س٤٠٧: إذا قضى الصائم معظم النهار مسترخياً لشدة الجوع والعطش فهل يؤثر ذلك في صحة الصيام ؟
الجواب: هذا لا يؤثر على صحة الصيام، وفيه زيادة أجر لقول الرسول ﷺ لعائشة: ((أجرك على قدر نصبك)) (١) . فكلما زاد تعب الإنسان في طاعة الله زاد أجره، وله أن يفعل ما يخفف الصيام عليه كالتبرد بالماء، والجلوس في المكان البارد.
س٤٠٨: هل كل يوم يُصام في رمضان يحتاج إلى نية أم تكفي نية صيام الشهر كله ؟
الجواب: يكفي في رمضان نية واحدة من أوله، لأن الصائم وإن لم ينو كل يوم بيومه في ليلته فقد كان ذلك في نيته من أول الشهر، ولكن لو قطع الصوم في أثناء الشهر لسفر، أو مرض، أو نحوه وجب عليه استئناف النية؛ لأنه قطعها بترك الصيام للسفر والمرض ونحوهما.
* * *
س٤٠٩: النية الجازمة للفطر دون أكل أو شرب هل يفطر بها الصائم ؟
الجواب: من المعلوم أن الصوم جامع بين النية والترك فينوي الإنسان بصومه التقرب إلى الله بترك المفطرات، وإذا عزم على أنه قطعه فعلاً فإن الصوم يبطل، ولكنه إذا كان في رمضان
стр. 457
يجب عليه الإمساك حتى تغيب الشمس؛ لأن كل من أفطر في رمضان لغير عذر لزمه الإمساك والقضاء.
وأما إذا لم يعزم ولكن تردد فموضع خلاف بين العلماء:
منهم من قال: إن صومه يبطل؛ لأن التردد ينافي العزم.
ومنهم من قال: إنه لا يبطل؛ لأن الأصل بقاء النية حتى يعزم على قطعها وإزالتها. وهذا هو الراجح عندي لقوته، والله أعلم.
* * *
س٤١٠: ما الحكم إذا أكل الصائم ناسياً؟ وما الواجب على من رآه ؟
الجواب: من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم فإن صيامه صحيح، لكن إذا تذكر فيجب عليه أن يقلع، حتى إذا كانت اللقمة أو الشربة في فمه فإنه يجب عليه أن يلفظها، ودليل تمام صومه قول النبي ﷺ فيما ثبت عنه من حديث أبي هريرة: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) (١) ، ولأن النسيان لا يؤاخذ به المرء في فعل محظور لقوله - تعالى-: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال تعالى-: قد فعلت.
أما من رآه فإنه يجب عليه أن يذكره؛ لأن هذا من تغيير المنكر، وقد قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) (٢) ، ولا ريب أن أكل الصائم
стр. 458
وشربه حال صيامه من المنكر ولكنه يعفي عنه حال النسيان لعدم المؤاخذة، أما من رآه فإنه لا عذر له في ترك الإنكار عليه.
* * *
س٤١١: ما حكم الكحل للصائم ؟
الجواب: لا بأس على الصائم أن يكتحل، وأن يقطر في عينه، وأن يقطر كذلك في أذنه حتى وإن وجد طعمه في حلقه فإنه لا يفطر به، لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الصواب، أما لو قطر في أنفه فدخل جوفه فإنه يفطر إن قصد ذلك لقول النبي ﷺ : ((بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (١) .
* * *
س٤١٢: ما حكم السواك والطيب للصائم ؟
الجواب: الصواب أن التسوك للصائم سنة في أول النهار وفي آخره، لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)) (٢) . وقوله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك
стр. 459
مع كل صلاة)) (١) .
وأما الطيب فكذلك جائز للصائم في أول النهار وفي آخره سواءً كان الطيب بخوراً، أو دهناً، أو غير ذلك، إلا أنه لا يجوز أن يستنشق البخور، لأن البخور له أجزاء محسوسة مشاهدة إذا استنشقه تصاعدت إلى داخل أنفه ثم إلى معدته، ولهذا قال النبي ﷺ للقيط بن صبرة: ((بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (٢)
* * *
س ٤١٣: ما هي مفسدات الصوم ؟
الجواب: مفسدات الصوم هي المفطرات وهي:
١- الجماع.
٢- الأكل.
٣- الشرب.
٤- إنزال المني بشهوة.
٥- ما كان بمعنى الأكل والشرب.
٦- القيء عمداً.
٧- خروج الدم بالحجامة.
٨- خروج دم الحيض والنفاس.
أما الأكل والشرب والجماع فدليلها قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
стр. 460
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: الآية١٨٧) .
وأما إنزال المني بشهوة فدليله قوله تعالى في الحديث القدسي في الصائم: ((يدع طعامه ووشرابه وشهوته من أجلي)) (١) وإنزال المني شهوة لقول النبي ﷺ : ((في بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرا؟ قال أرأيتم لو وضعها في الحرام - أكان عليه وزر- فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) (٢) والذي يوضع إنما هو المني الدافق، ولهذا كان القول الراجح أن المذي لا يفسد لصوم حتى وإن كان بشهوة ومباشرة بغير جماع.
الخامس: ما كان بمعنى الأكل والشرب وهو الإبر المغذية التي يستغني بها عن الأكل والشرب؛ لأن هذه وإن كانت ليست أكلاً ولا شرباً لكنها بمعنى الأكل والشرب حيث يستغني بها عنهما، وما كان بمعنى الشيء فله حكمه، ولذلك يتوقف بقاء السم على تناول هذه الإبر بمعنى أن الجسم يبقى متغذياً على هذه الإبر التي لا تغذي ولا تقوم مقام الأكل والشرب فهذه لا تفطر سواء تناولها الإنسان في الوريد، أو في العضلات، أو في أي مكان من بدنه.
السادس: القيء عمداً أي أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى
стр. 461
يخرج من فمه، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)) (١) ، والحكمة في ذلك أنه إذا تقيأ فرغ بطنه من الطعام، واحتاج البدن إلى ما يرد عليه هذا الفراغ، ولهذا نقول: إذا كان الصوم فرضاً فإنه لا يجوز للإنسان أن يتقيأ؛ لأنه إذا تقيأ أفسد صومه الواجب.
وأما السابع: وهو خروج الدم بالحجامة فلقول النبي ﷺ ((أفطر الحاجم والمحجوم)) (٢)
وأما الثامن وهو خروج دم الحيض والنفاس فلقول النبي ﷺ في المرأة: ((أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)) (٣) وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصح من الحائض، ومثلها النفساء.
وهذه المفطرات وهي مفسدات الصوم لا تفسده إلا بشروط ثلاثة وهي:
١- العلم.
٢- الذكر.
٣- القصد.
стр. 462
فالصائم لا يفسد صومه بهذه المفسدات إلا بهذه الشروط الثلاثة:
الأول: أن يكون عالماً بالحكم الشرعي وعالماً بالحال أي بالوقت، فإن كان جاهلاً بالحكم الشرعي، أو بالوقت فصيامه صحيح لقول الله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى: ((قد فعلت)) ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: الآية٥) وهذان دليلان عامان.
ولثبوت السنة في ذلك في أدلة خاصة في الصوم، في الصحيح من حديث عدي بن حاتم-﵁ أنه صام فجعل تحت وسادته عقالين- وهما الحبلان اللذان تشد بهما يد البعير إذا برك- أحدهما أسود، والثاني أبيض، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود، ثم أمسك، فلما أصبح غداً ذهب إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فبين له النبي ﷺ أنه ليس المراد بالخيط الأبيض والأسود في الآية الخيطين المعروفين، وإنما المراد بالخيط الأبيض بياض النهار، وبالخيط الأسود سواد الليل، ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الصوم (١) ؛ لأنه كان جاهلاً بالحكم، يظن أن هذا معنى الآية الكريمة.
وأما الجهل بالوقت ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي
стр. 463
بكر- ﵄ قالت: ((أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس)) (١) ، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به، ولو أمرهم به لنُقل إلى الأمة لقول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) . فلما لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله عُلم أن النبي ﷺ لم يأمرهم به، ولما لم يأمرهم به- أي بالقضاء - عُلم أنه ليس بواجب، ومثل هذا لو قام الإنسان من النوم يظن أنه في الليل فأكل أو شرب، ثم تبين له أن أكله وشربه كان بعد طلوع الفجر فإنه ليس عليه قضاء، لأنه كان جاهلاً.
وأما الشرط الثاني: فهو أن يكون ذاكراً، وضد الذكر النسيان، فلو أكل أو شرب ناسياً فإن صومه صحيح ولا قضاء عليه، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى: ((قد فعلت)) ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) (٢)
الشرط الثالث: القصد وهو أن يكون الإنسان مختاراً لفعل هذا المفطر، فإن كان غير مختار فإن صومه صحيح سواء كان مكرهاً أم غير مكره، لقول الله تعالى في المكره على الكفر: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: ١٠٦)
стр. 464
فإذا كان حكم الكفر يغتفر بالإكراه فما دونه من باب أولى، وللحديث الذي يروى عن النبي ﷺ : ((أن الله رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (١) وعلى هذا فلو طار إلى أنف الصائم غبار ووجد طعمه في حلقه ونزل إلى معدته فإنه لا يفطر بذلك؛ لأنه لم يتقصده، وكذلك لو أكره على الفطر فأفطر دفعاً للإكراه فإن صومه صحيح؛ لأنه غير مختار، وكذلك لو أحتلم فأنزل وهو نائم فإن صومه صحيح؛ لأن النائم لا قصد له، وكذلك لو أكره الرجل زوجته وهي صائمة فجامعها فإن صومها صحيح لأنها غير مختارة.
وهاهنا مسألة يجب التفطن لها: وهي أن الرجل إذا أفطر بالجماع في نهار رمضان والصوم واجب عليه فإنه يترتب على جماعة خمسة أمور:
الأول: الإثم.
الثاني: وجوب إمساك بقية اليوم.
الثالث: فساد صومه.
الرابع: القضاء.
الخامس: الكفارة.
ولا فرق بين أن يكون عالماً بما يجب عليه في هذا الجماع أو جاهلاً، يعني أن الرجل إذا جامع في صيام رمضان والصوم واجب عليه، ولكنه لا يدري أن الكفارة تجب عليه، فإنه تترتب عليه أحكام الجماع السابقة؛ لأنه تعمد المفسد، وتعمده المفسد يستلزم
стр. 465
ترتب الأحكام عليه، بل في حديث أبي هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ((ما أهلكك؟)) (١) قال وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فأمره النبي ﷺ بالكفارة، مع أن الرجل لا يعلم هل عليه كفارة أو لا، وفي قولنا: ((والصوم واجب عليه)) احتراز عما إذا جامع الصائم في رمضان وهو مسافر مثلاً فإنه لا تلزمه الكفارة، مثل أن يكون الرجل مسافراً بأهله في رمضان وهما صائمان، ثم يجامع أهله، فإنه ليس عليه كفارة، وذلك لأن المسافر إذا شرع في الصيام لا يلزمه إتمامه إن شاء أتمه، وإن شاء أفطر وقضى.
* * *
س٤١٤: ما حكم استعمال بخاخ ضيق النفس للصائم وهل يفطر ؟
الجواب: هذا البخاخ يتبخر ولا يصل إلى المعدة، فحينئذ نقول لا بأس أن تستعمل هذا البخاخ وأنت صائم، ولا تفطر بذلك، لأنه كما قلنا: لا يدخل منه إلى المعدة أجزاء؛ لأنه شيء يتطاير ويتبخر ويزول، ولا يصل منه جرم إلى المعدة، فيجوز لك أن تستعمله وأنت صائم، ولا يبطل الصوم بذلك.
* * *
س٤١٥: هل القيء مفطر ؟
الجواب: إذا قاء الإنسان متعمداً فإنه يفطر، وإن قاء بغير عمد فإنه لا يفطر والدليل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ
стр. 466
قال ((من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض)) (١)
وإن غلبك القيء فإنك لا تفطر، فلو أحس الإنسان بأن معدته تموج، وأنها سيخرج ما فيها نقول له: لا تمنعه ولا تجذبه؟ قف موقفاً حياديّاً لا تستقيء، ولا تمنع لأنك إن استقيت أفطرت، وإن منعت تضررت، فدعه إذا خرج بغير فعل منك فإنه لا يضرك ولا تفطر بذلك.
* * *
س٤١٦ خروج الدم من لثة الصائم هل يفطر ؟
الجواب: الدم الذي يخرج من الأسنان لا يؤثر على الصوم، لكن يحترز من ابتلاعه ما أمكن، وكذلك لو رعف أنفه واحترز من ابتلاعه، فإنه ليس عليه في ذلك شيء، ولا يلزمه قضاء.
* * *
س٤١٧: إذا طهرت الحائض قبل الفجر واغتسلت بعد طلوعه فما حكم صومها ؟
الجواب: صومها صحيح إذا تيقنت الطهر قبل طلوع الفجر المهم أن تتيقن أنها طهرت، لأن بعض الناس تظن أنها طهرت وهي لم تطهر، ولهذا كانت النساء يأتين بالقطن لعائشة- رضى الله عنها- فيرُينها إياه علامة على الطهر، فتقول لهن: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)) ، فالمرأة عليها أن تتأنى حتى تتيقن أنها طهرت،
стр. 467
فإذا طهرت فإنها تنوي الصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، ولكن عليها أيضاً أن تراعي الصلاة فتبادر بالاغتسال لتصلي صلاة الفجر في وقتها.
وقد بلغنا أن بعض النساء تطهر بعد طلوع الفجر، أو قبل طلوع الفجر ولكنها تؤخر الاغتسال إلى ما بعد طلوع الشمس بحجة أنها تريد أن تغتسل غسلاً أكمل وأنظف وأطهر، وهذا خطأ في رمضان وفي غيره، ولأن الواجب عليها أن تبادر وتغتسل لتصلي الصلاة في وقتها، ولها أن تقتصر على الغسل الواجب لأداء الصلاة، وإذا أحبت أن تزداد طهارة ونظافة بعد طلوع الشمس فلا حرج عليها، ومثل المرأة الحائض من كان عليها جنابة فلم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا حرج عليها وصومها صحيح، كما أن الرجل لو كان عليه جنابة ولم يغتسل منها إلا بعد
طلوع الفجر وهو صائم فإن لا حرج عليه في ذلك، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه يدركه الفجر وهو جنب من أهله فيصوم ويغتسل بعد طلوع الفجر ﷺ (١) . والله أعلم
* * *
س٤١٨: ما حكم قلع الضرس للصائم وهل يفطر ؟
الجواب: الدم الخارج بقلع الضرس ونحوه لا يفطر فإنه لا يؤثر تأثير الحجامة فلا يفطر به.
* * *
стр. 468
س٤١٩: ما حكم تحليل الدم للصائم وهل يفطر ؟
الجواب: لا يفطر الصائم بإخراج الدم من أجل التحليل، فإن الطبيب قد يحتاج إلى الأخذ من دم المريض ليختبره، فهذا لا يفطر؛ لأنه دم يسير لا يؤثر على البدن تأثير الحجامة فلا يكون مفطراً، والأصل بقاء الصيام ولا يمكن أن نفسده إلا بدليل شرعي، وهنا لا دليل على أن الصائم يفطر بمثل هذا الدم اليسير، وأما أخذ الدم الكثير من الصائم من أجل حقنه في رجل محتاج إليه مثلاً، فإنه إذا أخذ منه الدم الكثير الذي يفعل بالبدن مثل فعل الحجامة فإنه يفطر بذلك، وعلى هذا فإذا كان الصوم واجباً فإنه لا يجوز لأحد أن يتبرع بهذا الدم الكثير لأحد، إلا أن يكون هذا المتبرع له في حالة خطرة لا يمكن أن يصبر إلى ما بعد الغروب وقرر الأطباء أن دم هذا الصائم ينفعه ويزيل ضرورته، فإنه في هذه الحال لا بأس أن يتبرع بدمه، ويفطر ويأكل ويشرب حتى تعود إليه قوته، ويقضي هذا اليوم الذي أفطره، والله أعلم.
* * *
س٤٢٠: إذا استمنى الصائم فهل يفطر بذلك؟ وهل تجب عليه الكفارة ؟
الجواب: إذا استمنى الصائم فأنزل أفطر، ووجب عليه قضاء اليوم الذي استمنى فيه، وليس عيه كفارة؛ لأن الكفارة لا تجب إلا بالجماع، وعليه التوبة مما فعل.
* * *
стр. 469
س٤٢١: ما حكم شم الطيب للصائم ؟
الجواب: شم الطيب للصائم لا بأس به سواء كان دهناً أم بخوراً، لكن إذا كان بخرواً فإنه لا يستنشق دخانه؛ لأن الدخان له جرم ينفذ إلى الجوف فيكون مفطراً كالماء وشبهه، وأما مجرد شمه دون أن يستنشقه حتى يصل إلى جوفه فلا بأس به.
* * *
س٤٢٢: الفرق بين شم البخور وبين القطرة حيث يفطر بالأول دون الثاني ؟
الجواب: الفرق بينهما أن الذي يستنشقه قد تعمد أن يدخله إلى جوفه، وأما القطرة فإنه لم يقصد أن تصل إلى جوفه وإنما قصد أن يقطر في أنفه في الخياشيم فقط.
* * *
س٤٢٣: ما حكم قطرة الأنف والعين والأذن للصائم ؟
الجواب: قطرة الأنف إذا وصلت إلى المعدة فإنها تفطر لما جاء في حديث لقيط بن صبرة حيث قال له النبي ﷺ : ((بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (١) فلا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته، وأما ما لا يصل إلى ذلك من قطرة الأنف فإنها لا تفطر.
وأما قطرة العين، ومثلها أيضاً الاكتحال، وكذلك القطرة في الأذن فإنها لا تفطر الصائم؛ لأنها ليست منصوصاً عليها، ولا هي
стр. 470
بمعنى المنصوص عليه، والعين ليست منفذاً للأكل والشرب وكذلك الأذن فهي كغيرها من مسام الجلد، وقد ذكر أهل العلم أن الإنسان لو لطخ باطن قدمه بشيء فوجد طعمه في حلقه فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن ذلك ليس منفذاً، وعليه لا يكون من أكتحل، أو قطر في عينه، أو قطر في أذنه مفطراً بذلك ولو وجد طعمه في حلقه، ومثل هذا أيضاً لو ادّهن الصائم بدهن للعلاج، أو لغير العلاج فإنه لا يضره، وكذلك لو كان عنده ضيق نفس فاستعمل هذا الغاز الذي يبخ في الفم لأجل تسهيل التنفس، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن ذلك لا يصل إلى المعدة، فلا يكون أكلاً ولا شرباً.
* * *
س٤٢٤: من احتلم وهو صائم فهل صيامه صحيح ؟
الجواب: نعم صيامه صحيح فإن الاحتلام لا يبطل الصوم؛ لأنه بغير اختيار الإنسان، وقد رُفع القلم عنه في حال نومه، ومن المناسب أن أنبه على ما يفعله في هذا الزمان كثير من الناس يسهرون في ليالي رمضان، وربما يسهرون على أمر لا ينفعهم أو يضرهم، ثم إذا كان النهار يستغرقونه كله في النوم فإن هذا لا ينبغي بل الذي ينبغي أن يجعل الإنسان صيامه محلاً للطاعات والذكر وقراءة القرآن وغيرها مما يقرب إلى الله ﵎.
* * *
ص٤٢٥: ما حكم التبرد للصائم؟
الجواب: التبرد للصائم جائز لا بأس به، وقد كان الرسول ﵊ يصب على رأسه الماء من الحر، أو من العطش
стр. 471
وهو صائم (١) ، وكان ابن عمر يبل ثوبه وهو صائم بالماء لتخفيف شدة الحرارة، أو العطش، والرطوبة لا تؤثر؛ لأنها ليست ماء يصل إلى المعدة.
* * *
س٤٢٦: إذا تمضمض الصائم، أو استنشق فدخل الماء إلى جوفه هل يفطر بذلك ؟
الجواب: إذا تمضمض الصائم، أو أستنشق فدخل الماء إلي جوفه لم يفطر؛ لأنه لم يتعمد ذلك، وقد قال الله تعالى ... (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: ٥) .
* * *
س٤٢٧: ما حكم استعمال الصائم للروائح العطرية ؟
الجواب: لا بأس أن يستعملها في نهار رمضان، وأن يستنشقها، إلا البخور فلا يستنشقه؛ لأن له جرماً يصل إلي المعدة وهو الدخان.
* * *
س٤٢٨: هل الرعاف يفطر ؟
الجواب: الرعاف لا يفطر ولو كان كثيراً، لأنه بغير قصد صاحبه.
* * *
стр. 472
س٤٢٩: نرى بعض التقاويم في شهر رمضان يوضع فيه قسم يسمى ((الإمساك)) ويجعل قبل صلاة الفجر بنحو عشر دقائق، أو ربع ساعة فهل هذا له أصل من السنة أم هو من البدع؟ أفتونا مأجورين .
الجواب: هذا من البدع، وليس له أصل من السنة، بل السنة على خلافه، لأن الله قال في كتابه العزيز (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة: ١٨٧) . وقال النبي ﷺ : ((إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا آذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)) (١) ، وهذا الإمساك الذي يصنعه بعض الناس زيادة على ما فرض الله فيكون باطلاً، وهو من التنطع في دين الله وقد قال النبي ﵊: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون (٢)
* * *
س٤٣٠: من غربت عليه الشمس وأذن المؤذن وهو في أرض المطار فأفطر وبعد إقلاع الطائرة رأى الشمس فهل يمسك ؟
الجواب: جوابنا على هذا أنه لا يلزم الإمساك؛ لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض فقد غربت الشمس وهم في مكان غربت منه وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر
стр. 473
النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)) (١) فإذا كان قد أفطر من غربت عليه الشمس وهو في أرض المطار فقد انتهى يومه فإذا انتهى يومه فإنه لا يلزمه الإمساك إلا في اليوم التالي.
وعلى هذا فلا يلزم الإمساك في هذه الحال؛ لأن الفطر كان بمقتضى دليل شرعي فلا يلزم الإمساك إلا بدليل شرعي.
* * *
س ٤٣١: ما حكم بلع البلغم، أو النخامة للصائم ؟
الجواب: البلغم، أو النخامة إذا لم تصل إلى الفم فإنها لا تفطر قولاً واحداً في المذهب، فإن وصلت إلى الفم ثم ابتلعها ففيه قولان لآهل العلم:
منهم من قال: إنها تفطر، إلحاقاً لها بالأكل والشرب.
ومنهم من قال: لا تفطر، إلحاقاً لها بالريق، فإن الريق لا يبطل به الصوم حتى لو جمع ريقه وبلعه فإن صومه لا يفسد.
وإذا اختلف العلماء فالمرجع الكتاب والسنة، وإذا شككنا في هذا الأمر هل يفسد العبادة أو لا يفسدها؟ فالأصل عدم الإفساد وبناء على ذلك يكون بلع النخامة لا يفطر.
والمهم أن يدع الإنسان النخامة ولا يحاول أن يجذبها إلى فمه من أسفل حلقه، ولكن إذا خرجت إلى الفم فليخرجها سواء كان صائماً أم غير صائم، أما التفطير فيحتاج إلى دليل يكون حجة للإنسان أمام الله في إفساد الصوم.
* * *
стр. 474
س٤٣٢: هل يبطل الصوم بتذوق الطعام ؟
الجواب: لا يبطل الصوم بتذوق الطعام إذا لم يبتلعه ولكن لا تفعله إلا إذا دعت الحاجة إليه، وفي هذه الحال لو دخل منه شيء إلى بطنك بغير قصد فصومك لا يبطل.
* * *
س٤٣٣: هل تحدث المرء بكلام حرام في نهار رمضان يفسد الصوم ؟
الجواب: إذا قرأنا قول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٨٣) . عرفنا ماهي الحكمة من إيجاب الصوم وهي التقوى والتعبد لله ، والتقوى هي ترك المحارم وهي عند الإطلاق تشمل فعل المأمور به، وترك المحظور، وقد قال النبي ﷺ : ((من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)) (١) وعلى هذا يتأكد على الصائم اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال، فلا يغتاب الناس، ولا يكذب، ولا ينم بينهم، ولا يبيع بيعاً محرماً، ويجتنب جميع المحرمات شهرا ًكاملاً فإن نفسه سوف تستقيم بقية العام.
ولكن المؤسف أن كثيراً من الصائمين لا يفرقون بين يوم صومهم وفطرهم، فهم على العادة التي هم عليها من الأقوال
стр. 475
المحرمة من كذب، وغش، وغيره، ولا تشعر أن عليه وقار الصوم، وهذه الأفعال لا تبطل الصوم، ولكن تنقص أجره، وربما عند المعادلة تضيع أجر الصوم.
* * *
س٤٣٤: ما هي شهادة الزور؟ وهل تبطل الصوم ؟
الجواب: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وهي: أن يشهد الرجل بما لا يعلم، أو بما يعلم خلافه، ولا تبطل الصوم ولكنها تنقص أجره.
* * *
س٤٣٥: ما هي آداب الصيام ؟
الجواب: من آداب الصيام لزوم تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٨٣) ولقول النبي ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (١)
ومن آداب الصوم أن يكثر من الصدقة، والبر، والإحسان إلى الناس، لاسيما في رمضان فلقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. (٢)
ومنها أن يتجنب ما حرم الله عليه من الكذب، والسب،
стр. 476
والشتم، والغش، والخيانة، والنظر المحرم، والاستمتاع إلى الشيء المحرم، وغير ذلك من المحرمات التي يجب على الصائم وغيره أن يتجنبها، ولكنها في حق الصائم أوكد.
ومنها- أي من آداب الصيام - أن يتسحر، وأن يؤخر السحور لقول النبي ﷺ : ((تسحروا فإن في السحور بركه)) (١) .
ومن آدابه - أيضاً- أن يفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فعلى ماء، وأن يبادر بالفطر من حين أن يتحقق غروب الشمس، أو يغلب على ظنه أنها غربت لقول النبي ﷺ : ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ... )) (٢)
* * *
س٤٣٦: هل هناك دعاء مأثور عند الإفطار؟ وهل يتابع الصائم المؤذن أم يستمر في فطره ؟
الجواب: إن الدعاء عند الإفطار موطن إجابة للدعاء، لأنه في آخر العبادة، ولأن الإنسان أشد ما يكون غالباً من ضعف النفس عند إفطاره، وكلما كان الإنسان أضعف نفساً، وأرق قلباً كان أٌُقرب إلى الإنابة والإخبات لله .
والدعاء المأثور: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ومنه أيضاً قول النبي ﷺ حين أفطر قال: ((ذهب الظمأ، وابتلت
стр. 477
العروق وثبت الأجر إن شاء الله)) (١) . وهذان الحديثان وإن كان فيهما ضعف لكن بعض أهل العلم حسنهما، وعلى كل حال فإذا دعوت بذلك، أو دعوت بغيره مما يخطر على قلبك عند الإفطار فإنه موطن إجابة.
وأما إجابة المؤذن والإنسان يفطر فهي مشروعة، لأن قوله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)) (٢) ، يشمل كل حال من الأحوال، إلا ما دل على استثنائه.
* * *
س٤٣٧: ما رأيكم في صيام الست من شوال لمن عليه قضاء ؟
الجواب: الجواب على ذلك من قول النبي ﷺ ، قال النبي ﷺ : ((من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر)) (٣) وإذا كان على الإنسان قضاء، وصام الست فهل صامها قبل رمضان أو بعد رمضان؟
مثال: هذا رجل صام من رمضان أربعة وعشرين يوماً، وبقي عليه ستة أيام، فإذا صام الست من شوال قبل أن يصوم ستة القضاء فلا يقال: إنه صام رمضان، ثم أتبعه ستّاً من شوال، لأنه لا يقال صام رمضان إي إذا أكمله، وعلى هذا فلا يثبت أجر صيام ستة أيام من شوال لمن صامها وعليه قضاء من رمضان.
стр. 478
وليست هذه المسألة من باب اختلاف العلماء في جواز تنفل من عليه قضاء بالصوم، لأن هذا الخلاف في غير أيام الست، أما أيام الست فهي تابعة لرمضان ولا يمكن أن يثبت ثوابها إلا لمن أكمل رمضان.
* * *
س٤٣٨: مريض أفطر في رمضان وبعد أربعة أيام من دخول الشهر مات فهل يقضى عنه ؟
الجواب: إذا كان هذا المرض الذي أصابه من الأمراض الطارئة فإنه لا يقضى عنه إذا استمر به حتى مات؛ لأن الله تعالى قال: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٥) . فيكون الواجب على هذا المريض أن يصوم عدة من أيام أخر، وإذا مات قبل أن يتمكن من ذلك سقطت عنه؛ لأنه لم يبلغ الزمن الذي يجب عليه فيه الصوم، فهو كمن مات في شعبان، فلا يجب عليه صيام رمضان المقبل، أما إذا كان المرض من الأمراض التي لا يرجى برؤها فإنه من الأصل يجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً.
* * *
س٤٣٩:: رجل عليه يوم من رمضان فلم يقضه حتى دخل عليه رمضان الثاني فكيف يصنع ؟
الجواب: من المعلوم أن الله يقول: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فهذا الرجل الذي أفطر لعذر شرعي عليه أن يقضيه
стр. 479
امتثالاً لأمر الله ، ويجب عليه أن يقضيه في سنته، فلا يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني؛ لقول عائشة- رضى الله عنها -: ((كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان)) ، وذلك لمكان رسول الله منها فقولها: ((ما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان)) (١) دليل على أنه لابد من القضاء قبل دخول رمضان الثاني، ولكن إذا أخره إلى ما بعد رمضان الثاني فإن عليه أن يستغفر الله، وأن يتوب إليه، وأن يندم على ما فعل، وأن يقضي هذ١ اليوم؛ لأن القضاء لا يفوت بالتأخير، فيقضي هذا اليوم ولو بعد رمضان الثاني، والله الموفق.
* * *
س٤٤٠: ما هو الأفضل في صيام ستة أيام من شوال ؟
الجواب: الأفضل أن يكون صيام ستة أيام من شوال بعد العيد مباشرة وأن تكون متتابعة كما نص على ذلك أهل العلم، لأن ذلك أبلغ في تحقيق الإتباع الذي جاء في الحديث: ((ثم أتبعه)) ولأن ذلك من السبق إلى الخير الذي جاءت النصوص بالترغيب فيه والثناء على فاعله، ولأن ذلك من الحزم الذي هو من كمال العبد فإن الفرص لا ينبغي أن تفوّت؛ لأن المرء لا يدري ما يعرض له في ثاني الحال وآخر الأمر، وهذا أعني المبادرة بالفعل وانتهاز الفرص ينبغي أن يسير العبد عليه في جميع أموره متى تبين الصواب فيها.
* * *
стр. 480
س٤٤١: هل يجوز للإنسان أن يختار الأيام التي يصومها من شهر شوال، أم أن هذه الأيام لها وقت معلوم؟ وهل إذا صام المسلم هذه الأيام تصبح فرضاً عليه ويجب عليه صيامها كل عام ؟
الجواب: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر)) (١) . وهذه الست ليس لها أيام معدودة معينة، بل يختارها المؤمن من جميع الشهر، إن شاء صامها في أوله، وإن شاء صامها في أثنائه، وإن شاء صامها في آخره، وإن شاء فرقها، الأمر واسع بحمد الله، وإن بادر إليها وتابعها في أول الشهر كان ذلك أفضل من باب المسارعة إلى الخير، ولكن ليس في هذا ضيق بحمد الله، بل الأمر فيها واسع إن شاء تابع وإن شاء فرق، ثم إذا صامها بعض السنين وتركها بعض السنين فلا بأس؛ لأنها تطوع وليست فريضة.
* * *
س٤٤٢: ما حكم صيام يوم عاشوراء ؟
الجواب: لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون اليوم العاشر من شهر المحرم، فقال النبي صلى الله عيه وسلم: ((أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه)) (٢) . وفي حديث ابن عباس ﵄ المتفق على صحته أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه. وسئل عن فضل صيامه فقال ﷺ ((احتسب على الله أن
стр. 481
يكفر السنة التي قبله)) (١) ، إلا أنه ﷺ أمر بعد ذلك بمخالفة اليهود بأن يصام العاشر ويوماً قبله وهو التاسع، أو يوماً بعده وهو الحادي عشر.
وعليه فالأفضل أن يصوم يوم العاشر ويضيف إليه يوماً قبله، أو يوماً بعده. وإضافة اليوم التاسع إليه أفضل من الحادي عشر.
فينبغي لك أخي المسلم أن تصوم يوم عاشوراء، وكذلك اليوم التاسع.
* * *
س٤٤٣: ما حكم الصيام في شهر شعبان ؟
الجواب: الصيام في شهر شعبان سنة والإكثار منه سنة حتى قالت عائشة ﵂: ((ما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان)) (٢) فينبغي الإكثار من الصيام في شهر شعبان لهذا الحديث.
قال أهل العلم: وصوم شعبان مثل السنن الرواتب بالنسبة للصلوات المكتوبة، ويكون كأنه تقدمه لشهر رمضان، أي كأنه راتبه لشهر رمضان، ولذلك سن الصيام في شهر شعبان، وسن الصيام ستة أيام من شهر شوال كالراتبة قبل المكتوبة وبعدها. وفي الصيام في شعبان فائدة أخرى وهي توطين النفس وتهيئتها للصيام لتكون مستعدة لصيام رمضان، سهلا عليها أداؤه.
* * *
стр. 482
س٤٤٤: إذا كان الإنسان يصوم يوماً ويفطر يوماً ووافق يوم صومه يوم الجمعة فهل يجوز له صيامه أو لا ؟
الجواب: نعم يجوز للإنسان إذا كان يصوم يوماً ويفطر يوماً أن يصوم يوم الجمعة مفرداً، أو السبت، أو الأحد، أو غيرها من الأيام ما لم يصادف ذلك أياماً يحرم صومها، فإن صادف أياماً يحرم صومه وجب عليه ترك الصوم، فإذا قدر أن رجلاً كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصار فطره يوم الخميس، ويوم صومه يوم الجمعة فلا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة؛ لكن لأنه صادف اليوم الذي يصوم فيه، أما إذا صادف اليوم الذي يصوم فيه يوماً يحرم صومه فإنه يجب ترك الصوم كما لو صادف عيد الأضحى، أو أيام التشريق، وكما لو كانت امرأة تصوم يوماً وتفطر يومأً، فأتاها ما يمنع الصوم من حيض، أو نفاس فإنها لا تصوم حينئذ.
* * *
س٤٤٥: ما هو صوم الوصال؟ وهل هو مشروع ؟
الجواب: صوم الوصال أن لا يفطر الإنسان في يومين فيواصل الصيام يومين متتاليين وقد نهى النبي ﷺ عنه وقال: ((من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)) (١) . والمواصلة للسحر من باب الجائز، وليست من باب المشروع، والرسول ﷺ حث على تعجيل الفطر وقال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) (٢)
стр. 483
لكنه أباح لهم أن يواصلوا إلى السحر فقط، فلما قالوا: يا رسول الله إنك تواصل فقال: ((إني لست كهيئتكم)) (١) .
* * *
س ٤٤٦: ما العلة في النهي عن تخصيص الجمعة بصيام؟ وهل يعم صيام القضاء ؟
الجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام)) (٢) . والحكمة في النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام أن يوم الجمعة عيد للأسبوع فهو أحد الأعياد الشرعية الثلاثة؛ لأن الإسلام فيه أعياد ثلاثة هي عيد الفطر من رمضان وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة، فمن أجل هذا نهي عن إفراده بالصوم، ولأن يوم الجمعة يوم ينبغي فيه للرجال التقدم إلى صلاة الجمعة، والاشتغال بالدعاء، والذكر فهو شبيه بيوم عرفة الذي لا يشرع للحاج أن يصومه؛ لأنه مشتغل بالدعاء والذكر، ومن المعلوم أنه عند تزاحم العبادات التي يمكن تأجيل بعضها يقدم ما لا يمكن تأجيله على ما يمكن تأجيله.
فإذا قال قائل: إن هذا التعليل بكونه عيداً للأسبوع يقتضي أن يكون صومه محرماً كيوم العيدين لا أفراده فقط.
قلنا: إنه يختلف عن يوم العيدين؛ لأنه يتكرر في كل شهر
стр. 484
أربع مرات، فلهذا لم يكن النهي فيه على التحريم، ثم هناك أيضاً معاني أخرى في العيدين لا توجد في يوم الجمعة.
وأما إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فإن الصيام حينئذ يُعلم بأنه ليس الغرض منه تخصيص يوم الجمعة بالصوم؛ لأنه صام يوماً قبله وهو الخميس، أو يوماً بعده وهو يوم السبت.
أما قول السائل: هل هذا خاص بالنفل أم يعم القضاء؟
فإن ظاهر الأدلة العموم، وأنه يكره تخصيصه بصوم سواء كان لفريضة، أو نافلة، اللهم إلا أن يكون الإنسان صاحب عمل لا يفرغ من العمل ولا يتسنى أن يقضي صومه إلا في يوم الجمعة فحينئذ يكره له أن يفرده بالصوم؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
* * *
س٤٤٧: إذا أفسد الإنسان صوم النفل بمفطر من المفطرات فهل يأثم؟ وإذا كان أفسده بالجماع فهل عليه كفارة ؟
الجواب: إذا صام الإنسان نفلاً ثم أفطر بأكل أو شرب أو جماع فلا إثم عليه؛ لأن كل من شرع في نافلة فإنه لا يلزمه إتمامها إلا في الحج والعمرة، ولكن الأفضل أن يتمه، وحينئذ ليس عليه كفارة إذا جامع في صوم النفل؛ لأنه لا يلزمه إتمامه.
أما إذا كان الصوم فرضاً وجامع زوجته فإن ذلك لا يجوز؛ لأن صوم الفريضة لا يجوز قطعه إلا لضرورة، ولا تجب عليه الكفارة إلا إذا كان ذلك في نهار رمضان وهو ممن يجب عليه الصوم وانتبه لقولنا ((وهو ممن يجب عليه الصوم)) فإن الرجل لو فرض أنه قد سافر هو وزوجته وصاما في السفر ثم جامعها فليس عليهما
стр. 485
إثم، وليس عليهما كفارة، وإنما عليه أن يقضي هو وزوجته ذلك اليوم الذي حصل فيه الجماع.
* * *
س٤٤٨: ما حكم الاعتكاف؟ وهل يجوز للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة والأكل وكذلك الخروج للتداوي؟ وما هي سنن الاعتكاف؟ وكيفية الاعتكاف الصحيح عن النبي ﷺ ؟
الجواب: الاعتكاف لزوم المساجد للتخلي لطاعة الله ، وهو مسنون لتحري ليلة القدر، وقد أشار الله تعالى إليه في القرآن بقوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة: الآية١٨٧) وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ اعتكف، واعتكف أصحابه معه (١) ، وبقي الاعتكاف مشروعاُ لم ينسخ، ففي الصحيحين عن عائشة- ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده (٢) وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه - أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط ثم قال: ((إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة (يعني ليلة القدر) ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب
стр. 486
منكم أن يعتكف فليعتكف)) (١) ، فاعتكف الناس معه. وقال الإمام أحمد ﵀: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أن الاعتكاف مسنون.
وعلى هذا يكون الاعتكاف مسنوناً بالنص والإجماع.
ومحله المساجد التي تقام فيها الجماعة في أي بلد كان لعموم قوله تعالي: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة: من الآية١٨٧) والأفضل أن يكون المسجد الذي تقام فيه الجمعة لئلا يحتاج إلى الخروج إليها. فإن اعتكف في غيره فلا بأس أن يبكر إلى صلاة الجمعة.
وينبغي للمعتكف أن يشتغل بطاعة الله من صلاة وقراءة قرآن، وذكر الله- لأن هذا هو المقصود من الاعتكاف، ولا بأس أن يتحدث إلى أصحابه قليلاً، ولا سيما إذا كان في ذلك فائدة.
ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته.
وأما خروجه من المسجد فقد قسمه الفقهاء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جائز، وهو الخروج لأمر لابد منه شرعاً، أو طبعاً، كالخروج لصلاة الجمعة، والأكل، والشرب إن لم يكن له من يأتيه بهما، والخروج للوضوء، والغسل الواجبين، ولقضاء حاجة البول والغائط.
القسم الثاني: الخروج لطاعة لا تجب عليه كعيادة المريض، وشهود الجنازة، فإن اشترطه في ابتداء اعتكافه جاز، وإلا فلا.
القسم الثالث: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيت والشراء، وجماع أهله ونحو ذلك فهذا لا يجوز بشرط، ولا بغير شرط. والله الموفق.
* * *
стр. 487
فتاوى الحج
стр. 488
س ٤٤٩: إذا حج من لا يصلي ولا يصوم فما حكم حجه وهو على تلك الحال؟ وهل يقضي ما ترك من العبادات إذا تاب إلى الله ؟
الجواب: ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة موجب للخلود في النار كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وقول السلف- ﵏ وعلى هذا فهذا الرجل الذي لا يصلي لا يحل له أن يدخل مكة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: الآية٢٨) .
وحجه وهو لا يصلي غير مجزئ ولا مقبول، وذلك لأنه وقع من كافر، والكافر لا تصح منه العبادات لقوله تعالى:) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة: ٥٤) .
أما بالنسبة لما ترك من الأعمال السابقة فلا يجب عليه قضاؤها لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: ٣٨) .
فعلى من وقع في ذلك أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ويستمر في فعل الطاعات، والتقرب إلى الله بكثرة الأعمال الصالحة ويكثر من الاستغفار والتوبة وقد قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣) وهذه الآية نزلت في التائبين فكل
стр. 489
ذنب يتوب العبد منه ولو كان شركاً بالله فإن الله يتوب عليه. والله الهادي إلى سواء الصراط.
* * *
س٤٥٠: كثيراً ما نلاحظ بعضاً من المسلمين وخاصة من الشباب من يتساهل في أداء فريضة الحج ويسوف في ذلك، ,أحياناً يتعذر بمشاغل فما حكم ذلك؟ وبماذا تنصحون هذا ؟
وأحياناً نلاحظ بعضاً من الآباء يمنعون أبناءهم من أداء فريضة الحج بحجة الخوف عليهم، أو أنهم صغار مع أن شروط الحج متوفرة فيهم فما حكم فعل الآباء هذا؟ وما حكم طاعة الأبناء لآباءهم في ذلك؟ جزاكم الله خيراً ووفقكم لما فيه خيري الدنيا والآخرة.
الجواب: من المعلوم أن الحج من أركان الإسلام ومبانيه العظام، وأنه لا يتم إسلام الشخص حتى يحج، إذا تمت في حقه شروط الوجوب؛ ولا يحل لمن تمت شروط الوجوب في حقه أن يؤخر الحج؛ لأن أوامر الله تعالى، ورسوله ﵊ على الفور، ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له فربما يفتقر، أو يمرض، أو يموت.
ولا يحل للآباء والأمهات أن يمنعوا أبناءهم من الحج إذا تمت شروط الوجوب في حقهم، وكانوا مع رفقة مؤتمنين في دينهم وأخلاقهم.
ولا يجوز للأبناء أن يطيعوا آباءهم، أو أمهاتهم في ترك الحج مع وجوبه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، اللهم إلا أن
стр. 490
يذكر الآباء أو الأمهات مبرراً شرعياً لمنعم فحينئذ يلزم الأبناء تأخير الحج إلى أن يزول هذا المبرر للتأخير.
أسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.
* * *
س٤٥١: من عليه دين هل يلزمه الحج ؟
الجواب: إذا كان على الإنسان دين يستغرق ما عنده من المال فإنه لا يجب عليه الحج؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الحج على المستطيع قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: الآية٩٧) . ومن عليه دين يستغرق ما عنده لم يكن مستطيعاً للحج، وعلى هذا فيوفي الدين، ثم إذا تيسر له بعد ذلك فليحج.
وأما إذا كان الدين أقل مما عنده بحيث يتوفر لديه ما يحج به من بعد أداء الدين فإنه يقضي دينه، ثم يحج حينئذ، سواء كان فرضاً أم تطوعاً، ولكن الفريضة يجب عليه أن يبادر بها، وغير الفريضة هو بالخيار إن شاء تطوع، وإن شاء أن لا يتطوع، وأن شاء أن لا يتطوع فلا إثم عليه.
* * *
س ٤٥٢: من وكل شخصاً ليحج عن أمه ثم علم بعد ذلك أن هذا الشخص قد أخذ وكالات عديدة فما الحكم حينئذ؟ أفتونا غفر الله لكم .
الجواب: الذي ينبغي للإنسان أن يكون حازماً في تصرفه، وأن لا يكل الأمر إلا إلى شخص يطمئن إليه في دينه، بأن يكون أميناً عالماً بما يحتاج إليه في مثل ذلك العمل الذي وكل إليه فإذا أردت أن
стр. 491
تعطي شخصاً ليحج عن أبيك المتوفى، أو أمك فعليك أن تختار من الناس من تثق به في علمه وفي دينه؛ وذلك لآن كثيراً من الناس عندهم جهل عظيم في أحكام الحج، فلا يؤدون الحج على ما ينبغي، وإن كانوا هم في أنفسهم أمناء، لكنهم يظنون أن هذا هو الواجب عليهم، وهم يخطئون كثيراً، ومثل هؤلاء لا ينبغي أن يعطوا إنابة في الحج لقصور علمهم، ومن الناس من يكون عنده علم لكن ليس لديه أمانة فتجده لا يهتم بما يقوله، أو يفعله في مناسك الحج لضعف أمانته ودينه، ومثل هذا أيضاً لا ينبغي أن يعطى أو أن يوكل إليه أداء الحج، فعلى من أراد أن ينيب شخصاً في الحج عنه أن يختار أفضل من يجده علماً وأمانة، حتى يؤدى ما طلب منه على الوجه الأكمل.
وهذا الرجل الذي ذكر السائل أنه أعطاه ليحج عن والدته وسمع فيما بعد أنه أخذ حجات أخرى لغيره ينظر فلعل هذا الرجل أخذ الحجات عن غيره وأقام أناساً يؤدونها، وقام هو بأداء الحج عن الذي استنابه ولكن هل يجوز للإنسان أن يفعل هذا الفعل؟ أي: هل يجوز للإنسان أن يتوكل عن أشخاص متعددين في الحج أو في العمرة، ثم لا يباشر هو بنفسه ذلك، بل يكلها إلى ناس آخرين؟
فنقول في الجواب: إن ذلك لا يجوز ولا يحل، وهو من أكل المال بالباطل، فإن بعض الناس يتاجر في هذا الأمر تجده يأخذ عدة حجج، وعدة عمرات على أنه هو الذي سيقوم بها، ولكنه يكلها إلى فلان وفلان من الناس بأقل مما أخذ هو، فيكسب
стр. 492
أموالاً بالباطل، ويعطي أشخاصاً قد لا يرضونهم من أعطوه هذه الحجج أو العمرات، فعلى المرء أن يتقي الله في إخوانه، وفي نفسه؛ لأنه إذا أخذ مثل هذا المال فقد أخذه بغير حق، ولأنه إذا ائتمن من قبل إخوانه على أنه هو الذي يؤدي الحج، أو العمرة فإنه لا يجوز له أن يكل ذلك إلى غيره، لأن هذا الغير قد لا يرضاه من أعطاه هذه الحجج أو هذه العمرات.
* * *
س ٤٥٣: شخص كبير في السن أحرم بالعمرة ولما وصل إلى البيت عجز عن أداء العمرة فماذا يصنع ؟
الجواب: الجواب: أنه يبقى على إحرامه حتى ينشط إلا إذا كان قد اشترط عند الإحرام: ((إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) ، فإنه يحل ولا شيء عليه، ولا عمرة، ولا طواف وداع، أما إذا لم يقل ذلك ولم يرجى زوال ما به فإنه يحتلل ويذبح فدية إذا كان واجداً لأن الله تعالى يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: ١٩٦) والنبي ﵊ عندما أحصر عن إتمام عمرة الحديبية ذبح هديه وحل.
* * *
س ٤٥٤: إذا حج الإنسان عن غيره بأجرة فبقي منها شيء فهل يأخذه ؟
الجواب: إذا أخذ دراهم ليحج بها وزادت هذه الدراهم عن نفقة الحج فإنه لا يلزمه أن يردها إلى من أعطاه هذه الدراهم
стр. 493
كان الذي أعطاه قال له: ((حج منها)) ولم يقل: ((حج بها)) فإذا قال ((حج منها)) فإنه إذا زاد شيء عن النفقة يلزمه أن يرده إلى صاحبه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذه، وأما إذا قال: ((حج بها)) فإنه لا يلزمه أن يرد شيئاً إذا بقي، اللهم إلا إذا يكون الذي أعطاه رجلاً لا يدري عن أمور الحج، ويظن أن الحج يكلف مصاريف كثيرة فأعطاه بناء على ظنه وعدم معرفته فحينئذ يجب عليه أن يبين له، وأن يقول: إني حججت بكذا وكذا، وإن الذي أعطيتني أكثر مما أستحق، وحينئذ إذا رخص له فيه وسمح له فلا حرج.
* * *
س ٤٥٥: إذا اعتمر الابن عن أبيه فهل يجوز له أن يدعو لنفسه ؟
الجواب: يجوز أن يدعو لنفسه في هذه العمرة، ولأبيه ولمن شاء من المسلمين، لأن المقصود أن يأتي بأفعال العمرة لمن أرادها له.
أما مسألة الدعاء فإنه ليس بركن ولا بشرط في العمرة فيجوز أن يدعو لنفسه، ولمن كانت له هذه العمرة، ولجميع المسلمين.
* * *
س ٤٥٦: ما حكم الإستنابة في الحج أو العمرة ؟
الجواب: توكيل الإنسان من يحج عنه لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون ذلك في فريضة.
الحالة الثانية: أن يكون ذلك في نافلة.
فإن كان ذلك في فريضة فإنه لا يجوز أن يوكل غيره ليحج عنه ويعتمر، إلا إذا كان في حال لا يتمكن بنفسه من الوصول إلى
стр. 494
البيت، لمرض مستمر لا يُرجى زواله، أو لكبر ونحو ذلك فإن كان يرجى زوال هذا المرض فإنه ينتظر حتى يعافيه الله، ويؤدي الحج بنفسه، وإن لم يكن لديه مانع من الحج بل كان قادراً على أن يحج بنفسه، فإنه لا يحل له أن يوكل غيره في أداء النسك عنه؛ لأنه هو المطالب به شخصياً قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: ٩٧) فالعبادات يقصد بها أن يقوم الإنسان بنفسه فيها ليتم له التعبد والتذلل لله ومن المعلوم أن من وكل غيره فإنه لا يحصل على هذا المعنى العظيم الذي من أجله شرعت العبادات.
وأما إذا كان الموكل قد أدى الفريضة وأراد أن يوكل عنه من يحج أو يعتمر فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم:
فمنهم من أجازه.
ومنهم من منعه.
والأقرب عندي: المنع، وأنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحداً يحج عنه، أو يعتمر إذا كان ذلك نافلة، لأن الأصل في العبادات أن يقوم بها الإنسان بنفسه، وكما إنه لا يوكل الإنسان أحداً يصوم عنه مع أنه لو مات وعليه صيام فرض صام عن وليه، فكذلك في الحج والحج عبادة يقوم فيها الإنسان ببدنه، وليست عبادة مالية يقصد بها نفع الغير، وإذا كانت عبادة بدنية يقوم الإنسان فيها ببدنه فإنها لا تصح من غيره عنه إلا فيما وردت به السنة، ولم ترد السنة في حج الإنسان عن غيره حج نفل، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ أعني أن الإنسان لا يصح أن يوكل غيره في نفل حج أو
стр. 495
عمرة، سواء كان قادراً أم غير قادر، ونحن إذا قلنا بهذا القول صار في ذلك حث على الأغنياء القادرين على الحج بأنفسهم، لأن بعض الناس تمضى عليه السنوات الكثيرة ما ذهب إلى مكة اعتماداً على أنه يوكل من يحج عنه كل عام، فيفوته المعنى الذي من أجله شرع الحج بناء على أنه يوكل من يحج عنه.
* * *
س ٤٥٧: هل يجوز الاعتمار عن الميت ؟
الجواب: يجوز الاعتمار عن الميت كما يجوز الحج عنه، وكذلك الطواف عنه يجوز، وكذلك جميع الأعمال الصالحة تجوز عن الميت، قال الإمام أحمد ﵀: كل قربة فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعه، ولكن الدعاء للميت أفضل من ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعه، ولكن الدعاء للميت أفضل من إهداء الثواب له، والدليل على هذا قول الرسول ﷺ : ((إذا مات إنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (١) ، ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ لم يقل: ((أو ولد صالح يتعبد له، أو يقرأ، أو يصلي، أو يعتمر، أو يصوم)) أو ما أشبه ذلك، مع أن الحديث في سياق العمل، فهو يتحدث عن العمل الذي ينقطع بالموت، فلو كان المطلوب من الإنسان أن يعمل لأبيه وأمه لقال النبي ﷺ : ((وولد صالح يعمل له)) ، ولكن لو عمل الإنسان عملاً صالحاً وأهدى ثوابه لأحد من المسلمين فإن ذلك جائز.
* * *