحاب السمرة!» فأجابوا: لبّيك لبّيك، وكان رجلا صيّتا، فيؤمّ الرجل الصوت ويقتحم عن بعيره، ويأخذ سيفه وترسه، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، حتّى إذا اجتمع إليه منهم طائفة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا. وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه، فنظر إلى القوم يجتلدون، فقال: «الآن حمي الوطيس» «١» ، ثمّ أخذ رسول الله ﷺ حصيّات فرمى بهنّ وجوه الكفار، يقول عباس: «فما زلت أرى حدّهم كليلا وأمرهم مدبرا» «٢» . واجتلد الناس، فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم، حتّى وجدوا الأسارى مكتّفين عند رسول الله ﷺ «٣» ، وأنزل الله ملائكته بالنّصر، فامتلأ بهم الوادي «٤» ، وتمّت هزيمة هوازن، وذلك قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ

стр. 457

كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [التوبة: ٢٥- ٢٦] . آخر غزوة ضدّ الإسلام والمسلمين: وبغزوة حنين طفئت جمرة العرب، فقد استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلّت جمعهم، فانشرحت صدورهم للدخول في الإسلام. في أوطاس: ولمّا تمّت الهزيمة لهوازن، ذهبت فرقة منهم- فيهم الرئيس مالك بن عوف- فلجؤوا إلى الطائف، فتحصّنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا ب «أوطاس» ، فبعث إليهم رسول الله ﷺ سرية من أصحابه، عليهم أبو عامر الأشعريّ، فقاتلوهم فغلبوهم «١» . وجمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، فأمر بالسّبايا والأموال إلى «الجعرانة» «٢» فحبست بها «٣» . وكان السّبي ستّة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر

стр. 458

من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضّة، وكان أكبر مغنم غنمه المسلمون. وكان رسول الله ﷺ قد نهى أصحابه يوم حنين، أن يقتلوا وليدا، أو امرأة، أو أجيرا، أو عبدا مستعانا به، وتأسّف على امرأة قتلت في حنين «١» .

стр. 459

غزوة الطّائف شوّال سنة ثمان من الهجرة فلول ثقيف: وقدم فلّ «١» ثقيف الطائف، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتها، ورموا حصنهم، وأدخلوا فيه ما يصلح لهم لسنة، وأعدّوا للحرب عدّتها، فسار رسول الله ﷺ وذلك في شوّال سنة ثمان إليهم، ومضى حتّى نزل قريبا من الطائف، ولم يقدروا على أن يدخلوه، فقد أغلقوه دونهم، ورمت ثقيف المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنّه رجل «٢» جراد، وكانوا رماة. حصار الطائف: فنقل رسول الله ﷺ العسكر إلى مكان آخر، وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنّبل، واستخدم رسول الله ﷺ في هذا الحصار المنجنيق لأوّل مرّة، واشتدّ الحصار، وقتل رجال من المسلمين بالنبل «٣» .

стр. 460

الرحمة في ميدان الحرب: ولمّا ضاق الحصار، وطالت الحرب، أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف وهي مما يعتمدون عليها في معاشهم، ووقع الناس فيها يقطعون، فسألوه أن يدعها لله، وللرحم، فقال: «فإنّي أدعها لله والرحم» . ونادى منادي رسول الله ﷺ : «أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ» ، فخرج منهم بضعة عشر رجلا، فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة «١» . رفع الحصار: ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتح الطائف، فأمر عمر بن الخطّاب ﵁ فأذّن في الناس بالرّحيل، فضجّ الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ : «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله ﷺ : «إنا قافلون غدا إن شاء الله» فسرّوا بذلك، وأظعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله ﷺ يضحك «٢» . سبايا حنين ومغانمها: ونزل رسول الله ﷺ «الجعرانة» فيمن معه من النّاس، واستأنى بهوازن

стр. 461

أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة ليلة، ثمّ بدأ بالأموال فقسّمها، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول النّاس، وأجزل لأبي سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية، وأعطى حكيم بن حزام، والنّضر بن الحارث، والعلاء بن حارثة الثقفي، وغيرهم من أشراف قريش، فأكثر وأجزل، ثمّ أمر بإحضار الغنائم والناس، ففرضها عليهم «١» . حبّ الأنصار وإيثارهم: وتقاول شباب من الأنصار في هذا الفرض الذي كان لأشراف قريش، ولمؤلّفة القلوب النصيب الأكبر فيه، ولم يكن للأنصار إلا نصيب ضئيل. فأمر رسول الله ﷺ بالأنصار، فجمعوا في حظيرة، فخطب خطبة عظيمة مسّت قلوبهم، ففاضت لها عيونهم، وثار فيهم الحبّ والحنان، قال فيها: «ألم آتكم ضلّالا، فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟!» . قالوا: الله ورسوله أمنّ وأفضل. ولمّا سكتوا قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله! لله ولرسوله المنّ والفضل. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم، ولصدّقتم: أتيتنا مكذّبا فصدّقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فواسيناك» .

стр. 462

ثمّ انعطف عليهم بكلمة فيها الثقة، وفيها العدالة، وفيها حكمة هذا التفاوت في الفرض والعطاء، فقال: «أوجدتم عليّ يا معشر الأنصار في أنفسكم، في لعاعة «١» من الدّنيا، تألّفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم» . ثم قال كلمة لم يتمالكوا أمامها، فانفجر الإيمان والحنان في نفوسهم، وتدفّق، قال: «ألا ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب النّاس بالشّاء والبعير، وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده، لمّا تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس شعبا وواديا، وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار، والناس دثار، اللهمّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» . وبكى القوم حتّى أخضلوا لحاهم، وقالوا: «رضينا برسول الله قسما وحظّا» «٢» «٣» .

стр. 463

ردّ السبايا على هوازن: وقدم وفد هوازن على رسول الله ﷺ وهم أربعة عشر رجلا، فسألوه أن يمنّ عليهم بالسبي والأموال، فقال: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟» . قالوا: ما كنّا نعدل بالأبناء والنساء شيئا، فقال ﷺ : «إذا صلّيت الغداة فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله ﷺ أن يردّ علينا سبينا» فلمّا صلّى الغداة، قاموا، فقالوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس» فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وأبى ثلاثة من بني تميم، وبني فزارة، وبني سليم، أن يتنازلوا عن سبيهم، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم، وقد خيّرتهم، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهنّ شيء، فطابت نفسه بأن يردّه، فسبيل ذلك، ومن أحبّ أن يستمسك بحقّه، فليردّ عليهم، وله بكلّ فريضة ستّ فرائض، من أوّل ما يفيء الله علينا» . فقال الناس: قد طيّبنا لرسول الله ﷺ ، فقال: «إنا لا نعرف من رضي منكم ممّن لم يرض، فارجعوا، حتّى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» ، فردّوا

стр. 464

عليهم نساءهم وأبناءهم، ولم يتخلف منهم أحد، وكسا رسول الله ﷺ السبي قبطيّة قبطيّة» «١» «٢» . رقّة وكرم: وكان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله ﷺ الشّيماء بنت حليمة السعدية، أخت رسول الله ﷺ من الرّضاعة، وعنّفوا عليها في السّوق، وهم لا يدرون، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أنّي أخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدّقوها حتّى أتوا بها رسول الله ﷺ ، ولما انتهت الشّيماء إلى رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله! إنّي أختك من الرّضاعة، قال: ما علامة ذلك؟ قالت: عضّة عضضتنيها في ظهري، وأنا متورّكتك «٣» ، وعرف رسول الله ﷺ العلامة، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، وخيّرها، وقال: «إن أحببت الإقامة فعندي محببة ومكرّمة، وإن أحببت أن أمتّعك وترجعي إلى قومك فعلت» ، فقالت: بل تمتّعني وتردّني إلى قومي «٤» .

стр. 465

ومتّعها رسول الله ﷺ فأسلمت، وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء «١» . عمرة الجعرانة: ولمّا انتهى رسول الله ﷺ من غزوة حنين، وقسّمت السبايا والمغانم في الجعرانة، وهي على مرحلة من مكّة وميقات أهل الطائف، أحرم منها للعمرة، واعتمر وانصرف راجعا إلى المدينة «٢» ، وذلك في شهر ذي القعدة «٣» ، سنة ثمان. طائعون لا كارهون: ولمّا ارتحل المسلمون من الطائف، واستقبلوا المدينة، قال رسول الله ﷺ : «قولوا آيبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» . قيل: يا رسول الله! ادع الله على ثقيف. قال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» . ولحق عروة بن مسعود الثقفيّ، وأدرك رسول الله ﷺ قبل أن يدخل المدينة، فأسلم ورجع يدعو قومه إلى الإسلام، وكان محبّبا إليهم، صاحب منزلة فيهم، فلمّا دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنّبل، فقتل شهيدا.

стр. 466

وأقامت ثقيف بعد قتله أشهرا، ثمّ ائتمروا بينهم، ورأوا أنّه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فأرسلوا وفدا إلى رسول الله ﷺ . لا هوادة مع الوثنية: وقدموا على رسول الله ﷺ وضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، وأسلموا. وسألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم «اللّات» لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ عليهم وما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم رسول الله ﷺ حتّى سألوا شهرا واحدا بعد قدومهم، فأبى عليهم إلّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة- وهو من قومهم- يهدمانها. وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» . ولمّا فرغوا من أمرهم وتوجّهوا إلى بلادهم راجعين، بعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، فهدمها المغيرة، وانتشر الإسلام في ثقيف، حتى أسلم أهل الطائف عن آخرهم «١» . إسلام كعب بن زهير: لمّا قدم رسول الله ﷺ من الطائف، جاءه كعب بن زهير- الشاعر بن الشاعر- وكان قد هجا رسول الله ﷺ ثمّ ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثّه أخوه «بجير» على أن يأتي رسول الله ﷺ تائبا مسلما، وحذّره من سوء العاقبة إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ والتي اشتهرت ب «قصيدة بانت سعاد» .

стр. 467

فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله ﷺ حين صلّى الصبح، ثمّ جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال لرسول الله ﷺ : إنّ كعب بن زهير جاء يستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدوّ الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «دعه عنك» فقد جاء تائبا نازعا، وأنشد كعب قصيدته اللامية التي أولها: [من البسيط] بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول وقال مادحا فيها: إنّ الرّسول لنور يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول فخلع عليه رسول الله ﷺ بردته «١» .

стр. 468

خريطة غزوة العسرة رجب ٩ هجرية

стр. 469

غزوة تبوك «١» رجب سنة تسع من الهجرة أثر غزوة تبوك النفسيّ وسببها: كانت غزوة تبوك نظير فتح مكّة في قذف الرّعب في قلوب الأعداء، ورفع الغشاوة عن عيون كثير من الذين كانوا يعتقدون أنّ الإسلام سراج يلتهب ثمّ ينطفىء، أو سحابة صيف عن قليل تنقشع، وكانت هذه الغزوة احتكاكا بأعظم قوّة وأكبر دولة في العصر، وكانت عظيمة الشوكة، مرهوبة الجانب في نظر العرب. وقد قال أبو سفيان حين رأى اهتمام هرقل- الإمبراطور الروميّ- بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعثه مع دحية الكلبيّ، وحسابه لظهور النبيّ في جزيرة العرب: «لقد أمر «٢» أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما

стр. 470

زلت موقنا أنّه سيظهر، حتى أدخل الله عليّ الإسلام» «١» . وكان العرب لا يحلمون بغزو الروم والزّحف عليهم، بل كانوا يخافون أن يغزوهم في عقر دارهم، بل كانوا يرون أنفسهم أصغر من ذلك، وكان المسلمون في المدينة إذا حزبهم أمر، أو دهمهم خطر، ابتدرت أذهانهم إلى هجوم غسان وغزوهم، وهم تبع لقيصر ملك الروم وعماله. جاء في قصّة الإيلاء التي وقعت سنة ثمان، يقول عمر بن الخطاب ﵁: «كان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه بالخبر، ونحن حينئذ نتخوّف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فأتى صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، وقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغسّانيّ؟!» «٢» . وقد كانت الدولة الروميّة في أوجها، وقد دحرت جيوشها في قيادة هرقل جيوش إيران وأوغلت في ديارها، وهزمتها هزيمة منكرة، ومشى هرقل من حمص إلى «إيلياء» في موكب الملك المنتصر، والقائد المظفّر شكرا «٣» على هذا الانتصار الرائع، وذلك سنة سبع للهجرة، يحمل الصليب الذي استردّه من الفرس، وقد بسطت له البسط، ووزّعت عليه الرياحين، فمشى

стр. 471

عليها «١» ، فما مضى على هذا الانتصار الرائع عامان، حتّى خرج رسول الله ﷺ من المدينة يريد الروم. وقد مهّد الله بهذا الغزو الذي كان له أثر عميق في نفوس العرب، لغزو المسلمين للشام في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، وكان ذلك سندا له. ويقال في سبب هذه الغزوة أنّ رسول الله ﷺ اتصل به نبأ تهيّؤ الروم لغزو حدود العرب الشمالية، قال ابن سعد وشيخه الواقديّ: «إنّ رسول الله ﷺ بلغه من الأنباط أنّ هرقل رزق أصحابه لسنة وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من متنصّرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء» «٢» . وسواء صحّت هذه الرواية أو لم تصحّ، فقد كانت الغاية في الحقيقة من هذه الغزوة إرهاب الدولة المجاورة، التي كانت تخاف معرّتها على مركز الإسلام والمسلمين، وعلى الدعوة الإسلاميّة الزاحفة وقوّتها الناشئة، ومنعها من أن تطمع في غزو المسلمين في عقر دارهم، وأن تعتبرهم مالا سائبا أو لقمة سائغة، فمن كان هذا شأنه لا يتقدّم بجيوشه إلى هذه الإمبراطورية العظيمة، ويدخل في حدودها متحدّيا متهدّدا، وتلك هي الحكمة التي ذكرها القرآن في سياق الآيات التي نزلت في غزوة تبوك، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ١٢٣] . وقد تحقّقت هذه الغاية، فلم يقابل الروم هذا الزحف بزحف مقابل، وبتحرّكات عسكرية، بل كان هنالك نوع انسحاب مقابل هذا التحدّي السافر، وصاروا يحسبون لهذه القوّة الناشئة حسابا لم يحسبوه من قبل.

стр. 472

والحكمة الثانية في هذه الغزوة الجريئة، بل في هذه المغامرة الخطرة، هي إدخال الرّعب في قلوب القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام في جزيرة العرب، والقبائل العربيّة المنتصرة الخاضعة لنفوذ الإمبراطورية الرومانية، والتابعة لها، وإتاحة الفرصة لها للتفكير في أهميّة الدّين الإسلاميّ جدّيا، وأنّه ليس من الفقاقيع والنفاخات التي تعلو سطح الماء ثمّ تغيب، وأنّ له مستقبلا زاهرا، لعلّ ذلك يفتح لها الطريق في الدخول في الإسلام، الذي ظهر في أرضهم وبلادهم، وذلك ما أشار إليه القرآن بقوله في الذين خرجوا في هذه الغزوة: وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ [التوبة: ١٢٠] . وقد كان الروم لا يزالون يذكرون غزوة مؤتة التي لم يقضوا منها حاجة في نفوسهم ولم يشفوها، وقد أسفرت عن انسحاب كلّ فريق راضيا من الغنيمة بالإياب، وقد أضعفت رهبة الدولة البيزنطيّة وجيوشها الجرارة في نفوس العرب. وبالجملة فقد كانت لهذه الغزوة أهميّة كبيرة في السيرة النبوية وتاريخ الدعوة الإسلامية، وتحقّقت منها غايات كانت بعيدة الأثر في نفوس المسلمين والعرب، ومجرى الحوادث في تاريخ الإسلام. زمن الغزوة: وكانت هذه الغزوة في رجب سنة تسع «١» ، غزاها رسول الله ﷺ في حرّ

стр. 473

شديد حين طابت الثّمار والظّلال واستقبل سفرا بعيدا ومفازة «١» وعدوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد «٢» ، وكان الزمن زمن عسرة الناس وجدب البلاد. وتعلّل المنافقون بعلل، وكرهوا الخروج مع رسول الله ﷺ إشفاقا من العدوّ القويّ القاهر، وفرارا من الحرّ الشديد، زهادة في الجهاد، وشكّا في الحقّ، في ذلك يقول الله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ

стр. 474

وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] . تنافس الصحابة في الجهاد والمسير: وجدّ رسول الله ﷺ في سفره، وأمر الناس بالجهاز، وحضّ أهل الغنى على النفقة في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى، واحتسبوا، وجهّز عثمان بن عفّان جيش العسرة، وأنفق ألف دينار، ودعا له رسول الله ﷺ «١» ، واستحمل «٢» رجال رسول الله ﷺ وكانوا أهل حاجة، فاعتذر رسول الله ﷺ لعدم وجود الظهر، فاشتدّ حزنهم على ذلك، وأسقط الله عنهم الحرج، يقول الله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] . وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النيّة، حين تخلّفوا عن هذه الغزوة من غير شكّ ولا ارتياب. مسير الجيش إلى تبوك: خرج رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفا من الناس من المدينة إلى تبوك، وكان أكبر جيش خرج به في غزوة، وضرب عسكره على ثنيّة الوداع، واستعمل

стр. 475

على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاريّ، وخلف على أهله عليّ بن أبي طالب، وقال له حين شكا إليه إرجاف المنافقين وقالتهم: «أفلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس نبيّ بعدي» «١» . ونزل ب «الحجر» ديار ثمود، وأخبرهم بأنّها ديار المعذّبين، وقال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلّا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «٢» وقال: «لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا» . وأصبح الناس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فدعا، فأرسل الله سبحانه سحابة، فأمطرت حتّى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء «٣» . تخوّف العرب من الرّوم: وكان رهط من المنافقين يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فيقول بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنّا بكم غدا مقرّنين بالحبال «٤» .

стр. 476

الصلح بين الرسول وأصحاب أيلة: ولمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يوحنّا بن رؤبة صاحب أيلة- وهو أحد الأمراء المقيمين بالحدود- فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل «جرباء» ، و «أذرح» «١» وكتب لهم رسول الله ﷺ كتاب أمن، كان فيه كفالة الحدود وتأمين المياه، والطّرق البرية والبحرية، والضمان لسلامة الفريقين، وأكرمه رسول الله ﷺ «٢» . عودة الرسول إلى المدينة: وهنا بلغ خبر انسحاب الروم وعدولهم عن فكرة الزحف واقتحام الحدود، فلم ير رسول الله ﷺ محلا لتتبّعهم داخل بلادهم، وقد تحقّق الغرض. وكان أكيدر بن عبد الملك الكنديّ النصرانيّ أمير دومة «٣» ، وكان ردءا لجيوش الروم، إذ جاءت من ناحيته، فبعث رسول الله ﷺ إليه خالد بن الوليد في خمسمئة فارس، وأسر خالد أكيدر، وبعث به إلى رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله «٤» .

стр. 477

وأقام رسول الله ﷺ ب «تبوك» بضع عشرة ليلة، ثمّ انصرف قافلا إلى المدينة «١» . في جنازة مسلم مسكين: ومات عبد الله ذو البجادين في «تبوك» ، وكان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك، ويضيّقون عليه، حتّى تركوه في بجاد «٢» ليس عليه غيره، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا كان قريبا منه، شقّ بجاده باثنين، فاتّزر بواحد، واشتمل عليه، ثمّ أتى رسول الله ﷺ فقيل له: «ذو البجادين» ، ولمّا مات في تبوك شيّعة رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر في ظلام الليل، وفي يد بعضهم مشعل، يسيرون في ضوئه، وقد حفروا له، ونزل رسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدلّيانه إليه، وهو يقول: «أدنيا إليّ أخاكما» فدلّياه إليه، فلمّا هيّأه لشقه، قال: «اللهم! إنّي أمسيت راضيا عنه، فارض عنه» ، قال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة «٣» . ابتلاء كعب بن مالك ونجاحه فيه: وكان من بين من تخلّف عن هذه الغزوة من غير شكّ ولا ارتياب، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، وكانوا من السابقين الأولين، ولهم حسن بلاء في الإسلام، وكان مرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة ممن شهد بدرا، ولم يكن التخلف عن الغزوات من خلقهم وعادتهم،

стр. 478

ولم يكن ذلك إلّا من حكمة إلهيّة، وتمحيصا لأنفسهم، وتربية للمسلمين، وإنّما هو التسويف، وضعف الإرادة، والاعتماد الزائد على الوسائل الموجودة وعدم الجدّ والإسراع في الأمر، وكم جنى ذلك على أناس لم يكونوا أقلّ من إخوانهم إيمانا وحبا لله ولرسوله، وذلك ما عبّر عنه ثالث ثلاثتهم كعب بن مالك بقوله: «فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا.. فأقول في نفسي، أنا قادر عليه، ولم يزل يتمادى بي، حتّى اشتدّ الجدّ، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو يومين، ثمّ ألحقهم، فغدوت- بعد أن فصلوا- لأتجهّز فرجعت ولم أقض شيئا، ثمّ غدوت فرجعت فلم أقض شيئا. فلم يزل بي حتّى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك» «١» . وقد امتحن الله إيمان هؤلاء الثلاثة، ومدى حبّهم للرسول ﷺ ووفائهم للإسلام، والبقاء عليه في السرّاء والضرّاء، وإكرام الناس وجفوتهم، وفي حال إقبال رسول الله ﷺ وإعراضه امتحانا قلّ نظيره في تاريخ المجتمعات

стр. 479

البشريّة التي تقوم على أساس الإيمان والعقيدة والحبّ والعاطفة. وقد صدقوا رسول الله ﷺ حين كذب الناس، وشهدوا على أنفسهم، حين برّأها المنافقون. يقول كعب بن مالك في حديثه البليغ الطويل: «جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكّل سرائرهم إلى الله، فجئته وسلّمت عليه، فلمّا سلّمت عليه، تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: تعال، فجئت أمشي، حتّى جلست بين يديه فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك. فقلت: بلى والله؟ إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكنّي والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر، لا والله ما كنت أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك» . وجاءت الساعة الرهيبة، فنهى رسول الله ﷺ عن كلامهم، وما كان من المسلمين إلا السّمع والطاعة، فاجتنبهم الناس وتغيّروا لهم، حتّى تنكّرت في نفوسهم الأرض، فما هي التي يعرفونها، ولبثوا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا مرارة بن الرّبيع وهلال بن أميّة، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا كعب بن مالك، فكان أشبّ الثلاثة وأجلدهم، وكان يخرج فيشهد الصلاة مع المسلمين، ويطوف في الأسواق، ولا يكلّمه أحد «١» .

стр. 480

وكلّ ذلك لم يؤثّر في رابطة الحبّ والولاء، التي كانت تربطه برسول الله ﷺ ، ولم يؤثّر كذلك في عطف رسول الله ﷺ عليه ورأفته به، بل لم يزده هذا العتاب إلّا رسوخا في المحبة، ولوعة، وجوى، يقول: «وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا؟ ثمّ أصلّي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل عليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي» . فتنكّرت له الدّنيا وأعرض عنه من كانت له دالّة عليه، يقول: «حتّى إذا طال عليّ ذلك من جفوة النّاس، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ، فسلّمت عليه، فو الله ما ردّ عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة! أنشدك بالله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت فعدت له، فنشدته، فسكت، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتولّيت حتّى تسوّرت الجدار» «١» . ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعدّى إلى أزواج هؤلاء الثلاثة، فأمروا أن يعتزلوهنّ، ففعلوا. وجاءت أدقّ مرحلة من مراحل هذا الامتحان للحبّ والوفاء، والثبات والاستقامة، وذلك حين خطب ودّه ملك غسان، الذي كانت منادمته وحضور مجلسه شرفا يتنافس فيه المتنافسون، ويتغنّى به شعراء العرب سنين طوالا «٢» ، فجاءه- وهو في ضيق النفس، وجفوة النّاس، وإعراض

стр. 481

رسول الله ﷺ عنه- رسول ملك غسان، فيدفع إليه كتابا منه يقول فيه: «إنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسك» ، فتثور في كعب الغيرة، ويهيج الحنان، فيقصد تنّورا، ويرمي هذا الكتاب فيه. ولمّا تمّ ما أراده الله من تمحيص هؤلاء الثلاثة المؤمنين وتخليد ذكرهم في القرآن، ودرسهم للمسلمين إلى آخر الأبد، وإقامة برهان على قوة إيمان وحسن إسلام، وقد ضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أفرج عنهم، وأنزل توبتهم من فوق سبع سموات. ولم يفردهم بالتوبة حتّى يشعروا بغربتهم وبكونهم شامة بين الناس، بل مهّد لتوبتهم التوبة على سيد الأنبياء والمهاجرين والأنصار الذين لم يتخلّفوا، تكريما لهم، وجبرا لخواطرهم، ورفعا لمكانتهم، فقال: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٧- ١١٨] . نظرة على الغزوات: وبغزوة تبوك التي كانت في رجب سنة تسع للهجرة انتهت الغزوات النبويّة، التي بلغ عددها سبعا وعشرين غزوة «١» ، والبعوث والسّرايا التي بلغ

стр. 482

عددها ستين «١» ، ولم يكن في كلّها قتال. وقد أريق في جميع هذه الغزوات والسّرايا التي بعثها النّبيّ ﷺ أقلّ دم عرف في تاريخ الحروب والغزوات، فلم تتجاوز القتلى كلّها ١٠١٨ قتيلا من الفريقين، وكانت حاقنة لدماء لا يعلم عددها إلّا الله، عاصمة لنفوس وأعراض لا يحصيها إحصاء، باسطة الأمن في أرجاء الجزيرة حتّى استطاعت الظّعينة «٢» أن ترتحل من الحيرة «٣» حتّى تطوف بالكعبة، ولا تخاف أحدا إلّا الله «٤» ، والمرأة من القادسيّة على بعيرها حتّى تزور البيت لا تخاف «٥» بعد ما كانت الجزيرة كلّها كفّة حابل، وشبكة دقيقة من ترات وثارات، وحروب وغارات، لا تمشي فيها قوافل الحكومات الكبيرة إلا بخفارة ساهرة، وبذرقة «٦» ماهرة. وكانت هذه الحروب مؤسّسة على الأصلين القرآنيين الحكيمين: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ١٩١] ، ووَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي

стр. 483

الْأَلْبابِ [البقرة: ١٧٩] ، موفّرة على النوع الإنسانيّ والمجتمع البشريّ قدرا كبيرا من الوقت والجهد في تغيير الأحوال ودرء الأخطار، وكانت خاضعة لآداب خلقية وتعليمات رحيمة جعلتها أشبه بعملية التأديب منها بعملية التعذيب. أمّا بالنسبة إلى نجاح العمليّة وسرعتها فقد استمرّ التوسّع بنسبة ٢٧٤ ميلا مربعا في ظرف عشر سنوات، ولم يخسر المسلمون فيها إلا بنسبة شخص واحد في الشّهر، وكان أقصى خسائر العدوّ في النفوس ١٥٠ شخصا، فلمّا اكتملت السنوات العشر خضع أكثر من مليون ميل مربع للحكم الإسلاميّ «١» . وكان رسول الله ﷺ إذا ودّع جيشا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله، في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليدا

стр. 484

ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء» «١» . قارن ذلك بقتلى الحربين العالميتين: الأولى (١٩١٤- ١٩١٨ م) والثانية (١٩٣٩- ١٩٤٥ م) ، فقد ذكر الكاتب المحقّق في «دائرة المعارف البريطانيّة» في هذا الموضوع، أنّ عدد المقتولين في الحرب العالمية الأولى بلغ ستة ملايين وأربعمئة ألف نفس (٠٠٠، ٤٠٠، ٦) «٢» ، وعدد المقتولين في الحرب العالميّة الثانية بين خمسة وثلاثين مليونا وستّين مليون نفس (بين ٠٠٠، ٠٠٠، ٣٥ و ٠٠٠، ٠٠٠، ٦٠) «٣» . ولم تخدم هاتان الحربان- كما يعلم الجميع- مصلحة إنسانية، ولم يستفد منها العالم البشريّ في قليل أو كثير. وقد بلغ عدد ضحايا محاكم التفتيش في أوربة في القرون الوسطى، والاضطهاد الكنسيّ إلى اثني عشر مليون نفس (٠٠٠، ٠٠٠، ١٢) «٤» .

стр. 485

أوّل حجّ في الإسلام: وفرض الحجّ سنة تسع «١» ، وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا للحجّ هذه السنة، ليقيم للمسلمين حجّهم، والناس من أهل الشّرك على منازلهم من حجّهم «٢» وخرج مع أبي بكر من أراد الحجّ من المسلمين في ثلاثمئة رجل من المدينة «٣» . ونزلت سورة (براءة) على رسول الله ﷺ فدعا عليّ بن أبي طالب، فقال له: «اخرج بهذه القصّة من صدر براءة وأذّن في الناس يوم النحر- إذا اجتمعوا بمنى- أنّه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدّته» . فخرج عليّ بن أبي طالب على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتّى أدرك أبا بكر بالطريق، فلمّا رآه أبو بكر قال: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثمّ مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحجّ، حتّى إذا كان يوم النّحر، قام عليّ بن أبي طالب- ﵁ فأذّن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ «٤» .

стр. 486

خريطة السرايا والغزوات بعد فتح مكة رجب ٩ هـ- صفر ١١ هـ

стр. 487

عام الوفود سنة تسع من الهجرة تقاطر الوفود إلى المدينة وأثرها في الحياة: وبعد أن فتح الله مكّة، وعاد نبيّه من تبوك سالما غانما، وكان قد كتب قبل ذلك إلى الملوك والأمراء كتبا دعاهم فيها إلى الإسلام، فلقي من بعضهم الاستجابة الكريمة، ومن بعضهم ردّا رقيقا رفيقا، ووقف بعضهم أمامها خاشعا مترددا، وردّها بعضهم ردّا قبيحا، وتلقّاها بالإهانة والكبر، فلقي عقوبة عاجلة أطاحت بملكه ونفسه، وقد تسامع ذلك العرب كلّهم وتحدّثوا به. وكان لفتح مكّة- عاصمة الجزيرة الروحيّة والاجتماعية- ودخول رؤساء قريش في الإسلام، وسقوط أكبر حصن من حصون المقاومة أمام دين الله، أثر عميق في نفوس المترددين والمتربّصين من العرب، فزال الحاجز بينهم وبين الإسلام، وطويت المسافة بينهم وبين قبوله. قال العلّامة محمد طاهر الفتني (ت ٩٨٦ هـ) في السّير من كتابه «مجمع بحار الأنوار» : «وهذه السّنة «١» سنة الوفود، فإنّ العرب تربّصوا بالإسلام أمر قريش،

стр. 488

خريطة عام الوفود

стр. 489

لأنّهم إمام الناس، وأهل بيت الله، فلمّا دانوا، وفتحت مكة، وأسلمت ثقيف، عرفوا أنه لا طاقة بهم، ووفدت الوفود من كلّ وجه يدخلون في دين الله أفواجا» «١» . فكان لكلّ ذلك أثره الطبيعيّ في النفس، ففتح الطريق للدخول في الإسلام ولقاء رسول الله ﷺ في المدينة، وتقاطرت وفود هداية واستطلاع إلى مركز الإسلام كأنّها عقد انفرط، فتساقطت لآلئه في حجر الإسلام. وكانت تعود إلى مراكزها تحمل روحا جديدة، وشحنة إيمانية، وحماسا في الدعوة إلى الإسلام، وكراهة شديدة للوثنيّة وآثارها، والجاهليّة وشعائرها. كان من هذه الوفود وفد بني تميم، فيه أشراف قومهم المشهورون، جرت مساجلة بين خطيبهم وشاعرهم، وبين خطيب المسلمين وشاعرهم، ظهر فيها فضل الإسلام وتفوّق خطيبه وشاعره، أقرّ بذلك رؤساؤهم وأسلموا، وأجازهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم «٢» . وقدم وفد بني عامر، وقدم ضمام بن ثعلبة وافدا عن بني سعد بن بكر، ورجع إلى قومه داعيا، فكان أوّل ما تكلّم به أن قال: بئست «اللّات» و «العزّى» . قالوا: مه يا ضمام! اتّق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. وقال: ويلكم! إنّهما والله لا يضرّان ولا ينفعان، إنّ الله قد بعث رسولا، ونزّل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وحده

стр. 490

لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فما أمسى من ذلك اليوم في حيّه رجل ولا امرأة إلا مسلما «١» . وقدم وفد بني حنيفة، معهم مسيلمة الكذّاب، وأسلم، وارتدّ، وتنبّأ، وتكذّب لهم، وكان مثير فتنة الرّدة، وقتل فيها «٢» . وقدم وفد بني طيىء، وفيهم زيد الخيل- الفارس المشهور- وسمّاه رسول الله ﷺ «زيد الخير» وحسن إسلامه. وقدم عديّ بن حاتم- ابن الجواد المشهور- وأسلم بعد ما رأى أخلاق رسول الله ﷺ وتواضعه، حتّى قال: والله ما هذا بأمر ملك. وقدم وفد من بني زبيد، وفيهم فارس العرب المشهور عمرو بن معد يكرب، ووفد كندة فيهم الأشعث بن قيس، ووفد من الأزد، ورسول ملوك حمير بكتابهم يخبرون فيه بإسلامهم. وبعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن، للدعوة إلى الإسلام، وأوصاهما، وقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا» «٣» .

стр. 491

وبعث فروة بن عمرو الجذاميّ إلى رسول الله ﷺ رسولا بإسلامه، وكان عاملا للروم على العرب في «معان» وما حولها من أرض الشام. وأسلم بنو الحارث بن كعب ب «نجران» على يد خالد بن الوليد، وأقام فيهم خالد يعلّمهم الإسلام، وأقبل خالد ومعه وفد بني الحارث وعادوا إلى بلادهم، فبعث إليهم عمرو بن حزم ليفقّههم في الدين، ويعلّمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وقدم وفد همدان «١» . وبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فكسر «اللّات!» ، ثمّ علا أعلى سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا، حتّى سوّوها بالأرض، وأقبل الوفد حتّى دخل على رسول الله ﷺ من يومه، وحمده «٢» . وقدم وفد عبد القيس، ورحّب بهم رسول الله ﷺ وأمرهم ونهاهم عن الأوعية التي يسرع فيها الإسكار، سدا للذرائع، ولأنّهم كانوا يكثرون منها «٣» . وقدم وفد الأشعريين وأهل اليمن، وكانوا يرتجزون: [من مجزوء الرجز]

стр. 492

غدا نلقى الأحبّه ... محمدا وحزبه «١» وقال رسول الله ﷺ : «أتاكم أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانيّة» «٢» . وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام في نفر من المسلمين، فأقاموا ستة أشهر، يدعوهم خالد إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثمّ بعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب عليّ- ﵁ إلى رسول الله ﷺ يخبره بإسلامهم، فلمّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجدا ثمّ رفع رأسه، وقال: «السّلام على همدان، السلام على همدان» «٣» . وقدم وفد مزينة في أربعمئة رجل. وقدم وفد نصارى نجران وهم ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، فيهم أبو حارثة- أسقفهم وحبرهم- وكانت ملوك الروم قد شرّفوه، وموّلوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، ونزلت فيهم آيات كثيرة من القرآن «٤» .

стр. 493

وكتب رسول الله ﷺ إلى أهل نجران كتابا، يدعوهم فيه إلى الإسلام، فلمّا قرؤوه بعثوا وفدا إلى رسول الله ﷺ وسألهم وسألوه، ونزلت في جواب أسئلتهم آيات كثيرة من سورة آل عمران، وأراد رسول الله ﷺ أن يباهلهم «١» ، وأبى شرحبيل ذلك وخاف، فلمّا كان من الغد أتوه، فكتب لهم كتابا، وضرب عليهم الخراج «٢» ، وبعث معهم رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح، وقال: «هذا أمين هذه الأمة» «٣» . وقدم وفد تجيب، وسرّ بهم رسول الله ﷺ وأكرم منزلهم، وسألوا رسول الله ﷺ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسّنن فازداد بهم رسول الله ﷺ رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، وأقاموا أياما، ولم يطيلوا اللّبث فقيل لهم: وما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا، فنخبرهم برؤيتنا رسول الله ﷺ وكلامنا إيّاه، وما ردّ علينا، وانطلقوا راجعين، ثمّ وافوا رسول الله ﷺ في الموسم ب «منى» سنة عشر «٤» . وكان من ضمن الوفود وفد بني فزارة، ووفد بني أسد، ووفد بهراء، ووفد عذرة، وأسلموا، وبشّرهم رسول الله ﷺ بفتح الشّام ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلّا الأضحية.

стр. 494

ووفد بلي، ووفد ذي مرّة، ووفد خولان، وسألهم رسول الله ﷺ عن صنم لخولان «١» ، الذي كانوا يعبدونه، قالوا: أبشر، بدّلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منّا بقايا من شيخ كبير، وعجوز كبيرة، متمسّكون به ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله «٢» . وقدم وفد محارب، ووفد غسّان، وغامد، ووفد النّخع «٣» . وكانت الوفود تتعلّم الإسلام، وتتفقّه في الدّين، ويشهدون أخلاق رسول الله ﷺ وعشرة أصحابه، وقد تضرب لهم خيام في فناء المسجد، فيسمعون القرآن، ويرون المسلمين يصلّون، ويسألون رسول الله ﷺ عمّا يجول في خاطرهم في بساطة وصراحة، ويجيبهم رسول الله ﷺ في بلاغة وحكمة، ويستشهد بالقرآن، فيؤمنون، ويطمئنّون. بين وثنيّ جاهل وبين نبيّ معلّم: وهذا حديث دار بين كنانة بن عبد ياليل وبين رسول الله ﷺ : كنانة: أفرأيت الزّنى، فإنّا قوم نعتزب، ولا بدّ لنا منه؟ رسول الله ﷺ : «هو عليكم حرام، وإنّ الله تعالى يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: ٣٢] » . كنانة: أفرأيت الرّبا فإنّه أموالنا كلّها؟ رسول الله ﷺ : «لكم رؤوس أموالكم، إنّ الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا

стр. 495

خريطة سرايا تكسير الأصنام
следующие страницы →