فهذه المتابعة في غاية السقوط؛ فكيف وقد صرح العلماء بأن الحديث مما تفرد به معمر عن ابن أبي ذئب، فهذا مما يزيد من وهن هذه المتابعة، ويؤكد أنها مما لا أصل له.
وبهذا؛ تعلم خطأ كل من قوى رواية معمر الموصلة بهذا المتابعة، من غير تأمل في إسنادها، ولا نظر في أحوال رواتها؛ كالحافظ ابن حجر في " الفتح " (١/٦٦) (١) ، وابن التركماني في " الجوهر النقي " (٨/٣٢٩) ، والشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢١٧) .
مثال آخر:
حديث: يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم النبي ﷺ اغرورقت عيناه، وتغير لونه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكره! فقال: " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قِبَل المشرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير، فلا يُعطونه، فيقاتلون فيُنصرون، فيُعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى
يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً، كما ملؤوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم، ولو حبواً على الثلج ".
أجرجه: ابن ماجه (٤٠٨٢) والبزار (١٥٥٦) وابن عدي في " الكامل " (٧/٢٧٥ - ٢٧٦) في ترجمة يزيد.
стр. 107
وهذا الحديث مما تفرد به يزيد هذا، وأنكره عليه جماعة من أهل العلم.
قال ابن عدي:
" لا أعلم يرويه بهذا الإسناد، عن إبراهيم، غير يزيد بن أبي زياد ".
وقال عبد الله بن أحمد في " العلل " (٥٩٨٥) ، عن أبيه:
" حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، ليس بشيء ـ يعني: حديث يزيد بن أبي زياد ".
وروى هذا: العقيلي في " الضعفاء " (٤/٣٨١) عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، ثم قال:
" قلت لعبد الله: " الرايات السود "؟ قال: نعم ".
ثم روى بإسناده عن أسامة، أنه قال:
" لو حلف ـ يعني: يزيد ـ عندي خمسين يميناً قسامة، ما صدقته! أهذا مذهب إبراهيم؟! أهذا مذهب علقمة؟! أهذا مذهب عبد الله؟! ".
لكن؛ قال البوصيري في " زوائد ابن ماجه ":
" لم ينفرد به يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم؛ فقد رواه الحاكم في " المستدرك " من طريق عمرو بن قيس، عن الحكم، عن إبراهيم، به "
قلت: هذه المتابعة مما لا يلتفت إليها، ولا يعول عليها؛ فإنها في " المستدرك " (٤/٤٦٤) من طريق
حنان (١) بن سدير، عن عمرو بن قيس،
стр. 108
عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة وعبيدة السلماني، عن ابن مسعود (١) .
وحنان هذا؛ قال فيه الدارقطني: " من شيوخ الشيعة " (٢) .
وذكره الذهبي في " الميزان " (٣) ، وسماه "حبان بن يزيد "، وذكر عن الأزدي، أنه قال: " ليس بالقوي عندهم "، ثم ساق له هذا الحديث، لكنه عنده: " عن عمرو بن قيس، عن الحسن (٤) ، عن عبيدة، عن ابن مسعود "
وقال الذهبي في " تلخيص المستدرك ".
" هذا موضوع ".
قلت: فلعله سرقه من يزيد.
والله أعلم.
مثال آخر:
حديث: إسماعيل بن عُلية، عن زياد بن مِخراق، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله؛ إني لأذبح الشاة، وأنا أرحمها. فقال النبي ﷺ : " والشاة؛ إن رحمتها، رحمك الله ".
أخرجه: أحمد (٣/٣٤) والبخاري في " الأدب " (٣٧٣)
стр. 109
والطبراني (١٩/٢٣) والبزار (١٢٢١- كشف) .
وفي " تهذيب الكمال " (١) :
" قال أبو بكر الأثرم: سألت أحمد بن حنبل، عن زياد بن مخراق؟
فقال: ما أدري.
قلت له: يروي أحد حديث معاوية بن قرة عن أبيه ـ يعني: هذا الحديث ـ يُسند غير إسماعيل؟
قال: ما أري؛ ما سمعته من غيره.
قلت له: حماد بن سلمة يرويه عن زياد، عن معاوية بن قرة ـ مرسل ".
وقد توبع إسماعيل من قِبل مالك، إلا أنها متابعة لا يُعتدُ بها؛ لكونها غير محفوظة عن مالك.
فقد رواه: بشر بن علي بن بشر العمي الأنطاكي، عن عبد الله بن نصر، عن إسحاق بن عيسى بن الطباع، عن مالك، عن زياد، به.
أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٩/٢٣) و " الأوسط " (٣٠٧٠) و " الصغير " (١/١٠٩) وأبو نعيم في " الحلية " (٢/٣٠٢) (٦/٣٤٣) .
وقال الطبراني:
" لم يره عن مالك، إلا إسحاق الطباع، تفرد به: عبد الله بن نصر ".
стр. 110
وقال أبو نعيم:
" غريب من حديث مالك، تفرد به: عبد الله بن نصر ".
وقال في الموضع الآخر:
" مشهور ثابت من حديث زياد، غريب من حديث مالك، لم نكتبه إلا من حديث بشر الأنطاكي ".
قلت: وعبد الله بن نصر هذا، متروك الحديث؛ فلم يثبت ذلك عن مالك.
والله أعلم.
وتوبع أيضاً زياد بمتابعات غير محفوظة:
فقد رواه: عدي بن الفضل، عن يونس بن عبيد، عن معاوية ابن قرة، به.
أخرجه: الحاكم (٣/٥٨٦ - ٥٨٧) والبزار (١٢٢٢ - كشف) والطبراني في " الأوسط " (٢٧٣٦) وأبو نعيم (٢/٣٠٢) وابن عدي (٥/٣٧٦) .
وقال الطبراني:
" لم يروه عن يونس إلا عدي ".
وقال الذهبي في " تلخيص المستدرك ".
" عدي هالك ".
وقال ابن عدي:
стр. 111
" وهذا الحديث لا يرويه عن يونس بن عبيد غير عدي بن الفضل، وهذا الحديث يُعرف بزياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة؛ ورواه عن زياد ابن مخراق: إسماعيل بن عُلية ".
ورواه أيضاً: على بن حميد الواسطي، عن أسلم بن سهل الواسطي، عن أحمد بن محمد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، عن حجاج الأسود وعبد الله بن المختار، عن معاوية، به.
أخرجه: أبو نعيم (٢/٣٠٢) .
وقال أبو نعيم:
" عبد الله بن المختار بصري، عزيز الحديث.، ولم نكتبه إلا من حديث حماد بن سلمة، عنه " (١) .
قلت: والمحفوظ عن حماد بن سلمة: عن زياد بن مخراق، عن معاوية ـ مرسلاً ـ؛ كما سبق في قول أبي بكر الأثرم.
والله أعلم.
والخلاصة: أن هذا الحديث لم يروه ـ موصولاً ـ عن معاوية بن قرة إلا زياد بن مخراق، ولم يروه عنه إلا إسماعيل بن عُلية، ولا يصح ـ موصولاً ـ عن غير زياد، ولا عن غير إسماعيل.
فمن يظن ـ بما تُوهمه هذه الطرق ـ أن الحديث مشهور عن معاوية ابن قرة، فهو مخطئ، بل الحديث غريب عنه، لأن الطرق الأخرى غير
стр. 112
محفوظة، والمحفوظ طريق واحد، هو وحده إسناد هذا الحديث.
مثال آخر:
حديث: الوليد بن محمد الموقري، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما مثل المريض إذا برأ وصح كالبردة تقع من السماء في صفائها ولونها ".
أخرجه: الترمذي (٢٠٨٦) والعقيلي (٤/٣١٨) وابن حبان في " المجروحين " (٣/٧٧) وابن عدي (٧/٧٢) والطبراني في " الأوسط " (٥١٦٦) والبزار (٧٦٢ - كشف) والدارقطني في " الأفراد " (١٢١٧ - أطرافه) وابن الجوزي في " الموضوعات " (٣/٢٠٠ - ٢٠١) والبيهقي في " الشعب " (٩٨٤١) .
فهذا الحديث؛ مما تفرد الوقري به عن الزهري.
والموقري هذا؛ ضعيف جداً، وقد أنكره عليه أهل العلم، وأدخلوه في ترجمته من كتب الضعفاء ضمن مناكيره.
وقال الطبراني:
" تفرد به الموقري عنه ".
وقال العقيلي:
" وللموقري عن الزهري مناكير، لا يُتابع عليها، ولا تُعرف إلا به ".
стр. 113
وقال البزار: " والموقري لين الحديث؛ حدث عن الزهري بأحاديث لم يتابع عليها ".
وقال البيهقي:
" هذا يُعرف بالموقري، وهو ضعيف ".
وقال ابن عدي:
" وهذا لا يرويه عن الزهري غير الموقري ".
وقد جاءت متابعات عدة للموقري على هذا الحديث، فلم يعتد بها أهل العلم، وصرحوا بإعلالها، وبأن الحديث حديث الموقري، لا يصح عن أحد غيره عن الزهري.
فقد رواه: عبد الوهاب بن الضحاك، عن بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك، به.
أخرجه: البيهقي في " الشعب " (٩٨٤٢) ، عقب قوله المذكور من أن هذا الحديث يُعرف بالموقري؛ وفي هذا إشارة منه إلى أنه لا يعرف من حديث الزبيدي.
وقد صرح ابن عدي بذلك؛ فإنه أشار إلى هذا الطريق بعدما قال ذكرناه عنه من أنه لا يرويه عن الزهري إلا الموقري، ثم قال:
" وأبطل عبد الوهاب فيه؛ لأن الزبيدي لا يُحتمل، والموقري يُحتمل ".
وعبد الوهاب هذا، متروك الحديث.
ورواه أيضاً: سعيد بن هاشم بن صالح المخزومي، عن ابن أخي
стр. 114
الزهري وعبد الله بن عامر، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ .
أخرجه: ابن عدي (٣/٤٠٧) في ترجمة سعيد هذا.
وقال " وهذا الحديث؛ قدا رواه عن الزهري الموقري ـ أيضاً ـ، وهو معروف به ".
قلت: وسعيد بن هاشم، ضعيف.
ورواه أيضاً: سفيان بن محمد الفزاري، عن ابن وهب، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري، عن أنس ـ أيضاً.
وسفيان الفزاري هذا؛ اتَّهمه ابن عدي بسرقة الأحاديث، وتسوية الأسانيد؛ وهذا عين ما فعله في هذا الحديث.
وأخرجه: ابن حبان في " المجروحين " (١/٣٥٤) في ترجمة هذا الفزاري.
وقال: " وهذا خبر باطل؛ إنما هو: قول الزهري، لم يرفعه عن الزهري إلى الموقري "
قلت: هذا هو الصواب، أن الحديث حديث الموقري عن الزهري، هو المتفرد به، وهو المخطئ فيه، ليس لغيره من أصحاب الزهري فيه نصيب، وإنما أخطأ من أخطأ عليهم، حيث رواه من غير طريق الموقري عن الزهري، فكل من رواه عن الزهري من غير طريق الموقري، فهو إما سارق أو واهم (١) .
والله أعلم.
стр. 115
التنقية.. قبل التقوية
يجب على الباحث قبل الاعتبار بالرواية، وضمها إلى غيرها لإحداث التقوية والاعتضاد، يجب عليه أن يُوفِي الرواية حقها من النقد الخاص؛ وذلك بالنظر في رواتها، وهل فيهم من هو متهم بالكذب أو غير ذلك مما يُفضي إلى اطراح روايته وعدم الاعتبار بها.
وأيضاً إذا كان الراوي غير متهم، ولا مغفَّل، يُنظر في مدى حفظه للإسناد، وهل أخطأ فيه خطأ فاحشاً، يقدح في الاعتبار به، كأن يكون ـ مثلاً ـ دخل عليه حديث في حديث، أو إسناد في إسناد، فيظهر بذلك أن روايته تلك منكرة بهذا الإسناد الذي جاء به.
وقد يكون أسقط من الإسناد كذاباً أو متروكاً كان فيه ـ إما غفلة، أو تدليساً ـ، فيظهر بذلك، أو الرواية راجعة إلى رواية كذاب أو متروك، فلا يعتبر بها.
وقد ينقلب عليه راوٍ براوٍ آخر، وقد يكون راوي الحديث كذاباً أو متروكاً، فينقلب عليه بثقة، إما لاشتباه الأسماء، أو بسبب تصحيف، أو غير ذلك، فيظهر أن صواب الرواية أنها من رواية ذاك الكذاب أو المتروك، وليس من رواية الثقة، فتسقط عن حد الاعتبار.
وقد يكون أصل الحديث معروفاً مشهوراً؛ إلا أن هذا الراوي زاد في المتن زيادة منكرة ليست هي من الحديث، فهذه الزيادة بخصوصها لا يعتبر
стр. 116
بها؛ لأنها منكرة، ليس لذكرها في الحديث أصل يرجع إليه.
المهم؛ أن يُولي الباحث الرواية حقها من البحث الذاتي قبل الاعتبار بغيرها، مكتفياً بحال الراوي فحسب.
فإن التقوية ليست للراوي، بل لروايته، فقد يكون الراوي ضَعْفُهُ هين، ولكن روايته تلك راوية منكرة، ثبت خطؤه في إسنادها أو متنها، فالرواية ساقطة عن حد الاعتبار، ولا ينفعها حينئذ حال راويها.
كما أن الثقة إذا ثبت خطؤه في رواية بعينها، كانت روايته تلك شاذة، ساقطة عن حد الاعتبار، ولا ينفعها ثقة راويها.
مثال آخر:
حديث: مروان بن عثمان، عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل ـ امرأة أُبي بن كعب ـ أنها سمعت رسول الله ﷺ يذكر أنه، رأى ربه في المنام في صورة شاب مُوَفِّر، رجلاه في حضر، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب " (١) !
فهذا حديث؛ باطل منكر، لا يشك من اشتم رائحة العلم في ذلك.
وقد أنكره جماعة من أهل العلم:
فقد سُئل عنه الإمام أحمد (٢) ، فحول وجهه عن السائل، ثم قال:
стр. 117
" هذا منكر؛ مروان بن عثمان هذا رجل مجهول، وعمارة بن عامر هذا الذي روى عنه مروان لا يعرف "
وقال النسائي:
" ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله ؟! ".
وقال عبد الخالق بن منصور (١) :
" رأيت يحيى بن معين كأنه يهجن نعيم بن حماد في حديث أم الطفيل حديث الرؤية ـ يعني: هذا
الحديث ـ، ويقول: ما كان ينبغي له أن يحدث بمثل هذا الحديث ".
قلت: يعني ـ والله أعلم ـ: أنه ما كان لنعيم ـ وهو من أهل السنة ـ أن يحدث بهذا الحديث المنكر، الذي تشتم منه رائحة التجسيم.
وقال ابن حبان في ترجمة عمارة بن عامر من " الثقات " (٢) :
" يروي عن أم الطفيل ـ امرأة أُبي بن كعب ـ، عن النبي ﷺ ، قال " رأيت ربي " ـ حديثاً منكراً، لم يسمع عمارة من أم الطفيل؛ وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر ".
وقال الحافظ ابن حجر (٣) :
" وهو متن منكر ".
وقد أخرجه: ابن أبي عاصم في " السنة " (٤٧١) بإسناده مختصراً،
стр. 118
فحذف القدر المنكر منه، واكتفى بقوله: " رأيت ربي في المنام في أحسن صورة "، وقال " وذكر كلاماً ".
فلم يَتَنَبَّه بعض أفاضل أهل العلم لنكارة متنه، فاعتبره صحيحاً بالأحاديث التي قبله، والتي فيها: " رأيت ربي في أحسن صورة ".
وهذا؛ من عيب الاختصار من جهة، ومن جهة أخرى من عيب تقوية الرواية بغيرها من الشواهد التي توافقها في المعنى، قبل النظر في حال الرواية بذاتها، واستفراغ البحث في نقدها بخصوصها، وهل هي منكرة، أم محتملة،
لأنه إذا ثبت أنها منكرة، وأن الراوي أخطأ في المتن، فأتى به بلفظ منكر، فما المانع من أن يكون قد أخطأ في السند أيضاً، وأتى به على غير وجهه، وهو قد تفرد بالإسناد والمتن معاً.
ومعلوم؛ أن الخطأ في الأسانيد أكثر من الخطأ في المتون، فإن الأسانيد كثيرة ومتشعبة، بخلاف المتون، ولذا تجد الرواة كثيراً ما يتفقون على المتن، وإن اختلفوا في إسناده، بل كثيراً ما يجيء الضعفاء بأسانيد متعددة لمتن واحد، فيتفقون في المتن، وإن تفرد كل منهم بإسناد له.
فما ثبت في متنه نكارة، لا ينفع إسناده في باب الشواهد، إذا كان راويه قد تفرد بالإسناد والمتن معاً.
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
حديث: عبد الله بن بُديل، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، أن
стр. 119
عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية في ليلة أو يوماً عند الكعبة، فسأل النبي ﷺ ، فقال: " اعتكف وصم ".
أخرجه: أبو داود (٢٤٧٤)(٢٤٧٥) والنسائي في " الكبرى " (١) والدارقطني (٢/٢٠٠) والحاكم (١/٤٣٩) .
ورواه مرة، فقال: عن ابن عمر، عن عمر، أنه نذر ـ الحديث.
أخرجه ابن عدي (٤/١٥٢٩) والبزار (١٤٢) والبيهقي (٤/٣١٦) .
فهذا الحديث؛ قد أنكره جماعة من أهل العلم على عبد الله بن بديل هذا؛ فقد تفرد به عن ابن دينار، ولم يتابعه عليه أحد من أصحابه، ثم إنه قد اضطرب في إسناده، فتارة يرويه فيجعله من مسند ابن عمر، وتارة يجعله من رواية ابن عمر عن عمر، وهو رجل ضعيف لا يعتمد عليه؛ لاسيما إذا تفرد عن مثل ابن دينار، على كثرة أصحابه العارفين بحديثه؛ فكيف إذا اضطرب أيضاً؟ !
قال الدارقطني:
" تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث ".
قال:
" وسمعت أبا بكر النيسابوي يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه، منهم: ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وغيرهم؛ وابن بديل ضعيف الحديث ".
стр. 120
وذكر البيهقي قولهما؛ معتمداً عليه، مقراً له.
وذكره الدارقطني في " العلل " (١) ، وقال:
" يرويه عبد الله بن بديل، وكان ضعيفاً، ولم يتابع عليه، ولا يُعرف هذا الحديث عن أحد من أصحاب عمرو بن دينار. ورواه نافع، عن ابن عمر، فلم يذكر فيه " الصيام " وهو أصح من قول ابن بديل عن عمرو "
وعده ابن عدي من مناكير ابن بديل في ترجمته من " الكامل "، ثم قال:
" لا أعلم ذُكِر في الإسناد ذِكْرُ " الصوم " مع الاعتكاف، إلا من رواية عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار ".
ثم قال في آخر الترجمة:
" وعبد الله بن بديل، له غير ما ذكرت مما ينكر عليه، من الزيادة في مت أو إسناد، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً فأذكره ".
قلت: كونه لم ير للمتقدمين فيه كلاماً، ومع ذلك أدخله في الضعفاء، مستدلاً على ضعفه بما يرويه من المناكير، مثل هذا الحديث وغيره، يدل على أن هذه الأحاديث التي أنكرها عليه ـ ومنها هذا الحديث ـ عند ابن عدي في غاية النكارة؛ حيث إنه لم يضعفها فحسب، بل استدل بها على ضعف راويها المتفرد بها، والذي لا يعلم للمتقدمين فيه كلاماً.
فهذا هو شأن هذا الحديث عند نقاد الحديث، أنه حديث منكر، أخطأ فيه
стр. 121
عبد الله بن بديل المتفرد به عن ابن دينار، أو على الأقل أخطأ في ذكر " الصوم "، والصواب أن هذه الزيادة غير محفوظة، وأنها ليست في الحديث.
فجاء بعض إخواننا من المشتغلين بالحديث (١) ،
فحكم على هذه الرواية بمقتضى حال راويها فحسب، فذهب إلى أنها صالحة للاعتضاد، على أساس أن عبد الله بن بديل ليس متهماً بكذب أو فسق، وغفل عن أن روايته تلك منكرة، وأن الأئمة أنكروها عليه، بصرف النظر عن راويها، والمنكر أبداً منكر.
ثم إنه جاء لها برواية أخرى كشاهد، وهذه الرواية الأخرى منكرة أيضاً، وذِكر "الصوم" الوارد فيها خطأ من راويها، وقد أنكره عليه أهل العلم أيضاً، هذا فضلاً عن كون هذا الشاهد قاصراً عن الشهادة، كما سيأتي.
وهذا الشاهد؛ هو:
ما رواه: سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه، فقال: "أوف بنذرك".
أخرجه: الدارقطني (٢/٢٠١) ، ثم قال:
"وهذا إسناد حسن؛ تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير، عن عبيد الله".
وسعيد بن بشير؛ ضعيف معروف بالضعف، وتفرده بهذا الحديث
стр. 122
عن عبيد الله بن عمر على كثرة أصحابه العارفين بحديثه مما يُعد منكراً عند أهل العلم (١) ؛
لاسيِّما وأنه قد رواه غيره من أصحاب عبيد الله بن عمر الثقات، بدون ذِكر "الصوم" في الحديث، وهذا أكبر دليل على أن ذِكر "الصوم" منكر في هذا الحديث، وسيأتي تفصيل ذلك، وكلام أهل العلم في إنكار هذه الزيادة عليه في الحديث.
وقبل ذلك، ينبغي أن نقف قليلاً عند قول الإمام الدارقطني:
"هذا إسناد حسن ... ".
فقد فهم منه أخونا الفاضل المعنى المتبادر، والمقرر عند العلماء المتأخرين من هذا المصطلح " الحسن "، ففهم أن الإمام الدارقطني يثبت الحديث بمقتضى هذا، ثم ذهب في موضع آخر (٢) إلى أن تحسين الإمام الدارقطني هذا الحديث لسعيد بن بشير مما يرفع من حاله، وينفعه في التوثيق.
وفي كل هذا نظر ! !
فأولاً:
لو سلمنا بأن الإمام الدارقطني قصد " الحسن " بمعناه عن المتأخرين لما كان تحسينه لهذا الحديث مما ينفع سعيد بن بشير، ويرفعه فوق المكانة التي أنزله عليها الأئمة، وهو أنه ضعيف الحفظ، لا يحتج بما
стр. 123
تفرد به؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن الدارقطني قد صرح في موضوع آخر من " سننه " بحال سعيد ابن بشير عنده، فقال (١) :
" سعيد بن بشير.. ليس بقوي في الحديث ".
وهذا القول؛ يقتضي ضعف سعيد بن بشير عنده، وهذا يتنافى مع تحسين ما تفرد به.
الثاني: أن تحسين الناقد للحديث أو تصحيحه له، لا يكفي بفرده للدلالة على أن الراوي المتفرد بد صدوق في الحفظ، أو ثقة فيه، عند هذا الناقد.
فقد يكون لكل حديث من حديث هذا الراوي حكم يخصه، فيطلع فيه الناقد على ما يفهم منه حفظ الراوي له، ويثير ظناً خاصاً في حسن ذلك الحديث أو صحته، فيحسنه الناقد أو يصححه اعتماداً على ما احتفَّ به من القرائن، لا عن مجرد صدق الراوي أو ثقته.
وكذلك؛ فقد يُضَعَّف الناقد حديثاً تفرد بروايته بعض الثقات، فتضعيف هذا الناقد لهذا الحديث، لا يكفي بمفرده للدلالة على ضعف ذاك المتفرد به عند هذا الناقد، فقد يكون ثقة عنده، بل قد ينص هو على ذلك، لكنه يرى ـ لضميمة ـ أن هذه الرواية ضعيفة، قد أخطأ فيها هذا الراوي الثقة.
وقد صرح أخونا الفاضل في بعض ما كتب بمثل هذا:
стр. 124
فقد قال في توجيه صنيع الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، حيث اعتبر عنعنة بعض المدلسين، فأعل بها بعض الأحاديث، ومشَّاها في حديث آخر، ولم يجعلها علة تقدح فيه، فقال في غضون كلامه (١) .
" إن هذه أمور تنقدح في قلب الناقد حسب مرجحات تقوم عنده، فلا يلزم أن يكون هذا الشيء موجوداً عنده في كل حديث ".
ثانياً:
أن لفظ " الحسن " هاهنا، لم يُرِد به الإمام الدارقطني المعنى المتبادر والمتقرر لهذا المصطلح لدى العلماء المتأخرين، والذي يقتضي ثبوت الحديث، وصدق الراوي المتفرد به في الحفظ.
وإنما أراد به أحد معنيين، لا ثالث لهما، من المعاني التي يعنيها العلماء المتقدمون عند إطلاق هذا اللفظ، وكلاهما لا يدل على ثبوت الحديث، ولا على صدق الراوي، عند من أرادهما أو أحدهما (٢) .
والمعنى الأول: الحسن المعنوي.
أي: أن المعنى الذي تضمنته رواية سعيد بن بشير معنى حسن
стр. 125
مقبول؛ صحت الرواية به، أو لم تصح.
ولعل ما يُقوي هذا:
أن الدارقطني نفسه قد تعرض لرواية سعيد بن بشير هذه في " العلل " (١) ، فقال:
" إن كان سعيد بن بشير ضبط هذا، فهو صحيح، إذا كان في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف ".
وقول الدارقطني هذا؛ لا يدل على صحة رواية سعيد بن بشير عنده؛ لأنه قال: " إن كان ضبط هذا فهو صحيح "؛ فقد علق صحته على شرط، فإن لم يحصل الشرط لم يحصل ما عُلِّق عليه، وسيأتي أنه قد خالفه أصحاب عبيد الله بن عمر في ذكر " الصوم " في الحديث، فهذا يدل على أنه لم يضبط حديثه هذا، فليس هو بصحيح.
وإنما غاية ما يدل عليه كلام الدارقطني: أن هذا المعنى صحيح؛ ولكن ليس على سبيل اشتراط الصوم للاعتكاف، بل على من جمع في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف.
ورواية سعيد تساعد على هذا المعنى؛ لأنها ليس فيها أن النبي ﷺ أمره بالصوم، كما جاء في رواية عبد الله بن بديل، وإنما في رواية سعيد أنه ذكر للنبي ﷺ أنه نذر أن يعتكف ويصوم، فقد جمع في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره؛ أي: على الصفة التي عقد نذره عليها (٢) .
стр. 126
وبهذا ينجلي لك؛ أن حديث سعيد بن بشير هذا لا يصلح كشاهد لحديث عبد الله بن بديل، لأنه قاصر عنه، فحديث ابن بديل فيه أن النبي ﷺ اشترط للمعتكف الصوم، بينما حديث سعيد بن بشير ليس فيه اشتراط الصوم؛ كما علمت.
المعنى الثاني: الحسن بمعنى الغريب والمنكر.
وبيان ذلك:
أن هذا الحديث الذي حسن إسناده الدارقطني لسعيد بن بشير، قد اشتمل على زيادة استغربها أهل العلم، واستنكروها على سعيد بن بشير، وهي زيادة ذكر " الصوم " مع الاعتكاف.
وقد أشار إلى ذلك الدارقطني، بقوله:
" ... تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير.. "
وقال البيهقي (١) :
" ذكر نذر الصوم مع الاعتكاف غريب؛ تفرد به سعيد بن بشير عن عبيد الله ".
وكذا؛ أنكره عبد الحق الإشبيلي (٢) .
وضعف ابن الجوزي في " التحقيق " هذا الحديث من أجله.
يعني: ضعف زيادة ذكر " الصوم " من أجل تفرد سعيد بن بشير بها.
стр. 127
قلت: وقد رواه أصحاب عبيد الله بن عمر، بدون هذه الزيادة؛ منهم: شعبة، ويحيى القطان، وأبو أسامة، وابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفي، وحفص بن غياث، وعبدة بن سليمان.
أخرجه: البخاري (٢٠٤٢)(٢٠٤٣)(٦٦٩٧) ومسلم (٥/٨٨ - ٨٩) والنسائي (٧/٢٢) وابن ماجه (٢١٢٩) وأحمد (٢/٢٠ - ٨٢) وابن خزيمة (٢٢٣٩) وابن حبان (٤٣٧٩)(٤٣٨٠) والدارمي (٢/١٨٣) وغيرهم.
وكذلك؛ رواه أيوب، عن نافع؛ بدونها.
أخرجه: أحمد (٢/١٠) والحميدي (٦٩١) والنسائي (٧/٢١) .
وهذا كله؛ يدل على نكارة هذه الزيادة، عن عبيد الله، وأيضاً عن نافع، وعلى خطأ سعيد بن بشير حيث زادها في الحديث.
فإن قيل:
أليس من الممكن أن يكون تحسين الدارقطني لحديث سعيد؛ لِما انضم إليه من رواية ابن بديل، فيكون ذكر " الصوم " " حسناً " عند بانضمام الطريقين؟
قلت:
لو صح هذا؛ لكان أدل على أن سعيد بن بشير عند ليس صدوقاً في الحفظ؛ لأن الصدوق لا يحتاج إلى انضمام شيء إليه ليحسن حديثه.
ومع هذا؛ فهذا الحمل أبعد ما يكون؛ لأن الدارقطني وغيره ممن ذكرنا قد أنكروا رواية ابن بديل، فلا معنى بعد ذلك لتقويتها برواية سعيد؛ لأن المنكر أبداً منكر.
стр. 128
وأيضاً؛ فإن رواية سعيد قد أنكروها عليه، بل إن مخالفته لأصحاب عبيد الله، ثم لأصحاب نافع، لهو أدل دليل على نكارة روايته، والمنكر لا يتقوى بالمنكر، بل لا يتقوى أبداً.
هذا؛ فضلاً عن أن رواية سعيد قاصرة عن الشهادة لرواية ابن بديل ـ كما سبق ـ فهي إن لم تخالفها، لا توافقها.
وقد أشار الدارقطني نفسه إلى إعلال روايتي ابن بديل وسعيد بن بشير، بالرواية المحفوظة والتي لم يذكر فيها " الصوم ".
فقد تقدم؛ أن الإمام الدارقطني أعل رواية ابن بديل عن عمرو بن دينار بقوله:
" ورواه نافع عن ابن عمر، فلم يذكر فيه " الصيام "؛ وهو أصح من قول ابن بديل عن عمرو "
وحديث " نافع عن ابن عمر "، هو أصل حديث سعيد بن بشير هذا؛ لكن من رواية الثقات، كما سبق.
فإذا كان الدارقطني يستدل برواية " نافع عن ابن عمر " والتي ليس فيها ذكر " الصوم "، على إعلال رواية " ابن بديل عن عمرو بن دينار "، فهي أدل على إعلال رواية سعيد بن بشير، والتي زاد فيها ذكر " الصيام ".
لأن الرواية إذا استُدل بها على خطأ لفظة وردت في رواية أخرى، فمن باب أولى أن يُستدل بها على خطأ هذه اللفظة إذا زادها راوٍ في الرواية نفسها؛ وهذا واضح.
والحاصل: أن تحسين الإمام الدارقطني لحديث سعيد بن بشير
стр. 129
، ليس من باب التحسين المصطلح عليه، والذي جرى عليه عرف الأئمة المتأخرين، والذي يقتضي أن الراوي المتفرد بالحديث صدوق الحفظ، وأن الحديث حجة وثابت عن رسول الله ﷺ ؛ وإنما هو تحسين جارٍ على اصطلاح العلماء المتقدمين، حيث يطلقون " الحسن " أحياناً ويريدون به الحسن المعنوي، وأحياناً أخرى يريدون به الغرابة والنكارة.
وكلا المعنيين لا يدل على ثبوت الحديث الذي وصفوه بهذا الوصف " الحسن "، ولا على صدق الراوي الذي تفرد به في حفظه وضبطه.
هذا؛ ولنذكر أمثلة من كلام الأئمة، لما أطلقوا فيه لفظ " الحسن " على إرادة الحسن المعنوي، أو إرادة الغريب والمنكر.
ولنبدأ بذكر أمثلة عن الأئمة عامة، ثم نردفها بأمثلة عن الإمام الدارقطني خاصة.
فمن ذلك:
أن الخطيب البغدادي روى في كتابه " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " (١) عن إبراهيم بن يزيد النخعي، أنه قال:
" كانوا يكرهون إذا اجتمعوا، أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده ".
قال الخطيب:
" عنى إبراهيم بالأحسن: الغريب؛ لأن الغريب غير المألوف يُستحسن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يُعبِّرون عن المناكير
стр. 130
بهذه العبارة ".
ثم روى بإسناده إلى أمية بن خالد، قال: قيل لشعبة: ما لك لا تروى عن عبد الملك بن أبي سليمان ـ يعني: العرْزمي ـ وهو حسن الحديث؟ فقال: من حُسْنِها فررت!
وكذا؛ صنع ابن السمعاني في كتابه " أدب الإملاء والاستملاء ". (ص ٥٩) ، ذكر ما ذكره الخطيب، وقال كما قال.
ومما يؤكد صحة تفسير الخطيب البغدادي للفظ " الحسن " في كلمة النخعي هذه بـ " الغريب " و " المنكر"؛ أمران:
الأول: أن الإمام أبا داود ذكر كلمة النخعي هذه في " رسالته إلى أهل مكة " (١) ، بلفظ:
" كانوا يكرهون الغريب من الحديث ".
ورواه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (ص ١٢٥ - ١٢٦) ؛ بلفظ: " كانوا يكرهون غريب الكلام، وغريب الحديث ".
فإن كان اللفظان من قول النخعي، فهذا خير ما يُفَسَرُ به؛ وإن كان لفظ " الغريب " من تصرف بعض الرواة عنه، فهذا يدل على أن إطلاق " الحسن " على " الغريب " كان معروفاً؛ وإن كان من تصرف أبي داود نفسه، فهذا تفسير من أبي داود " للحسن " بأنه مرادف " للغريب " وحسبك به.
стр. 131
الثاني: أن الرامهرمزي ذكرها في " المحدث الفاصل " (١) في " باب: من كره أن يروي أحسن ما عنده "، مع ما نصوص أخرى عن أهل العلم في ذم الغرائب والمناكير.
هذا؛ فضلاً عن دلالة السياق؛ فإن " الحسن " الاصطلاحي لا يكره أحد روايته ولا التحديث به، بينما هذا شأنهم مع المنكر.
ومن ذلك:
ما ذكره الرامهرمزي في هذا الباب أيضاً:
عن عبد الله بن داود ـ هو: الخُرَيْبي ـ، قال: قلت لسفيان: يا أبا عبد الله ! حديث مجوس هجر؟
قال: فنظر إليّ، ثم أعرض عني.
فقلت: يا أبا عبد الله ! حديث مجوس هجر؟
قال: فنظر إليّ، ثم أعرض عني.
ثم سألته، فقال له رجل جنبه؛ فحدثني به.
وكان إذا كان الحديث " حسناً: لم يكد يحدث به.
و" الحسن " هاهنا بمعني " منكر "؛ كما هو واضح.
ولعل هذا الحديث هو ما سأله عنه يحيى القطان:
وذلك؛ فيما قال يحيى القطان: سألت سفيان عن حديث حماد، عن إبراهيم في الرجل يتزوج المجوسية، فجعل لا يحدثني به، مَطَلَني به
стр. 132
أياماً، ثم قال: إنما حدثني به جابر ـ يعين: الجعفي ـ، عن حماد؛ ما ترجو به؟ !
أخرجه: ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص ٦٩) والعقيلي (١/١٩٥) .
والله أعلم.
ومن ذلك:
روى: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " (ص ٩٤ - ٩٥) حديث معاذ ـ مرفوعاً ـ: " تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ... " ـ الحديث.
ثم قال ابن عبد البر:
" حديث حسن جداً ! ولكن ليس له إسناد قوي " ! !
قال العراقي في " التقييد والإيضاح " (١) :
" أراد بـ " الحسن " حسن اللفظ قطعاً؛ فإنه من رواية موسى بن محمد البلقاوي عن عبد الرحيم بن زيد العمي. والبلقاوي هذا كذاب؛ كذبه أبو زرعة وأبو حاتم، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث؛ والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه. وعبد الرحيم بن زيد العمي متروك الحديث أيضاً "
وساق في " التمهيد " (٢) حديثاً منكراً:
стр. 133
يرويه: بعض الضعفاء، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ـ مرفوعاً ـ: " من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله الحق المبين ... " الحديث.
ثم قال:
" وهذا لا يرويه عن مالك من يوثق به، ولا هو معروف من حديث، وهو حديث حسن، ترجى بركته، إن شاء الله تعالى " !
ومن ذلك:
ذكر الذهبي في ترجمة عباس الدوري من " السير " (١) ، عن الأصم، أنه قال فيه:
" لم أر في مشايخي أحسن حديثاً منه ".
ثم قال الذهبي:
" يُحتمل أنه أراد بـ " حُسن الحديث ": الإتقان، أو أنه يتبع المتون المليحة، فيرويها، أو أنه أراد علو الإسناد، أو نظافة الإسناد، وتركه رواية الشاذ والمنكر، والمنسوخ، ونحو ذلك؛ فهذه أمور تقتضي للمحدث إذا لازمها أن يقال: ما أحسن حديثه ".
وساق الذهبي في " السير " (٢) حديثاً:
يرويه: أبو صالح ذكوان، عن صهيب مولى العباس
стр. 134
، ثم قال الذهبي:
" إسناده حسن، وصهيب لا أعرفه " !
ومن ذلك:
ذكر الإمام علي بن المديني في " العلل " (١) حديث عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: " إني ممسك بحُجزكم من النار ".
وهو من رواية: يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵄، عن النبي ﷺ .
ثم قال ابن المديني:
" هذا حديث حسن الإسناد؛ وحفص بن حميد مجهول، لا أعلم أحداً روى عنه إلا يعقوب القمي، ولم نجد هذا الحديث عن عمر إلا من هذا الطريق؛ وإنما يرويه أهل الحجاز من حديث أبي هريرة ".
قلت: ومقتضى هذا؛ أن الحديث منكر عنده من هذا الوجه، وبهذا يظهر معنى قوله: " حسن الإسناد ".
وقد قال يعقوب بن شيبة مثل قول ابن المديني في " مسند عمر بن الخطاب " (٢) ؛ فانظره.
ومن ذلك:
قال الفضل بن موسى (٣) :
قال عبد الله بن المبارك: اخرج إلى هذا
стр. 135
الشيخ، فائتني بحديثه ـ يعني: محمد بن شجاع ـ، قال: فذهبت أنا وأبو تُمَيلة، فأتيته بحديثه، فنظر ابن المبارك في حديث، فقال:لا إله إلا الله! ما أحسن حديثه!!
أي ما أنكرها، وأبعدها عن الصحة.
ويدل على ذلك أمور:
الأول: أن نعيم بن حماد حكى هذه القصة، وذكر أن ابن المبارك أنكر أحاديثه، وضعفه من أجلها.
قال نعيم بن حماد (١) : محمد بن شجاع؛ ضعيف، أخذ ابن المبارك كتبه، وأراد أن يسمع منه، فرأى منكرات، فلم يسمع منه.
الثاني: أن ابن المبارك، قد صرح في رواية أخرى بضعف محمد بن شجاع هذا، بل بضعفه جداً؛ فقال:
" محمد بن شجاع؛ ليس بشيء، ولا يعرف الحديث ".
الثالث: أن غيره من الأئمة قد ضعفوه جداً.
قال البخاري وأبو حاتم:
" سكتوا عنه ".
وقال أبو علي محمد بن علي بن حمزة:
" ضعيف الحديث، وقد تركوه ".
ومن ذلك:
روى النسائي في " السنن "، عن أبي بكر بن خلاد، عن
стр. 136
محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ: " تسحروا؛ فإن في السحور بركة ".
ثم قال النسائي: " حديث يحيى بن سعيد هذا؛ إسناده حسن، وهو منكر، أخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل ".
و" الحسن " هنا بمعنى الغريب؛ لأن " الحسن " الاصطلاحي لا يجامع " المنكر " ولا " الغلط ".
ولا يقال: لعل الإمام النسائي إنما يصف الإسناد بالحسن، والمتن بالنكارة وأن الضمير في قوله: " هو " عائد إلى المتن، وكما هو معلوم لا تلازم بين الحكم على الإسناد والحكم على المتن.
لا يقال ذلك؛ لأن هذه الأوصاف الثلاث " الحسن " و " المنكر " و" الغلط "، إنما أطلقها النسائي على إسناد هذا الحديث دون متنه؛ فإن هذا المتن صحيح ثابت، وقد أخرجه البخاري ومسلم (١) من غير هذا الوجه عن رسول الله ﷺ ، وكذلك؛ أخرجه النسائي في أول الباب من هذا الوجه الصحيح؛ ويُستبعد على مثل الإمام النسائي أن يخفى عليه صحة هذا المتن؛ لاسيما مع قوله: " أخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل "؛ فإن ابن فضيل لم يتفرد بالمتن،
وإنما تفرد بهذا الإسناد فقط؛ فالإمام النسائي إنما ينكر رواية هذا المتن بهذا الإسناد، ويرى أن ابن فضيل أخطأ
стр. 137
في إسناده، دخل عليه إسناد حديث في إسناد حديث آخر.
والله أعلم.
ومن ذلك:
ذكر ابن عدي " سلام بن سليمان المدائني " في " الكامل " (١) ، وقال " هو عندي منكر الحديث "
ثم ذكر له أحاديث كثيرة، وختم الترجمة بقوله:
" ولسلام غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه حِسان، إلا أنه لا يتابع عليه ".
وأدخل أيضاً في " الكامل ": " الضحاك بن حمرة "، ونقل عن غير واحد من أهل العلم تضعيفه، ثم ساق له عدة أحاديث مما أنكر عليه، ثم قال في آخر الترجمة (٢) :
" وله غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، وأحاديثه حسان غرائب ".
ومن ذلك:
قال البرذعي (٣) :
" قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان؛ وربما في قلبي من حسن حديثهما".
стр. 138
يعني: لكونها غرائب؛ لأن الغرائب هي التي يُخشى من الخطأ فيها، بخلاف الأحاديث المشاهير المتابع عليها.
وحكى البرذعي (١) أيضاً عن أبي زرعة، أنه قال:
" زياد البكائي، يهم كثيراً، وهو حسن الحديث ".
ومن يهم كثيراً، فهو ضعيف.
وقال أبو حاتم الرازي (٢) :
" أبو إسرائيل المُلائي، حسن الحديث، جيد اللقاء، له أغاليط، لا يحتج بحديثه، ويُكتب حديثه، وهو سيء الحفظ ".
ومن ذلك:
روى الخليلي في الإرشاد (٣) :
عن محمد بن موسى الباشاني، عن الفضل بن خالد أبي معاذ، عن نوح بن أبي مريم، عن داود بن أبي هند، عن النعمان بن سالم، عن يعقوب بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو ـ مرفوعاً ـ: "يخرج الدجال في آخر الزمان، فيلبث أربعين ... " ـ الحديث.
ثم قال الخليلي:
"لم يروه عن داود إلا نوح ـ وإن كان ضعيفاً (٤) ـ، والحديث غريب جداً، حسن، لم يروه غير الباشاني".
стр. 139
وهذه أمثلة عن الإمام الدارقطني:
فمن ذلك:
أخرج في " السنن " (١) :
حديث: الوليد بن مسلم: أخبرني ابن لهيعة: أخبرني جعفر بن ربيعة، عن يعقوب بن الأشج، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ ـ في التشهد ـ: " التحيات لله، والصلوات الطيبات المباركات لله ".
ثم قال:
" هذا إسناد حسن، وابن لهيعة ليس بالقوي ".
وقوله: " إسناد حسن " بمعنى: غريب منكر.
ويدل على ذلك:
أنه أخرجه في كتاب " الغرائب والأفراد " (٢) ، وقال:
" غريب من حديث عمر عن النبي ﷺ ، ومن حديث ابن عباس عنه، ولم يروه غير جعفر بن ربيعة عن يعقوب بن الأشج، ولا نعلم أحداً رواه غير الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة، وتابعه عبد الله بن يوسف التَّنَّيسي".
يعني: تابع الوليد؛ فالحديث مما تفرد به ابن لهيعة.
وقال نحو هذا في " العلل " (٣) ؛ وزاد:
" ... ولا نعلم رفعه عن عمر عن النبي ﷺ غير ابن لهيعة،
стр. 140
والمحفوظ ما رواه عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أن عمر كان يعلِّم الناس التشهد ـ من قوله؛ غير مرفوع ".
قلت: وهذا يدل على أن رواية ابن ليهعة عند شاذة أو منكرة؛ لتفرده برفع الحديث عن عمر عن النبي ﷺ ، ثم لمخالفته للمحفوظ عند الدارقطني، وهو وقف الحديث.
ومن ذلك:
أخرج الدارقطني في " السنن " (١) :
عن عبد الله بن سالم: عن الزبيدي: حدثني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: " آمين ".
ثم قال الدارقطني:
" هذا إسناد حسن ".
ولم يرد الدارقطني من قوله هذا تثبيت الحديث؛ بدليل أنه ذكر هذا الحديث في " العلل " (٢) ، وذكر أوجه الخلاف فيه سنداً ومتناً، ثم قال: " والمحفوظ: من قول الزهري مرسلاً ".
ومن ذلك:
أخرج في " السنن " (٣) :
حديث: محمد بن عقيل بن خويلد، عن حفص بن عبد الله، عن
стр. 141
إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن ابن عمر ـ مرفوعاً ـ: " أيُما إهاب دُبغ فقد طهُر ".
ثم قال الدراقطني:
" إسناد حسن ".
أي: غريب؛ بدليل:
أن هذا الحديث ـ مع أحاديث أخرى ـ مما استنكروه على ابن خويلد هذا، وهو وإن كان من جملة الثقات، إلا أنه أخطأ في إسناد هذا الحديث.
قال أبو أحمد الحاكم:
" حدث عن حفص بن عبد الله بحديثين، لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء ".
وقال ابن حبان في " الثقات " (١) :
" ربما أخطأ؛ حدَّث بالعراق بمقدار عشرة أحاديث مقلوبة ".
وذكره الذهبي في " الميزان " (٢) ، وقال:
" معروف، لا بأس به، إلا أنه تفرد بهذا ".
ثم ذكر له هذا الحديث بعينه، وأتبعه بقول الدارقطني!
هذا؛ وإنما يعرف هذا المتن من حديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، وقد أخرجه مسلم (١/١٩١) وغيره.
стр. 142
راجع: "غاية المرام " (٢٨) للشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى.
ومن ذلك:
أخرج في " السنن " (١) :
حديث: ابن أبي مسرة، عن يحيى بن محمد الجاري، عن زكريا ابن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر ـ مرفوعاً ـ: " من شرب في إناء من ذهب أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم ".
ثم قال:
" إسناده حسن ".
وقول الدارقطني هذا، لا يمكن حمله على " الحسن " الاصطلاحي؛ وإنما هذا بمعنى الغريب أو المنكر، على نحو ما يُعرف عن المتقدمين.
وذلك لأمور:
الأول: أن يحيى الجاري هذا؛ لا يرقى حديثه إلى رتبة الحسن، بل هو إلى الضعيف أقرب (٢) .
قال البخاري: " يتكلمون فيه ".
وأدخله ابن حبان في " الثقات "، وقال " يُغْرب ".
ثم أدخله في " المجروحين "، وقال:
стр. 143
" كان ممن ينفرد بأشياء لا يتابع عليها، على قلة روايته، كأنه كان يَهِم كثيراً؛ فمن هنا وقع المناكير في روايته، يجب التكُّبُ عما انفرد من الروايات، وإن احتج به محتج فيما وافق الثقات، لم أر بذلك بأساً ".
ووثقه العجلي، وقال ابن عدي: " ليس بحديثه بأس ".
الثاني: أن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، مجهول الحال، وكذا أبوه (١) .
الثالث: أن زيادة " أو إناء فيه شيء من ذلك "، زيادة منكرة في هذا الحديث، وقد صرح بذلك، الإمام الذهبي، حيث أدخل الحديث في ترجمة يحيى الجاري من " الميزان "، ثم قال:
" هذا حديث منكر، أخرجه الدارقطني، وزكريا ليس بالمشهور ".
وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية بضعف هذه الزيادة، فقال (٢) : " إسناده ضعيف ".
وإنما هذه الزيادة تصح عن ابن عمر، من فعله هو، وقد بين ذلك الحافظ البيهقي في " السنن الكبرى: و " الخلافيات ". وأشار إليه الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (٣) .
стр. 144
فالحاصل؛ أن إطلاق الدارقطني لفظ " الحسن " على هذا الحديث، ليس من باب الإطلاق الاصطلاحي، بل بمعنى الغريب والمنكر، كما سبق.
وبالله التوفيق.
стр. 145
المتابعة.. وظن الرجل رجلين
المتابعة التي يعتد بها العلماء، ويقوون بها الرواية، هي المتابعة الحقيقية، وليس المتابعة الناتجة عن التخليط بين الرواة، من ظن الرجل رجلين، والواحد اثنين.
كأن يكون الحديث حديث رجل واحد، هو المتفرد به، إلا أنه ذُكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، فاشتبه ذلك: هل هو واحد، أم اثنان؟
فقد ينطلي ذلك على البعض، فيظن أنهما اثنان، فيجعل كلاً منهما متابعاً للآخر، والصواب أنه رجل واحد، ذُكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، وأنه لا متابعة.
مثال ذلك:
قال ابن أبي حاتم (١) :
" سألت أبي عن حديث؛ رواه: إسماعيل بن أبان الوراق، عن جعفر الأحمر، عن أبي خالد، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان، أنه رعف، فقال له رسول الله ﷺ : " أحدث وضوءاً ".
فقال أبي: أبو خالد هذا؛ عمرو بن خالد، متروك الحديث، لا يُشتغل بهذا الحديث.
قلت لأبي: فإن الرمادي حدثنا عن إسحاق بن منصور، عن هُريم،