المالك، وأنفع للمحتاج- يعني إعطاء الدراهم أنفع للمحتاج وتقويمها بالدراهم أسهل على المالك- ومقدار الزكاة خمسة في المائة، بينما زكاة المال في المائة اثنين ونصف، لكن هذه فيها خمسة في المائة، لأن زكاتها زكاة ثمر، وليست زكاة تجارة.
أما ما مضى من السنوات وهو لم يزكه جاهلاً فإنه يقدر الآن في نفسه كم يظن الثمرات الماضية ويخرج زكاتها الآن، وليس عليه إثم فيما سبق من تأخير الزكاة؛ لأنه جاهل بذلك، لكن لابد من أداء زكاة ما سبق.
* * *
س٣٦٣: ما نصاب الذهب والفضة؟ وما مقدار صاع النبي ﷺ بالكيلو ؟
الجواب: نصاب الذهب عشرون مثقالاً ويساوي بالجرام خمسة وثمانين جراماً.
أما النصاب الفضة فهو مائة وأربعون مثقالاً، ويساوي بدراهم الفضة السعودية ستّاً وخمسين ريالاً.
وأما مقدار صاع النبي ﷺ بالكيلو فهو كيلوان وأربعون جراماً من البر الرزين.
* * *
س٣٦٤: رجل عنده بنات قد أعطاهن حلياً ومجموع حليهن يبلغ النصاب، وحلي كل واحدة بمفردها لا يبلغ النصاب فهل يجمع الحلي جميعاً ويزكي ؟
стр. 422
الجواب: إذا كان أعطاهن هذا الحلي على سبيل العارية فالحلي ملكه ويجب عليه أن يجمعه جميعاً فإذا بلغ النصاب أدى زكاته، وإن كان أعطى بناته هذا الحلي على أنه ملك لهن فإنه لا يجب أن يجمع حلي كل واحدة إلى حلي الأخرى؛ لأن كل واحدة ملكها منفرد عن الأخرى، وعلى هذا فإن بلغ حلي الواحدة منهن نصاباً زكاه، وإلا فلا.
* * *
س٣٦٥: إذا أعطى الرجل زكاته لمن يستحقها ثم أهداها له من أخذها فهل يقبلها ؟
الجواب: إذا أعطى الرجل زكاته من يستحقها ثم أهداها له فلا بأس بذلك إذا لم يكن بينهما مواطأة، والأحوط أن لا يقبلها.
* * *
س٣٦٦: هل يجوز للإنسان أن يدفع بدلاً عن زكاة المال ثياباً ونحوها ؟
الجواب: لا يجوز ذلك.
* * *
س٣٦٧: إذا كان مع الذهب الماس ونحوه فكيف تقدر زكاته ؟
الجواب: يقدر ذلك أهل الخبرة فيذهب بها إلى تجار الذهب أو الصاغة لينظروا هل يبلغ الذهب النصاب أو لا يبلغ فإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، إلا أن يكون عندها من الذهب ما يكمل به النصاب وتقدر قيمة الذهب الذي مع الماس ثم تخرج زكاته وهي ربع العشر.
* * *
стр. 423
س ٣٦٨: ما حكم صرف الزكاة في بناء المساجد؟ ومن هو الفقير ؟
الجواب: لا يجوز صرف الزكاة إلا إلى الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله، لأن الله ذكر ذلك على سبيل الحصر بإنما فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠) ، فلا يجوز صرفها في بناء المساجد، وتعليم العلم ونحو ذلك، وأما الصدقات المستحبة فالأفضل أن تكون فيما هو أنفع.
وأما الفقير الذي يستحق من الزكاة فهو الذي لا يجد كفايته وكفاية عائلته لمدة سنة بحسب الزمان والمكان، فربما ألف ريال في زمن ومكان تعتبر غنى، وفي زمن أو مكان آخر لا تعتبر غنى، وفي زمن أو مكان آخر لا تعتبر غنى لغلاء المعيشة ونحو ذلك.
* * *
س٣٦٩: هل تجب الزكاة في السيارات المعدة للأجرة والسيارات الخاصة ؟
الجواب: السيارات التي يؤجرها الإنسان للنقل، أو السيارات الخاصة التي يستخدمها لنفسه كلها لا زكاة فيها وإنما الزكاة في أجرتها إذا بلغت نصاباً بنفسها، أو بضمها إلى دراهم أخرى عنده وتم عليها الحول، وكذلك العقارات المعدة للأجرة ليس فيها زكاة وإنما الزكاة أجرتها.
* * *
стр. 424
س ٣٧٠: ما حكم زكاة الدار المؤجرة ؟
الجواب: الدار المؤجرة إن كانت معدة للتأجير والاستغلال فإنه لا زكاة في قيمة الدار، وإنما الزكاة فيما يحصل فيها من الأجرة إذا تم عليه الحول من العقد، فإن كان لا يتم عليه الحول من العقد فلا زكاة فيه أيضاً، مثل أن يؤجر هذا البيت بعشرة آلاف مثلاً يقبض منها خمسة عند العقد فينفقها، ثم يقبض خمسة عند نصف السنة فينفقها قبل تمام السنة فإنه لا زكاة عليه حينئذ؛ لأن هذا المال لم يتم عليه الحول؛ أما إذا كانت الدار قد أعدها للتجارة وينتظر بها الربح لكنه قال ما مادامت لم تبع فإني أؤجرها، فإنه في هذه الحال تجب عليه الزكاة في قيمة الدار، وكذلك في أجرتها إذا تم عليها الحول كما تقدم، وإنما تجب عليه الزكاة في قيمة الدار حينئذ لأنه أعدها للتجارة وما أرادها للبقاء والاستغلال، وكل شيء يُراد به التجارة والتكسب فإن فيه الزكاة، لقول النبي ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرىء ما نوى)) (١) . وهذا الذي عنده أموال يريد بها التكسب إنما نوى بها قيمتها لا ذاتها، وقيمتها دراهم ونقود والدراهم والنقود تجب فيها الزكاة، وعلى هذا فيكون هذا الذي قصد بهذا البيت التجارة والاستغلال يكون واجباً عليه الزكاة في قيمة البيت وفي أجرته إذا تم عليه الحول من العقد.
стр. 425
س٣٧١: شخص اشترى أرضاً ليسكنها وبعد مضي ثلاث سنوات نواها للتجارة فهل فيما مضى زكاة ؟
الجواب: لا تجب الزكاة فيها لأنه فيما مضى من السنوات إنما أرادها للسكنى، ولكن من حين نيته الاتجار والتكسب بها فإنه ينعقد الحول، فإذا تم الحول بعد ذلك وجبت عليه الزكاة.
* * *
س ٣٧٢: ما حكم إخراج زكاة الفطر في العشر الأوائل من رمضان ؟
الجواب: زكاة الفطر أضيفت إلى الفطر؛ لأن الفطر هو سببها فإذا كان الفطر من رمضان هو سبب هذه الكفارة فإنها تتقيد به ولا تقدم عليه، ولهذا كان أفضل وقت تخرج فيه يوم العيد قبل الصلاة، ولكن يجوز أن تقدم قبل العيد بيوم أو يومين، لما في ذلك من التوسعة على المعطي والآخذ، أما ما قبل ذلك فإن الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يجوز، وعلى هذا فلها وقتان: وقت جواز وهو: قبل العيد بيوم أو يومين، ووقت فضيلة وهو: يوم العيد قبل الصلاة، أما تأخيرها إلى ما بعد الصلاة فإنه حرام، ولا تجزيء عن الفطرة، لحديث ابن عباس- رضى الله عنهما-: ((من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) (١) . إلا إذا كان الرجل جاهلاً بيوم العيد مثل أن يكون في برية ولا يعلم إلا متأخراً وما أشبه ذلك فإنه لا حرج أن يؤديها بعد صلاة العيد، وتجزيء عن الفطرة.
* * *
стр. 426
س٣٧٣: هل تجوز الزيادة في زكاة الفطر بنية الصدقة ؟
الجواب: نعم يجوز أن يزيد الإنسان في الفطرة وينوي ما زاد على الواجب صدقة، ومن هذا ما يفعله بعض الناس اليوم يكون عنده عشر فطر مثلاً ويشتري كيساً من الرز يبلغ أكثر من عشر فطر ويخرجه جميعاً عنه، وعن أهل بيته، وهذا جائز إذا كان يتيقن أن هذا الكيس بقدر ما يجب عليه فأكثر؛ لأن كيل الفطرة ليس بواجب إلا ليعلم به القدر، فإذا علمنا أن القدر محقق في هذا الكيس ودفعناه إلى الفقير فلا حرج.
* * *
س٣٧٤: يقول بعض العلماء إنه لا يجوز أداء زكاة الفطر من الرز مادامت الأصناف المنصوص عليها موجودة فما رأي فضيلتكم ؟
الجواب: قال بعض العلماء إنه إذا كانت الأصناف الخمسة وهي البر، التمر، والشعير، والزبيب، والإقط إذا كانت هذه موجودة فإن زكاة الفطر لا تجزيء عن غيرها وهذا القول مخالف تماماً لقول من قال: إنه يجوز إخراج زكاة الفطر من هذه الأصناف وغيرها حتى الدراهم فهما طرفان.
والصحيح: أنه يجزىء إخراجها من طعام الآدميين، وذلك لأن أبا سعيد الخدري- ﵁ كما ثبت عنه في صحيح البخاري يقول: ((كنا نخرجها على عهد النبي ﷺ صاعاً من طعام، وكان طعامنا التمر، والشعير، والزبيب، والأقط)) (١) . ولم يذكر
стр. 427
البر أيضاً، ولا أعلم أن البر ذكر في زكاة الفطر في حديث صحيح صريح، ولكن لاشك أن البر يجزىء، ثم حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)) (١) ، فالصحيح أن طعام الآدميين يجزىء إخراج الفطرة منه وإن لم يكن من الأصناف الخمسة التي نص عليها الفقهاء، لأن هذه الأصناف- كما سبقت الإشارة إليه- كانت أربعة منها طعام الناس في عهد النبي ﷺ ، وعلى هذا فيجوز إخراج زكاة الفطر من الأرز، بل الذي أرى أن الأرز أفضل من غيره في وقتنا الحاضر؛ لأنه أقل مئونة وأرغب عند الناس، ومع هذا فالأمور تختلف فقد يكون في البادية طائفة التمر أحب إليهم فيخرج الإنسان من التمر، وفي مكان آخر الزبيب أحب إليهم فيخرج الإنسان من الزبيب، وكذلك الأقط وغيره، فالأفضل في كل قوم ما هو أنفع لهم.
* * *
س ٣٧٥: سئل فضيلة الشيخ: من كان عنده ثلث ميت ودراهم لأيتام فهل فيها زكاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الثلث الذي للميت فلا زكاة فيه لأنه ليس له مالك، وإنما هو معد لوجوه الخير، وأما الدراهم التي للأيتام فتجب فيها الزكاة فيخرجها الولي عنهم؛ لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الزكاة لا يشترط فيها بلوغ ولا عقل؛ لأن الزكاة واجبة في المال.
* * *
стр. 428
س ٣٧٦: هل على السيارات الخاصة زكاة ؟
الجواب: ليس عليها زكاة، وكل شيء يستعمله الإنسان لنفسه ما عدا حلي الذهب والفضة فليس فيه زكاة سواء سيارة، أو بعير، أو ماكينة فلاحة، أو غير ذلك لقول النبي ﵊ ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) (١) .
* * *
س٣٧٧: إذا أعطى الإنسان زكاته لمستحقها فهل يخبره أنها زكاة ؟
الجواب: إذا أعطى الإنسان زكاته إلى مستحقها فإن كان هذا المستحق يرفض الزكاة ولا يقبلها فإنه يجب على صاحب الزكاة أن يخبره بأنها زكاة، وليكون على بصيرة من أمره إن شاء رفض، وإن شاء قبل، وإذا كان من عادته أن يأخذ الزكاة فإن الذي ينبغي أن لا يخبره؛ لأن إخباره بأنها زكاة فيه نوع من المنة، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) (البقرة: الآية٢٦٤) .
* * *
س ٣٧٨: ما حكم نقل الزكاة من مكان وجوبها ؟
الجواب: يجوز للإنسان أن ينقل زكاته من بلده إلى بلد آخر إذا كان في ذلك مصلحة، فإذا كان للإنسان أقارب مستحقون للزكاة في بلد آخر غير بلده وبعث بها إليهم فلا بأس بذلك،
стр. 429
وكذلك لو كان مستوى المعيشة في البلد مرتفعاً وبعث بها الإنسان إلى بلدٍ أهله أكثر فقراً فإن ذلك أيضاً لا بأس به، أما إذا لم يكن هناك مصلحة في نقل الزكاة من بلد إلى البلد الثاني فلا تنقل.
* * *
س٣٧٩: من كان في مكة وعائلته في الرياض فهل يخرج زكاة الفطر عنهم في مكة ؟
الجواب: يجوز للإنسان أن يدفع زكاة الفطر عن عائلته إذا لم يكونوا معه في البلاد، فإذا كان هو في مكة وهم في الرياض جاز أن يدفع زكاة الفطر عنهم في مكة، ولكن الأفضل أن يزكي الإنسان زكاة الفطر في المكان الذي أدركه وقت الدفع وهو فيه فإذا أدرك الإنسان وقت الدفع وهو في مكة فيدفعها في مكة، وإن كان في الرياض يدفعها في الرياض، وإذا كان بعض العائلة في مكة وبعضهم في الرياض، فالذين في الرياض يدفعونها في الرياض، والذين في مكة يدفعونها في مكة؛ لأن زكاة الفطر تتبع البدن.
* * *
س٣٨٠: هل الأفضل أن يعطي المدين الزكاة ليقضي دينه أو يذهب صاحب الزكاة إلى دائنه ويوفي عنه ؟
الجواب: هذا يختلف فإن كان هذا الرجل المدين حريصاً على وفاء دينه وإبراء ذمته، وهو أمين فيما يعطى لوفاء الدين فإننا نعطيه هو بنفسه ليقضي دينه؛ لأن هذا أستر له، وأبعد عن تخجيله أمام الناس الذين يطلبونه.
أما إذا كان المدين رجلاً مبذراً يفسد الأموال، ولو أعطيناه
стр. 430
مالاً ليقضي دينه ذهب يشتري به أشياء لا ضرورة لها، فإننا لا نعطيه وإنما نذهب نحن إلى دائنة، ونقول له ما دين فلان لك؟ ثم نعطيه هذا الدين أو بعضه حسبما يتيسر.
* * *
س٣٨١: هل كل من مد يده للزكاة يستحقها ؟
الجواب: ليس كل من مد يده للزكاة يستحقها لأن من الناس من يمد يده للمال وهو غني، وهذا النوع من الناس يأتي يوم القيامة وليس في وجهة مزعة لحم - العياذ بالله - وقال النبي ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقلل أو ليستكثر)) (١) .
وبهذه المناسبة أحذر أولئك القوم الذين يسألون الناس إلحافاً وهم في غنى، بل أحذر كل شخص يقبل الزكاة وهو ليس أهلاً لها وأٌقول له: إنك إذا أخذت الزكاة وأنت لست أهلاً لها فإنما تأكل سحتاً - والعياذ باله - فعلى المرء أن يتقى الله، وقد قال النبي ﷺ ((من يستغني يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله)) (٢) . ولكن إذا مد إليك رجل يده وغلب على ظنك أنه أهل فأعطيته فإن الزكاة تجزىء، وتبرأ بها ذمتك، ولو تبين بعد ذلك أنه ليس بأهل فلا إعادة للزكاة، والدليل على ذلك قصة الرجل الذي تصدق بمال فتصدق
стр. 431
أولاً على امرأة زانية فأصبح الناس يتحدثون تُصدق الليلة على زانية فقال: الحمد لله، ثم تصدق الليلة الثانية، فوقعت الصدقة في يد سارق، فاصبح الناس يتحدثون، تُصدق الليلة على سارق، ثم تصدق الليلة الثالثة على غني، فأصبح الناس يتحدثون تُصدق الليلة على غني، فقال: الحمد لله، على زانية، وسارق، وغني، فقيل له: إن صدقتك قد قبلت، أما الزانية فلعلها أن تستعف بما أعطيتها عن الزنا، وأما السارق فلعله أن يستغني فيكف عن السرقة، وأما الغني فلعله أن يعتبر فيتصدق (١) ، فانظر يا أخي إلى النية الصادقة كيف تكون آثارها، إذا فإذا أعطيت الذي سألك وتبين أنه غني وقد أعطيته وأنت تظن أنه فقير فإنه لا يلزمك إعادة الزكاة.
* * *
س٣٨٢: رجل غني أرسل زكاته لشخص وقال فرقها على نظرك فهل يكون هذا الوكيل من العاملين على الزكاة ويستحق منها ؟
الجواب: ليس هذا الوكيل من العاملين عليها، ولا يستحق منها؛ لأن هذا وكيل خاص لشخص خاص، وهذا هو السر والله أعلم في التعبير القرآني حيث قال: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) لأن ((على)) تفيد نوعاً من الولاية كأن العاملين ضمنت معنى القائمين، ولهذا صار الذي يتولى صرف الزكاة نيابة عن شخص معين لا يعد من العاملين عليها.
* * *
стр. 432
س٣٨٣: شخص ضعيف الإيمان هل يعطى لتقوية إيمانه وإن لم يكن سيداً في قومه ؟
الجواب: هذه المسألة محل خلاف بين العلماء والراجح عندي أنه لا بأس أن يعطى لتأليفه على الإسلام بتقوية إيمانه، وإن كان يعطى بصفة شخصية وليس سيداً في قومه لقوله تعالى (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) ولأنه إذا جاز أن نعطي الفقير لحاجته البدنية الجسمية، فإعطاؤنا هذا الضعيف الإيمان لتقوية إيمانه من باب أولى؛ لأن تقوية الإيمان بالنسبة للشخص أهم من غذاء الجسد.
* * *
س٣٨٤: ما حكم إعطاء الزكاة لطالب العلم ؟
الجواب: طالب العلم المتفرغ لطلب العلم الشرعي وإن كان قادراً على التكسب يجوز أن يعطى من الزكاة، لأن طالب العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله، والله ﵎ جعل الجهاد في سبيل الله جهة استحقاق في الزكاة فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
أما إذا كان الطالب متفرغاً لطلب علم دنيوي فإنه لا يعطى من الزكاة، ونقول له: أنت الآن تعمل للدنيا، ويمكنك أن تكتسب من الدنيا بالوظيفة فلا نعطيك من الزكاة، ولكن لو وجدنا شخصاً يستطيع أن يكتسب للأكل، والشرب، والسكنى، لكنه
стр. 433
يحتاج إلى الزواج وليس عنده ما يتزوج به فهل يجوز أن نزوجه من الزكاة؟ الجواب: نعم يجوز أن نزوجه من الزكاة، ويعطى المهر كاملاً فإن قيل: ما وجه كونه تزويج الفقير من الزكاة جائزاً ولو كان الذي يعطى إياه كثيراً؟
قلنا لأن حاجة الإنسان إلى الزواج ملحة قد تكون في بعض الأحيان كحاجته إلى الأكل والشرب، ولذلك قال أهل العلم إنه يجب على من تلزمه نفقة شخص أن يزوجه إن كان ماله يتسع لذلك، فيجب على الأب أن يزوج ابنه إذا احتاج الابن للزواج ولم يكن عنده ما يتزوج به، لكن سمعت أن بعض الآباء الذين نسوا حالهم حال الشباب إذا طلب ابنه منه الزواج، قال له تزوج من عرق جبينك. وهذا غير جائز، وحرام عليه إذا كان قادراً على تزويجه، وسوف يخاصمه ابنه يوم القيامة إذا لم يزوجه مع قدرته على تزويجه.
وهنا مسألة: لو كان لرجل عدة أبناء منهم الذي بلغ سن الزواج فزوجه، ومنهم الصغير، فهل يجوز لهذا الرجل أن يوصي بشيء من ماله مهراً للأبناء الصغار لأنه أعطى أبناءه الكبار؟
الجواب: لا يجوز للرجل إذا زوج أبناءه الكبار أن يوصي بالمهر لأبنائه الصغار، ولكن يجب عليه إذا بلغ أحد من أبنائه سن الزواج أن يزوجه كما زوج الأول، أما أن يوصي له بعد الموت فإن هذا حرام ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث (١)
* * *
стр. 434
س٣٨٥: هل يجوز دفع الزكاة للمجاهدين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: "إن الله جعل من أصناف أهل الزكاة المجاهدين في سبيل الله، فالمجاهدون في سبيل الله يجوز أن نعطيهم من الزكاة، ولكن من المجاهد في سبيل الله؟ المجاهد في سبيل الله بيّنه رسول الله ﷺ حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فأعطانا نبي الله ﷺ ميزاناً قيماً قسطاً فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) (١) فكل من قاتل لهذا الغرض لإعلاء كلمة الله، وتحكيم شريعة الله، وإحلال دين الله تعالى في بلاد الكفار فإنه في سبيل الله، يعطي من الزكاة، أما أن يعطى دراهم يستعين بها على الجهاد، وإما أن تشترى معدات لتجهيز الغزاة.
* * *
س٣٨٦: هل صرف الزكاة في بناء المساجد ينطبق عليه قوله تعالى في شأن أهل الزكاة؟ (وَفِي سَبِيلِ اللَّه) ؟
الجواب: إن بناء المساجد لا يدخل في ضمن قوله تعالى (وَفِي سَبِيلِ اللَّه) . لأن الذي فسرها به المفسرون أن المراد في سبيل الله هو الجهاد في سبيل الله؛ ولأننا لو قلنا: إن المراد في سبيل الله جميع وجوه الخير لم يكن للحصر في قوله (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) فائدة، والحصر كما هو معلوم إثبات الحكم في المذكور
стр. 435
ونفيه عن ما عداه، فإذا قلنا: إن (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعنى جميع طرق الخير فإن الآية تبقى غير ذات فائدة بالنسبة لتصديرها بإنما الدالة على الحصر، ثم إن في جواز صرف الزكاة لبناء المساجد، وطرق الخير الأخرى تعطيل للخير؛ لأن كثيراً من الناس يغلب عليهم الشح، فإذا رأوا أن بناء المساجد، وأن طرق الخير يمكن أن تنقل الزكاة إليها نقلوا زكاتهم إليها، وبقي الفقراء والمساكين في حاجة دائمة
* * *
س٣٨٧: ما حكم دفع الزكاة للأقارب ؟
الجواب: القاعدة في ذلك أن كل قريب تحب نفقته على المزكي فإنه لا يجوز أن يدفع إليه من الزكاة ما يكون سبباً لرفع النفقة عنه، أما إذا كان القريب لا تجب نفقته كالأخ إذا كان له أبناء، فإن الأخ إذا كان له أبناء فلا يجب على أخيه نفقته نظراً لعدم التوارث لوجود الأبناء، وفي هذه الحال يجوز دفع الزكاة إلى الأخ إذا كان من أهل الزكاة، كذلك أيضاً لو كان للإنسان أقارب لا يحتاجون الزكاة في النفقة لكن عليهم ديون فيجوز قضاء ديونهم ولو كان القريب أباً، أو أبناً أو بنتاً، أو أماً ما دام هذا الدين الذي وجب عليهم ليس سببه التقصير في النفقة.
مثال ذلك: رجل حصل على ابنه حادث وألزم بغرامة السيارة التي أصابها، وليس عنده مال فيجوز للأب أن يدفع الغرم سببه النفقة، بل إنما وجب لأمر لا يتعلق بالإنفاق، وهكذا كل من
стр. 436
دفع زكاة إلى قريب لا يجب عليه أن يدفعه بدون سبب الزكاة فإن ذلك جائز من الزكاة.
* * *
س٣٨٨: هل الصدقات والزكوات مختصة برمضان ؟
الجواب: ليست مختصة بشهر رمضان، بل هي مستحبة ومشروعة في كل وقت، والزكاة يجب على الإنسان أن يخرجها إذا تم حول ماله ولا ينتظر رمضان، اللهم إلا إذا كان رمضان قريباً مثل أن يكون حوله في شعبان فينتظر رمضان فهذا لا بأس به، أما لو كان حول زكاته في محرم مثلاً فإنه لا يجوز له أن يؤخرها إلى رمضان، لكن يجوز له أن يقدمها في رمضان قبل محرم ولا حرج، وأما تأخيرها عن وقت وجوبها فإن هذا لا يجوز، لأن الواجبات المقيدة بسبب يجب أن تؤدى عند وجود سببها ولا يجوز تأخيرها عنه. ثم إن المرء ليس عنده ضمان إذا أخر الزكاة عن وقتها ليس عنده ضمان أن يبقى إلى الوقت الذي أخرها إليه فقد يموت وحينئذ تبقى الزكاة في ذمته، وقد لا يخرجها الورثة قد لا يعلمون أنها عليه إلى غير ذلك من الأسباب التي يخشى على المرء إذا تهاون في إخراج زكاته أن تكون عائقاً عن إخراج زكاته.
أما الصدقة: فالصدقة ليس لها وقت معين، فكل أيام العام وقت لها، ولكن الناس يختارون أن تكون صدقاتهم وزكاتهم في رمضان، لأنه وقت فاضل، وقت الجود والكرم، وكان النبي ﷺ أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، ولكن يجب أن نعرف أن فضيلة الزكاة أو الصدقة في
стр. 437
رمضان فضيلة تتعلق بالوقت، فإذا لم يكن هناك فضيلة أخرى تربو عليها ففي هذا الزمن أفضل من غيره، أما إذا كان هناك فضيلة أخرى تربو على فضيلة الوقت مثل أن يكون الفقراء أشد حاجة في وقت آخر- أي غير رمضان - فإنه لا ينبغي أن يؤخرها إلى رمضان، بل الذي ينبغي أن ينظر إلى الوقت والزمن الذي يكون فيه أنفع للفقراء فيخرج الصدقة في ذلك الزمن، والغالب أن الفقراء في غير رمضان أحوج منهم في رمضان؛ لأن رمضان تكثر فيه الصدقات والزكوات فتجد الفقراء فيه مكتفين مستغنين بما يعطون، لكنهم يفتقرون افتقاراً شديداً في بقية أيام السنة، فهذه المسألة ينبغي أن يلاحظها المرء، وأن لا يجعل فضل الزمن مقدماً على كل فضل.
* * *
س٣٨٩: هل الصدقة الجارية ما أخرجه الإنسان في حياته أم ما تصدق به أهله عنه من بعده ؟
الجواب: الظاهر أن قوله ﷺ ((إلا من صدقة جارية)) (١) يعني من الميت نفسه وليس مما يجعله أولاده له من بعده، لأن ما يكون من الولد بيّنه الرسول ﵊ بقوله: ((ولد صالح يدعو له)) . فالميت إذا كان قد أوصى بشيء يكون صدقة جارية، أو أوقف شيئاً يكون صدقة جارية فإنه ينتفع به بعد موته وكذلك العلم فإنه من كسبه، وكذلك الولد إذا دعا له، ولهذا لو قيل لنا: هل الأفضل أن أصلي ركعتين للوالد، أو أن أصلي ركعتين لنفسي وأدعو للوالد فيهما؟ قلنا: الأفضل أن تصلي ركعتين لك، وتدعو للوالد فيهما؛
стр. 438
لأن هذا هو ما أرشد إليه النبي ﷺ ، حيث قال: ((أو ولد صالح يدعو له)) ولم يقل يصلي له، أو يعمل عملاً آخر.
* * *
س٣٩٠: هل يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها لنفسها أو لأحد من أمواتها ؟
الجواب: من المعلوم أن مال الزوج للزوج، ولا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد إلا بإذنه، فإذا أذن الزوج لها أن تتصدق به لنفسها، أو لمن شاءت من أمواتها فلا حرج عليها، فإن لم يأذن فإنه لا يحل له أن تتصدق بشيء لأنه ماله ولا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه.
* * *
س ٣٩١: رجل فقير يأخذ الزكاة من صاحبه الغني بحجة أنه سيوزعها ثم يأخذها هو فما الحكم في هذا العمل ؟
الجواب: هذا محرم عليه وهو خلاف الأمانة، لأن صاحبه يعطيه على أنه وكيل يدفعه لغيره، وهو يأخذه لنفسه، وقد ذكر أهل العلم أن الوكيل لا يجوز أن يتصرف فيما وكّل فيه لنفسه، وعلى هذا فإن الواجب على هذا الشخص أن يبين لصاحبه أن ما كان يأخذه من قبل كان يصرفه لنفسه، فإن أجازه فذاك، وإن لم يجزه فإن عليه الضمان- أي يضمن ما أخذ لنفسه ليؤدي به الزكاة عن صاحبه-.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى مسألة يفعلها بعض الناس الجهال وهي: أنه يكون فقيراً فيأخذ الزكاة، ثم يغنيه الله فيعطيه الناس على أنه لم يزل فقيراً، ثم يأخذها، فمن الناس من يأخذها
стр. 439
ويأكلها ويقول: أنا ما سألت الناس، وهذا رزق ساقه الله إلي، وهذا محرم؛ لأن من أغناه الله تعالى حرم عليه أن يأخذ شيئاً من الزكاة.
ومن الناس من يأخذها ثم يعطيها غيره بدون أن يوكله صاحب الزكاة وهذا أيضاً محرم ولا يحل له أن يتصرف هذا التصرف وإن كان دون الأول، لكنه محرم عليه أن يفعل هذا، ويجب عليه ضمان الزكاة لصاحبه إذا لم يأذن له ولم يجز تصرفه.
* * *
стр. 440
فتاوى الصيام
стр. 441
س ٣٩٢: ما الحكمة من إيجاب الصوم ؟
الجواب: إذا قرأنا قول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) عرفنا ما هي الحكمة من إيجاب الصوم وهي التقوى والتعبُد لله ، والتقوى هي ترك المحارم؛ وهي عند الإطلاق تشمل فعل المأمور به، وترك المحظور، وقد قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)) (١) . وعلى هذا يتأكد على الصائم القيام بالواجبات وكذلك اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال، فلا يغتاب الناس ولا يكذب، ولا ينمّ بينهم، ولا يبيع بيعاً محرماً، ويتجنب جميع المحرمات، وإذا فعل الإنسان ذلك في شهر كامل فإن نفسه سوف تستقيم بقية العام.
ولكن المؤسف أن كثيراً من الصائمين لا يفرقون بين يوم صومهم ويوم فطرهم، فهم على العادة التي هم عليها من ترك الواجبات، وفعل المحرمات، ولا تشعر أن عليه وقار الصوم وهذه الأفعال لا تبطل الصوم، ولكن تنقص من أجره، وربما عند المعادلة ترجح على أجر الصوم فيضيع ثوابه.
* * *
س٣٩٣: هناك من ينادي بربط المطالع كلها بمطالع مكة حرصاً على وحدة الأمة في دخول شهر رمضان المبارك وغيره فما رأي فضيلتكم ؟
стр. 442
الجواب: هذا من الناحية الفلكية مستحيل، لأن مطالع الهلال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا العلم، وإذا كانت تختلف فإن مقتضى الدليل الأثري والنظري أن يجعل لكل بلد حكمه.
أما الدليل الأثري فقال الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: ١٨٥) . فإذا قدر أن أناساً في أٌقصى الأرض ما شهدوا الشهر - أي الهلال- وأهل مكة شهدوا الهلال فكيف يتوجه الخطاب في هذه الآية إلى من لم يشهدوا الشهر؟! وقال النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) (١) متفق عليه، فإذا رآه أهل مكة مثلاً فكيف نلزم أهل باكستان ومن وراءهم من الشرقيين بأن يصوموا، مع أننا نعلم أن الهلال لم يطلع في أفقهم، والنبي ﷺ علق ذلك بالرؤية.
أما الدليل النظري فهو القياس الصحيح الذي لا تمكن معارضته، فنحن نعلم أن الفجر يطلع في الجهة الشرقية من الأرض قبل الجهة الغربية، فإذا طلع الفجر على الجهة الشرقية، فهل يلزمنا أن نمسك ونحن في ليل؟ الجواب لا. وإذا غربت الشمس في الجهة الشرقية ولكننا نحن في النهار فهل يجوز لنا أن نفطر؟
الجواب: لا. إذن الهلال كالشمس تماماً، فالهلال توقيته توقيت شهري، والشمس توقيتها توقيت يومي. والذي قال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ
стр. 443
أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة: ١٨٧) هو الذي قال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فمقتضى الدليل الأثري والنظري أن نجعل لكم مكان حكماً خاصًا به فيما يتعلق بالصوم والفطر، ويربط ذلك بالعلامة الحسية التي جعلها الله في كتابه وجعلها نبيه محمد ﷺ في سنته ألا وهو شهود القمر، وشهود الشمس أو الفجر.
* * *
س٣٩٤: إذا انتقل الصائم من بلد إلى بلد وأعلن في البلد الأول رؤية هلال شوال فهل يفطر تبعاً لهم علماً بأن البلد الثاني لم ير فيه هلال شوال ؟
الجواب: إذا انتقل الإنسان من بلد إسلامي إلي بلد إسلامي وتأخر إفطار البلد الذي انتقل إليه فإنه يبقى معهم حتى يفطروا؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وهذا وإن زاد عليه يوماً أو أكثر فهو كما لو سافر إلى بلد آخر يتأخر فيه غروب الشمس، فإنه قد يزيد على اليوم المعتاد ساعتين، أو ثلاثاً، أو أكثر، ولأنه إذا انتقل إلى البلد الثاني فإن الهلال لم ير فيه، وقد أمر النبي ﵊ أن لا نصوم إلا لرؤيته وكذلك قال
стр. 444
((لرؤيته)) (١) . وأما العكس مثل أن ينتقل من بلد تأخر ثبوت الشهر عنده إلى بلد تقدم فيه ثبوت الشهر فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته من رمضان، إن فاته يوم قضي يوماً، وإن فاته يومان قضى يومين، وقلنا يقضي في الثانية لأن الشهر لا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرين يوماً، أو يزيد على الثلاثين يوماً، وقلنا له أفطر وإن لم تتم تسعة وعشرين يوماً؛ لأن الهلال رؤي، فإذا رؤي فلابد من الفطر، ولما كنت ناقصاً عن تسعة وعشرين؛ لأن الشهر لا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرون يوماً لزمك أن تتم تسعة وعشرين بخلاف المسألة الأولى فإنك لا تفطر حتى يُرَ الهلال، فإن لم ير فإنك لا تزال في رمضان، فكيف تفطر فلزمك الصيام وإن زاد عليك الشهر فهو كزيادة الساعات في اليوم.
* * *
س٣٩٥: ما رأي فضيلتكم فيمن عمله شاق ويصعب عليه الصيام هل يجوز له الفطر ؟
الجواب: الذي أرى في هذه المسألة أن إفطاره من أجل العمل محرم ولا يجوز، وإذا كان لا يمكن الجمع بين العمل والصوم فليأخذ إجازة في رمضان حتى يتسنى له أن يصوم في رمضان؛ لأن صيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يجوز الإخلال به.
* * *
стр. 445
س٣٩٦: فتاة صغيرة حاضت وكانت تصوم أيام الحيض جهلاً فماذا يجب عليها ؟
الجواب: يجب عليها أن تقضي الصيام الذي كانت تصومه في أيام حيضها، لأن الصيام في أيام الحيض لا يُقبل ولا يصح ولو كانت جاهلة؛ لأن القضاء لا حد لوقته.
وهنا مسألة عكس هذه المسألة: امرأة جاءها الحيض وهي صغيرة، فاستحيت أن تخبر أهلها فكانت لا تصوم فهذه يجب عليها قضاء الشهر الذي لم تصمه لأن المرأة إذا حاضت صارت مكلفة؛ لأن الحيض إحدى علامات البلوغ.
* * *
س٣٩٧: رجل ترك الصيام رمضان من أجل كسب عيشه وعيش من تحته من الذرية فما الحكم ؟
الجواب أنه كما جاز للمريض أن يفطر فإنه يجوز لمن لا يستطيع العيش إلا بالإفطار أن يفطر، فهذا متأول ويقضي رمضان إن كان حيّاً أو يصام عنه إن كان ميتاً، فإن لم يصم عنه وليه فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين.
أما إذا تركه بغير تأويل فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم، أن كل عبادة مؤقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها بلا عذر فإنها لا تقبل منه، وإنما يكتفي منه بالعمل الصالح، وكثرة النوافل والاستغفار، ودليل ذلك قول النبي ﷺ فيما صح عنه ((من
стр. 446
عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (١) فكما أن العبادة المؤقتة لا تفعل قبل وقتها، فكذلك لا تفعل بعد وقتها، أما إذا كان هناك عذر كالجهل والنسيان فإن النبي ﷺ قال في النسيان: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (٢) مع أن الجهل يحتاج إلى تفصيل وليس هذا موضع ذكره.: هذا الرجل الذي ترك صيام شهر رمضان بحجة أنه يكتسب العيش له ولأولاده، وإذا كان فعل ذلك متأولاًً يظن
* * *
س٣٩٨: ما الأعذار المبيحة للفطر ؟
الجواب: الأعذار المبيحة للفطر: المرض، والسفر، كما جاء في القرآن، ومن الأعذار أيضاً أن تكون المرأة حاملاً تخاف على نفسها أو على جنينها ومن الأعذار أيضاً أن تكون المرأة مرضعاً تخاف إذا صامت على نفسها أو على رضيعها، ومن الأعذار أيضاً أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ معصوم من هلكة، مثل: أن يجد غريقاً في البحر، أو شخصاً بين أماكن محيطة به فيها نار فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر فله حينئذ أن يفطر وينقذه، ومن ذلك أيضاً إذا احتاج الإنسان إلى الفطر للتقوى على الجهاد في سبيل الله، فإن ذلك من أسباب إباحة الفطر له، لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في غزوة الفتح: ((إنكم لاقوا العدو غداً، والفطر أقوى لكم فأفطروا)) (٣) فإذا وجد السبب المبيح للفطر وأفطر الإنسان به فإنه لا يلزمه الإمساك
стр. 447
بقية ذلك اليوم، فإذا قدر أن شخصاً قد أفطر إنقاذ معصوم من هلكة فإنه يستمر مفطراً ولو بعد إنقاذه، لأنه أفطر بسبب يبيح له الفطر فلا يلزمه الإمساك حينئذ لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر، ولهذا نقول بالقول الراجح في هذه المسألة: أن المريض لو برئ في أثناء النهار وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو قدم المسافر أثناء النهار إلى بلده وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو طهرت الحائض في أثناء النهار فإنه لا يلزمها الإمساك؛ لأن هؤلاء كلهم أفطروا بسبب مبيح للفطر، فكان ذلك اليوم في حقهم ليس له حرمة صيام، لإباحة الشرع الإفطار فيه فلا يلزمهم الإمساك، وهذا بخلاف ما إذا ثبت دخول شهر رمضان في أثناء النهار فإنه يلزم إمساك حينئذ، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه إذا قامت البينة في أثناء النهار فقد ثبت أن الإمساك في هذا اليوم واجب عليهم، لكنهم معذورون قبل قيام البينة بالجهل.
ولهذا لو كانوا عالمين بأن هذا اليوم من رمضان لزمهم الإمساك، أما أولئك القوم الآخرون الذين أشرنا إليهم فقد أبيح لهم الفطر مع علمهم، فكان بينهما فرق ظاهر.
* * *
س٣٩٩: رجل نام الليلة الأولى من رمضان قبل أن يثبت الشهر، ولم يبيت نية الصوم وعلم بعد أن طلع الفجر أن اليوم من رمضان فما العمل في مثل هذه الحال؟ وهل يقضي ذلك اليوم ؟
الجواب: هذا الرجل الذي نام أول ليلة من رمضان قبل أن
стр. 448
يثبت الشهر، ولم يبيت نية الصوم، ثم استيقظ وعلم بعد أن طلع الفجر بأن اليوم من رمضان فإنه إذا علم يجب عليه الإمساك ويجب عليه القضاء عند جمهور أهل العلم، ولم يخالف في ذلك فيما أعلم إلا شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ فإنه قال: إن النية تتبع العلم وهذا لم يعلم، فهو معذور، فهو لم يترك تبييت النية بعد علمه، ولكنه كان جاهلاً، والجاهل معذور، وعلى هذا فإذا أمسك من حين علمه فصومه صحيح، ولا قضاء عليه على هذا القول.
وأما جمهور العلماء فقد قالوا إنه يلزمه الإمساك، ويلزمه القضاء، وعللوا ذلك بأنه فاته جزءٌ من اليوم بلا نية.
والذي أرى أن الاحتياط في حقه أن يقضي ذلك اليوم.
* * *
س٤٠٠: إذا أفطر الإنسان لعذر وزال العذر في أثناء النهار فهل يمسك بقية يومه ؟
الجواب: لا يلزمه الإمساك، وذلك أن هذا الرجل استباح هذا اليوم بدليل من الشرع، فالشرع يبيح للمضطر إلى تناول الدواء مثلاً أن يتناوله، لكن إذا تناوله أفطر، إذاً حرمة اليوم غير ثابتة في حقه لأنه أبيح له أن يفطر لكن عليه القضاء، وإلزامنا إياه أن يمسك بدون فائدة له شرعاً لا يستقيم، فما دام هذا الرجل لا ينتفع بالإمساك فلا نلزمه به.
مثل ذلك: رجل رأى غريقاً في الماء، وقال: إن شربت أمكنني إنقاذه وإن لم أشرب لم أتمكن من إنقاذه، فيشرب وينقذه، ويأكل ويشرب بقية يومه، لأن هذا الرجل لم يكن هذا اليوم محترماً
стр. 449
في حقه حيث استباحه بمقتضى الشرع، فلا يلزمه الإمساك، ولهذا لو كان هناك شخص مريض هل نقول لهذا المريض: لا تأكل إلا إذا جعت ولا تشرب لا إذا عطشت؟ بمعنى لا تأكل ولا تشرب إلا بقدر الضرورة، لا نقول له هذا، لأن المريض قد أبيح له الفطر، فكل من أفطر في رمضان بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يلزمه الإمساك والعكس بالعكس فمن أفطر لغير عذر لزمه الإمساك؛ لأنه لا يحل له أن يفطر، وقد انتهك حرمة اليوم بدون إذن من الشرع، فنلزمه بالبقاء على الإمساك والقضاء. والله أعلم.
* * *
س٤٠١: امرأة مصابة بجلطة ومنعها الأطباء من الصيام فما الحكم ؟
الجواب: قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) . وإذا كان الإنسان مريضاً مرضاً لا يُرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، وكيفية الإطعام: أن يوزع عليهم طعاماً من الرز، ويحسن أن يكون معه ما يؤدمه من اللحم أو غيره، أو يدعو مساكين إلى العشاء، أو إلى الغداء فيعشيهم، أو يغديهم، هذا هو حكم المريض مرضاً لا يُرجى برؤه، وهذه المرأة المصابة بما ذكره السائل من هذا النوع، فيجب عليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً.
* * *
стр. 450
س٤٠٢: متى وكيف تكون صلاة المسافر وصومه (١) ؟
الجواب: صلاة المسافر ركعتان من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، لقول عائشة - رضى الله عنها -: ((أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر)) ، وفي رواية: ((وزيد في صلاة الحضر)) (٢) ، وقال أنس بن مالك - رضى الله عنه -: ((خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة)) (٣) .
لكن إذا صلى مع إمام يتم صلّى أربعاً، سواء أدرك الصلاة من أولها أم فاته شيء منها؛ لعموم قول النبي ﷺ : ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٤) فعموم قوله: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) يشمل المسافرين الذين يصلون وراء الإمام الذي يصلي أربعاً وغيرهم. وسئل ابن عباس ﵄ ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: " تلك السنة".
ولا تسقط صلاة الجماعة عن المسافر، لأن الله تعالى أمر بها في
стр. 451
حال القتال: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (النساء: ١٠٢) . وعلى هذا فإذا كان المسافر في بلد غير بلده وجب عليه أن يحضر الجماعة في المسجد إذا سمع النداء، إلا أن يكون بعيداً، أو يخاف فوت رفقته، لعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة على من سمع النداء، أو الإقامة.
أما التطوع بالنوافل فإن المسافر يصلي جميع النوافل سوى راتبة الظهر، والمغرب، والعشاء، فيصلي الوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضحى، وراتبة الفجر، وغير ذلك من النوافل غير الرواتب المستثناة.
أما الجمع: فإن كان سائراً فالأفضل له أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم، وإما جمع تأخير حسب الأيسر له، وكل ما كان أيسر فهو أفضل.
وإن كان نازلاً فالأفضل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس؛ لصحة الأمرين عن رسول الله ﷺ .
وأما صوم المسافر في رمضان فالأفضل الصوم، وإن أفطر فلا بأس، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، إلا أن يكون الفطر أسهل له فالفطر أفضل؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، والحمد لله رب العالمين.
* * *
стр. 452
س٤٠٣: ما حكم صوم المسافر مع المشقة ؟
الجواب: إذا شق عليه الصوم مشقة محتملة فهو مكروه؛ لأن النبي ﷺ رأى رجلاً قد ضلل عليه، والناس حوله زحام فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: صائم، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:: ((ليس من البر الصيام في السفر)) (١) .
وأما إذا شق عليه مشقة شديدة فإن الواجب عليه الفطر لأن الرسول ﷺ لما شكا إليه الناس أنهم قد شق عليهم الصيام أفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)) (٢) .
وأما من لا يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم اقتداءً بالرسول ﷺ حيث كان يصوم، كما قال أبو الدرداء ﵁: ((كنا مع رسول الله ﷺ في رمضان في حر شديد، وما منّا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة)) (٣) .
* * *
س٤٠٤: ما حكم صوم المسافر مع أن الصوم لا يشق على الصائم في الوقت الحاضر لتوفر وسائل المواصلات الحديثة ؟
الجواب: المسافر له أن يصوم وله أن يفطر لقوله تعالى
стр. 453
(وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) (البقرة: الآية١٨٥) وكان الصحابة ﵃ يسافرون مع النبي ﷺ فمنهم الصائم، ومنهم المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم وكان النبي ﷺ يصوم في السفر، قال أبو الدرداء ﵁: ((سافرنا مع النبي ﷺ في حر شديد، وما منا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة)) (١) .
والقاعدة في المسافر أنه يخير بين الصيام والإفطار، ولكن إن كان الصوم لا يشق عليه فهو أفضل؛ لأن فيه ثلاث فوائد:
الأولى: الإقتداء برسول الله ﷺ .
والثانية: السهولة، سهولة الصوم على الإنسان؛ لأن الإنسان إذا صام مع الناس كان أسهل عليه.
والفائدة الثالثة: سرعة إبراء ذمته.
فإن كان يشق عليه فإنه لا يصوم، وليس من البر الصيام في السفر في مثل هذه الحال، لأن الرسول ﵊ رأى رجلاً قد ظلل عليه وحوله زحام فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) (٢) فينزل هذا العموم على من كان في مثل حال هذا الرجل يشق عليه الصوم.
وعلى هذا نقول: السفر في الوقت الحاضر سهل- كما قال السائل- لا يشق الصوم فيه غالباً، فإذا كان لا يشق الصوم فيه فإن الأفضل أن يصوم.
* * *
стр. 454
س ٤٠٥: المسافر إذا وصل إلى مكة صائماً فهل يفطر ليتقوى على أداء العمرة ؟
الجواب: نقول إن النبي صلى الله عيه وسلم دخل مكة في العشرين من رمضان من عام الفتح، وكان ﵊ مفطراً، وكان يصلي ركعتين في أهل مكة ويقول لهم: ((يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر)) (١) وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان مفطراً بقية الشهر، لأنه كان مسافراً، فلا ينقطع سفر المعتمر بوصوله إلى مكة، ولا يلزمه الإمساك إذا قدم مفطراً، وقد يكون بعض الناس مستمّراً في صيامه حتى في السفر، نظراً إلى أن الصيام في السفر في الوقت الحاضر ليس بشاق على الأمة، فيستمر في صيامه في سفره، ثم يقدم مكة ويكون متعباً، فيقول في نفسه هل أستمر على صيامي، وأؤجل العمرة إلى ما بعد الفطر، أم أفطر لأجل أن أؤدي العمرة فور وصولي إلى مكة؟
فنقول له في هذه الحال: الأفضل أن تفطر لأجل أن تؤدي العمرة فور وصولك إلى مكة وأنت نشيط؛ لأن السنة لمن قدم مكة لأداء نسك أن يبادر فوراً لأداء هذا النسك، فإن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة وهو في نسك بادر إلى المسجد، حتى كان ينيخ راحلته عند المسجد، ويدخله ليؤدي نسكه الذي كان متلبساً به، فكونك - أيها المعتمر- تفطر لتؤدي العمرة بنشاط في النهار، أفضل من كونك تبقى صائماً، ثم إذا أفطرت في الليل قضيت عمرتك، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان صائماً في سفره لغزوة الفتح فجاء إليه
стр. 455
الناس وقالوا: يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام، وأنهم ينتظرون ماذا تفعل، وكان ذلك بعد العصر، فدعا النبي ﷺ بماء فشربه، والناس ينظرون، فأفطر النبي صلى الله عليه وسم في أثناء السفر، بل أفطر في آخر اليوم (١) ، وكل هذا من أجل أن يبين للأمة أن ذلك جائز، وتكلف بعض الناس الصوم في السفر مع المشقة خلاف السنة بلا شك، وينطبق عليه قول النبي ﷺ : ((ليس من البر الصيام في السفر)) (٢) .
* * *
س٤٠٦: هل يجوز للمرضع أن تفطر؟ ومتى تقضي؟ وهل تطعم ؟
الجواب: المرضع إذا كانت تخاف على ولدها من الصيام بحيث ينقص اللبن حتى يتضرر الطفل فإن لها أن تفطر، ولكنها تقضي فيما بعد لأنها تشبه المريض الذي قال الله فيه: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) . فمتى زال المحذور تقضي إما في وقت الشتاء لقصر النهار وبرودة الجو، أو إذا لم يكن في الشتاء ففي العام القادم، أما الإطعام فلا يجوز إلا في حال كون المانع أو العذر مستمراً لا يرجى زواله فهذا هو الذي يكون فيه الإطعام بدلاً عن الصيام.
* * *
стр. 456
س٤٠٧: إذا قضى الصائم معظم النهار مسترخياً لشدة الجوع والعطش فهل يؤثر ذلك في صحة الصيام ؟
الجواب: هذا لا يؤثر على صحة الصيام، وفيه زيادة أجر لقول الرسول ﷺ لعائشة: ((أجرك على قدر نصبك)) (١) . فكلما زاد تعب الإنسان في طاعة الله زاد أجره، وله أن يفعل ما يخفف الصيام عليه كالتبرد بالماء، والجلوس في المكان البارد.
س٤٠٨: هل كل يوم يُصام في رمضان يحتاج إلى نية أم تكفي نية صيام الشهر كله ؟
الجواب: يكفي في رمضان نية واحدة من أوله، لأن الصائم وإن لم ينو كل يوم بيومه في ليلته فقد كان ذلك في نيته من أول الشهر، ولكن لو قطع الصوم في أثناء الشهر لسفر، أو مرض، أو نحوه وجب عليه استئناف النية؛ لأنه قطعها بترك الصيام للسفر والمرض ونحوهما.
* * *
س٤٠٩: النية الجازمة للفطر دون أكل أو شرب هل يفطر بها الصائم ؟
الجواب: من المعلوم أن الصوم جامع بين النية والترك فينوي الإنسان بصومه التقرب إلى الله بترك المفطرات، وإذا عزم على أنه قطعه فعلاً فإن الصوم يبطل، ولكنه إذا كان في رمضان
стр. 457
يجب عليه الإمساك حتى تغيب الشمس؛ لأن كل من أفطر في رمضان لغير عذر لزمه الإمساك والقضاء.
وأما إذا لم يعزم ولكن تردد فموضع خلاف بين العلماء:
منهم من قال: إن صومه يبطل؛ لأن التردد ينافي العزم.
ومنهم من قال: إنه لا يبطل؛ لأن الأصل بقاء النية حتى يعزم على قطعها وإزالتها. وهذا هو الراجح عندي لقوته، والله أعلم.
* * *
س٤١٠: ما الحكم إذا أكل الصائم ناسياً؟ وما الواجب على من رآه ؟
الجواب: من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم فإن صيامه صحيح، لكن إذا تذكر فيجب عليه أن يقلع، حتى إذا كانت اللقمة أو الشربة في فمه فإنه يجب عليه أن يلفظها، ودليل تمام صومه قول النبي ﷺ فيما ثبت عنه من حديث أبي هريرة: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) (١) ، ولأن النسيان لا يؤاخذ به المرء في فعل محظور لقوله - تعالى-: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال تعالى-: قد فعلت.
أما من رآه فإنه يجب عليه أن يذكره؛ لأن هذا من تغيير المنكر، وقد قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) (٢) ، ولا ريب أن أكل الصائم
стр. 458
وشربه حال صيامه من المنكر ولكنه يعفي عنه حال النسيان لعدم المؤاخذة، أما من رآه فإنه لا عذر له في ترك الإنكار عليه.
* * *
س٤١١: ما حكم الكحل للصائم ؟
الجواب: لا بأس على الصائم أن يكتحل، وأن يقطر في عينه، وأن يقطر كذلك في أذنه حتى وإن وجد طعمه في حلقه فإنه لا يفطر به، لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الصواب، أما لو قطر في أنفه فدخل جوفه فإنه يفطر إن قصد ذلك لقول النبي ﷺ : ((بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (١) .
* * *
س٤١٢: ما حكم السواك والطيب للصائم ؟
الجواب: الصواب أن التسوك للصائم سنة في أول النهار وفي آخره، لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)) (٢) . وقوله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك
стр. 459
مع كل صلاة)) (١) .
وأما الطيب فكذلك جائز للصائم في أول النهار وفي آخره سواءً كان الطيب بخوراً، أو دهناً، أو غير ذلك، إلا أنه لا يجوز أن يستنشق البخور، لأن البخور له أجزاء محسوسة مشاهدة إذا استنشقه تصاعدت إلى داخل أنفه ثم إلى معدته، ولهذا قال النبي ﷺ للقيط بن صبرة: ((بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (٢)
* * *
س ٤١٣: ما هي مفسدات الصوم ؟
الجواب: مفسدات الصوم هي المفطرات وهي:
١- الجماع.
٢- الأكل.
٣- الشرب.
٤- إنزال المني بشهوة.
٥- ما كان بمعنى الأكل والشرب.
٦- القيء عمداً.
٧- خروج الدم بالحجامة.
٨- خروج دم الحيض والنفاس.
أما الأكل والشرب والجماع فدليلها قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
стр. 460
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: الآية١٨٧) .
وأما إنزال المني بشهوة فدليله قوله تعالى في الحديث القدسي في الصائم: ((يدع طعامه ووشرابه وشهوته من أجلي)) (١) وإنزال المني شهوة لقول النبي ﷺ : ((في بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرا؟ قال أرأيتم لو وضعها في الحرام - أكان عليه وزر- فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) (٢) والذي يوضع إنما هو المني الدافق، ولهذا كان القول الراجح أن المذي لا يفسد لصوم حتى وإن كان بشهوة ومباشرة بغير جماع.
الخامس: ما كان بمعنى الأكل والشرب وهو الإبر المغذية التي يستغني بها عن الأكل والشرب؛ لأن هذه وإن كانت ليست أكلاً ولا شرباً لكنها بمعنى الأكل والشرب حيث يستغني بها عنهما، وما كان بمعنى الشيء فله حكمه، ولذلك يتوقف بقاء السم على تناول هذه الإبر بمعنى أن الجسم يبقى متغذياً على هذه الإبر التي لا تغذي ولا تقوم مقام الأكل والشرب فهذه لا تفطر سواء تناولها الإنسان في الوريد، أو في العضلات، أو في أي مكان من بدنه.
السادس: القيء عمداً أي أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى