← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التفاعل بين الوراثة والبيئة في تشكيل النمو: إذا كان أنصار الوراثة يقولون: بأن كل ما لدى الطفل أو ما سيكون لديه في المستقبل, إنما يرجع إلى الوراثة، فالعباقرة يولدون مزوَّدين بالاستعداد للعبقرية، وكذلك المنحرفين بنزعة الإجرام، والدم شاهد على ذلك، وكلنا نعلم أن الطبع يغلب التطبع، وأن ما يزعمه أنصار البيئة من قول بالتعلُّم والاكتساب مردود عليهم؛ لأنك لا تستطيع أن تصنع من "الفسيخ شربات"؛ لأن نوع المورثات التي تحملها الكروموسومات من كلا الأب والأم، وصدفة تلاقيها، ونوع العلاقة بينها -كما رأينا- هي التي تحدد أي صنف من الأفراد سيكون كل طفل.

стр. 142

أما أنصار البيئة: فيعتقدون أن لا شيء أو أقل القليل من الأشياء يمكن وراثته، وأن ما نسميه بالمورثات التي يتلقاها الطفل من والديه لا أهمية كبيرة لها في نموه، وأن الأهمية الكبرى هي للتدريب والتعلُّم الذي يتلقاه، ولقد كان "واطسون"، وهو من غلاة السلوكيين أنصار البيئة والاكتساب، ينكر بشدة فكرة المواهب الفطرية, ويقول: "أعطوني اثنا عشر طفلًا أصحّاء, أتعهد بتنشئتهم, وأنا كفيل بأن آخذ أيًّا منهم بالصدفة وأدرِّبه على أن يصبح أيَّ نوع من التخصص أريده له: طبيبًا، محاميًا، فنانًا، شيخ التجار، بل متسولًا أو لصًّا، بصرف النظر عن مواهبه وقدراته, أو ميوله واستعداداته وجنس آبائه وأجداده". والراجح اليوم: هو هجر كلا المذهبين المتطرفين، والجمع بين أثر كل من الوراثة والبيئة، والتطبع nature & nurture في تشكيل النمو الإنساني بدلًا من محاولة استبعاد أحدهما وإبقاء الآخر كلية. أي: إنهما معًا, أصبح يبحث أثرهما المتشرك في نمو صفة جزئية من صفات الجسم, أو سمة بعينها من سمات التشخصية. فالزارع رغم إيمانه بضرورة اختيار البذور الصالحة المنتقاة يدرك أن هذه البذور لن تكون شيئًا مثمرًا إذا هو نثرها في أرض موات، كما أنه يدرك أن الأرض مهما قويت لن تغلَّ محصولًا ناجحًا ببذور تالفة ينثرها فيها, والنتيجة: إنه ينبغي أن يحرص على انتقاء البذور وجودة التربية والعمل على غرس وتغذية البذور في تلك التربة ... إلخ. ومثل هذا يقال في الإنسان: فما لم تتكامل للنشء هذه العناصر الثلاثة من: أصل، ووسط، وتربية، أي: وراثة، وبيئة، وتعليم، فإن ما توفّر له من عناصر صالحة للنمو لن يعدو أن يكون مجرد إمكانيات لا تجد سبيلها إلى التحقق. ولقد وضع دوبز هانسكي dobzhansky معادلة لبيان أثر تفاعل الوراثة والبيئة في تكوين وفاعليات الكائن وهي: الوراثة × البيئة = الكائن.

стр. 143

على أساس أن الوراثة مقصود بها مجموعة الخصائص الوراثية للفرد التي يسميها genotype، وأن الكائن هو حاصل النمو الذي يشمل كافَّة التراكيب والوظائف الداخلية للكائن phenorype, وهو في حالة تغيُّر دائم، والذي يحدد تغيره هذا ليس الوراثة وحدها، ولا البيئة وحدها، ولكن تفاعل كلًا من الوراثة والبيئة معًا. "كمال دسوقي ١٩٧٩، ٤٤-٦٤".

стр. 144

مناهج وطرق البحث في علم نفس النمو: البحث في علم نفس النمو: يؤدي البحث في علم نفس النمو عددًا من الوظائف, أحدها: اختبار الافتراضات المنبثقة من نظرية test hypotheses drived from a theory, وإذا كانت نتائج البحث تتفق والافتراضات اكتسبت النظرية قيمتها الحقيقية, أما إذا كان البحث لا يعزز الافتراضات، فإننا نبدأ في التشكيك في النظرية أو في صلاحية البحث لاختيار الافتراضات. ووظيفة البحث هذه هامة في تحديد عمومية النظرية، والدرجة التي تستطيع بها النظرية تفسير السلوك في أكثر من موقف معين, أو مع أكثر من عينة في الأطفال. والوظيفة الثانية للبحث هي: إيجاد افتراضات جديدة حول السلوك والنمو: generate new hypotheses about behavior and development: ولذلك، فإن البحث يساعد على تطوير النظرية وتحديد أبعادها, وقد يؤدي البحث إلى تركيبات جديدة تتصل بالنظرية المعنية أو النظرية الجاري اختبارها, وبذلك فإن البحث يساعد على تطوير النظرية باقتراح كيفية تحسينها, وبهذه الطريقة يعتبر البحث أداة حاسمة لتعيين الاتجاهات التي يجب أن تغيّر إليها النظريات. والوظيفة الثالثة للبحث هي: المساعدة على تفسير السلوك والتنبؤ به to help explain and predict behavior: ومن خلال البحث نستطيع تحديد صلاحية البيانات النظرية كتفسير لسلوكٍ ما, وهناك أنواع أخرى من البحث تسمح باستخراج تنبؤات تجعلنا في موقف أفضل لتحديد الظروف اللازمة لإحدث سلوك معين. كما سبق الذكر: فإن البحث ضروري لاختبار النظريات المتنافسة في مجال النمو, وتختبر النظريات بتجميع الأدلة المؤيد لها، أو الأدلة التي تبين أفضلية التوصل إلى نظرية بديلة, وبدون الأدلة المستقاة من البحث يصبح من المستحيل اختبار النظريات البديلة, وعلى ذلك: لن يكون لدينا وسائل إيجابية لتحديد أيٍّ من النظريات المتعددة هي الأفضل.

стр. 145

أخلاقيات البحث في علم نفس النمو: لا يقتصر عمل البحث في علم نفس النمو على اختبار النظريات والمساعدة على إشباع فضول الباحثين، بل إنه يستطيع أيضًا الإسهام بقدر كبير في الموضوعات العملية أو التطبيقية. إن المعرفة المكتسبة من البحث في النمو الإنساني قد ساعدت على تطوير مناهج التعليم، وإيجاد طرق جديدة "مثل تعديل السلوك" لمعالجة المرض العقلي, وتعليم الأطفال الذاتويين الاجتراريين التوحديين١, وتحسين الفهم حول تأثير العنف في الأفلام السينمائية والتليفزيونية على نمو المهارات الاجتماعية لدى الطفل إلخ. وهذه الإسهامات تفيد كل فرد في المجتمع وخاصة الأطفال. ولقد نشرت لجان "الجمعية الأمريكية لعلم النفس "١٩٧٢"" american psychological association مجموعة من المعايير الأخلاقية للبحث مع أفراد الجنس البشري, وأصدرت جمعية بحوث نمو الطفل the sciety for research in child development "١٩٧٣" مجموعة مماثلة من الإرشادات موجَّهة أساسًا للأبحاث مع الأطفال, وقد رؤي أن هذه الإرشادات ضرورية؛ لأن الأطفال أقل قدرة من الكبار على تقييم معنى الاشتراك في بحث؛ ولأن الأطفال أقل خبرة بتقدير مدى تعرضهم للضغط، مثلًا. وأهمية هذه الآراء حول الأطفال تظهر بوضوح من ضرورة الحصول على موافقة الآباء على اشتراك أطفالهم في تجربة أو بحث، كما أنَّ الطفل ذاته يجب أن يوافق على ذلك. والإرشادات التي قدمتها "جمعية البحث في نمو الطفل تتضمَّن ثلاثة موضوعات رئيسية: - موافقة واعية. - مراجعة المتخصصين لإجراءات البحث. - والسرية. وتفصيل هذه الموضوعات على النحو التالي:

стр. 146

١- الموافقة الواعية: وتعني أن يكون الشخص الذي يعطي الموافقة على علم بكل نواحي البحث التي قد تؤثر على رغبته في المشاركة، وعلى الباحث أن يخبر الطفل أو الده أو بديل الوالد "المعلم مثلًا" بطبيعة البحث أو الغرض منه، والإجراءات التي ستتبع، والاستخدام الذي سيحدث للمعلومات، ويجب أن تكون الإجابة عن التساؤلات حول موضوع البحث بلغة يمكن للأطفال أو الوالد أو المعلم أن يفهمها, ويمكن أن تتاح الفرصة بسحب الموافقة على المشاركة في البحث في أي وقت: قبل أو في أثناء إجراء البحث أو التجربة, وللطفل حق رفض المشاركة حتى ولو وافق الآخرون, وكل مَنْ شارك في التجربة، بما في ذلك الذين يتفاعل معهم الطفل "الكبار، الوالدان، المعلمون" يجب أن يحاطوا علمًا بإجراءات البحث, وأن يوافقوا عليها. ٢- مراجعة المتخصصين البحث: ويقصد بها المراجعة التي يقوم بها علماء النفس وغيرهم ممن لديهم دراية بالبحث, فقبل البدء في بحث أو تجربة يجب أن تقوم اللجان المكونة من المراجعين المتخصصين بفرز إجراءات البحث, وإجراءات الحصول على الموافقة الرسمية، وهذا الفرز يساعد على تأكيد حقوق المشاركين فيه, وتحديد المشاكل في الإجراءات, واقتراح التعديلات والحلول. ومراجعة المتخصصين تكون ذات فائدة خاصة في معالجة المشاكل ذات الطابع الذي يؤذي المشاركين، وفي هذه الحالة يتم تحديد هذه المشاكل واقتراح معطيات بديلة للبحث, كما أنَّ طرق الكبار للمراجعة يجب أن تتشرف على استخدام الخداع في البحث "إذا تطلَّب الأمر ذلك"؛ إذ أن الأبحاث قد تطلب استخدام الخداع في بعض الحالات، مثال ذلك: نجد أنه من المستحيل دراسة آثار توقعات المعلمين "فتوقعات المعلم حول أداء الطالب قد تؤثر على سلوكه", إذا كان المعلمون قد حصلوا على معلومات كاملة, وباقتناع فريق المراجعين المتخصصين بالحاجة للخداع أو الإخفاء، يستطيع الباحث أن يضمن جدوى الخداع, وتذكر الإرشادات أنه بعد التجربة يجب على الباحث أن يفسِّر للمشاركين السبب في الخداع، وأن يجيب عن أي أسئلة حول التجربة. ٣- أما السرية: فإنها أمر آخر بالغ الأهمية، فيجب أن تكون كل المعلومات المتجمعة من المشاركين موضع السرية, ولا يجب تحديد أيّ من المشاركين في البحث بالاسم في التقارير الشفوية أو المكتوبة, ويجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ ملفات البيانات. وتتطلب إرشادات أخرى التوصل إلى وسائل جديدة للبحث إذا تعرَّض الطفل للضرر أو غضّ النظر عن مشروع البحث، فضلًا عن ذلك يطالب آخرون أن يكون الباحث مسئولًا عن الإجراء الأخلاقي للمساعدين والطلبة الذين يساعدون في البحث، وإيضاح أن الباحث يجب أن يفي بأي وعود أو التزامات ارتبط بها مع المشاركين في البحث. وبالطبع فإن هذه الإرشادات لا تحل كل المشاكل الأخلاقية في البحث، ولا تسهل العمل في كل الأحوال, والأحكام الأخلاقية ذات طابع ذاتي، ولذلك: فإنها تكون دائمًا عرضة للمناقشة، ومن هنا: فإن الهدف من الإرشادات هو رعاية التفكير حول المسائل الأخلاقية, وتقديم بعض العون؛ كنظام مراجعة المتخصصين، لضمان التزام الباحثين بأقصى درجات النزاهة والأمانة، واحترام حقوق المشاركين, وفي التحليل النهائي: فإن مسئولية الباحث هي أن يعمل بطريقة أخلاقية.

стр. 147

أبعاد البحث في علم نفس النمو: يمكن تقسيم وتصنيف مشروعات أبحاث علم النفس بعدة طرق "mc candless ١٩٧٠". والجدول "٣" يوضح أربعة أبعاد يمكن توزيع مشروعات البحث عليها، وهو يلخص النواحي الرئيسية في كل منها. ومع أن هذه الأبعاد الأربعة ليست نهائية تمامًا، أي: إنها تصلح لإيضاح مختلف نقاط التركيز التي يمكن أن تكون لكل بحث, والنقاط الختامية لكل بعد ليست هي الأخرى نهائية تمامًا؛ إذ أن بحثًا واحدًا يمكن أن يركِّز في نفس الوقت على نفس النقطتين الختاميتين لبعد واحد.

стр. 148

وفيما يلي أبعاد البحث في ميدان علم نفس النمو: ١- البحث المعملي والبحث الوصفي: يجري البحث المعملي laboratory أساسًا في موقف مهيأ صناعيًّا، من خلال مجموعة من الإجراءات تتيح إمكانية التحكم في عدد من المتغيرات الطارئة emergent variables، ويسمح البحث المعملي بقياس أكثر نقاءً ودقة, والموقف المهيأ صناعيًّا يعمل على استبعاد المؤثرات التي تصرف الانتباه عن الأداء, وفيه تسمح الواجبات غير المألوفة بإجراء قياسات السلوك التي لم تتأثر بتعلم سابق، ذلك لأن الواجبات تكون على درجة متساوية من الجدَّة بالنسبة لتلك الجاري اختبارها, وهكذا. ففي دراسة التكيف المشروط مثلًا: لا تجري دراسة الموضوع في الحجرة التي يعيش يها الطفل، ولكن يحتمل أن يوضع في حجرة هادئة لإمكان الحصول

стр. 149

على قياس حساس للتكيف دون تأثير متغيرات أخرى أو مثيرات غريبة أو صارخة للنظر. وعلى العكس من البحث المعملي هناك البحث الوصفي الذي يصطنع الملاحظة الطبيعية أسلوبًا ومنهجًا: وتجري الملاحظة الطبيعية: naturalistic observation في الحقل "الميدان"، وعادة تتطلَّب مجرد ملاحظة وتسجيل ما يفعله الناس في ظروف مماثلة لظروف "الحياة الواقعية". مثال ذلك: سلوك الأطفال في الملاعب، أو كيف يكون سلوك الأطفال في الملاعب، أو كيف يكون سلوك الناس بعد مشاهدة حادث سيارة؟ إن دراسة مثل ردود الفعل هذه تكون بالغة الصعوبة في المعمل، ولكن يمكن ملاحظتها في الإطار الطبيعي، وتشمل الأمثلة الأخرى للبحث الذي يجري بالملاحظة لتقييم أنماط السلوك الاجتماعي social behavior وأنماط سلوك التجمعات في الشوارع، وملاحظات تتم في الخفاء لأفراد في أي نوع من المواقف الطبيعية. شكل "٣٨أ" يقوم الباحث بتقدير أداء طفل على اختبار للنمو المعرفي. والبحث الوصفي descriptive research ذو فائدة خاصة في دراسة النمو الذي لا يمكن دراسته في المعمل لأسباب أخلاقية أو عملية, مثل ذلك دراسة وسائل التأديب التي يستخدمها الوالدان، على نمو الطفل اجتماعيًّا وانفعاليًّا. إن استخدام الطريقة التجريبية لبحث هذه المسألة الهامة تكون منافية للأخلاقيات وغير عملية. إننا نضطر لتعيين والدان يعينان عشوائيًّا لمجموعتين: أحدهما يعاق ولا يستخدم مكافآت، والآخر يقدم مكافآت، ولكنه لا يستخدم العقاب, وفي أوقات مختلفة قد نتمكن من الحصول على تقديرات لنمو الأطفال اجتماعيًّا وانفعاليًّا، ومقارنة هذه التقديرات بتلك التي أجريت لمجموعتي الأطفال, فإذا كانت المقاييس للمجموعتين مختلفة، استطعنا أن نستنتج أن العقاب يؤثر على النمو الاجتماعي.

стр. 150

وبملاحظة الوسائل التأديبية التي يستخدمها الوالدان، ومقارنتها بتقديرات سلوك الطفل، يمكن إيجاد العلاقة بين استخدام الوالدين للعقاب والسلوك الاجتماعي للطفل, ومع أن عينة الوالدين تكون متحيزة، ورغم حقيقته أنه ما من والد لا يستخدم سوى العقاب، نستطيع الحصول على قدر لا بأس به من المعلومات من هذه المعالجة. لقد أصبح اهتمام علماء النفس باستخدام البحث الوصفي لاستكمال الأبحاث المعلمية يتزايد باطراد "bronfenbrennor ١٩٧٧" "mc call ١٩٧٧". وينصب اهتمامهم على تحديد ما إذا كانت أسباب النمو التي تبرز من خلال المعالجة التجريبية أسباب صحيحة، أي: يمكن التدليل على صحتها بملاحظات التفاعلات اليومية daily interactions. ٢- البحث التشكيلي والبحث اللاتشكيلي: والبعد الثاني: تشكيلي manipulative عكسه لا تشكيلي nonmanipulative, والبحث التشكيلي manipulative يشمل إجراء تغيير تجريبي لأحد التغيرات في محاولة لتحديد ما إذا كان ذلك يؤدي إلى إبراز فروق في سلوك الأفراد الذين تجري عليهم التجربة, والمتغيِّرات الذي يجري تشكيله يسمَّى بالمتغيِّر المستقل inderpendent variable، والمتغيِّر الذي يقاس يسمَّى بالمتغير التابع dependent variable. ومنطق الخطة التشكيلية هي أن الأفراد الذين يجرى عليهم البحث ويتلقَّون مستوى واحدًا "تشكيلي" من المتغيرات المستقل، يجب أن يكون أداؤهم أفضل أو "أسوأ" في المتغيرات التابع من الأفراد الذي يتلقون مستوى مختلف في المعالجة. مثال ذلك: إننا قد نبحث تأثيرات مختلف أنواع

стр. 151

التعزيز "التدعيم" على تعلم الأطفال، وذلك بتعزيز إحدى مجموعتي الأطفال بإعطائهم حلوى، والمجموعة الثانية تتلقى الثناء على الاستجابات الصحية, وتشكيل نوع التعزيز هو المتغير المستقل، وقياسنا للتعلُّم هو المتغير التابع, وتتضمَّن كثير من التجارب أكثر من متغير مستقل واحد، "إذا استخدمنا كلًّا من الصبيان والبنات في التجربة التي تستخدم التعزيز، يكون لدينا متغيران مستقلان: نوع التعزيز، وجنس المفحوص", ونستطيع عندئذ أن نحدد ما إذا كان نوع التعزيز يؤثر على التعلُّم، أو ما إذا كان جنس المفحوص يؤثر على التعلم، أو ما إذا كان هنا تفاعل بين المتغيرين المستقلين، بمعنى إذا كان تفاعل كل من الجنسين مع نوعي التعزيز يختلف عن تفاعل الآخر, ولكي نبحث بعض نواحي النمو يجب أن يجري البحث بمتغيرات مستقلة ثلاثة أو أربعة أو أكثر, وتسم هذه الدراسات بتقييم المساهمة المستقلة لكل متغير، وكذلك التأثيرات المتفاعلة للتغيرات على النمو. ويجري البحث التشكيلي أساسًا في المعمل، ولو أنه قد يجري أحيانًا في أوساط طبيعية. وفي البحث اللاتشكيلي: يقوم الباحث الذي يجري التجربة بملاحظة وتسجيل سلوك الأفراد المشتركين في البحث بدون إجراء تشكيل, ويجري هذا البحث عادة في وسط طبيعي، وإن كان ذلك غير ضروري، وبعض الأبحاث اللاتشكيلية بالغة الدقة، وتسمح بتحديد دقيق للطرق التي يرتبط بها المتغير بالسلوك, ومن ثَمَّ فإن علاقات "السبب والنتيجة" يمكن تحديدها, ومهما يكن من أمر فإن طريقتي المعالجة عادة ما تكمل كل منها الأخرى, فمثلًا: "نشكل مقدار التدريب الذي لدى الأطفال في موقف معين، ثم نقيِّم أداءهم في واجب ذي صلة به". وبهذه الطريقة نستطيع أن نحدد مدى التدريب الذي يمكن أن يؤثر على الأداء, ومن جهة أخرى نلجأ إلى المجموعات الطبيعية، ونجد أناسًا مع المجرى الطبيعي للأحداث لديهم درجات مختلفة من التدريب مع بعض مهارات خاصة، ونقيم أداءهم في واجب ذي طابع معياري, وفي هذه الحالة فإننا لا نقوم بأي تشكيل معين, وكما ذكرنا سابقًا فإن البحث بالملاحظة من هذا النوع يكون عادة ضروريًّا، ذلك لأن التشكيلات لا تكون دائمًا أخلاقية أو عملية.

стр. 152

ومع أن البحث النمائي له تاريخ طويل غائر في طريقة المعالجة الوصفية, فإن الاستراتيجية التشكيلية ازدادت شيوعًا بصورة مطَّردة في دراسة ظواهر النمو, وكثير من الأبحاث التشكيلية، وخاصة الدراسات بالاستقصاء لا تزال تجري، ولكن عجزها عن الكشف عن علاقات السبب والنتيجة أحدثت انحسارًا في استخدامها, وجعلتها قاصرة على تلك المجالات التي قد يتعذَّر فيها إجراء البحث التشكيلي، أو إذا اعتبر هذا البحث مخالفًا لأخلاقيات المهنة, وقد أدَّى الاهتمام المتجدد بإمداد البحث التشكيلي باستراتيجية وصفية, مما أدَّى إلى خلق مكان جديد لهذه المعالجة في دراسة نمو الطفل، ومن المحتمل أن يحفز على الزيادة في البحث الوصفي "mc call ١٩٧٧ bronfenbrenner ١٩٧٧". ٣-البحث النظري والبحث غير النظري: والبعد الثالث: الوارد بالجدل رقم "٣" هو النظري وعكسه اللانظري theoretical versus nontheoretical. إن قدرًا كبيرًا من الأبحاث في نمو الطفل تهدف إلى اختبار النظريات، ومع ذلك فكثير من الأبحاث تجري دون اهتمام باختبار نظرية معينة، بل تجري لمجرد إشباع فضول الباحث، أو لوصف جانب ما من جوانب النمو، أو لوضع خطة مفصّلة لمجال جديد ذي أهمية، ولكن يفتقر إلى نظرية. ومثل هذه الأبحاث الأخيرة أبحاث لا نظرية، بمعنى أنه لا توجد نظرية معينة يقوم البحث باختبارها, والبحث غير النظري والبحث اللانظري يقدِّم معلومات يمكن استخدامها كقاعدة لبناء نظرية, علاوة على ذلك فإن البحث غير النظري يجري عادة من أجل الإجابة عن أسئلة ذات أهمية عملية مباشرة، مثال ذلك: إن كثيرًا من الأبحاث في سلوك حجرة الدراسة وطرق التعليم كانت من النوع الانظري. ٤- البحث الطولي والبحث المستعرض: الذي قد يختلف فيه مشروعات أبحاث النمو هو تغير السن وعكسه فروق السن age change versus age differences. إن أبحاث النمو تهتم أساسًا بالتغيرات في السلوك الذي يحدث مع التقدم في السن, وأبحاث التغيُّر في السن

стр. 153

"الطولية" هي خلاصة أبحاث النمو؛ لأنها تعكس منحنيات النمو للسلوك بالاختبار المتكرر لنفس المجموعة من الأفراد. إن القياس المتكرر لمجموعة من الأفراد وهم ينمون تسمح بالتقييم المباشر للنمو, وأبحاث فروق السن "المستعرضة" تعكس الفروق كدالة لمختلف مجموعات السن للأفراد الذين يجرى عليهم البحث؛ وحيث إن أفراد البحث الذين في مستويات سن مختلفة قد ولدوا في أوقات مختلفة؛ ولأن اختيارهم لا يتم سوى مرة واحدة، فإنه من المتعذَّر تبيان اتجاهات النمو في السلوك, ومهما يكن من أمر، فإن قدرًا لا بأس به من أبحاث فروق السن يجب أن تكون دائمًا محل شك إذا نحن أردنا تفسيرها من جهة النمو, ولو أننا لا ننكر أن أبحاث فرق السن تعطي معلومات كثيرة قيمة عن النمو، وخاصة عندما لا يكون هناك ما يدعو للشك في أنَّ أحداث بيئية هامة قد تسبب فروقًا في الوظيفة النفسية لمختلف مجموعات السن. وهذه الأبعاد الأربعة تمثل طريقة لتقييم إسهام كل مشروع بحث في المعرفة الخاصة بالنمو -مثال ذلك: إن الأبحاث المعملية التي تكون تشكيلية، ونظرية, وتختص بتغير السن، يجب أن تدل على شيء ذي أهمية نظرية حول تغيرات النمو في تأثيرات متغير ما عن السلوك. إن البحث الطبيعي والمرتبط بعلاقة اللانظري الذي يتضمن عدة مجموعات سن قد يسهم في فهمنا لفروق السن في العلاقة أو "العلاقات" بين متغيرين أو أكثر داخل الإطار الطبيعي. إن أبعاد ابحث المبينة في الجدول رقم "٣" لا تمثل فئات مشتركة، ولكل من الأبعاد الأربعة فئات متوسطة، علاوة على ذلك, فإن مشروع بحث معين قد تكون له مكونات من كل طرف لبعد واحد، ولذا فإن قمية هذه الأبعاد تكمن في المساعدة على وصف الأنواع العديدة لأبحاث النمو, وفي المناقشة التالية سوف نصف التخطيطات المختلفة لعدة أنواع من مشروعات وطرق البحث بالإشارة إلى هذه الأبعاد.

стр. 154

طرق البحث في علم نفس النمو الطريقة المستعرضة لفئات مختلفة cross - sectional study ... طرق البحث في علم نفس النمو: عادة تستخدم أربعة تخطيطات لطرق البحث في علم نفس النمو، وسنبحث حدودها، وفوائدها وعيوبها، ونقدّم أمثلة لكل نوع. ١- الطريقة المستعرضة لفئات مختلفة cross - sectional study ونعرِّفها بأنها التقييم المنهجي لعدة مجموعات من الأفراد في فئة عمر واحدة في نفس الوقت تقريبًا بهدف تحديد الخصائص التي تميز هذا العمر أو هذه المرحلة العمرية التي يدرسها الباحث, ويمكن إجراء مثل هذه الدراسة في المعمل أو في إطار طبيعي. ومن أهم خصائص الدراسة المستعرضة للفئات المختلفة أن كل المجموعات تختبر في وقت واحد قصير نسبيًّا، وتختبر مرة واحدة فقط، وثَمَّة خاصية أخرى هي أنها تشمل عادة تشكيلات المتغيرات، وبذلك تسمح بتقديرات علاقات السبب والنتيجة, وفيما يختص بالأبعاد الواردة بالجدول رقم "٣" فإن دراسة الفئات المختلفة في معظم الحالات تكون نظرية وتشكيلية. وفيما يختص بأبحاث النمو تهتم أيضًا بفروق السن، ولو أن الأمر لا يتطلَّب أكثر من مجموعة سن واحدة. وأهم ما تسهم به أبحاث الفئات المختلفة في فهمنا لنمو الطفل يكمن في اختبار النظريات وإبراز نتائج عن أسباب السلوك، كما أن فروق السن في تأثيرات مختلف التشكيلات يمكن أن تبحث هي الأخرى. ومن أهم مزايا تجربة الفئات المختلفة "البحث المستعرض" أنها توفر نسبيًّا من الوقت والأفراد المستخدمين. فتجربة واحدة تشتمل عدة فئات من الأفراد يمكن أن تجرى في أيام قليلة، ويمكن تجميع قدر كبير من النتائج بالنسبة للجهد المبذول. والدراسة المستعرضة أو تجربة الفئات المختلفة القياسية تجربة تشكيلية, وبعبارة أخرى: يفترض صاحب التجربة أن هناك متغيرًا مستقلًا معينًّا له صلة بالسلوك بطرق محددة، وهو يشكله بقصد اختبار ما إذا كان يؤثر على السلوك بالطرق المتنبأ بها, وبعض أفراد التجربة يكوّنون مجموعة تجريبية experimental group هم الأفراد الذين تجرى عليهم التجربة، أما الباقون فيشكلون مجموعة ضابطة control group، ولا يخضعون لأي تشكيل، وسلوك جميع

стр. 155

الأفراد يقاس عن واجب معين، والنقط التي يسجلونها هي المتغير التابع, والتشكيلات الخاصة التي تجرى تحدد شروط المعالجة, وتسمح لصاحب التجربة بتحديد أي المعالجات "تشكيلات على المتغير المستقل" هي التي تنتج تغيرات في سلوك أفراد التجربة, وبهذه الطريقة فإن الفئات المختلفة يمكن أن تمكننا من تقديم بيانات سبب ونتيجة تربط تشكيلات معينة للمتغير التابع "شكل: ٣٩". ومن ثَمَّ فإن إجراءات التجربة التي بهذا الشكل تستخدم لاختبار افتراضات مشتقة من نظريات، ولتحديد أسباب السلوك الكامن وراءها, وفي إطار البحث الخاص بالنمو، ويعتبر السن بصفة خاصة من أهم المتغيرات المستقلة. وفي كثير من المجالات يفترض أن المعالجة التجريبية تؤثر على أفراد التجربة تأثيرات مختلفة بالنسبة لسنهم، أي: إن تفاعل السن والمعالجة يعتبر هامًّا, وتقييم التأثيرات التفاضلية لتشكيلٍ ما على مختلف مجموعات السن قد تبرز إدراكًا عميقًا لعمليات النمو، مثال ذلك: ما أوضحه ديسك، كيرمز، ميرجلر dusek & kermis & mergler "١٩٧٦" من أنَّ ترقيم المعلومات التي سنحتاج لتذكرها قد سهل التذكر فيما بعد نسبة أكبر لمن هم

стр. 156

قبل سن المراهقة بالمستوى الرابع والسادس عن المراهقين بالمستوى الثامن. ويقترح هذا البحث أن المراهقين يستخدمون طرقًا أكثر فاعلية في التذكير أو فهرسة المعلومات عن الأطفال الأصغر سنًّا. مزايا وعيوب الطريقة المستعرضة: تتلخص مزايا طريقة البحث المستعرضة في أنها تقصر الوقت اللازم للحصول على المعلومات اللازمة فيما يختص بالنمو, فلا يكون علينا أن ننتظر عشرين عامًا مثلًا حتى ندرس النمو من الميلاد حتى سن العشرين، بل يمكن أن نحصل على مجموعات من الأفراد عند نقاط معينة على طول هذه الفترة, ونقوم بدراستها في وقت واحد, فتختصر بذلك الوقت اختصارًا شديدًا. أما عيوب هذه الطريقة فتتلخص في: أ- عدم توفّر العينة المتطابقة التي تكفي للبحث الدقيق "كما يحدث عنه دراسة سلوك الرضع، أو المسنين، أو أبناء المسنين من الأطفال.. إلخ". ب- قد يرفض بعض الأفراد صغارًا أو كبارًا مقابلة الباحث, أو أن يكونوا موضوعًا للدراسة. ج- تخوّف بعض أفراد العينة من أسلوب الدراسة: إما من نتائجها، أو عدم توافر السرية التامّة مما يشعرهم بتهديد حاجتهم للأمن. د- قد لا يمكن في الطريقة المستعرضة تثبيت كل العوامل التي توثر في سلوك فئات العمر المختلفة.

стр. 157

٢- الدراسة الطولية A longirudinal: هي الدراسة المنهجية لمجموعةٍ ما "أو مجموعات" من أفراد على فترات زمنية طويلة, وبعبارة أخرى: فإنه في الدراسة الطولية يكون لدينا أكثر من قياس لسلوك نفس الأفراد؛ وحيث إن سلوك المجموعة الواحدة "أو المجموعات" يجرى تقييمها في أوقات مختلفة، فإن الدراسة الممتدة "الطولية" تقدّم نتائج حول اتجاهات النمو. إن التناسق والتباين في أنماط النمو على مرِّ الزمن يمكن تحديده، مثال ذلك: إننا نستطيع دراسة النمو في الأداء في اختبارات الذكاء كما فعل "تيرمان" حين تتبع نمو مجموعة من الأطفال الموهوبين على مدى ١٨ سنة، أو القدرة على حل المشاكل, أو السمات الجسمية، كما فعل ذلك "جيزل" حين تتبع نمو الأطفال من الميلاد إلى الخامسة ثم العاشرة، ومقارنة اتجاهات النمو "التغير في السن" بالفروق البسيطة في السن. وبالنسبة للأبعاد الأربعة الواردة بالجدول رقم "٣", فإن الدراسة الطولية الممتدة تكون دائمًا دراسة "تغير في السن", وقد تقع عند أيٍّ من أقطاب الأبعاد الثلاثة الباقية. وللدراسة الطولية عدة مزايا أخرى، فهي لا يمكن استخدامها لفحص العوامل التي تؤثر على السلوك على مدى فترة فترات زمنية طويلة فقط, وبعبارة أخرى: فإن الدراسة الممتدة تعتبر مثالية لبحث تأثيرات العوامل الثقافية التي تحتاج لمرور وقت قبل التمكُّن من معرفة آثارها على السلوك, وثانيًا: إن الدراسة الطولية توضح أيضًا الاستمراريات والعموميات في السلوك على مر الزمن، فهي تكون بالغة الأهمية إذا أراد الباحث اكتشاف ما إذا كانت الخصائص من قبيل الذكاء، أو العدوانية أو الاتكالية أو المشكلات السلوكية ثابتة ومستقرة عبر الفترات الطويلة من الزمن؛ إذ أنها قابلة للتقلب والتذبذب. ولاستخدام الدراسات الطولية بعض القصور والعراقيل, فهي كثيرة التكاليف, وتحتاج لزمن طويل، وعدد كبير من العاملين. والباحث قد لا يتيسر له سوى فترة

стр. 158

زمنية محدودة للتفرُّغ لدراسة ممتدة، وكذلك قدر محدود من المال لمتابعة أفراد المجموعة وإجراء عمليات الاختبار ومواصلتها, والمحافظة على اهتمام الأفراد. هذا, وقد يكون إرهاق العينة مشكلة شديدة في الدراسات الطولية الممتدة، وخاصة عندما تتضمن أفرادًا متقدمين في السن, كما أن الأفراد قد يفقدون الاهتمام، أو يتحرَّكون وينتقلون إلى مكان آخر أو يموتون, ونتيجة لذلك، ففي كل مرة من مرات الاختبار يتعامل الفرد مع عينة مختلفة، وبالتالي فإن عمومية النتائج قد تتعرض للشك. وثَمَّة عيب آخر وهو أنَّ الدراسات الممتدة "الطولية" يصعب تكرارها؛ وحيث إن الإعادة هي إحدى طرق التأكد من أنَّ النتائج التي يتم التوصُّل إليها يمكن الاعتماد عليها، وهذا السبب بالغ الخطورة, وأخيرًا فإن إدخال إجراءات اختبار جديدة في دراسة ممتدة قائمة لكونه عادة يكون صعبًا. مثال: إننا لا نستطيع إجراء دراسة ممتدة "طويلة" عن نمو معامل الذكاء "iq" inteligence quotient باستخدام اختبار ذكاء ستانفورد بينيه stanford binet مثلًا، ثم الانتقال إلى معيار الذكاء للكبار الخاص بوكسلر wecksler، ذلك لأنَّ الاختبارين لا يقيسان الذكاء بطريقة واحدة، ولذلك فإن النقط التي يتمّ الحصول عليها من اختبار الذكاء لا يمكن مقارنتها من اختبار إلى اختبار آخر. إن الجمع بين التخطيطات الطولية "الممتدة" وذات الفئات المختلفة "المستعرضة" تستخدم للتغلب على بعض المشاكل الكامنة في كلٍّ من التخطيطات الطولية الممتدة, وذات الفئات المختلفة "الطريقة المستعرضة" التي تجعلها في بعض الأحيان غير صالحة لتقييم ظواهر النمو, وفي التخطيط الطولي الممتد التقليدي نجد أن التأثيرات الناجمة عن السن تختلط بتلك الناجمة عن زمن الولادة، وهو ما يسمَّى بالفيلق "schae, ١٩٦٥" وبعبارة أخرى: حيث إن أعمار افراد المجموعة تختلف في نفس الوقت "وقت الاختبار"، فلا بُدَّ أنهم ولدوا في سنين مختلفة؛ وحيث إنهم ولدوا في سنين مختلفة، فقد يسلكون بطرق ولكنها لا تتعلق بالسن في حد ذاته، إن ما قد يظهر في النتائج كان اختلاف سن، وقد يكون في الواقع اختلاف في وقت الميلاد, والتأثيران يختلطان "يلتبسان تمامًا". وأحيانًا لا نستطيع الحكم منطقيًّا بأن أحدهما وليس الآخر هو الذي أدى لنتائج التجربة، وربما تحدث هذه الظاهرة بوضوح تامٍّ عندما يؤثِّر عامل ثقافي ذو دلالة على النمو, كما في حالة الأفراد الذين من مستويات سن مختلفة، الذين ولدوا قبل أو بعد الحرب العالمية الثانية. إن أفرادًا في سن الأربعين قد يعطون نتائج مختلفة عن أفراد في سن العشرين, بصرف النظر عن فارق السن بين المجموعتين، ذلك لأن الذين في سن الأربعين قد عاصروا حربًا عالمية، الأمر الذي قد يجعلهم يؤدون أداء مختلفًا عن أداء أفراد المجموعة الأصغر سنًّا. وفي الدراسة الطولية الممتدَّة يلتبس الأمر تمامًا بين قياس السن والزمن "schate ١٩٦٥", وبعبارة أخرى فإن سنَّ أفراد التجربة يتعلّق مباشرة بالوقت الذي يؤخذ فيه القياس, وإذا تدخلت أحداثًا ثقافية ذات دلالة بين اختبار وآخر، فإن تغيرات السن التي تلاحظ قد تعكس أو لا تعكس فروقًا بسبب الوقت المعين للمقياس "أي: الأحداث الثقافية التي تدخلت". ومرة ثانية لنعتبر أفراد الأربعينات حيث إنهم ولدوا في عام ١٩٣٩ مثلًا, فإنهم عاصروا حربًا عالمية, وحربين محدودتين تورطت فيها الولايات المتحدة١، ولنا أن نتوقع أن قياسًا ممتدًا لاتجاهات أفراد هذه المجموعة نحو الحرب قد تعكس التورط الجاري في الحرب بعيدًا عن عمليات النضج النفسي, يعكسها بصفة عامَّة سن الفرد, وكما هو الحال في اللبس في حالة الدراسة الطولية الممتدة, فإنه من النادر أن نستطيع منطقيًّا فصل هذا اللبس. ولفظة اللبس بالمعنى الذي نستخدمه هنا يعني أنه من المتعذَّر علينا أن نحدد ما إذا كانت فروق السن أو تغيرات السن "حقيقية"، أو إذا كانت راجعة إلى تداخل أحداث ثقافية, أما إذا لم تتداخل أحداث ثقافية ذات دلالة، فإن التخطيطات التقليدية لن تشكل أي صعوبة.

стр. 159

٣- الطريقة المستعرضة التتبعية cross - sequential study: تقوم هذه الطريقة على أساس الجمع بين الطريقتين الطولية والمستعرضة في محاولة للاستفادة من مميزات كل منهما. ونظرًا للتقدُّم الثقافي التكنولوجي السريع الذي نمر به, فإن الأحداث الثقافية قد تتداخل مع التأثيرات النمائية، ولذلك: فإنه في الدراسة الطولية "الممتدة"

стр. 160

يصبح من المجازفة إصدار تعميمات عن فروق السن من وقت قياس إلى آخر, وفي التخطيط ذي الفئات المتعددة فإن التعميم في تغيرات السن عبر فئات مختلفة يعتبر مجازفة أيضًا. ومن الواضح أنه بالنسبة لأهمية الدراسات الطولية، والدراسات المستعرضة التي تضمَّن متغير السن لأبحاث النمو، فإن الغموض أو اللبس الناتج عن استخدامها يجعل هذا الاستخدام غير مرغوب, فعلى سبيل المثال: إذا أخذنا ثلاث عينات الأولى "أ" في عمر سنة، والثانية "ب" في عمر سنتين، والثالثة "ج" في عمر ثلاث سنوات, وذلك لدراسة النمو اللغوي خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر, ووفقًا لهذه الطريقة يسير البحث على النحو التالي: - المرحلة الأولى: ندرس القاموس اللغوي لكل عينة ونسجّل النتائج. - المرحلة الثانية: في العام القادم نتابع العينة "أ" التي يصبح عمر أفرادها سنتين, وتسجيل نتائج قاموسهم اللغوي، وبالمثل المجموعة "ب" التي أصبح عمر أفرادها ثلاث سنوات. - المرحلة الثالثة: في العام التالي: نتابع أفراد العينة "أ" التي يصبح عمر أفرادها ثلاث سنوات, ونسجل نتائج قاموسهم اللغوي. وبهذه الطريقة نكون تتبَّعنا العينة "أ" طوال ٣ سنوات، والعينة "ب" سنتين، "ج" سنة واحدة, وفي نفس الوقت نستطيع ملاحظة الفروق الفردية بالاستعانة بالعينتين "ب"، "ج", غير أنه من سلبيات الطريقة الطويلة تظهر هنا مرة أخرى, فربما تؤدي إلى إهدار الجهد وعدم ضمان بقاء العينة ثلاث سنوات, بالإضافة إلى أننا لا نضمن التكافؤ لدى أفراد العينة الواحدة. "عبد الرحمن سليمان: ١٩٩٧". ومنذ نشر سكابيه "sckaie, ١٩٦٥" مقاله الأصلي تركَّز قدر كبير من النقاش فيه على تخطيطات أبحاث بديلة يمكن استخدامها لفصل فروق السن وتغيرات السن عن تأثيرات "الفيلق" ووقت القياس. وهذه الإجراءات تتضمَّن اختبار عينة ممتدة عدة مرات, وهذا التخطيط موضح في الجدول "٤" عن دراسة ديسك dusek لنموِّ إدراك الذات لدى الأطفال والمراهقين "الرتب ٥-٢".

стр. 161

وكل عمود في هذا الجدول يمثل دراسة بفئات مختلفة، وكل صنف يمثل دراسة ممتدة، والفروق بين الأعمدة هي تقديرات لتأثيرات وقت القياس، أي: الفروق بسبب التغير الثقافي, والفروق بين الصفوف المرقَّمة ١٩٥٩ إلى ١٩٦٤ تعكس تأثيرات "الفيلق" التي ترجع إلى تجارب مختلفة في الحياة، فإذا اخترنا مجموعات فرعية من التخطيط الإجمالي استطعنا الإجابة عن السؤال عن تغيرات السن وفروق السن بعيدًا عن تأثيرات الفيلق ووقت القياس. مثال ذلك: إن النقط الناتجة عن العينات المرقَّمة بعلامة في الجدول رقم "٤" تعطي تقديرات عن تأثيرات الفيلق، ووقت القياس, وتلك المرقمة بـf تعطي تقديرات عن تأثيرات السن والزمن, وبتحليل نتائج هذه الطريقة نحصل على تقديرات لا تلتبس مع المتغير الثالث في التخطيط العام, ونكتسب صورة أوضح للنمو عَمَّا تتيحه الدراسات الطولية والدراسات المستعرضة كلٌّ على حدة. جدول رقم "٤": تخطيط مشترك ممتد ذو فئات مختلفة:

стр. 162

٤- دراسة الحالة case study: هي تقييم منهجي لفرد واحد في فترة منتظمة على مدى زمني معين, وتتضمَّن دراسة الحالة كتابة مذكرة يومية عن الفرد "الحالة موضوع الدراسة" منذ الطفولة, وتسجيل كل ما يمكن تسجيله من ملاحظات عن مظاهر نموّه المختلفة عبر عدة سنوات أو عدة مراحل، ويمكن أن تستمر مثل هذه الدراسة فترة طويلة, ومن جوانب دراسة الحالة ما يلي: أ- النمو الجسمي: ويتناول مختلف جوانبه، إلى جانب صحة الفرد، وما تعرَّض له من أمراض، والعمر الذي بدأ فيه التنسنين، والجلوس، والحبو، والمشي، والكلام لأول مرَّة، وبيانات عن الرضاعة والفطام، وعاداته في الأكل، والنوم، والتدريب على الإخراج، والصعوبات التي واجهها في هذا التدريب، وبيانات عمَّا إذا كان التدريب قد تَمَّ تدريجيًّا أم مفاجئًا, يتَّسم بالتسامح والود أو بالصرامة والقسوة.. إلخ. ب- السلوكيات الاجتماعية: الاستجابة لمولد الأشقَّاء، معاملة الوالدية له، التخيلات عن الذات، الأبطال المفضَّلون، الاتجاه السائد في الطفولة الأولى "متعاون، مطيع، محب للظهور، خجول، سلبي ... إلخ". ج- عادات النوم: مع مَنْ ينام، متى بدأ الاستقلال في النوم، مشكلات النوم. د- مشكلات النمو: والعمر أثناءها، الإجراءات التي تتخذ مع الحالة، من ذلك: العصبية، القلق، المخاوف الزائدة، الخجل، الميل للمشاجرة، المزاج الحادّ، الغيرة، المروق، السرقة، الكذب، التدخين، التعاطي، مصّ الأصابع، قضم الأظافر، الصداع، اللزمات العصبية.. إلخ. هـ- أرجاع الطفولة المبكرة: كنوبات الطبع، العناد، الريبة، التجهم. أرجاع خوف، أرجاع حب, أو تعلق زائد بالوالدين، اعتماد وحب مسرف، متوازن، سريع التشتت.. إلخ. و أرجاع في الطفولة المتأخرة والمراهقة: حرية التعبير، الاعتماد على الوالدين. هل الشخص بدأ يتحرر عن ضبط الوالدين، السعادة بالنشاط الجمعي، نزعته السائدة في السعادة، تحمُّل الهموم، الانطلاق، الانبساط، هل له أصدقاء كثيرين، هل يتعامل مع الجنس الآخر بسهولة، هل لديه سجل بالجناح.. ز- بيانات من الجنس، العمر عند البلوغ، المشكلات الجنسية، استجابات الوالدين لهذه المشكلات.

стр. 163

ح- التوافق الأسري والعلاقات الأسرية: ترتيبه الميلادي، طريقة المعاملة الوالدية: قسوة، تشدد، تدليل حماة زائدة، إهمال. ط- التوافق المدرسي: الاستجابة لأول مرة في دخول المدرسة، علاقة بالزملاء، المعلمين، استجاباته المدرسية، نجاح إحباط أو فشل. وعلى ذلك فإن دراسة الحالة: هي معالجة خاصة ممتدة، وهي أساسًا طبيعية ذات علاقة متبادلة ولا نظرية, ولمعالجة دراسة الحالة عدة مزايا، بما في ذلك حقيقة أنه مقابل الوقت والمال المستثمر فيها، فإن كمية المعطيات المتجمعة كبيرة، كما أن دارسة الحالة وسيلة عملية لبدء العلاج، وهي في الواقع تتواجد معه عادة, ودراسة الحالة أيضًا باختبار التغيُّر في السلوك في فيما بين الأفراد، وبدراسة استقرار أداء الفرد نحصل على فكرة عن استقرار السمات النفسية، ومثال ذلك: إن دراسات الحالة بالنسبة لنمو الذكاء تكشف عن تغيرات واسعة في مقياس الذكاء الجاري اختباره، الأمر الذي يؤدي إلى أن أداء اختبار الذكاء ليس مستقرًّ تمامًا "honzik & macfarlane & allen, ١٩٨٤" "dearbon & rathuey ١٩٦٣". غير أن دراسات الحالة لها أيضًا بعض العيوب: أولًا: إن المعطيات في أغلب الأحوال تكون متحيزة؛ لأنها تمثل النمو العام لفرد واحد فقط, ونتيجة لذلك: فإن المعلومات قد لا تصلح للتعميم بالنسبة للأفراد الآخرين، وقد لا تؤدي إلى قوانين عامة عن النمو. وثمة صعوبة ثانية: بالنسبة لاستخدام دراسة الحالة وهي: صعوبة تشكيل بعض المتغيرات والحصول على نتائج يمكن تفسيرها بوضوح، مثال ذلك: إننا قد نشكل إمكانيات تعزيزية وندرس آثارها على سلوك فرد واحد, والواقع أن البحث العامل "تعديل السلوك" يجري عادة بهذه الطريقة, ومهما يكن من أمر فإن المتغيرات الخاصة بالتركيب العضوي مثل: معدل الذكاء، الجنس، ومستوى القلق، لا يمكن تشكيلها في دراسة حالة. إن الفرد لا يمكن أن يكون شديد القلق، وقليل القلق في وقت واحد، أو ذا معيار ذكاء مرتفع

стр. 164

ومنخفض معًا، أو ذكر وأنثى. ومع أن مثل هذه الدراسات تلقى رواجًا، وتفيد في توضيح كثير من مظاهر النمو، فإنه يجب الحذر من تعميم النتائج الناتجة عنها, إلى أن يظهر عددًا من دراسات الحالة نفس الاتجاهات في النمو, وليس معنى ذلك إنكار أهمية دراسة الفرد، ولكن لمجرد التأكيد على حدود هذه المعالجة للحصول على قوانين عامة عن النمو. ويستخدم بعض علماء النفس بحوث المفحوص الواحد "الفرد الواحد" "skinner, ١٩٩٣" single - subject designs، لاعتقادهم بأن إجراء عدد كبير من التشكيلات على مفحوص واحد هو أفضل الطرق لاكتشاف القوانين الأساسية للتعلم, ومن ثَمَّ فإن دراسة المفحوص الواحد "حالة واحدة" يعتبر تشكيليًّا, وهو أساسًا لا نظري, ويمكن إجراءه في المعمل، أو في إطار طببيعي، وهو عادة لا يهتم بتغيرات السن أو بفروق السن. وهناك نوع من مشروعات دراسة الحالة الواحدة استخدم في عدد من الدراسات في الأطفال، وهو يستخدم تعديل السلوك behavior modification, والإجراء التقليدي في هذ الحالة هو الحصول أولًا على معدَّل أساسي لكلٍّ من السلوك غير المرغوب والسلوك المرغوب فيه, وبعد الحصول على مقياس ثابت يقوم صاحب التجربة بتعزيز السلوك المرغوب فيه، ويهمل السلوك غير المرغوب فيه, ويستمر هذا الإجراء إلى أن يصبح السلوك المرغوب فيه على درجة عالية من الاستقرار, وهو ما يوضح فاعلية التعزيز. وبعد ذلك فلإيضاح أن الزيادة في السلوك المرغوب فيه، والنقص في السلوك غير المرغوب فيه يرجعان إلى إجراءات التعزيز، يقوم صاحب التجربة بسحب التعزيز، متوقعًا أن يعود السلوك غير المرغوب فيه إلى معدَّله الأساسي Basic rate، وبعد أن يظهر سحب التعزيز أنه لا يوجد متغير طارئ سبب التغيرات في السلوك، يعاد التعزيز بهدف العودة بالسلوك المرغوب فيه إلى مستوى أعلى، والسلوك غير المرغوب فيه إلى مستوى أقل, ومثل هذه الإجراءات قد استخدمت لتعديل السلوك العدواني Aggressive behavior للأطفال في حجرة الدراسة، للمساعدة على حل مشاكل النوم للأطفال، ولبحث دور التعزيز في تفسير النمو.

стр. 165

ويمكن إجراء أبحاث "المقابلة الشخصية" interview بعدة طرق -ومنها الطريقة المستخدمة كثيرًا- وهي تستخدم المعالجة بالمسح الاستقصائي surveyquestionnair, فعندما تسأل مجموعة الأسئلة للأطفال عن آرائهم في موضوع ما: كالسياسة أو الأخلاقيات, تسمَّى هذه المجموعة باستقصاء الرأي opinionnaire؛ حيث إن الأفراد موضوع البحث يتوقع منهم الاستجابة بالتعبير عن مشاعرهم وآرائهم الشخصية، وعندما يسأل أفراد البحث أن يجيبوا عن أسئلة تتعلق بأنفسهم تسمَّى هذه المجموعة بالاستقصاء الإحصائي statistical inventory questionaire, فيمكن مثلًا سؤال الأطفال أن يصفوا إدراكهم لذاتهم, ومجموعة الأسئلة التي يقدمها الباحث بنفسه تسمَّى بالمقابلة interview، وعندما ترسل بالبريد أو تقدّم لمجموعة كبيرة من الأفراد دون الحاجة لوجود الباحث فهي تسمَّى عادة بالاستقصاء المسحى "الإحصائي"، وتجرى المقابلات والإحصاءات عادة في إطار طبيعي، وغالبًا تكون ذات علاقة تبادلية، وقد تكون لها خواص كل طرف من أطراف البعدين الآخرين. شكل "٤١": تستخدم المقابلة مع الآباء في استقصاء مختلف جواب النمو لدى الأطفال. ولهذه المعالجة عدد من المميزات اكتسبها شيوعًا كبيرًا, أولًا: يمكن الحصول على قدر كبير من المعلومات من أعداد كبيرة من الأطفال في وقت قصير، كما أنها معيارية، ومن ثَمَّ فإن استخدامها لا يكشف عن علاقات السبب والنتيجة, والموضوعات مثل: ما إذا كان أفراد البحث يكذبون أو أن المقابلة قد تبدو متميزة بالنسبة لاستجابات أفراد البحث، ومدى الاعتماد على التقارير الاستذكارية "التي تعتمد على الذاكرة", هي من المشاكل الأخرى، التي تدخل في تقييم فائدة النتائج المتجمعة بطريقة الاستقصاء "مجموعة الأسئلة".

стр. 166

تقييم نتائج البحث evaluation research results: إن المعلومات الناتجة من أيٍّ من هذه المعلومات يجرى تقييمها بعدة طرق: واستخدام الاختبارات الإحصائية يسمح للباحث بتقييم ما إذا كانت النتائج تعزز الافتراض الجاري بحثه من عدمه، كما تستخدم الإحصاءات أيضًا في تلخيص المعلومات المجمعة في البحث, وثَمَّة تقييم أقل شكلية هو الذي يتعلق بإمكان تعميم المعلومات, ويتوقف هذا الحكم على طبيعة الإجراءات المستخدمة في البحث، وعلى معرفة خواص عينة الأطفال الذين كانوا موضوع البحث أو غيرهم. وبعد أن يجمع الباحثون المعلومات من أفراد البحث، يمكنهم استخدام الإحصاءات الوصفية descriptive statistics لتلخيص الإحصاءات الوصفية التي نلتقي بها عادة وهي الوسيط، المتوسط الحسابي لمجموعة من النقط، ومعامل الارتباط coefficient correlation إحصاء يدل على درحة العلاقة بين مقياسين "مثلًا: الدرجات المدرسية ومعامل الذكاء" آخذًا على نفس المجموعة من أفراد البحث، ومامل ارتباط العلاقة الارتباطية يرمز له بالحرف "r", وقد تكون أي قيمة من -١ إلى +١. والعلاقة الارتباطية الإيجابية تدل على أن الأفراد الذين يسجلون درجات أعلى من متغير واحد يميلون لتسجيل درجات عالية في المتغير الآخر، والعلاقات الارتباطية السلبية تدل على أن الأفراد الذين يسجلون درجات عالية في متغير واحد يميلون لتسجيل درجات أقل في المتغير الآخر, مثلًا: إن الدرجات المدرسية ومعامل الذكاء على علاقة تبادلية إيجابية، والطلبة الذي يسجلون درجات أعلى على اختبارات الذكاء يميلون للحصول على درجات عالية في المدرسة, وتواجد العلاقة الارتباطية السلبية بين مقاييس اختبار القلق الخوف أو العصبية التي يشعر بها الطفل عند اختباره، وبين الأداء الاختباري. والأطفال الذين يسجلون درجات عالية في مقاييس اختبار القلق يميلون لتسجيل نقط أقل من

стр. 167

الاختبارات من الأطفال الذين يسجلون درجات أقل في اختبار القلق، وحجم العلاقة الارتباطية يكشف عن درجة العلاقة؛ فالعلاقة الارتباطية من مستوى +٠.٦ بين علاقة قوية بقدر العلاقة الارتباطية - ٠.٦، والفرق الوحيد هو الاختلاف في اتجاه العلاقة, وإذا كان لدينا عددًا من المقاييس عن مجموعة من الأفراد نستطيع أن نفحص العلاقات الارتباطية بين كل المقاييس. مثال ذلك: لنفرض أن لدينا خمسة مقاييس على عينة من الأطفال في سن السادسة: الطول، والوزن، ومعامل الذكاء، والحالة الصحية، ونتائج اختبار أداء، فإننا نستطيع أن نحصي العلاقات الارتباطية بين كل المقاييس, وستكون نتيجة ذلك عشر علاقات ارتباطية في المثال الذي قدمناه. ومن خلال عملية تعرف باسم تحليل العوامل أو التحليل العاملي factor analysis نستطيع علاوة على ذلك تحليل هذه المجموعة من العلاقات الارتباطية، وأن نستخلص من ذلك عدة تجمعات من المتغيرات داخلة في تجمعات أخرى, وبهذه الطريقة نختصر عدد المتغيرات التي علينا أن نتعامل معها، الأمر الذي يساعد على تبسيط المعطيات، وعادة يجعلها أسهل فهمًا. وكما ذكرنا عاليه: تستخدم الإحصاءات الاستدلالية لاختبار ما إذا كانت النتائج تفرز الافتراضات؛ لنفرض مثلًا أننا افترضنا أن تعليم القراءة بالطريقة "أ" أفضل من تعليمها بالطريقة "ب" وهي المستخدمة عادة في المدارس، فنستطيع أن نختبر هذه الافتراضات بتعليم مجموعة من أطفال الصف الأول القراءة بالطريقة "أ"، ومجموعة أخرى بالطريقة المعتادة "ب"، ويسمَّى الفريق الأول الذي يتبع الطريقة "أ" بالمجموعة التجريبية، وذلك لأننا نعاملهم معاملة خاصة، وهي في القراءة بالطريقة "أ"، أما المجموعة التي لم تلق معاملة خاصة, وهي في هذه الحالة المجموعة التي تقرأ بالطريقة المعتادة, تسمَّى مجموعة ضابطة, وفي نهاية الفصل الدراسي يعطى كل فريق اختبار في القراءة, ونسجل فقط القدرة على القراءة, ولنا أن نستخدم الإحصاءات الوصفية لفحص متوسط الأداء لكل مجموعة. ومن جهة أخرى: فإن الإحصاءات الاستدلالية تساعد على تحديد ما إذا كان الفرق ضئيلًا لدرجة يمكن به أن نعزوه للعشوائية، أو فرق المصادفة في أداء المجموعتين.

стр. 168

وفي الحالة الأخيرة نقول: إن النتائج لا تعزز الافتراض؛ طريقتا القراءة متساويتان في الجودة لتعليم القراءة، وفي الحالة الأولى نقول: إن المعطيات عززت الافتراض، وأن الطريقة "أ" أفضل من الطرقة المعتادة. إن تقييم صلاحية التعميم لنتائج البحث تتطلّب معلومات عن عينة الأطفال الجاري اختبارهم، والإجراءات المتَّبعة، والاختبارات والوجبات المستخدمة، فإذا كانت العينة مختارة بحيث يكون كل واحد في المجموعة التي اختيرت منها لديه فرصة متساوية ليكون ضمن العينة، فإنَّ أفراد التجربة يطلق عليهم اسم العينة العشوائية random sample, وخواص هذه العينة سوف تكون شديدة الشبه بخواص المجموعة الأصلية التي اختيرت منها. كما أن عينتين عشوائيةً تؤخذان من نفس المجموعة الأصلية تكونان شديدتي الشبه الواحدة بالأخرى، ومن ثَمَّ فإنَّ أي اختلاف بينهما في نهاية التجربة يجب أن يكون راجعًا إلى التشكيلات التي أجريت في الإجراءات, وباستخدام العينات العشوائية بدلًا من العينات المتحيزة biased sample عينات مختارة لخواص معينة، يمكننا تعميم النتائج على المجموعة الأصلية, ومع أن علماء النفس يستخدمون العينات المتحيزة لأغراض محددة، مثلًا لاختبار موضوعات تتعلق بحالة اضطراب عقلي mental disorder معين، إلّا أن معظم الأبحاث تجرى على عينات عشوائية لإمكان تعميم النتائج على المجموعة الأصلية، أي: لكي نستطيع الافتراض أن أداء الأطفال في التجربة يمثل كيفية أداء كل طفل في المجموعة الأصلية, وبهذه الطريقة يمكن خلق قوانين النموّ التي يمكن تعميمها على أوسع نطاق. إن معرفة الإجراءات المستخدمة في تجربةٍ ما ذات أهمية بالغة لإعادة تكرار التجربة, ولتسهيل إيصال الإجراءات, يستخدم علماء النفس عادة تعريفات إجرائية operational definitions, وهي طرق لتعريف المفاهيم بذكر الطرق المستخدمة لقياسها.. واستخدام هذه التعريفات يضمن لنا أن يستطيع أي شخص آخر معرفة معنى المفهوم، مثلًا: الذكاء كما يقاس باختبارات الذكاء، أو التعزيز الاجتماعي الذي يقدم بأن يخبر الطفل بأنه أجاد في واجب ما، وبإعادة الإجراءات التي استخدمت في التجربة, وبتعريف المفاهيم بنفس الطريقة يستطيع علماء النفس

стр. 169

إعادة إجراء التجربة، وبالتالي مراجعة صلاحية النتائج, وهذه هي الخطوة الهامَّة في البحث؛ لأنها تسمح بمزيد من الثقة في نتائج التجربة, وفي قوانين النمو التي نستخرجها منها. إن إيجاد الواجبات المناسبة للاستخدام عبر حيِّز كبير من الأعمار لهو مسألة هامَّة في مجال أبحاث النمو، ويعتبر ذلك ضروريًّا إذا أراد علماء النفس بحث تغيُّر النمو من خلال تجارب ممتدة، وقياس مختلف مجموعات السن في تجرية واحدة، أي: دراسة الفئات المختلفة. ومن الواضح: فإن بعض الواجبات لا تصلح إلّا لمدى سن ضيق؛ لأنها تعتبر صعبة للأطفال الأقل سنًّا أو أسهل مما يجب بالنسبة للأطفال الأكبر سنًّا, وفي هذه الحالات يحاول علماء النفس ابتكار واجبات لقياس العمليات المماثلة في مجموعات سن مختلفة, حتى ولو اختلفت هذه الواجبات بعض الشيء.

стр. 170

خلاصة: هناك نمطان أساسيان: نمط التركيب العضوي، والنمط الآلي, كانا مرشدين لعلماء النفس في بناء نظرياتهم عن السلوك الإنساني عامَّة، والنمو الإنساني بصفة خاصة. وفي مجال علم النفس يرتبط النمط الآلي للنمو بمفهوم التركيب العضوي النَّشِط الذي يفترض أن الكائنات البشرية تستطيع الاستجابة للمثيرات, والتفاعل مع المثيرات التي لها استجابات متعلمة. وينظر هذا النمط إلى الإنسان باعتباره يعمل كما لو كان آلة، وهو أساس معالجة النمو التي تنتهجها نظرية التعلم، والتي تعرف بأنها تعلم أنماط سلوكية مطَّردة التعقيد كنتيجة للمزج بين أنماط سلوكية أبسط. ويتمثَّل نمط التركيب العضوي للكون بالمعالجة المعرفية النمائية "للنمو", وهي التي تنص على أن النمو الإنساني يحدث في مراحل متتالية تمثل تغيرات نوعية في النواحي التكوينية للتركيب العضوي, وينظر هذا النمط إلى التركيب العضوي على أنه نشط، وكموّلد للنمو؛ لأنه يبحث عن المثيرات من البيئة. وتستمد النظريات حول ظاهرة النمو من هذه الأنماط الأساسية والأكثر عمومية، والنظريات تخدم ثلاثة عوامل أساسية؛ فهي تسمح لنا بتضمين المعلومات عن النمو، وتحاول تحديد أسباب السلوك والعوامل التي تؤدي تصرفاتنا بالطريقة التي نتصرف بها, كما أنَّها تسمح بالتنبؤ بالسلوك الجديد. والنظريات لا يمكن الحكم عليها بالصلاحية من عدمه، ولكن بمدى فائدتها في وصف النمو. إنَّ فائدة النظرية تتوقف على الافتراضات المشتقة منها، وعندئذ يجرى البحث لتحديد ما إذا كانت هذه الافتراضات تعززها النتائج. توجد عدة وسائل بحث لاختبار النظريات, ووسائل الفئات المختلفة التي تستخدم لاختبار الأطفال في مراحل سن مختلفة تقدّم معلومات عن فروق السن في النمو, وتجرى الدراسات الطولية "الممتدة" بتكرار اختبار نفس المجموعة من الأفراد التي تجرى عليهم الدراسة, وبذلك نحصل على معلومات عن تغيّر السن.

стр. 171

وثمة تخطيطات تجريبية تجمع بين الطريقتين الممتدة وذات الفئات المختلفة تسمح بتقييم التغير في السن، وفي نفس الوقت مظاهر فرق السن في النمو، وهذه التخطيطات ذات فائدة خاصة إذا كان هناك ثَمَّة شك في أن نموًّا من نوعٍ خاص قد يتغير مع التحولات الثقافية, وعلاوة على مشروع البحث يمكن تحديد نوعه طبقًا لنوع التخطيط المستخدم، فإنه يمكن وصفه بعدة أبعاد أخرى تشكيلية، وعكسها لا تشكيلية، معملية وعكسها في إطار طبيعي، ونظرية وعكسها لا نظرية. وحيث إن علماء النفس يقومون بالأبحاث مع الأطفال فلا بُدَّ من مواجهة عدة اعتبارات أخلاقية هامَّة تختص بصيانة حقوق الطفل؛ من حيث رفض الاشتراك, وعدم عقابهم لرفض الاشتراك، وتبرير ضرورة خداع الطفل عن طبيعة التجربة، والإفصاح عن الأهداف وعن الإجراءات التي ستتخذ، وضمان أن قيمة البحث ستتفوق على الضرر الذي قد ينتج عنه، هذا إذا كان هناك أي ضرر، وأن التجربة إمَّا أن تترك أو تغيّر لتجنب حدوث أي ضرر للطفل. والإحصاءات أدوات تستخدم لتحليل النتائج المتجمعة في أي مشروع بحث, والإحصاءات الوصفية مثل المتوسط تستخدم لتلخيص المعلومات المتجمعة, وثَمَّة إحصاء وصفي ذو أهمية خاصة هو معامل العلاقات الارتباطية المتبادلة، وهو مقياس درجة العلاقة "الارتباط" correlation بين مجموعتي قياس أخذتا على نفس المجموعة من الأفراد, وكلما كانت قيمة المعامل كبيرة وأقوى وأوثق صلة الواحدة بالأخرى، كلما كانت المتغيرات كذلك. وعلاقة معامل العلاقة المتبادلة تدل عن إذا كانت العلاقة موجبة "+" positive أو سالبة "-" nagative, والإحصاءات الاستدلالية تستخدم لتحديد ما إذا كانت نتائج التجربة ترجع إلى التشكيل المستخدم أو نتيجة تذبذبات عشوائية في أداء الأفراد الذين تجرى عليهم التجربة. وهناك تقييم آخر هام للبحث ينبع من اعتبارات خاصة بتعميم المعطيات؛ وحيث إن علماء النفس يهتمون أساسًا باكتشاف القوّة العامَّة للنمو، فإنهم يستخدمون عينات عشوائية من الأفراد, حتى يمكن الافتراض بأن النتائج يمكن تطبيقها على مجموعات من الأفراد أكبر من التي تختبر في الدراسة, واستخدام التعريفات الإجرائية وتوفير أوصاف تفصيلية لإجراءات البحث، يؤدي إلى تأكيد إمكانية تكرار نفس التجربة، وبالتالي الصلاحية أكبر، كلما زادت ثقتنا في القوانين المشتقة من الدراسة.

стр. 172

الاتجاهات النظرية في تفسير النمو مدخل ... الاتجاهات النظرية في تفسير النمو: مقدمة: لا غنى لعلمٍ من العلوم طبيعيًّا كان أو إنسانيًّا عن نظرية تربط بين وقائعه في نظام متناسق متكامل يفسر هذه الوقائع ويوسع من نطاقها ويثير من المشكلات بقدر ما يحله منها. والعلم سعي دائم وراء المجهول في نسق نظامي يستند إلى قاعدة تسمح للعالم أن ينظر من علٍ، وأن يغيِّر من زواياها ومستوياتها ليعيد النظر من منظور أعلى، والعالم في سعيه لمعرفة الحقائق عن الإنسان يحتاج إلى تنظيم هذه الحقائق في نظم من القوانين والنظريات، ولا يقتصر اهتمامه على الحقائق والعلاقات الثابتة بالدليل والبرهان، ولكنه يهتم أيضًا باكتشاف الطرق لتخليص هذه الحقائق. وقد يظن الرجل العادي أن العالم يتعامل مع الحقائق، في حين أن الفيلسوف هو الذي يهتم بالنظريات، فالعالم بالنسبة له ذلك الشخص المنظَّم المخلص لعمله, الذي يبحث عن الحقائق الخالصة أكثر من أن يكون مغامرًا عقليًّا يبتكر تركيبات تخيلية, ويظن الرجل العادي أيضًا أن الحقائق محدودة، واقعية، ملموسة, وأن معناها واضح في ذاته. أما النظريات فهي في رأيه مجرَّد تأمّلات أو أحلام يقظة, ولكون الواقع هو أن تجميع كميات ضخمة من الحقائق المنعزلة يمكن أن يسهم إسهامًا ضئيلًا في تقدُّم المعرفة، لذا: فإن الغاية القصوى التي ينشدها العالم ليست تجميع الحقائق, وإنما تنمية النظريات التي سوف توضح جانبًا معينًا من الظاهرات. إن أعظم موهبة يمكن أن يمتلكها عالم هي الخصوبة التصورية، أي: القدرة على بناء تخمينات ذكية جريئة أصيلة عن الكيفية التي تنظم بها الحقائق, ومع أن العلم يؤكد الموضوعية، إلّا أنه يهتم إلى درجة بعيدة بعملية التنظير الذاتية. وعلى هذا الأساس: فإن التنظير ليس أداة زخرفية يلهو بها العلماء وهم قابعون في أبراجهم العاجية، ولكنه أداة عملية تمكِّنهم من اكتشاف الميكانيزمات الكامنة وراء الظاهرات, ويزودنا التنظير بالمعالم التي تقودنا على طريق البحث، وبدون التنظير لا يمكن اكتشاف معرفة جديدة. "فان دالين: ١٩٧٧، ٩١-٩٣".

стр. 173

ما هي النظرية: إن أكثر المفاهيم شيوعًا هو أنَّ النظرية توجد في مقابل الحقيقة؛ فالنظرية فرض لم يتأيِّد بعد، أو تأمّل حول الواقع لم يتأكد بعد بصورة تقطع بصحته، وعندما تتأيد النظرية تصبح حقيقة. وعلى هذا الأساس: فإن النظرية هي مجموعة من الافتراضات خلقها صاحب النظرية, تكون ذات صلة بموضوعها، يرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطًا منظَّمًا، كما أنها تتضمَّن مجموعة من القضايا والتعريفات التجريبية. "هول، لندزي: ١٩٧٨، ٢٥-٢٥". ويجب أن يتوفَّر في القضايا التي تثيرها النظرية شروط متعددة أهمها: ١- أن تكون القضايا مستندة إلى أفكار محددة تمامًا. ٢- أن تكون القضايا متَّسقة الواحدة مع الأخرى. ٣- أن تكون في صورة يمكن أن تنمو منها التعميمات. ٤- أن تكون القضايا المكوّنة للنظرية ذات فائدة؛ بحيث يمكن أن تقود الباحثين إلى مزيد من الملاحظات والتعميمات لتوسيع نطاق المعرفة. وبناء النظرية يستلزم توفر العناصر التالية: ١- وجود إطار تصوري أو مجموعة من المفاهيم تتناول موضوع النظرية, ويمكن أن يميّز في بناء النظرية بين نوعين من المفاهيم: - مفاهيم وصفية: وهي التي تتناول موضوع النظرية. - مفاهيم عملية أو واقعية: يطلق عليها مصطلح "المتغيرات". ٢- اشتمال النظرية على مجموعة من القضايا؛ بحيث تقرر لكل قضية علاقة معينة بين متغيرين على الأقل. ٣- ترتيب القضايا التي تشكّل في نسق استنتاجي، أي: وضع المقدّمات في البداية، ثم الانتقال منها إلى النتائج, ومن الضروري عند بناء النظرية مراعاة مبدأ عدم التناقض، وهو ما يعرف بمبدأ الاتساق المنطقي، أي: استنباط كل قضية من القضايا التي تسبقها حتى نصل إلى أدنى المستويات. ٤- قيام النظرية بتفسير الوقائع التي تشتمل عليها، وكلما فسَّرت النظرية قدرًا من الوقائع زادها ذلك قوة ويقينًا. هذا ومن شروط النظرية العلمية الصحيحة، ما يلي: ١- الإيجاز: فيجب أن تكون النظرية العلمية موجزة في تعبيرها عن الحقائق التي تشتمل عليها، وفي بيان الفرض الذي وضعت من أجله. ٢- الشمول: فيجب أن تشتمل النظرية على جميع الحقائق الفرعية التي تنطوي عليها، وأن تفسّر أكبر عدد من الظواهر. ٣- التفرّد: فيجب أن تنفرد النظرية بتفسير الحقائق التي تشتمل عليها، فوجود نظرية أخرى تفسر نفس الحقائق التي تفسرها النظرية الأولى يضعف الأهمية العلمية للنظريتين، إلّا إذا كانتا متكاملتين. ٤- القدرة على التنبؤ: فيجب أن تساعد النظرية العلمية على التنبؤ بما يحدث للظواهر المختلفة قبل حدوثها، فإذا ظهر أن هذه التنبؤات صحيحة ازدادت قوة ويقينًا.

стр. 174

النظرية في علم نفس النمو: لقد أصبح وجود إطار نظري موحَّد لدراسة عملية النمو مطلبًا أساسيًّا الآن في علم نفس النمو، بعد أن تعدَّدت النظريات دون أن يكون بينها خلاف بقدر ما بينها من إمكانات التكامل, ثم إن الحاجة إلى إيجاد نظرية، أو على الأقل إطار نظري, هي دائمًا حاجة ملحة في أي مجال من المجالات التي تواجه مجموعة من الظواهر, تخضع لإمكانية التفسير العلمي، ذلك أن النظرية تمدنا دائمًا بأداة تساعدنا على تنظيم الأفكار والبيانات على اشتقاق الفروض العلمية التي قد تدعِّم وجهة النظر أو تعارضها. وفي علم نفس النمو أُثِيرت ثلاثة أسئلة أساسية كانت موضع اهتمام تاريخي لدى علماء النفس المتخصصين في النمو:

стр. 175

١- هل الأفضل اعتبار الطفل مستكشفًا نشطًا أو مستقبلًا سلبيًّا للمثيرات البيئية؟ ٢- هل الأفضل اعتبار الطفل نتاجًا للوراثة أم البيئة؟ ٣- هل الأفضل النظر إلى الطفل كوحدة من عناصر "مثير/ استجابة" s/ r أو كمجموعة من التركيبات المتكاملة. وقد أثير جدل حادّ حول هذه الموضوعات من جانب الفلاسفة أمثال: أفلاطون، وأرسطو، لوك, وكان حصيلة هذا الجدل عدة أنماط للكيفية التي ينمو بها التركيب العضوي الإنساني, ومن هذه الأنماط كان نمطان يسيطران على التفكير الحالي حول نمو الطفل وهما: نظرية التعليم، والأنماط النمائية المعرفية. ومن أهداف هذا الفصل مناقشة هذين النمطين وتأثيرهما على فهم النمو، ذلك لأننا سنلتقي بهما في عدة أبحاث تفسير مظاهر النمو المختلفة خلال هذا الكتاب, وثَمَّة هدف آخر هو مناقشة طبيعة ودور النظريات في تفهم نمو الطفل منذ ميلاده وحتى نضجه. وهذه المناقشة سوف تساعدنا ليس فقط في وصف سير النمو، ولكن أيضًا لفهم السبب في نمط هذا المسار, ولدراسة نمو الطفل يجب أن نفهم دور وطبيعة نظريات النمو والفرق بينها. وأخيرًا سوف نناقش بعض النواحي الأساسية لأنماط البحوث المستخدمة في دراسة النمو، ومناهج وطرق البحث في علم نفس النمو اليوم، فعلماء النفس اليوم بعكس الفلاسفة, يحاولون الإجابة عن أسئلة تدور حول نموّ الطفل، وذلك بتجميع المعلومات المتعلقة به بطريقة منهجية, وليس بطريقة المناقشة والجدل. هذا وقد زاد حجم الأبحاث في هذا المجال زيادة مطَّردة, والأبحاث التي تجرى للإجابة عن أسئلة تستند إلى نظريات النمو يتمّ تقييمها بالإحصاءات, ولذلك فإن مناقشتنا لأهمية البحث والإحصاءات تهدف إلى تقديم الخلفية اللازمة لتفهُّم الكثير من المعلومات الواردة في هذا الكتاب.

стр. 176

الأنماط النظرية في النمو مدخل ... الأنماط النظرية في النمو: توجد بعض الأنماط التي كان لها أعظم الأثر في دراسة علم نفس النمو، وتعتبر الأنماط تصويرًا للنمو, وأكثر الأنماط شيوعًا هي النظم الفلسفية التي تصف طبيعة الواقع. - فالنمط الآلي mechanistic model مثلًا يقول: بأنه يمكن اعتبار الكون يعمل كما لو كان آلة، وهذا النمط لا يذكر أن الكون هو في الواقع آلة، بل إن الأفضل هو النظر إليه كأنه يعمل كالآلة. - وثَمَّة بديل لذلك هو: نمط التركيب العضوي organismic model الذي ينص على أن الأفضل لنا أن ننظر إلى الكون على أنه يعمل كما لو كان تركيبًا بيولوجيًّا حيًّا, وكما هو واقع في حالة النمط الآلي، فإن النمط التركيبي لا يذكر أن الكون وحدة بيولوجية متكاملة، بل إنه يعمل بطريقة مماثلة للتركيب العضوي البيولوجي "verton & reese, ١٩٧٣, rese & verton, ١٩٧٠". هذان النمطان اللذان يتسمان بالعمومية يؤديان إلى وجود أنماط أخرى أكثر تحديدًا، وهي ما نسميه بالأنماط النظرية theoretical "reese & overt ١٩٧١" أو النظريات. وعلماء النفس يبنون النظريات لتفسير أسباب السلوك، ويهتم علماء نفس الطفل بصفة خاصة بتفسير النمو في السنوات الأولى من الحياة. وسوف نناقش الأنماط النظرية المفسرة للنمو في ضوء هذين النمطين.

стр. 177

١- نمط نظرية التعلم: تستند معالجة نظرية التعلم في فحص وتفسير النمو على النمط الآلي، وفي هذا النمط يعتبر الكون كأنه يعمل كما لو كان آلة، ويتوقّف سلوك الآلة على نوعها, وعلى القوى التي تؤثر فيها, مثال ذلك: إن الكهرباء كقوة تؤثر على الآلة وتجعل الآلة تعمل، ولكن أجزاء الآلة هي التي تحدد نوع العمل الذي تؤديه الآلة، فمثلًا جهاز تنظيف الملابس "الغسالة"، أو جهاز التليفزيون، فإن الكهرباء تجعل كلا الجهازين يعملان، ولكن أجزاء كلٍّ منهما هي التي تحدد نوع العمل الذي يؤديه كل جهاز, وعلى ذلك فإن لسلوك الآلة سببين:

стр. 178

أولهما: هو القوة التي تؤثر عليهما، أو السبب الفعَّال Efficient cause. الثاني: هو تركيب الآلة ويسمَّى السبب المادي material، وهو يجعل أو يكون السبب في أن الآلة تؤدي وظائفها المحدَّدة مثل غسل الملابس، أو ترجمة موجات الراديو إلى صوت وصورة, وكل سلوك الآلة هو نتيجة هذين السببين فقط؛ فالآلة لا تستطيع أن تتخذ أن سلوك قصدي، أي: إنها لا تستطيع عمل أي شيء لم يؤخذ في الحسبان عند تصميمها، كما أنها لا تستطيع أن تبتكر سلوكًا من تلقاء نفسها. ومن واقع هذه الرؤية فإن التركيب هو مجمل عناصر بسيطة، والآلات المركبة "المعقَّدة" تعتبر مجملًا لآلات أبسط, وانطلاقًا من المثال السابق فإن جهاز التليفزيون ليس إلّا مجموع عدد من الآلات "الأجهزة" الأبسط: صمامات, مستقبلًا, ضوابط الصوت.. إلخ, ولتفهُّم عمل جهاز التليفزيون فإننا نحتاج لفهم عمل الأجزاء البسيطة التي يتركَّب منها, ونفس التعليق يمكن تطبيقه على جهاز تنظيف الملابس "الغسالة", فهو أيضًا يتركب من آلات أبسط, كلٍّ منها يؤدي عملًا محددًّا "سبب مادي" وتعمل فقط عندما تؤثر عليها قوة معينة "سبب فعال", وفي كلتا الحالتين فإن الآلة لا تزيد أو تنقص عن كونها مجموع أجزائها الفردية، علاوة على ذلك فإن التغيّرات في الآلة ذات طابع كمي, فإذا أضفنا لها أجزاء أخرى فإنها تؤدي عملًا أكثر، ولذلك: فإن التغيُّر في سلوك الآلة يعتبر تغيرًا كميًّا، فعندما نضيف أجزاء إلى الآلة تصبح قادرة على عمل أكثر وأقوى. وأخيرًا: فإذا التنبؤ بسلوك الآلة يصبح ممكنًا إذا عرفنا نوع الآلة، والقوى التي تؤثر عليها؛ فإذا استخدمنا الكهرباء للتأثير على جهاز تنظيف الملابس "الغسالة" أو جهاز التليفزيون, فإنك تتوقع "تتنبأ" نوعًا من السلوك من الجهاز. وفي مجال علم النفس psychology نجد أن النمط الآلي automatic type يمثله تصور التركيب العضوي المتفاعل reactive organism, وهو تركيب يتحدد سلوكه بقوى تؤثر عليه "السبب الفعّال"، وبتركيبه الوراثي "السبب المادي", وبعبارة أخرى: فإن الكائن البشري ينظر إليه باعتباره يعمل وكأنه آلة، ويتفاعل

стр. 179

مع المثير "قوى داخلية أو خارجية" بطريقة يمكن التنبؤ بها من معرفة القوى المؤثرة على الكائن البشري، ومن معرفة تركيبه الوراثي. إن مختلف طرق معالجة علم النفس ونمو الطفل ينبثق من النمط الآلي. ومع أن العديد من أصحاب نظريات التعلّم مثل: جثري gutherie "١٩٣٥"، هل hall "١٩٤٣" وسكنر skinner "١٩٦٦، ١٩٦٩"K، وسبنس spence "١٩٥٦"، وطولمن tolmen "١٩٣٢"، قد يختلفون حول بعض الخصائص عن الكيفية التي يتم بها التعلّم وعن كيفية تطبيق مبادئ التعلم لمساعدتنا على فهم النمو، إلّا أنهم يقومون بالأبحاث للتغلُّب على هذه الاختلافات, وعلى ذلك فإن كل نظريات التعلُّم تنتمي إلى نفس المجموعة من النظريات. أما نمط التركيب العضوي المتفاعل the reactive organism فيتخذ شكل اللوح الأملس "blank slate" tabula rasa أو التركيب الخاوي empty organism، وبعبارة أخرى فإن كل ما يفترض في الفرد أن يملكه عند ولادته هو بعض الانعكاسات الأساسية basic reflexes، مثل: القبص، المص، وليس لديه أي قدرات نفسية أخرى. أما الوظيفة النفسية الأكثر تقدمًا، والنمو مثل: تعلم اللغة أو اكتساب أنماط سلوك اجتماعية social behavior، يفترض أنها تتعلم خلال عمليات التعزيز أو "التدعيم" reinforcement التي تتم على مرِّ الحياة في البيئة نتيجة لتفاعلها معها. وهذه التفاعلات البيئية "تكتب على اللوح الأملس, وتحدد صفات التركيب العضوي", والتعلم نتيجة التفاعل البيئي environmental reaction: هوالعملية التي تكتسب من خلالها كل الوظائف النفسية، بسيطة كانت أو معقدة. وإذا عدنا إلى تشبيه الآلة: فإن التركيب العضوي لا يستطيع أن يؤدي سوى الأعمال التي طبعتها البيئة "تمامًا كما لا تستطيع الآلة أن تؤدي سوى الأعمال التي صممت من أجلها", وهذا النمط من التركيب العضوي الإنساني هو أساسًا الذي قدَّمه التجريبيون البريطانيون أمثال: جون لوك john locke، دافيد هيوم david hume، وجميس ميل james mill، جون ستيوارت john stuart, ولا يزال معمولًا به بواسطة العلماء السلوكيين الحاليين.

стр. 180

إن للتركيب العضوي الفعال عددًا من التضمينات لفهم السلوك والنمو الإنسانيين, ويفرض أن دافعية السلوك أو تنشيطه ترجع إلى القوى المؤثِّرة على التركيب العضوي, وكما أن الآلة لا تنشط إلّا عند استخدام قوى خارجية تؤثّر عليها مثل الكهرباء أو مصدر قوة أخرى، فإن السلوك الإنسان لا يحدث إلّا عند استخدام قوة تؤثر على التركيب العضوي، وقد تكون هذه القوة أمرًا صادرًا من أحد الأبوين، أو دافعًا داخليًّا مثل الجوع، أو أي: حادث بيئي يتسبَّب في قيام التركيب العضوي بنشاطٍ ما "شكل: ٤٢". ومثل هذه القوى يمكن اعتبارها كبواعث على السلوك أو كأسباب فعَّالة، هذا والحدود الجسمية التي تفرضها المادة الوراثية للكائن الحي "سبب مادي" تحدد أنماط السلوك التي تستطيع تأديتها, وكنتيجة لهذه الافتراضات عن الكيفية التي يمكن بها تنسيط التركيب العضوي، يرى أصحاب نظرية التعلم أن التركيب العضوي يكون أساسًا في حالة سكون، وتمامًا كما تكون الآلة عاطلة, إلى أن تتعرض لقوة، يعتبر التركيب العضوي عاطلًا إلى أن تدفعه قوة ما للسلوك, وهذه الافتراضات الأساسية تؤدي بقدر كبير من أبحاث نظرية
следующие страницы →