← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9938

الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات

طارق بن عوض الله

Полный текст (449 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال العقيلي: " وقد روى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الإمام؛ وهذه الرواية أولى " (١) . قلت: فلعل " تُؤدي " تصحفت على بعض الرواة إلى " يغدي "، فانقلب الحديث، وفسد معناه. والله أعلم. مثال آخر: حديث أبي الدرداء، مرفوعاً: " لا تأكل متكئاً........ ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢٣) وابن عساكر (٤٥/٤٠٨) وابن حبان في " المجروحين " (١/٢٩٧) . فقد تصحف في بعض الكتب " متكئاً " إلى " منكباً "، ففسد معناه. وقد جاء على الصواب في المصادر المشار إليها، وكذلك في " مجمع البحرين " (٩٨٧) (٤٠٣٨) و " مجمع الزوائد " (٥/٢٤) و " الجامع الكبير " للسيوطي. وعليه؛ فلا يصلح هذا الحديث شاهداً لحديث ابن عمر ـ عند أبي داود (٣٧٧٤) وابن ماجه (٣٣٧٠) ـ، أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل هو منبطح على بطنه. كما بين ذلك الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ بياناً شافياً في

стр. 212

" السلسلة الصحيحة " (٢٣٩٤) (١) ومن لطيف ما يحكى في ذلك: قال البرذعي (٢) : قلت لأبي زرعة: بشر بن يحيى بن حسان؟ قال خراساني من أصحاب الرأي، كان لا يقبل العلم، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان، فقدم علينا، فكتبنا عنه، وكان يناظر، احتجوا عليه بطاوس، فقال ـ بالفارسية ـ: يحتجون علينا بالطيور! قال أبو زرعة: كان جاهلاً؛ بلغني أنه ناظر إسحاق بن راهويه في القُرْعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصحاح، فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه، فوجد في كتبه حديث النبي ﷺ ، أنه نهى عن القَزَع (٣) ، فقال لأصحابه: قد وجدت حديثاً أكسر به ظهره، فأتى إسحاق، فأخبره، فقال إسحاق: إنما هو القزع، أنه يُحلق بعض رأس الصبي، ويُترك البعض!

стр. 213

المتابعة ... والقلب مما لا شك فيه؛ أن اتفاق الرواة على رواية حديث، من غير اختلاف بينهم، يدل على حفظهم للحديث، وعدم خطئهم فيه؛ فإن الخطأ غالباً ما يكون في الحديث الفرد، وهو عن الجماعة أبعد. ومما لا شلك فيه، أن معرفة كون الراوي تابع غيره فيما روى فرع من ثبوت الرواية عن كل من المتابِع والمتابَع، أما مع عد صحة الرواية إليهما، أو إلى أحدهما، فلا سبيل لإثبات المتابعة؛ إذ ما بُني على خطأ فهو خطأ (١) . وكثيراً ما يجيء الخلل في إثبات المتابعة من هذا الباب، وذلك بأن يكون الحديث معروفاً من رواية راو معين، فيأتي بعض من لم يحفظ الحديث على وجهه، فيبدل الراوي براو آخر مشارك له في الطبقة. كخبر مشهور عن " سالم " يجعله عن " نافع "، وآخر مشهور عن " مالك "، يجعله عن " عبيد الله بن عمر " ونحو ذلك. فيظن من لم يفطن لذلك، أن هؤلاء جميعاً قد رووا الحديث، فيثبت بمقتضى ذلك المتابعة، ويدفع التفرد. مثال ذلك: حديث: " الأعمال بالنيات ".

стр. 214

وهو حديث صحيح ثابت متفق عليه، والأئمة إنما صححوه من طريق واحدة، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﷺ . ولا يصح إلا من هذا الطريق؛ هكذا قال أهل العلم وأئمته (١) . ومع ذلك؛ فقد جاءت متابعة ليحيى بن سعيد الأنصاري، بإسناد حسن في الظاهر، فلم يعتد بها أهل العلم، وتتابعوا على إنكارها. وذلك؛ فيما رواه محمد بن عبيد الهمداني: حدثنا الربيع بن زياد الضبي: حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، به. أخرجه: ابن حبان في ترجمة الربيع هذا من " الثقات " (٦/٢٩٨- ٢٩٩) ، وقال: " يُغرب ". وكذلك؛ ابن عدي في ترجمته من " الكامل " (٣/٩٩٧) ، وقال: " هذا لا أصل له عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم؛ لم يروه عنه غير الربيع بن زياد، وقد روى الربيع بن زياد عن غير محمد بن عمرو من أهل المدينة أحاديث لا يتابع عليها، وعند محمد بن عبيد، عن الربيع الهمداني أحاديث لا يتابع عليها ". وكذا؛ أخرجه الخليلي في ترجمة الربيع من " الإرشاد " (٢) ، وقال:

стр. 215

" هو من غرائب حديثه، تفرد به عن محمد بن عمرو بن علقمة، والمحفوظ هذا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وعند الربيع لهذا أخوات ". وقال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (١) : " غريب جداً من حديث محمد بن عمرو، تفرد به عنه الربيع بن زياد، وما أظن رواه عنه غير ابن عبيد، وهو صدوق ". وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة الربيع من " اللسان " (٢) ، بعد أن ذكر عن ابن حبان، أنه ساق له هذا الحديث في " الثقات "، وقال " يُغْرب ". قال الحافظ: " وهو من غرائبه، والظاهر أنه إنما سمعه من يحيى بن سعيد، فحدث به عن محمد بن عمرو (٣) على سبيل الخطأ ". فهكذا؛ تتابع الأئمة على إنكار هذه المتابعة، وتخطئة الراوي الذي جاء بها، وعدم الاعتداد بها في دفع التفرد، على الرغم من أن أصل الحديث صحيحة، وراوي المتابعة صدوق لا بأس به، وهو لم يخالف، بل تفرد فحسب، وقد كان بإمكان الأئمة أن يتسامحوا في إثبات هذه المتابعة التي جاء بها، ومع ذلك فلم يفعلوا، بل فعلوا عكس ذلك تماماً، وأنكروا عليه

стр. 216

هذه المتابعة، ولم يدفعوا بها التفرد، وأصروا على تفرد يحيى الأنصاري بالحديث. وهذا؛ من أدل دليل على أنه ليس كل متابعة تجيء يعتد بها، بل ذلك راجع إلى اعتبار حفظ الراوي لها، وعدم خطئه فيها، ولو كان ممن يحتج بحديثه في الأصل. مثال آخر: حديث: أحمد بن صالح المصري، عن عنبسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: زعم عبد الله بن عروة، أن أبا هريرة قال: سمعت سهل بن أبي خيثمة ـ الحديث في القسامة. أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٣٥٣٩) . وهذا إسناد ـ في الظاهر ـ حسن، ومع ذلك فقد أنكره أئمة الحديث من حديث الزهري على عنبسة هذا، منهم: أبو حاتم وأبو زرعة (١) . وقد ذهب أبو حاتم إلى أن أصل هذا الحديث من حديث خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن عبد الله بن عروة، به. فلا شأن للزهري بهذا الحديث. مثال آخر: حديث: بكير بن عمرو، عن مِشْرَح بن هاعان، عن عقبة بن عامر ـ مرفوعاً ـ: " لو كان بعدي نبي، لكان عمر ".

стр. 217

أخرجه: الترمذي (٣٦٨٦) وأحمد (٤/١٥٤) والحاكم (٣/٨٥) والطبراني (١٧/٢٩٨) والخطيب في " الموضح " (٢/٤١٤) . وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث (١) ، فقال: " اضرب عليه؛ فإنه عندي منكر ". وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان ". فمحصلة القولين: أن هذا الحديث خطأ، وأن المخطئ فيه مشرح هذا؛ لأنه هو المتفرد به. ومشرح هذا؛ وإن كان من جملة الثقات، إلا أنهم تكلموا في حفظه، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات " (٥/٤٥٢) ، وقال: " يُخطئ ويُخالف ". وقال في " المجروحين " (٣/٢٨) : " يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير، لا يتابع عليها، والصواب في أمره: ترك ما انفرد من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات ". قلت: وهذا من حديثه عن عقبة بن عامر، ومما تفرد به، ولم يتابع عليه من قِبَل الثقات ولا غيرهم، وقد أُنكر عليه كما سبق. لكن؛ جاءت متابعة له من أبي عشانة واسمه: حي بن يومن، غي

стр. 218

ر أنها متابعة لا تصح من جهة إسنادها، ثم إن راويها اضطرب فيها، فروى الحديث مرة أخرى عن مشرح على الصواب، لا عن أبي عشانة. فقد رواه: يحيى بن كثير الناجي، عن ابن لهيعة، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، به. أخرجه: الطبراني (١٧/٣١٠) . وهذا؛ لا ينفع لإثبات المتابعة لمشرح، ودفع تفرده بالحديث فابن لهيعة ضعيف الحفظ، وقد اضطرب فيه، فرواه مرة أخرى عن مشرح، عن عقبة، به. أخرجه: أبو بكر النجاد في " الفوائد المنتقاة " ـ كما في " السلسلة الصحيحة " للشيخ الألباني (٣٢٧) . وهذا هو الصواب، فالحديث حديث مشرح. والله أعلم. مثال آخر: وقد اضطرب ابن لهيعة في حديث آخر بنحو هذا الاضطراب. وهو حديث: " أكثر منافقي أمتي قراؤها ". فقد رواه مرة، فقال: عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ . أخرجه: الطبراني (١٧/٣٠٥) . وقال مرة أخرى: عن مشرح بن هاعان، عن عقبة.

стр. 219

أخرجه أحمد (٤/١٥١) والفريابي في "صفة النفاق " (٣٠ - ٣١ - ٣٢) وابن عدي (٤/١٤٨) والخطيب في "التاريخ " (١/٣٥٧) والذهبي في " السير " (٨٨ / ٢٧ - ٢٨، ٣٩٦) . وهكذا؛ اضطرب ابن لهيعة في هذا الحديث؛ إلا أن الوجه الأخير أشبه بالصواب؛ فقد توبع عليه: تابعه: الوليد بن المغيرة، عن مشرح، به. أخرجه: أحمد (٤/١٥٥) والفريابي (٣٣) . وقد استدل الإمام الذهبي ـ عليه رحمة الله ـ بهذه المتابعة على صحة هذا الوجه فقال في " السير " (٨/٢٧- ٢٨) : " هذا حديث محفوظ؛ قد تابع فيه الوليد بن المغيرة ابن لهيعة، عن مشرح ". قلت: فعاد الحديث إلى حديث مشرح، وقد عرفتَ حاله في المثال السابق. مثال آخر: حديث: حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ـ مرفوعاً ـ: " من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خموش، أو خدوش، أو كدوح في وجهه "، فقال: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال: " خمسون درهماً، أو قيمتها من الذهب ". أخرجه: أبو داود (١٦٢٦) والترمذي (٦٥٠) والنسائي (٥/٩٧) وابن ماجه (١٨٤٠) وأحمد (١/٣٨٨-٤٤١) .

стр. 220

فهذا؛ مما تفرد به حكيم بن جبير هذا، وتكلم فيه شعبة وغيره من أجل هذا الحديث. لكن؛ رواه يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، عن زُبيد اليامي، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. أخرجوه أيضاً؛ إلا أحمد. فهذه الرواية؛ فيما متابعة لحكيم من زبيد. إلا أن النقاد ـ عليهم رحمة الله تعالى ـ لم يعتدوا بتلك المتابعة، وأصروا على الحكم بتفرد حكيم بالحديث، وحكموا على هذه المتابعة بالخطأ والنكارة، وصرح بعضهم بأن الخطأ فيه من يحيى بن آدم، وهو وإن كان من الثقات، إلا أنه ليس من المبرزين من أصحاب الثوري (١) . قال عباس الدوري (٢) : " سمعت يحيى ـ وسألته عن حديث حكيم بن جبير، حديث ابن مسعود: " لا تحل الصدقة لمن كان عند خمسون درهماً " ـ " يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى بن معين: نعم، يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد، ولا نعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم؛ لو كان هذا هكذا لحدث به الناس جميعاً عن سفيان، ولكنه منكر ـ هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه ". وقال أبو بكر الأثرم (٣) :

стр. 221

قلت لأحمد: حديث حكيم بن جبير في الصدقة، رواه زبيد أيضاً؟ فقال: كذا قال يحيى بن آدم ... ". وقال الإمام النسائي (١) : " لا نعلم أحداً قال في هذا الحديث: " عن زبيد " غير يحيى بن آدم، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف ". وقال ابن حبان (٢) ؛ معلقاً على بعض رواياته: " ليس له طريق يُعرف ولا رواية، إلا من حديث حكيم بن جبير ". وقد جاء لحكيم متابع آخر، من طريق غير محفوظ أيضاً: فقد رواه: محمد بن مصعب القرقساني، عن حماد بن سلمة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. قال الإمام الدارقطني (٣) : " ووهم ـ يعني: القرقساني ـ في قوله: " عن أبي إسحاق "، وإنما رواه إسرائيل عن حكيم بن جبير " (٤) . قلت: فعاد الحديث إلى حكيم بن جبير؛ فلا متابعة. مثال آخر: حديث: " ماء زمزم لما شرب له ".

стр. 222

أخرجه: أحمد (٣/٣٥٧- ٣٧٢) وابن ماجه (٣٠٦٢) والعقيلي (٢/٣٠٣) وابن عدي (٤/١٤٥٥) والطبراني في " الأوسط " (٨٤٩) (٩٠٢٧) والبيهقي (٥/١٤٨) وغيرهم. من طريق: عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ . فهذا الحديث؛ يرويه: عبد الله المؤمل، وقد تفرد به بهذا الإسناد، لم يتابع عليه من وجه يصح؛ قال ذلك غير واحد من الحفاظ؛ كالعقيلي، والبيهقي، وابن عدي، والطبراني، وابن حجر، وغيرهم. وقد رواه: البيهقي في " السنن الكبرى " (٥/٢٠٢) من طريق فيه نظر، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، به، فذكر متابعة ابن طهمان لابن مؤمل. قال الحافظ ابن حجر (١) : " وقيل: إن راويها سقط عليه " عبد الله بن المؤمل "، ومن ثم قال البيهقي: إن ابن المؤمل تفرد به، وقد جرت عادة كثير من الحفاظ إطلاق التفرد مع أن مرادهم فيه تفرد الثقة ". وجزم بذلك في " التلخيص " (٢) ، فقال: " قلت: لا يصح عن إبراهيم؛ إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل ".

стр. 223

قلت: صدق الحافظ ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله: " لا يصح عن إبراهيم "، أما أنه أخذه من ابن المؤمل، فهذا أمر وارد، ولكنه بعيد هنا؛ لأنه لو كان كذلك لرواه أصحابه الثقات ـ أو بعضهم ـ عنه. والحاصل؛ أن متابعة إبراهيم لابن المؤمل لا تصح، فيبقى ابن المؤمل متفرداً بالحديث؛ وبهذا يَسْلَم حكم البيهقي بتفرده به، ولا يصح تعقب ابن التركماني له برواية ابن طهمان، لاسيما؛ وأنه لم يتفرد بقوله هذا، بل سبقه به غير واحد من الحفاظ، وقد سبقت الإشارة إليهم. وقد جاءت متابعة أخرى لابن المؤمل؛ وهي لا تصح أيضاً: فقد رواه: عبد الرحمن بن المغيرة، عن حمزة الزيات، عن أبي الزبير، به. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٣٨١٥) ، وقال: " لم يرو هذا الحديث عن حمزة الزيات، إلا عبد الرحمن بن المغيرة ". ... قال الحافظ ابن حجر (١) : " ومن طريق حمزة هذه؛ رويناها في " الأوسط " للطبراني؛ وأخطأ فيه راويه؛ إنما هو: عن عبد الله بن المؤمل، فهو المتفرد به ". مثال آخر: حديث: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته ".

стр. 224

فهذا الحديث؛ حديث ابن دينار، عن ابن عمر، هو المتفرد به عنه، لا يصح إلا من هذا الوجه. هكذا؛ قال الأئمة، عليهم رحمة الله تعالى. وقد رواه بعضهم، فقال: عن نافع عن ابن عمر؛ فخطأه الأئمة في ذلك. فقد رواه: يحيى بن سليم الطائفي ـ وهو صدوق في حفظه ضعف ـ عن عبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر. قال الترمذي (١) : " وهم فيه يحيى بن سليم، والصحيح: هو عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ هكذا روى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر" اهـ. وقال أبو يعلى الخليلي (٢) : " أخطأ فيه يحيى؛ لأن هذا رواه عبيد الله وغيره، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ وليس هو من حديث نافع ". وقال ابن رجب (٣) : " لا يصح عن النبي ﷺ إلى من هذا الوجه ـ يعني: عن ابن دينار ـ، ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط".

стр. 225

ورُوي من وجه آخر عن نافع، وهو خطأ أيضاً: فقد رواه: سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به. قال أبو حاتم الرازي (١) : " نافع؛ أخذ هذا الحديث عن عبد الله بن دينار؛ ولكن هكذا قال ". ورواه أبو حاتم الرازي، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . أخرجه الخليلي في " الإرشاد " (٢/٥٧٢) . وقال الخليلي: " وهذا مما نُقِمَ على أبي حاتم؛ فليس هذا من حديث نافع عن ابن عمر؛ إنما هو عند سفيان: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ورواه عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ ونافع هاهنا خطأ، وقد حدث به غير أبي حاتم، عن قبيصة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ على الصواب ". وذكر الحافظ ابن حجر في " النكت " (٢) رواية قَبيصة هذه، ثم قال: " وقد وهم فيه قبيصة؛ فقد خرجه الشيخان في " الصحيحين " من حديث الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، على المحفوظ ".

стр. 226

قال: " وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فقد سقط منه " عبد الله بن دينار " بين نافع وابن عمر؛ كما أشار إليه أبو حاتم قبل " اهـ. قلت: وهذا من الأخطاء التي تتوارد عليها الأذهان، ويتفق على الخطأ فيها الرواة، لكونها جارية على الجادة المعهودة. وقد رواه بعضهم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمرو. رواه هكذا: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن أبيه، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، به. أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٥٠) . وقال: " لم يتفرد عن سفيان، عن عمرو بن دينار؛ إلا يحيى بن حمزة، تفرد به ولده عنه؛ ورواه الناس، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار ". قال الحافظ (١) : " وهو وهم؛ والمحفوظ من حديث الثوري، عن عبد الله بن دينار، كما تقدم. والله أعلم ". قلت: وقد وقع يحيى بن حمزة في حديث آخر في مثل هذه الخطأ، فراجعه في كتابي " ردع الجاني " (ص ١٢٤) . ولعل وقوع ذلك بسبب التصحيف، فإن تصحيف " عبد الله " إلى " عمرو " سهل؛ لاسيما وأنهما مشهوران بالرواية عن ابن عمر، وبرواية

стр. 227

الثوري عنهما. وقد أبدل أحدهما بالآخر في حديث " البيعان بالخيار "، وقد سبق الكلام فيه في موضعه (١) . مثال آخر: حديث: صدقة بن موسى الدقيقي، عن فرقد السبخي، عن إبراهيم عن علقمة، عن ابن مسعود ـ مرفوعاً ـ: " كل معروف صَنَعْتَه إلى غني أو فقير، فهو صدقة ". أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٠/١١٠) وكذا في " مكارم الأخلاق " (١١٢) وابن عدي (٤/١٣٩٥) والبزار (١٥٨٢) والدارقطني في " الأفراد " (٢١٣/ب ـ أطرافه) وأبو نعيم في " الحلية " (٣/٤٩) . وقال ابن عدي ـ في ترجمة صدقة ـ: " وهذا الحديث عن فرقد؛ لا أعلم يرويه عنه غير صدقة بن موسى ". وقال البزار: " وهذا الحديث، لا نعلمه يُروى عن عبد الله، إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد ". وقال الدارقطني: " غريب من حديث فرقد السبخي عن إبراهيم، تفرد به: صدقة بن موسى الدقيقي ".

стр. 228

وقال أبو نعيم: " غريب من حديث فرقد، تفرد به عن فرقد: صدقة بن موسى " (١) . فأنت ترى الأئمة قد تتابعوا على أن صدقة بن موسى الدقيقي هو المتفرد بهذا الحديث عن فرقد السبخي، وقد اتفقوا على ذلك، واجتمعت عليه كلمتهم. لكن؛ رواه أبو نعيم في " الحلية " (٧/١٩٤) ، من طريق مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، عن شعبة، عن فرقد، به. وقال أبو نعيم: " غريب؛ تفرد به مسلم عن شعبة، ولا أعرف لشعبة عن فرقد غيره ". قلت: وهو خطأ قطعاً، ويدل عليه أمور: الأول: اتفاق الأئمة على أن هذا الحديث مما تفرد به صدقة الدقيقي عن فرقد. الثاني: أن شعبة لا يروي عن فرقد السبخي، إلا ما جاء في هذا الموضع؛ كما ذكر أبو نعيم. الثالث: أن المعروف عن شعبة بغير هذا الإسناد؛ فقد رواه جماعة من أصحاب شعبة، فقالوا: " عن شعبة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة ". وقد ذكره أبو نعيم قبل هذا، وقال: " مشهور عن شعبة ".

стр. 229

ولا أستبعد أن يكون " صدقة " تصحف إلى " شعبة "؛ فإن مسلم بن إبراهيم الفراهيدي يروي عن صدقة، كما يروي عن شعبة. وإن صح هذا؛ فالخطأ في هذا الحديث ممن دون مسلم الفراهيدي في الإسناد. والله أعلم. ومن لطيف ما جاء في ذلك: قال البرذعي (١) : " شهدت أبا زرعة، وذكر له صالح جزرة رجلاً ـ سماه له، أُنسيت اسمه ـ، فقال له صالح: روى شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: " أبردوها بماء زمزم "، فوقع على أبي زرعة الضحك العظيم مما قال؛ وذاك أن هذا ليس من حديث شعبة، إنما رواه همام ". قلت: وحديث همام؛ أخرجه البخاري (٤/١٤٦) . وبالله التوفيق.

стр. 230

الشواهد ... والقلب وقد يقع ذلك القلب أيضاً في طبقة الصحابة؛ كأن يكون الحديث مشهوراً من حديث صحابي معين، فيجعل من حديث صحابي آخر، فيظن من لا يفطن لهذا أنهما حديثان عن صحابيين، فيجعل كلاً منهما شاهداً للآخر، وليس الأمر كذلك؛ بل هو حديث واحد، عن صحابي واحد، أخطأ من جعله عن الصحابي الآخر. مثال ذلك: حديث: النهاس بن قهم، عن شداد أبي عمار، عن معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ : " ست من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم، وأن يُعطى الرجل الألف دينار فيتسخطها، وأن تغدر الروم فيسيرون في ثمانين بنداً، تحت كل بند اثنا عشر ألفاً ". أخرجه: أحمد في " المسند " (٥/٢٢٨) . فهذا المتن؛ صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ ، ولكن من حديث عوف بن مالك. أخرجه البخاري (٤/١٢٣) وغيره. وأما من حديث معاذ، فهو غريب، تفرد به النهاس بن قهم هذا، وهو ضعيف.

стр. 231

وقد ذكر الإمام أحمد (١) هذا الحديث، ثم أعله بقوله: " إنما هو: عن عوف بن مالك ". أي: لا شأن لمعاذ بهذا الحديث، وإنما هو عوف بن مالك، فلعل النهاس دخل عليه إسناد في إسناد، أو لعله أراد أن يقول: " عن عوف بن مالك " فأخطأ وقال: " عن معاذ ". ويؤيد ذلك: أن شداداً هذا لا يعرف بالرواية عن معاذ؛ فهذا إسناد غريب. ثم وجدت الإمام ابن أبي عاصم قال في كتاب " الآحاد والمثاني " ... (١٨٤٦) . " وليس يصح عن معاذ ﵁ إلا ما روى عنه أصحاب النبي ﷺ ، أو قدماء تابعي الشام، وأجلتهم " (٢) . مثال آخر " حديث: عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، أن عمر بن الخطاب قال: قال النبي ﷺ : " إن لله لأُناساً، ما هو بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة يمكانهم من الله تعالى " ـ الحديث. أخرجه: أبو داود (٣٥٢٧) والطبري في " التفسير " (١١/١٣٢) والبيهقي في " الشعب " (٨٩٩٨) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عمارة، به.

стр. 232

وهذا منقطع؛ أبو زرعة لم يدرك عمر. لكن؛ رواه قيس بن الربيع، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن عمر. أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " (١/٥) . هكذا؛ " عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير ". فإن لم تكن " عن " هذه تصحيف ناسخ أو طابع، فهي تصحيف من قيس بن الربيع نفسه؛ فإنه كان ضعيفاً. لكن؛ رواه محمد بن فضيل، فأخطأ فيه خطأ آخر. فرواه: عن أبيه، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. فجعله من مسند " أبي هريرة "، وليس من مسند " عمر "، سالكاً فيه الجادة؛ لأن أبا زرعة أكثر ما يروي عن أبي هريرة. أخرجه: ابن حبان (٥٧٣) والطبري (١١/١٣٢) والبيهقي (٨٩٩٧) ، وهذا خطأ؛ والصواب أنه من مسند " عمر "، لا من مسند " أبي هريرة ". قال البيهقي: " كذا قال: " عن أبي هريرة "، وهو وهم؛ والمحفوظ: عن أبي زرعة، عن " عمر بن الخطاب ". وأبو زرعة، عن عمر ـ مرسلاً ". قلت: فرجع الحديث إلى الطريق الأول، وهو الصواب

стр. 233

وقد سبق أنه منقطع. وبهذا؛ تدرك الخطأ الذي وقع فيه المعلق على " صحيح ابن حبان " حيث اعتبر حديث أبي هريرة غير حديث عمر بن الخطاب، ثم ذهب؛ فجعل كلاً منهما شاهداً للآخر!! مثال آخر: قال ابن ماجه (١٦٦٠) : حدثنا محمد بن عمر المقرئ: حدثنا إسحاق بن عيسى: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تُضحون ". قال الشيخ الألباني (١) : " هذا سند رجاله كلهم ثقات، غير محمد بن عمر المقرئ، ولا يعرف ـ كما في " التقريب " ـ، وأرى أنه وهم في قوله: " محمد بن سيرين "، وإنما هو " محمد بن المنكدر ". هكذا؛ رواه العباس بن محمد بن هارون وعلى بن سهل، قالا: نا إسحاق بن عيسى الطباع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، به. أخرجه: الدارقطني في " سننه " (٢/٢٢٤) . وهكذا؛ رواه محمد بن عبيد ـ وهو: ابن حساب، ثقة من رجال مسلم ـ عن حماد بن زيد، به.

стр. 234

أخرجه: أبو داود (٢٣٢٤) : حدثنا محمد بن عبيد، به. وهكذا؛ رواه روح بن القاسم وعبد الوارث ومعمر، عن محمد بن المنكدر، به. أخرجه: الدارقطني وأبو علي الهروي في " الأول من الثاني من الفوائد " (ق ٢٠/١) ، عن روح. وأخرجه: البيهقي (٤/٢٥٢) عن عبد الوارث. وأخرجه: الهروي، عن معمر، قرنه مع روح، رواه عنهما يزيد بن زريع. وقد خالفه في رويته عن معمر: يحيى بن اليمان، فقال: عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ... أخرجه: الترمذي (٨٠٢) والدارقطني (٢/٢٢٥) . وهو عندي ضعيف من هذا الوجه؛ لأن يحيى بن اليمان ضعيف من قِبل حفظه، وفي " التقريب ": " صدوق عابد، يخطئ كثيراً، وقد تغير ". قلت: ومع ذلك؛ فقد خالفه يزيد بن زريع، وهو ثقة ثبت، فقال: عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة. وهذا هو الصواب بلا ريب، أنه من مسند أبي هريرة، ليس من مسند عائشة " اهـ. انتهى كلام الشيخ الألباني حفظه الله تعالى. ويتبين مما سبق: أن هذا الحديث أخطأ فيه الرواة في موضعين؛

стр. 235

كلاهما أوهم التعدد: الأول: إبدال " محمد بن المنكدر " بـ " محمد بن سيرين "؛ والصواب: " ابن المنكدر ". الثاني: إبدال " أبي هريرة " بـ " عائشة "؛ والصواب: " أبوهريرة ". ثم قال الشيخ الألباني: " ومما سبق يتبين؛ أن رواية محمد بن عمر المقرئ عند ابن ماجه، منكرة؛ لجهالته، ولمخالفته الثقات؛ فقول أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على " مختصر السنن " (٣/٢١٣) : " وهذا إسناد صحيح جداً على شرط الشيخين " مما لا يخفى فساده " (١) اهـ.

стр. 236

المتابعة ... والإقران قد يكون الحديث حديث رجل واحد، هو المتفرد به، فيأتي بعض من يروي الحديث عنه، فيقرن معه رجلاً آخر أو أكثر، والصواب أن الحديث ليس من حديث من قرن معه، بل هو حديثه، ليس من حديث غيره. فمن لا يفطن لذلك، يظن أن الحديث من رواية هؤلاء جميعاً، فيدفع التفرد، ويثبت المتابعة، وليس الأمر كذلك. مثال ذلك: حديث: أبي أمية الطرسوسي، عن عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". هذا الحديث؛ سيأتي (١) أن أبا عاصم أخطأ في متنه، وأن الصواب بهذا الإسناد متن: " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به ". إلا أن أبا أمية الطرسوسي أخطأ على أبي عاصم في هذا الحديث خطأ آخر، حيث جعله من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ـ كلاهما ـ، عن أبي هريرة، والصواب: أنه حديث أبي سلمة وحده عنه،

стр. 237

ليس هو من حديث سعيد. قال أبو علي النيسابوري (١) : " قول أبي أمية: " عن سعيد بن المسيب " وهم منه في هذا الحديث ". وقال الخطيب عقبه: " روى هذا الحديث عبد الرزاق بن همام، وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وحده ". قلت: وكذلك أخرجه أحمد (٢/٢٨٥) من طريق محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج، مثل رواية عبد الرزاق وحجاج بن محمد. وقال الدارقطني (٢) : " وقع في إسناده وهم من أبي أمية، وهو قوله: " عن سعيد بن المسيب " مع أبي سلمة ". مثال آخر: حديث: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها، افتت بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها ـ الحديث. أخرجه: الترمذي (٢٩٠١) عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن الدراوردي، به.

стр. 238

وقد علقه البخاري في نفسه في " الصحيح " (٢/٢٥٥) ، فقال: " وقال عبيد الله بن عمر، عن ثابت ... " ـ فذكره. ورواه عنه؛ مصعب بن عبد الله الزبيري. أخرج حديثه: أبو يعلى (٦/٨٣) وابن حبان (٧٩٤) والطبراني في " الأوسط " (٨٩٨) . وكذلك؛ رواه محرز بن سلمة، عن الدراوردي. أخرج حديثه: البيهقي (٢/٦١) . وكذلك؛ إبراهيم بن حمزة. أخرج حديثه: ابن خزيمة (٥٣٧) والبيهقي. وهذا الحديث؛ مما تفرد به عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، هكذا قال غير واحد من أهل العلم. قال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه، من حديث عبيد الله بن عمر، عن ثابت ". وقال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا عبد العزيز " (١) .

стр. 239

وقال الدارقطني: " غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت؛ تفرد به عبد العزيز الدراوردي، عنه ". وقال ابن خزيمة: " غريب غريب ". لكن؛ رواه يحيى بن أبي طالب، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد وسليمان بن بلال ـ كلاهما ـ، عن عبيد الله بن عمر ". ذكر ذلك: المزي في " تحفة الأشراف " (١/١٤٧) . فهذا الوجه؛ يوهم أن الدراوردي لم يتفرد به عن عبيد الله بن عمر، وإنما وافقه عليه سليمان بن بلال. وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الرواية خطأ، أخطأ فيها يحيى بن أبي طالب هذا، وليس لذكر: " سليمان بن بلال " هاهنا معنى، وإنما هو حديث الدراوردي فقط. وذلك لأمور: الأول: أن البخاري رواه ـ كما تقدم ـ عن إسماعيل بن أبي أويس بالإسناد، ولم يذكر: " سليمان بن بلال "؛ والبخاري أتقن من مئتين من مثل يحيى بن أبي طالب وذويه. الثاني: أن الأئمة قد صرحوا بأن عبد العزيز الدراوردي قد تفرد به عن

стр. 240

عبيد الله، منهم: الدارقطني، والطبراني، والترمذي، وغيرهم، وقد سبق كلامهم. الثالث: أن الحديث قد رواه غير ابن أبي أويس، عن الدراوردي فقط، منهم: مصعب الزبيري، ومحرز بن سلمة، وإبراهيم ابن حمزة ـ كما سبق ـ ولم يقل واحد منهم: " وعن سليمان بن بلال ". والله أعلم. مثال آخر: حديث: عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِي، عن المستورد بن شداد، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره. رواه عن ابن لهيعة: جماعة، منهم: قتيبة بن سعيد، وحسن بن موسى الأشيب، وموسى بن داود، ومحمد بن حمير، وأسد بن موسى. أخرجه: أبو داود (١٤٨) والترمذي (٤٠) وابن ماجه (٤٤٦) وأحمد (٤/٢٢٩) والطبراني (٢٠/٣٠٦) والبغوي في " شرح السنة " (١/٤١٩) . وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ". لكن؛ رواه أحمد بن عبد الرحمن بن أخي أبن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، فقال:

стр. 241

" حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد ـ به. ". فقرن مع ابن لهيعة: الليث ابن سعد، وعمرو بن الحارث. أخرجه: البيهقي (١/٧٦) وابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص ٣١ - ٣٢) . فظاهر هذه الرواية؛ يوهم أن ابن لهيعة لم يتفرد بهذا الحديث، وإنما هو متابع من قِِبل هذين اللذين قرنا معه. وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الرواية خطأ، ليس لليث ولا لعمرو شأن بهذا الحديث، وإنما أخطأ ابن أخي ابن وهب حيث قرنهما معه في هذا الحديث. وابن وهب؛ كان يجمع بين هؤلاء في بعض الأحاديث التي اتفقوا على روايتها، فظن ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن أن هذا الحديث من تلك؛ وليس كذلك، بل هذا مما تفرد به ابن لهيعة. ويدل على ذلك أمور: الأول: أن ابن أخي ابن وهب، تكلموا فيه؛ وقال ابن يونس ـ وهو من أعلم الناس بالمصريين ـ: " لا تقوم بحديثه حجة ". الثاني: أنه خالفه ثقتان، روياه عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وحده، مثل رواية الناس. وهذان الثقتان، هما: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر،

стр. 242

أخرج حديثهما البيهقي (١/٧٦) . فرواية ابن أخي ابن وهب بمقتضى هذا، تكون شاذة أو منكرة. الثالث: قول الترمذي " لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة "، يدل على أن الحديث حديثه، ليس حديث غيره (١) . ومما يؤكد خطأ ابن أخي ابن وهب: أنه رواه مرة أخرى، عن هؤلاء الثلاثة، فاضطرب فيه، حيث رواه عنهم بإسناد آخر، فقال: عنهم، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ . أخرجه: أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد " (١/٣٩٩- ٤١٤) . والله أعلم.

стр. 243

الإقران.. والمخالفة وقد يكون من قُرِنَ معه يروي الحديث أيضاً، ولكنه يخالفه في إسناد الحديث أو متنه، فيجيء من يروي الحديث عنهما، ويقرن بينهما في روايته، فيحمل رواية أحدهما على رواية الآخر على الاتفاق، خطأ منه، والصواب أن بين روايتيهما اختلافاً. فمن لا يفطن لذلك، يحسب الرواة متفقين، بينما هم في الواقع مختلفون؛ فهي مخالفة، وليست متابعة. ولهذه العلة؛ لم يقبل الأئمة من كل أحد الجمع بين الرواة في الأسانيد، اللهم إلا أن يكون الراوي ممن اشتهر بالحفظ وبرز فيه، بحيث لا يختلط عليه حديث شيخ بحديث شيخ آخر، بل يميز بين ذلك. وقد كان ابن عيينة يروي عن ليث ابن أبي نجيح جميعاً، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن علي؛ حديث القيام للجنازة. قال الحميدي: فكنا إذا وقفناه عليه، لم يدخل في الإسناد: " أبا معمر "، إلا في حديث ليث خاصة (١) . وقال أبو يعلى الخليلي (٢) : " ذاكرت يوماً بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في " الصحيح "، وهو زاهد ثقة؟!

стр. 244

فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس،فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز وصهيب "، وربما يخالف في بعض ذلك! فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد؛ فيقول: " حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي "، ويجمع بين جماعة غيرهم؟! فقال: ابن وهب؛ أتقن لما يرويه، وأحفظ له " اهـ. ... وهكذا؛ يدل على أن الجمع بين الرواة في الأسانيد، لا يقبل من كل أحد، ولا من كل ثقة، لاسيما من عُهد عليه الخطأ في مثل ذلك، وجُرب عليه (١) . وبالله التوفيق. مثال آخر: وهذا؛ أحد أنواع الإدراج في الإسناد، وقد مثل له ابن الصلاح: بحديث: عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ ـ الحديث. قال ابن الصلاح (٢) : " وواصل؛ إنما رواه عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر

стр. 245

" عمرو بن شرحبيل " بينهما ". مثال آخر: وذكرالحافظ ابن حجر (١) مثالاً آخر، وهو: ما رواه: عثمان بن عمر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن حلام، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال خرج رسول الله ﷺ من بيت سودة ﵂ فإذا امرأة على الطريق قد تشوقت، ترجو أن يتزوجها رسول الله ﷺ ، وفيه: " إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه، فليأت أهله؛ فإن معها مثل الذي معها ". قال الحافظ: " فظاهر هذا السياق؛ يوهم أن أبا إسحاق رواه عن أبي عبد الرحمن وعبد الله بن حلام جميعاً، عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ وليس كذلك، وإنما رواه أبو إسحاق، عن أبي عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلاً، وعن عبد الله بن حلام، عن ابن مسعود ﵁ متصلاً؛ بينه عبيد الله بن موسى وقبيصة ومعاوية بن هشام، عن الثوري متصلاً ". مثال آخر: روى ... : عبد الرزاق (٦/١٨٤) ، عن معمر، عن ثابت وأبان، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا شغار في الإسلام ـ والشغار

стр. 246

أن يبدل الرجلُ الرجلَ بأخته بغير صداق ـ ولا إسعاد في الإسلام، ولا جَلَبَ في الإسلام، ولا جَنَبَ ". وقد أنكر الإمام أحمد وأبو حاتم الرازي وغيرهما هذا الحديث عن ثابت، وأنه إنما هو من حديث أبان فقط، لا شأن لثابت به. والظاهر؛ أن ثابتاً إنما روى عن أنس تفسير الشغار فقط، من قوله ليس مرفوعاً، وأما الحديث؛ فإنما يرويه أبان، عن أنس، عن النبي ﷺ ، فأخطأ عبد الرزاق ـ أو معمر ـ، حيث حمل رواية ثابت على رواية أبان وساقهما على الاتفاق، مُدْرجاً الموقوف الذي رواه ثابت بالمرفوع الذي جاء به أبان. ومما يقوي ذلك؛ أن عبد الرزاق روى تفسير الشغار، عن معمر، عن ثابت، عن أنس، من قوله بعده بأحاديث، من غير ذكر القدر المرفوع في روايته. وراجع كتابي في علل الأحاديث، فقد بينت فيه علة هذا الحديث، وشرحتها شرحاً مفصلاً. والله الموفق. مثال آخر: ما يرويه: عمرو بن عاصم، عن همام وجرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل. أخرجه: الترمذي في " الجامع " (٢٠٥١) و " الشمائل " (٣٥٧) والحاكم (٤/٢١٠) .

стр. 247

وهذا؛ يوهم أن هماماً يروي الحديث كمثل ما يرويه جرير بن حازم، من غير اختلاف بين روايتيهما، وليس كذلك؛ وإنما يرويه همام بن يحيى، عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلاً، بدون ذكر " أنس بن مالك " في الإسناد. هكذا؛ رواه عنه: عفان بن مسلم. أخرجه: ابن سعد (١/٢/١٤٥) ويؤكد ذلك؛ أن الأئمة أنكروا وصل هذا الحديث على جرير بن حازم، وذكروا أن الصواب فيه الإرسال. قال ابن رجب (١) : " وقد أنكروا عليه ـ يعني: جريراً ـ أحمد ويحيى وغيرهما من الأئمة أحاديث متعددة، يرويها عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وذكروا أن بعضها مراسيل أسندها؛ فمنها: حديثه بهذا الإسناد في الذي توضأ وترك على قدمه لمعة لم يصبها الماء. ومنها: حديثه في قَبِيعة سيف النبي ﷺ ، أنها كانت من فضة، ومنها: حديثه في الحجامة في الأخدعين والكاهل " اهـ. مثال آخر: وقد وقع عمرو بن عاصم في نفس الخطأ في حديث قبيعة سيف النبي ﷺ الذي ذكره الإمام ابن رجب، وذكر عن الأئمة أنهم أعلوه بالإرسال. فقد رواه: عمرو بن عاصم، فقال: حدثنا همام وجرير، قالا: حدثنا قتادة، عن أنس، ـ فذكره.

стр. 248

أخرجه: النسائي (٨/٢١٩) وابن سعد (١/٢/١٧٢) . وأيضاً الطحاوي في " المشكل " (١٣٩٩) ؛ لكن ليس عنده ذكر جرير. والصواب؛ الذي رجحه أهل العلم: أن الذي يرويه هكذا هو جرير فقط، وأنه هو المتفرد به عن قتادة، وأنه أخطأ فيه، والصواب الذي يرويه أصحاب قتادة: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة ـ أي: مرسلاً. فقد أنكره العقيلي على جرير في ترجمته من "الضعفاء" (١/١٩٩) ، وابن عدي (٢/٥٥٠) أيضاً. وقال البيهقي (١) : "تفرد به جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس؛ والحديث معلول". ثم ذكره من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن ـ مرسلاً (٢) . ثم قال: "وهذا مرسل وهو المحفوظ". وقد أنكره أيضاً وجزي نصر بن طريف على جرير بن حازم، وذكر أن الصواب أنه عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً. ذكر ذلك عبد الله بن أحمد، عن أبيه في "العلل" (٣١٢) (١٢٨٨) ، وعنه العقيلي في ترجمة جرير (١/١٩٩) . وأبو جزي، وإن كان ضعيفاً؛ إلا أن الإمام أحمد قال عقب قوله

стр. 249

وإنكاره على جرير: "وهو قول أبي جزي ـ يعني: أصاب ـ، وأخطأ جرير". وقال الدارمي (١) ، بعد أن خرج رواية جرير الموصولة: "هشام الدستوائي خالفه؛ قال: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن النبي ﷺ ؛ وزعم الناس أنه هو المحفوظ". وكذلك؛ ذهب إلى الحكم بأن الحديث مرسل الإمام أبو حاتم الرازي (٢) . وقد سبق؛ أن الذي يرويه عن قتادة مرسلاً هشام الدستوائي، وأضاف إليه العقيلي (١/١٩٩) شعبة بن الحجاج، وهما من أثبت أصحاب قتادة ومن أعرف الناس بحديثه. وأيضاً: أبو داود رجح الرواية المرسلة: فقد أسند في " سننه " (٣/٦٨-٦٩) في " باب: في السيف يحلى " ثلاثة أحاديث. الأول: حديث جرير هذا، برقم (٢٥٨٣) . والثاني: حديث سعيد بن أبي الحسن المرسل، برقم (٢٥٨٤) . والثالث: حديث عثمان بن سعد، عن أنس ـ بمثله، برقم (٢٥٨٥) . ثم قال: " أقوى هذه الأحاديث: حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية

стр. 250

ضعاف ". ومما يؤكد ذلك: أن في رواية أبي داود لحديث قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن: زيادة من قول قتادة، وهي: " قال قتادة: وما علمت أحداً تابعه على ذلك ". يعني: سعيد بن أبي الحسن. وهذا؛ يقتضي أن قتادة لا يعرف هذا الحديث إلا عن سعيد بن أبي الحسن، ولو أنه كان عنده موصولاً عن أنس، لما جاز له أن يقول ذلك. فإن قيل: إن أبا عوانة قد رواه أيضاً، عن قتادة، عن أنس. أخرج حديثه: الطحاوي في " المشكل " (١٣٩٨) . قلت: ليس: هذا بذاك؛ فإن راويه عن أبي عوانة عند الطحاوي، هو: هلال بن يحيى الرأي، وهو ضعيف، لا يعتد بروايته. وقد ذكره ابن حبان في " المجروحين " (٣/٨٧-٨٨) ، وساق له هذا الحديث بعينه، وأنكره عليه، وقال: " كان يخطئ كثيراً على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد "!
следующие страницы →