← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9937

من تاريخ النحو العربي

سعيد الأفغاني

Полный текст (216 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

"مسألة ١١٦" ١: التعجب من البياض والسواد ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يستعمل "ما أفعله" في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان، نحو أن تقول: "هذا الثوب ما أبيضَهُ، وهذا الشعر ما أسودَهُ" وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان. أما الكوفيون: فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ذلك للنقل والقياس؛ أما النقل، فقد قال الشاعر: إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ٢ وجه الاحتجاج أنه قال: "أبيضهم" وإذا جاز ذلك في

стр. 177

أفعلهم" جاز في "ما أفعله، وأفعل به" لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، وقد قال الشاعر: جارية في درعها الفضفاض ... تقطِّع الحديث بالإيماض أبيض من أخت بني إباض١ فقال: "أبيض" وهو "أفعل" من البياض، وإذا جاز ذلك في "أفعل من كذا" جاز في "ما أفعله، وأفعل به" لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، ألا ترى أن ما لا يجوز فيه "ما أفعله" لا يجوز فيه "أفعل من كذا" وكذلك بالعكس منه، ما جاز فيه "ما أفعله" جاز فيه "أفعل من كذا" فإذا ثبت أنه يمتنع في كل واحد منهما ما يمتنع في الآخر، ويجوز فيه ما يجوز في الآخر دل على أنهما بمنزلة واحدة، وكذلك القول في "أفعل به" في الجواز والامتناع، فإذا ثبت هذا فوجب أن يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض. وأما القياس فقالوا: إنما جوزنا ذلك من "السواد، والبياض" دون سائر الألوان؛ لأنهما أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصهبة والشهبة والكهبة٢ إلى غير ذلك، فإذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان؛ إذ كانا أصلين لها، ومتقدمين عليها.

стр. 178

وأما البصريون: فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض والسواد أنا أجمعنا على أنه لا يجوز أن يستعمل مما كان لونا غيرهما من سائر الألوان، فكذلك لا يجوز منهما، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلو امتناع ذلك إما أن يكون لأن باب الفعل منهما أن يأتي على "أفعل" نحو "أحمر، وأصفر، وأخضر" وما أشبه ذلك, ولأن هذه الأشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول فجرت مجرى أعضائه، وأي العلتين قدرنا وجدنا المساواة بين البياض والسواد وبين سائر الألوان في علة الامتناع، فينبغي ألا يجوز فيهما كسائر الألوان. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر: فأنت أبيضهم سربال طباخ فلا حجة فيه من وجهين: أحدهما: أنه شاذ فلا يؤخذ به، كما أنشد أبو زيد: يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع

стр. 179

ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصع١ فأدخل الألف واللام على الفعل، وأجمعنا على أن استعمال مثل هذا خطأ لشذوذه قياسا واستعمالا، فكذلك ههنا. وإنما جاء هذا لضرورة الشعر، والضرورة لا يقاس عليها، كما لو اضطر إلى قصر الممدود على أصلنا وأصلكم، أو إلى مد المقصور على أصلكم، وعلى ذلك سائر الضرورات، ولا يدل جوازه في الضرورة على جوازه في غير الضرورة، فكذلك ههنا، فسقط الاحتجاج به، وهذا هو الجواب عن قول الآخر: أبيض من أخت بني إباض والوجه الثاني: أن يكون قوله: "فأنت أبيضهم" أفعل الذي مؤنثه "فعلاء" كقولك: "أبيض، وبيضاء" ولم يقع الكلام فيه، وإنما وقع الكلام في "أفعل" الذي يراد به المفاضلة نحو "هذا أحسن منه وجها، وهو أحسن القوم وجها" فكأنه قال: "مبيضهم" فلما أضافه انتصب ما بعده عن تمام الاسم؛ وهذا هو الجواب عن قول الآخر: "أبيض من أخت" ومعناه "في درعها جسد مبيض من أخت بني إباض" ويكون "من:

стр. 180

أخت" ههنا في موضع رفع؛ لأنها صفة لـ "أبيض"، كأنه قال: "أبيض كائن من أخت" كقولهم: "أنت كريم من بني فلان" ونحوه قول الشاعر: وأبيض من ماء الحديد كأنه ... شهاب بدا والليل داج عساكره١ فقوله: "من ماء الحديد" في موضع رفع؛ لأنه صفة "أبيض" وتقديره: "وأبيض كائن من ماء الحديد" ونحوه أيضا قول الآخر: لما دعاني السمهري أجبته ... بأبيض من ماء الحديد صقيل وأما قولهم: "إنما جوزنا ذلك لأنهما أصلان للألوان، ويجوز أن يثبت للأصل ما لا يثبت للفرع" قلنا: هذا لا يستقيم؛ وذلك لأن سائر الألوان إنما لم يجز أن يستعمل منها "ما أفعله، وأفعل منه" لأنها لازمت محالها، فصارت كعضو من الأعضاء، فإذا كان هذا هو العلة فنقول: هذا على أصلكم ألزم، وذلك لأنكم تقولون: "إن هذه الألوان ليست بأصل في الوجود" على ما تزعمون، بل هي مركبة من البياض والسواد، فإذا لم يجز مما كان متركبا منها لملازمته المحل، فلأن لا يجوز مما كان أصلا في الوجود وهو ملازم للمحل كان ذلك من طريق الأولى، والله أعلم.

стр. 181

ابن مالك: "٦٠٠-٦٧٢هـ": "محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، العلامة جمال الدين أبو عبد الله الطائي الجياني الشافعي النحوي، نزيل دمشق، إمام النحاة وحافظ اللغة. قال الذهبي: ولد سنة ستمائة أو إحدى وستمائة، وسمع بدمشق من السخاوي والحسن بن الصباح وجماعة، وأخذ العربية عن غير واحد، وجالس بحلب ابن عمرون وغيره، وتصدر بها لإقراء العربية وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين. وكان إماما في القراءات وعللها؛ وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والاطلاع على حوشيها، وأما النحو والتصريف فكان فيهما بحرا لا يجارى، وحبرا لا يبارى. وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيها ويتعجبون: من أين يأتي بها؟! وكان نظم الشعر سهلا عليه رجزه وطويله وبسيطه وغير ذلك, هذا مع ما هو عليه من الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل وحسن السمت ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة. أقام بدمشق مدة يصنف ويشتغل، وتصدر بالتربة العادلية وبالجامع المعمور, وتخرج به جماعة كثيرة, وصنف تصانيف مشهورة. وروى عنه ابنه الإمام بدر الدين، والشمس بن أبي الفتح البعلي، والبدر بن جماعة، والعلاء بن العطار, وخلق" انتهى كلام الذهبي. قال أبو حيان: "بحثت عن شيوخه فلم أجد له شيخا مشهورا يعتمد عليه، ويرجع في حل المشكلات إليه، إلا أن بعض تلامذته ذكر أنه قال: "قرأت على ثابت بن حيان بجيان، وجلست في حلقة أبي علي الشلوبين نحوا من ثلاثة عشر يوما" ولم يكن ثابت بن حيان من النحويين وإنما كان من أئمة المقرئين. قال: وكان ابن مالك لا يحتمل المباحثة ولا يثبت للمناقشة؛ لأنه إنما أخذ هذا العلم بالنظر فيه بخاصة نفسه، هذا مع كثرة ما اجتناه من ثمرات غرسه" انتهى.

стр. 182

قلت: وله شيخ جليل وهو ابن يعيش الحلبي, ذكر ابن إياز في أوائل شرح التصريف أنه أخذ عنه. أما تصانيفه فرأيت في تذكرة تاج الدين بن مكتوم أن بعضهم نظمها في أبيات، قال الشيخ تاج الدين: وقد أهمل أشياء أخر من مؤلفاته فذيلت عليها, وها أنا أورد نظمها مبينا: سقى الله رب العرش قبر ابن مالك ... سحائب غفران تغاديه عطلا فقد ضم شمل النحو من بعد شته ... وبين أقوال النحاة وفصلا بـ ألفية تسمى الخلاصة قد حوت ... خلاصة علم النحو والصرف مكملا و"كافية"١.... إلخ. قال الصلاح الصفدي: أخبرني الشهاب محمود أن ابن مالك كان إذا صلى في "العادلية" وكان إمامها، يشيعه قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان إلى بيته تعظيما له. وكان أمة في الاطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى أشعار العرب. وكان كثير العبادة, كثير النوافل، حسن السمت، كامل العقل. وانفرد عن المغاربة بشيئين: الكرم ومذهب الامام الشافعي. وكان يقول عن الشيخ جمال الدين بن الحاجب: "إنه أخذ نحوه من صاحب المفصل، وصاحب المفصل نحوي صغير" قال: "وناهيك بمن يقول هذا في حق الزمخشري". وكان الشيخ ركن الدين بن القويع يقول: "إن ابن مالك خلى للنحو حرمة". توفي ابن مالك ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة. "بغية الوعاة" ص٥٣-٥٧.

стр. 183

ألفية ابن مالك وشروحها: "المتون" في العلوم اصطلاح جرى عليه المعلمون يطلقونه على مبادئ فن من الفنون تكثف في رسائل قصيرة يستظهرها للطلاب ترسيخا لمسائل العلم في حفظهم، وكلما كانت ألفاظها أقل زادت قبولا عند المدرسين، ثم يشرعون بعد استظهار الطلاب لها في شرح ألفاظها وحل معقداتها؛ أسلوب جروا عليه في العصور التي جمدت فيها الملكات على ما فيه من عناء على "الماتن" والطالب معا. وهذه المتون تكون نثرا وتكون نظما، وقد راج النظم لسهولة حفظه وإن كان التعقيد ألزم له لما توجبه مقتضيات الوزن من تقديم وتأخير زيادة على التكثيف. فمنظومة في مصطلح الحديث، ومنظومة في القراءات، ومنظومة في الفرائض، ومنظومة في الرياضيات، وفي الفلسفة، وفي الفقه ... إلخ. وفي النحو ألفية لابن معطي المتوفى سنة "٦٢٨هـ" بالقاهرة ألف بيت من بحر السريع وبحر الرجز، فأراد ابن مالك نظم ألفية له تلم بمسائل أكثر وتكون كلها من بحر الرجز، ووُفق إلى ما أراد، ورُزقت ألفيته الشهرة في التعليم, فما زال الطلبة يبدءون باستظهارها منذ ثمانمائة سنة حتى اليوم. وشرحت شروحا جمة أشهرها شرح ابن عقيل، ووضعت على الشروح

стр. 184

حواشٍ كثيرة، وصارت الألفية مدار التدريس والتأليف يتبارى المؤلفون في شرحها، ومن أعجب من المؤلفين بشرح ما وضع عليه حاشية تبسط مسائله. وأكثر هذه الشروح شهرة اليوم شرح ابن عقيل، وشرح الأشموني، وكلاهما مطبوع طبعات عدة، يدرس في المعاهد والمدارس وحلقات العلم، ومن الحواشي المشهورة المطبوعة أيضا "حاشية الصبان على شرح الأشموني" و"حاشية الخضري على شرح ابن عقيل". وإليك نموذجا من نظم ألفية ابن مالك في عمل "لا" النافية للجنس وشرح ابن عقيل على بيتين منها، ثم نموذجا من كتاب ابن مالك "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" وهو كتاب وضعه لبعض ما يستشكله دارسو صحيح البخاري من مشكلات نحوية, وهو من كتبه اللطيفة الحجم؛ لتكون على علم بسعة اطلاعه وأسلوب تأتيه لبحثه: ١- ألفية ابن مالك: بدأها بقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك مصليا على النبي المصطفى ... وآله المستكملين الشرفا

стр. 185

وأستعين الله في ألفيه ... مقاصد النحو بها محويه تقرب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي١ وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجبا ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخره كلامنا لفظ مفيد كـ "استقم ... اسم وفعل ثم حرف الكلم ... إلخ. "لا" التي لنفي الجنس: ١- عمل إنّ اجعل لـ لا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره

стр. 186

٢- فانصب بها مضافا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر، رافعه الشرح لابن عقيل: ١- هذا هو القسم الثالث من الحروف الناسخة للابتداء وهي "لا" التي لنفي الجنس، والمراد بها "لا" التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كله. وإنما قلت: "التنصيص" احترازا من التي يقع الاسم بعدها مرفوعا نحو "لا رجل قائما" فإنها ليست نصا في نفي الجنس إذ يحتمل "لا رجل قائما بل رجلان"، وبتقدير نفي الوحدة يجوز "لا رجل قائما بل رجلان"؛ وأما "لا" هذه فهي لنفي الجنس ليس إلا، فلا يجوز "لا رجلَ قائم بل رجلان". وهي تعمل عمل "إن" فتنصب المبتدأ اسما لها وترفع الخبر خبرا لها، ولا فرق في هذا العمل بين المفردة وهي التي لم تتكرر نحو "لا غلامَ رجل قائم" وبين المكررة نحو "لا حول ولا قوة إلا الله" ولا يكون اسمها وخبرها إلا نكرة، فلا تعمل في المعرفة؛ وما ورد من ذلك مؤول بنكرة كقولهم: "قضية ولا أبا حسن لها" والتقدير: "ولا مسمى بهذا الاسم لها". ويدل على أنه معامل معاملة النكرة وصفه بالنكرة لقولك: "ولا أبا حسن حنانا لها"١.

стр. 187

ولا يفصل بينها وبين اسمها، فإن فصل بينهما ألغيت كقوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُون﴾ ١. ٢- لا يخلو اسم "لا" من ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يكون مضافا نحو "لا غلامَ رجلٍ حاضر". الثاني: أن يكون مضارعا للمضاف أي: مشابها له, والمراد به كل اسم له تعلق بما بعده إما بعمل نحو "لا طالعا جبلا ظاهر" و"لا خيرا من زيد راكب"، وإما بعطف نحو "لا ثلاثة وثلاثين عندنا" ويسمى المشبه بالمضاف مطولا وممطولا أي: ممدودا. وحكم المضاف والمشبه به النصب لفظا كما مثل. والحال الثالث: أن يكون مفردا, والمراد به ما ليس بمضاف ولا مشبه بالمضاف، فيدخل فيه المثنى والمجموع، وحكمه البناء على ما كان ينصب به؛ لتركبه مع "لا" وصيرورته معها كالشيء الواحد، فهو معها كـ "خمسة عشر" ولكن محله النصب بـ "لا" لأنه اسم لها. فالمفرد الذي ليس بمثنى ولا مجموع يبنى على الفتح لأن نصبه بالفتحة نحو "لا حول ولا قوة إلا بالله" والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما كانا ينصبان به وهو الياء نحو: "لا مسلمينِ لك ولا مسلمينَ لزيد" فـ "مسلمين" و"مسلمين" مبنيان لتركبهما كما بني "رجل" لتركبها معها. وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن "رجل" في قولك "لا رجل" معرب, وأن فتحته فتحة إعراب لا فتحة بناء، وذهب المبرد إلى أن "مسلمينِ ومسلمينَ" معربان.

стр. 188

وأما جمع المؤنث السالم, فقال قوم: يبنى على ما كان ينصب به وهو الكسر, فتقول: "لا مسلماتِ لك" بكسر التاء, ومنه قوله: إن الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ ولا لذات للشيب١ وأجاز بعضهم الفتح نحو "لا مسلماتَ لك". وقول المصنف: "وبعد ذاك الخبر اذكر، رافعه" معناه: أنه يذكر الخبر بعد اسم "لا" مرفوعا، والرافع له "لا" عند المصنف وجماعة، وعند سيبويه الرافع له "لا" إن كان اسمها مضافا أو مشبها بالمضاف، وإن كان الاسم مفردا فاختلف في رافع الخبر: فذهب سيبوبه إلى أنه ليس مرفوعا بـ "لا" وإنما هو مرفوع على أنه خبر مبتدأ؛ لأن مذهبه أن "لا" واسمها المفرد في موضع رفع بالابتداء والاسم المرفوع بعدها خبر عن ذلك المبتدأ، ولم تعمل "لا" عنده في هذه الصورة إلا في الاسم؛ وذهب الأخفش إلى أن الخبر مرفوع بـ "لا" فتكون "لا" عاملة بالجزأين كما عملت فيهما مع المضاف والمشبه به. ا. هـ٢.

стр. 189

٢- شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح: البحث الثاني فيما يقع الشرط مضارعا والجواب ماضيا: ومنها قول النبي ﷺ : "من يقم ليلة القدر غفر له"، وقول عائشة أم المؤمنين ﵂: "إن أبا بكر رجل أسيف "حزين"، متى يقم مقامك رق". قلت: تضمن هذان الحديثان وقوع الشرط مضارعا والجواب ماضيا لفظا لا معنى، والنحويون يستضعفون ذلك، ويراه بعضهم مخصوصا بالضرورة. والصحيح الحكم بجوازه مطلقا؛ لثبوته في كلام أفصح الفصحاء, وكثرة صدوره عن فحول الشعراء كقول نهشل بن ضمرة: يا فارس الحي يوم الروع قد علموا ... ومدره الخصم لا نكسا ولا ورعا١ ومدرك التبل في الأعداء يطلبه ... وما يشأ عندهم من تبلهم منعا

стр. 190

وكقول أعشى قيس: وما يرد من جميع بعدُ فرقه ... وما يرد بعد من ذي فرقة جمعا وكقول حاتم: وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وكقول رؤبة: ما يلق في أشداقه تلهما ... إذا أعاد الزأر أو تنهما١ ومثله: إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا٢ ومثله: إن تستجيروا أجرناكم، وإن تهنوا ... فعندنا لكم الإنجاد مبذول ومثله: متى تأته ألفيته متكفلا ... بنصرة مذعور وترفيه بائس

стр. 191

ومثله: إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلوا ... ملأتم أنفس الأعداء إرهابا ومما يؤيد هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ١ فعطف على الجواب الذي هو ﴿نُنَزِّلْ﴾ : ﴿فَظَلَّتْ﴾ وهو ماضى اللفظ، ولا يعطف على الشيء غالبا إلا ما يجوز أن يحل محله، وتقدر حلول "ظلت" محل "ننزل": إن نشأ ظلت أعناقهم لما ننزل خاضعين. ولهذا الاستعمال أيضا مؤيد من القياس، وذلك أن محل الشرط مختص بما يتأثر بأداة الشرط لفظا أو تقديرا، واللفظيّ أصل للتقديريّ، ومحل الجواب محل غير مختص بذلك لجواز أن يقع فيه جملة اسمية، وفعل أمر أو دعاء، أو فعل مقرون بقد، أو حرف تنفيس، أو بـ "لن"، أو بـ "ما" النافية؛ فإذا كان الشرط والجواب مضارعين وافقا الأصل؛ لأن المراد منهما الاستقبال، ودلالة المضارع عليه موافقة للوضع، ودلالة الماضي عليه مخالفة للوضع، وما وافق الوضع أصل لما خالفه؛ وإذا كانا ماضيين خالفا الأصل، وحسنهما وجود التشاكل؛ وإذا كان أحدهما مضارعا والآخر ماضيا حصلت الموافقة من وجه والمخالفة من وجه، وتقديم الموافق أولى من تقديم المخالف؛ لأن المخالف نائب عن غيره والموافق ليس نائبا، ولأن المضارع بعد أداة الشرط غير مصروف عما وضع له إذ

стр. 192

هو باقٍ على الاستقبال، والماضي بعدها مصروف عما وضع له إذ هو ماضي اللفظ مستقبل المعنى, فهو ذو تغير في اللفظ دون المعنى، على تقدير كونه في الأصل مضارعا فردته الأداة ماضي اللفظ ولم يتغير معناه، وهذا مذهب المبرد, أو هو ذو تغير في المعنى دون اللفظ على تقدير كونه في الأصل ماضي اللفظ والمعنى، فغيرت الأداة معناه دون لفظه وهذا هو المذهب المختار. وإذا كان ذا تغير فالتأخر أولى به من التقدم؛ لأن تغيير الأواخر أكثر من تغيير الأوائل١.

стр. 193

ابن هشام الأنصاري: "٧٠٨-٧٦١هـ": عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري، الشيخ جمال الدين الحنبلي النحوي, الفاضل المشهور أبو محمد. قال في الدرر: ولد في ذي القعدة سنة ثمانٍ وسبعمائة، ولزم الشهاب عبد اللطيف بن المرحل، وتلا على ابن السراج، وسمع على أبي حيان ديوان زهير بن أبي سلمى ولم يلازمه ولا قرأ عليه غيره, وحضر دروس التاج التبريزي وقرأ على التاج الفاكهاني شرح الإشارة له إلا الورقة الأخيرة, وتفقه للشافعي ثم تحنبل فحفظ مختصر الخرقي في دون أربعة أشهر, وذلك قبل موته بخمس سنين! وأتقن العربية ففاق الأقران بل الشيوخ، وحدث عن ابن جماعة بالشاطبية. وتخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم, وتصدر لنفع الطالبين، وانفرد بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة والاستدراكات العجيبة, والتحقيق البارع والاطلاع المفرط, والاقتدار على التصرف في الكلام، والملكة التي كان يتمكن من التعبير بها عن مقصوده بما يريد, مسهبا وموجزا مع التواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق ورقة القلب. قال ابن خلدون١: "ما زلنا -ونحن بالمغرب- نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له: ابن هشام، أنحى من سيبويه". وكان كثير المخالفة لأبي حيان، شديد الانحراف عنه. صنف: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" اشتهر في حياته وأقبل الناس عليه "وقد كتبت عليه حاشية وشرحا لشواهده"، والتوضيح على الألفية، مجلد "يعني: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك"، رفع الخصاصة: أربع مجلدات، عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب: مجلدان، التحصيل والتفصيل لكتاب التذييل والتكميل: عدة مجلدات، شرح التسهيل: مسودة،

стр. 194

شرح الشواهد الكبرى، الصغرى، القواعد الكبرى، الصغرى، شذور الذهب، وشرحه، "وقد كتبت عليه حاشية لما قرئ علي"، قطر الندى، شرحه، الجامع الكبير، الجامع الصغير، شرح اللمحة لأبي حيان، شرح بانت سعاد، شرح البردة، التذكرة: خمسة عشر مجلدا، المسائل السفرية في النحو، وغير ذلك. ولد عدة حواشٍ على "الألفية" و"التسهيل" وغير ذلك. ومن شعره: ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ... ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل ومن لا يذل النفس في طلب العلا ... يسيرا يعش دهرا طويلا أخا ذل توفي ليلة الجمعة خامس ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبعمائة, ورثاه ابن نباتة بقوله: سقى ابن هشام في الثرى نوء رحمة ... يجر على مثواه ذيل غمام سأروي له في سيرة المدح مسندا ... فما زلت أروي سيرة ابن هشام "بغية الوعاة" ص٢٩٣.

стр. 195

١- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: الكتاب القيم المشهور، الحافل بالمسائل والشواهد والمناقشات وحكايات الخلاف بين المذاهب النحوية وبين النحاة أنفسهم، رزق الشهرة في حياة المصنف, فكثر الإقبال عليه وحظي بخدمة بعد وفاته فكثرت عليه الشروح والحواشي، وكرم حياله الزمان فلم يأت على نسخه، وبقي محفوظا في دور الكتب في كل البلدان. وانفرد في تأليفه بنسق استطاع أن يضم أشتاتا كثيرة في نظام، وأن يجمع قواعد كلية تنطبق على ما لا يحصى من أجزاء وأنواع، وحشد له من الشواهد العظام كثرة قل أن تجتمع في كتاب. وكانت له على كتب النحويين المشهورة ملاحظ ومآخذ نعاها عليهم واجتهد في اجتنابها في كتابه هذا، ولا بأس في التعجيل بواحدة منها لتضمنها هدفه المزدوج من تأليفه، قال: "الحذف الذي يلزم النحوي النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة، وذلك بأن يجد خبرا بدون مبتدأ، أو بالعكس، أو شرطا بدون جزاء أو بالعكس, أو معطوفا بدون معطوف عليه، أو معمولا بدون عامل نحو ... وأما قولهم في نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ١: إن التقدير: " ... والبرد"، ونحو ﴿وَتِلْكَ

стр. 196

نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ١: إن التقدير: "ولم تعبدني" ففضول في فن النحو، وإنما ذلك للمفسر. وكذا قولهم: "يحذف الفاعل لعظمته وحقارة المفعول أو بالعكس, أو للجهل به, أو للخوف عليه أو منه" ونحو ذلك، فإنه تطفل منهم على صناعة البيان؛ ولم أذكر بعض ذلك في كتابي جريا على عادتهم, وأنشد متمثلا: وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد بل لأني وضعت الكتاب لمتعاطي التفسير والعربية جميعا"٢. وقد كان المؤلف قيل له: "هلا فسرت القرآن أو أعربته؟ " فقال: "أغناني المغني". وكما تفرد الزمخشري بنهج خاص في تفسيره "الكشاف" ومعجمه "أساس البلاغة" سلك ابن هشام في "مغني اللبيب" طريقا فريدا امتاز به بين النحاة, بل أربى -في تفرده- على تفرد الزمخشري بالكثير الطيب. أما خطة التأليف, فقد جعل كتابه قسمين: القسم الأول أداره على "الأدوات في اللغة العربية"، فبعد أن أحصاها وحصرها عاملة وغير عاملة، جعل يجمع كل ما استطاع من شواهدها أداة أداة؛ حتى إذا تم له جمع الشواهد على أداة ما، أمعن فيها وفي شواهدها ثم نسق معانيها المختلفة وأحكامها تبعا لهذه المعاني، وبذلك يخرج الدارس بفائدتين عظيمتين:

стр. 197

أما الأولى فمادة قيمة غزيرة في النحو الحي المؤسس على الشواهد الصحيحة، وأما الثانية فوقوفه على المعاني المختلفة والاستعمالات الصحيحة للأدوات في اللغة العربية. ومعظم اعتماده في استنباط معاني الحروف وأحكامها على القرآن الكريم، إذ كان المصدر الوحيد الصافي المجمع على الوثوق بصحته وسلامة أدائه وتنزهه عن التحريف, ويعتمد بعده على الشواهد من الأحاديث الشريفة والأمثال والأشعار كغيره من النحاة. ونستطيع إجمال قيمة الكتاب بقولنا: هو ثقافة شواهد ومعانٍ كما هو ثقافة قواعد وأحوال. والقسم الثاني يظهر لك من نظرة تبويب الكتاب، وإليك مضمون أبوابه الثمانية: الباب الأول: في تفسير المفردات "حروفا وأفعالا وأسماء" وذكر أحكامها. وقد استغرق جميع الجزء الأول في طبعتنا المشار إليها آنفا، وهو معظم الكتاب. الباب الثاني: في الجملة وأقسامها وأحكامها. البالب الثالث: في شبه الجملة وأحكامها. الباب الرابع: في ذكر أحكام يكثر دورها.

стр. 198

الباب الخامس: في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. الباب السادس: في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين, والصواب خلافها. الباب السابع: في كيفية الإعراب. الباب الثامن: في ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية١. ألف الكتاب لطبقة حظيت من العلم بقسط وافر، في ثقافتها العامة من علوم شريعة وتاريخ وفلسفة ومن علوم اللغة العربية وآدابها على المستوى المألوف في عصر المؤلف، وهو مستوى يعلو كثيرا على المستوى الميسر لطبقة المثقفين اليوم ثقافة رسمية "بدرجة الدكتوراه مثلا"، وهذا يكلف دارس الكتاب جهدا لتدارك بعض ما ينقصه، كما عليه أن يلقي باله إلى مآخذ

стр. 199

ومزايا فيه؛ ليستطيع أن يحظى منه بفائدة واسعة؛ فمما ينبغى أن يتنبه إليه: ١- أن عبارته تحتاج إلى تدقيق نظر، فلا يسرعن في القراءة، بل ليتروَّ ويمعن ولا يجاوز جملة إلى غيرها حتى يستوعب المقصود منها. ٢- وأنه كثير الاستطراد على غير ما نألف في تآليفنا الحديثة، فبينما هو -مثلا- يبين الفرق بين الجملة والكلام١, إذ ينقل عن الزمخشري تجويزه الاعتراض بين المتعاطفين بسبع جمل، فيورد الشاهد ويورد وجهة النظر الثانية على الشاهد نفسه، ثم يعترض على كل من الفريقين في صميم مذهبه بنظرات فرعية. وكثيرا ما يجره الشاهد إلى تعليق، فعرض خلاف في التعليق، فمناقشة وجهات النظر بما يبعد بالذهن عن أصل الحكم الذي بدأ به، ولا بد أن نتحلى بشيء من الصبر وحسن الصحبة لتتم لنا الفائدة، إذ لا شك أن في استطراداته وشواهده وتمريناته وتدريباته وتوهيماته وترجيحاته رياضة ذهنية ممتعة في كثير من الأحيان، وإن ذلك لأعود على نشأة الملكة وتقويتها من حفظ القواعد بلا نقاش, ولا محاسبة. ٣- يزخر هذا الكتاب بشواهد من القرآن الكريم، إلا أنه كثيرا ما يقتصر من الآية على موضع الشاهد ويكون أحيانا كلمتين أو جملة مبتورة منه لا نجد صلة لها بما قبلها وما بعدها

стр. 200

في الكتاب, فعلى الدارس أن يتمم في صفحة على حدة شواهد١ كل بحث قبل قراءته ليكون من المعنى العام للشاهد معين له على فهم القاعدة وموضع الاستشهاد, فتتسنى له مشاركة قيمة. وإنما كان يفعل ذلك ابن هشام وغيره من القدامى لسبب يرجع إلى تاريخ التعليم، فنحن نعلم أن أول ما كان يبدأ به طالب العلم قديما حفظ القرآن الكريم، فإذا أتم ذلك حفظ طرفا من الأحاديث، ثم أخذوه بتعلم النحو والصرف والبلاغة والتفسير وفن الحديث وبقية العلوم. فدارس المغني قديما مفروض فيه استظهار القرآن، فإذا مر ببعض آية كان أسرع إلى إكمالها من حفظه، وليس الأمر كذلك اليوم، وإنما يتم الدارس الباحث نقصه بتحضير الشواهد قبل تمثل البحث، وإذًا سيكون نفعه من هذه الشواهد الكاملة عظيما. ٤- يحسن ألا يقتصر الدارس على موضع الشاهد الذي أتي به من أجله، بل عليه أن يقف منه في مواضع قد تتعدد؛ ليقوي مرانته النحوية واللغوية والبيانية. ٥- المصنف قوي الشعور بقيمة كتابه وبالمكانة العظمى التي له بين كتب العربية, وعلينا أن نتحرى المزايا التي تحدث عنها بصدق في مقدمته. وقد كان ضاع تأليفه الأول مع بقيه كتبه ثم استأنف العمل، يقول: "ثم شمرت عن ساعد الاجتهاد ثانيا، واستأنفت العمل لا كسلا ولا متوانيا، ووضعت هذا التصنيف

стр. 201

على أحسن إحكام وترصيف، وتتبعت فيه مقفلات مسائل الإعراب فافتتحتها، ومعضلات يستشكلها الطلاب فأوضحتها ونقحتها، وأغلاطا وقعت لجماعة من المعربين وغيرهم, فنبهت عليها وأصلحتها. فدونك كتابا تشد الرحال فيما دونه، وتقف عنده فحول الرجال ولا يعدونه، إذ كان الوضع في هذا الغرض لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله. واعلم أني تأملت كتب الإعراب, فإذا السبب الذي اقتضى طولها ثلاثة أمور: أحدها: كثرة التكرار، فإنها لم توضع لإفادة القوانين الكلية بل للكلام على الصور الجزئية. والأمر الثاني: إيراد ما لا يتعلق بالإعراب، كالكلام في اشتقاق "اسم" أهو من السمة كما يقول الكوفيون، أم من "السمو" كما يقول البصريون؟ والثالث: إعراب الواضحات. وقد تجنبت هذين الأمرين١ وأتيت مكانهما بما يتبصر به الناظر، ويتمرن به الخاطر من إيراد النظائر القرآنية، والشواهد الشعرية، وبعض ما اتفق في المجالس النحوية٢.

стр. 202

الكتاب متداول بكثرة في البيئات التعليمية بحيث كان من الممكن الاستغناء عن إيراد نص منه نموذجا، لكني رأيت الاكتفاء بنص صغير عن حرفي "السين وسوف" لتظهر لك النواحي التي يعنى المصنف بها من الأداة وأسلوبه في بحثها، وتقابل ذلك بما مر معك عن الأداة نفسها من كتاب "الإنصاف لابن الأنباري" وبهذا النص الآتي نستتم الكلام على الكتاب.

стр. 203

حرف السين المهملة ١: السين المفردة: حرف يختص بالمضارع، ويخلصه للاستقبال وينزل منه منزلة الجزء؛ ولهذا لم يعمل فيه مع اختصاصه به. وليس مقتطعا من "سوف" خلافا للكوفيين، ولا مدة الاستقبال معه أضيق منها مع "سوف" خلافا للبصريين، ومعنى قول المعربين فيها "حرف تنفيس": حرف توسيع، وذلك أنها نقلت المضارع من الزمن الضيق -وهو الحال- إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال، وأوضح من عبارتهم قول الزمخشري وغيره: "حرف استقبال". وزعم بعضهم أنها تأتي للاستمرار لا للاستقبال، ذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ ٢ الآية، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ ٣ مدعيا أن ذلك إنما نزل بعد قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ قال: "فجاءت السين إعلاما بالاستمرار لا بالاستقبال" انتهى. وهذا الذي قاله لا يعرفه النحويون، وما استند إليه من

стр. 204

أنها نزلت بعد قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ غير موافق عليه. قال الزمخشري: "فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن المفاجأة للمكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع" انتهى. ثم لو سلم، فالاستمرار إنما استفيد من المضارع كما تقول: "فلان يقري الضيف ويصنع الجميل" تريد أن ذلك دأبه. والسين مفيدة للاستقبال, إذ الاستمرار إنما يكون في المستقبل. وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك، ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتضٍ لتوكيده وتثبيت معناه، وقد أومأ إلى ذلك في سورة البقرة فقال في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ١: "ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة, وإن تأخر إلى حين". وصرح به في سورة براءة فقال في ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ ٢: السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة؛ فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد إذا قلت: سأنتقم منك.

стр. 205

سوف ١: مرادفة للسين، أو أوسع منها، على الخلاف٢. وكأن القائل بذلك نظر إلى أن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى وليس بمطرد. ويقال فيها "سف" بحذف الوسط، و"سو" بحذف الأخير، و"سي" بحذفه وقلب الوسط ياء مبالغة في التخفيف, حكاها صاحب المحكم. وتنفرد عن السين بدخول اللام عليها نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٣ وبأنها قد نفصل بالفعل الملغى كقوله: وما أدري وسوف -إخال- أدري ... أقوم آل حصن أم نساء٤ ملاحظة: الذين خدموا كتاب المغني شرحا واختصارا وتعليقا وعناية بالشواهد كثيرون, وأكثر كتبهم مخطوطة محفوظة في دور الكتب، والذي طبع منها حتى الآن فيما علمنا: ١- حاشية الشيخ محمد الأمير على مغني اللبيب، طبعت في جزأين سنة ١٣٧٢هـ بمطبعة حجازي

стр. 206

في القاهرة، والمؤلف شديد العناية بالناحية الأدبية فهو يكمل أبيات الشواهد, ساردا ما قبلها وما بعدها مع بعض الشرح، وهذه مزية حاشيته على غيرها. ٢- تحفة الغريب بشرح مغني اللبيب للدماميني وصل فيه إلى حرف الفاء، وقد طبع على متن مغني اللبيب، وعليه حاشية الشمني "لا تاريخ" طبع في المطبعة البهية بالقاهرة. ٣- المنصف من الكلام على ابن هشام، وهو حاشية للشمني طبعت بهامش الكتاب السابق, مطول جدا. ٤- حاشية الدسوقي على مغني اللبيب لابن عرفة الدسوقي، طبعت على هامش المغني في جزأين سنة ١٣٠١هـ بدار الطباعة الأميرية بالقاهرة, وهي تعنى كثيرا بتوضيح عبارة المؤلف. ٥- القصر المبني على حواشي المغني للشيخ الأبياري, وهو تقرير على حاشية الأمير المتقدمة, مطولة كثيرة الفوائد.

стр. 207

٢- كتاب شذور الذهب وشرحه: أكثر ما حظي بالشهرة والذيوع من كتب ابن هشام ما كان ذا صبغة تعليمية مدرسية، فقد كثر الانتفاع منها وأقبل المقرئون على إقرائها طلابهم لما لمسوا من سرعة فائدتها، وألفوا أن يتدرجوا مع طلابهم بالسلسلة المعروفة له: يبدءون بكتاب "القطر" ثم بشرحه ثم بشذور الذهب ثم بشرحه للمصنف نفسه، ثم بالشرح المشهور لابن هشام لألفية ابن مالك المسمى "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" ويختمون السلسلة بتاجها "مغني اللبيب". شذور الذهب متن صغير للمبتدئين بالنحو لم يجاوز في طبعته "٣٤" صفحة من القطع الصغير، عبارته موجزة مكثفة تصلح لأن تستظهر، وقد أكسبها التكثيف غموضا يصعب معه اجتلاء

стр. 208

مقصودها على الطالب الصغير، ولعل هذا ما حدا ابن هشام على شرحه في خطة أوضحها في مقدمته بقوله: "وبعد, فهذا كتاب شرحت به مختصري المسمى بـ "شذور الذهب في معرفة كلام العرب"، تممت به شواهده، وجمعت به شوارده، ومكنت من اقتناص أوابده رائده. قصدت فيه إلى إيضاح العبارة، لا إلى إخفاء الإشارة، وعمدت فيه إلى لفّ المباني والأقسام، لا إلى نشر القواعد والأحكام، والتزمت فيه أنني كلما مررت ببيت من شواهد الأصل ذكرت إعرابه، وكلما أتيت على لفظ مستغرب أردفته بما يزيل استغرابه، وكلما أنهيت مسألة ختمتها بآية تتعلق بها من آي التنزيل، وأتبعتها بما تحتاج إليه من إعراب أو تفسير أو تأويل، وقصدي تدريب الطالب، وتعريفه السلوك إلى أمثال هذه المطالب". اختلطت في تسلسل أبواب الكتاب بحوث الأسماء ببحوث الأفعال، إذ إنه أدار ترتيبه على المبنيات فالمعربات, فذكر المرفوعات فالمنصوبات من الأسماء والأفعال, ثم عقب بالمجرورات فالتوابع, وختم بالأعداد، فهو يختلف تبويبا عما ألف في بقية الكتب من البدء ببحوث الأسماء فالأفعال فالحروف، لكنه مستوعب كل ما يجب على الطلاب علمه، ونقدر أن الطلاب قديما كانوا يختمون به وبأوضح المسالك شبه ما نسميه اليوم بالمرحلة الإعدادية. ويؤخذ عليه ما يؤخذ على كثير من مؤلفات النحو القديمة

стр. 209

عدم الاقتصار على ما يناسب مقدرة الطالب، فتراهم يتعرضون في باب ما إلى وجوه القراءات وتخريجها, وإلى ذكر أقوال مختلفة في إعراب شاهد، ولو اقتصروا على خطوط البحث العريضة مرجئين القضايا الجانبية والاستطراد إلى مرحلة أعلى كانوا أقرب إلى التدرج الطبيعي في التعليم. وأسلوبه في الشرح أن يورد عبارة المختصر بعد كلمة "قلت" في صيغة الماضي, ويبدأ الشرح بكلمة "وأقول" في صيغة المضارع الحالي. والملاحظ أن حجم الشرح يتفاوت بين جملة وجملة، فلم يأخذ المصنف نفسه بمراعاة حجم ما، ولكن بما رأى أن المقام والأحكام تقتضيه. وإليك نموذجا مسألتين متجاورتين في الكتاب من باب المرفوعات: الأولى خبر "لا" النافية للجنس لتقابلها بما مر من شرح ابن عقيل آنفا، والثانية المضارع المجرد عن الناصب والجازم: ثم قلت: التاسع خبر "لا" التي لنفي الجنس نحو: "لا رجل أفضل من زيد" ويجب تنكيره كالاسم، وتأخيره ولو ظرفا، ويكثر حذفه إن علم وتميم لا تذكره حينئذ. وأقول: التاسع من المرفوعات: خبر "لا" التي لنفي الجنس. اعلم أن "لا" على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ناهية، فتختص بالمضارع وتجزمه نحو

стр. 210

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ١، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٢ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٣، وتستعار للدعاء فتجزم أيضا نحو: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ ٤. الثاني: أن تكون زائدة دخولها في الكلام كخروجها, فلا تعمل شيئا نحو ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ٥ أي: "أن تسجد"، بدليل أنه قد جاء في مكان آخر بغير "لا"، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ ٧. الثالث: أن تكون نافية وهو نوعان: داخلة على معرفة فيجب إهمالها وتكرارها نحو: "لا زيدٌ في الدار ولا عمرو"، وداخلة على نكرة وهي ضربان: عاملة عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر كما تقدم وهو قليل، وعاملة عمل "إن" فتنصب الاسم وترفع الخبر، والكلام الآن فيها وهي التي أريد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص, لا على سبيل الاحتمال. وشرط إعمالها هذا العمل أمران: أحدهما أن يكون اسمها وخبرها نكرتين كما بينا, والثاني أن يكون الاسم مقدما والخبر مؤخرا وذلك كقولك: "لا صاحب علم ممقوت" و"لا طالعا

стр. 211

جبلا حاضر". فلو دخلت على معرفة أو على خبر مقدم وجب إهمالها وتكرارها، والأول كما تقدم من قولك: "لا زيدٌ في الدار ولا عمرو"، وأما قول العرب: "لا بصرةَ لكم" وقول عمر: "قضيةٌ ولا أبا حسن لها" يريد علي بن أبي طالب ﵄ وقول أبي سفيان يوم فتح مكة: "لا قريشَ بعد اليوم" وقول الشاعر: أرى الحاجات عند أبي خبيب ... نكدن ولا أميةَ في البلاد١ فمؤول بتقدير "مثل" أي: ولا مثل أبي حسن، ولا مثل البصرة، ولا مثل قريش, ولا مثل أمية. والثاني كقول الله : ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٢. ويكثر حذف هذا الخبر إذا علم، كقول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ ٣ أي: فلا فوت لهم، وقوله تعالى: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ ٤ أي: لا ضير علينا. وبنو تميم يوجبون حذفه إذا كان معلوما، وأما إذا جهل فلا يجوز حذفه عند أحد فضلا عن أن يجب، وذلك نحو: "لا أحد أغير من الله ". ا. هـ.

стр. 212

ثم قلت: العاشر المضارع إذا تجرد من ناصب أو جازم. وأقول: العاشر من المرفوعات -وهو خاتمتها- الفعل المضارع إذا تجرد من ناصب وجازم كقولك: "يقوم زيد" و"يقعد عمرو". فأما قول أبي طالب يخاطب النبي ﷺ : محمد تفد نفسَك كلُّ نفس ... إذا ما خلت من أمر تبالا فهر مقرون بجازم مقدر وهو لام الدعاء، وقوله "تبالا" أصله "وبالا" فأبدل الواو تاء كما قالوا في "وراث" و"وجاه": تراث وتجاه. وأما قول امرئ القيس: فاليوم أشربْ غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل١ فليس قوله "أشرب" مجزوما وإنما هو مرفوع، ولكن حذفت الضمة للضرورة، أو على تنزيل "رَ بُ غَ" بالضم من قوله "أشرب غير" منزلة "عضد" بالضم، فإنهم قد يجرون المنفصل مجرى المتصل، فكما يقال في "عضد" بالضم: "عضد" بالسكون، كذلك قيل في "ر ب غ" بالضم: "ربغ" بالإسكان٢.

стр. 213

١- سيبويه ١: "١٨٠هـ": لقب "سيبويه" ومعناه رائحة التفاح, قيل: كان من يلقاه لا يزال يشم رائحة الطيب فسمي بذلك، وقيل: كان يعتاد شم التفاح، وقيل: لقب بذلك للطافته. اسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر، إمام البصريين. كان أصله من "البيضاء" من أرض فارس، ونشأ بالبصرة وأخذ عن الخليل ويونس وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر. وسبب طلبه للنحو أنه قصد حماد بن سلمة يطلب عليه الحديث، فاستملى عليه الحديث: "ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه, ليس أبا الدرداء" فقرأ سيبويه "ليس أبو الدرداء" فصاح به أستاذه حماد: "لحنت يا سيبويه" فقال: "لا جرم, لأطلبن علما لا تلحنني فيه أبدا". ثم لزم الخليل. قال أبو عبيدة: قيل ليونس بعد موت سيبويه: "إن سيبويه صنف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل" فقال: "ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ جيئوني بكتابه" فلما رآه قال: "يجب أن يكون صدق فيما حكاه عن الخليل, كما صدق فيما حكاه عني". قال الأزهري: "كان سيبويه علامة حسن التصنيف، جالس الخليل

стр. 214

وأخذ عنه، وما علمت أحدا سمع منه كتابه لأنه احتضر شابا" "نظرت في كتابه فرأيت فيه علما جما". ويحكى أنه "أي الكتاب" تخرّق في كم المازني بضع عشرة مرة. وكان المبرد يقول لمن أراد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: "هل ركبت البحر؟ " تعظيما واستصعابا لما فيه. وقال بعضهم: كنت عند الخليل فأقبل سيبويه فقال: "مرحبا بزائر لا يُملّ" وما سمعت الخليل يقولها لغيره. وكان شابا لطيفا جميلا, وكان في لسانه حبسة، وقلمه أبلغ من لسانه. وقال الجرمي: "في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتا سألته عنها, فعرف ألفا ولم يعرف خمسين". وللزمخشري فيه: ألا صلى الإله صلاة صدق ... على عمرو بن عثمان بن قنبر فإن كتابه لم يغن عنه ... بنو قلم ولا أبناء منبر ورد سيبويه بغداد على يحيى البرمكي، فجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة١, ولم تطل مدة سيبويه بعد ذلك ومات بالبيضاء سنة ثمانين ومائة وعمره اثنتان وثلاثون، وقيل: نيّف على الأربعين. "بغية الوعاة" "ص٣٦٦"٢.

стр. 215

ال فهرس: الصفحة ٣ المقدمة ٧ توطئة تاريخية: بوادر اللحن, نشأة النحو. ٣٤ المدرستان الأوليان: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة, الطبقة الأولى من البصريين. ٣٦ الطبقة الثانية من البصريين. ٤١ مدرسة الكوفة. ٤٥ نشأة الخلاف واحتكاك المدرستين. ٦٤ الفروق بين المذهب البصري والمذهب الكوفي: أمر السماع. ٧٠ أمر القياس. ٧٧ نموذج من الخلاف بين المذهبين: مسألة سوف١. ٨٠ أثر العصبية في الخلاف. ٩٠ كتب الخلاف بين المذهبين. ٩٣ المذهب البغدادي. ٩٥ المدرسة الأندلسية. ١٠٨ خاتمة.
следующие страницы →