إستجة، الجزيرة، شلب، شذونة، وادي الحجارة، أشونة، بطليوس، رية ... إلخ. أما الحواضر الكبرى كقرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة فحدث عن كثرة ورودها ولا حرج.
فإذا ألم بخاطرك ما لكل من هؤلاء العلماء الـ "٧١٢" من تواليف، دار رأسك من كثرتها وعرفت: لِمَ يتهيب الباحث من إطلاق حكم في تراث لم يطلع منه على عشرة كتب من عدة آلاف؟ ومع هذا فإلقاء لمحات جزئية هنا وهناك في الموضوع لا يضر، بل هو تمهيد للوصول إلى النظرة المحيطة الشاملة على قدر الإمكان، وتجنيب لما يمكن أن يقع فيه الباحث من أخطاء شائعة.
لا يخطئ دارس مطولات النحو أن يقع على آراء لأندلسيين في جزئيات نحوية، فأسماء ابن خروف "٦٠٩هـ" وابن عصفور "٥٩٧-٦٦٣هـ" والشلوبيني "٥٦٢-٦٤٥هـ" وابن الضائع "٦٨٠" وغيرهم تذكر بين أسماء النحاة المشارقة حين عرض الآراء في الخلاف، إلا أن متصفحها لا يجد فيها ما يميزها من غيرها من التخريجات المختلفة المعروضة في القضية الواحدة, أو بعبارة أخرى: ليس لآراء الأندلسيين هؤلاء سمات مدرسة خاصة.
ويريد بعض الناس أن يذكر ابن مالك"٦٠٠-٦٧٢هـ" وأبا حيان "٦٥٤- ٧٤٥هـ" علمين بارزين لمدرسة أندلسية كان لها أثر واسع في النحو وتعليمه في المشرق، وهذا ظن يروج ابتداء لكنه لا يثبت عند النظرة الفاحصة الأولى:
стр. 107
فابن مالك خرج من الأندلس إلى المشرق صغيرا، ولم يذكروا له شيخا في النحو غير الشلوبيني، قالوا: إنه قرأ عليه نحوا من ثلاثة عشر يوما، فلما حل الشام سمع من بعض شيوخها، ولم يجد له أبو حيان بعد البحث "شيخا مشهورا يعتمد عليه؛ لأنه إنما أخذ هذا العلم من خاصة نفسه"١، "وصرف همته إلى إتقان لسان العرب, حتى بلغ فيه الغاية"١.
وأمر أبي حيان قريب من أمر ابن مالك: خرج من الأندلس هاربا في شبيبته وكان قرأ على بعض شيوخها, ثم أتم قراءته وزاول الإقراء في المغرب والمشرق. فإن اعتبرنا الشكل الصوري كان أثر التعليم الأندلسي في أبي حيان قليلا وفي ابن مالك أقل بكثير؛ وإن اعتبرنا الجوهر -وحق اعتباره- وجدنا نحو هذين الرجلين في تواليفهما مشرقيا محضا. أما كونهما ذويْ أثر واسع في النحو وتعليمه في الشرق فهذا صحيح ومرده إلى شخصيتيهما لا إلى أندلسيتهما، فأسلوب ابن مالك في نظم مسائل العلم وشرحها وغيرته المخلصة الحارة في نشره وإقرائه أغريا عصرييه، وكان لهما أكبر الأثر في حياته، فانتفع الناس بعلمه، وما زال الله ينفع به إلى يوم الناس هذا. أما أبو حيان فآثار حواضر المشرق العلمية في كتبه أظهر من أن تخفى.
والشيء الذي يجوز أن يناقش هنا ما ذكروا من أن ابن مالك وابن خروف شرعا الاستشهاد بالحديث الشريف والاحتجاج به في قضايا اللغة والنحو، فخالفا بذلك -زعموا-
стр. 108
سنة من قبلهم من النحاة، وإذ كانا أندلسيين جعل بعضهم هذا الاحتجاج مذهبا أندلسيا.
وكل ذلك وهم لا يقره تاريخ الفن، ولعل الذي حداهم عليه كلمة أبي حيان في شرح التسهيل: "إن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن مبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك" ا. هـ. والتحقيق عير هذا: فالجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن جني، وابن بري، ومن بعدهم من أصحاب المعجمات وكتب النحو، كلهم احتج بالحديث، بل قال السهيلي: "لا نعلم أحدا من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في شرح التسهيل, وأبو الحسن الضائع في شرح الجمل, وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي"١.
فنزعة الاحتجاج بالحديث إذًا مشرقية قديمة, وإنما سار ابن مالك وابن خروف سيرة من قبلهما من الأئمة المتبوعين في المشرق, ومع جزئية هذه القضية ليس فيها مذهب أندلسي. وبذلك ننتهي من نقاش كل ما قيل في الموضوع لأقف وقفة جديدة مع ابن حزم في كتاب عرفه الباحثون العام الفائت.
стр. 109
أرقى صعدا في تاريخ النحو مائتي سنة قبل وفاة ابن مالك لأمعن في نص لابن حزم، وهو إمام أندلسي ما رأى المشرق قط، بل ما جاوز "الزقاق" إلى عدوة المغرب -فيما أذكر الآن- وهي منه على قاب قوس، فهو خالص الأندلسية.
ولا تعجب من وقوفي على ابن حزم ولم يذكر له كتاب في النحو ولا عرف بإمامة فيه؛ لأنه لا يلزم من اهتمامه بعلوم الشريعة وتركه فيها المؤلفات الجليلة الحسان التى سارت بذكرها الركبان ألا يكون من أولي الشأن في النحو بل من أهل الرأي في أصوله، ومن غير البعيد لو تركت له الشريعة فراغا أن يترك في النحو آثارا أصيلة مبتكرة أيضا.
وأي كان, فقد عرج عرضا في كتابه "التقريب لحد المنطق" على أحد الآساس التي بني عليها النحو, فوضع تحته هذه المتفجرة الصغيرة١.
"وأما علم النحو فـ "يرجع" إلى مقدمات محفوظة عن العرب الذين نريد٢ معرفة تفهمهم للمعاني بلغتهم، وأما العلل فيه ففاسدة جدا".
وهذا إبطال للقياس جملة؛ لأن القياس "حمل غير المنقول
стр. 110
على المنقول في حكم لعلة جامعة بينهما"١ فإذا كانت العلل فاسدة فسد القياس حتما؛ إذ عليها بني. وقولة ابن حزم هذه تشريع لنحو جديد لو وجد له منظمون.
ومع أني لا أعقل أبدا نحوا لا قياس فيه، وددت لو تضافر بعد ابن حزم نحاة حاولوا أن يتركوا لنا مخططا كاملا لنحو "ظاهري" لا قياس فيه ولا تعليل، كما فعل هو حين استطاع أن ينفي عن الشريعة القياس والتعليل, فترك تراثا ضخما لمذهب متماسك متين وفق فيه إلى حد بعيد.
وهذا من طبيعة الأشياء، للفارق العظيم بين الشريعة واللغة: فالله قد أكمل الدين، ولم ينتقل الرسول ﵊ إلى الرفيق الأعلى حتى بيّن للناس كل ما يجب أن يعرفوه من حلال وحرام؛ أما اللغة فلا سبيل إلى حصرها في جمل لا يتعداها الناس إلى يوم القيامة، بل هي متجددة متوالدة كل لحظة منذ المتكلم الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولو حاول أحد من الأندلسيين البناء على الأساس الذي ألقاه ابن حزم لصح -مع شيء غير قليل من التسامح والتجوز- أن يكون من ذلك مذهب أندلسي إلى حد ما، أما رسالة ابن مضاء فليست هناك٢.
стр. 111
قلت: "مع شيء غير قليل من التسامح والتجوز" و"إلى حد ما" لأن القول بضعف بعض العلل النحوية قديم متعارف في المشرق حتى جرى به المثل فقيل: "أضعف من حجة نحوي" على ما في هذا القول من مبالغة وخطأ في التعميم. وعلماء هذا الشأن أحاطوا بذلك وأشاروا إليه وعلموه، وصرح الخليل بن أحمد "١٧٥م" قبل ابن حزم بنحو ثلاثة قرون أنك لا تصل إلى ما تحتاج إليه من النحو حتى تتعلم ما لا تحتاج إليه. فاستضعاف العلل النحوية قال به كثيرون قبل ابن حزم, فليس فيه بسابق، وإنما بالغ ابن حزم حين جعلها "فاسدة جدا" فعمم واشتط. والحقيقة الهادئة هي عند الذين صنفوا هذه العلل, فجعلوا منها المقبول ومنها الضعيف ومنها الخيالي١.
وفرق كبير بين إطلاق ابن حزم ومن قلده كابن مضاء، ومن تجرد للبحث والاستقراء بأناة وصبر فجمع الأمثلة والشواهد بين يديه يمعن فيها ويفلسفها حتى انتهى إلى "أن العرب قد
стр. 112
أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها, وما حملناه عليها"١.
فالشك في العلل النحوية إذًا ليس من صادرات الأندلس، بل تعاوره في أسلوب علمي جهابذة مشارقة منذ عهد الخليل، فليس فيه ما يسمى مذهبا أندلسيا من قريب ولا بعيد.
أما بعد، فأنا لا أقول بالإقليمية بالأدب, فكيف تخطر لي في العلم وهو الذي لا وطن له؟! وإنما تتعاون على إنمائه جماهير من كل جنس وبلد، ولعل المسألة من مسائله بذلت في كشفها جهود كثيرة ضخمة من معلومين ومجهولين، بل ما أكثر الجنود المجهولين في العلم، وإنه ليقع في حدسي أنهم أكثر من المعروفين بما لا يخطر على بال. وهذه الآراء الجزئية التى عرضت لها قامت على ما وصل إلى علمي من آثار، وليست كلمة أخيرة، ومتى كان في العلم كلمة أخيرة؟ وهل سكوت المصادر عن كتاب مطول لابن حزم في النحو قاطع على أنه لم يوجد؟ وهل جهلي أنا بما في خبايا المكتبات في الأندلس والمغرب وحتى المشرق من آثار نحوية يقنعني بأنه ليس هناك مذهب أندلسي في النحو؟
إن الوصول إلى شيء جديد نركن إليه موقوف على ظهور آثار جديدة، وما قدمت من أحكام شخصية صحيح اعتمادا على ما وصل إلى اطلاعي وما أقله، وكل مخطوط جديد ينشر حافز على إعادة النظر واستئناف المحاكمة.
فهل لإخواننا المغاربة عامة ومغربهم -كما تحققت
стр. 113
في رحلتي القصيرة- متحف مجهول، أن يواصلوا السعي فرادى وجماعات في الكشف عن مخبآتهم والتعريف بها؟ وهل لدارسي النحو منهم خاصة أن يعكفوا على نشر النافع من آثاره, فيملئوا ثغرا في ميادين البحث ما زالت خالية؟
ومن يدري؟! فلعلنا في المستقبل لا نكتفي بالقول: "إن النحو الأندلسي قياسي مع نزعة سماعية" كما هو في المشرق، بل نؤكد واثقين بما سيظهر من خصائص وسمات تنتزع من مخطوطات يكشف عنها, أن هناك في النحو "مذهبا أندلسيا حقا" بكل ما في كلمة "مذهب" من مقومات. ا. هـ.
стр. 114
خاتمة:
يرى الباحث بعد التقصي أنه قد تضم البلدة الواحدة نحاة من منازع مختلفة، يطغى عليها أحيانا مذهب أهل البصرة، وأحيانا مذهب الكوفة، تبعا لنزعة العالم ذي الأثر فيها. فهذه "حلب" من مدن الشام ضمت عالمين مختلفي النزعة كل الاختلاف في زمن واحد: ابن جني رأس مدرسة القياس الذي كان للمذهب البصري إمامه الأعظم، وابن خالويه الكوفي المنزع صاحب كتاب "ليس في كلام العرب"، الذي اتبع فيه السماع نافيا من اللغة ما جوزه "فلسفة" نحاة البصرة، وبعدهما كان في الشام المعري الذي كان واسع الرواية سماعيا إلى أبعد حدود السماع، يضيق بنحو البصرة الذي كان في أيامه طافحا بالجدل والقياس والتعليل١. وهذه النزعة ظاهرة في كتبه كل الظهور، وحسبك أن تلم برسالة الملائكة لترى مبلغ عنايته بالرواية والسماع، أو أن تمعن في "رسالة الغفران" لترى نقمته على البصريين خاصة من حيث
стр. 115
كانوا أهل القياس١.
стр. 116
كتب ونصوص:
١- " الكتاب" لسيبويه:
كان سيبويه تلميذ الخليل الخاص، استوعب علمه، وورث ملكته في القياس والابتكار، ولزم طريقته في التوثق مما يسمع عن العرب، وأودع هذا كله "الكتاب" الذي لولاه لضاع علم الخليل في النحو والصرف.
ولم يقتصر سيبويه على علم الخليل بل جمع إليه علم كثير من الفحول المشهورين في عصره، فتتلمذ على أبي عمرو بن العلاء وعلى يونس بن حبيب وعلى أبي الخطاب الأخفش، وأبي زيد الأنصاري, وغيرهم، وإذا لم يسم من ينقل عنه اكتفى بوصفه مثل "حدثني من أثق بعربيته" أو "أنشدناه أعرابي من أفصح الناس"، أما شواهده فكلها معزوة إلى من يحتج به من العرب وأحصوا في "الكتاب" ألفا وخمسين شاهدا معروفا إلا خمسين منها، ومع ذلك جرى العلماء على الثقة بها مع عدم عزوها لاقتناعهم بأن سيبويه يتحرى في الأخذ والنقل، فجعلوا نقله لهذه الشواهد بمنزلة عزوها إلى من يحتج بلغته؛ لأن التحري والوثوق من عربية من ينقل عنه سمة البصريين عامة, ومدرسة الخليل على التخصيص.
стр. 117
ولسيبويه طابعه المتميز به وشخصيته التي يحس بها قارئ كتابه، فقد استوعب ما نقل ودرسه وتمثله، وناقشه وحكم عليه، فكثيرا ما تجد في كتابه: قال فلان كذا والقياس كذا، وقال النحاة كذا والصواب خلافه، وحسبك أن تجد بابا خاصا نقد فيه النحاة في بعض ما ذهبوا إليه.
"وذلك قولك: ويحٌ له وتب، وتبا لك وويحا، فجعلوا التب بمنزلة الويح، وجعلوا "ويح" بمنزلة التب فوضعوا كل واحد منهما في غير الموضع الذي وضعته العرب ... إلخ"١.
وجعل سيبويه عنوان هذا الباب مشعرا بنقد صنيعهم فقال:
"هذا باب استكرهه النحويون وهو قبيح، فوضعوا الكلام على غير ما وضعت العرب"١.
وأسلوب سيبويه هذا هو الطابع الأصيل للمذهب البصري الذي مر بك الكلام عنه.
وسبق أن عرفت أن سيبويه ينقل كلام المخالفين نقلا موضوعيا معلقا عليه حينا، ومكتفيا بإثباته حينا آخر، وأنه إذا قال: "قال الكوفي" فإنما يعني أبا جعفر الرؤاسي، كما أن "قال" إذا لم يذكر فاعلها إلى جانبها ففاعلها الخليل لكثرة النقل عنه.
درج القدماء على استعظام كتاب سيبويه وتشبيههم لدراسته بركوب البحر، وأن أتباعه يفاخرون به، وخصومه يقرءونه سرا على تلاميذ سيبويه ولا يجاهرون, وذلك مشعر بأنهم موقنون أن المعرض عنه حارم نفسه من خير كثير لا تسمح نفس
стр. 118
العارف بالزهد به عادة.
في الكتاب شواهد كثيرة من حر الشعر العربي ومن أوثق ما نقل عن العرب من نثر، وعبارة سيبويه عربية جيدة موجزة جزلة جزالة تلحقها بالسماع الذي يحتذيه البلغاء.
وعلى الدارس اليوم أن يعرف أن ترتيب الكتاب وتبويبه يختلفان عما ألف في العصور المتأخرة من ترتيب وتبويب للفرق الزمني والبيئي، فالبيئة التى ألف لها الكتاب أرفع جدا من حيث الثقافة العربية من البيئات التى ألفت لها الكتب في العصور المتتالية حتى اليوم. وهذا الفارق لا بد من ملاحظته؛ ليحفزنا على الدأب والتؤدة وحسن الاستعداد لنستفيد من آثار الفحول.
في أيدي الناس اليوم الطبعة الأميرية "ببولاق سنة ١٣١٧هـ" في جزأين جاوزا "٩٠٠" صفحة من القطع الكبير، على هامشهما تعليقات مفيدة من الشرح المشهور لأبي سعيد السيرافي من رجال المائة الرابعة "٣٦٨هـ"، وفي حواشيهما شرح الشواهد للأعلم الشنتمري الأندلسي من رجال المائة الخامسة "٤٧٦" وإليك الموضوعات الهامة كما وردت متسلسلة:
في الجزء الأول: الكلمة, فاعل اللازم والمتعدي من الأفعال وأشباهها, أسماء الأفعال, إضمار الفعل, المصادر المنصوبة, الحال, المفعول فيه, الجر والتوابع, عمل الصفات, بعض المنصوبات, المبتدأ والخبر, النكرة والمعرفة, الابتداء,
стр. 119
إن وأخواتها, كم, النداء, الندبة, الترخيم, لا التبرئة, الاستثناء, الضمائر, أي, مَن, ذا, نواصب المضارع وجوازمه, أسماء الشرط, توكيد الأفعال, إن وأن, "أم" و"أو".
في الجزء الثاني: ما ينصرف وما لا ينصرف, النسب, التصغير, حروف القسم, نونا التوكيد, إدغام المضعف, المقصور والممدود, تمييز الأعداد, التكسير, أوزان المصادر, صيغ الأفعال ومعاني الزوائد, زنة المصادر ذوات الزوائد, أسماء الأماكن, اسم الآلة, ما أفعله, أحكام حلقي العين, الإمالة, هاء السكت مع ألف الوصل, الوقف, هاء الضمير, الترنم, حروف الزوائد, القلب "الإعلال", وزن أفعلاء, التضعيف, الإدغام, ما خفف شذوذا.
هذا، ومن ألف الدراسة في كتب النحو الحديثة والعصور التى قبلها يجد شيئا من الصعوبة في البحث عن مطلوبه في كتاب سيبويه لاختلاف تبويبه كما أسلفت، ويحتاج إلى قليل من الألفة للكتاب حتى يأنس بأسلوبه، حتى إذا مضى شوطا في صحبته انقلبت صعوبته متعة ولذة إذا كان ذا إلمام كافٍ وشغف بالفن.
وإليك نموذجين اخترتهما لقصرهما، الأول ما نسميه: "العطف على المحل" والثاني لاسم كان واسم ليس إذا كانا ضميري شأن، وستلاحظ كيف اختلف المصطلح والأداء معا:
стр. 120
هذا باب ما نجريه على الموضع لا على الاسم الذي قبله:
وذلك قولك: "ليس زيد بجبان ولا بخيلا" و"ما زيد بأخيك ولا صاحبك" والوجه فيه الجر؛ لأنك تريد أن تشرك بين الخبرين، وليس ينقض إجراؤه عليه المعنى، فأن يكون آخره على أوله أولى ليكون حالهما في الباء سواء كحالهما في غير الباء مع قربه منه. وقد حملهم قرب الجوار على أن جروا "هذا جحر ضب خرب" ونحوه، فكيف ما يصح معناه؟
ومما جاء من الشعر في الإجراء على الموضع, قول عقيبة الأسدي:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
أديروها بني حرب عليكم ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا١
لأن الباء دخلت على شيء لو لم تدخل عليه لم يخل بالمعنى, ولم يحتج إليه ولكان نصبا، ألا تراهم يقولون: "حسبك هذا" و"بحسبك هذا" فلا يتغير المعنى، وجرى هذا مجراه قبل أن تدخل الباء؛ لأن "بحسبك" في موضع ابتداء. ومثل ذلك قول لبيد:
стр. 121
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلتزعك العواذل
والجر الوجه. ولو قلت: "ما زيد على قومنا ولا عندنا" كان النصب ليس غير؛ لأنه لا يجوز حمله على "على"، ألا ترى أنك لو قلت: " ... ولا على عندنا" لم يكن؛ لأن "عندنا" لا يستعمل إلا ظرفا، وإنما أردت أن تخبر أنه ليس عندكم. وقال: "أخذتنا بالجود وفوقه" لأنه ليس من كلامهم " وبفوقه". ومثل "ودون معد" قول الشاعر, وهو كعب بن جعيل:
ألا حي ندماني عمير بن عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
وقال العجاج:
كشحا طوى من بلد مختارا ... من يأسة اليائس أو حذارا١
وتقول: "ما زيد كعمرو, ولا شبيها به" و"ما عمرو كخالد ولا مفلحا" النصب في هذا جيد؛ لأنك إنما تريد "ما هو مثل فلان, ولا مفلحا" هذا معنى الكلام. فإن أردت أن تقول: "ولا بمنزلة من يشبهه" جررت نحو قولك: "ما أنت كزيد, ولا شبيهٍ به" فإنما أردت "ولا كشبيه به". وإذا قلت: "ما أنت
стр. 122
بزيد ولا قريبا منه" فإنه ليس ههنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجيء بها، وأنت إذا ذكرت الكاف تمثل، ويكون "قريبا" ههنا إن شئت ظرفا، وإن لم تجعل "قريبا" ظرفا جاز فيه الجر على الباء والنصب على الموضع. "الكتاب ١: ٣٣".
هذا باب الإضمار في ليس وكان:
كالإضمار في "إنّ" إذا قلت: "إنه من يأتنا نأته" "إنه أمة الله ذاهبة". فمن ذلك قول بعض العرب: "ليس خلق الله مثله" فلولا أن فيه إضمارا لم يجز أن تذكر الفعل ولم تعمله في اسم، ولكن فيه من الإضمار مثل ما في "إنه". وسوف يبين حال هذا الإضمار كيف هو إن شاء الله. قال حميد الأرقط:
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى تلقي المساكين١
فلو كان "كل" على "ليس" ولا إضمار فيه لم يكن إلا الرفع في "كل"، ولكنه انتصب على "تلقي"، ولا يجوز أن نحمل "المساكين" على "ليس" وقد تقدمت فجعلت الذي يعمل فيه الفعل الآخر يلي الأول وهذا لا يحسن. لو قلت: "كانت زيدا الحمى تأخذ" أو "تأخذ الحمى" لم يجز وكان قبيحا, ومثل ذلك في الإضمار قول العجير، سمعناه ممن يوثق بعربيته:
стр. 123
إذا مت كان: الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
أضمر فيها. وقال بعضهم: "كان أنت خير منه" كأنه قال: "إنه أنت خير منه". ومثله "كاد تزيغ قلوب فريق منهم"١ وجاز هذا التفسير لأن معناه "كادت قلوب فريق منهم تزيغ" كما قلت: "ما كان الطيبُ إلا المسك" على إعمال "ما كان الأمر: الطيب إلا المسك" فجاز هذا إن كان معناه "ما الطيب إلا المسك"، وقال هشام أخو ذي الرمة:
هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء للداء مبذول
ولا يجوز هذا في "ما" في لغة أهل الحجاز؛ لأنه لا يكون فيه إضمار. ولا يجوز أن تقول: "ما زيدا عبد الله ضاربا" و"ما زيدا أنا قاتلا" لأنه لا يستقيم كما لم يستقم أن تقدم في "كان" و"ليس" ما يعمل فيه الآخر؛ فإن رفعت الخبر حسن حمله على اللغة التميمية كأنك قلت: "أما زيدا فأنا ضارب" كأنك لم تذكر "ما"، وكأنك قلت: "زيدا أنا ضارب".
وقال مزاحم العقيلي:
وقالوا: تعرفها٢ المنازلَ من منى ... وما كلّ من وافى منى أنا عارف
стр. 124
وقال بعضهم: وما كلُّ من وافى منى أنا عارف.
لزم اللغة الحجازية فرفع كأنه قال: "ليس عبدُ الله أنا عارف" فأضمر الهاء في "عارف" وكان الوجه: "عارفُه" حيث لم يعمل "عارف" في "كل"، وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير؛ لأنهم قد يدعون هذه الهاء في كلامهم وفي الشعر كثيرا، وذلك ليس في شيء من كلامهم ولا يكاد يكون في شعر, وسنرى ذلك إن شاء الله.
"الكتاب ١: ٣٥".
стр. 125
٢- ابن جني وكتاباه:
"٣٩٢هـ":
"عثمان بن جني "بسكون الياء معرب كني" أبو الفتح النحوي من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وعلمه بالتصريف أقوى وأكمل من علمه بالنحو. وسببه أنه كان يقرأ النحو بجامع الموصل، فمر به أبو علي الفارسي فسأله عن مسألة في التصريف فقصر فيها, فقال أبو علي: "زببت قبل أن تحصرم" فلزمه من يومئذ مدة أربعين سنة، وأُعني بالتصريف، ولما مات أبو علي تصدر ابن جني مكانه ببغداد؛ وأخذ عنه الثمانيني وعبد السلام البصري وأبو الحسن السمسمي.
قال في "دمية القصر": وليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له "ولا" سيما في علم الإعراب، وكان يحضر عند المتنبي ويناظره في شيء من النحو من غير أن يقرأ عليه شيئا من شعره أنفة وإكبارا لنفسه، وكان المتنبي يقول فيه: "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس".
صنف "الخصائص" في النحو، و"سر الصناعة"، وشرح "تصريف المازني"، وشرح مستغلق "الحماسة"، وشرح "المقصور والممدود"، وشرحين على "ديوان المتنبي"، واللمع في النحو "جمعه من كلام شيخه الفارسي", والمذكر والمؤنث، ومحاسن العربية، والمحتسب في إعراب الشواذ، وشرح الفصيح, وغير ذلك.
مولده قبل الثلاثين وثلاثمائة، ومات لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة".
بغية الوعاة ص٣٢٢ ١.
كتب ابن جني تعد الذروة التي ارتقت إليها بحوث العلماء
стр. 126
في علوم اللغة العربية وفلسفتها، "لقد كان أعلى علماء العربية كعبا في جميع عصورها، وأغوصهم عامة على أسرار العربية, وأنجحهم في الاهتداء إلى النظريات العامة فيها وكتابه الكبير "الخصائص" لا يزال محطّ إعجاب علماء العرب والغرب على السواء، وحسبك أن ابن جني هو مبتدع نظرية الاشتقاق الكبير١ ومؤسس علم فقه اللغة على ما يحسن أن يفهم عليه هذا العلم اليوم، أما التصريف فهو إمامه دون منازع، وقلما تقرأ كتابا فيه ولا يكون ابن جني مرجع كثير من مسائله"٢.
لن نتعرض لمزايا كتابه العظيم "الخصائص" لأنه أدخل في فقه اللغة، وإنما عُني منهاجنا بالناحية الصرفية عند ابن جني ونص على كتابيه "التصريف الملوكي" و"المنصف".
١- التصريف الملوكي:
هذا كتاب موجز جدا في علم الصرف، جيد العبارة، مكثف المعاني، وضع للشادين في هذا العلم، ومباحثه تدور حول المطالب الآتية:
معنى التصريف, الزيادة في بنية الكلمة "حروف الزيادة, معانيها, مواضعها, أدلتها", الإبدال, الحذف, الإعلال, الإدغام الأصغر والإدغام الأكبر.
стр. 127
ومع إيجازه نجده يتعرض أحيانا لآراء العلماء في المسألة التي يعرضها, فيشعرنا بموضع الخلاف إشعارا خفيفا، ويلاحظ أن كتابه بين يدي قارئ مبتدئ فيوسع عبارته حين يحاول تبسيط الميزان في الصرف وتطبيقه على الكلمات المختلفة، وهو ذو عناية بالشواهد حتى للمبتدئين، أسلوب درج عليه القدامى من علماء العربية إشعارا للمتعلم أن العربية بشواهدها وأن القواعد خادمة للشواهد، وإنما وضعت إعانة للمتعلم حتى يلتحق بأهل العربية بملكته التى تنمو بدراسة الشواهد خاصة وبتمثلها.
وعبارته صافية خالية من كل حشو، على عكس ما يكثر في كتب المتأخرين. وحسبك أن تعلم أن كتابه وقد طبع سنة ١٣٣١هـ ١٩١٣م كان في نحو ٩٠ صفحة من القطع الصغير، نصفها تعاليق مصحح الطبع، وإليك نموذجين منه:
стр. 128
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التصريف الملوكي ١:
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
هذه جمل من أصول التصريف يقرب تأملها، وتقل الكلفة على ملتمس الفائدة منها، قليلة الألفاظ، كثيرة المعاني.
في القول على معنى قولنا "التصريف":
معنى قولنا: "التصريف" هو أن تأتي إلى الحروف الأصول -وسنوضح قولنا: الأصول- فتتصرف فيها بزيادة حرف أو تحريف بضرب من ضروب التغيير, فذلك هو التصرف فيها والتصريف لها، نحو قولك: "ضرب" فهذا مثال الماضي، فإن أردت المضارع قلت: "يضرب"، أو اسم الفاعل قلت: "ضارب"، أو المفعول قلت: "مضروب"، أو المصدر قلت: "ضربا"، أو فعل ما لم يُسم فاعله قلت: "ضُرِبَ"، وإن أردت أن الفعل كان أكثر من واحد على وجه المقابلة قلت: "ضارب"، فإن أردت أنه استدعى الضرب قلت:
стр. 129
"استضرب"، فإن أردت أنه كثّر الضرب وكرّره قلت: "ضرَّب"، فإن أردت أنه كان فيه الضرب في نفسه مع اختلاج وحركة قلت: "اضطرب"؛ وعلى هذا عامة التصرف في هذا النحو من كلام العرب. فمعنى التصريف هو ما أريناك من التلعب بالحروف الأصول لما يراد فيها من المعاني المفادة منها, وغير ذلك.
فإذا قد ثبت ما قدمناه, فليعلم أن التصريف ينقسم إلى خمسة أضرب: زيادة, وبدل, وحذف, وتعبير حركة أو سكون, وإدغام.
القول على حروف الزيادة:
وهي عشرة أحرف: الألف والياء والواو والهمزة والميم والتاء والنون والهاء والسين واللام، ويجمعها قولك: "اليوم تنساه" ويقال أيضا: "سألتمونيها". ويحكى أن أبا العباس سأل أبا عثمان١ عن حروف الزيادة, فأنشده أبو عثمان:
هويت السمان فشيبنني ... وما كنت قدما هويت السمانا
فقال أبو العباس: "الجواب" فقال: "قد أجبتك دفعتين" يعني قوله:
هويت السمان.
معرفة قولنا: الأصل والزائد
الأصل عبارة -عند أهل هذه الصناعة- عن الحروف التي تلزم الكلمة في كل موضع من تصرفها ... إلخ.
стр. 130
واعلم أن لكل حرف من هذه الحروف موضعا تكثر فيه زيادته، وموضعا تقل فيه، وربما اختص الحرف بالموضع لا يوجد زائدا إلا فيه. فاعرف تلك الأماكن بما أذكره لك، وليكن الحكم على الأكثر لا على الأقل.
فأما الألف والياء والواو فالحكم عليهن أنهن متى كانت واحدة منهن مع ثلاثة أحرف أصول فصاعدا -ولم يكن هناك تكرير- فلا تكون إلا زائدة، عرفت الاشتقاق أو لم تعرفه؛ فإن عرفته كان على ما ذكرنا لا محالة، وإن لم تعرفه حملت ما جهل من أمره على ما علم.
من ذلك: "كوثر" الواو فيه زائدة؛ لأن معك ثلاثة أحرف أصول لا يشك فيها, وهي: الكاف والثاء والراء، فالواو زائدة؛ هذا طريق القياس.
فأما طريق الاشتقاق فكذلك أيضا، ألا تراه من معنى الكثرة، يقال: "رجل كوثر" إذا كان كثير العطاء، قال الشاعر:
وأنت كثير يابن مروان طيب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا١
وكذلك الياء في "كثير"، والألف في "كاثر"، الحكم فيها ثلاثتها واحد، قال الأعشى:
стр. 131
ولست بالأكثر منهم حصًى ... وإنما العزة الكاثر
٢- المنصف "شرح كتاب التصريف":
كتاب التصريف للمازني مشهور متداول منذ المائة الثالثة للهجرة، تواصى العلماء به وأوصوا تلاميذهم بقراءته وإقرائه، وتباهى هؤلاء بسندهم إلى أساتيذهم بقراءة هذا الكتاب لما كان له من شأن في هذا الفن. ومؤلفنا ابن جني قرأه على شيخه أبي علي الفارسي وهذا قرأه على شيخه السري السراج، وهذ قرأه على المبرد، وهذا قرأه على شيخه المازني مؤلف الكتاب١.
ولشأن هذا الكتاب وإقبال الناس عليه عُني ابن جني بشرحه عناية بالغة، ويلفت نظرنا من مقدمته لهذا الشرح أمور هامة نص عليها في مقدمته التي ستقرأ فقرا منها بعد هذا التعريف، من ذلك:
١- أنه شرح وضع للذين أحكموا أصول هذا الفن، يعني أنه لعلماء الصرف لا للمبتدئين.
٢- وأن كتاب المازني هذا من أرصن كتب الصرف وأعرقها في الإيجاز والاختصار، فعلى قارئه تجنب العجلة في دراسته.
٣- وأن ابن جني قصد في الشرح إلى غامض الكتاب ومشكله
стр. 132
وعويصه وغريبه ليكون شرحه المرجع الوافي في مشاكل الصرف.
٤- وأن من اللغة ما لا يؤخذ إلا بالسماع، وأن هناك فروقا بين اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق, وأن بعض أهل اللغة لهم تخليط فيما سبيله القياس.
وطريقته أن يعرض فقرة فقرة من كتاب المازني, فيبسط مسائلها ويوضحها ويمثل لها حتى إذا اطمأن إلى كفاية الشرح انتقل إلى فقرة تالية. وعادته أن يبدأ الفقرة بقوله: "قال أبو عثمان" فإذا انتهت بدأ شرحه لها بقوله: "قال أبو الفتح" فيجعلنا دائما نقف على عبارة المتن وعبارة الشرح, كل على حدة.
هذا الشرح يتفاوت سعة على وفق المسائل المعروضة في الفقرة، فتارة يطول حتى يكون أضعاف المتن وتارة يقصر حتى يساويه وحينا يقل عنه, على مقدار ما يرى ابن جني الحاجة داعية إليه.
والشرح مبسوط, كثير الاعتماد على الشواهد والأمثلة.
وفي مقدمة الشرح نلمس إكبار ابن جني للمازني ولعلمه إكبارا دالا على خلقه العلمي، وهو مع إكباره له وللعلماء القدامى عامة لا ينزههم عن الخطأ.
ولا ينسى أن يحملنا معه على إكبارهم ويوصي بالخطة التي على قارئ كتب العلماء أن يلتزمها إزاءهم, فيشعرنا بنبالته وسمو أخلاقه وينص على وجوب التجاوز عما أخطئوا فيه، وأن يعزو إليهم ما استفاده منهم ويسلم لهم بما فضلهم الله, ويعترف بإحسانهم وتطولهم عليه "فإن فعل ذلك فعلى محجة
стр. 133
أهل العلم والأدب وقف، وإن أبى إلا كفران النعمة فعن المروءة والإنسانية صدف".
وهذه أبواب الكتاب: الأسماء والأفعال, الزيادة, ما قيس من الصحيح, الياء والواو, ما لحقته الزوائد من الفعل الثلاثي المعتل, باب ما جاء من ذلك في الأسماء, ما تقلب فيه الواو ياء, تكسير الأسماء المعتلة, ما لامه همزة, الواو والياء اللتان هما لامان, ما تقلب فيه الياء واوا, التضعيف في بنات الواو, التضعيف في بنات الياء, ما قيس من المعتل ولم يجئ مثاله إلا من الصحيح, ما تقلب فيه افتعل عن أصلها.
وغني عن البيان أن إسهاب ابن جني في مسائل الصرف هنا جعلته يفيض في مسائل الخلاف وأقوال العلماء، ويكثر من الشواهد والتعليق عليها. فالكتاب بسط للمنتهين المتمكنين لا كالكتاب الأول الذي وضع للذين هم في أول الطريق.
وقد طبع هذا الكتاب المسهب طبعة جيدة سنة ١٣٧٣هـ ١٩٥٤م في جزأين, من القطع الوسط, زادت صفحاتهما على "٩٠٠" صفحة.
وإليك فقرا من مقدمته وفيها بسط خطته في الشرح, ثم بابين صغيرين من أبواب الكتاب:
стр. 134
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المنصف: شرح ابن جني لكتاب "التصريف" للمازني
من المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين, قال أبو الفتح عثمان بن جني ﵀:
هذا كتاب أشرح فيه كتاب أبي عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني ﵀ في التصريف، بتمكين أصوله، وتهذيب فصوله، ولا أدع فيه بحول الله وقوته غامضا إلا شرحته، ولا مشكلا إلا أوضحته, ولا كثيرا من الأشباه والنظائر إلا أوردته؛ ليكون هذا الكتاب قائما بنفسه، ومتقدما في جنسه؛ فإذا أتيت على آخره أفردت فيه بابا لتفسير ما فيه من اللغة العربية، فإذا فرغت من ذلك الباب أوردت فصلا من المسائل المشكلة العويصة، التي تشحذ الأفكار وتروض الخواطر.
وليس ينبغي أن يتخطى إلى النظر في هذه المسائل من لم يحكم الأصول قبلها؛ فإنه إن هجم عليها غير ناظر فيما قبلها من أصول التصريف الموطئة للفروع لم يحظ منها بكبير
стр. 135
طائل، وصعبت عليه أيما صعوبة، وكان حكمه في ذلك حكم من أراد الصعود إلى قمة جبل سامق في غير ما سبيل، أو كجازع مفازة لا يهتدى لها بلا دليل.
وهذا القبيل من العلم -أعني التصريف- يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به، وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف ... إلخ.
ولما كان هذا الكتاب الذي قد شرعت في تفسيره وبسطه من أنفس كتب التصريف، وأسدها وأرصنها، عريقا في الإيجاز والاختصار، عاريا من الحشو والإكثار، متخلصا من كزازة ألفاظ المتقدمين، مرتفعا عن تخليط كثير من المتأخرين، قليل الألفاظ، كثير المعاني، عُنيت بتفسير مشكله، وكشف غامضه، والزيادة في شرحه، محتسبا ذلك في جنب ثواب الله، ومزكيا به ما وهبه لي من العلم.
وحقيق على من نظر في كتاب قد عني به واضعه، وانصرف إلى الاهتمام به مصنفه، فحظي منه بأقصى ما طلب، ووصل إلى غايته من كثب، أن يحمد الله على ما وهبه له من فهمه، وأن يسلم لصاحبه ما وفره الله عليه من حفظه، وأن يعتزي فيما يحكيه عنه إليه؛ فإن فعل ذلك فعلى محجة أهل العلم والأدب وقف، وإن أبى إلا كفران النعمة فعن
стр. 136
المروءة والإنسانية صدف.
وأنا أسوق هذا الكتاب شيئا فشيئا، وأُتبع كل فصل مما رويته ورأيته ما يكون مقنعا في معناه، ومغنيا عما سواه؛ فما كان فيما أورده من سداد وصواب فبتوفيق الله وإرشاده، وإن وقع سهو أو تقصير فما لا يعرى منه الحذاق المتقدمون، ولا يستنكفه العلماء المبرزون.
والله أستهدي، وإياه أسترشد، وعليه أتوكل، وهو حسبي وكفى.
زيادة الألف والسين والتاء أول الفعل ١:
قال أبو عثمان: وتلحق السين أولا والتاء ثانية، وتكون السين ساكنة فتلزمها ألف الوصل، ويكون "الفعل على "استفعل"، ولا تلحق السين أولا إلا في "استفعل" ولا التاء ثانية وقبلها زائد إلا في هذا".
قال أبو الفتح:
اعلم أن "استفعلت" يجيء على ضربين: متعد وغير متعد، فالمتعدي نحو: استحسنت الشيء واستقبحته، وغير المتعدي نحو: استقدمت واستأخرت. ويكون "فعل" منهما متعديا وغير متعد، فالمتعدي نحو "علم واستعلم" و"عصم واستعصم" وغير المتعدي نحو: "حسن واستحسن"، و"فتح واستفتح".
стр. 137
ويقع "استفعل" في الكلام لمعانٍ:
١- منها الطلب نحو "استعتبته" أي: طلبت إليه العتبى، و"استعفيته" أي: طلبت منه الإعفاء.
٢- ويكون "استفعلت" للشيء تصيبه على هيئة ما نحو: "استعظمته" أي: أصبته عظيما، و"استكرمته" أي: أصبته كريما.
٣- وقد تأتي "استفعلت" بمعنى "فعلت" منها نحو: "مرّ واستمرّ" و"قرّ واستقرّ".
٤- وقد تأتي للتنقل من حال إلى حال نحو: "استنوق الجمل, واستتيست الشاة".
وقوله: "ولا تلحق السين أولا إلا في "استفعل" ولا التاء ثانية وقبلها زائد إلا في هذا" قد حصر به أيضا قطعة من الأمثلة كنحو ما فعل في المثال, والذي قبله.
قال أبو عثمان:
هذا باب ما قيس من المعتل, ولم يجئ مثاله إلا من الصحيح ١:
إنما قسناه على الصحيح؛ لأن المعتل للعرب في إعلاله مذاهب قد أحطنا بها وبمذهبهم فيها، فإذا قيل لك: "ابن كذا" فانظر ما يلزم الياء والواو في مواضعهما، فلا يخرج ذلك من أن يكون له نظير من الياء والواو قد لزمه من كلام العرب:
стр. 138
إما سكون، وإما إتمام، وإما قلب وتغيير، فلم تَعْدُ أن صنعت بالواوات والياءات ما صنعوا, وسأفسر ذلك شيئا فشيئا, إن شاء الله.
قال أبو الفتح:
يقول لك: إنما تقيس ما لم يأت على ما أتى من كلام العرب، والغرض في صناعة الإعراب والتصريف إنما هو أن يقاس ما لم يجئ على ما جاء؛ فقد وجب من هذا أن يتبع ما عملوه ولا يعدل عنه؛ لأنه هو المعني المقصود، والسبب الذي له وضع هذا العلم واخترع.
قال أبو عثمان:
"إذا قيل لك: كيف تصوغ مثل "اغدودن" من "رميت"؟ قلت: "ارموْمى"، فكررت العين ثم قلبت الباء ألفا؛ لأنها لام الفعل وقبلها فتحة، وأصلها الحركة فقلبتها كما قلبتها في "رمى" وعلتها كعلتها، فإذا أضفت الفعل إلى نفسك أو إلى مخاطب قلت: "ارموْميتُ" فلم تقلب الياء ألفا؛ لأن أصلها السكون كما فعلت في "رميْت" حيث كان أصلها السكون".
قال أبو الفتح:
قد أفدنا من قوله هذا أنه لم يأت في كلامهم شيء على "افعوْعل" من المعتل؛ لأنه قد قال في أول الباب: "إنه لم يجئ مثاله إلا من الصحيح" فهذه فائدة، وباقي الفصل
стр. 139
مفهوم إلا أنهم قد قالوا: "احموْمى, وادلولى، واقلولى، واحلولى، وانطوطى" وكله معتل اللام وهو "افعوْعل".
قال أبو عثمان:
وتقول فيها من "غزوت": "اغزوزيت" فتبدل الواو التي هي لام ياء، كما فعلت ذلك في "أغزيت وغازيت" لأنها صارت رابعة. وقد كتبنا علة هذا فتركنا تفسيره لذلك.
قال أبو الفتح:
العلة في ذلك انكسار ما قبل اللام من المضارع نحو قولك: "يغزوزِي" فهذا هو الذي أشار إليه.
قال أبو عثمان:
وتقول فيها من "بعت": "ابييع" فتقلب الواو ياء لأنها ساكنة وبعدها ياء متحركة. ومن "قلت": "اقووّل" تكرر العين وهي واو، وتعل واو "افعوْعل" الزائدة بينهما وهي ساكنة، فتدغمها في الواو التي بعدها.
قال أبو الفتح:
يقول: أصلها "ابيوْيع"، فالياءان هما العينان تكتنفان واو "افعوعل" فوجب قلبها ياء لما ذكر.
стр. 140
٣- الزمخشري وكتابه "المفصل ":
"٤٩٧-٥٣٣هـ"
"محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري أبو القاسم، جار الله.
كان واسع العلم كثير الفضل, غاية في الذكاء وجودة القريحة, متفننا في كل علم، معتزليا قويا في مذهبه مجاهرا به، حنفيا.
ولد في رجب سنة سبع وتسعين وأربعمائة, وورد بغداد غير مرة وأخذ الأدب عن أبي الحسن علي بن المظفر النيسابوري وأبي مضر الأصبهاني، وسمع من أبي سعد الشفاني وشيخ الإسلام أبي منصور الحارثي وجماعة, وجاور بمكة وتلقب جار الله وفخر خوارزم أيضا. وكتب إليه الحافظ السلفي يستجيزه، وأصابه خراج في رجله فقطعها وصنع عوضها رجلا من خشب, وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال فيظن من يراه أنه أعرج.
وله من التصانيف:
الكشاف في التفسير، والفائق في غريب الحديث، والمفصل في النحو، والمقامات، والمستقصى في الأمثال، وربيع الأبرار، وأطواق الذهب، وصميم العربية، وشرح أبيات "الكتاب"، والأنموذج في النحو، والرائض في الفرائض، وشرح بعض مشكلات المفصل، والكلم النوابغ، والقسطاس في العروض، والأحاجي النحوية, وغير ذلك.
مات يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة, وله في كتابه الكشاف:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته ... فالجهل كالداء والكشاف كالشافي
بغية الوعاة ص٣٨٨.
"المفصل" وشرحه لابن يعيش:
خلّف الزمخشري كتبا وافية في فنون عدة، فله في اللغة المعجم المتقن المشهور "أساس البلاغة" عني فيه عناية خاصة بالمجاز وانفرد بتقديم معاني المفردات في جمل مسجوعة شارحة
стр. 141
تعلم الدارس المعنى والاستعمال معا، وله في غريب الحديث المعجم المعروف "الفائق" وكلاهما طبع غير مرة. وتفسيره المعروف بـ "الكشاف" أشهر من نار على علم, مطبوع متداول مخدوم بالشروح والتعاليق, ولا تخفى على مطالعه عنايته بالمجاز وأساليب التعبير والانتباه إلى دقائقها والتنبيه على أسرارها. وله في النحو تآليف طبع منها "الأنموذج" وهو كتاب مختصر.
أما "المفصل" فقد أراد فيه جمع ما استطاع من قواعد وضوابط، وأوجز عباراته إيجازا شديدا، والظاهر أنه وضعه لطبقة متقدمة من الطلاب حظيت بقدر وافٍ من الثقافة العامة حينئذ، وقد حدثنا في مقدمته بالحافز الذي حفزه على تأليفه, فقال بأسلوبه المسجع المعروف، ناعيا على الشعوبيين صدهم الناس عن محاسن العربية:
"الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز, وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين والمشق١ بأسنة الطاعنين.
وإلى أفضل السابقين والمصلين، أوجه أفضل صلوات المصلين، محمد المحفوف من بني عدنان بجماجمها وأرحائها٢
стр. 142
النازل من قريش في سُرة بطحائها، المبعوث إلى الأسود والأحمر، بالكتاب العربي المنور، ولآله الطيبين أدعو الله بالرضوان لهم وأدعوه على أهل الشقاق لهم والعدوان.
ولعل الذين يغضون من العربية ويضعون من مقدارها، ويريدون أن يخفضوا ما رفع الله من منارها -حيث لم يجعل خيرة رسله وخيرة كتبه في عجم خلقه, ولكن في عربه- لا يبعدون عن الشعوبية منابذة للحق الأبلج، وزيغا عن سواء المنهج.
والذي لا يقضى منه العجب حال هؤلاء في قلة إنصافهم، وفرط جورهم واعتسافهم، وذلك أنهم لا يجدون علما من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بين لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع، ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيا على علم الإعراب والتفاسير، مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين، والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم، والتشبث بأهداف فسرهم وتأويلهم. وبهذا اللسان مناقلتهم في العلم ومحاورتهم، وتدريسهم ومناظرتهم، وبه تقطر في القراطيس أقلامهم، وبه تسطر الصكوك والسجلات حكامهم؛ فهم ملتبسون بالعربية أية سلكوا، غير منفكين منها أينما وجهوا، كل عليها حيث سيّروا. ثم إنهم في تضاعيف ذلك يجحدون فضلها، ويدفعون خصلها، ويذهبون عن توقيرها
стр. 143
وتعظيمها، وينهون عن تعلمها وتعليمها، ويمزقون أديمها ويمضغون لحمها، فهم في ذلك على المثل السائر: "الشعير يؤكل ويذم"، ويدَّعون الاستغناء عنها وأنهم ليسوا في شق١ منها. فإن صح ذلك فما بالهم لا يطلقون اللغة رأسا والإعراب، ولا يقطفون بيننا وبينهم الأسباب، فيطمسوا من تفسير القرآن آثارهما، وينفضوا من أصول الفقه غبارهما، ولا يتكلموا في الاستثناء فإنه نحو، وفي الفرق بين المعرف والمنكر فإنه نحو، وفي التعريفين تعريف الجنس وتعريف العهد فإنه نحو، وفي الحروف كالواو والفاء وثم ولام الملك و"من" للتبعيض ونظائرها، وفي الحذف والإضمار، وفي أبواب الاختصار والتكرار، وفي التطليق بالمصدر واسم الفاعل، وفي الفرق بين "إن" و"أن"، و"إذا" و"متى" و"كلما" وأشباهها مما يطول ذكرها, فإن ذلك كله من النحو؛ وهلا سفهوا رأي محمد بن الحسن الشيباني ﵀ فيما أودع كتاب الأيمان, وما لهم لم يتراطنوا في مجالس التدريس وحلق المناظرة ثم نظروا: هل تركوا للعلم جمالا وأبهة؟ وهل أصبحت الخاصة بالعامة مشبهة؟ وهل انقلبوا هزأة للساخرين، وضحكة للناظرين؟ فإن الإعراب أجدى من تفاريق العصا٢ وآثاره الحسنة عديدة الحصى. ومن لم يتق الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله وهو غير معرب ركب عمياء وخبط خبط عشواء، وقال ما هو تقول وافتراء، وكلام الله منه براء.
стр. 144
وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن، الكافل بإبراز محاسنه، الموكل بإثارة معادنه؛ فالصادّ عنه كالسادّ لطرق الخير كيلا تسلك، والمريد بموارده أن تعاف وتترك.
ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب، إلى معرفة كلام العرب، وما بي من الشفقة والحدَب، على أشياعي من حفدة الأدب؛ لإنشاء كتاب في الإعراب، محط بكافة الأبواب، مرتب ترتيبا يبلغ بهم ... الأمد البعيد بأقرب السعي، ويملأ سجالهم بأهون السقي، فأنشأت هذا الكتاب المترجم بكتاب "المفصل في صنعة الإعراب" مقسوما أربعة أقسام: القسم الأول في الأسماء، القسم الثاني في الأفعال، القسم الثالث في الحروف، القسم الرابع في المشترك، وفصلت كل صنف منها تفصيلا حتى رجع كل شيء في نصابه، واستقر في مركزه، ولم أدّخر فيما جمعت فيه من الفوائد المتكاثرة، مع الإيجاز غير المخلّ، والتلخيص غير المملّ، مناصحة لمقتبسيه، أرجو أن أجتني منه ثمرتي دعاء يستجاب وثناء يستطاب. والله -عز سلطانه- ولي المعونة على كل خير والتأييد، والملي بالتوفيق فيه والتسديد".
والمقدمة كما ترى -إلى ناحيتها التأريخية لأناس شأنهم الغضّ من العربية- صريحة بإرادة تحميل العبارة أكثر ما يمكن من أحكام على طريق الإيجاز والتكثيف، ومن هنا انبرى له كثيرون بالشرح والتوضيح، ومن جملتهم موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش النحوي المتوفى سنة "٦٤٣هـ" وهو أشهر الشراح على الإطلاق، وقد طبع شرحه بالمطبعة
стр. 145
المنيرية بمصر في عشرة أجزاء تربي على "١٥٠٠" صفحة من القطع الكبير والحرف الصغير. وهذا الشرح مطول جدا بما جمع من آراء وما استقصى من شواهد ونُقُول، من أوسع المجموعات النحوية إن لم يكن أوسعها على الإطلاق.
ويحدثنا ابن يعيش عن موجبات شرحه للمفصل وما رأى فيه الطلاب من تعثر ومشقة, ذاكرا ما للكتاب من محاسن صراحة، وما عليه من مآخذ إشارة وتلميحا فيقول:
" ... وبعد, فلما كان الكتاب الموسوم بالمفصل من تأليف الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ﵀ جليلا قدره نابها ذكره، قد جمعتْ أصولَ هذا العلم فصولُهُ، وأوجز لفظه فتيسر على الطالب تحصيله، إلا أنه مشتمل على ضروب: منها لفظ أغربت عبارته فأشكل، ولفظ تتجاذبه معانٍ فهو مجمل، ومنها ما هو بادٍ للأفهام إلا أنه خالٍ من الدليل مهمل؛ استخرت الله تعالى في إملاء كتاب أشرح فيه مشكله، وأوضح مجمله، وأتبع كل حكم منه حججه وعلله، ولا أدعي أنه ﵀ أخلّ بذلك تقصيرا عما أتيت به في هذا الكتاب؛ إذ من المعلوم أن من كان قادرا على بلاغة الإيجاز، كان قادرا على بلاغة الإطناب"١.
ولا يتحمل المقام هنا الاستشهاد بنص على مسألة كاملة كأحكام "لا" التي لنفي الجنس، فلنجتزئ بحكم واحد