تعلم الدارس المعنى والاستعمال معا، وله في غريب الحديث المعجم المعروف "الفائق" وكلاهما طبع غير مرة. وتفسيره المعروف بـ "الكشاف" أشهر من نار على علم, مطبوع متداول مخدوم بالشروح والتعاليق, ولا تخفى على مطالعه عنايته بالمجاز وأساليب التعبير والانتباه إلى دقائقها والتنبيه على أسرارها. وله في النحو تآليف طبع منها "الأنموذج" وهو كتاب مختصر.
أما "المفصل" فقد أراد فيه جمع ما استطاع من قواعد وضوابط، وأوجز عباراته إيجازا شديدا، والظاهر أنه وضعه لطبقة متقدمة من الطلاب حظيت بقدر وافٍ من الثقافة العامة حينئذ، وقد حدثنا في مقدمته بالحافز الذي حفزه على تأليفه, فقال بأسلوبه المسجع المعروف، ناعيا على الشعوبيين صدهم الناس عن محاسن العربية:
"الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز, وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين والمشق١ بأسنة الطاعنين.
وإلى أفضل السابقين والمصلين، أوجه أفضل صلوات المصلين، محمد المحفوف من بني عدنان بجماجمها وأرحائها٢
стр. 142
النازل من قريش في سُرة بطحائها، المبعوث إلى الأسود والأحمر، بالكتاب العربي المنور، ولآله الطيبين أدعو الله بالرضوان لهم وأدعوه على أهل الشقاق لهم والعدوان.
ولعل الذين يغضون من العربية ويضعون من مقدارها، ويريدون أن يخفضوا ما رفع الله من منارها -حيث لم يجعل خيرة رسله وخيرة كتبه في عجم خلقه, ولكن في عربه- لا يبعدون عن الشعوبية منابذة للحق الأبلج، وزيغا عن سواء المنهج.
والذي لا يقضى منه العجب حال هؤلاء في قلة إنصافهم، وفرط جورهم واعتسافهم، وذلك أنهم لا يجدون علما من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بين لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع، ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيا على علم الإعراب والتفاسير، مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين، والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم، والتشبث بأهداف فسرهم وتأويلهم. وبهذا اللسان مناقلتهم في العلم ومحاورتهم، وتدريسهم ومناظرتهم، وبه تقطر في القراطيس أقلامهم، وبه تسطر الصكوك والسجلات حكامهم؛ فهم ملتبسون بالعربية أية سلكوا، غير منفكين منها أينما وجهوا، كل عليها حيث سيّروا. ثم إنهم في تضاعيف ذلك يجحدون فضلها، ويدفعون خصلها، ويذهبون عن توقيرها
стр. 143
وتعظيمها، وينهون عن تعلمها وتعليمها، ويمزقون أديمها ويمضغون لحمها، فهم في ذلك على المثل السائر: "الشعير يؤكل ويذم"، ويدَّعون الاستغناء عنها وأنهم ليسوا في شق١ منها. فإن صح ذلك فما بالهم لا يطلقون اللغة رأسا والإعراب، ولا يقطفون بيننا وبينهم الأسباب، فيطمسوا من تفسير القرآن آثارهما، وينفضوا من أصول الفقه غبارهما، ولا يتكلموا في الاستثناء فإنه نحو، وفي الفرق بين المعرف والمنكر فإنه نحو، وفي التعريفين تعريف الجنس وتعريف العهد فإنه نحو، وفي الحروف كالواو والفاء وثم ولام الملك و"من" للتبعيض ونظائرها، وفي الحذف والإضمار، وفي أبواب الاختصار والتكرار، وفي التطليق بالمصدر واسم الفاعل، وفي الفرق بين "إن" و"أن"، و"إذا" و"متى" و"كلما" وأشباهها مما يطول ذكرها, فإن ذلك كله من النحو؛ وهلا سفهوا رأي محمد بن الحسن الشيباني ﵀ فيما أودع كتاب الأيمان, وما لهم لم يتراطنوا في مجالس التدريس وحلق المناظرة ثم نظروا: هل تركوا للعلم جمالا وأبهة؟ وهل أصبحت الخاصة بالعامة مشبهة؟ وهل انقلبوا هزأة للساخرين، وضحكة للناظرين؟ فإن الإعراب أجدى من تفاريق العصا٢ وآثاره الحسنة عديدة الحصى. ومن لم يتق الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله وهو غير معرب ركب عمياء وخبط خبط عشواء، وقال ما هو تقول وافتراء، وكلام الله منه براء.
стр. 144
وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن، الكافل بإبراز محاسنه، الموكل بإثارة معادنه؛ فالصادّ عنه كالسادّ لطرق الخير كيلا تسلك، والمريد بموارده أن تعاف وتترك.
ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب، إلى معرفة كلام العرب، وما بي من الشفقة والحدَب، على أشياعي من حفدة الأدب؛ لإنشاء كتاب في الإعراب، محط بكافة الأبواب، مرتب ترتيبا يبلغ بهم ... الأمد البعيد بأقرب السعي، ويملأ سجالهم بأهون السقي، فأنشأت هذا الكتاب المترجم بكتاب "المفصل في صنعة الإعراب" مقسوما أربعة أقسام: القسم الأول في الأسماء، القسم الثاني في الأفعال، القسم الثالث في الحروف، القسم الرابع في المشترك، وفصلت كل صنف منها تفصيلا حتى رجع كل شيء في نصابه، واستقر في مركزه، ولم أدّخر فيما جمعت فيه من الفوائد المتكاثرة، مع الإيجاز غير المخلّ، والتلخيص غير المملّ، مناصحة لمقتبسيه، أرجو أن أجتني منه ثمرتي دعاء يستجاب وثناء يستطاب. والله -عز سلطانه- ولي المعونة على كل خير والتأييد، والملي بالتوفيق فيه والتسديد".
والمقدمة كما ترى -إلى ناحيتها التأريخية لأناس شأنهم الغضّ من العربية- صريحة بإرادة تحميل العبارة أكثر ما يمكن من أحكام على طريق الإيجاز والتكثيف، ومن هنا انبرى له كثيرون بالشرح والتوضيح، ومن جملتهم موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش النحوي المتوفى سنة "٦٤٣هـ" وهو أشهر الشراح على الإطلاق، وقد طبع شرحه بالمطبعة
стр. 145
المنيرية بمصر في عشرة أجزاء تربي على "١٥٠٠" صفحة من القطع الكبير والحرف الصغير. وهذا الشرح مطول جدا بما جمع من آراء وما استقصى من شواهد ونُقُول، من أوسع المجموعات النحوية إن لم يكن أوسعها على الإطلاق.
ويحدثنا ابن يعيش عن موجبات شرحه للمفصل وما رأى فيه الطلاب من تعثر ومشقة, ذاكرا ما للكتاب من محاسن صراحة، وما عليه من مآخذ إشارة وتلميحا فيقول:
" ... وبعد, فلما كان الكتاب الموسوم بالمفصل من تأليف الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ﵀ جليلا قدره نابها ذكره، قد جمعتْ أصولَ هذا العلم فصولُهُ، وأوجز لفظه فتيسر على الطالب تحصيله، إلا أنه مشتمل على ضروب: منها لفظ أغربت عبارته فأشكل، ولفظ تتجاذبه معانٍ فهو مجمل، ومنها ما هو بادٍ للأفهام إلا أنه خالٍ من الدليل مهمل؛ استخرت الله تعالى في إملاء كتاب أشرح فيه مشكله، وأوضح مجمله، وأتبع كل حكم منه حججه وعلله، ولا أدعي أنه ﵀ أخلّ بذلك تقصيرا عما أتيت به في هذا الكتاب؛ إذ من المعلوم أن من كان قادرا على بلاغة الإيجاز، كان قادرا على بلاغة الإطناب"١.
ولا يتحمل المقام هنا الاستشهاد بنص على مسألة كاملة كأحكام "لا" التي لنفي الجنس، فلنجتزئ بحكم واحد
стр. 146
منها وهو بناء اسمها على الفتح إذا لم يكن مضافا ولا شبيها بالمضاف، لنلم بإيجاز صاحب المفصل وإسهاب الشارح:
قال صاحب الكتاب ١:
"فاذا كان "اسم لا النافية للجنس" مفردا فهو مفتوح وخبره مرفوع, كقولك: لا رجلَ أفضلُ منك، ولا أحدَ خيرٌ منك, ويقول المستفتح: ولا إلهَ غيرُكَ".
قال الشارح:
"إذا قلت: "لا رجلَ أفضلُ منك، ولا أحد خير منك, ولا إله غيرك" كان مبنيا مفتوحا لوجود علة البناء وهو تضمنه معنى الحرف الذي هو "من" على ما تقدم، إذ المراد العموم واستغراق الجنس ولم يوجد ما يمنع من البناء. فأما المضاف والمشابه له نحو "لا غلامَ رجلٍ عندك، ولا خيرًا من زيد في الدار" فإنه وإن كانت العلة المقتضية للبناء موجودة وهي تضمنه معنى "من" فإنه وجد مانع من البناء وهو الإضافة وطول الاسم، فعدم البناء فيهما لم يكن لعدم تمكنه، بل لوجود مانع منه".
стр. 147
قال صاحب الكتاب:
"وأما قوله:
لا نسبَ اليوم ولا خلةً
فعلى إضمار فعل، كأنه قال: "ولا أرى خلة" كما قال الخليل في قوله: "ألا رجلا جزاه الله خيرا" كأنه قال: "ألا تروني رجلا" وزعم يونس أنه نوّن مضطرا".
قال الشارح:
"أما قوله:
لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع
البيت لأنس بن العباس، والكلام في نصب "خلة" وتنوينها يحتمل أمرين: أحدهما أن تكون "لا" مزيدة لتأكيد النفي، دخولها كخروجها، فنصبت الثاني ونونته بالعطف على الأول بالواو وحدها، واعتمد بـ "لا" الأولى على النفي، وجعل الثانية مؤكدة للجحد كما يكون كذلك في "ليس" إذا قلت: "ليس لك غلام ولا جارية"، فيكون في الحكم كقوله:
ولا أبَ وابنًا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالجد ارتدى وتأزرا١
الثاني: أن تكون نافية عاملة كالأولى, كأنه استأنف بها النفي فيكون حينئذ في تنوين "خلة" إشكال، فذهب سيبويه والخليل
стр. 148
إلى أنها معربة منتصبة بإضمار فعل محذوف كأنه قال: "لا نسب اليوم ولا أرى خلة"، ومثله قوله:
ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت١
وانتصابه في قول الخليل بفعل محذوف تقديره: "ألا ترونني رجلا". وذهب يونس إلى أن انتصابه من قبيل الضرورة، والذي دعاه إلى ذلك أن ألف الاستفهام إذا دخلت على "لا" فلها معنيان: أحدهما الاستفهام، والآخر التمني؛ وإذا كانت استفهاما فحالها كحالها قبل أن تلحقها ألف الاستفهام فنقول: "ألا رجلَ في الدار؟ , وألا غلام أفضل منك؟ " كما كنت تقول: "لا رجل في الدار، ولا غلام أفضل منك" تفتح الاسم المنكور بعدها وترفع الخبر، لا فرق بينهما في ذلك، قال الشاعر:
حارِ بنَ كعب ألا أحلامَ تزجركم٢
وإذا كانت تمنيا فلا خلاف في الاسم أنه مبني مع "لا" كما كان، إنما الخلاف في الخبر:
فأكثر النحويين لا يجيزون رفع الخبر، وهو رأي سيبويه والخليل والجرمي، وإنما ينصبونه لأنه قد دخله معنى التمني وصار مستغنيا كما استغنى "اللهم غلاما" ومعناه: "اللهم هب لي غلاما"، ولا يحتاج إلى خبر، ومعناه معنى المفعول.
стр. 149
وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه يبقى على حاله من نصب الاسم ورفع الخبر، ويكون على مذهب الخبر وإن كان معناه التمني، كما أن قولك: "غفر الله له" و"﵀" اللفظ خبر ومعناه الدعاء. وإذا كان ما بعد "ألا" في كلا وجهيها لا يكون مبنيا على الفتح أشكل الأمر في قول الشاعر:
ألا رجلا جزاه الله خيرا
فحمله الخليل على تقدير فعل كأنه قال: "أروني رجلا" جعله من قبيل "هلا خيرا من زيد"
ولولا الكمي المقنعا١.
وحمله يونس على أن تنوينه ضرورة، وهو مذهب ضعيف؛ لأنه لا ضرورة ههنا.
стр. 150
ابن الأنباري "كمال الدين ":
"٥١٣-٥٧٧هـ"
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد، الإمام أبو البركات كمال الدين الأنباري النحوي المتفنن, الزاهد الورع.
قدم بغداد في صباه وقرأ الفقه على سعيد بن الرزاز حتى برع، وحصل طرفا صالحا من الخلاف، وصار معيدا للمدرسة "النظامية"، وكان يعقد مجالس الوعظ، ثم قرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي، ولازم ابن الشجري حتى برع وصار من المشار إليهم في النحو، وتخرج به جماعة.
وسمع بالأنبار من أبيه، وببغداد من عبد الوهاب الأنماطي، وحدث باليسير، لكن روى الكثير من كتب الأدب ومن مصنفاته. وكان إماما ثقة صدوقا فقيها مناظرا, غزير العلم ورعا زاهدا عابدا تقيا عفيفا, لا يقبل من أحد شيئا، خشن العيش والمأكل، لم يتلبس من الدنيا بشيء ودخل الأندلس "! " فذكره ابن الزبير في الصلة "! ".
وله المؤلفات المشهورة, منها:
١- الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين.
٢- الإغراب في جدل الإعراب.
٣- ميزان العربية.
٤- حواشي الإيضاح.
٥- مسألة دخول الشرط على الشرط.
٦- نزهة الألباء في طبقات الأدباء.
٧- تصرفات لو.
٨- حلية العربية.
٩- الأضداد.
١٠- النوادر.
١١- تاريخ الأنبار.
١٢- هداية الذاهب في معرفة المذاهب.
١٣- بداية الهداية.
١٤- الداعي إلى الإسلام في علم الكلام.
١٥- النور اللائح في اعتقاد السلف الصالح.
١٦- اللباب.
١٧- المختصر.
١٨- منشور العقود في تجريد الحدود.
١٩- التنقيح في مسلك الترجيح.
٢٠- الجمل في علم الجدل.
٢١- الاختصار في الكلام على ألفاظ تدور بين النظار.
٢٢- نجدة السؤال في عمدة السؤال.
٢٣- عقود الإعراب.
٢٤- منثور الفوائد.
٢٥- مفتاح المذاكرة.
٢٦- كتاب كلا وكلتا.
٢٧- كتاب كيف.
стр. 151
٢٨- كتاب الألف واللام.
٢٩- كتاب في "يعفون".
٣٠- لمع الأدلة.
٣١- شفاء السائل في بيان رتبة الفاعل.
٣٢- الوجيز في التصريف.
٣٣- البيان في جمع "أفعل" أخف الأوزان.
٣٤- جلاء الأوهام وجلاء الأفهام في متعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ .
٣٥- غريب إعراب القرآن.
٣٦- رتبة الإنسانية في المسائل الخراسانية.
٣٧- مقترح السائل في "ويل أمه".
٣٨- الزهرة في اللغة.
٣٩- الأسمى في شرح الأسما.
٤٠- كتاب حيص بيص.
٤١- حلية العقود في الفرق بين المقصور والممدود.
٤٢- ديوان اللغة.
٤٣- زينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء.
٤٤- البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث.
٤٥- فعلت وأفعلت.
٤٦- الألفاظ الجارية على لسان الجارية.
٤٧- قبسة الأديب في أسماء الذيب.
٤٨- الفائق في أسماء المائق.
٤٩- البلغة في أساليب اللغة.
٥٠- قبسة الطالب في شرح خطبة "أدب الكاتب".
٥١- تفسير غريب "المقامات الحريرية".
٥٢- شرح ديوان المتنبي.
٥٣- شرح الحماسة.
٥٤- شرح السبع الطوال.
٥٥- شرح مقصورة ابن دريد.
٥٦- المقبوض في العروض.
٥٧- شرح المقبوض في العروض.
٥٨- الموجز في القوافي.
٥٩- اللمعة في صنعة الشعر.
٦٠- الجوهرة في نسب النبي ﷺ وأصحابه العشرة.
٦١- نكت المجالس في الوعظ.
٦٢- أصول الفصول في التصوف.
٦٣- التفريد في كلمة التوحيد.
٦٤- نقد الوقت.
٦٥- بغية الوارد.
٦٦- نسمة العبير في التعبير.
стр. 152
توفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة, ودفن بباب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي, ومن شعره:
إذا ذكرتك كاد الشوق يقتلني ... وأرقتني أحزان وأوجاع
وصار كلي قلوبا فيك دامية ... للسقم فيها وللآلام إسراع
فإن نطقت فكلي فيك ألسنة ... وإن سمعت فكلي فيك أسماع١
стр. 153
١- كتاب "لمع الأدلة":
"وهو أصل كتاب الاقتراح للسيوطي"
٢- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين:
"لئن شحت عن ابن الأنباري الأخبار، لقد جادت بالتعريف به الآثار؛ فقد تفرد بابتكاره في فن التأليف حتى ليستأثر بطابع خاص بين هذه الكثرة الكاثرة من المؤلفين في علوم العربية. وإن الذي ألف أسلوبه في تأليفه وتوليده ولمس أستاذيته في تنسيقه وعرضه، ليميز كلامه من كلام غيره على أيسر سبيل مهما حاولت أن تغيبه بين عشرات الأساليب في مختلف الأعصار"١. فما هذا الابتكار الذي يتسم به فن ابن الأنباري في التأليف؟
نحن١ نعرف أن التطلع إلى أن يكون للعربية علوم وقواعد وأصول على مثل ما للشريعة، أمنية٢ داعبت همم الكثير من العلماء منذ المائة الثانية للهجرة، فمحاكاة أهل الأدب واللغة أهل الحديث في فن الرواية والعناية بالسند معروفة، وكذلك تقليدهم مدرسة الرأي في الفقه في تعليل الأحكام
стр. 154
حدثهم على أن يجدوا لأحكام العربية عللا تشبه تلك من جهة، وتشبه من جهة ثانية علل المتكلمين الذين اعتمدوا العقل والمنطق سلاحين في دعوتهم إلى فلسفة العقيدة؛ فكان للنحاة احتجاج بقواعد تشبه ما للمحدثين، وقياس وعلل يشبهان ما للفقهاء والمتكلمين، ثم عنوا بمسائل الخلاف عناية الفقهاء بخلافهم. وكان من الطبيعي أن تكون خطا النحاة متأخرة في الزمن، ومقلدة غير مبدعة، ثم متعثرة غير ماضية ولا حاسمة؛ وذلك للفارق العظيم بين طبيعة علوم الشريعة وطبيعة علوم اللغة.
ولم يكن لنا إلا محاولات جزئية في مسائل قام بها نوابغ أقوياء كالفارسي وابن جني، لكن أحدا لم يحاول وضع تصميم لفن أصولي في اللغة كما فعل أهل الشريعة ... حتى جاء ابن الأنباري.
علم أصول الفقه تبينت مسائله منذ وضع محمد بن الحسن الشيباني كتبه "المبسوط، والسير، والزيادات، والجامع الكبير، والآثار" ووضع الإمام الشافعي الرسالة ... فكان النحاة يحاولون ترسم خطاهما على ضوء هذه الكتب وأمثالها، وعرف المتأخرون خطا متقدميهم ولم يستطيعوا تقدما يذكر ...
استمر هذا التطلع وتلك الحسرة طوال المائة الرابعة والمائة الخامسة؛ فلما جاء ابن الأنباري اهتدى إلى الخطة، ونازعته الفكرة نزاعا شديدا إذ كانت كل المؤهلات تجمعت فيه فقام بها وحده، وسجل في تاريخ العربية أوليات ثلاثا حين أسس الفنون الثلاثة الآتية لأول مرة:
стр. 155
١- فن جدل الإعراب، وضع له كتاب "الإغراب في جدل الإعراب" "ليكون أول ما صنف لهذه الصنعة في قوانين الجدل, والآداب ليسلك به عند المجادلة, والمناظرة"١.
ولم يكن لعلوم اللغة العربية في هذا الفن قبل رسالة ابن الأنباري كتاب.
٢- فن الأصول للنحو، على نسق فن الأصول للفقه، وقد وضع له كتاب "لمع الأدلة" أول ما ألف في العربية في هذا الفن.
وقد جاء في مقدمة الرسالة أن "أصول النحو هي أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وفصوله، كما أن أصول الفقه هي أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته وتفصيله. وفائدته التعويل في إثبات الحكم على الحجة والتعليل، والارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاطلاع على الدليل؛ فإن المخلد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب، ولا ينفك في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتياب ... إلخ.
قسم الكتاب إلى ثلاثين فصلا تبحث في الأدلة وأقسامها، والنقل وشروطه وأنواعه، وفي القياس وأقسامه, وفي العلة وأنواعها وشروط الاستدلال بها، ثم في الاستحسان واستصحاب الحال ومعارضة الأدلة.
وعبارة المؤلف مركزة مكثفة موجزة تعتمد على الشواهد، وقد صبت في قوالب القواعد الشاملة مع أمثلتها الموضحة.
стр. 156
وظاهر أن دراسة هذا الفن حلقة عليا بعد دراسة النحو نفسه، وقد طمح ابن جني أن يكون مؤسسا لهذا الفن، وقد أشار إلى محاولة النحويين واللغويين أن يحوموا حوله، فسجل في كتابه "الخصائص" استمداد علوم اللغة من علوم الشريعة واحتذاء النحويين حذو علماء الشريعة، وأشار إلى كتب الإمام محمد صاحب أبي حنيفة بقوله: "وكذلك كتب محمد بن الحسن ﵀ ينتزع أصحابنا منها العلل لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه، فيجمع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرفق"١. لكن الله شاء أن تكون هذه السابقة لابن الأنباري بعد ابن جني بمائتي سنة.
ثم يأتي السيوطي ويؤلف كتاب "الاقتراح" الذي كان الناس يعدونه الكتاب الفريد في "أصول النحو"، حتى نشرنا كتاب ابن الأنباري ونبهنا على أنه هو الأصل الذي استقى منه السيوطي في "الاقتراح" و"المزهر" وغيرهما, ولم يشر إلا إشارة خفية إلى مصدره الأصلي محاولا حجبه عن الأنظار١.
وسترى أسلوب ابن الأنباري في فصل من هذا الكتاب بعد قليل.
٣- فن "الخلاف" بين المذاهب النحوية كانت مسائله مبعثرة، بل كانت متعلقات المسألة الواحدة مشتتة في كتب البصريين والكوفيين، وألف غير واحد في الخلاف، لكن أكثر هذه الكتب ردود جزئية، وأول من بدأ بذلك ثعلب
стр. 157
الكوفي. فلما ألف ابن الأنباري كتابه الجليل "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" صار لهذا الفن كتاب مسجل يسعف الدارسين لأول مرة بما يريدون. وقد كان هو نفسه معتزا -وله الحق- وهو يشير إلى هذه الأولية مؤرخا بقوله في مقدمة الإنصاف: "سألوني أن ألخص لهم كتابا لطيفا يشتمل على مشهور المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة، ليكون أول كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب، وألف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف ولا ألف عليه أحد من الخلف".
وبذلك تحقق للنحو أمنية طالما تطلع إليها الكثيرون.
طبع هذا الكتاب بمطبعة بريل في ليدن سنة ١٩١٣ طبعة جيدة مخدومة بالفهارس والحواشي المختلفة مع دراسة بالألمانية، ثم طبع في مطبعة الاستقامة بمصر سنة ١٩٤٠ طبعة أولى ثم طبعة ثانية، ثم طبعة ثالثة بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٩٥٥ في "٤٥٠" صفحة من القطع الوسط.
هذا الكتاب أعلى كتبه المطبوعة درجة وأنفسها فائدة, وفيه يتجلى أسلوبه كاملا بجميع سماته. عرض فيه لـ "١٢١" مسألة من مسائل الخلاف بين المدرستين، فبسطها بسطا شافيا.
وخطته بعد ذكر موضوع المسألة أن يسير به مراحل أربعا تشبه مراحل الدعوى في المحاكم:
أولا: سرد دعوى الكوفيين فيه ثم دعوى البصريين،
стр. 158
وبذلك تحدد جوانب الموضوع كله.
ثانيا: الإدلاء بالبينات؛ فيبدأ بحجج الكوفيين يعرضها بوضوح، ثم يعقبها بحجج البصريين كذلك.
ثالثا: الردود؛ يعرض في هذه المرحلة لردود كل فريق على حجج الفريق الآخر، وأغلب ما يطرد ذلك للبصريين.
رابعا: الحكم, لكن هذه المرحلة لا تطرد في كل المسائل، فكأن ابن الأنباري يكتفي بإيراد ردود البصريين على حجج الأولين، فتكون هذه الردود حكمه هو نفسه في المسألة المعروضة, على أنه نصر مذهب الكوفيين في مسائل قليلة.
والكتاب حافل بقواعد أصولية عامة، غير المسائل الكثيرة التي يسوق إليها الاستطراد، أما الشواهد وكثرتها فحدث عنها ولا حرج، إذ هي عمدة كل فريق في نصر ما يذهب إليه.
ودارس الكتاب١ لا يشعر إلا أنه في قاعة محكمة جلس فيها المتحاكمان ومحاموهما، والنظارة يستمعون إلى المدعي وبينته ثم إلى المدعى عليه وحجته، ثم إلى دفع كلٍّ حجة خصمه؛ فلا يكاد ينتهي المجلس إلا وقد خرج النظارة بالحكم مطمئنين أحيانا ومترددين أحيانا، قد علقوا على بعض الحجج بما يوهنها أو يقويها، وعرضوا للحكم أحيانا بما يؤيده أو بما يشكك فيه، وقد امتلأت حقائبهم من قواعد
стр. 159
أصولية عامة اتفق على رعايتها الطرفان، فإذا أخل ببعضها تعرض المخل لحساب غير يسير.
عرفت التواليف النحوية من بعد سيبويه حتى يومنا هذا بيبس الأسلوب غالبا، وجفاف العرض, وإملال القارئ، لكن الأنباري -والحق يقال- "أدَّب" النحو وأضفى على أسلوب عرضه من المائية والتندية ما حببه إلى المطالع فأبعد عنه السأم، وليس بقليل أن نعرض ما يشبه الأرقام والقضايا المنطقية عرضا جذابا.
إني إذا أردت التعبير عن أسلوب ابن الأنباري بكلمة جامعة لم أجد أصدق من قولي: "أسلوب رياضي جميل". أما "الجمالية" فشيء يتذوق ولا يعرف، لكنني أشير عليك بأن تقرأ صفحة لابن الأنباري في كتاب "الإنصاف" مثلا وتقرأ في موضوعها صفحة أخرى من أي عصر شئت مع وجود بلغاء كثيرين ألفوا في النحو، إنك لن تجد في طراوة أسلوبه وسهولته أسلوبا لعالم آخر، حتى ولا لابن جنى، وأما "الرياضية" في أسلوبه فسمة بارزة تنادي على نفسها في "الإغراب في جدل الإعراب" وفي "لمع الأدلة" وفي "الإنصاف" وفي "أسرار العربية" وحتى في "نزهة الألباء" وهو مقصور على ترجمة العلماء, حيث تجد التراجم مركزة منسقة, لا فضول فيها ولا التواء١.
وإليك الآن نصا من "لمع الأدلة" ونصوصا من كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف":
стр. 160
من "لمع الأدلة" في أصول النحو:
الفصل العاشر في القياس ١:
اعلم أن القياس في وضع اللسان بمعنى التقدير، وهو مصدر "قايست الشيء بالشيء مقايسة وقياسا: قدرته"، ومنه "المقياس" أي: المقدار، و"قيس رمح" أي: قدر رمح. وهو في عرف العلماء عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل.
وقيل: "هو حمل فرع على أصل بعلة، وإجراء حكم الأصل على الفرع".
وقيل: "هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع".
وقيل: هو اعتبار الشيء بالشيء بجامع.
وهذه الحدود كلها متقاربة.
ولا بد لكل قياس من أربعة أشياء: أصل وفرع وعلة وحكم.
وذلك مثل أن تركب قياسا في الدلالة على رفع ما لم يسم فاعله, فتقول:
"اسم أسند الفعل إليه مقدما عليه, فوجب أن يكون مرفوعا قياسا على الفاعل".
فالأصل هو الفاعل، والفرع هو ما لم يسم فاعله، والعلة الجامعة هي الإسناد، والحكم هو الرفع. والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل، وإنما أجري على الفرع الذي هو ما لم يسم فاعله بالعلة الجامعة التي هي الإسناد, وعلى هذا النحو تركيب كل قياس من أقيسة النحو.
стр. 161
فإن قيل: "فلم كان إسناد الفعل إلى الفاعل الذي هو الأصل موجبا للرفع دون النصب؟ وهلا كان الأمر بالعكس؟ " قيل: "لأنه لما وجب الفرق بين الفاعل والمفعول لإزالة اللبس، ووجدنا إسناد الفعل لا يكون إلا إلى فاعل واحد، ووقوعه يكون على مفعولات كثيرة: فمنه ما يقع على مفعول واحد، ومنه على مفعولين، ومنه على ثلاثة مفعولين، مع أن جنس الفعل متعديا كان أو لازما يتعدى إلى سبعة أشياء غير هذه الثلاثة وهي: المصدر وظرف الزمان وظرف المكان والمفعول له والحال والمفعول معه والمستثنى، مع خلاف في المفعول معه والمستثنى؛ فتلك عشرة كاملة. ولا يسند في ذلك كله إلا إلى فاعل واحد؛ فلما كان إسناد الفعل إلى الفاعل أقل ووقوعه على المفعول أكثر، والرفع أثقل والنصب أخف، أعطي الأقل الأثقل والأكثر الأخف معادلة بينهما؛ ولو عكس ذلك لكان عدولا عن المعادلة التي تقتضيها قضية المعدلة، واستكثارا لما يستثقل في كلامهم، وتركا للمناسبة، وخروجا عن قانون الحكمة. وما ذلك -في ضرب المثال- إلا بمنزلة رجل جعل بين يديه حجرين: أحدهما وزنه منا١ والآخر وزنه عشرة أمناء، وأمر إنسانا أن يحمل ما هو عشرة أمناء مرة واحدة، وما هو منا عشر مرات ليكون قلة العمل بإزاء الثقل، وكثرة العمل بإزاء الخفة, فإنه لا خفاء بأن ذلك مقارب للحكمة؛ ولو أمره بحمل الثقيل عشر مرات وبحمل الخفيف مرة واحدة لكان
стр. 162
ذلك مباينا للحكمة لجمعه عليه بين الثقل وكثرة العمل في حالة واحدة، وبين قلة العمل والخفة في حال أخرى، فكذلك ههنا.
وقد قيل في الجواب عن هذا السؤال عدة أقاويل، وإنما اقتصرنا على هذا القول؛ لأن غرضنا التمثيل لا التطويل بكثرة التعليل.
стр. 163
٢- كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف:
مقدمة كتاب الإنصاف ١:
قال الشيخ الإمام العالم الزاهد كمال الدين بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الأنباري -وفقه الله:
الحمد لله الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على صفوته النبي العربي المبعوث بالدين المتين، وعلى آله وأصحابه وعترته البررة المتقين.
وبعد؛ فإن جماعة من الفقهاء المتأدبين، والأدباء المتفقهين، المشتغلين علي بعلم العربية، بالمدرسة النظامية -عمر الله مبانيها ورحم بانيها- سألوني أن ألخص لهم كتابا لطيفا يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة؛ ليكون أول كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب، وألف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف، ولا ألف عليه أحد من الخلف، فتوخيت إجابتهم على وفق مسألتهم، وتحريت إسعافهم لتحقيق طلبتهم؛ وفتحت في
стр. 164
ذلك الطريق، وذكرت من مذهب كل فريق ما اعتمد عليه أهل التحقيق، واعتمدت في النصرة على ما أذهب إليه من مذهب أهل الكوفة أو البصرة، على سبيل الإنصاف، لا التعصب والإسراف, مستجيرا بالله، مستخيرا له فيما قصدت إليه؛ فالله تعالى ينفع به؛ إنه قريب مجيب.
стр. 165
المسألة الأولى ١:
اشتقاق كلمة "اسم"
ذهب الكوفيون إلى أن "الاسم" مشتق من "الوسم" وهو العلامة؛ وذهب البصريون إلى أنه مشتق من "السمو" وهو العلو.
أما الكوفيون:
فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه مشتق من "الوسم" لأن "الوسم" في اللغة هو العلامة، والاسم وسم على المسمى، وعلامة له يعرف به؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "زيد" أو "عمرو" دل على المسمى فصار كالوسم عليه؟ فلهذا قلنا: "إنه مشتق من الوسم"، ولذلك قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب٢: الاسم سمة توضع على الشيء يعرف بها، والأصل في "اسم": "وسم" إلا أنه حذفت منه الفاء التي هي الواو في "وسم" وزيدت الهمزة في أوله عوضا عن المحذوف, ووزنه "اعل" لحذف الفاء منه.
стр. 166
وأما البصريون:
فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: "إنه مشتق من "السمو" لأن "السمو" في اللغة هو العلم. يقال: سما يسمو سموا إذا علا، ومنه سميت "السماء" سماء لعلوها، والاسم يعلو على المسمى، ويدل على ما تحته من المعنى؛ ولذلك قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد١: الاسم ما دل على مسمى تحته، وهذا القول كاف في الاشتقاق لا في التحديد، فلما سما الاسم على مسماه وعلا على ما تحته من معناه دل على أنه مشتق من "السمو" لا من "الوسم".
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا: إنه مشتق من "السمو" وذلك لأن هذه الثلاثة الأقسام التي هي الاسم، والفعل، والحرف، لها ثلاث مراتب؛ فمنها ما يخبر به ويخبر عنه وهو الاسم نحو "الله ربنا ومحمد نبينا" وما أشبه ذلك، فأخبرت بالاسم وعنه؛ ومنها ما يخبر به ولا يخبر عنه وهو الفعل نحو "ذهب زيد" و"انطلق عمرو" وما أشبه ذلك فأخبرت بالفعل، ولو أخبرت عنه فقلت "ذهب ضرب، وانطلق كتب" لم يكن كلاما؛ ومنها ما لا يخبر به ولا يخبر عنه وهو الحرف، نحو "من، ولن، ولم، وبل" وما أشبه ذلك؛ فلما كان الاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه، والحرف لا يخبر به ولا يخبر عنه، فقد سما على الفعل والحرف، أي: علا، فدل على أنه مشتق من "السمو"
стр. 167
والأصل فيه "سِمْو" على وزن "فعل" -بكسر الفاء وسكون العين- فحذفت اللام التي هي الواو، وجعلت الهمزة عوضا عنها، ووزنه "افع" لحذف اللام منه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين:
قولهم: "إنما قلنا: إنه مشتق من الوسم؛ لأن الوسم في اللغة العلامة، والاسم وسم على المسمى وعلامة عليه يعرف به" قلنا: هذا وإن كان صحيحا من جهة المعنى إلا أنه فاسد من جهة اللفظ، وهذه الصناعة لفظية، فلا بد فيها من مراعاة اللفظ؛ ووجه فساده من جهة اللفظ من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنا أجمعنا على أن الهمزة في أوله همزة التعويض، وهمزة التعويض إنما تقع تعويضا عن حذف اللام، لا عن حذف الفاء، ألا ترى أنهم لما حذفوا اللام التي هي الواو من "بنو" عوضوا عنها الهمزة في أوله فقالوا: "ابن"، ولما حذفوا الفاء التي هي الواو من "وعد" لم يعوضوا عنها الهمزة في أوله، فلم يقولوا: "اعد"، وإنما عوضوا عنها الهاء في آخره فقالوا: "عدة"؛ لأن القياس فيما حذف منه لامه أن يعوض بالهمزة في أوله، وفيما حذف منه فاؤه أن يعوض بالهاء في آخره، والذي يدل على صحة ذلك أنه لا يوجد في كلامهم ما حذف فاؤه وعوض بالهمزة في أوله، كما لا يوجد في كلامهم ما حذف لامه وعوض بالهاء في آخره، فلما وجدنا في أول "اسم" همزة التعويض علمنا
стр. 168
أنه محذوف اللام، لا محذوف الفاء؛ لأن حمله على ما له نظير أولى من حمله على ما ليس له نظير، فدل على أنه مشتق من "الوسم".
والوجه الثاني: أنك تقول: "أسميته" ولو كان مشتقا من "الوسم" لوجب أن تقول: "أوسمته"، فلما لم تقل إلا "أسميت" دل على أنه من السمو، وكان الأصل فيه "أسموت" إلا أن الواو التي هي اللام لما وقعت رابعة قلبت ياء كما قالوا: "أعليت، وأدعيت"، والأصل "أعلوت" "وأدعوت" إلا أنه لما وقعت الواو رابعة قلبت "ياء"، فكذلك ههنا.
وإنما وجب أن تقلب الواو ياء رابعة من هذا النحو حملا للماضي على المضارع، والمضارع يجب قلب الواو فيه ياء نحو "يعلي, ويدعي، ويسمي" والأصل فيه "يعلو، ويدعو، ويسمو". وإنما وجب قلبها ياء في المضارع لوقوعها ساكنة مكسورا ما قبلها؛ لأن الواو متى وقعت ساكنة مكسورا ما قبلها وجب قلبها ياء، ألا ترى أنهم قالوا: "ميقات، وميعاد، وميزان" والأصل "موقات، وموعاد، وموزان"؛ لأنه من "الوقت، والوعد, والوزن"؛ إلا أنه لما وقعت الواو ساكنة مكسورا ما قبلها، وجب قلبها ياء فكذلك ههنا.
وإنما حملوا الماضي على المضارع مراعاة لما بنوا عليه كلامهم من اعتبار حكم المشاكلة والمحافظة على أن تجري الأبواب على سنن واحد؛ ألا ترى أنهم حملوا المضارع على الماضي إذا اتصل به ضمير جماعة النسوة نحو "تضربن" وحذفوا الهمزة
стр. 169
من أخوات "أكرم" نحو "نكرم، وتكرم، ويكرم" والأصل فيها: "نؤكرم، وتؤكرم، ويؤكرم" كما قال:
فإنه أهل لأن يؤكرما
حملا على "أكرم"؛ وإنما حذف إحدى الهمزتين من "أكرم" لأن الأصل فيه "أؤكرم" فلما اجتمع فيه همزتان كرهوا اجتماعهما فحذفوا إحداهما تخفيفا، ثم حملوا سائر أخواتها عليها في الحذف، وكذلك حذفوا الواو من أخوات "يعد" نحو "أعد، ونعد، وتعد" والأصل فيها "أوعد، ونوعد، وتوعد" حملا على "يعد" وإنما حذفت الواو من "يعد" لوقوعها بين ياء وكسرة. ثم حملوا سائر أخواتها عليها في الحذف, كل ذلك لتحصيل التشاكل, والفرار من نفرة الاختلاف، فكذلك ههنا، حملوا الماضي على المضارع، وبل أولى؛ وذلك لأن مراعاة المشاكلة بالقلب أقيس من مراعاة المشاكلة بالحذف؛ لأن القلب تغيير يعرض في نفس الحرف، والحذف إسقاط لأصل الحرف، والإسقاط في باب التغيير أتم من القلب، فإذا جاز أن يراعوا المشاكلة بالحذف فبالقلب أولى؛ وأما قلب الواو ياء في الماضي في نحو "تغازيت، وترجيت" وإن لم تقلب ياء في المضارع؛ لأن الأصل في "تغازيت: غازيت" وفي "ترجيت: رجيت" فزيدت التاء فيهما لتدل على المطاوعة، و"غازيت, ورجيت" يجب قلب الواو فيهما ياء في المضارع، ألا ترى أنك تقول في المضارع "أغازي، وأرجي" فكذلك في الماضي، وإذا لزم هذا القلب قبل الزيادة في "غازيت أغازي" و"رجيت
стр. 170
أرجي" فكذلك بعد الزيادة في "تغازيت وترجيت" حملا لـ "تغازيت" على "غازيت"، ولـ "ترجيت" على "رجيت" مراعاة للتشاكل, وفرارا من نفرة الاختلاف.
والوجه الثالث: أنك تقول في تصغيره "سميّ"، ولو كان مشتقا من "الوسم" لكان يجب أن نقول في تصغيره "وُسَيْم" كما يجب أن تقول في تصغير "زنة، وُزَيْنة" وفي تصغير "عدة: وعيدة"؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فلما لم يجز أن يقال إلا: "سميّ" دل على أنه مشتق من "السمو"، لا من "الوسم".
والأصل في "سُمَيّ: سُميْو" إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، كما قالوا: "سيد، وجيد، وهين، وميت" والأصل فيه "سيْود، وجيود، وهيون، وميوت" لأنه من السؤدد والجودة والهوان والموت، إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وكذلك أيضا قالوا: "طويت طيا، ولويت ليا، وشويت شيا"، والأصل فيه: "طوْيا، ولويا، وشويا"، إلا أنه لما اجتمعت الواو والياء والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وإنما وجب قلب الواو إلى ياء دون قلب الياء إلى الواو؛ لأن الياء أخف من الواو، فلما وجب قلب أحدهما إلى الآخر، كان قلب الأثقل إلى الأخف أولى من قلب الأخف إلى الأثقل.
стр. 171
والوجه الرابع: أنك تقول في تكسيره "أسماء "وأسامٍ"" ولو كان مشتقا من "الوسم" لوجب أن تقول: "أوسام وأواسيم" فلما لم يجز أن يقال إلا "أسماء" دل على أنه مشتق من "السمو" لا من "الوسم". والأصل في "أسماء: أسماو"، إلا أنه لما وقعت الواو طرفا وقبلها ألف زائدة قلبت همزة, كما قالوا "سماء وكساء ورجاء ونجاء" والأصل فيه: "سماو وكساو ورجاو ونجاو"، لقولهم: "سموت، وكسوت، ورجوت، ونجوت" إلا أنه لما وقعت الواو طرفا وقبلها ألف زائدة قلبت همزة.
ومنهم من قال: إنها قلبت ألفا؛ لأن الألف التي قبلها لما كانت ساكنة خفية زائدة, والحرف الساكن حاجز غير حصين لم يعتدوا بها، ففدروا أن الفتحة التي قبل الألف قد وليت الواو وهي متحركة، والواو متى تحركت وانفتح ما قبلها وجب أن تقلب ألفا، ألا ترى أنهم قالوا: "سما، وعلا، ودعا، وغزا" والأصل فيها: "سموَ، وعلوَ، ودعو، وغزو" لقولهم: "سموت، وعلوت، ودعوت، وغزوت" إلا أنه لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فكذلك ههنا قلبوا الواو في "أسماو" ألفا، فاجتمع فيه ألفان: ألف زائدة، وألف منقلبة عن لام الكلمة، والألفان ساكنتان، وهما لا يجتمعان، فقلبت الألف الثانية المنقلبة عن لام الكلمة همزة لالتقاء الساكنين، وإنما قلبت إلى الهمزة دون غيرها من الحروف لأنها أقرب الحروف إليها؛ لأن الهمزة هوائية كما أن الألف هوائية, فلما كانت أقرب الحروف إليها كان قلبها
стр. 172
إليها أولى من قلبها إلى غيرها.
والوجه الخامس: أنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا في "اسم: سُمى" على وزن "عُلى" والأصل فيه "سمو" إلا أنهم قلبوا الواو منه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "سُمى".
قال الشاعر:
والله أسماك سُمى مباركا ... آثرك الله به إيثاركا
وفيه خمس لغات: "اسم" بكسر الهمزة، و"اسم" بضمها، و"سم" بكسر السين، و"سم" بضمها. قال الشاعر:
وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه
مبتركا لكل عظم يلحمه١
وقال:
باسم الذي في كل سورة سمه ... قد وردت على طريق تعلمه
ويروى "سمه" بضم السين، و"سمى" على وزن "على" على ما بينا والله أعلم٢.
стр. 173
"مسألة ١١٧" ١:
وزن إنسان:
ذهب الكوفيون إلى أن "إنسان" وزنه "إفعان", وذهب البصريون إلى أن وزنه "فعلان" وإليه ذهب بعض الكوفيين.
أما الكوفيون:
فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في "إنسان: إنسيان" على "إفعلان" من النسيان، إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على ألسنتهم حذفوا منه الياء التي هي اللام لكثرته في استعمالهم، والحذف لكثرة الاستعمال كثير في كلامهم، كقولهم: "أيش" في "أي شيء" و"عم صباحا" في "أنعم صباحا" و"ويلمه" في "ويل أمه", قال الهذلي:
ويلمه رجلا تأبى به غبنا ... إذا تجرد لا خال ولا بخل٢
стр. 174
وقال الآخر:
ويلمه مسعر حرب إذا ... ألقي فيها وعليه الشليل١
والذي يدل على أن "إنسان" مأخوذ من "النسيان" أنهم قالوا في تصغيره "أنيسيان" فردوا الياء في حال التصغير؛ لأن الاسم لا يكثر استعماله مصغرا كثرة استعماله مكبرا، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فدل على ما قلناه.
وأما البصريون:
فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن وزنه "فِعْلان" لأن "إنسان" مأخوذ من "الإنس" وسمي "الإنس" إنسا لظهورهم، كما سمي "الجن" جنا لاجتنانهم أي: استتارهم، ويقال: "آنست الشيء" إذا أبصرته، قال الله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ ٢ أي: أبصر، وكما أن الهمزة في "الإنس" أصلية, ولا ألف ونون فيه موجودتان, فكذلك الهمزة أصلية في "إنسان" ويجوز أن يكون سمي "الإنس" إنسا؛ لأن هذا الجنس يستأنس به ويوجد فيه من الأنس وعدم الاستيحاش ما لا يوجد في غيره من سائر الحيوان، وعلى كلا الوجهين فالألف والنون فيه زائدتان؛ فلهذا قلنا: إن وزنه "فعلان".
стр. 175
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين:
أما قولهم: "إن الأصل في "إنسان: إنسيان" إلا أنهم لما كثر في كلامهم حذفوا منه الياء لكثرة الاستعمال، كقولهم: "أيش" في "أي شيء" و"عم صباحا" في "أنعم صباحا" و"يلمه" في "ويل أمه" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان يجوز أن يؤتى به على الأصل، كما يجوز أن نقول: "أي شيء، وأنعم صباحا، وويل أمه" على الأصل، فلما لم يأت ذلك في شيء من كلامهم في حالة اختيار, ولا ضرورة دل على بطلان ما ذهبتم إليه.
وأما قولهم: إنهم قالوا في تصغيره "أنيسيان" قلنا: إنما زيدت هذه الياء في "أنيسيان" على خلاف القياس، كما زيدت في قولهم: "لييلية" في تصغير "ليلة" و"عشيشية" في تصغير "عشية", وكقولهم على خلاف القياس "مغيربان" في تصغير "مغرب" و"رويجل" في تصغير "رجل" إلى غير ذلك مما جاء على خلاف القياس، فلا يكون فيه حجة؛ والله أعلم.
стр. 176
"مسألة ١١٦" ١:
التعجب من البياض والسواد
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يستعمل "ما أفعله" في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان، نحو أن تقول: "هذا الثوب ما أبيضَهُ، وهذا الشعر ما أسودَهُ" وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان.
أما الكوفيون:
فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ذلك للنقل والقياس؛ أما النقل، فقد قال الشاعر:
إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ٢
وجه الاحتجاج أنه قال: "أبيضهم" وإذا جاز ذلك في
стр. 177
أفعلهم" جاز في "ما أفعله، وأفعل به" لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، وقد قال الشاعر:
جارية في درعها الفضفاض ... تقطِّع الحديث بالإيماض
أبيض من أخت بني إباض١
فقال: "أبيض" وهو "أفعل" من البياض، وإذا جاز ذلك في "أفعل من كذا" جاز في "ما أفعله، وأفعل به" لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، ألا ترى أن ما لا يجوز فيه "ما أفعله" لا يجوز فيه "أفعل من كذا" وكذلك بالعكس منه، ما جاز فيه "ما أفعله" جاز فيه "أفعل من كذا" فإذا ثبت أنه يمتنع في كل واحد منهما ما يمتنع في الآخر، ويجوز فيه ما يجوز في الآخر دل على أنهما بمنزلة واحدة، وكذلك القول في "أفعل به" في الجواز والامتناع، فإذا ثبت هذا فوجب أن يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض.
وأما القياس فقالوا: إنما جوزنا ذلك من "السواد، والبياض" دون سائر الألوان؛ لأنهما أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصهبة والشهبة والكهبة٢ إلى غير ذلك، فإذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان؛ إذ كانا أصلين لها، ومتقدمين عليها.
стр. 178
وأما البصريون:
فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض والسواد أنا أجمعنا على أنه لا يجوز أن يستعمل مما كان لونا غيرهما من سائر الألوان، فكذلك لا يجوز منهما، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلو امتناع ذلك إما أن يكون لأن باب الفعل منهما أن يأتي على "أفعل" نحو "أحمر، وأصفر، وأخضر" وما أشبه ذلك, ولأن هذه الأشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول فجرت مجرى أعضائه، وأي العلتين قدرنا وجدنا المساواة بين البياض والسواد وبين سائر الألوان في علة الامتناع، فينبغي ألا يجوز فيهما كسائر الألوان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين:
أما احتجاجهم بقول الشاعر:
فأنت أبيضهم سربال طباخ
فلا حجة فيه من وجهين:
أحدهما: أنه شاذ فلا يؤخذ به، كما أنشد أبو زيد:
يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
стр. 179
ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصع١
فأدخل الألف واللام على الفعل، وأجمعنا على أن استعمال مثل هذا خطأ لشذوذه قياسا واستعمالا، فكذلك ههنا. وإنما جاء هذا لضرورة الشعر، والضرورة لا يقاس عليها، كما لو اضطر إلى قصر الممدود على أصلنا وأصلكم، أو إلى مد المقصور على أصلكم، وعلى ذلك سائر الضرورات، ولا يدل جوازه في الضرورة على جوازه في غير الضرورة، فكذلك ههنا، فسقط الاحتجاج به، وهذا هو الجواب عن قول الآخر:
أبيض من أخت بني إباض
والوجه الثاني: أن يكون قوله: "فأنت أبيضهم" أفعل الذي مؤنثه "فعلاء" كقولك: "أبيض، وبيضاء" ولم يقع الكلام فيه، وإنما وقع الكلام في "أفعل" الذي يراد به المفاضلة نحو "هذا أحسن منه وجها، وهو أحسن القوم وجها" فكأنه قال: "مبيضهم" فلما أضافه انتصب ما بعده عن تمام الاسم؛ وهذا هو الجواب عن قول الآخر: "أبيض من أخت" ومعناه "في درعها جسد مبيض من أخت بني إباض" ويكون "من:
стр. 180
أخت" ههنا في موضع رفع؛ لأنها صفة لـ "أبيض"، كأنه قال: "أبيض كائن من أخت" كقولهم: "أنت كريم من بني فلان" ونحوه قول الشاعر:
وأبيض من ماء الحديد كأنه ... شهاب بدا والليل داج عساكره١
فقوله: "من ماء الحديد" في موضع رفع؛ لأنه صفة "أبيض" وتقديره: "وأبيض كائن من ماء الحديد" ونحوه أيضا قول الآخر:
لما دعاني السمهري أجبته ... بأبيض من ماء الحديد صقيل
وأما قولهم: "إنما جوزنا ذلك لأنهما أصلان للألوان، ويجوز أن يثبت للأصل ما لا يثبت للفرع" قلنا: هذا لا يستقيم؛ وذلك لأن سائر الألوان إنما لم يجز أن يستعمل منها "ما أفعله، وأفعل منه" لأنها لازمت محالها، فصارت كعضو من الأعضاء، فإذا كان هذا هو العلة فنقول: هذا على أصلكم ألزم، وذلك لأنكم تقولون: "إن هذه الألوان ليست بأصل في الوجود" على ما تزعمون، بل هي مركبة من البياض والسواد، فإذا لم يجز مما كان متركبا منها لملازمته المحل، فلأن لا يجوز مما كان أصلا في الوجود وهو ملازم للمحل كان ذلك من طريق الأولى، والله أعلم.