الأشجعي عن سفيان.
وخالفهم يحيى بن آدم، فرواه عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس.
ووهم فيه؛ إنما هو: " أبو نَعامة ".
قاله ـ: الإمام أحمد، وابن المديني، والدارقطني (١) .
وأبو نعامة، اسمه: قيس بن عباية، وأبو قلابة، اسمه: لاحق بن حميد.
مثال آخر:
قال ابن عدي في " الكامل " (٤/١٤٢٠) في ترجمة ضرار بن عمر الملطي:
حدثنا القاسم بن الليث بن مسرور: حدثنا عبد الله بن معاوية: حدثنا عبد العزيز بن مسلم ـ هو: القَسْمَليُ ـ، عن ضرار بن عمرو، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
" أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة منها ثمانون ".
قلت: وضرار بن عمر هذا؛ ضعيف، وابن عدي إنما ساق هذا الحديث في ترجمته مُنْكِرَاً عليه.
لكن؛ رواه أحمد في " المسند " (٥/٣٤٧ - ٣٥٥) من طريق عفان بن
стр. 177
مسلم وعبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن أبي سنان، عن محارب، به.
وأبو سنان؛ هو ضرار بن مرة، وصرح به في الموضع الثاني.
وضرار بن مرة، غير ضرار بن عمرو، والأول ثقة، بينما الثاني ضعيف، كما سبق.
فقد يقال: لعل أحدهما تابع الآخر.
وهذا يقتضي رد إنكار ابن عدي للحديث على ابن عمرو الملطي.
وقد يُقال: لعل ابن عمرو إنما سرق الحديث من ابن مرة.
وعليه؛ يكون معنى إنكار ابن عدي، هو اتهام بان عمرو بسرقته، وليس إنكاراً لأصل الحديث.
وكل ذلك محتمل.
لكن؛ الظاهر: أن هذا خطأٌ من القسملي أو ممن هو دونه، فإن القسملي يروي عنهما جميعاً، فقد يكون أحد ممن دون القسملي صحف اسمه، فقال: " ابن عمرو " بدل " ابن مرة " ثم نسبه اجتهاداً،
فقال: " الملطي ".
والله أعلم.
ويؤكد أن الحديث حديث ابن مرة، وليس ابن عمرو: أن محمد بن فضيل رواه أيضاً عن ابن مرة، به.
أخرجه: الترمذي (٢٥٤٦)
стр. 178
، وقال " حديث حسن ".
مثال آخر:
حديث: يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : " البيعان بالخيار ".
قال أبو يعلى الخليلي (١) :
" هذا خطأ، وقع على يعلى بن عبيد، وهو ثقة متفق عليه، والصواب فيه: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، عنه، عن عبد الله بن دينار ".
مثال آخر:
حديث: يرويه أبو الأشعث ـ وهو: أحمد بن المقدام العجلي ـ، عن عبيد بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله ﷺ : " الولاء لُحمة كلحمة النسب، لا يُباع ولا يُوهب ".
أخرجه: ابن عدي في ترجمة عبيد بن القاسم هذا من " الكامل " (٥/١٩٨٨) ، ثم قال:
" لا يرويه عن ابن أبي خالد غير عبيد ".
قلت: وعبيد بن القاسم؛ متروك الحديث.
لكن؛ ذكر ابن التركماني له متابعاً ثقة، فقال (٢) : " وقد رُوي الحديث من وجه آخر، بسند رجاله ثقات؛ قال ابن جرير
стр. 179
الطبري في " تهذيب الآثار ": حدثني موسى بن سهل الرملي: ثنا محمد ابن عيسى ـ يعني: الطباع ـ: ثنا عبثر بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد " ـ به.
و" عبثر بن القاسم " ثقة، لكنه مصحف، والصواب " عبيد بن القاسم "؛ كما عند ابن عدي، وقد صرح ابن عدي بأنه لم يروه غيره.
وقد بين ذلك الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، فقال (١) :
" وقد تحرف اسم " عبيد " على البعض إلى " عبثر "، وعبثر هذا ثقة، وكذلك وثق رجاله ابن التركماني ـ كما رأيت ـ، وتبعه السيوطي في " الجامع الكبير " (١/ ٣٨٣ / ١) ، والظن أنه هو الذي تصحف عليه ذلك التصحيف؛ فإن عبثر هذا، وإن كان من طبقة عبيد بن القاسم، ومشاركاً له في الرواية عن إسماعيل
بن أبي خالد، فإن الراوي عنه عند ابن جرير " محمد بن عيسى الطباع " ـ كما رأيت ـ، ولم يُذكر في جملة الرواة عن عبثر، وإنما عن عبيد، فتعين أنه هو ".
قلت ومما يؤكد هذا: أن الطبراني خرج الحديث في " الكبير "، وعنده: " عبيد بن القاسم ".
فقد ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤/٢٣١) ، وقال:
" رواه الطبراني، وفيه: عبيد بن القاسم، وهو كذاب ".
وكذلك؛ خرجه أبو نعيم في " معرفة الصحابة ".
وبهذا؛ تدرك خطأ الحافظ في " التلخيص " (٢) ؛ حيث اغتر
стр. 180
بهذا التصحيف، فقال:
" ظاهر إسناده الصحة ".
فإنه ظن أن الحديث عند هؤلاء " عن عبثر "، كما وقع في " تهذيب الآثار " للطبري.
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
حديث: معاوية بن صالح، عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة، أنه سمع أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ ـ لم أسمعه يكنيه قبلها ولا بعدها ـ يقول: " إن الله قال: يا عيسى بن مريم! إني باعث بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم.
قال: يا رب! كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟! قال أُعطيهم من حلمي وعلمي".
أخرجه: أحمد (٦/٤٥٠) والبخاري في " التاريخ الكبير " (٤ / ٤ /٣٥٥ - ٣٥٦) والدولابي في " الكنى" (١ /١٥٦) والطبراني في " الأوسط " (٣٢٥٢) " والشاميين " (٢٠٥٠) والحاكم (١/٣٤٨) وأبو نعيم في " الحلية " (١/٢٢٧) (٥/٢٤٣) .
وأدخله البخاري في ترجمة " أبي حلبس يزيد بن ميسرة ".
وقال الطبراني: " لم يروه عن أم الدرداء إلا يزيد ميسرة، تفرد به معاوية بن صالح ".
стр. 181
فالحديث؛ حديث يزيد بن ميسرة؛ وهو مجهول.
لكن؛ تصحف على البزار، فرواه من نفس الوجه في " مسنده " (٢٨٤٥- كشف) ، فتصحف فيه " يزيد" إلى " يونس "، فجاء: " يونس بن ميسرة ".
ويونس بن ميسرة، ثقة.
وهو أخو يزيد، ويشتركان في الرواية عن أم الدرداء، ويروي عنهما معاوية بن صالح، وكلاهما يكنى بـ " أبي حلبس "، إلا أن يونس أشهر من أخيه يزيد، وهذا الحديث حديث يزيد، لا يونس.
وقد اغتر بذلك البزار، فقال:
" لا نعلم رواه من الصحابة إلا أبو الدرداء، ومعاوية ويونس شاميان ثقتان، وإسناده حسن ".
وقد وقع في نفس التصحيف محقق كتاب " الأربعين الصغرى " للبيهقي (٤٧) ـ طبعة دار الكتاب
العربي ـ وصحح الحديث اغتراراً بذلك، مع أنه خرج الحديث من عدة مصادر، وهو فيها كلها عن " يزيد " وليس عن " يونس ".
وهو في طبعة دار الكتب العلمية " للأربعين " (٦٢) على الصواب: " يزيد ".
وكذلك؛ أخرجه البيهقي في " الشعب " (٤٤٨٢) ، بنفس الإسناد، فجاء فيه على الصواب.
هذا؛ وحكم عليه الشيخ الألباني في " ضعيف الجامع " (٤٠٥٦) بأنه
стр. 182
حديث موضوع.
مثال آخر
روى: ابن أبي ذئب، عن عجلان بن المشمعل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تساب وأنت صائم، وإن سابك إنسان فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس".
أخرجه: أحمد (٢/٤٢٨) والنسائي في "الكبرى" (١) وابن خزيمة (١٩٩٤) وابن حبان (٣٤٨٣) .
يرويه عن ابن أبي ذئب: يحيى بن سعيد، وابن المبارك، وعثمان بن عمر.
وليس في رواية يحيى بن سعيد "وإن كنت قائماً فاجلس"، ولا أدري أهي في رواية ابن المبارك أم لا؛ فإن روايته في "سنن النسائي الكبرى"، ولا تطولها يدي الآن.
لكن؛ وقع في موضع آخر من "المسند" ما يوهم عدم تفرد عجلان بهذه الزيادة.
ففي "المسند" المطبوع (٢/٥٠٥) :
"ثنا يزيد: أنا ابن أبي ذئب، عن المقبري ـ وأبو عاصم: مولى حكيم، وقال أحمد الزبيري: مولى
حسام ـ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لا تساب وأنت صائم، فإن شتمك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاقعد، والذي نفس محمد بيده! لخلوف فم الصائم أطيب عند
стр. 183
الله من ريح المسك".
وهذا الذي في "المسند" المطبوع؛ قد وقع فيه خلل في عدة مواضع:
فأولاً: قوله: "أبو عاصم"، صوابه: "أبو عامر"، وهو العقدي شيخ أحمد.
كما هو في "أطراف المسند" لابن حجر (٧/٤٠٧) ، وفي إحدى نسخ "المسند"، كما ذكر صاحب "المسند الجامع" (١٧/١٣٨) .
وعليه؛ يكون قد سقط لفظه "قال"، ويكون الصواب: "وقال أبو عامر: مولى حكيم"؛ فتكون جملة "مولى حكيم" من مقول قول أبي عامر العقدي.
ثانياً: قوله: "مولى حسام"؛ صوابه: "مولى حماس".
وهو أيضاً كذلك في بعض نسخ "المسند".
ثالثاً: وهو اللغز الذي احترت في الجواب عليه:
وهو: قوله: "عن المقبري".
وذكر المقبري هاهنا مشكل.
ذلك؛ لأمرين:
الأول: أن الحافظ بن حجر ذكر هذا الحديث في "أطراف المسند" (٧/٤٠٧) برواية هؤلاء الثلاثة: يزيد، وأبي عامر، وأبي أحمد الزبيري؛ عن ابن أبي ذئب، في ترجمة "عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة"، ولم يذكره من رواية واحد منهم في ترجمة "سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة".
стр. 184
الثاني: أن هذه الأقوال: "مولى حكيم" و "مولى حماس"، إنما قيلت في اسم "عجلان" هذا، ولا ذكر لها في ترجمة المقبري، فكيف يستقيم ذكرها في هذا الحديث، وهو من رواية المقبري، وليس من رواية عجلان؟!
فالذي يترجح عندي ـ والله أعلم ـ: أن ذكر "المقبري" في هذا الحديث خطأ، والصواب ذكر "عجلان مولى المشمعل" مكانه.
ولعل ذلك وقع خطأ من الكاتب، كأن يكون حرَّف "عجلان"، فقال: "المقبري" ـ وهو ما أستبعده
هنا ـ، أو يكون وقع سقط في نسخة "المسند"،، نشأ عن انتقال نظر الكاتب؛ فإن الحديث الذي قبل هذا الحديث في "المسند" من رواية "يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة"؛ فلعل الكاتب انتقل نظره،نن وهذا أقرب والله أعلم.
ثم وقفت على الخبر اليقين، بفضل من الله تعالى، وكرم منه ونعمة.
فقد رأيت الحافظ المزي ذكر هذا الحديث من هذا الموضع من "المسند"، وجاء به على الصواب، مصلحاً ما أفسده النساخ، مما أحدثوه في الحديث من تحريف وإقحام وحذف.
فقد رواه في ترجمة "عجلان" في "تهذيب الكمال" (١٩/٥١٨) ،من طريق "المسند"، فوقع عنده هكذا:
" ... حدثنا يزيد وأبو عامر، قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعل ـ قال: وقال أبو عامر: مولى حكيم، وقال: أبو
стр. 185
أحمد الزبيري: مولى حماس ـ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تساب وأنت صائم.." ـ الحديث.
فقطعت جهيزة قول كل خطيب.
وقد انطلى هذا الخطأ الواقع في "المسند" على كل من الشيخ الألباني في "الإرواء" (٤/٣٥) ، وكذا المعلق على "صحيح ابن حبان"، فأثبتا متابعة المقبري لعجلان بمقتضى هذه الرواية.
وكذا؛ انطلى على صانعي: "المسند الجامع" حيث جعلوه فيه (١٧/١٣٧-١٣٨) من رواية المقبري عن أبي هريرة، وأفردوه عن رواية عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة.
لكن؛ الشيخ الألباني: ـ حفظه الله تعالى ـ وقع في خطأ آخر مبني على الخطأ الأول، وذلك؛ أنه اعتبر "أبو عاصم" الذي وقع في "المسند" كنية "عجلان مولى المشمعل".
وهذا لا يؤيده أصلاً السياق الذي في "المسند" ـ على ما فيه من خطأ ـ؛ لأن "أبو عاصم" جاءت مرفوعة، فهي معطوفة على ما جاء مرفوعاً قبلها، أي: ابن أبي ذئب، أو يزيد.
ولكي تكون كنية عجلان، فلا بد وأن تجيء مجرورة، عطفاً على المقبري.
وثمة خطأ آخر:
وهو أنه نقل عن ابن حبان، أنه قال في "الثقات" (٥/٢٧٨) في ترجمة "عجلان مولى المشمعل":
стр. 186
" كنيته أبو محمد، وليس هو والد محمد ".
يعني: أنه ليس هو " عجلان مولى فاطمة " والد محمد بن عجلان، وإن كان يكنى بـ " أبي محمد ".
فقال الشيخ: " فلعل له كنيتان (١) كما هو الشأن في بعض الرواة ".
قلت: هو لا يكنى أصلاً، لا بـ " أبي عاصم "، ولا بـ " أبي محمد "، وإنما الذي يكنيه بـ " أبي محمد " آدم بن أبي إياس، في روايته عن ابن أبي ذئب، وآدم كناه بذلك ظناً منه أنه والد محمد بن عجلان، فغلطه العلماء في ذلك (٢) .
مثال آخر:
قال الطبراني في " المعجم الكبير " (١١ / ١٣٤) :
" حدثنا محمد بن جابان الجنديسابوري: ثنا محمود بن غيلان: ثنا مؤمل بن إسماعيل: ثنا حماد بن سلمة: ثنا الطويل، عن طلق بن حبيب، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: " أربع من أُعطيهن أُعطي خير الدنيا والآخرة: قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً، وزوجة لا تبغيه خوناً في نفسها ولا ماله ".
فهذا الحديث؛ هكذا يرويه الطبراني في " الكبير " بهذا الإسناد، من حديث مؤمل بن إسماعيل، وهو ضعيف سيئ الحفظ.
стр. 187
وقد رواه أيضاً في " الأوسط " (٧٢١٢) بنفس السند؛ لكن وقع فيه: " موسى " بدل " مؤمل "؛ وكذا وقع في " مجمع البحرين " (٢٢٤٩) .
وما وقع في " الأوسط " تصحيف، والصواب " مؤمل " كما في الكبير وقد رُوي من غير هذا الوجه عن " المؤمل ".
وقد بين ذلك تفصيلاً الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ في " الضعيفة " (١) ،
بما لا يحتاج إلى مزيد، فجزاه الله خيراً، ونفع به وبعلمه.
ومما يقوي هذا: أن محمود بن غيلان؛ لم يذكروا رواية له عن موسى بن إسماعيل ـ وهو التبوذكي ـ؛ بينما ذكروا أنه يروي عن مؤمل ابن إسماعيل فقط.
وقد تورط في هذا جماعة من أهل العلم؛ منهم: المنذري، والهيثمي، والسيوطي، والمناوي، وقلدهم في ذلك الغماري؛ فحكموا على إسناد " الأوسط " بغير ما حكموا به على إسناد " الكبير " مع أنه هو هو من شيخ الطبراني فصاعداً !
وانظر: أقوالهم في " الضعيفة ".
مثال آخر:
حديث: محمد بن أبان البلخي، قال: نبأنا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن محرر بن أبي هريرة، عن أبيه عن النبي ﷺ ، قال: " ما أهل مُهِل قط إلا آبت الشمس بذنوبه ".
стр. 188
أخرجه الخطيب في " تاريخ " (٢/٧٩) ، وقال:
" تفرد بروايته محمد بن أبان، عن عبد الرزاق، عن الثوري، وخالفه الحسن بن أبي الربيع الجرجاني؛ فرواه عن عبد الرزاق، عن ياسين الزيات، عن ابن المنكدر ".
ثم أسند رواية الجرجاني.
قلت: ويشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون محمد بن أبان البلخي كان في كتابه: " عن ياسين "، فصحف، فقال " عن سفيان "، ثم نسبه اجتهاداً منه.
لاسيما؛ وأن " سفيان " تكتب في الكتب القديمة بغير الألف، هكذا: " سفين "، فيه ـ حينئذٍ ـ يسهل أن تشتبه بـ " ياسين " إذا ما كتبت هي الأخرى بغير الألف.
وفي ترجمة محمد بن أبان هذا من " تاريخ بغداد " حديث آخر، أخطأ فيه، وذهب الإمام أحمد إلى أنه وقع له فيه تصحيف.
مثال آخر:
حديث: محمد بن منصور الجواز، عن أبن عيينة، عن بيان بن بشر، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر، أن النبي ﷺ قال لرجل: " عليك بصيام ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة ".
أخرجه: النسائي (٤/٢٢٣) .
وفي هذا الحديث خطأ وتصحيف؛ فإن ابن عيينة إنما يروي هذا الحديث، فيقول: " حدثنا اثنان "، وتارة يقول: " حدثنا اثنان وثلاثة " وتارة " رجلان " وتارة يسميهما، فيقول " رجلان: محمد وحكيم ".
стр. 189
ومحمد، هو: ابن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وحكيم هو: ابن جبير.
أخرجه: الحميدي (١٣٦) وأحمد (٥ / ١٥٠) والنسائي (٤ / ٢٢٣) (٧ / ١٩٦ - ١٩٧) وابن خزيمة (٢١٢٧) .
فصحف محمد بن منصور في الحديث، فقال " بيان "، والصواب " اثنان "، ثم نسبه اجتهاداً منه، لا رواية، فقال: " ابن بشر ".
قال الإمام النسائي:
" هذا خطأ، ليس من حديث " بيان "؛ ولعل سفيان قال " حدثنا اثنان " فسقط الألف، فصار: بيان ".
وقال الدارقطني (١) :
" وصحف الجواز في قوله " بيان "، وإنما كان ابن عيينة يقول: " حدثني اثنان، عن موسى بن طلحة "
ـ يعني: محمد بن عبد الرحمن مولى آله طلحة، وحكيم بن جبير ـ، فجعله الجواز: عن بيان " (٢) .
стр. 190
الشواهد.. وتصحيف الأسماء
وقد يقع التصحيف في اسم الصحابي، فيظنه من لا يفطن له حديثاً آخر، عن صحابي آخر، فيجعله شاهداً للأول؛ وإنما هو حديث واحد، عن صحابي واحد، لا شأن للصحابي الآخر به.
مثال ذلك: ...
حديث: بقية بن الوليد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن صفية بنت حيي، أنها دخلت على رسول الله ﷺ ـ أو دخل عليها رسول الله ﷺ ـ في يوم جمعة، وهي صائمة، فقال لها: "صمت أمس؟ " قالت: لا. قال: "فتصومين غداً؟ " قالت: لا. قال: "فأفطري".
قال الحاكم (١) :
"صحف بقية بن الوليد في ذكر "صفية"، ولم يتابع عليه؛ والحديث عند يحيى بن سعيد وغندر والناس، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية بنت الحارث، عن النبي ﷺ ـ نحوه".
مثال آخر:
وقد وقع مثل هذا التصحيف من بقية في حديث آخر.
وهو حديث: جبير بن نفير، عن عمرو بن الحمق، عن النبي ﷺ ،
стр. 191
قال: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً عسله"، فقيل: وما عسله؟ قال: "يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته، حتى يرضى عنه من حوله".
أخرجه: أحمد (٥/٢٢٤) وابن حبان (٣٤٢)(٣٤٣) البزار (٢١٥٥-كشف) والحاكم (١/٣٤٠) .
فهذا الحديث؛ رواه بقية بن الوليد، فقال: عن جبير بن نفير، عن عمر الجمعي، عن النبي ﷺ .
أخرجه: أحمد (٤/١٣٥) وابن عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٧٠٥) .
وهذا؛ مما صحف فيه بقية، والصواب: أنه حديث عمرو بن الحمق وليس حديث عمر الجمعي.
وقد نص على ذلك البخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبغوي، وابن منده، وابن عساكر، وغيرهم (١) .
مثال آخر:
وقد وقع مثل هذا التصحيف من بقية في حديث آخر.
وهو حديث: جبير بن نفير، عن عمرو بن الحمق، عن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله بعبد خيراً عَسَلَهُ "، فقيل: وما عسله؟ قال: " يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته، حتى يرضى عنه من حوله ".
أخرجه: أحمد (٥/٢٢٤) وابن حبان (٣٤٢)(٣٤٣) والبزار (٢١٥٥ - كشف) والحاكم (١ /٣٤٠) .
فهذا الحديث؛ رواه بقية بن الوليد، فقال: عن جبير بن نفير، عن عمر الجمعي، عن النبي ﷺ .
أخرجه: أحمد (٤/١٣٥) وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٧٠٥) .
وهذا؛ مما صحف فيه بقية، والصواب: أنه من حديث عمرو بن الحمق، وليس عمر الجمعي.
وقد نص على ذلك البخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبغوي، وابن منده، وابن عساكر، وغيرهم (٢) .
مثال آخر:
حديث: أبي الأحوص سلام بن سليم، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار، قال: قال رسول الله ﷺ : " اشربوا في الظروف، ولا تسكروا ".
أخرجه: النسائي (٨ / ٣١٩) ، وقال:
" هذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم
стр. 192
أن أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب، وسماك ليس بالقوي، وكان يقبل التلقين. قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده ولفظه ".
ثم رواه من طريق شريك، عن سماك، عن ابن بريدة، عن أبيه ـ وهو: بريدة بن الحصيب ـ، بلفظ: ...
" إن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمُزَفَّت ".
وحكى أبو داود في " مسائل أحمد " (١) ، عن أحمد، أنه قال: " يخطئ فيه أبو الأحوص، يقول عن " أبي بريدة "، فقالوا: ابن نيار؟ فقال نعم؛ ومر فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة؛ وإنما الحديث حديث " ابن بريدة ".
وقال أبو زرعة (٢) : " وهِم أبو الأحوص، فقال: " عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بريدة "؛ قَلَبَ من الإسناد موضعاً، وصحف في موضع:
أما القلب؛ فقوله: " عن أبي بريدة "، أراد: " عن ابن بريدة "، ثم احتاج أن يقول: " ابن بريدة عن أبيه "، فقلب الإسناد بأسره، وأفحش في الخطأ.
وأفحش من ذلك وأشنع: تصحيفه في متنه: " اشربوا في الظروف، ولا تُسكروا "؛ وقد روى هذا الحديث ـ عن ابن بريدة، عن أبيه ـ:
стр. 193
أبو سنان ضرار بن مرة، وزبيد اليامي عن محارب بن دثار، وسماك بن حرب، والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد، والزبير بن عدي، وعطاء الخراساني، وسلمة بن كهيل؛ كلهم عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ " نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء؛ فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا
مُسكراً "، وفي حديث بعضهم " واجتنبوا كل مسكر "؛ ولم يقل أحد منهم: " ولا تسكروا "، وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء على ما ذكرناه من خلافه ".
قال: " سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة؛ خطأ الإسناد والكلام: فأما الإسناد؛ فإن شريكاً، وأيوب ومحمداً ابن جابر؛ رووه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ـ كما رواه الناس ـ: "فانتبذوا في كل وعاء،
ولا تشربوا مسكراً ".
قال أبو زرعة: " كذا أقول: هذا خطأٌ؛ أما الصحيح: حديث بريدة عن أبيه " اهـ.
وكذا ذهب أبو داود في شرحه لكلام أحمد في " المسائل " إلى أن هذا الحديث خطأ الإسناد والمتن، إلا أنه ذهب إلى أن الخطأ في المتن من سماك، بينما الخطأ في الإسناد من أبي الأحوص.
فنخلص من ذلك: أن هذا الحديث من مسند " بريدة بن الحصيب "، وليس من مسند " أبي بردة بن نيار "، فمن جعل حديث ابن نيار حديثا
стр. 194
ً آخر في هذا الباب فقد أخطأ.
ومما يؤكد أن الحديث حديث ابن بريدة، عن أبيه، وليس هو من حديث أبي بردة بن نيار: ما جاء عن شعبة من إنكاره لهذا الحديث عن ابن بريدة، وقوله:
" لم يجيء بالرخصة في نبيد الجر ابن عمر وابن عباس، اللذان بحثا حديث رسول الله ﷺ ، ولكن جاء به ابن بريدة من خراسان!! ".
ذكره: أبو داود في " المسائل ".
مثال آخر:
حديث: موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر ـ في صيام الأيام البيض؛ الذي تقدم في آخر الفصل السابق.
فقد رواه بعضهم فقال:
" عن ابن الحوتكية، عن أُبي ".
أخرجه: النسائي (٤/٢٢٣) ، وقال:
" الصواب: " عن أبي ذر "؛ ويشبه أن يكون وقع من الكتاب " ذر "، فقل: " أبي " (١) اهـ.
مثال آخر:
حديث: سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عنبسة، عن عبد الله بن غنام ﵁، أن
стр. 195
رسول الله ﷺ قال: " من قال حيث يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم ".
أخرجه: أبو داود (٥٠٧٣) والنسائي في " الكبرى " والبخاري في " التاريخ الكبير " (٤ / ٢ /٤٤٣) وابن الأثير في " أسد الغابة " (٣ /٣٦٢) .
فهذا الحديث؛ قد رواه جماعة، عن سليمان بن بلال هكذا، جعلوه كلهم من مسند " عبد الله بن غنام ".
وخالفهم: عبد الله بن وهب؛ فرواه عن سليمان بن بلال، فجعله من مسند " عبد الله بن عباس ".
أخرج حديثه: ابن حبان (٨٦١) ، وتابعه: سعيد بن أبي مريم، عن سليمان بن بلال.
أخرج حديثه: الطبراني في " الدعاء " (٣٠٦) .
ولم يثبت ابن وهب على ذلك؛ فقد رواه مرة أخرى على الصواب " عن ابن غنام " لا " عن ابن عباس ".
أخرج حديثه: ابن السني في " اليوم والليلة " (٤١) والطبراني (٣٠٧) ، والصواب: قول من قال: " ابن غنام "، ومن قال: " ابن عباس " فقد صحف.
قاله غير واحد من أهل العلم؛ منهم: أبو نعيم، وابن عساكر وغيرهما (١) .
стр. 196
مثال آخر:
حديث: علي بن عياش، عن الوليد بن كامل، عن المهلب بن حُجر البهراني، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها: ما رأيت رسول الله ﷺ يُصلى إلى عود، ولا إلى عمود، ولا إلى شجرة؛ إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً.
أخرجه الإمام أحمد أيضاً، من طريق بقية بن الوليد، عن الوليد ابن كامل، عن حُجر ـ أو ابن حجر ـ بن المهلب، عن ضبيعة بن المقداد بن معدي كرب، عن أبيها، بنحوه.
فجعله من مسند " المقدام ـ بالميم ـ بن معدي كري "، وليس من مسند " المقداد بن الأسود ".
قال الإمام ابن رجب (١) :
" ولعل هذه الرواية ـ يعني: رواية بقية ـ أشبه؛ وكلام ابن معين وأبي حاتم الرازي يشهد له ".
قال:
" والشاميون كانوا يسمون المقدام بن معدي كرب: " المقداد "، ولا ينسبونه أحياناً، فيظن من سمعه غير منسوب أنه " ابن الأسود "، وإنما هو " ابن معدي كرب "، وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم " اهـ.
стр. 197
مثال آخر "
قال ابن أبي حاتم في " العلل " (١) :
"سألت أبي عن حديث، رواه حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ ، أنه كان إذا قام من الليل ـ فذكر الحديث في صلاة الليل.
قال أبي: هذا خطأ؛ إنما هو: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده؛ والوهم من
حماد" اهـ.
قلت: وحديث بن عباس هذا؛ يرويه حصين بن عبد الرحمن وسفيان الثوري، كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت، به.
أخرجه: مسلم (٢/١٨٢) وأبو داود (٥٨)(١٣٥٣)(١٣٥٤) والنسائي (٣/٢٣٦-٢٣٧) وأحمد (١/٣٥٠-٣٧٣) .
فلعل الحديث، كان عند حماد بن سلمة هكذا: "عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده"، فظنه حماد بن سلمة أنه "محمد بن علي بن أبي طالب"، ثم بنى على ذلك أن أباه علي بن أبي طالب، فقلب الإسناد.
والله أعلم.
стр. 198
مثال آخر:
روى: جماعة، عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: كان النبي ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين من خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ ، فقال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبل، فلم يعد يشهد مع المشركين مشاهدهم.
أخرجه: أبو يعلى (٣/٣٩٨) وابن عدي (٤/١٤٤٧) والعقيلي (٣/٢٢٢-٢٢٣) وعبد الله بن أحمد في "العلل" (٥١٦٧) والبيهقي في "الدلائل" (٢/٣٥) والخطيب في "التاريخ" (١١/٢٨٥-٢٨٦) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢٦٥) .
وهذا الحديث؛ مما أنكره الأئمة على عثمان بن أبي شيبة، وحكموا بخطئه فيه:
فقد أنكره الإمام أحمد إنكاراً شديداً على عثمان بن أبي شيبة، وقال ـ وقد سأله ابنه عبد الله عن هذا الحديث مع أحاديث أخرى ـ، قال:
"هذه أحاديث موضوعة ـ أو كأنها موضوعة، كان أخوه ـ يعني: أبا بكر ـ لا يطنف (١) نفسه بشيء من هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، نراه يتوهم هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة، اللهم سلِّم سلِّم".
стр. 199
وقال الخطيب:
"قد رواه أبو زرعة الرازي، عن عثمان، فخالف الجماعة في إسناده؛ قال: "عن سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير" بدل: "سفيان الثوري"، وعندي: أن هذا أشبه بالصواب. والله أعلم.
ثم أسند هذا الوجه عن أبي زرعة.
وقد رواه: أبو يعلى في "مسنده" بعقب الأول (٣/٣٩٩-٤٠٠) ، فقال: حدثنا عثمان: حدثنا جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن زياد بن حدير، عن النبي ﷺ ـ مثله.
وهذا مرسل؛ إلا أنه يتفق مع رواية أبي زرعة في أن الحديث ليس عن "عبد الله بن محمد بن عقيل".
وهذه الرواية المرسلة، قد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد، أن غير عثمان بن أبي شيبة رواه عن جرير بها.
فقال في "العلل" (٥١٦٧) :
"وإنما كان يُحدث به جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن حدير (١) بن زياد القمي ـ مرسل".
وكذلك قال الدارقطني، قال (٢) :
" يقال: إن عثمان بن أبي شيبة وهم في إسناده، وغيره يرويه عن
стр. 200
جرير، عن سفيان بن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير ـ مرسلاً ـ، وهو الصواب (١) .
كذا قال: " سفيان بن عبد الله "، ولم يقل " سفيان عن عبد الله "، وهذا هو الصواب، أنه " سفيان بن عبد الله بن محمد بن حدير "، وأن ما جاء في رواية أبي زرعة وأبي يعلى، وكلام عبد الله بن أحمد، الظاهر أنه تصحيف ناسخ أو طابع، صفح " بن " فقال " عن ".
وقد يكون ذلك من عثمان نفسه، إلا أن هذا لا يكون في كلام عبد الله بن أحمد؛ لأنه إنما يحكي ما رواه غير عثمان عن جرير.
وإنما رجحتُ أنه " سفيان بن عبد الله " كما جاء في كلام الدارقطني
стр. 201
؛ لأن سفيان هذا هو الذي ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير " (٢ / ٢/٩٤) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٢ / ٢ ٢٢١) وابن حبان في " الثقات " (٦ / ٤٠٥) ، وذكروا أنه يروي عنه جرير بن عبد الحميد، راوي هذا الحديث عنه.
ولم يذكروا: " عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير "، ولا " عبد الله بن زياد بن حدير "، ولا عبد الله بن حدير بن زياد ".
قال الشيخ المعلمي (١) :
" كأن جريراً روى هذا: فقال: " سفيان بن عبد الله بن محمد، عن جابر "، فتحرفت على عثمان كلمة "بن" فصارت " عن " فصار " سفيان عن عبد الله بن محمد " فظن عثمان أن " سفيان " هو الثوري؛ لأن جريراً إذا روى عن سفيان وأطلق فهو الثوري، وظن أن " عبد الله بن محمد " هو ابن عقيل، لأنه المشهور بعبد الله بن محمد في شيوخ الثوري " (٢) .
مثال آخر:
حديث: يزيد بن زريع، قال: ثنا حميد الطويل، عن يوسف بن ماهك المكي، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت لهم من مالهم مثليها، قال: قلت: أقبض الألف الذي ذهبوا به منك؟ قال: لا؛ حدثني أبي، أنه سمع
стр. 202
رسول الله ﷺ يقول: " أد الأمانة إلى من أئتمنك، ولا تخن من خانك ".
أخرجه: أبو داود (٣٥٣٤) ، وعنه البيهقي (١٠/٢٧٠) .
وكذلك؛ رواه: محمد بن أبي عدي، عن حميد.
أخرجه: أحمد (٤/٤١٤) .
فسياق هذه الرواية؛ أنها عن يوسف بن ماهك، عن رجل، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وهكذا؛ ساقه المزي في " أطرافه " (١١/٢٣٧) في فصل: " ما رواه من لم يسم، عمن لم يسم ".
لكن؛ رواه محمد بن ميمون الزعفراني، عن حميد الطويل، عن يوسف بن يعقوب، عن رجل من قريش، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ .
أخرجه: الدارقطني (٣/٣٥) ، فخالفهما في موضعين:
الأول: في يوسف بن ماهك، إذ قال فيه: " يوسف بن يعقوب ".
الثاني: في جعله الحديث من مسند " أُبي بن كعب "، لا من مسند هذا المبهم.
والظاهر؛ أنه تصحف عليه " أبي " بفتح الألف وكسر الباء، إلى " أبي " بضم الألف وفتح الباء، ثم رواه بالمعنى، فنسبه اجتهاداً لا رواية، فقال " أبي بن كعب ".
стр. 203
مثال آخر:
وقريب من هذا التصحيف الذي وقع لهذا الزعفراني؛ ما وقع لبعض الأفاضل المعاصرين، في: حديث: " إذا زوقتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار (١) عليكم ".
فقد عزاه لأبي أبي شيبة في " المصنف " (١ ١٠٠ / ٢ ـ مخطوطة الظاهرية) ، هكذا " أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد ـ مرفوعاً ".
ثم قال:
" وهذا إسناد مرسل حسن ".
ثم جاء له بشاهد موقوف على أبي الدرداء، وقواه به.
قلت: وما نقله عن " المصنف " خطأ، وإنما الذي فيه هكذا (٨٧٩٩) : " حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد عن أُبي، قال.. " ـ فذكره موقوفاً.
فالحديث في " المصنف " ـ كما ترى ـ ليس من رواية سعيد بن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ـ مرفوعاً
مرسلاً ـ، كما توهم ذلك الفاضل؛ وإنما هو من رواية سعيد بن أبي سعيد، عن أبي ـ وهو: أُبي بن كعب الصحابي المعروف ـ، موقوفاً عليه.
فكأن " عن أبي " تصحفت على ذلك الفاضل، فظنها " عن النبي " فاختصرها، وقال " مرفوعاً " بناء على ما ظن.
وبهذا يتبين أن الحديث في " المصنف " موقوف على " أُبي "، وعليه؛ فلا معنى لتقوية رفعه بالشاهد الموقوف على أبي الدرداء.
ومما يؤكد صحة ما قلت:
أن أبا داود رواه في " المصاحف " (ص ١٥٠) من طريقين، عن أبي خالد، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أُبي بن كعب
стр. 204
ـ موقوفاً.
هكذا جاء عنده: " أبي بن كعب "، منسوباً (١)
والله التوفيق (٢) .
стр. 205
الشواهد.. وتصحيف المتن
قد يقع تصحيف من قبل بعض الرواة في متن الحديث، فيقلب معناه، وربما أدى ذلك إلى إدخال الحديث في باب فقهي غير بابه، ثم يأتي من يغتر بذلك، فيجعله شاهداً لأحاديث الباب الآخر، والصواب أنه لا علاقة له بهذا الباب من قريب أو بعيد، وإنما نشأ ذلك بسبب ما وقع في متنه من تصحيف أفسد معناه.
مثال ذلك:
حديث: عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: " العجماء جرحها جُبَار، والمعدن جبار، والنار جبار، وفي الركز الخُمُس ".
أخرجه: الدارقطني (٣/١٥٣) والبيهقي (٨/٣٤٤- ٣٤٥) .
فقوله في هذا الحديث " النار جبار " خطأ وتصحيف؛ وقد قال فيه معمر راويه ـ: " لا أُراه إلا وهماً ".
ذكره الدارقطني والبيهقي.
وذكرا أيضاً عن أحمد بن حنبل، أنه قال: " النار جبار، ليس بشيء، لم يكن في الكتب، باطل ليس بصحيح ".
وأنه قال أيضاً: " أهل اليمن يكتبون النار ": " النير " ويكتبون " البير " ـ يعني: مثل
стр. 206
ذلك؛ يعني: فهو تصحيف ".
زاد الدارقطني: " وإنما لُقن عبد الرزاق: النار جبار ".
يعني: أن الذي في الكتاب " البير "، وأهل اليمن يكتبون " النار " بالياء لا بالألف، فظن بعضهم " البير " بالباء الموحد، ظنها " النير " بالنون، فقال: " النار " ورواها كذلك.
وقال الأثرم (١) : سمعت أبا عبد الله ـ يعني: أحمد بن حنبل ـ يُسأل عن حديث: " النار جبار "؟ فقال: هذا باطل؛ ليس من هذا بشيء.
ثم قال: ومن يُحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت:حدثني أحمد بن شبويه.
قال: هؤلاء سمعوا بعدما عمي، كان يُلقن فَلُقِّنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يلقنها بعدما عمي. اهـ.
وعلق عليه الذهبي في "السير" (٢) قائلاً:
"أظنها تصحفت عليهم؛ فإن "النار" قد تكتب: "النير" على الإمالة بياء على هيئة: "البير"؛ فوقع التصحيف".
ونقل ابن عبد البر (٣) عن ابن معين، أنه قال:
"أصله: "البيرجبار"، ولكنه صحفه معمر".
стр. 207
لكن؛ تعقبه ابن عبد البر، فقال:
"في قول ابن معين هذا نظر، ولا يسلَّم له حتى يتضح".
فتعقبه الحافظ بن حجر؛ قائلاً (١) :
"ويؤيد ما قال ابن معين: اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر "البئر"، دون "النار"؛ وقد ذكر مسلم: أن علامة المنكر في حديث المحدث: أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب، فيأتي عنه بما ليس عندهم؛ وهذا من ذاك".
قال: "ويؤيد أيضاً: أنه وقع عند أحمد من حديث جابر، بلفظ: "والجب جبار"، بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة، وهي: البئر" (٢) اهـ.
مثال آخر:
حديث: قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عياض الفهري، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نوَّرثه على عهد رسول الله ﷺ ـ يعني: الجد.
فهذا الحديث؛ صحف فيه قبيصة، فقال: "كنا نورثه"، والصواب: "كنا نؤديه"، ثم رواه بالمعنى الذي فهمه منه بعد تصحيفه إياه، فقال: "يعني الجد"، والصواب: "يعني: صدقة الفطر".
ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: الإمام مسلم، والإمام
стр. 208
أبو زرعة الرازي، وكذا الإمام ابن رجب الحنبلي (١) .
ونص الإمام مسلم:
" هذا خبر صحف فيه قبيصة، وإنما كان الحديث بهذا الإسناد، عن عياض [يعني: عن أبي سعيد] ، قال: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ ـ يعني: في الطعام وغيره في زكاة الفطر ـ؛ فم يُقِر قراءته، فقلب قوله، إلى أن قال: " نورثه "، ثم قلب له معنى، فقال: " يعني الجد " اهـ.
قلت: وخفيت هذه العلة على الشيخ الفاضل مقبل بن هادي الوادعي، فأدخل هذا الحديث في كتابه:
" الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين " (١ /٢٩٠ رقم: ٣٩٥) ، وقال: " حديث صحيح "!
مثال آخر: (٢) :
حديث: " إذا زار أحدكم أخاه، فلا يقومن حتى يستأذنه ".
أخرجه: أبو الشيخ في " طبقات الأصبهانين " (١٩٩) : حدثنا إسحاق ابن محمد بن حكيم، قال: ثنا يحيى بن واقد، قال: ثنا ابن أبي غَنِيَّة، قال: ثنا أبي، قال: ثنا جبلة بن سحيم، عن ابن عمر ـ مرفوعاً.
وقوله: " فلا يقومن " تصحيف؛ تصحف على بعض الرواة، والصواب: " فلا يقرنن ".
стр. 209
من الإقران؛ أي الجمع بين التمرتين.
فقد أخرجه أحمد في المسند (٢/١٣١) عن ابن غنية أيضاً، به، بهذا اللفظ: " فلا يقرنن ".
ويؤكده؛ أن الحديث مشهور عن جبلة، بهذا اللفظ، رواه عنه سفيان وشعبة وغيرهما كذلك.
أخرجه البخاري (٣/١٨١) ومسلم (٦/١٢٣) وأبو داود (٣٨٣٤) والترمذي (١٨١٤) وابن ماجه (٣٣٣١) وأحمد (٢/٦٠) والدارمي (٢/١٠٣) والبيهقي (٧/٢٨١) .
وفي بعض ألفاظه: " نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين، حتى يستأذن صاحبه ".
وفي بعضها:
" كان ابن الزبير يرزقنا التمر، وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد، وكنا نأكل، فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل، فيقول: لا نقارنوا؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه " (١) .
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
حديث موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن
стр. 210
سعيد، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ اتخذ حُجْرة من حصير في رمضان ـ الحديث.
أخرجه البخاري (٧٣١)(٧٢٩٠) .
ورواه: عبد الله بن سعيد، عن سالم، به، بلفظ:
" احتجر رسول الله ﷺ .. ".
وهو أيضاً في البخاري (٦١١٣) .
وقوله " احتجر "، أي: اتخذ حجرة؛ كما في الرواية الأولى، فجاء عبد الله بن لهيعة، فروى الحديث عن موسى بن عقبة، بهذا الإسناد، وذكر أن موسى كتب به إليه، واختصر الحديث وصحفه فقال:
" احتجم رسول الله ﷺ في المسجد ".
وقوله " احتجم " غلط فاحش؛ وإنما هو: " احتجر "، أي: اتخذ حجرة (١) .
مثال آخر:
روى: مندل بن علي، عن عمر بن صهبان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدوا يوم الفطر حتى يُغَدِّي أصحابه من صدقة الفطر.
أخرجه: ابن ماجه (١٧٥٥) والعقيلي (٣/١٧٣) .
стр. 211
وقال العقيلي:
" وقد روى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الإمام؛ وهذه الرواية أولى " (١) .
قلت: فلعل " تُؤدي " تصحفت على بعض الرواة إلى " يغدي "، فانقلب الحديث، وفسد معناه.
والله أعلم.
مثال آخر:
حديث أبي الدرداء، مرفوعاً: " لا تأكل متكئاً........ ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢٣) وابن عساكر (٤٥/٤٠٨) وابن حبان في " المجروحين " (١/٢٩٧) .
فقد تصحف في بعض الكتب " متكئاً " إلى " منكباً "، ففسد معناه.
وقد جاء على الصواب في المصادر المشار إليها، وكذلك في " مجمع البحرين " (٩٨٧)(٤٠٣٨) و " مجمع الزوائد " (٥/٢٤) و " الجامع الكبير " للسيوطي.
وعليه؛ فلا يصلح هذا الحديث شاهداً لحديث ابن عمر ـ عند أبي داود (٣٧٧٤)
وابن ماجه (٣٣٧٠) ـ، أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل هو منبطح على بطنه.
كما بين ذلك الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ بياناً شافياً في
стр. 212
" السلسلة الصحيحة " (٢٣٩٤)(١)
ومن لطيف ما يحكى في ذلك:
قال البرذعي (٢) :
قلت لأبي زرعة: بشر بن يحيى بن حسان؟
قال خراساني من أصحاب الرأي، كان لا يقبل العلم، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان، فقدم علينا، فكتبنا عنه، وكان يناظر، احتجوا عليه بطاوس، فقال ـ بالفارسية ـ: يحتجون علينا بالطيور!
قال أبو زرعة: كان جاهلاً؛ بلغني أنه ناظر إسحاق بن راهويه في القُرْعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصحاح، فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه، فوجد في كتبه حديث النبي ﷺ ، أنه نهى عن القَزَع (٣) ،
فقال لأصحابه: قد وجدت حديثاً أكسر به ظهره، فأتى إسحاق، فأخبره، فقال إسحاق: إنما هو القزع، أنه يُحلق بعض رأس الصبي، ويُترك البعض!
стр. 213
المتابعة ... والقلب
مما لا شك فيه؛ أن اتفاق الرواة على رواية حديث، من غير اختلاف بينهم، يدل على حفظهم للحديث، وعدم خطئهم فيه؛ فإن الخطأ غالباً ما يكون في الحديث الفرد، وهو عن الجماعة أبعد.
ومما لا شلك فيه، أن معرفة كون الراوي تابع غيره فيما روى فرع من ثبوت الرواية عن كل من المتابِع والمتابَع، أما مع عد صحة الرواية إليهما، أو إلى أحدهما، فلا سبيل لإثبات المتابعة؛ إذ ما بُني على خطأ فهو خطأ (١) .
وكثيراً ما يجيء الخلل في إثبات المتابعة من هذا الباب، وذلك بأن يكون الحديث معروفاً من رواية راو معين، فيأتي بعض من لم يحفظ الحديث على وجهه، فيبدل الراوي براو آخر مشارك له في الطبقة.
كخبر مشهور عن " سالم " يجعله عن " نافع "، وآخر مشهور عن " مالك "، يجعله عن " عبيد الله بن عمر " ونحو ذلك.
فيظن من لم يفطن لذلك، أن هؤلاء جميعاً قد رووا الحديث، فيثبت بمقتضى ذلك المتابعة، ويدفع التفرد.
مثال ذلك:
حديث: " الأعمال بالنيات ".
стр. 214
وهو حديث صحيح ثابت متفق عليه، والأئمة إنما صححوه من طريق واحدة، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب،
عن رسول الله ﷺ .
ولا يصح إلا من هذا الطريق؛ هكذا قال أهل العلم وأئمته (١) .
ومع ذلك؛ فقد جاءت متابعة ليحيى بن سعيد الأنصاري، بإسناد حسن في الظاهر، فلم يعتد بها أهل العلم، وتتابعوا على إنكارها.
وذلك؛ فيما رواه محمد بن عبيد الهمداني: حدثنا الربيع بن زياد الضبي: حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، به.
أخرجه: ابن حبان في ترجمة الربيع هذا من " الثقات " (٦/٢٩٨- ٢٩٩) ، وقال: " يُغرب ".
وكذلك؛ ابن عدي في ترجمته من " الكامل " (٣/٩٩٧) ، وقال:
" هذا لا أصل له عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم؛ لم يروه عنه غير الربيع بن زياد، وقد روى الربيع بن زياد عن غير محمد بن عمرو من أهل المدينة أحاديث لا يتابع عليها، وعند محمد بن عبيد، عن الربيع الهمداني أحاديث لا يتابع عليها ".
وكذا؛ أخرجه الخليلي في ترجمة الربيع من " الإرشاد " (٢) ، وقال:
стр. 215
" هو من غرائب حديثه، تفرد به عن محمد بن عمرو بن علقمة، والمحفوظ هذا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وعند الربيع لهذا أخوات ".
وقال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (١) :
" غريب جداً من حديث محمد بن عمرو، تفرد به عنه الربيع بن زياد، وما أظن رواه عنه غير ابن عبيد، وهو صدوق ".
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة الربيع من " اللسان " (٢) ، بعد أن ذكر عن ابن حبان، أنه ساق له هذا الحديث في " الثقات "، وقال " يُغْرب ".
قال الحافظ:
" وهو من غرائبه، والظاهر أنه إنما سمعه من يحيى بن سعيد، فحدث به عن محمد بن عمرو (٣) على سبيل الخطأ ".
فهكذا؛ تتابع الأئمة على إنكار هذه المتابعة، وتخطئة الراوي الذي جاء بها، وعدم الاعتداد بها في دفع التفرد، على الرغم من أن أصل الحديث صحيحة، وراوي المتابعة صدوق لا بأس به، وهو لم يخالف، بل تفرد فحسب، وقد كان بإمكان الأئمة أن يتسامحوا في إثبات هذه المتابعة التي جاء بها، ومع ذلك فلم يفعلوا، بل فعلوا عكس ذلك تماماً، وأنكروا عليه