← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وبعث فروة بن عمرو الجذاميّ إلى رسول الله ﷺ رسولا بإسلامه، وكان عاملا للروم على العرب في «معان» وما حولها من أرض الشام. وأسلم بنو الحارث بن كعب ب «نجران» على يد خالد بن الوليد، وأقام فيهم خالد يعلّمهم الإسلام، وأقبل خالد ومعه وفد بني الحارث وعادوا إلى بلادهم، فبعث إليهم عمرو بن حزم ليفقّههم في الدين، ويعلّمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وقدم وفد همدان «١» . وبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فكسر «اللّات!» ، ثمّ علا أعلى سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا، حتّى سوّوها بالأرض، وأقبل الوفد حتّى دخل على رسول الله ﷺ من يومه، وحمده «٢» . وقدم وفد عبد القيس، ورحّب بهم رسول الله ﷺ وأمرهم ونهاهم عن الأوعية التي يسرع فيها الإسكار، سدا للذرائع، ولأنّهم كانوا يكثرون منها «٣» . وقدم وفد الأشعريين وأهل اليمن، وكانوا يرتجزون: [من مجزوء الرجز]

стр. 492

غدا نلقى الأحبّه ... محمدا وحزبه «١» وقال رسول الله ﷺ : «أتاكم أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانيّة» «٢» . وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام في نفر من المسلمين، فأقاموا ستة أشهر، يدعوهم خالد إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثمّ بعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب عليّ- ﵁ إلى رسول الله ﷺ يخبره بإسلامهم، فلمّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجدا ثمّ رفع رأسه، وقال: «السّلام على همدان، السلام على همدان» «٣» . وقدم وفد مزينة في أربعمئة رجل. وقدم وفد نصارى نجران وهم ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، فيهم أبو حارثة- أسقفهم وحبرهم- وكانت ملوك الروم قد شرّفوه، وموّلوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، ونزلت فيهم آيات كثيرة من القرآن «٤» .

стр. 493

وكتب رسول الله ﷺ إلى أهل نجران كتابا، يدعوهم فيه إلى الإسلام، فلمّا قرؤوه بعثوا وفدا إلى رسول الله ﷺ وسألهم وسألوه، ونزلت في جواب أسئلتهم آيات كثيرة من سورة آل عمران، وأراد رسول الله ﷺ أن يباهلهم «١» ، وأبى شرحبيل ذلك وخاف، فلمّا كان من الغد أتوه، فكتب لهم كتابا، وضرب عليهم الخراج «٢» ، وبعث معهم رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح، وقال: «هذا أمين هذه الأمة» «٣» . وقدم وفد تجيب، وسرّ بهم رسول الله ﷺ وأكرم منزلهم، وسألوا رسول الله ﷺ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسّنن فازداد بهم رسول الله ﷺ رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، وأقاموا أياما، ولم يطيلوا اللّبث فقيل لهم: وما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا، فنخبرهم برؤيتنا رسول الله ﷺ وكلامنا إيّاه، وما ردّ علينا، وانطلقوا راجعين، ثمّ وافوا رسول الله ﷺ في الموسم ب «منى» سنة عشر «٤» . وكان من ضمن الوفود وفد بني فزارة، ووفد بني أسد، ووفد بهراء، ووفد عذرة، وأسلموا، وبشّرهم رسول الله ﷺ بفتح الشّام ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلّا الأضحية.

стр. 494

ووفد بلي، ووفد ذي مرّة، ووفد خولان، وسألهم رسول الله ﷺ عن صنم لخولان «١» ، الذي كانوا يعبدونه، قالوا: أبشر، بدّلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منّا بقايا من شيخ كبير، وعجوز كبيرة، متمسّكون به ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله «٢» . وقدم وفد محارب، ووفد غسّان، وغامد، ووفد النّخع «٣» . وكانت الوفود تتعلّم الإسلام، وتتفقّه في الدّين، ويشهدون أخلاق رسول الله ﷺ وعشرة أصحابه، وقد تضرب لهم خيام في فناء المسجد، فيسمعون القرآن، ويرون المسلمين يصلّون، ويسألون رسول الله ﷺ عمّا يجول في خاطرهم في بساطة وصراحة، ويجيبهم رسول الله ﷺ في بلاغة وحكمة، ويستشهد بالقرآن، فيؤمنون، ويطمئنّون. بين وثنيّ جاهل وبين نبيّ معلّم: وهذا حديث دار بين كنانة بن عبد ياليل وبين رسول الله ﷺ : كنانة: أفرأيت الزّنى، فإنّا قوم نعتزب، ولا بدّ لنا منه؟ رسول الله ﷺ : «هو عليكم حرام، وإنّ الله تعالى يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: ٣٢] » . كنانة: أفرأيت الرّبا فإنّه أموالنا كلّها؟ رسول الله ﷺ : «لكم رؤوس أموالكم، إنّ الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا

стр. 495

خريطة سرايا تكسير الأصنام

стр. 496

الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] » . كنانة: أفرأيت الخمر فإنها عصير أرضنا لا بدّ لنا منها؟ رسول الله ﷺ : «إنّ الله قد حرّمها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠] » . كنانة: أفرأيت الرّبّة «١» ، ما نصنع بها؟ رسول الله ﷺ : «اهدموها» . كنانة وقومه: لو تعلم الرّبّة أنّك تريد هدمها لقتلت أهلها. وهنا تدخّل عمر بن الخطاب في الحديث، فقال: ويحك يا بن عبد يا ليل، ما أجهلك! إنما الرّبّة حجر. كنانة وقومه: إنّا لم نأتك يا بن الخطاب، وقال لرسول الله ﷺ : تولّ أنت هدمها، فأمّا نحن فإنّا لا نهدمها أبدا. رسول الله ﷺ : «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» وأذن لهم رسول الله ﷺ في الرجوع، وأكرمهم وحيّاهم. وقالوا: يا رسول الله، أمّر علينا رجلا يؤمّنا من قومنا، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان أصغرهم سنّا، لما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلّم سورا من القرآن قبل أن يخرج «٢» . وكان عام الوفود عام القضاء على نفوذ الوثنيّة، وتصفية الوجود الوثنيّ في جزيرة العرب.

стр. 497

فرض الزكاة والصدقات: وفي السنة التاسعة للهجرة «١» بعث رسول الله ﷺ أمراءه وعمّاله على الصّدقات إلى كلّ ما دخل فيه الإسلام من البلدان.

стр. 498

خريطة حجة الوداع والطريق الذي سلكه النبيّ ﷺ

стр. 499

حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة حجة الوداع وأوانها: ولمّا تمّ ما أراده الله من تطهير نفوس الأمّة من شوائب الوثنيّة، وعادات الجاهليّة، وإنارتها بنور الإيمان، وإشعال مجامرها بالحبّ والحنان، وتمّ ما أراده الله، من تطهير بيته من الرّجس والأوثان، وتاقت نفوس المسلمين الذين بعد عهدهم عن حجّ البيت، وطفحت كأس الحبّ والحنان، حتّى فاضت ودنت ساعة الفراق، وألجأت الضّرورة إلى وداع الأمة، آذن الله لنبيّه في الحجّ، ولم يكن قد حجّ النّبيّ ﷺ في الإسلام. قيمتها البلاغية والتربوية: فخرج من المدينة ليحجّ البيت، ويلقى المسلمين، ويعلّمهم دينهم ومناسكهم، ويؤدّي الشهادة، ويبلّغ الأمانة، ويوصي الوصايا الأخيرة، ويأخذ من المسلمين العهد والميثاق، ويمحو آثار الجاهليّة، ويطمسها ويضعها تحت قدميه. وكانت هذه الحجّة تقوم مقام ألف خطبة وألف درس، وكانت مدرسة متنقّلة ومسجدا سيّارا، وثكنة جوالة، يتعلّم فيها الجاهل وينتبه الغافل،

стр. 500

وينشط فيها الكسلان، ويقوى فيها الضعيف، وكانت سحابة رحمة تغشاهم في الحلّ والتّرحال، وهي سحابة صحبة النّبيّ ﷺ وحبّه وعطفه، وتربيته وإشرافه. تسجيل دقائق حجّة النبيّ: وقد سجّل الرّواة العادلون من الصحابة كلّ دقيقة من دقائق هذه الرحلة، وكلّ حادث من حوادثها الصغيرة، تسجيلا لا يوجد له نظير في رحلات الملوك والعظماء، والعلماء والنبغاء «١» . سياق حجّته ﷺ إجماليا: ونحن نلخّص «٢» هذه الحجّة التي سمّيت ب «حجّة الوداع» و «حجّة البلاغ» و «حجّة التّمام» ، وكانت كلّ ذلك أو أكثر، وحجّ معه أكثر من مئة ألف إنسان «٣» . كيف حجّ النّبيّ ﷺ ؟ عزم رسول الله ﷺ على الحجّ، وأعلم الناس أنّه حاجّ، فتجهّزوا وذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحجّ مع رسول الله ﷺ ، ووافاه في الطريق خلائق

стр. 501

لا يحصون، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله مدّ البصر. وخرج من المدينة نهارا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، بعد أن صلّى الظهر بها أربعا، وخطبهم قبل ذلك خطبة علّمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه. ثم سار وهو يلبّي، ويقول: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك» والناس معه يزيدون وينقصون، وهو يقرّهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته، ثمّ سار حتّى نزل ب «العرج» «١» وكانت زاملته وزاملة «٢» أبي بكر واحدة. ثم مضى حتّى أتى «الأبواء» «٣» فوادي «عسفان» «٤» في «سرف» «٥» ، ثمّ نهض إلى أن نزل ب «ذي الطّوى» «٦» ، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجّة، وصلّى بها الصبح، ثمّ اغتسل من يومه، ونهض إلى مكّة، فدخلها نهارا من أعلاها، ثمّ سار، حتّى دخل المسجد، وذلك ضحى، فلمّا نظر إلى البيت قال: «اللهمّ زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة» ويرفع يديه ويكبّر، ويقول: «اللهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام، حيّنا ربّنا بالسّلام» .

стр. 502

ولمّا دخل المسجد عمد إلى البيت، فلمّا حاذى الحجر الأسود، استلمه، ولم يزاحم عليه، ثمّ أخذ عن يمينه، وجعل البيت عن يساره، ورمل في طوافه هذا ثلاثة الأشواط الأول، وكان يسرع في مشيه، ويقارب بين خطاه، واضطبع بردائه، فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر ومنكبه، وكلّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بمحجنه «١» . فلمّا فرغ من طوافه، جاء إلى خلف المقام، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] فصلّى ركعتين، فلمّا فرغ من صلاته، أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثمّ خرج إلى الصّفا من الباب الذي يقابله، فلمّا قرب منه قرأ: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به» ، ثمّ رقي عليه، حتّى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . وأقام بمكّة أربعة أيام: يوم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فلمّا كان يوم الخميس ضحى، توجّه بمن معه من المسلمين إلى منى، فنزل بها، وصلّى بها الظهر والعصر، وبات بها، وكان ليلة الجمعة، فلمّا طلعت الشمس، سار منها إلى عرفة، ووجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زالت الشمس، أمر بناقته القصواء، فرحّلت، ثمّ سار، حتّى أتى بطن الوادي من أرض عرفة، فخطب الناس- وهو على راحلته- خطبة عظيمة قرّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشّرك والجاهلية، وقرّر فيها تحريم المحرّمات التي اتّفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع ربا الجاهلية

стр. 503

كلّه، وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرا، وذكر الحقّ الذي لهنّ وعليهنّ، وأنّ الواجب لهنّ الرزق والكسوة بالمعروف. وأوصى الأمّة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنّهم لن يضلّوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبر أنّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون وبماذا يشهدون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السّماء واستشهد الله عليهم ثلاث مرّات، وأمرهم أن يبلّغ شاهدهم غائبهم، فلمّا أتمّ الخطبة، أمر بلالا فأذّن ثم أقام الصلاة، فصلّى الظهر ركعتين، ثمّ أقام فصلّى العصر ركعتين أيضا، وكان يوم الجمعة. فلمّا فرغ من صلاته ركب حتّى أتى الموقف، فوقف وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرّع والابتهال إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، يقول فيهم: «اللهمّ! إنّك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضّرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهمّ! لا تجعلني بدعائك ربّ شقيّا، وكن لي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين» «١» . وهنالك أنزلت عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] ، فلمّا غربت الشمس، أفاض من عرفة،

стр. 504

وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة، وضمّ إليه زمام ناقته، حتّى إنّ رأسها ليصيب طرف رحله، وهو يقول: «أيّها الناس، عليكم بالسّكينة» «١» . وكان يلبّي في مسيره ذلك، لا يقطع التلبية حتّى أتى المزدلفة، وأمر المؤذّن بالأذان فأذّن، ثمّ أقام، فصلّى المغرب قبل حطّ الرحال وتبريك الجمال، فلمّا حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثمّ صلّى العشاء، ثمّ نام، حتّى أصبح. فلمّا طلع الفجر صلّاها في أوّل الوقت، ثمّ ركب حتّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرّع، والتكبير والتهليل والذكر، حتّى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس. ثمّ سار من مزدلفة، مردفا للفضل بن عباس، وهو يلبّي في مسيره، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات، فلمّا أتى بطن محسّر حرّك ناقته، وأسرع السير، فإنّ هنالك أصاب أصحاب الفيل العذاب، حتّى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية. ثمّ رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكّة على جميع البلاد، وأمر

стр. 505

بالسّمع والطّاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا، يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وقال في خطبته تلك: «اعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم» ، وودّع الناس حينئذ فقالوا: «حجّة الوداع» . ثمّ انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنيّ عمره، ثمّ أمسك وأمر عليّا أن ينحر ما بقي من المئة. فلمّا أكمل ﷺ نحره استدعى بالحلّاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين من يليه. ثمّ أفاض إلى مكة راكبا، وطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، ثمّ أتى زمزم، فشرب وهو قائم. ثمّ رجع إلى منى من يومه ذلك، فبات بها، فلمّا أصبح انتظر زوال الشمس، فلمّا زالت مشى من رحله إلى الجمار، فبدأ بالجمرة الأولى، ثمّ الوسطى، ثمّ الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة. وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النّحر، وقد تقدّمت، والخطبة الثانية في ثاني يوم النحر. وتأخّر حتّى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، ثمّ نهض إلى مكّة، فطاف للوداع ليلا سحرا، وأمر الناس بالرحيل، وتوجّه إلى المدينة «١» .

стр. 506

ولمّا وصل إلى غدير خمّ «١» ، خطب ﷺ وذكر فيها فضل عليّ- ﵁ وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ! وال من والاه، وعاد من عاداه» «٢» . فلمّا أتى «ذا الحليفة» بات بها، فلمّا رأى المدينة، كبّر ثلاث مرّات، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثمّ دخلها نهارا «٣» . خطبة النّبيّ ﷺ في حجّة الوداع: ونذكر هنا نصّ الخطبة التي خطبها رسول الله ﷺ يوم عرفة، ونصّ الخطبة التي خطبها في أوسط أيام التشريق، للموعظة البليغة، والفوائد الكثيرة التي تشتملان عليها هاتان الخطبتان العظيمتان. فقال في خطبة عرفة: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.

стр. 507

ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع من ربانا ربا العبّاس بن عبد المطلب، فإنّه موضوع كلّه. فاتّقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عنّي، فماذا أنتم قائلون؟» . قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السّماء وينكبها إلى الناس: «اللهمّ اشهد» ثلاث مرّات «١» . [نص خطبة النبي ص] وهذا نصّ الخطبة التي خطبها ﷺ في أوسط أيام التشريق: «يا أيّها الناس! هل تدرون في أيّ شهر أنتم؟ وفي أيّ يوم أنتم؟ وفي أيّ بلد أنتم؟» .

стр. 508

فقالوا: في يوم حرام، وبلد حرام، وشهر حرام. قال: «فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه» . ثمّ قال: «اسمعوا منّي تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنّه لا يحلّ مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه. ألا! وإنّ كلّ دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدميّ هذه، إلى يوم القيامة، وإنّ أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل. ألا وإنّ كلّ ربا في الجاهلية موضوع، وإنّ الله قضى أنّ أوّل ربا يوضع ربا العبّاس بن عبد المطّلب، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. ألا وإنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، ثمّ قرأ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦] . ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا إنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون، ولكنّه في التحريش بينكم، واتّقوا الله في النساء، فإنهنّ عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، إنّ لهن عليكم حقا، ولكم عليهنّ حقا ألّا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذنّ في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهنّ، فعظوهنّ، واهجروهنّ في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرّح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنّما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله

стр. 509

عزّ وجلّ، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها» . وبسط يديه، وقال: «ألا هل بلّغت؟! ألا هل بلّغت؟!» . ثمّ قال: «ليبلّغ الشاهد الغائب، فإنّه ربّ مبلّغ أسعد من سامع» «١» .

стр. 510

الوفاة ربيع الأول السّنة الحادية عشرة للهجرة كمال مهمّة التبليغ والتشريع ودنوّ ساعة اللقاء: ولمّا بلغ هذا الدين ذروة الكمال، ونزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] . وبلّغ رسول الله ﷺ الرسالة، وأدّى الأمانة، وجاهد في الله حقّ جهاده، وربّى أمّة تقلّدت مهامّ النبوّة ومسؤولياتها، من غير نبوّة، وكلّفت النهوض بالدعوة، وصيانة الدين من التحريف، فقال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] . وضمن الله لهذا القرآن الذي هو أساس هذا الدين، ومصدر الإيمان واليقين، بالبقاء والنّقاء، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] . وأقرّ الله عين نبيّه بدخول الناس في هذا الدّين أفواجا، وبدت طلائع انتشاره في العالم، وظهوره على الأديان كلّها. فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ

стр. 511

اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: ١- ٣] مدارسة القرآن ومضاعفة اعتكاف رمضان: وكان النّبيّ ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيام، فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين «١» . وكان جبريل يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، ولكنّه ﷺ قال ذلك العام: «إنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي» «٢» . أذن الله لنبيّه باللقاء الذي لم يكن أحد أشدّ شوقا له منه، وقد أحبّ الله لقاءه كما هو أحبّ لقاءه. وقد هيّأ الله الصحابة- ﵃ الذين لم يكن أحد أشدّ حبّا له منهم، لسماع نبأ وفاته، واحتمال فراقه الذي لم يكن بدّ منه، مهما تأخّرت ساعة الفراق، ففوجئوا بنبأ شهادته في معركة أحد، ثمّ تحقّق أنّه كان إرجافا من الشيطان، وأنّ الله ممتّعهم بحياة نبيّهم إلى حين، ولكن لا بدّ من وقوع هذا الحادث، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] . فكان المسلمون- الذين أحسن رسول الله ﷺ تربيتهم، وربط قلوبهم بالله تعالى، وشغلهم بتبليغ رسالة الإسلام إلى أقصى الحدود وأبعد الأمم،

стр. 512

وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده- على يقين بأنّ رسول الله ﷺ مودّعهم في يوم من الأيام، ومفارق لهذا العالم الفاني، وراجع إلى ربّه، ليجزيه الجزاء الأوفى، فلمّا نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فهم منها الصحابة أنّه إيذان بدنوّ ساعة الفراق، فقد تمّت المهمّة، وجاء نصر الله والفتح «١» . وقد استشعر كبار الصحابة وفاته حين نزلت الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «٢» . الشوق إلى لقاء الله وتوديع الدّنيا: وقد ظهر من رسول الله ﷺ بعد ما عاد من حجّة الوداع التي أشار فيها إلى دنوّ أجله «٣» ، ما يدلّ على التأهّب للسفر، واللحوق بالرفيق الأعلى، فصلّى على قتلى أحد، كأنّه مودّع أصحابه عن قريب- بعد ثماني سنين- كالمودّع للأحياء والأموات، ثمّ طلع المنبر، فقال: «إنّي بين أيديكم فرط «٤» ، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإنّي لأنظر إليه من مقامي هذا، وإنّي

стр. 513

قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» «١» . شكوى رسول الله ﷺ : وقد ابتدأت شكوى رسول الله ﷺ في آخر شهر صفر «٢» سنة ١١ للهجرة، وكان مبدأ ذلك أنّه ﷺ خرج إلى «بقيع الغرقد» «٣» من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثمّ رجع إلى أهله، فلمّا أصبح ابتدىء بوجعه من يومه ذلك «٤» . قالت عائشة أمّ المؤمنين- ﵂: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا، والله يا عائشة وا رأساه «٥» » واشتدّ به وجعه، وهو في بيت ميمونة ﵂ فدعا نساءه، فاستأذنهنّ في أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له، وخرج يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عبّاس، والآخر عليّ بن أبي طالب، عاصبا رأسه، تخطّ قدماه، حتّى دخل بيت عائشة ﵂ «٦» .

стр. 514

تقول عائشة- ﵂: وكان يقول في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت ب «خيبر» فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري «١» من ذلك السّمّ» «٢» . آخر البعوث: وبعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشّام، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء و «الدّاروم» «٣» من أرض فلسطين. وانتدب كثير من الكبار من المهاجرين والأنصار في جيشه، كان من أكبرهم عمر بن الخطاب- ﵁ بعثه رسول الله ﷺ ، واشتدّ به المرض، وجيش أسامة مخيّم ب «الجرف» «٤» وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد وفاة الرسول ﷺ تحقيقا لرغبته وإكمالا لمراده. الاهتمام ببعث أسامة: واستبطأ رسول الله ﷺ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه، حتّى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا في إمرة

стр. 515

خريطة آخر بعوث النبي ﷺ جيش أسامة بن زيد

стр. 516

أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له، ثمّ قال: «أيّها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها» ثمّ نزل رسول الله ﷺ وأسرع الناس في جهازهم، وثقل برسول الله ﷺ وجعه، خرج أسامة بجيشه حتّى نزلوا «الجرف» من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره، حتّى تتامّ إليه الناس. وثقل رسول الله ﷺ فأقام أسامة والناس ينظرون ما الله قاض في رسول الله ﷺ «١» . وأوصى المسلمين في مرضه أن يجيزوا الوفد بنحو ممّا كان يجيزهم، وألّا يتركوا في جزيرة العرب دينين، قال: «أخرجوا منها المشركين» «٢» . دعاء للمسلمين وتحذير لهم عن العلو والكبرياء: وفي يوم من أيام شكواه اجتمع نفر من المسلمين في بيت عائشة، فرحّب بهم رسول الله ﷺ وحيّاهم، ودعا لهم بالهدى والنّصر والتوفيق، وقال: «أوصيكم بتقوى الله وأوصى الله بكم، وأستخلفه عليكم، إنّي لكم منه نذير مبين، ألّا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فإنّ الله قال لي ولكم: تِلْكَ

стр. 517

الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] ، وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠] » . زهد في الدّنيا وكراهية لما فضل من المال: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة ما فعلت بالذّهب؟» فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة، فجعل يقلّبها بيده، ويقول: «ما ظنّ محمّد بالله ، لو لقيه وهذه عنده، أنفقيها» «١» . اهتمام بالصلاة وإمامة أبي بكر: وثقل برسول الله ﷺ وجعه، فقال: «أصلّى الناس؟» . قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب» «٢» ، ففعلوا، فاغتسل ثمّ ذهب لينوء «٣» ، فأغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: «أصلّى الناس؟» قالوا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، فقال: يا عمر صلّ بالناس، فقال: أنت أحقّ بذلك منّي، فصلّى بهم تلك الأيام. ثم إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة، فخرج بين رجلين، أحدهما العباس،

стр. 518

والآخر عليّ بن أبي طالب- ﵄ لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر فأومأ إليه ألا يتأخّر، وأمرهما، فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلّي قائما، وهو يأتم بصلاة النبيّ ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، ورسول الله ﷺ قاعد «١» . وعن أمّ الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا، ثمّ ما صلّى لنا بعدها، حتّى قبضه الله «٢» . خطبة الوداع: وكان فيما تكلّم «٣» به رسول الله ﷺ وهو جالس على المنبر، عاصبا رأسه: «إنّ عبدا من عباد الله، خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» ، وفهم أبو بكر معنى هذه الكلمة، وعرف أنّ رسول الله ﷺ يعني

стр. 519

نفسه، فبكى، وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا. فقال: «على رسلك يا أبا بكر! إنّه ليس من الناس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متّخذا من الناس خليلا لا تّخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلّة الإسلام أفضل» «١» . وقال: «سدّوا عنّي كلّ خوخة «٢» في المسجد، غير خوخة أبي بكر» «٣» . وصية الأنصار: وكان أبو بكر والعباس- ﵄ مرّا بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النّبي ﷺ منا، وأخبر النّبيّ ﷺ بذلك، فخرج النّبيّ ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر «٤» ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله، ثمّ أثنى عليه، ثمّ قال: «أوصيكم بالأنصار فإنّهم كرشي وعيبتي «٥» ، وقد قضوا الذي عليهم،

стр. 520

وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» «١» . آخر نظرة إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة: وكان أبو بكر يصلّي بالمسلمين، حتّى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النّبيّ ﷺ ستر الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربّهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمّة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيّها وغيبته، وقد قرّت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدّر لنبيّ أو داع قبله، واطمأنّ إلى أنّ صلة هذه الأمّة بهذا الدين وعبادة الله تعالى، صلة دائمة، لا تقطعها وفاة نبيّها، فملىء من السرور ما الله به عليم، واستنار وجهه وهو منير، يقول الصحابة- ﵃: كشف النّبيّ ﷺ ستر حجرة عائشة، ينظر إلينا وهو قائم، كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننّا أنّ النّبيّ ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتمّوا صلاتكم، وأرخى الستر وتوفّي من يومه ﷺ «٢» .

стр. 521

تحذير من عبادة القبور واتخاذها مساجد: كان آخر ما تكلّم به رسول الله ﷺ أن قال: «قاتل الله اليهود والنّصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقينّ دينان بأرض العرب» «١» . تقول عائشة وابن عباس- ﵄: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة «٢» له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتّخذوا من قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما صنعوا «٣» . الوصية الأخيرة: كانت عامة وصيّة رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة: «الصّلاة وما ملكت أيمانكم» ، حتّى جعل يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه «٤» .

стр. 522

يقول عليّ- ﵁: أوصى رسول الله ﷺ بالصّلاة والزّكاة وما ملكت أيمانكم «١» . وتقول عائشة- ﵂: ذهبت أعوده، فرفع بصره إلى السماء وقال: «في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى» «٢» . ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر، وبيده جريدة رطبة، فنظر إليها، فظننت أن له بها حاجة، قالت: فأخذتها، فنفضتها، فدفعتها إليه، فاستنّ بها أحسن ما كان مستنّا، ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده «٣» . وقالت: وبين يديه ركوة «٤» أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله، إن للموت لسكرات» ، ثمّ نصب أصبعه اليسرى، وجعل يقول: «في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى» ، حتى قبض ومالت يده في الماء «٥» . وقالت: نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة، ثمّ

стр. 523

أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، وقال: «اللهمّ الرفيق الأعلى» ، وكانت آخر كلمة تكلّم بها رسول الله ﷺ «١» . كيف فارق رسول الله ﷺ الدنيا: فارق رسول الله ﷺ الدّنيا، وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، «وما ترك عند موته دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا، إلّا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضا جعلها صدقة» «٢» . وتوفّي ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعا من شعير، ما وجد ما يفكّ به، حتّى مات ﷺ «٣» . وأعتق رسول الله ﷺ في مرضه هذا أربعين نفسا، وكانت عنده سبعة دنانير أو ستّة، فأمر عائشة- ﵂ أن تتصدّق بها «٤» . تقول عائشة- أمّ المؤمنين ﵂: توفّي رسول الله ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رفّ لي، فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني «٥» .

стр. 524

وكان ذلك الفراق يوم الإثنين ١٢ ربيع الأول، سنة ١١ للهجرة بعد الزوال «١» ، وله ﷺ ثلاث وستون «٢» ، وكان أشدّ الأيام سوادا ووحشة ومصابا على المسلمين، ومحنة للإنسانيّة، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس. يقول أنس وأبو سعيد الخدريّ- ﵄: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء. وبكت أمّ أيمن، فقيل لها: ما يبكيك على النّبيّ ﷺ ؟ قالت: إنّي قد علمت أنّ رسول الله ﷺ سيموت، ولكن إنّما أبكي على الوحي الذي رفع عنّا «٣» . كيف تلقّى الصحابة نبأ الوفاة ؟ ونزلت وفاة رسول الله ﷺ على الصحابة كالصّاعقة، لشدة حبّهم له، وما تعوّدوه من العيش في كنفه، عيش الأبناء في حجر الآباء، بل أكثر من ذلك، قد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] . وقد كان كلّ واحد منهم يحسب أنّه أكرم عليه وأحبّ لديه من صاحبه،

стр. 525

ولم يكد بعضهم يصدّق بنبأ وفاته، وكان في مقدّمتهم عمر بن الخطّاب ﵁، فأنكر على من قال: مات رسول الله ﷺ ، وخرج إلى المسجد وخطب الناس، وقال: إنّ رسول الله ﷺ لا يموت حتّى يفني الله المنافقين «١» . موقف أبي بكر الحاسم: وكان أبو بكر- ﵁ وهو الذي هيّأه الله لخلافة النبوّة والوقوف موقف العزيمة والحكمة، رجل الساعة المطلوب والجبل الراسي الذي لا يحول ولا يزول، فأقبل من منزله حين بلغه الخبر، حتّى نزل على باب المسجد، وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء، حتّى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة وهو مسجّى «٢» ، فكشف عن وجهه، ثمّ أقبل عليه فقبّله، ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي، أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبدا، وردّ البرد على وجهه ﷺ . ثمّ خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر! وأنصت، فأبى إلّا أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلمّا سمعوا كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس! إنّه من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، ثمّ تلا هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى

стр. 526

أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] . يقول من شهد هذا الموقف: والله كأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنّما هي في أفواههم، ويقول عمر: والله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «١» حتّى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله ﷺ قد مات «٢» . بيعة أبي بكر بالخلافة: وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة «٣» بني ساعدة «٤» ، حتّى لا يجد الشيطان سبيلا إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسول الله ﷺ هذه الدّنيا وكلمة المسلمين واحدة، وشملهم منتظم، وعليهم أمير يتولّى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله ﷺ ودفنه. كيف ودّع المسلمون رسولهم وصلّوا عليه ؟ وهدأ النّاس، وانجلى عنهم ما كانوا فيه من حيرة وغمرة، وتشاغلوا بما علّمهم رسولهم من عملهم لمن فارق الدّنيا.

стр. 527

ولمّا فرغ من غسله وتكفينه ﷺ وقد تولّى ذلك أهل بيته، وضع سريره في بيته، وحدّثهم أبو بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبيّ إلّا دفن حيث قبض» فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفّي فيه، وحفر له تحته، وتولّى ذلك أبو طلحة الأنصاريّ. ثمّ دخلوا يصلّون عليه أرسالا، دخل الرجال حتّى إذا فرغوا، أدخل النّساء، حتّى إذا فرغ النساء، أدخل الصّبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد «١» . وكان ذلك يوم الثلاثاء «٢» . وكان يوما حزينا في المدينة، وأذّن بلال بالفجر، فلمّا ذكر النّبيّ ﷺ بكى وانتحب، فزاد المسلمين حزنا، وقد اعتادوا أن يسمعوا هذا الأذان ورسول الله ﷺ فيهم. تقول أمّ سلمة- أمّ المؤمنين-: يا لها من مصيبة، ما أصبنا بعدها بمصيبة إلّا هانت، إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ «٣» . وقد قال النّبيّ ﷺ نفسه: «يا أيّها الناس، أيّما أحد من الناس (أو من المؤمنين) أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي، عن المصيبة الّتي تصيبه بغيره،

стр. 528

فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» «١» . وقالت فاطمة- ﵂ حين دفن النّبيّ ﷺ : يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا «٢» على رسول الله ﷺ التراب «٣» ؟!! ولكن مع تعلّقهم به لم ينح عليه، فقد نهى عن النّياحة أشدّ النهي.

стр. 529

أزواجه أمّهات المؤمنين وأولاده وأسباطه ﷺ أ- أزواجه ﷺ : أولاهنّ خديجة بنت خويلد القرشيّة الأسديّة- ﵂: تزوّجها قبل النبوّة ولها أربعون سنة، وهي التي آزرته على النبوّة وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وجميع أولاده ﷺ (غير سيدنا إبراهيم) منها، وكان دائم الذّكر لها، والاعتراف بفضلها، وربّما إذا ذبح الشاة يقطعها أعضاء يبعثها في صدائق خديجة- ﵂ «١» . ثمّ تزوّج بعد موتها بأيام سودة بنت زمعة القرشيّة العامرية. ثمّ تزوّج بعدها عائشة الصّدّيقة حبيبة رسول الله ﷺ وهي أفقه نساء الأمة وأعلمهنّ، وكان الأكابر من أصحاب النّبيّ ﷺ يرجعون إلى قولها، ويستفتونها.

стр. 530

ثمّ تزوّج حفصة بنت عمر بن الخطّاب ﵄. ثمّ تزوّج زينب بنت خزيمة، وتوفّيت عنده بعد شهرين. ثمّ تزوّج أمّ سلمة هند بنت أبي أميّة حذيفة بن المغيرة القرشيّة المخزوميّة وهي آخر نسائه موتا. ثمّ تزوّج زينب بنت جحش وهي ابنة عمّته أميمة. وتزوّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقيّة ثمّ أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب ثمّ صفية بنت حييّ بن أخطب سيّد بني النّضير ومن ولد هارون بن عمران أخي نبيّ الله موسى. ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوّج بها. ولا خلاف أنّه ﷺ توفي عن تسع زوجات وهنّ من ذكرنا، غير خديجة وزينب بنت خزيمة، فقد توفّيتا في حياته ﷺ وكلّهن ثيبات غير عائشة «١» . وتوفّي عن سرّيّتين: مارية بنت شمعون القبطية المصرية أهداها إليه ﷺ المقوقس عظيم مصر، وهي أمّ ولده إبراهيم- ﵇. وريحانة بنت زيد من بني النضير «٢» أسلمت فأعتقها ثم تزوّجها «٣» . وحرّم الله زواجهنّ بعد وفاة رسول الله ﷺ لأنّهنّ أمّهات المؤمنين، وفي
следующие страницы →