تكوين أجسام مضادة لها، فإذا انتقل إليه فيروس أو بكتريا عن طريق المشيمة فتك به بسهولة, وأدى إلى الإجهاض, أو أعاق نموه في الرحم, وجاء وليدًا مشوهًا, من ذلك:
إن إصابة الأم الحامل بأحد الأمراض المعدية مثل: الحصبة الألمانية rubella أو مرض الزهري syphilis وخاصة في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل ينتقل من الأم الحامل إلى الجنين, مما قد يسبب له أمراضًا أو تشوهات مثل: الصمم أو العمي أو البكم أو أمراض القلب وضمور المخ, microcephaliak, كما قد يعاني من تأخر في نموه الجسمي والعقلي, وبالتالي يكون الطفل متخلفًا عقليًّا.
وجدير بالذكر أن الحصبة الألمانية تخضع الآن لعمليات التطعيم، وينصح بتطعيم الأطفال الإناث بشكل خاص بمصل الحصبة الألمانية، وبهذا فإنه من المتوقع تبعًا لذلك أن تقل أو تنعدم إصابات التخلف العقلي المسببة عن الحصبة الألمانية.
اضطرابات التمثيل الغذائي أو عملية الهدم والبناء عند الأم الحامل, فلقد أمكن التعرُّف حتى الآن على حوالي ٩٠-١٢٠ نوعًا من الأمراض التي تصيب الجنين نتيجة لذلك, ومنها: التخلف العقلي الذي يحدث نتيجة اضطراب عمليتي الهدم والبناء بسبب طفرة في الجينات, تسبب اختفاء نشاط إنزيمي معين، أو اضطرابه فيما يتصل بالعمليات المرتبطة بالبروتينيات, كما في حالات الفينيل كيتونيوريا المعروفة باسم PKU، أو اضطراب في التمثيل الدهون، أو الكربوهيدرات كما في حالات الجلاكتوسيميا galactosemia وقد سبق أن أوضحنا ذلك.
كما أن اختلاف فصائل دم الوالدين قد يسبب التخلف العقلي، خاصة إذا كانت الأم تحمل "-rh"، وكان الأب يحمل "+ rh"، فإن الجنين حينئذ يرث عن الأب "+ rh" فيحدث اختلاف بين دم الجنين ودم الأم الذي يقوم بدوره بتكوين أجسام مضادة لدم الطفل تنتقل إلى الجنين عن طريق الحبل السري فتهاجم دم الجنين وتقتل الخلايا العصبية, وقد تحدث مضاعفات تقتل الجنين، وتحدث مثل هذه الحالات بعد الحمل الأول. "شكل: ٣٤".
стр. 107
- بالإضاة لذلك, فإن اضطرابات التسمُّم العضوي التي تصيب الأم يمكن أن تنتقل إلى الجنين عن طريق الحبل السري وتؤثر في الجهاز العصبي للجنين فيولد متخلفًا عقليًّا, كما أن إصابة الأم الحامل بمرض الحمى الصفراء يؤدي إلى إصابة الجنين بمرض الفراء المخية, ويسبب التخلف العقلي.
- تعرُّض الأم الحامل لصدمة آلية في بطنها يصل تأثيرها للجنين قد تؤثر على جهازه العصبي، خاصة أن دماغ الجنين وهي لينة تتأثر بالصدمة مما يؤدي إلى إتلاف بعض مراكز المخ، وقد يؤدي إلى إصابته بالصرع.
- بالإضافة لما سبق فإن إصابة الأم ببعض الاضطرابات الهرمونية يؤثر على الجنين، من ذلك: إصابة الأم بمرض السكر يؤدي إلى اضطرابات هرمونية عند الجنين، كما أن نقص إفراز الغدة الدرقية لدى الأم ينتج عنه خمول الغدة الدرقية للجنين, مما ينتج عنه نقص في النمو والتأخر العقلي. "شكل: ٣٥".
стр. 108
- كذلك فإن صغر حجم رحم الأم يؤثر بدوره في الجنين، فلا يعطيه فرصة الحركة المعتادة اللازمة للأرجاع العصبية البسيطة التي تظهر في منتصف فترة الحمل.
شكل "٣٥" طفل رضيع كانت الأم مصابة بتضخم الغدة الدرقية أثناء الحمل.
٢- سوء تغذية الأم الحامل:
أوضحت الدراسات والأبحاث الطبية والغذائية أن الغذاء من العناصر الأساسية والضرورية لصحة الأم الحامل وجنينها، ذلك أن حصول الحامل على غذاء صحي مناسب يساعد على نمو جنينها نموًّا طبيعيًّا. فالحامل التي يحتوي جسمها على نسبة عالية من عنصر الكالسيوم مخزونًا بعظامها، من السهل أن تحفظ لجنينها إمدادًا كافيًا من هذا العنصر، ذلك لأن الجنين يحصل على متطلباته الغذائية من مدخرات الأم، أما إذا كانت المدخرات غير كافية, وهبطت إلى نقطة النقص عند الأم, عجز الجنين على الحصول على عناصره الضرورية, وأثَّر هذا بالتالي على نموه.
ولقد أوضح موناجو montago "١٩٧٢" أن الحامل التي تتناول أغذية متكاملة خلال حملها ينمو جنينها نموًّا طبيعيًّا وتلد طفلًا يتمتع بصحة جيدة.
كما أوضحت دراسة كابلان kaplan "١٩٧٢" أن الحامل التي ينقصها الغذاء الجيد ينمو جنينها نموًّا غير طبيعي, وتنجب طفلًا يتميز بنقص الوزن وانعدام الصحة, بل والإصابة ببعض الأمراض، كما أوضحت دراسات أخرى أن الأمهات اللاتي يعانين من نقص في الغذاء غالبًا ما يلدن أطفالًا بهم نقص جسمي أو عقلي أو اضطراب نفسي شديد, وأوضحت دراسات كوخ koch "١٩٨٦" أن نقص فيتامين "ب١٢" في غذاء الأمهات الحوامل يؤذي جهازها العصبي, ويؤدي إلى ولادة صغارٍ مشوهين جسميًّا وعقليًّا, وما مشكلة البلاجرا في بعض الدول الفقيرة إلّا نتيجة لسوء التغذية أثناء الحمل.
стр. 109
وقد أشار فيرنون p.e. vernon إلى أن عدم كفاية التغذية أو سوء التغذية يؤثر تأثيرًا سيئًا على نمو الجنين, خاصة في الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل، وعلى نمو الطفل في الأربع سنوات الأولى بعد الولادة, وهي الفترة التي يكتمل فيها نمو الدماغ والأعصاب, كما وجد باسامنيك pasamainc "١٩٦٦" أن سوء تغذية الأمهات الحوامل يجعلهن معتدلات الصحة كثيرات المرض متوترات أثناء الحمل, يؤدي إلى الولادة قبل الأوان أو الولادة العسرة، ونقص نمو الأجنة، وارتفاع نسبة الوفيات، والصرع، وشلل الدماغ، والاضطرابات العقلية بين الأطفال.
ولقد أظهرت الدراسات التي أجريت في شيلي وجواتيمالا وجنوب أفريقيا أن الأطفال الذين يتعرضون لسوء التغذية في مرحلة ما قبل الميلاد لا يمكنهم أن يصلوا إلى المستوى العقلي الذي يصل إليه زملاؤهم ممن لا يواجهون مثل هذه الظروف, حتى ولو أعطوا بعد ذلك ما يعوض هذا النقص.
وأكدت دراسة أخرى أجريت في الولايات المتحدة على أطفال أمريكيين عانت أمهاتهم من نقص شديد في البروتين أثناء النصف الثاني من فترة الحمل "حيث تكون حاجة الجنين إلى البروتين أكثر ما يمكن"، وبمقارنة هؤلاء الأطفال بمجموعة أخرى كانت أمهاتهم تتمتع بصحة جيدة, وجد أن المحرومين كانوا أقل وزنًا عند الولادة، وبمتابعة المجموعتين حتى سنّ الرابعة وجد أن الأطفال الذين حرموا من البروتين كانوا أقل ذكاءً من المجموعة الثانية.
ويفسر تأثير سوء التغذية أثناء الحمل على الطفل بأن الحرمان الغذائي في هذه الفترة المبكرة من العمر يصعب تعويض العجز الذي يسببه.
٣- الحالة النفسية للأم الحامل:
الناحية الانفعالية للأم الحامل لها تأثيرها الواضح على الجهاز العصبي المركزي, وكذلك على الغدد الصماء التي تفرز هرموناتها في الدم مباشرة، وأن وطأة الانفعالات الشديدة التي تتعرّض لها الأم الحامل تحدث أثار كبيرة على هذه الأجهزة العصبية والبيوكيميائية, فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن حال الأم من الناحية الانفعالية أثناء حملها له تأثيرات هامة في مجرى نمو الجنين, وبالتالي في صحته وتوافقه في المستقبل.
стр. 110
كما أظهرت بعض الدراسات بوضوح أن الحالة النفسية السيئة للأم الحامل أثناء حملها يسبب تأثيرات ضارة على الجنين "١٩٨٠، tylor". ويرجع ذلك لسببين:
الأول: إن الرحم والجهاز التناسلي للأم يرتبط ارتباطًا شديدًا بالجهاز العصبي اللإرادي بشقيه السمبتاوي والباراسمبتاوي, وفي أثناء الانفعال يستثار هذا الجهاز ويختل التوازن بين شقيه السمبتاوي والباراسمبتاوي فيحدث اضطرابًا في الانقباضات الرحمية, وفي سير الدورة الدموية الجنينية الأموية.
والسبب الثاني: يرجع إلى أن الحامل إذا ما تعرضت لانفعال شديد, فإن نسبة الأدرينالين الذي تفرزه الغدة الكظرية يزداد في دمها, مما يحدث حالة من التوتر العصبي، ويلحق هذا التوتر بالجنين عن طريق زيادة نسبة الهرمون في دمه المرتبط بالدورة الدموية للأم, وتكون النتيجة النهائية هي مضاعفة حركة الجنين داخل الرحم, فيستنفذ الغذاء في هذه الحركة الزائدة بدلًا من استنفاذها في النمو.
وفي دراسات حول الحمل غير الشرعي وجد أن الحالة الانفعالية التي تعانيها الأم الحامل التي تحمل جنينها بدون رغبة, فلا تعتني بصحتها ولا بغذائها، وتبذل ما في وسعها للتخلص منه، وتظل في حالة من التوتر والقلق, خاصة عندما تفشل في التخلُّص من الجنين, فتقبل وجوده في أحشائها على مضض منها. وتؤدي هذه الظروف الرحمية السيئة التي تعيشها الأجنَّة غير الشرعية إلى زيادة نسبة الولادات المشوهة والمتخلفة عقليًّا.
٤-التدخين أثناء الحمل:
أشارت الدراسات إلى أن نسبة ولادة أطفال مشوهين من الأمهات الحوامل المدخنات أو المدمنات على تعاطي المخدرات والكحوليات أعلى منها عند الأمهات الأخريات, فقد أشار فيرنون vernon إلى أن تدخين الأم يؤدي إلى الإجهاض أو الولادة قبل الأوان, وإلى زيادة نسبة الوفيات بين الأطفال الرضع، ويرجع ذلك إلى
стр. 111
حرمان الجنين من الدم النقي، ذلك أن الدم يصل من الأم إلى الجنين وفيه نسبة كبيرة من ثاني أكسيد الكربون, وبالتالي نسبة أقل من الأكسجين. ولقد أوضحت البحوث أن تأثير تدخين الأم الحامل لسيجارة واحدة يؤثر في نشاط دقات قلب جنينها، وأن الأمهات الحوامل اللاتي يدخن السجاير قد يلدن أطفالًا غير مكتملي النمو prematurity.
وفي دراسة أجراها جولدشتين goldstein "١٩٧٢" على عشرة آلاف طفل بريطاني تفوق أطفال الأمهات غير المدخنات على أطفال الأمهات المدخنات في التحصيل الدراسي والذكاء، وكانت الفروق دالة إحصائيًّا. ووجد برومان وآخرون broman et al "١٩٧٥" أن الأمهات المدخنات ينجبن أكثر من غيرهن أطفالًا ضعاف البنية ناقصي النمو، منخفضي الذكاء, وأشار ييروشالني yerushaineg "١٩٧٩" إلى أن تدخين الأم أكثر تأثيرًا من تدخين الأب على نمو الجنين؛ لأن وجود النيكوتين في دم الأم يؤذي الجنين جسميًّا ونفسيًّا، ولكن يزداد تأثير التدخين على الجنين إذا كان كلا الوالدين من المدخنين.
٥- الإدمان على الكحوليات والمخدرات:
وبالنسبة للمخدرات فإلى جانب أثارها الخبيثة على الأم، فقد تَمَّ اكتشاف تغيرات تطرأ على الجنين من جراء تعاطي المخدرات:
- فلقد وجد أن الأطفال الذين يولدون من أمهات يتعاطين المخدرات يكونون في حالة هدوء زائد عند الولادة، ويبدو عليهم نوعًا من "الدَّوَخَان" أو الدوار، وهذا يجعل الحركات العشوائية أقل نسبيًّا، مما يترتب عليه تعطيل النمو العضلي أو الجسمي بشكل عام, وقد يولد الجنين مصابًا بتلف في خلايا المخ، وقد يختنق عند الولادة؛ لأنه لا يكون قادرًا على تحمل ضغط عضلات جدران الرحم أثناء عملية الولادة.
- ولقد أشار كوخ koch "١٩٦٨" إلى زيادة نسبة التشوّهات الخلقية في ولادات الأمهات المدمنات والمتعاطيات للمخدرات والخمور والحبوب النفسية، وترتفع هذه التشوهات في الأجنَّة إذا كان كلا الوالدين من المدمنين على المخدرات أو الخمور.
стр. 112
- وفي دراسات أخرى: وجد أن الأمهات المدمنات على الهيروين والمورفين أنجبن أطفالًا مضطربين نفسيًّا, كما أن تعاطي عقار الهلوسة lysergic acid "وهو عقار يستخدم في علاج بعض حالات الهستريا" وجد أن له أعراضًا جانبية, منها: تحطم كروموسومات وخلايا الأجنة التي لم تولد بعد، ويسبب التخلف العقلي.
- وفي دراسة لجونز وآخرون johnz el al "١٩٧٣" وجد أن ٤٠% من المدمنات على شرب الخمور أنجبن أطفالًا مصابين بالميكروسفالي "صغار الجمجمة"، أو أطفالًا يعانون من تشوهات القلب وضعف في التآزر الحركي والعضلي, وفي دارسة أخرى له سنة ١٩٧٤ على ٢٣ سيدة من الحوامل مدمنات على شرب الخمور مات أربعة من أطفالهن أثناء الولادة، وظهر على ١٣ طفلًا التخلف العقلي أو التشوهات الجسمية، ٦ أطفال كانوا يعانون من اضطرابات نفسية من أعراض الاكتئاب، والإنسحابية، والنشاط الزائد، وضعف التآزر الحركي.
شكل "٣٦" طفل لديه أعراض الكحوليات أثناء الفترة الجنينية, لاحظ وجود شحوب أعلى الشفاه، عينان واسعة، عظام مفلطحة.
٦- سوء استعمال الأدوية:
يجب أن نشير في البداية إلى أن كل الأدوية التي تتناولها الأم الحامل تكون قادرة على الوصول إلى المشيمة placenta وتؤثر في الجنين, وثبت أن كثيرًا من الأدوية التي تتداوى بها الأمهات الحوامل يؤثر بعضها تأثيرًا سيئًا على الأجنَّة ويؤدي إلى تشوهًا جسميًّا وذهنيًّا, من ذلك:
стр. 113
- أوضحت نتائج أبحاث مونتاجو montago ١٩٧٠، أن أبسط الأدوية كالإسبرين له تأثير ضار ومخيف على أجنَّة فئران المعامل، وذلك أنه عندما أعطيت فئران التجارب إسبرين من اليوم السادس حتى اليوم الأخير للحمل كانت النتائج مخيفة للغاية، فقد وجد أن نسبة الوفيات مرتفعة في أجنة فئران المعامل, وبها تشوهات وعيوب تكوينية وخلقية واضحة.
- وأوضحت بعض الدراسات أن استعمال الحامل لحبوب الإجهاض quinine إذا لم يتمّ الإجهاض، جاء الوليد أصمًّا أبكمًا.
- كما أن بعض المضادات الحيوية لها تأثيرات خطيرة على الأجنة، ولا ننسى المآسي التي نتجت عن تعاطي الحوامل دواء الثاليدوميد thaildomide, فقد كان هذا العقار سببًا في تشوه الآلاف من الأطفال الأبرياء.
- كما أن مادة الكينين التي تعالج الملاريا لها تأثير على السمع, وتؤدي إلى إحداث الصمم للأجنة التي لم تولد بعد.
وعلى ذلك: يجب ألّا تتناول الأم الحامل العقاقير إلّا تحت الإشراف الطبي، ويعرف الأطباء أنواعًا كثيرة من الأدوية تؤثر تأثيرًا سيئًا على نمو الأجنة, فلا يصفونها للحوامل, كما أن جميع الأدوية التي تؤثر على الجنين يكتب تحذيرًا عن مخاطر استخدامها بالنسبة للأم الحامل، ومن ثَمَّ كان على الأم عدم استعمال أي نوع من الأدوية إلّا بعد استشارة طبيبها.
٧- عمر الأم الحامل:
أوضحت الدراسات أن هناك علاقة ذات دلالة بين المتاعب والمصاعب أثناء الحمل والفشل في الولادة "الإحهاض" من ناحية, وبين عمر الأم الحامل من ناحية أخرى، وأن أفضل سنوات الحمل هي ما بين العشرين والثلاثين سنة, وإن كان هناك الآلاف من النساء تقل أعمارهن عن العشرين أو تزد عن الثلاثين يحملن بنجاح.
كما أوضحت نتائج الدراسات التي تتبَّعت رعاية حمل النساء كبار السن "٣٥-٤٥" أنهن يعانين من صعوبات بالغة من عمليات الحمل والولادة، وأنه
стр. 114
كلما زادت أعمار الحوامل زادت إصابة أطفالهن بحالات الضعف العقلي، كما أن بعض النساء اللاتي يحملن في سن متقدمة يسهمن في إنجاب أطفال ناقصي النمو.
ولعل هذا يرجع إلى تدهور وظيفة التناسل عند بعض النساء المتقدمات في السن.
ولعدم اكتمال ونضج الجهاز التناسلي للنساء صغيرات السن فإن حملهن يواكبه حالات أطفال حديثي الولادة ناقصي النمو, وكذلك حالات إجهاض متكررة, ولذا يفضل زواج الفتاة بعد سن العشرين لاعتبارات متعلقة بالنضج الجسمي والاجتماعي والنفسي.
٨- تعرض الأم للإشعاع:
كانت أشعة × تستخدم بالنسبة للأم الحامل بدون تحفظ، بل إنها كانت تستخدم للتأكد من وجود الحمل, وكطريقة لتحقيق بعض انطباعات الطبيب عن الجنين، إلّا أن أحد الأطباء اكتشف في الثلاثينات من ق٢٠ تشوه جنين أم كانت تعاني من سرطان الرحم, وعالجها بالإشعاع وهي حامل, كما تبين من الدراسات على الأمهات الحوامل في مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين بعد ضربهما بالقنابل الذرية في الحرب العالمية الثانية أن الأمهات اللاتي تعرضن لإشعاعات هذه القنابل وهن في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل ولدن أطفالًا مشوهين. كما أثبتت الدراسات التي أجريت على الحيوانات الحوامل أن تعرضها للإشعاعات أدى إلى تشوه أجنتها.
ومن هنا: أصبح من القواعد الطبية المسلَّم بها عند الأطباء عدم فحص الأم الحامل بالأشعة إلّا عند الضرورة القصوى، بل ينصح بعضهم بالإجهاض إذا اضطر إلى فحص الحامل بالأشعة في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل, وتأكده من تشوه الجنين أو إصابته بالتخلف العقلي. فالإشعاع قد يؤدي إلى عيوب يمكن توريثها إلى جانب العيوب الولادية, فالجنين، وخاصة في فترة الانقسام، يكون معرضًا بشكل خاص للإصابة بالأضرار المختلفة إذا ما تعرَّض للإشعاع, وأن التعرض للإشعاع العميق، وخاصة في منطقة الحوض وفي المراحل الأولى للحمل قد تحدث أضرارًا مختلفة للجنين, منها: الاضطرابات العصبية، التخلف العقلي، فقدان البصر، أو التشوه الخلقي بشكل أو بآخر, وإذا حدث هذا التعرض دون علم الطبيب أو الوالدين فقد يوصى بعملية الإجهاض.
على أن تسليط الأشعة على مناطق أخرى غير منطقة الحوض كعمل أشعة على الأسنان مثلًا: فإن ذلك قد لا يتسبب عنه أي ضرر إذا ما عزلت منطقة الحوض.
стр. 115
ثانيًا: البيئة بعد الولادية:
يمكن تقسيم المحددات البيئية بعد الولادة إلى أربعة مؤثرات على الأقل, تتفاعل فيما بينها في تأثيرها على النمو الإنساني بصورة يصعب الفصل بينها إلّا لغرض الدراسة, من هذه المحددات البيئية مما يلي:
أ - البيئة الطبيعية "الجغرافية":
يقصد بالبيئة الطبيعية: الظروف المادية المحيطة بالفرد من عوامل جغرافية ومكانية؛ كالطقس والمناخ, وموارد وإمكانات مادية تؤثر على نمو الفرد، من ذلك:
- الهواء النقي: حيث ثبت أن أطفال السواحل والريف ينمون أسرع من أطفال المدن المزدحمة بالسكان المعرّضة لتلوث البيئة.
- أشعة الشمس: حيث لها تأثيرها في سرعة النمو وخاصة الأشعة فوق البنفسجية.
- تلعب البيئة الجغرافية دورًا هامًّا في تحديد خصائص النشاط السكاني, وما له من تأثير في خصائص الأفراد؛ حيث نجد لسكان المناطق الزراعية سمات تختلف عن سمات سكان المدن، وسمات هؤلاء وهؤلاء تختلف عن سمات سكان الصحاري وسكان الجبال "وإن كان للعامل الثقافي أثره في تبلور هذه السمات".
- بالإضافة لذلك: فقد ثبت أن البلوغ يحدث مبكرًا نسبيًّا في البلاد المنخفضة عنه في البلاد المرتفعة، كذلك قد يلاحظ أن تكوين الشخصية لدى سكان المناطق الجبلية قد يختلف عنه لدى سكان السهول "هدى برادة، فاروق صادق: ١٩٨٥، ٤١، عبد الرحمن سليمان: ١٩٩٧، ٥٢١".
стр. 116
٢- البيئة التاريخية "الزمانية":
يقصد بالبيئة التاريخية: ظروف العصر الذي يعيش فيه الفرد, ومستوى التطور الذي أحرزه المجتمع في المستوى الحضاري بإنتاجه، وأدواته، ورموزه في سياق العملية التاريخية، تلك الحضارة التي تتفتح فيها إمكانات الأطفال, فالتغيُّر الاجتماعي أصبح سُنَّة من سنن المجتمع، وزادت سرعة التغير في الفترة الأخيرة التي بدأت مع القرن العشرين، وقد حدث ذلك بسبب بعض العوامل, منها: كثرة الاكتشافات والاختراعات العلمية، والانفجار المعرفي, وثورة المعلومات التي نعيشها، وثورة المواصلات التي جعلت من العالم كله قرية صغيرة يتعرف كل طرف فيها ما يحدث في بقية الأطراف.
ومما لا شك فيه: أن العامل الحضاري للمجتمع له تأثيره على نمو الطفل وتفتحه، ولا شكَّ أن الإنسان الذي عاش في ق١٨ غير الإنسان الذي عاش في ق١٩ إبَّان الاحتلال، وهذا بدوره يختلف عن الإنسان الذي عاش في النصف الأول ق٢٠، كما أن الإنسان المعاصر يختلف عن سابقيه في: خصائصه، وسماته العقلية والفكرية، وتطلعاته وآماله، وقلقه، وانفعالاته، وعلاقاته الاجتماعية، وصراعاته وإحباطاته، وكل ذلك يمثل مكونات شخصية, وعامل من العوامل المؤثرة في النمو الإنساني.
٣- البيئة الثقافية:
يقصد بالبيئة الثقافية: ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه الفرد, وهناك تعريفات كثيرة للثقافة -ليس هذا مجال سردها أو التفريق بينها- ونكتفي هنا بما أورده دسوقي "١٩٧٦" من أن كل ما يفعله المرء ويفكر فيه أو يشعر به، كل ما لديه من رغبات أو حاجات أو معتقدات تأتي من ذات نفسه, أو يجدها في الآخرين، هو إلى حد كبير ما نطلق عليه عادة "الثقافة".
فكل ما نتعلمه أو نكتسبه اجتماعيًّا من عادات ومهارات، من اتجاهات، ومُثُل عليا، أو ما تخلف لنا من معارف عقلية أو أشياء أو طرز مادية, يصبح ثقافة لنا, وطريقة لسلوك حياتنا.
стр. 117
وتصنف الثقافة إلى عدة وجوه:
١- الأشياء المادية: كالمباني، والعدد، والأدوات المستخدمة في البيئة.
٢- هيكل أنماط السلوك: من عادات، وأنشطة، ومهارات الناس الذين استخدموا هذه الأشياء.
٣- الأنماط العقلية التي لا تقل واقعية في تركيب الثقافة من الأشياء والعادات، وتشمل هيكل العواطف، والاتجاهات، وأنواع التفكير التي تحددها الثقافة وتعكسها، أي: القيم الإنسانية من شعر، وموسيقى، وحلي ونظافة، وعري أو ملبس.. وغيرها مما يستمد من الثقافة لا من الطبيعة الأصلية.
٤- التنظيم الاجتماعي وتراكيب المنظمات من حيث علاقتها بالسلطة، والقوانين، والملكيات، وعلاقات الأسرة.
٥- العناصر الرمزية للثقافية؛ كأدوات لا مادية من: لغة، ورسوم، ورياضيات، ووسائل أخرى تمثل العالم الواقعي وتمكّن من الحكم.
٦- تنظيم الفكر كوجه أخير للثقافة يشمل كل هيكل العلم، والفلسفة، والمعتقدات الدينية، والسحر.. إلخ. "كمال دسوقي: ١٩٧٦، ٧٨".
وهناك من يصنف الثقافة إلى ثلاث فئات:
أ- العموميات: وهي الأفكار والعادات, وأنماط السلوك التي تشيع بين أفراد المجتمع كله, ولذا فهي تعطي المجتمع طابعه الخاص المميز, وتشمل: اللغة، والدين، وطرائق التفكير التي يفضلها المجتمع بالمقارنة بالمجتمعات الأخرى, وتظهر أثار عموميات الثقافة في طراز الملبس والمسكن، وفي طبيعة العلاقات السائدة في المجتمع، وفي حدَّة الاهتمامات بين الأفراد, ولا يتعارض معها العناصر الثقافة الأقل انتشارًا, وهي أكثر عناصر الثقافة ثباتًا ومقاومة للتغير.
ب- الخصوصيات: وتشير إلى العناصر الثقافية التي تشيع بين فئة معينة أو جماعة خاصة من أفراد المجتمع، ويلتزم بها أفرد هذه الفئات أو الجماعات, ومنها: الآداب أو التقاليد السائدة بين أفراد مهنة من المهن، والمهارات الفنية،
стр. 118
والمعارف العلمية المرتبطة بهذه المهن، وتكون هذه العناصر الخصوصية على درجة كبيرة من الأهمية لهذه الجماعات أو الفئات الخاصة؛ لأنها تعطيها طابعها المميز, وتساعدها على أداء دورها ووظائفها في إظهار الثقافة العامة للمجتمع.
ج- المتغيرات: وهي العناصر التي لا تعتبر من العموميات ولا الخصوصيات، فهي ليست شائعة بين أفراد المجتمع أو بين فئة من فئاته، ولكنها توجد عند بعض الأفراد من جميع الفئات أو المهن أو الجماعات. وهي تمثل استجابات سلوكية في مواقف معينة، وتتباين بتباين الأفراد والمواقف, وتختلف هذه الاستجابات رغم وحدة الهدف, وتشتمل على: الاهتمامات، والأذواق، والموديلات، والأساليب المنبعة في الإبداع الفني أو الفكري، وترتبط بدرجة رقي المجتمع وتطور الثقافة فيه, وقد ترتقي بعض هذه العناصر إلى مستوى الخصوصيات أو حتى العموميات إذا تمثلها أفراد المجتمع، كما قد تزوي وتختفي كما يحدث في حالات الموضات والتقاليع. "علاء كفافي: ١٩٩٠، ١٥١-١٥٢".
الثقافة والنمو الإنساني:
يقال: إن الطفل لا يولد شخصًا بل يولد فردًا، ولا يتهيأ له ذلك إلّا نتيجة التأثيرات الثقافية الكثيرة من حوله, فلكي يصبح الفرد شخصًا لا بُدَّ من اكتسابه لغة وأفكارًا وأهدافًا وقيمًا. فالشخص هو من يشارك الآخر في بعض خصائصهم الاجتماعية إضافة إلى انفراده بخصائص تميزه عنهم.
فالشخصية لا تتشكل مع ولادة الطفل، وإنما تتحدد بفضل ما يمتصه من مجمل عناصر الثقافة، لذا: فإن هذه الشخصية هي وليدة الثقافة أولًا, فلولا البيئة الثقافية لما تبلورت شخصيات الأطفال؛ حيث تهيئ هذه البيئة أسباب نمو الشخصية من خلال ذلك النَّسق من العناصر التي يتميِّز بها الطفل، ولذا تكون شخصية الطفل صورة أخرى مقابلة لثقافته التي ترعرع في أحضانها إلى حد كبير؛ حيث تعتبر تكوين شخصية الطفل بالدرجة الأولى عملية يتم فيها صهر العناصر الثقافية المكتسبة مع صفاته التكوينية لتشكلا معًا وجوه وظيفية متكاملة
стр. 119
تكيفت عناصرها بعضها مع بعض تكيفًا متبادلًا، لذا: فإن الطفل يعد صنيعة للثقافة إلى حد كبير "هادي نعمان الهيتي: ١٩٨٨، ٣٩".
هذا وتعتبر الثقافة أساسًا للوجود الإنساني بالنسبة للفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه، فهي توفر منذ بداية حياته صور السلوك والأفكار والمشاعر التي ينبغي أن يكون عليها, ولا سيما في مراحله الأولى.
بالإضافة لذلك: فإن نمو الطفل يتأثَّر بعمليات التنميط الثقافي cultural patterning في المجتمع. فإدراك الطفل وانتباهه وتعليمه ينمو ويرتقي بتأثير ثقافة مجتمعه، وتثري حياة الطفولة بهذه العمليات التي تزداد وتنعقد كلما تعقدت ثقافة المجتمع.
ويشير مصطلح أنماط الثقافة إلى أساليب السلوك المرتبطة بحاجة أو وظيفة دائمة في الحياة الاجتماعية؛ فعلى سبيل المثال: أساليب تربية الأطفال وتثقيفهم في مجتمع من المجتمعات تسير وفقًا لنمط ثقافي معين "عبد الرحمن سليمان: ١٩٩٧، ٥٢٣".. فعن طريق الأسرة يعرف الطفل ثقافة عصره وبيئته على السواء، ويعرف الأنماط السائدة في ثقافته؛ كأنواع الاتصال: من إشارات ولغة، ويعرف طرقًا لتحقيق الرعاية الجسمية، ووسائل وأساليب الانتقال، وتبادل السلع والخدمات، ونوع الملكية ومعناها ووظيفتها، والأنماط الأسرية والجنسية من زواج، وطلاق، وقربى، ووصاية، ومعايير، وقوانين، وقيم اجتماعية، وأنشطة ترويحية، وأفكار، ومراسيم دينية، وعقائدية، واتجاهات اجتماعية: كالتعاون، والتنافس، والتحيز، والتسامح، والتعصب.
والأوساط الثقافية التي يعيش فيها الطفل تختار من البيئة والثقافة ما تراه هامًّا, فتقوم بتفسيره وتقويمه وإصدار الأحكام عليه, مما يؤثر على اتجاهات الطفل لعدد كبير من السنين "مصطفى زيدان: د. ت، ١٢٠".
ثقافة القرية وثقافة المدينة:
والأطفال ينشأون في أوساط ثقافية متباينة في المدينة، في القرية، في العواصم والأقاليم، وفي إطار الشرائح الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافات الفرعية
стр. 120
المختلفة في هذه الأوساط، وبالتالي تتباين مؤثرات الوسائط الثقافية المختلفة ما يتوفَّر منها كمًّا وكيفًا.
- المدينة قياسًا إلى حجمها تمثل نقيض مجتمع القرية, فبينما تتميز القرية بنطاق مكاني أوسع، تتصف المدينة بالازدحام الزائد, وبينما تكون الأسرة في القرية مركزًا للكثير من المناشط، تقوم المنظمات المتعددة العامة والخاصة في المدينة بالكثير من وظائف الأسرة.
- وفي المدينة يحل الاتصال بين الأشخاص أساسًا محل الاتصال بموضوعات الطبيعة والتفاعل معها، مما يفقد الأطفال الكثير من الخبرات الحية.
- وفي المدينة تتمركز أساس وسائط الثقافة كمًّا وكيفًا، بينما تعاني القرية الكثير من الحرمان الثقافي، وينطبق ذلك أيضًا على المناطق ذات المستويات الاقتصادية الاجتماعية الأقل في المدينة؛ حيث لا يتوافر المثيرات الثقافية الكافية المحكومة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه القطاعات العاملة بالمدينة. "طلعت منصور، عادل الأشول ١٩٧٦، ٧٦".
وعلى الرغم من ذلك: فإن التفرقة بين الحضر والريف في تأثيراتها على النمو وتكوين الشخصية يجب أن يؤخذ بشيء من الحذر؛ حيث يلاحظ أن هناك تغيرات جذرية قد حدثت في ريفنا المصري خلال السنوات الأخيرة بسبب انتشار وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، واستخدام الأجهزة الحديثة في داخل المنزل، وسهولة المواصلات، وتيسير سبل اتصال الريف بالمناطق الحضرية، ودخول الميكنة الزراعية بحيث أصبح من الصعب أحيانًا أن نفرِّق بين ما هو ريفي وما هو حضري, كما يجب ألّا نغفل أوجه الشبه بينهما, خاصة إذا كان كلٌّ من المجتمع الريفي والمجتمع الحضري يقعان في قطر واحد, ويتشابهان في اللغة والدين والآداب والعلوم ودور التعليم والتنظيمات السياسية والعقائد التي لا شك تؤثر في ثقافة القرية والمدينة, وإن اختلف شكل هذا التأثير. "حسن مصطفى: ١٩٩١، ٢٦٨".
стр. 121
الثقافة وجوانب النمو:
وللثقافة أثرها في نمو الطفل الجسمي والحركي والعقلي والانفعالي والاجتماعي:
- فمن ناحية النمو الجسمي: فإن الثقافة توفّر للفرد وسائل إشباع حاجاته البيولوجية، فيتعلّم كيف يجلب لنفسه الدفء، وينقذ نفسه من العطش أو الجوع, أو يوفر لنفسه الأمن, كما أن الثقافة تملي على الأطفال ممارسات معينة كالوشم على الأيدي أو الوجه لدى بعض الجماعات، أو المحافظة على الرشاقة أو العمل من أجل البدانة ... إلخ. بالإضافة لذلك, فإن الجهاز التنفسي يتأثَّر بطرق الناس في ارتداء الملابس أو التهوية أو ممارسة الرياضة, وما إلى ذلك, والجهاز الهضمي يتأثر بطرق طهي الأطعمة وطرق تناولها, وهكذا.
- ومن ناحية علاقة الثقافة بالنمو الحركي: فإن هذا النوع من النمو يتدرج من الحركات البسيطة الاعتباطية، مرورًا بالقبض على الأشياء، والمشي، وانتهاء بالحركات القوية والسريعة المتوافقة, وتعتمد سيطرة الطفل على حركاته على مدى نضجه الجسمي وما يكتسبه من مهارات حركية، لذا فإن دور الحضانة ورياض الأطفال والمدراس كوحدات في البيئة الثقافية تعمل على توجيه أنشطة الأطفال الحركية من خلال التدريب, وإثارة دوافعهم إلى الحركات المنظمة.
ولقد كان لقدرة الإنسان على تكييف حركات أطرافه وأعضاء جسمه الأخرى دور كبير في إنتاج الكثير من المعالم الثقافية. هذا وتعتبر الطفولة فترة خصبة لاكتساب المهارات الحركية تبعًا لمدى النضج؛ حيث إن مهارات حركية يسهل على الأطفال إجادتها، بينما يصعب ذلك على الكبار.
- وبالنسبة للنمو العقلي: فإن النمو العقلي يرتبط فيه الذكاء بالنجاح في التكيُّف مع البيئة الطبيعية والثقافية، والذي يقاس بالقدرة على حل المشكلات، أو بقياس ما لدى الطفل من مهارات ترتبط في الوقت نفسه بما يتعلمه الإنسان من بيئته الثقافية؛ إذ يتأثَّر بتلك البيئة وبمدى ما تقدمه من عناصر. فالوكالات الاجتماعية التي يحيا فيها الطفل؛ كالأسرة والمدرسة وجماعات اللعب ذات تأثير في ذكائه.
стр. 122
كذلك تتأثر جمع العمليات المعرفية بالحيز الثقافي وما يهيئه للأطفال من ظروف, فما يكتسبه الطفل من خبرات ومهارات تفعل فعلها في رسم المعالم الإدراكية للأطفال, وفي توجيه تخيلاتهم نحو الأشياء، وفي تحديد أنماط ومجالات تفكيرهم.
ومن ثَمَّ فإن البيئة الثقافية تعد عاملًا من عوامل تفتُّح ذكاء الأطفال وعملياتهم المعرفية العقلية, أو عامل كبت لها.
- وفي مجال النمو الانفعالي الذي يعني: قدرة الطفل على استخدام انفعالاته استخدامًا بنَّاءً، فإن الثقافة تلعب دورها الكبير في ذلك. فالانفعالات هي ظواهر نفسية اعتيادية، ولكنها تميل إلى الانحراف عندما تتحول إلى اضطراب انفعالي, حين تئول الاستجابات إلى ما هو غير متناسق، أو حينما تؤدي بالطفل إلى أن يسلك سلوكًا انفعاليًّا ضارًّا بنفسه أو بالآخرين؛ حيث إن الانفعال هو استجابة يبديها الطفل عند تعرضه لموقف مثير، وإدراكه له بشكل من الأشكال، واستجابات الطفل الانفعالية لها علاقة وثيقة بتحديد نوع السلوك.
ومن المعلوم أن البيئة لها أثرها في إكساب الطفل نوع وطبيعة الانفعالات وفي تطويرها أو تعديل مظاهرها, وفي طرق النزوع والتعبير عنها.
ومعروف أن مجموعة من انفعالات الطفل المتجانسة كثيرًا ما تنتظم في موقفٍ ما ينتج في كل حالة من هذه الحالات ما يسمَّى "بالعادات الانفعالية"؛ كالعواطف، والميول، والاتجاهات النفسية. ولهذه العادات تأثيرها في السلوك من جهة، وفي امتصاص الأطفال للثقافة من جهة أخرى، باعتبارها المداخل الأساسية للمضمون الثقافي، إضافة إلى كونها جزءًا من بنيان ثقافة المجتمع وثقافة الأطفال معًا، ويؤلف ما يتوافق مع عادات الأطفال في المضمون الثقافي منها أو حافزًا لقبول الأطفال له.
ويتخذ الطفل من عواطفه معيارًا يقيم على أساسه بعض المواقف أو الأشياء أو الأشخاص في الغالب؛ حيث إن العواطف تقوم على أساس شخصي لا عقلي، وكذا الحال بالنسبة للميول.
стр. 123
أما الاتجاهات النفسية التي تمثل حالة استعداد ذهني نحو الأشياء أو الأشخاص أو الأفكار, فإنها هي الأخرى تكتسب من البيئة عن طريق الخبرة والتعلّم، وهي تؤثر في سلوك الطفل بما في ذلك إدراكه لما حوله من مثيرات ثقافية واجتماعية.
وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ ما يكتنف الثقافة من ظروف غير اعتيادية كالقوة أو الخوف الشديد أو القلق تؤثر تأثيرًا سالبًا في النمو الانفعالي للأطفال. لذا: فإن وسائل ثقافة الأطفال تعمل على إبعاد شبح هذه الظروف عن الأطفال.
أما بالنسبة لعلاقة الثقافة بالنمو الاجتماعي للطفل: فيمكن القول: إنه ما دام الطفل يحيا في ثقافة هي بيئة اجتماعية قوامها الوحدة الاجتماعية الأولية المتمثّلة في الأسرة والجيران وجماعات اللعب، والجماعات الثانوية المتمثلة في المدرسة وغيرها من تنظيمات المحتمع، فإن الطفل يتفاعل مع مفردات هذه الوحدات, ويكتسب بعض عاداتها وقيمها ومعاييرها وأفكارها وأوجه سلوكها الأخرى مما ينقله إلى كائن اجتماعي "هادي نعمان: ١٩٨٨، ٤٤-٤٧٨". فالثقافة السائدة في كل جماعة من هذه الجماعة تفرض مطالب معينة على أطفالها وفقًا لنظمها السلوكية الخاصة؛ كالتعضيد، والإثابة، والتزبيب، والتغذية، والطاعة، والألفة، والمعاشرة، والإنجاز ... إلخ. وبتطور نمو الطفل تقوم الثقافة بفرض توقعات معينة على أطفالها من ناحية العناية بالذات, والإسهام في حياة الجماعة، والاستقلال الاقتصادي، وتكوين نظرة إلى الحياة, وبالرغم من أنَّ التدريب على الاعتماد على الذات وما يرتبط به من فلسفة الثواب والعقاب يمثل مشكلات عالمية، ولكن الدرجة التي نتوقع بها هذا النمط السلوكي من الأطفال في سن معنية تختلف من مجتمع لآخر. "طلعت منصور، عادل الأشول: ١٩٧٦، ٧٣-٧٤".
هكذا يتضح أن البيئة الثقافية التي يحيا الطفل في وسطها تطبعه بطابعها, وتنعكس صورتها في نموه من جميع جوانبه.
٤- البيئة الاجتماعية:
يقصد بالبيئة الاجتماعية: مجموعة التفاعلات القائمة بين الفرد والجماعات التي ينتمي إليها في السياق الاجتماعي؛ إذ تعتبر شخصية الفرد نتاجًا لعملية
стр. 124
التفاعل بين الفرد وبيئته الاجتماعية, من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي تعتبر من أهم العمليات الاجتماية في تأثيرها على نمو الفرد على الإطلاق؛ إذ يؤثر نموذج الحياة الاجتماعية وأشكال العلاقات بين أفراد الجماعة وما يشيع بينهم من عادات وتقاليد وقيم، وما يعيشونه من نظم تنسق هذه العلاقات الاجتماعية في تشكيل بعض الخصائص العامَّة للشخصية. "عبد الرحمن سليمان: ١٩٩٧، ٥٢٤".
ومن بين عناصر البيئة الاجتماعية: الأسرة، والمدرسة، وجماعة الرفاق.
أ- الأسرة "البيئة الأسرية":
تعتبر الأسرة أهم عناصر البيئة الاجتماعية، وهي الممثلة الأولى لثقافة المجتمع الذي يعيش فيه الفرد وأقوى الجماعات تأثيرًا في سلوكه، وهي التي تسهم بأكبر قدر في الإشراف على النمو الاجتماعي للطفل وتكوين شخصيته وتوجيه سلوكه, فهي التي تصبغ سلوك الطفل بصبغة اجتماعية, وتؤثر في توافقه النفسي أو سوء توافقه، وهي النموذج الأمثل للجماعة الأولية التي يتفاعل الطفل مع أعضائها وجهًا لوجه, ويتوحَّد معهم, ويعتبر سلوكهم نموذجًا يحتذيه.
شكل "٣٧" العلاقة التفاعلية المتبادلة للبيئة الاجتماعية في تأثيرها على الطفل.
ومن أهم العوام المحددة لدور الأسرة في نمو الطفل وتأثيرها في تكوين شخصيته ما يلي:
١- أساليب التنشئة الأولى:
تلعب أساليب التنشئة الأولى التي يتلقَّاها الطفل في السنوات المبكرة من حياته جزءًا هامًّا من جوانب نموه, ومن هذه الأساليب:
стр. 125
الرضاعة:
تشكل الرضاعة أول علاقة انفعالية للرضيع مع الآخرين وأهمهم الأم؛ حيث يشبع ثدي الأم جوع الطفل, ويحمل معه الحب والعطف والطمأنينة, ومن ثَمَّ ذهب "فرويد" إلى تسمية المرحلة الأولى من نمو الطفل "المرحلة الفمِّية"، فالطفل إما أن يحصل على غذائه بوفرة فيشعر بالراحة والطمأنينة, أو يحصل بتغير وتقتير فيشعر بالضيق وعدم الاستقرار، ولذا: فإن سلوك الأم بالنسبة لطفلها هي التي تحدد اتجاهه نحو العالم, ومن ناحية أخرى ذهبت المدرسة السلوكية إلى الإشارة إلى أنَّ الرضيع الذي يترك حتى ينهار من كثرة البكاء قد يشعر بعجزه عن التأثير في بيئته, فيكف عن الانفعال ويصبح شخصًا جامدًا لا شعور له، وإذا ترك الرضيع في مكانٍ هادئ وهو يعاني من آلام الجوع, فإنه حينما يكبر يحاول مقاومة السكون فيقوم بالجلبة والضوضاء, ما يثير غضب الوالدين, ويشعر الطفل بأنه غير مرغوب فيه. أما الطفل الذي تسرع بتلبية رغباته كلما طلب, فإنه يصبح طفلًا مدللًا ينتظر من البيئة أن تلبي جميع طلباته.
وهناك اتجاهات مختلفة نحو أساليب الرضاعة؛ كتغذية الطفل كلما أدبى رغبة في ذلك، ومنها أيضًا: إخضاع الطفل لجدول تغذية صارم كل ثلاث ساعات، وهناك من يتبع جدولًا مرنًا في تغذية وإرضاع الطفل, وهناك من الأمهات من تسعى إلى إرضاع الطفل رضاعة طبيعية، وهناك من يرضعن أطفالهن رضاعة صناعية, وفي جميع الحالات الذي يهمنا في نمو الطفل هو موقف الأم في التغذية التي يجب أن تجعل موقف التغذية موقفًا سارًّا يجعل الطفل يستمتع بالهدوء والاسترخاء أثناءه, بما يمضي بالرضيع إلى حسن التوافق الانفعالي والاجتماعي "هدى برادة، فاروق صادق: ١٩٨٨، عماد الدين إسماعيل: ١٩٨٦".
الفطام:
هو منع الثدي عن الطفل، ويتمّ ذلك في نهاية العام الأول, أو فيما بين العام الأول ونهاية العام الثاني، ويجب ألّا يؤجل إلى ما بعد العامين, حتى لا تتشبث العادات الطفلية لدى الطفل, ويعاق النمو الطبيعي، ومن المفضَّل أن يتم بطريقة تدريجية ابتداء من الشهر السادس؛ حيث تستبدل الأم رضعة من الرضعات بغذاء
стр. 126
خارجي وتبدأ الأطعمة في الصلابة تدريجيًّا حتى يستطيع الطفل الاعتماد على الأطعمة الخارجية, فلا يتسبب الفطام ومنع الثدي عن الطفل في إصابته بصدمة نفسية شديدة.
وقد أشارت مدرسة التحليل النفسي إلى مساوئ الفطام المبكر، مشيرة إلى أن بعض أنواع الفطام وبعض الأساليب اللاتوافقية مثل مص الأصابع أو قضم الأظافر يكون ارتدادًا نكوصيًّا إلى المرحلة الفمّية.
أما عن أساليب الفطام: فقد تلجأ بعض الأمهات إلى وضع مادة مرة على الثدي لمنع الطفل من الرضاعة مما يحدث صراعًا لدى الطفل تجاه الأم؛ حيث يتجه بشعور ثنائي تجاه الثدي, فهو يحبه ويكرهه في آنٍ واحد, ويعمم الطفل هذا الشعور على الأم, ويشعر بعدم الثقة تجاه الناس. أما عن الفطام بإبعاد الطفل عن المنزل وإرساله إلى أحد الأقارب لفترة من الزمن لينسى الثدي والرضاعة, فإن تجربة الانفصال عن الأم يلحق أضرارًا بالغة بالحالة الانفعالية والمزاجية للطفل. "هدى برادة، فاروق صادق: ١٩٨٨، عماد إسماعيل: ١٩٨٦".
ضبط الإخراج:
إن مواقف تدريب الطفل على ضبط الإخراج من مواقف التنشئة الأولى الهامة في حياة الطفل, ويتفق الأخصائيون على أن التدريب يتم بصورة أفضل حين يبلغ الطفل الشهر الثامن عشر وما بعده، حيث يكون الجهاز العضلي العصبي قد وصل إلى درجة من النضج يجعل الطفل قادرًا على القيام بعملية التآزر والتكيف لمطالب المجتمع, وفهم تعليمات الأم نحو ضبط الإخراج.
والمهم عادةً في نمو الطفل ليس زمن بدء التدريب على ضبط الإخراج, بل الطرق الصحيحة في تدريب الطفل التي يجب أن توفر فيها الأم الحنان والاهتمام, وتجنب إحساس الطفل بالألم، وإعطائه إثابة كافية من الحب والحنان حينما ينجح في كف عملية الإخراج, إلى أن تتمَّ في المكان المناسب, وأن تكون الأم ملاحظًا جيدًا لطفلها؛ حيث تبدأ العلامات الدالة على حاجة الطفل للإخراج, فتصطحبه إلى دورة المياه ليقضي حاجته, مما يقوي الارتباط بين الحاجة للإخراج والمكان الذي يتم فيه هذه العملية.
стр. 127
وقد أشارت مدارس علم النفس إلى الآثار السلبية على شخصية الطفل من جراء الشدَّة والصرامة إزاء التدريب على ضبط الإخراج، فقد أشارت مدرسة التحليل النفسي إلى أنَّ الخبرات السيئة التي يواجهها الطفل في المرحلة الشرجية من نموِّه تؤدي إلى ارتباطها بأنماط سلوكية غير سوية, وينمي ما أطلق عليه "فرويد" الشخصية الشرجية" التي تتسم بعدة سمات منها: التغيير أو المنع، والبخل، والتقتير، والاهتمام المبالغ بالنظافة، والنظام المبالغ فيه، والعناد، والجمود، وقد تتخذ صورة السلوك الاستبعادي أو التبذيري، والإهمال والقذارة، وعدم النظام في الملبس, ويتوقّف اتخاذ أي من الصورتين على أسلوب الأم في تدريب الطفل على الإخراج.
أما المدرسة السلوكية فقد أشارت إلى الصعوبات التي يواجهها الطفل إزاء عملية التدريب, وإلى آثار القسوة التي تتبعها بعض الأمهات.
- فمن الصعوبات أننا نطلب من الطفل أن يقوم بفعل منعكس مضاد للاستجابة الطبيعية, كما نطلب من الطفل أن يقطع نومه، ونطلب منه التمييز بين الأماكن المخصَّصة لعملية الإخراج وغيرها, ويمشي إلى المكان المناسب، وأن يفك إزاره ويجلس على المقعد, وهذه كلها عمليات ومطالب غامضة وصعبة بالنسبة للصغير, فلا يفهم تعليمات الكبار ويتعرَّض للخطأ, ومن ثَمَّ إلى عقابهم.
- أما عن القسوة التي يتبعها الكبار في تدريب الطفل على ضبط الإخراج فينتج عنها:
- الإدراك السلبي للأم: فيحول الطفل تجنبها ويهرب إلى أماكن بعيدة حتى لا تراه.
- الاضطرابات الانفعالية الناتجة عن العقاب, فيتجه بعدوانه إلى الشخص القائم بالتدريب, فيقوم بالعض أو الرفض، والخوف المرتبط بالمكان الذي عوقب فيه, الذي يعمّم إلى الأماكن الأخرى، وقد يؤدي ذلك إلى تثبيت التبول اللإرادي.
- اضطرابات الشخصية: حينما يشعر الطفل بأنه مذنب، لا يستطيع أن يرقى إلى مطالب الوالدين، وأنه أقل كفاءة وجدارة، أو أنه غير مرغوب فيه،
стр. 128
والجبن المفرط, فيصبح خجولًا حذرًا لا يستطيع المبادأة أو الإبداع "هدى برادة، فاروق صادق: ١٩٨٨"
مواقف النوم:
ويدخل في ذلك ردود أفعال الوالدين إزاء موعد نوم الأطفال, والأساليب المتبعة معهم في ذلك, خاصة إذا لم يلتزم بالمواعيد المحدَّدة لذلك, وتتراوح ردود أفعال الوالدين بين استخدام العقاب أو التهديد أو ترك الطفل وشأنه، أو النضج والإرشاد, وقد يلجأ الوالدان في الطبقات الدنيا إلى أسلوب التهديد والتخويف أو ترك الطفل وشأنه, أما الوالدان من الطبقة الوسطى فإنهما يلجآن إلى أسلوبي تهيئة الجو المناسب لنوم الطفل, وكذلك إلى النصح والإرشاد اللفظي.
٢- أساليب المعاملة الوالدية:
يقصد بها: الأساليب والإجراءات والطرق التي يتبعها الوالدان في تطبيع أو تنشئة أبنائهما اجتماعيًّا، أي: تحويلهم من مجرَّد كائنات بيولوجية إلى كائنات اجتماعية، وما يعتنقاه من اتجاهات توجّه سلوكهما في هذا المجال, وقد أصبح من المسلَّم به في الوقت الحاضر لدى علماء النفس والصحة النفسية أن هذه الأساليب تترك أثارها سلبًا أو إيجابًا في شخصية الأبناء.
ومن أساليب المعاملة الوالدية أكثر شيوعًا, تلك الأساليب القطبية التي تسير على متصل من الأساليب السوية وغير السوية؛ حيث إن هذه الأساليب في تقسيماتها ليست مطلقة, بل قد يتلاقى بعضها وتقترب بعضها من بعض, ويندمج بعضها في الآخر, وفيما يلي أشهر أساليب المعاملة الوالدية:
- أسلوب الديمقراطية/ الأوتوقراطية.
- أسلوب الاستقلال/ الاعتمادية.
- أسلوب الحرص/ الإهمال.
- أسلوب القبول/ الرفض.
- أسلوب التسامح/ القسوة.
стр. 129
- أسلوب الواقعية/ عدم الاتساق.
- أسلوب التحرر/ المحافظة.
- أسلوب تشجيع الإنجاز/ إعاقة الإنجاز.
- أسلوب الحزم/ الحماية والتدليل.
- أسلوب القدوة الحسنة/ إنعدام القدوة. "حسن مصطفى، ١٩٩١".
ومن المعلوم أن إدراك الطفل أن والديه يعاملانه معاملة طيبة، ويعطيانه الحرية، ويلبيان رغباته في معظم الحالات, وفي هذه الحالة يشعر الطفل بحب والديه الثابت والدائم له, كما يشعر بالدفء الأسري والعلاقات الحانية من جانب والديه. وفي هذا الأسلوب من المعاملة لا يفرّق الوالدان بين الإخوة، ولا يلجأون كثيرًا إلى العقاب البدني، ولا يأتيان تصرفات تقلل من شأن الطفل، ولهما موقف ثابت في المعاملة, وإذا حدث وعوقب الطفل فإنه يعاقب عقابًا يتناسب مع الخطأ الذي ارتكبه، ويكون الطفل مقتنعًا بالعقاب لمعرفته بالسبب. "علاء الدين كفافي: ١٩٩٠، ٢٤٠".
أما الأساليب غير السوية فإنه ينتج عنها شعور الطفل بعدم الأمن، وشعوره بالوحدة ومحاولة جذب انتباه الآخرين، والسلبية، والخضوع، والشعور العدائي، والتمرد، وعدم القدرة على تبادل العواطف، والخجل، والعصابية، وسوء التوافق. وتؤدي الحماية الزائدة إلى عدم قدرة الطفل على مواجهة الضغوط البيئية ومواجهة الواقع، والخضوع، والقلق، وكثرة المطالب، وعدم الاتزان الانفعالي، وقصور النضج، والأنانية, ويؤدي التدليل إلى الأنانية، ورفض السلطة، وعدم الشعور بالمسئولية, وعدم التحمل, والإفراط في الحاجة إلى انتباه الآخرين, في حين يؤدي التسلط والسيطرة إلى الاستسلام والخضوع، أو التمرد، وعدم الشعور بالكفاءة، ونقص المبادأة، والاعتماد السلبي على الآخرين, وقمع وكبت استجابات النمو السلبية، وعدم التوافق مع متطلبات النضج. أمَّا المغالاة في المستويات الخلقية المطلوبة فإنها تؤدي إلى الجمود، والإحساس بالإثم، واتهام الذات، وامتهانها, كما أن فرض النظم الجامدة وكثرة النقد ينتج عنه المغالاة في اتهام الذات، والسلبية، وعدم
стр. 130
الانطلاق والتوتر والسلوك العدواني. ومن مشكلات التضارب وعدم الاتساق في النظم المتَّبعة مع الطفل أن يشعر بعدم تماسك القيم لديه وتضاربها، وعدم الثبات الانفعالي، والتردد في اتخاذ القرارات. "حامد زهران: ١٩٧٤، ٢٠".
هذا، وسوف نتناول أساليب المعاملة الوالدية وأثرها في نمو الطفل تفصيلًا في الجزء التالي من هذا الكتاب.
٣-نوع الرعاية الوالدية:
إذا كانت الأسرة هي مسرح التفاعل الذي يتم فيه النمو والتعلُّم، وهي العالم الصغير الذي تتكون فيه خبرات الفرد منذ طفولته: عن الناس والأشياء والمواقف، كما أن البيت هو حماه وملاذه الذي يلجأ إليه بلهفة وتعلق، وأن العلاقة بالوالدين وما بها من روابط حميمة واتصالات حارة عميقة، وتفاعل مشحون بالانفعال، وتبادل عواطف مشبوبة بالتعلّق، مهما اختلفت أساليب الوالدين في معاملة الأبناء، تظل هذه العلاقات هي مصدر الإشباع النفسي للأبناء، وعلى شاكلة الوالدين تتكون شخصيتهم. "كمال دسوقي: ١٩٧٩: ٢٣٥، ٣٣٦".
أما في حالة الحرمان من أحد الوالدين فإن ذلك يؤثر تأثيرًا بالغًا على تكوين شخصية الطفل, ولقد بينت الدراسات أن الحرمان المبكّر من الأم يعوق تكوين الإحساس بالثقة في الآخرين, وقد يدفع الطفل إلى الانزواء وعدم الاكتراث وعدم القدرة على إنشاء علاقات إنسانية متوازنة مع الآخرين, وقد أوضحت الدراسات التي تمت على أطفال المؤسسات والملاجئ أن هؤلاء الأطفال يعتقدون أنهم غير مرغوب فيهم, وقد ينمي لديهم هذا المفهوم عن ذواتهم اتجاهات خنوعية استسلامية, أو اتجاهات عدوانية ضد الآخرين كرد فعل انتقامي. "علاء الدين كفافي: ١٩٩١، ٢١٣-٢١٤".
ومن ناحية أخرى: فإن الأطفال في الأسر المتصدَّعة بسبب الطلاق غالبًا ما يشعرون بعدم الانسجام الأسري, وسوء العلاقة بين الوالدين التي انتهت بالطلاق؛ حيث كان يكثر بينهما الشجار والعراك والصراخ, ونبذ كل منهما للآخر، وإعلان كلاهما عن عدم رضاه عن حياته الزوجية, وفي مثل هذه الظروف يشعر الأبناء
стр. 131
بالتهديد وعدم الطمأنينة، ويتعرَّضون للنبذ والعقاب وعدم إشباع الحاجات الجسمية والنفسية، مما يشيع لديهم حالة من التشتت وغموض الدَّوْر وعدم القدرة على اتخاذ قرارات فيما يختص بشئونهم الخاصة. وحتى بعد الطلاق يعيش الابن خبرات قاسية عندما يعيش مع أحد الأقارب, ويحرم من كلا الوالدين، أو يعيش مع أم غير مستقرة بعد طلاقها، أو مع أبيه وزوجته, ويتعرض لخبرات التفضيل والغيرة من إخوته لأبيه، أو يشعر بانعدام الأمن إذا تزوَّدت أمَّه من آخر، فيدرك النبذ وعدم التقبل. "كمال مرسي: ١٩٧٩، ٢٨٢، حسن مصطفى: ١٩٩١".
وأخيرًا: فإذا كان الوالدان أو أحدهما غير سوي ويعاني من اضطرابات سلوكية, فإنه لا يستطيع أن يثير الطفل ويوفر لديه التدعيمات المناسبة للسلوك الإيجابي، كما أن ردود فعل الآباء المنحرفة تعوق محاولات الطفل في التوافق فيما بعد، وتعوق اكتسابه الأساليب السلوكية الصحيحة، بل قد يكتسب الأساليب السلوكية المنحرفة الماثلة أمامه.
٤- المستوى الاقتصادي الاجتماعي للأسرة:
يقصد به: جملة النشاطات والممارسات التي يقوم بها الوالدان كانعكاس لدرجة تعليمهما وعنايتهما بثقافة الأبناء، وتتجلَّى في تشيجع الأطفال على ممارسة النشاطات الثقافية, بالإضافة إلى مستوى دخل الأسرة وانعكاساته على تنمية قدرة الأسرة على اقتناء العديد من الأدوات الثقافية، وممارسة الأنشطة الثقافية، وقدرة الأسرة على الإنفاق المناسب على الأطفال في المستويات التعليمية المختلفة. "عبد الباسط خضر: ١٩٨٣".
ومن المعلوم أن الأطفال الذين ينتمون إلى أسر ذات مستوى اقتصادي اجتماعي مرتفع, تتهيأ لهم إمكانات من الرعاية الجسمية والعقلية والانفعالية قد لا تتاح لأقرانهم الذين ينتمون إلى أسر أقل في المستوى الاقتصادي والاجتماعي:
- فالأبناء الذين ينتمون إلى أسر مرتفعة المستوى الاقتصادي والاجتماعي تتاح لهم فرص أكبر لممارسة الأنشطة التي تساعد على تفتُّح ونموّ الشخصية؛ حيث تتعدد الخبرات وتتنوع ظروف التنبيه والاستثارة تبعًا لما يتاح لهم من فرص للتعبير
стр. 132
عن أفكار جديدة, أو عن أفكار شائعة بأساليب وتكوينات مبتكرة، وتشجيعهم على التعبير عن تخيلاتهم وفضولهم، وعلى القيام بالأعمال الصعبة أو المألوفة لمن في عمرهم, ولكن دون قهمر أو إجبار، كما يتم ذلك دون تعرضهم للحماية الزائدة أو الإسراف في التدليل من الوالدين، مع وجود الثقة والحب المتبادل القائم على الفهم وحرية الاختيار المعقولة التي يتيحها الوالدان للأبناء. "عبد الرحيم محمود: ١٩٨٠". وهذا من شأنه مساعدة الأبناء عند الاقتراب من الرشد على أن يكونوا أكثر قدرة على استكشاف البدائل المتاحة في المجالات المهنية والفكرية, واتخاذ قرارات واضحة والالتزام بها.
- أما الأطفال الذين ينتمون إلى أسر ذات مستوى اقتصادي واجتماعي منخفض, فإن نصيبيهم من التنبيهات الذهنية أو العقلية التي يقدمها الراشدون تكون محدودة للغاية، ويكونون أقل احتمالًا أن يتعرضوا للتعرُّف على معلومات جديدة مثل أقرانهم في الطبقات الأخرى, أو يعرفون النظام مثلهم, أو أن يتعلموا أنَّ سلوكهم له آثار ونتائج معينة. "محمود أبو النيل: ١٩٨٧، ٢٣".
٥- حجم الأسرة:
فلا شَكَّ أن الأسرة كبيرة العدد لا تكفل لأبنائها الرعاية الجسمية والنفسية بنفس الدرجة التي تكلفها الأسرة صغيرة العدد, مما يؤثر في سرعة نموهم, فقد ثبت أنه:
- في الأسرة صغيرة الحجم: تزداد قدرة الوالدين على تكريس الوقت والانتباه الكافيين لكل من الأبناء وقدراتهما على إعطاء كل واحد نفس المزايا، مع سيادة التحكّم الديمقراطي في العلاقات الأسرية، ويظهر التسابق بين الأبناء في التحقق الدراسي والاجتماعي، ويميل الوالدين لمقارنة تحصيل الصغير بتحصيل أقرانه.
- وفي الأسر متوسطة الحجم: فإنه بزيادة حجم الأسرة يظهر التحكم الوالدي بصورة أكثر استبدادية, ويمنع الأبناء من الصداقات الخارجية، وتتركَّز ضغوط الوالدين للتحصيل عادةً على السابقين في الترتيب الميلادي، وتبدأ الأحقاد في الظهور في سلوك الأبناء، مع عدم قدرة الوالدين على تهيئة المزايا ورمزيات المركز لأبنائها.
стр. 133
- أما في الأسر كبيرة الحجم: فتظهر الاحتكاكات الزوجية الراجعة لوجوب التضحيات الشخصية والمالية، وتتعيّن الأدوار بمعرفة الوالدين لضمان انسجام وكفاءة الأسر، ويظهر التحكم الاستبدادي لتجنب الارتباك والفوضى، وغالبًا ما تستنكر الصدامات الخارجية, وتكثر الاحتكاكات والمشاحنات بين الأشقاء، ويظهر عجز الوالدين عن إعطاء الأبناء المزايا ورمزيات المركز التي لدى نظرائهم. "كمال دسوقي: ١٩٧٩، ٣٤٠-٣٤١".
٦- جنس الطفل:
تتأثر التنشئة الأسرية بجنس الطفل وترتيبه الميلادي، وينعكس ذلك على نموه النفسي وتكوينشخصيته, وتحدد ثقافة أي مجتمع أدوارًا معينة لنوع الجنس "ذكر أو أنثى", فيتوقع المجتمع من كل فرد دورًا وفقًا لجنسه: سلوكًا واتجاهات وخصائص شخصية معينة، بل إن كثيرًا من أنماط السلوك التي يعتقد أنها النتاج الوحيد للفروق البيولوجية في الجنس تتأثَّر بالفعل بدرجة كبيرة بالتوقعات الثقافية.
فالإناث يفضِّلن الألعاب والمناشط التي تتسم بالهدوء من الذكور، وهنَّ يسلكن بالطريقة التي نتوقعها منهن، ونعبر عن عدم استحساننا إذا لم يسلكن وفقًا للأنماط التي تحددها لهن ثقافة المجتمع -وكذلك الحال بالنسبة للذكور.
والإناث في مجتمعنا ما زلن يشغلن -عادة- مركزًا أدنى من مراكز الذكور "خاصة في الطبقات الوسطى والدنيا", ليس فقط فيما يحصلن عليه من الحب والرعاية، ولكن أيضًا فيما يوفَّر لهنَّ من فرص الحماية المادية، وتحرم من الدفع والحفز، ويتعرضن لمشاعر العجز, مما يؤدي إلى كف الارتقاء النفسي للفتاة، ومن ثَمَّ يكون أداؤها العقلي والفعلى أقل مما كان عليه لو توافرت لهنَّ فرص استثارته وتحقيقه، فضلًا عن هذا تحرم الإناث من فرص التجربة والخطأ المؤدية إلى انفتاح الخبرة في التفاعل مع الذات والواقع. ويزيد الواقع فقرًا بالنسبة للإناث أن إنجازهن الفعلي المتواضع -وهو أقل مما تؤهلهن له استعداداتهن- لا يستثير قلق أهلهن مثل الذكور، ومن هنا تظل بيئتهن غير حافزه ولا مثيرة, ومنذ الطفولة وحتى الشباب تدفع الإناث في طريق غير ذلك الذي يحفز الإناث على سلوكهنَّ، ويتم إعدادهن لدور سلبي في الحياة هو الزواج، وتصرف كل المؤثرات الأسرية
стр. 134
للإناث عن تحقيق الذات في الدراسة والنشاط الاجتماعي أو العمل أو غيرها، إلى تأهيل أنفسهن للزواج مما يحد من طموحاتهن في الدراسة, ونشاطهن اليومي, ومشروعاتهن المستقبلية. "عزت حجازي: ١٩٧٩، ٢٧٣".
إلى جانب ذلك: تعاني الإناث الصراع أكثر من الذكور فيما يتعلق بالسعي إلى الاستقلال, فالذكور يحصلون عليه تدريجيًّا، وتسمح لهم أسرهم بالخروج من البيت متى يشاءون, ويتصرفون كيف يشاءون، أما الإناث: فإنهن يحرمن من هذا كله؛ لأن إشراف الأسرة عليهن يزداد كلما كبرن ونضجن، كما يكتنف فهم الإناث لدورهنَّ ومركزهن الاجتماعي في الرشد الكثير من الغموض، فهنَّ غير متيقنات مما سيقمن به عندما يرشدن, هل سيقمن بدورهن التقليدي كإناث يعملن ربات بيوت، وزوجات وأمهات للأطفال، أم أنهن سيقمن بدروهن الحضاري: يعملن ويكسبن وينتجن. "كمال مرسي: ١٩٧٩، ٢٧٣".
٧- الترتيب الميلادي للطفل:
فترتيب الطفل بين إخوته وأخواته يجعل لكل منهم بيئة سيكلوجية مختلفة عن بيئة الآخر، وهذا التباين في البيئات يأتي من أنَّ التفاعل بين الوالدين وكل ابن من الأبناء يختلف حسب موقعه بالنسبة لهما. فتفاعلهما مع الطفل الأول يختلف عن تفاعلهما مع الطفل الأوسط، وتفاعلهما مع الأوسط ليس كتفاعلهما من الأخير أو الأصغر. كما أن الطفل الوحيد يختلف عن بيئة الآخرين من الأطفال ذوي الأشقاء, كما أن الطفل الذكر وسط مجموعة من الأخوات الإناث، والبنت وسط مجموعة من الإخوة الذكور, يكون لهنَّ وضعًا خاصًّا متميزًا. "علاء الدين كفافي، ١٩٩٠، ٢١٠".
- فالطفل الأول أو الأكبر في الأسرة: يمثل التجربة الأولى للوالدين، ويكون عادة محطَّ آمالهما وتطلعاتهما، وقد يدفعهما هذا إلى تدليله أو القسوة عليه, أو إعطائه حقوقًا لا يتمتع بها باقي إخوته التالين له، ويزيد من تعقّد وضعه, فإنه لا يجد في الأسرة من يحذو حذوه في مواجهة مشكلات ارتقائه. "عزت حجازي: ١٩٨٥، ٢٢٩", ومن هنا: فإنه يحاول جاهدًا الاحتفاظ بعرشه ومكانته في محيط الأسرة.
стр. 135
ولتحقيق هذا: فإنه يبذل كل طاقته النفسية من أجل التفوق والسيادة والنجاح في المجالات المختلفة؛ لكي يبرهن لمن حوله على قوته وتفوقه, وأنه جدير بالعرش حتى ولو انضمَّ إلى الأسرة مولودًا جديدًا أو أكثر. "رشاد عبد العزيز: ١٩٩٠، ٧٥".
وعلى ذلك: فإن الطفل الأوَّل يكون في وضع فَرِيدٍ، ويظلَّ الملك المتوّج على عرش الأسرة في الفترة التي يكون فيها وحيد والديه، ثم يتعرض للإبعاد عن العرش عند ولادة الطفل الثاني, وهو عندما يتعرض لهذه الأزمة يحاول أن يستعيد انتباه ورعاية والديه بشتَّى الأساليب التي قد يكون بعضها عدوانيًّا، أو استعطافيًّا, أو يحارب من أجل استعادة حب الأم واهتمامها.
ومع ذلك: فإن الطفل الأكبر قد تُفْرَض عليه بعض المسئوليات فيما بعد، حتى لو كانت أنثى، كأن يساعد في تربية إخوته، ويلعب دورًا شبيهًا لدور الوالد "أو الوالدة" بالنسبة لهم, وبعضهم ينمي قدرة جيدة على القيادة والتنظيم. "علاء الدين كفافي: ١٩٩٠، ٢١١".
- أما الطفل الثاني: فإنه يشعر بوجود منافس له يفوقه في النمو، ومن ثَمَّ يشعر بمشاعر الحسد أحيانًا, ويخاف من التجاهل والإهمال، خاصة عندما يدرك الفارق في المعاملة الوالدية؛ حيث تعطى له اللعب القديمة بعد أن يكون أخوه الأكبر قد استلمها جديدة واستعملها، وتعطى له كذلك ملابس أخيه القديمة بعد أن تصبح غير صالحة للاستعمال إلّا قليلًا، والذي يزيد الموقف سوءًا ميلاد طفل ثالث في الأسرة يصبح موضع رعاية جديدة من الوالدين، فيقل تبعًا لذلك مقدار الرعاية التي كانت موجهة إليه، فهنا يصبح الطفل الثاني طفلًا أوسط interbetwen child, أي: إنه يكون مهاجمًا من الأمام ومن الخلف، ومن ثَمَّ فهو يتطلع دائمًا إلى أخيه الأكبر, ويحاول التشبه به ومناقشته كلما سنحت له الفرصة، وإذا تعذَّر عليه ذلك يلجأ إلى نقده والحقد عليه ومحاولة الإيقاع به. "مصطفى فهمي: ١٩٧٩، ١٦٨".
стр. 136
- أما الطفل الأخير أو أصغر الإخوة: فإنه وإن كان يحظى بكثير من العطف والحماية, فإن الجميع يعتبرونه صغيرًا مهما كبر، ويلزمونه بطاعة إخوته الأكبر منه، ولا يشركونه كثيرًا في مسئوليات الأسرة؛ لاعتمادهم على من أكبر منه وأقدر على تحمل هذه المسئوليات، ومن هنا يشعر الطفل الصغير بالدونية وعدم القدرة على التفوق على إخوته؛ لأنهم أكبر منه وأقوى منه، ومتقدمون عليه. "كمال مرسي: ١٩٧٩، ٢٨٠".
وإذا كان الطفل الأصغر هو الأخير, فإن مركزه ثابت دائمًا, فيظل مثلًا مدللًا من الجميع ولا يخشى فقد مركزه، وغالبًا ما يجد في إخوته الأكبر من يأخذ بيده ويوجهه ويعطف عليه، وغالبًا ما يعتبر الطفل الأخير أخاه الأكبر كأب بديل، خاصة إذا كان الأب قد تقدَّمت به العمر، أو تعرض للمرض، أو توفي, وما إلى ذلك.
- ومن ناحية أخرى: فإن الطفل الوحيد في الأسرة: ليس له منافس، ومن ثَمَّ فهو يكون هدفًا لتدليل الوالدين، وخاصة الأم التي تخاف أن تفقده فتحيطه برعاية زائدة، ويكون بؤرة الاهتمام، ومن ثَمّ فإنه يكون محدود البيئة, ويكون تفاعله دائمًا مع الكبار, فيحرم من التفاعل الاجتماعي مع الأطفال في مثل سنه "خاصة قبل سن المدرسة".
هكذا: وبعد هذا العرض للبيئة الأسرية باعتبارها إحدى البيئات الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل, ويكتسب مقومات نموه, يتضح أن هذه البيئة لها أثر واضح في النمو النفسي للطفل، ومن ثَمَّ فهي تؤثر في تكوين شخصيته وظيفيًّا ودينامكيًّا، وتؤثر في نموه الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي.
ب- البيئة المدرسية:
تعتبر البيئة المدرسية إحدى البيئات الاجتماعية التي تؤثر في نمو الطفل وتشكيل شخصيته، فالمدرسة هي المؤسسة الرسمية التي تقوم بعملية التربية ونقل التراث الثقافي المتطور، وتوفير الظروف المناسبة للنمو الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي.
стр. 137
ويدخل ضمن نطاق البيئة المدرسية كل من: رياض الأطفال والمدرسة.
١- رياض الأطفال:
يخلط الكثيرون بين دور الحضانة ورياض الأطفال -فمنهم من يعتبرها مؤسسات رعاية تربوية واجتماعية, ويطلقون عليها جميعًا دور الحضانة، والبعض الآخر يطلق عليها أو على الجزء الخاص بالأطفال من سن ٣-٦ سنوات "مدرسة الحضانة" باعتبارها مؤسسة تعليمية, ولكننا ننظر إليها النظرة التربوية التي تتفق مع خصائص المرحلة العمرية التي يمر بها الأطفال الذين ينتمون إليها, ويلتحقون بها فيما بين الثالثة والسادسة من العمر؛ حيث إن الطفل منذ ميلاده إلى أن يتمَّ الثالثة تقريبًا غالبًا ما يكون في ظل أسرته، وأما بعد الثالثة وقبل دخول المدرسة الابتدائية ربما يلتحق بروضة الأطفال.
دور رياض الأطفال في نمو الطفل:
إذا كان السنوات الأولى من حياة الفرد هي أهم مراحل نموه وتكوينه الجسماني والعقلي والنفسي والتربوي والاجتماعي، وهي السنوات التي يتمّ فيها تشكيل شخصيته الإنسانية, ووضع البذور الأولى لبناء الإنسان, وتحديد اتجاهاته وميوله, وغرس تقاليد وعادات المجتمع لديه؛ لذلك فإن الاهتمام بالأطفال في هذه المرحلة العمرية لا تعود نتائجه على هؤلاء الأطفال فقط، ولكنها تعود على المجتمع ككل في المدى الطويل, باعتبار أن التكوين السويّ للفرد هو استثمار في البناء البشري, ومن هنا فإنه إلى جانب دور الأسرة في تنشئة الطفل في فترة ما قبل المدرسة, يتبع دور رياض الأطفال في هذه المرحلة الهامة من حياة الطفل، والذي يتضح فيما يلي:
- تسعى رياض الأطفال إلى تحقيق النمو المتكامل للطفل، ولذا يجب أن يشمل هدفها تهيئة الطفل وإعداده إعدادًا سويًّا للمراحل العمرية التالية.
- تعمل رياض الأطفال على توجيه وإكساب الطفل العادات السلوكية التي تتفق مع قيم وعادات وتقاليد المجتمع الذي ينتمون إليه, وتنمية ميول الأطفال، واكتشاف قدراتهم، والعمل على تنميتها بما يتفق وحاجات المجتمع الذي يسعى إلى التقدم.
стр. 138
- فغرس الميول المختلفة عند الأطفال يتوقَّف إلى حدٍّ كبير على توجيه الطفل من خلال اللعب، وإذا كانت ميول الأطفال تتعارض مع ميول الآباء والأمهات عندما لا يجد الطفل في مسكن الأسرة ما يشبع ميوله, ففي رياض الأطفال تتوفر للطفل إلى حد كبير وسائل إشباع ميوله من خلال مجتمع الأطفال المعَدّ لهم.
- وفي رياض الأطفال تنمو لدى الطفل الأسس العريضة لآداب السلوك، والإدراك المعنوي، والأحاسيس والعادات والعلاقات مع الآخرين، ففي جماعات الأطفال ذات السن الواحد يجمع طفل رياض الأطفال أولى تجارب وخبرات العلاقات الاجتماعية، وتتكوّن لديه الملامح الأولى لعلاقاته المتبادلة مع المجتمع.
- وفي رياض الأطفال يتم خلق وإيجاد جو متناسق ومتوافق بين جماعة الأطفال وتنمية احتياجات الأطفال وعاداتهم السلوكية, وتوجييهم إلى نواحي السلوك السوية التي تتفق مع قيم وعادات وتقاليد المجتمع السائدة في هذه السن, ويحاول القائمون على تربية الطفل وتنشئته في رياض الأطفال الوصول بالطفل عن طريق اللعب والنشاط, من خلال مجالات العمل المختلفة مع الأطفال للنمو المتكامل للشخصية "العضوي والنفسي والتربوي", وتطوير إمكانيات الطفل واستعداده، وإعداده لأولى المراحل التعليمية "المرحلة الابتدائية".
ولكي يصبح أسلوب التنشئة الاجتماعية فعالًا ومؤثرًا في النمو داخل رياض الأطفال, فإنه:
- تبرز الأهمية التربوية الكبرى لإعداد وتأهيل المربيات لدور الحضانة ورياض الأطفال، ذلك لأن تفتح نمو واستعدادات الطفل الفطرية يستدعي توفُّر المعرفة الكافية لخواصِّ ومظاهر كل مرحلة من مراحل نمو الطفل للقائمين على تربيته وتنشئته ورعايته.
- تبرز أهمية إيجاد الصلات الوطيدة بين رياض الأطفال والآباء والأمهات، وذلك لضمان عدم التعارض بين أهداف وأسلوب ومنهج العمل المشترك في كلٍّ منهما, وتحقيق الأهداف التربوية والاجتماعية التي من أجلها أنشئت رياض الأطفال؛ فرياض الأطفال لا يمكن أن تقوم بالوظائف العديدة التي للأسرة تمامًا
стр. 139
وأن تكون بديلة عنها، ولكنها مكملة لوظائف الأسرة, ومساعدة لها في نجاح مهامِّها التربوية في تنشئة وتربية طفل رياض الأطفال على أحسن وجه.
- كذلك تبرز أهمية وجود برنامج عملي محدَّد لرياض الأطفال يحقق أهداف العمل التربوي بها، ويساعد على نموِّ الطفل وتنمية قدراته, وتفتيح استعداداته, وإشباع احتياجاته, وتوجيه ميوله وتنميتها, وذلك من خلال البرامج المحدَّدة الموجِّهة لنشاط الرياض, والتخطيط لهذه المنشآت، وتوفير المباني المعدة, والأجهزة والوسائل التعليمية التربوية من لعب وغيرها من مستلزمات تجهيز بما يحقق الأهداف التربوية لها. ووضع برنامج عمل يومي لكل دار حضانة وروضة أطفال، والاعتماد على الألعاب المبرمجة كوسيلة أساسية لتحقيق الأهداف التربوية لهذه الدور، مع توفير الألعاب المناسبة مع الإمكانيات المحلية, ومراحل نمو الطفل المختلفة, واحتياجاته لهذه اللعب، ومن خلال كل هذا نستطيع أن نقول بأن رياض الأطفال مؤسسة، أو بيئة طيبة لتنشئة طفل الثالثة, وحتى يدخل المدرسة الابتدائية في السادسة.
٢- المدرسة:
نظرًا لتعقُّد عناصر الثقافة واتساع دائرتها التي يتعين على الفرد اكتسابها, بدأت الأسرة تفقد بالتدريج الكثير من وظائفها الاجتماعية نظرًا لانشغال الآباء تحت ضغط الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وما كانت الأسرة تقوم به أصبح من وظائف المدرسة في نقل التراث الثقافي إلى الأجيال، ومعاونة الأبناء على مواجهة ظروف الحياة في ضوء ما اختارته من قيم وأنظمة ومعارف.
وعندما يذهب الطفل إلى المدرسة فإنه يصبح لأول مرَّة تحت إشراف أفراد ليسوا من أقاربه، وبالتالي فهو يتحرَّك من وسط تسوده الروابط الشخصية إلى وسط آخر غير شخصي، ومن خلال الاتصال مع المدرسين والزملاء من التلاميذ, ومن ثَمَّ فإن المدرسة هي التي تربط الطفل بنظام اجتماعي أوسع، وهي المنظَّمة الرئيسية التي يوكلها المجتمع من أجل تقليل روابط الطفل بوالديه, وإدخاله لأول مرة في المنظمات الاجتماعية التي تتجاوز حدود الجماعات المعتمدة على القرابة والجيرة.
стр. 140
دور المدرسة في النمو النفسي:
تلعب المدرسة دورًا بارزًا في النمو النفسي والاجتماعي والمعرفي, ويتضح ذلك في الآتي:
- تأخذ المدرسة على عاتقها حاليًا -في المجتمع الحديث- مهمة تهيئة الصغار تهيئة اجتماعية من خلال نقل الثقافة، فقد بلغت الحال بالمجتمع الحديث أن يتوقع من المدرسة أن تنقل إلى الطفل ثقافة معقدة تعقيدًا شديدًا لا تنطوي فقط على قدر كبير من المعارف المتراكمة والمهارات المعقدة، بل على مجموعة أكبر من القيم والمعايير النظرية المتشابكة التي تشتمل على الأسس الأيديولوجية لتراث المجتمع الثقافي.
فقدرة المجتمع الحديث على الاستمرار لا تتوقَّف على قدرة مواطنيه على القراءة والكتابة, ولكن على إيمانهم بالمبادئ السياسية والدينية والاجتماعية التي تقوم على أساسها نظم المجتمع والإخلاص لها؛ ولذلك ينتظر من المدرسة أن تعلّم الطفل شيئًا ما من مختلف المثُل العليا مثل: الديمقراطية وحكم القانون والمشروع الحر، بل يتعلّم كيف يتصرَّف وفقًا لهذه المبادئ والعادات. "فاروق العدلي: ١٩٨١، ٢٣٩-٢٤٠".
- تلعب المدرسة في المجتمع الحديث دوًا هامًّا في تعليم الاتجاهات، والمفاهيم والمعتقدات المتعلمة بالنظام السياسي؛ حيث تعطي المدرسة الطفل المحتوى والمعلومات والمفاهيم التي من شأنها توسيع وصقل مشاعر الطفل المبكرة المتعلقة بالارتباط بالوطن، كما تضع تأكيد أعظم على الامتثال للقانون والسلطة ولوائح المدرسة، هذا الدور الخاص بتوجيه الطفل نحو النظام الاجتماعي والسياسي القائم, وتعضيد احترامه له, لا شكَّ أنه أحد الطرق التي تعمل فيها المدرسة كمنظمة محافظة للتنشئة الاجتماعية.
- تعلِّم المدرسة الطفل المهارات والمعلومات المتعلقة بالطريقة التي يعمل بها المجتمع, أو التي ينبغي أن يعمل بها, ويؤدي ذلك إلى إعداد الطفل للتصرُّف وفقًا للأدوار التي يقوم بها العضو الراشد في المجتمع, فأهم جزء من عملية التهيئة الاجتماعية يتضمّن التمثل اللا شعوري, واستبطان المعتقدات والقيم, ونماذج سلوك الآخرين الذين يتصل بهم الفرد اتصالًا مباشرًا. فعن طريق توسيع دائرة الطفل يتعلّم إعداد نفسه للقيام بمختلف الأدوار التي يقوم بها الشخص الراشد، كما يعرف ما ينتظر من الأشخاص الذين يشغلون وظائف في مجتمع الكبار.
- كما تعلب المدرسة دورًا أكبر في مساعدة الأطفال على تعلُّم ضبط انفعالاتهم, والتعامل مع مراكز السلطة، وكذلك تولي القيام بها، كما تتضمَّن التهيئة الاجتماعية معرفة الطفل للطريقة التي تُحَلُّ بها المشكلات من كافَّة الأنواع, واكتساب الوسائل الفنية لحل المشكلات كجزء متمِّم للعملية التربوية.
- ولا تلعب المدرسة فحسب هذا الدور المحافظ في عملية التلقين ونقل تراث الماضي، ولكن تشجع المدرسة القدرات الخلاقة لأعضاء المجتمع الجدد، ولذلك تقوم بدور أكبر في الإسهام في الأنشطة الخلاقة من جانب التلاميذ، وعن طريق غرس القيم الاجتماعية التي يجب أن تتمشَّى مع الرغبة في التقدّم القائمة على الإنجاز في العلوم, وفي مجالات المعرفة الأخرى، كما تأخذ على عاتقها مهمة القيام بدور رئيسي في عمليات التجديد والتحديث والتغير.
هذه الوظيفة التجديدية الاستحداثية هامَّة جدًّا لإعداد الأطفال اجتماعيًّا للمعيشة في مجتمع يتعرض للتغير السريع. "هدى قناوي: ١٩٨٣، ٦١-٦٥".
стр. 141
التفاعل بين الوراثة والبيئة في تشكيل النمو:
إذا كان أنصار الوراثة يقولون: بأن كل ما لدى الطفل أو ما سيكون لديه في المستقبل, إنما يرجع إلى الوراثة، فالعباقرة يولدون مزوَّدين بالاستعداد للعبقرية، وكذلك المنحرفين بنزعة الإجرام، والدم شاهد على ذلك، وكلنا نعلم أن الطبع يغلب التطبع، وأن ما يزعمه أنصار البيئة من قول بالتعلُّم والاكتساب مردود عليهم؛ لأنك لا تستطيع أن تصنع من "الفسيخ شربات"؛ لأن نوع المورثات التي تحملها الكروموسومات من كلا الأب والأم، وصدفة تلاقيها، ونوع العلاقة بينها -كما رأينا- هي التي تحدد أي صنف من الأفراد سيكون كل طفل.
стр. 142
أما أنصار البيئة: فيعتقدون أن لا شيء أو أقل القليل من الأشياء يمكن وراثته، وأن ما نسميه بالمورثات التي يتلقاها الطفل من والديه لا أهمية كبيرة لها في نموه، وأن الأهمية الكبرى هي للتدريب والتعلُّم الذي يتلقاه، ولقد كان "واطسون"، وهو من غلاة السلوكيين أنصار البيئة والاكتساب، ينكر بشدة فكرة المواهب الفطرية, ويقول: "أعطوني اثنا عشر طفلًا أصحّاء, أتعهد بتنشئتهم, وأنا كفيل بأن آخذ أيًّا منهم بالصدفة وأدرِّبه على أن يصبح أيَّ نوع من التخصص أريده له: طبيبًا، محاميًا، فنانًا، شيخ التجار، بل متسولًا أو لصًّا، بصرف النظر عن مواهبه وقدراته, أو ميوله واستعداداته وجنس آبائه وأجداده".
والراجح اليوم: هو هجر كلا المذهبين المتطرفين، والجمع بين أثر كل من الوراثة والبيئة، والتطبع nature & nurture في تشكيل النمو الإنساني بدلًا من محاولة استبعاد أحدهما وإبقاء الآخر كلية. أي: إنهما معًا, أصبح يبحث أثرهما المتشرك في نمو صفة جزئية من صفات الجسم, أو سمة بعينها من سمات التشخصية. فالزارع رغم إيمانه بضرورة اختيار البذور الصالحة المنتقاة يدرك أن هذه البذور لن تكون شيئًا مثمرًا إذا هو نثرها في أرض موات، كما أنه يدرك أن الأرض مهما قويت لن تغلَّ محصولًا ناجحًا ببذور تالفة ينثرها فيها, والنتيجة: إنه ينبغي أن يحرص على انتقاء البذور وجودة التربية والعمل على غرس وتغذية البذور في تلك التربة ... إلخ.
ومثل هذا يقال في الإنسان: فما لم تتكامل للنشء هذه العناصر الثلاثة من: أصل، ووسط، وتربية، أي: وراثة، وبيئة، وتعليم، فإن ما توفّر له من عناصر صالحة للنمو لن يعدو أن يكون مجرد إمكانيات لا تجد سبيلها إلى التحقق.
ولقد وضع دوبز هانسكي dobzhansky معادلة لبيان أثر تفاعل الوراثة والبيئة في تكوين وفاعليات الكائن وهي:
الوراثة × البيئة = الكائن.
стр. 143
على أساس أن الوراثة مقصود بها مجموعة الخصائص الوراثية للفرد التي يسميها genotype، وأن الكائن هو حاصل النمو الذي يشمل كافَّة التراكيب والوظائف الداخلية للكائن phenorype, وهو في حالة تغيُّر دائم، والذي يحدد تغيره هذا ليس الوراثة وحدها، ولا البيئة وحدها، ولكن تفاعل كلًا من الوراثة والبيئة معًا. "كمال دسوقي ١٩٧٩، ٤٤-٦٤".
стр. 144
مناهج وطرق البحث في علم نفس النمو:
البحث في علم نفس النمو:
يؤدي البحث في علم نفس النمو عددًا من الوظائف, أحدها: اختبار الافتراضات المنبثقة من نظرية test hypotheses drived from a theory, وإذا كانت نتائج البحث تتفق والافتراضات اكتسبت النظرية قيمتها الحقيقية, أما إذا كان البحث لا يعزز الافتراضات، فإننا نبدأ في التشكيك في النظرية أو في صلاحية البحث لاختيار الافتراضات. ووظيفة البحث هذه هامة في تحديد عمومية النظرية، والدرجة التي تستطيع بها النظرية تفسير السلوك في أكثر من موقف معين, أو مع أكثر من عينة في الأطفال.
والوظيفة الثانية للبحث هي: إيجاد افتراضات جديدة حول السلوك والنمو: generate new hypotheses about behavior and development: ولذلك، فإن البحث يساعد على تطوير النظرية وتحديد أبعادها, وقد يؤدي البحث إلى تركيبات جديدة تتصل بالنظرية المعنية أو النظرية الجاري اختبارها, وبذلك فإن البحث يساعد على تطوير النظرية باقتراح كيفية تحسينها, وبهذه الطريقة يعتبر البحث أداة حاسمة لتعيين الاتجاهات التي يجب أن تغيّر إليها النظريات.
والوظيفة الثالثة للبحث هي: المساعدة على تفسير السلوك والتنبؤ به to help explain and predict behavior: ومن خلال البحث نستطيع تحديد صلاحية البيانات النظرية كتفسير لسلوكٍ ما, وهناك أنواع أخرى من البحث تسمح باستخراج تنبؤات تجعلنا في موقف أفضل لتحديد الظروف اللازمة لإحدث سلوك معين.
كما سبق الذكر: فإن البحث ضروري لاختبار النظريات المتنافسة في مجال النمو, وتختبر النظريات بتجميع الأدلة المؤيد لها، أو الأدلة التي تبين أفضلية التوصل إلى نظرية بديلة, وبدون الأدلة المستقاة من البحث يصبح من المستحيل اختبار النظريات البديلة, وعلى ذلك: لن يكون لدينا وسائل إيجابية لتحديد أيٍّ من النظريات المتعددة هي الأفضل.
стр. 145
أخلاقيات البحث في علم نفس النمو:
لا يقتصر عمل البحث في علم نفس النمو على اختبار النظريات والمساعدة على إشباع فضول الباحثين، بل إنه يستطيع أيضًا الإسهام بقدر كبير في الموضوعات العملية أو التطبيقية. إن المعرفة المكتسبة من البحث في النمو الإنساني قد ساعدت على تطوير مناهج التعليم، وإيجاد طرق جديدة "مثل تعديل السلوك" لمعالجة المرض العقلي, وتعليم الأطفال الذاتويين الاجتراريين التوحديين١, وتحسين الفهم حول تأثير العنف في الأفلام السينمائية والتليفزيونية على نمو المهارات الاجتماعية لدى الطفل إلخ. وهذه الإسهامات تفيد كل فرد في المجتمع وخاصة الأطفال.
ولقد نشرت لجان "الجمعية الأمريكية لعلم النفس "١٩٧٢"" american psychological association مجموعة من المعايير الأخلاقية للبحث مع أفراد الجنس البشري, وأصدرت جمعية بحوث نمو الطفل the sciety for research in child development "١٩٧٣" مجموعة مماثلة من الإرشادات موجَّهة أساسًا للأبحاث مع الأطفال, وقد رؤي أن هذه الإرشادات ضرورية؛ لأن الأطفال أقل قدرة من الكبار على تقييم معنى الاشتراك في بحث؛ ولأن الأطفال أقل خبرة بتقدير مدى تعرضهم للضغط، مثلًا. وأهمية هذه الآراء حول الأطفال تظهر بوضوح من ضرورة الحصول على موافقة الآباء على اشتراك أطفالهم في تجربة أو بحث، كما أنَّ الطفل ذاته يجب أن يوافق على ذلك. والإرشادات التي قدمتها "جمعية البحث في نمو الطفل تتضمَّن ثلاثة موضوعات رئيسية:
- موافقة واعية.
- مراجعة المتخصصين لإجراءات البحث.
- والسرية.
وتفصيل هذه الموضوعات على النحو التالي: