الأنماط النظرية في النمو
مدخل
...
الأنماط النظرية في النمو:
توجد بعض الأنماط التي كان لها أعظم الأثر في دراسة علم نفس النمو، وتعتبر الأنماط تصويرًا للنمو, وأكثر الأنماط شيوعًا هي النظم الفلسفية التي تصف طبيعة الواقع.
- فالنمط الآلي mechanistic model مثلًا يقول: بأنه يمكن اعتبار الكون يعمل كما لو كان آلة، وهذا النمط لا يذكر أن الكون هو في الواقع آلة، بل إن الأفضل هو النظر إليه كأنه يعمل كالآلة.
- وثَمَّة بديل لذلك هو: نمط التركيب العضوي organismic model الذي ينص على أن الأفضل لنا أن ننظر إلى الكون على أنه يعمل كما لو كان تركيبًا بيولوجيًّا حيًّا, وكما هو واقع في حالة النمط الآلي، فإن النمط التركيبي لا يذكر أن الكون وحدة بيولوجية متكاملة، بل إنه يعمل بطريقة مماثلة للتركيب العضوي البيولوجي "verton & reese, ١٩٧٣, rese & verton, ١٩٧٠".
هذان النمطان اللذان يتسمان بالعمومية يؤديان إلى وجود أنماط أخرى أكثر تحديدًا، وهي ما نسميه بالأنماط النظرية theoretical "reese & overt ١٩٧١" أو النظريات. وعلماء النفس يبنون النظريات لتفسير أسباب السلوك، ويهتم علماء نفس الطفل بصفة خاصة بتفسير النمو في السنوات الأولى من الحياة.
وسوف نناقش الأنماط النظرية المفسرة للنمو في ضوء هذين النمطين.
стр. 177
١- نمط نظرية التعلم:
تستند معالجة نظرية التعلم في فحص وتفسير النمو على النمط الآلي، وفي هذا النمط يعتبر الكون كأنه يعمل كما لو كان آلة، ويتوقّف سلوك الآلة على نوعها, وعلى القوى التي تؤثر فيها, مثال ذلك: إن الكهرباء كقوة تؤثر على الآلة وتجعل الآلة تعمل، ولكن أجزاء الآلة هي التي تحدد نوع العمل الذي تؤديه الآلة، فمثلًا جهاز تنظيف الملابس "الغسالة"، أو جهاز التليفزيون، فإن الكهرباء تجعل كلا الجهازين يعملان، ولكن أجزاء كلٍّ منهما هي التي تحدد نوع العمل الذي يؤديه كل جهاز, وعلى ذلك فإن لسلوك الآلة سببين:
стр. 178
أولهما: هو القوة التي تؤثر عليهما، أو السبب الفعَّال Efficient cause.
الثاني: هو تركيب الآلة ويسمَّى السبب المادي material، وهو يجعل أو يكون السبب في أن الآلة تؤدي وظائفها المحدَّدة مثل غسل الملابس، أو ترجمة موجات الراديو إلى صوت وصورة, وكل سلوك الآلة هو نتيجة هذين السببين فقط؛ فالآلة لا تستطيع أن تتخذ أن سلوك قصدي، أي: إنها لا تستطيع عمل أي شيء لم يؤخذ في الحسبان عند تصميمها، كما أنها لا تستطيع أن تبتكر سلوكًا من تلقاء نفسها.
ومن واقع هذه الرؤية فإن التركيب هو مجمل عناصر بسيطة، والآلات المركبة "المعقَّدة" تعتبر مجملًا لآلات أبسط, وانطلاقًا من المثال السابق فإن جهاز التليفزيون ليس إلّا مجموع عدد من الآلات "الأجهزة" الأبسط: صمامات, مستقبلًا, ضوابط الصوت.. إلخ, ولتفهُّم عمل جهاز التليفزيون فإننا نحتاج لفهم عمل الأجزاء البسيطة التي يتركَّب منها, ونفس التعليق يمكن تطبيقه على جهاز تنظيف الملابس "الغسالة", فهو أيضًا يتركب من آلات أبسط, كلٍّ منها يؤدي عملًا محددًّا "سبب مادي" وتعمل فقط عندما تؤثر عليها قوة معينة "سبب فعال", وفي كلتا الحالتين فإن الآلة لا تزيد أو تنقص عن كونها مجموع أجزائها الفردية، علاوة على ذلك فإن التغيّرات في الآلة ذات طابع كمي, فإذا أضفنا لها أجزاء أخرى فإنها تؤدي عملًا أكثر، ولذلك: فإن التغيُّر في سلوك الآلة يعتبر تغيرًا كميًّا، فعندما نضيف أجزاء إلى الآلة تصبح قادرة على عمل أكثر وأقوى.
وأخيرًا: فإذا التنبؤ بسلوك الآلة يصبح ممكنًا إذا عرفنا نوع الآلة، والقوى التي تؤثر عليها؛ فإذا استخدمنا الكهرباء للتأثير على جهاز تنظيف الملابس "الغسالة" أو جهاز التليفزيون, فإنك تتوقع "تتنبأ" نوعًا من السلوك من الجهاز.
وفي مجال علم النفس psychology نجد أن النمط الآلي automatic type يمثله تصور التركيب العضوي المتفاعل reactive organism, وهو تركيب يتحدد سلوكه بقوى تؤثر عليه "السبب الفعّال"، وبتركيبه الوراثي "السبب المادي", وبعبارة أخرى: فإن الكائن البشري ينظر إليه باعتباره يعمل وكأنه آلة، ويتفاعل
стр. 179
مع المثير "قوى داخلية أو خارجية" بطريقة يمكن التنبؤ بها من معرفة القوى المؤثرة على الكائن البشري، ومن معرفة تركيبه الوراثي. إن مختلف طرق معالجة علم النفس ونمو الطفل ينبثق من النمط الآلي.
ومع أن العديد من أصحاب نظريات التعلّم مثل: جثري gutherie "١٩٣٥"، هل hall "١٩٤٣" وسكنر skinner "١٩٦٦، ١٩٦٩"K، وسبنس spence "١٩٥٦"، وطولمن tolmen "١٩٣٢"، قد يختلفون حول بعض الخصائص عن الكيفية التي يتم بها التعلّم وعن كيفية تطبيق مبادئ التعلم لمساعدتنا على فهم النمو، إلّا أنهم يقومون بالأبحاث للتغلُّب على هذه الاختلافات, وعلى ذلك فإن كل نظريات التعلُّم تنتمي إلى نفس المجموعة من النظريات.
أما نمط التركيب العضوي المتفاعل the reactive organism فيتخذ شكل اللوح الأملس "blank slate" tabula rasa أو التركيب الخاوي empty organism، وبعبارة أخرى فإن كل ما يفترض في الفرد أن يملكه عند ولادته هو بعض الانعكاسات الأساسية basic reflexes، مثل: القبص، المص، وليس لديه أي قدرات نفسية أخرى. أما الوظيفة النفسية الأكثر تقدمًا، والنمو مثل: تعلم اللغة أو اكتساب أنماط سلوك اجتماعية social behavior، يفترض أنها تتعلم خلال عمليات التعزيز أو "التدعيم" reinforcement التي تتم على مرِّ الحياة في البيئة نتيجة لتفاعلها معها. وهذه التفاعلات البيئية "تكتب على اللوح الأملس, وتحدد صفات التركيب العضوي", والتعلم نتيجة التفاعل البيئي environmental reaction: هوالعملية التي تكتسب من خلالها كل الوظائف النفسية، بسيطة كانت أو معقدة. وإذا عدنا إلى تشبيه الآلة: فإن التركيب العضوي لا يستطيع أن يؤدي سوى الأعمال التي طبعتها البيئة "تمامًا كما لا تستطيع الآلة أن تؤدي سوى الأعمال التي صممت من أجلها", وهذا النمط من التركيب العضوي الإنساني هو أساسًا الذي قدَّمه التجريبيون البريطانيون أمثال: جون لوك john locke، دافيد هيوم david hume، وجميس ميل james mill، جون ستيوارت john stuart, ولا يزال معمولًا به بواسطة العلماء السلوكيين الحاليين.
стр. 180
إن للتركيب العضوي الفعال عددًا من التضمينات لفهم السلوك والنمو الإنسانيين, ويفرض أن دافعية السلوك أو تنشيطه ترجع إلى القوى المؤثِّرة على التركيب العضوي, وكما أن الآلة لا تنشط إلّا عند استخدام قوى خارجية تؤثّر عليها مثل الكهرباء أو مصدر قوة أخرى، فإن السلوك الإنسان لا يحدث إلّا عند
استخدام قوة تؤثر على التركيب العضوي، وقد تكون هذه القوة أمرًا صادرًا من أحد الأبوين، أو دافعًا داخليًّا مثل الجوع، أو أي: حادث بيئي يتسبَّب في قيام التركيب العضوي بنشاطٍ ما "شكل: ٤٢". ومثل هذه القوى يمكن اعتبارها كبواعث على السلوك أو كأسباب فعَّالة، هذا والحدود الجسمية التي تفرضها المادة الوراثية للكائن الحي "سبب مادي" تحدد أنماط السلوك التي تستطيع تأديتها, وكنتيجة لهذه الافتراضات عن الكيفية التي يمكن بها تنسيط التركيب العضوي، يرى أصحاب نظرية التعلم أن التركيب العضوي يكون أساسًا في حالة سكون، وتمامًا كما تكون الآلة عاطلة, إلى أن تتعرض لقوة، يعتبر التركيب العضوي عاطلًا إلى أن تدفعه قوة ما للسلوك, وهذه الافتراضات الأساسية تؤدي بقدر كبير من أبحاث نظرية
стр. 181
التعلم، للتركيز على "الظروف المحيطة"، أو بمعنى آخر الإشارات أو البواعث البيئية المحددة التي يحتمل أن يجري فيها نوعٌ ما من السلوك، وهذه المعالجة تقودنا إلى محاولة التعرُّف على القوى الدافعية الداخلية والخارجية، التي تؤدي بالتركيب العضوي للقيام بسلوك محدد.
وفي النمط الآلي تعتبر الآلات المعقَّدة قابلة للاختصار إلى آلات أبسط، وبالتالي إذا جمعنا آلات بسيطة، نستطيع أن نبني آلات تؤدي أنشطة أكثر تعقيدًا, وينطبق نفس هذا التصور على السلوك الإنساني، فهو يعتبر مجموعة من الأنماط السلوكية الأبسط, وبالتالي فلكي نفهم سلوكًا معقَّدًا فما علينا إلّا أن نفهم الأنماط السلوكية الأبسط التي يتكوّن منها, وكمثال في مجال علم النفس: فلننظر إلى تعلّم الأدار الجنسية, فطبقًا لأصحاب نظرية التعلّم يبدأ تعلّم الدور الجنسي بتعلّم الطفل أنماط سلوك جنسي بسيطة، ويستمر التعليم بتجميع هذه الأدوار إلى أنماط سلوكية مطَّردة التعقيد تؤدي إلى سلوك الفرد بطريقة نعرفها بالاصطلاح "ذكر وأنثى", ويفترض أن يتعلّم الطفل هذه الأنماط السلوكية الجنسية المناسبة من خلال التعزيز "التدعيم", ومثال ذلك يقوم الوالدان بتعليم أطفالهما المؤشرات الجنسية "ولد وبنت", وفيما بعد ألعابًا وأنماطًا سلوكية ومستويات ذات طابع جنسي أكثر تعقيدًا تتجمَّع وتمتد لتكون دورًا جنسيًّا مجسمًا, والنتيجة السلوكية المعقَّدة تدخل في إطار الاصطلاح "ذكر"، "أنثى", ومن نتائج الافتراض بأن العمليات المعقدة يمكن تقنينها إلى عمليات بسيطة، فإن التنبؤ الكامل بالسلوك يصبح ممكنًا أساسًا, وبعبارة أخرى: يجب أن نتمكَّن من أن نحدد بدقة الظروف التي يمكن أن يحدث فيها سلوك بسيط إذا عرفنا القوى المؤثرة على الشخص "السلوك الفعال"، وإذا عرفنا التاريخ التعلمي السابق لهذا الشخص، كما أن حدوث سلوك معقَّد يجب أن يكون بالإمكان التنبؤ به إذا عرفنا العوامل التي تحدّق أنماط السلوك البسيط التي يتكوّن منها. وبالطبع فإن ذلك يتطلب معرفة الظروف البيئية المحددة التي تحيط بالتركيب العضوي، والحالة الخاصة التي يوجد عليها في وقت معين، والنتيجة الحتمية لهذه الافتراضات, هي أن السلوك يمكن تقدير كمَّه بحيث نستطيع أن ننتبأ باحتمال حدوثه.
стр. 182
ومعنى ذلك: أنه يجب أن يكون باستطاعتنا أن نكتب معادلات تحدد أسباب السلوك، وبالتالي نتنبأ بحدوث هذا السلوك إذا توافرت مجموعة محددة من الظروف، وكانت أكثر المحاولات طموحًا في سبيل تحقيق ذلك, هي التي قام بها "كلارك هل" hall "١٩٤٣"، الذي أمضى معظم سنوات عمله المهني في دراسة التعلم, وكان يعتقد أن التعلم دالة لسلوك سبق تعلمه، ودافع لأداء سلوك معين، وغير ذلك من البدائل, وقد عبَّر ذلك في المعادلة:
sEr = sHr × Dx
حيث:
- sHr هي احتمالية الاستجابة the probability of response.
- sHr هي قوة العادة habit strength - مقياس تعلم سابق measure of previous learning.
- D هي الدافع Drive.
ويعتقد "هل" أنه بإحلال قيم مناسبة في المعادلة "مثلًا: عدد محاولات الممارسة السابقة previous practice محل sHr، وعدد ساعات الحرمان من الطعام محل D يمكن تقدير احتمالات "تنبؤ" حدوث استجابة معينة.
وثَمَّة محاولات أحدث لكتابة معادلات دالية للتنبؤ بالسلوك نجدها في أنماط رياضية مختلفة تحاول وصف العوامل العديدة التي تؤثر على التعليم "atkinson, bower & crothers, ١٩٦٥", ومن الناحية الافتراضية فإن المعادلات التالية تسمح ليس فقط بالتنبؤ بالسلوك عندما نعرف القيم التي نضعها في المعادلة، ولكن أيضًا بتفسير أسباب السلوك، ذلك لأنَّها تبيِّن الظروف الي تحيط بحدث السلوك, وقد لقيت هذه المحاولة بعض النجاح بالنسبة للمهام البسيطة، ولكنها كانت أكثر صعوبة بالنسبة للمهام المعقدة, وكل من المثيرات الخارجية مثل: أوامر الوالدين، والداخلية مثل: الجوع، تجعل الفرد يقوم بالسلوك.
وأصحاب نظرية النمط الآلي يفسرون النموّ بأنه مجرد تغير مع الزمن من سلوك بسيط إلى سلوك أكثر تعقيدًا "white ١٩٧٠, bijon & baer ١٩٦١"،
стр. 183
وعلى ذلك فالنمو هو اصطلاح وصفي يميّز الظاهرة التي تفسرها النظرية, ونظريات الآلية تختص بنوعية أساسية من التغيّر السلوكي:
- أحدهما: تغيّر وراثي ontogenetic change, وتمثله التغيرات في السلوك على مدى فترة حياة الفرد، وأنماط السلوك الوراثي هي التي يمكن أن تُتَعلّم أو تعلم الأفراد نوعًا واحدًا.
- والثاني: وهو التغيُّر السلوكي behavioral change الذي يحدث في النمو، وهو التغير التطوري phylogenetic change الذي يحدث في أثناء التطور, فمع تطوّر التركيب العضوي، نجد أن قدراته المتزايدة أو المتناقصة على التكيف بالبيئة تعكس من التغير النمائي developmental change.
ومن وجهة نظر الآلية: يتمثَّل النمو النفسي في التغيرات في السلوك التي تحدث في دقائق أو أيام أو سنين "zigler, ١٩٦٣", ويفسّر النمو بامتدادات وتهذيبات على درجات متفاوتة من التعقيد لأنماط سلوكية أكثر بساطة, ويطرد تفسير التغيُّر في السلوك بتحديد التغيرات التي قد تكون من أسباب السلوك أو تغيرات السلوك. ومحاولة تحديد أسباب النمو داخل النمط الآلي تقتصر على تحديد الأسباب المادية أو الفاعلية "overton & reese, ١٩٧٣", والأسباب المادية للسلوك تشير إلى أسسها العصبية أو الجسمانية أو الوراثية، أمَّا الأسباب الفاعلية فهي ظروف إثارية تولّد السلوك, وتمثلها معالجة المتغيرات المستقلة independent variables في تجربة، والأبحاث تعالج المتغيرات التي تعتقد أنها تمثل أسباب السلوك؛ لكي نحدد ما إذا كانت تغيرات السلوك مواكبة لتلك المتغيرات، وإذا كان المتغير المستقل independent variable وهو السلوك: كالذاكرة مثلًا يتغير كدالة للمعالجة التجريبية. ومقدار ووقت التدريب يفترض أنه المتغير التجريبي "وقت التدريب", وهو سبب للسلوك "ذاكرة".
وعلى ذلك: فإن المعالجة الآلية لعلم النفس تستخدم نظرية التعلّم لتحديد تغيرات كمية السلوك, وبهذه الطريقة فإن أصحاب النظريات الذين يميلون للآلية يحاولون وصف كيفية ملء "التركيب العضوي الفارغ" في أثناء سير النمو.
стр. 184
وطبقًا لهؤلاء, فإن الطفل يستجيب لكلٍّ من أنواع الاستجابات التقليدية والفعّالة أو العاملة "white, ١٩٧٠, bijo & bear, ١٩٦١", وبعبارة أخرى: فإن سلوك الطفل يتمّ السيطرة عليه باستخراج المثيرات "تكيّف تقليدي" classical adapation، أو بمثيرات تعزز أو تقوي استجابة سابقة مباشرة "تكيُّف فعَّال أو عامل" dfective adaptation, وعلى ذلك: فإن واجب الباحث من خلال نظرية التعلُّم هو أن يحلل بيئة الطفل؛ ليحدد أي المثيرات تستخرج السلوك أو أيها تعززه، بعد ذلك عليه أن يوضِّح كيف يتحكَّم التقليدي والفعال أو العامل في تعلّم الطفل, كيف يسلك في بيئته, وهذا الضرب من التحليل يستخدم لتفسير النمو الإنفعالي emotional deueopmnt، ونمو اللغة language development، والفروق الثقافية في السلوك, والنمو الإدراكي: الحسي الحركي، وما شابه ذلك في إطار نظرية التعلم.
ويعتبر كل سلوك مكتسبًا من خلال شكل أو آخر من أشكال التعلّم، والقليل جدًّا من السلوك النظري هو الذي يعزى للتركيب العضوي، ومن خلال مفاهيم التفرقة في الاستجابات: التعلم للاستجابة لمثير محدد، التعميم generalization "التعلم للاستجابة لمجموعات من مثيرات متشابهة"، يحاول أصحاب نظرية التعلم تفسير اتساع وعمق السلوك الإنساني human behavior بين مثيرات الاستجابة نتيجة للتعزيز، وهو المفهوم المستخدم لتعليل المظاهر الكبرى للنمو.
ومع أن نظرية التعلم كانت هي القوة المسيطرة في مجال علم النفس خلال الثلاثينات والأربعينات، فإن عددًا من علماء النفس اليوم ينتقدونها بشدة, ومن بين هذه الانتقادات: الاعتقاد بأنَّ السلوك الإنساني ليس كله متعلمًا, وسوف نناقش في هذا الكتاب أمثلة عديدة لسلوك ظاهري غير متعلّم؛ حيث إن أصحاب نظرية التعلّم يجدون أنه من الصعب تفسير ذلك السلوك, وثَمَّة انتقاد آخر كثيرًا ما يوجَّه لأصحاب نظرية التعلُّم, هو أنهم ينظرون إلى الإنسان كمجرَّد ابتكار آلي بحت, ومع ذلك: فإن هذا الانتقاد ليس سلبيًّا تمامًا، ولنتذكر أن النمط الآلي هو "كما لو كان آلة".
وأصحاب نظرية التعلُّم لا يقولون أن الإنسان ليس سوى آلة، بل إن مجرَّد تشبيهه بالآلة يساعدنا على فهم السلوك، فهو ليس إلّا.. ومهما يكن من أمر، فإن هذه الاعتراضات أدت إلى تجدد الاهتمام بإمكانية تطبيق أنماط أخرى على مشكلة تفسير النمو.
стр. 185
٢- النمط النمائي المعرفي Cognitive - Develpmental Model:
النمط الثاني في الكون الذي كان له أثر بالغ على أبحاث علم النفس هو النمط العضوي "Oveton & Reese, ١٩٧٣" Organic Model وريس وأوفرتون "Reese & Overton, ١٩٧٠" وهذا النمط يفترض أن الكون يعمل أشبه بتركيب عضوي حي وليس كآلة, ويعتبر من المؤكد حدوث التغير في تركيب المجموع "الكل"، وأن هذا التغير يكون في شكل أو حالة الكون، ولذلك فإنه تغير نوعي وليس كمي, ونتيجة لذلك يفهم التغير بأنه يحدث في مراحل متتابعة، تختلف كل منها اختلافًا نوعيًّا عن الآخرى, وأكثر منها تعقيدًا، ولكنها لا تختصر فيما بينها, والأهمية الكبرى هي في اكتشاف قواعد الانتقال من مرحلة إلى مرحلة ثانية.
وفي هذا النمط نجد أن المجموع أكبر من مجموع أجزائه، ذلك لأنه يضفي معنى على الأجزاء، بمعنى: إن معرفة الأجزاء لا تعني بالضرورة كما هو الحال في النمط الآلي أنها تسمح لجزء واحد بمعرفة شيء عن المجموع، وأخيرًا: فإن أسباب السلوك وتغيراته في هذا النمط نمائي أو قصدي بطبيتعه, يسير متقدمًا إلى الأمام. والتغير لا يحدث فقط عن أسباب فعالة، ولو أن هذه الأسباب قد تسهل أو تعوق التغير، والسبب في ذلك هو أن النَّمط يفترض أن المجموع نشط, وفي حالة انتقال متواصلة، ومن هنا يجب تحديد موضع السبب في المجموع، ويسمَّى ذلك بالسبب الشكلي frmal cause. والسبب الشكلي بالنسبة لمفهوم "كون" نشط تخضع لتغير نوعي تحول دون وجود كون قابل للتنبؤ به, ويمكن تحديد كمَّه، ذلك لأنَّ الأسباب الغائبة لا تسمح بالتنبؤ الكامل، والتغيرات النوعية لا يمكن أن تكون كمية تمامًا. وثَمَّة مثال شائع في الحياة اليومية قد يساعد على إيضاح هذا النمط, فلننظر إلى التركيب الكيميائي للماء, ونفحص خواص الأكسجين والأيدروجين كلًّا على حدة، فمن الواضح أن أيًّا منهما ليس له خواص الماء, ولكن
стр. 186
عندما يتحد الاثنان اتحادًا كيميائيًّا تبرز خواص الماء "البلل مثلًا", وفي مجال الكيمياء يعتبر هذا مثلًا للمجموع الذي يزيد على أجزائه كل على حدة, وبمعنى آخر: فإن المجموع "أكسجين + أيدروجين" أكبر، وله صفات مختلفة عن أيٍّ من الجزئيين كل على حدة، كما أن التغير نوعي ويرجع إلى طبيعة العناصر المشتركة في التفاعل "سبب شكلي", وهذا التغير لا يشبه إضافة أجزاء إلى آلة ما، ذلك لأن الخواص الجديدة الناتجة لا يمكن اختصارها إلى العناصر الأبسط، غير أنها في الآلة ممكنة "فالترانزيستور" يعمل بنفس الطريقة في آلة بسيطة. وثَمَّةَ مثال يشمل عدة مراحل نوعية يبدو لنا في تتابع التغيرات التي تبرز منها الفراشة: البيضة، اليرقة، الشرنقة، الفراشة، فهذه التغيرات نوعية, ومن نوع غير قابل للانعكاس "reese & overton, ١٩٧٠"، وكما تدل على هذه الأمثلة فإن المجموع يضفي معنى على الأجزاء.
وفي مجال علم النفس يترجم النمط العضوي للكون إلى نمط التركيب العضوي النشط active - organism model للسلوك الإنساني "reese & overton ١٩٧٣", فالإنسان يعتبر "نشطًا بالفطرة وتلقائيًّا"، وهو "مصدر لأفعال، ولا يتقصر على النشاط بأسباب فاعلة, ويعتبر الإنسان مصدرًا للسلوك، وقادرًا على توليد أنماط سلوكية جديدة، ليس فقط كمستودع لأفعال متعلمة تصدر تبعًا لأسباب فاعلة، إن مختلف نظريات التركيب العضوي النشط في النمو مثل: نظرية بياجية piaget's Theory "١٩٥٢" عن النمو المعرفي cognitive development ونظرية فرويد freud's theory "١٩٣٠، ١٩٣٥" عن تكوين الشخصية تستندان على النمط العضوي, ونظريات النمو المنبثقة عن النمط العضوي مثلها في ذلك كمثل مختلف نظريات الآلية بها بعض الاختلافات الأساسية, ومهما يكن من أمر: فإن العموميات التي تضم هذه النظريات تضعها في "أسرة واحدة, وكل نظرية في هذه الأسرة تشارك الأخريات مبدأ أساسيًّا فيما يختص بطبيعة التركيب العضوي للإنسان.
ومن داخل النمط العضوي للنمو، يعتبر التغير واقعًا مقبولًا, وبعبارة أخرى: فإن النمط العضوي قابل للنمو والتغير "reese & overton ١٩٧٣". إن طبيعة
стр. 187
التغير النمائي طبيعة نوعية "تغير في النوع"، أكثر مما هو تغير كمِّي "تغير في الكمية"، والتغير يكون من مرحلة نموٍ ما أقل تعقيدًا إذا تَمَّ الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدًا, ونتيجة لذلك: فإن هذا النمط لا يفترض التنبؤ الكامل بالسلوك، كما أنه لا يشدد في إيجاد علاقة بين السلوك وأسباب فاعلة محددة. وفي كل مستوى جديد من مستويات النمو تبرز خواص تركيبية جديدة للجسم, لا يمكن اختصارها مباشرة إلى خواص المستوى الأدنى, ومع نمو التركيب العضوي، ونضجه، ونموه، يكتسب أشكالًا جديدة مختلفة نوعيًّا للتفاعل مع البيئة, وذلك بسبب التغيرات التي تجعل التنبؤ بالسلوك في منتهى الصعوبة. والتصور الأساسي طبقًا لـ" rees & overton, ١٩٧٠, ١٢٦" هو أنه "يوجد تركيب عضوي منظم يعرض بعض الوظائف، وأن التركيب يتغيّر في تنظيمه أو شكله مع تغيرات تالية في الوظيفة, وبالنسبة لكثير من علماء النفس، خاصَّة أولئك الذين أطلق عليهم اسم "علماء نفس النمو", فإن التغيّرات ليست إتجاهية أو قابلة للانعكاس، وهي موجهة نحو حالات أو أهداف معينة, ولذلك فإن الأبحاث التي تقوم على نمط التركيب العضوي النشط تؤكّد التغيرات النوعية التي يتقدّم فيها الإنسان في أثناء النمو, وفي مناقشتنا لنظرية بياجيه المعرفية سوف نناقش مراحل متعددة تتطور فيها عمليات التفكير. إن الطفل الوليد يفكّر مع الأفعال، والشخص البالغ يمكنه أن يفكّر برموز تجريدية, وتعتبر هذه طرقًا نوعية مختلفة للتفكير، وهي نتيجة الانتقال من مراحل نمو مبكرة إلى مراحل تالية أكثر نضجًا وتعقيدًا. وهذه التغيرات، وتغيرات أخرى أكثر دقة تحدث مواكبة تنكشف في السلوك. إن قدرات الفرد البالغ على التفكير تسمح بأنواع مختلفة من السلوك أكثر مما في حالة الطفل، وأن السلوك الظاهر phenomeno behavior، بدلًا من أن يعتبر نتيجة النمو فحسب، فإنه يمثل أيضًا النمو ويفهرسه، وذلك أنه يعكس تغيرات في تكوين التركيب العضوي.
ولذلك فإن وجهة النظر الخاصَّة بالنمو المعرفي، تنظر إلى النمو كمتغير أساسي يحدث داخل تركيب عقل أو شخصية "التركيب العضوي" نفسه, وطبيعة هذا التغيُّر يتجه دائمًا نحو تعقيدات أكبر في النمو " rees & overton, ١٩٧٠". ووجهة النظر هذه ذات عدة دلالات, نرى أنه من المناسب عرضها الآن, وهي:
стр. 188
أ- الاستمرارية/ التوقف "عدم الاستمرارية" continuity/ dizontinnity:
ثمة موضوع يثار عمَّا إذا كان النمو يحدث بطريقة مستمرة أو أنه يتوقف, ويرى أصحاب نظرية "التركيب العضوي النشط" أن النمو يحدث خلال سلسلة من المراحل، كل منها يمثل نمطًا نوعيًّا مختلفًا من التفاعل مع البيئة. إن نظرية "بياجية" عن النمو المعرفي "١٩٥٢" تقدم سلسلة من المراحل في نمو الذكاء، وكل مرحلة أكثر تعقيدًا من المرحلة السابقة لها، وتضم تقدمًا نمائيًّا عن المراحل السابقة.
ومع أن النمو قد يبدو كمجوعة من مراحل غير مستمرة، فإن هذه المراحل تمثل رؤية أساسية للنمو، ولا تدل على توقف حقيقي، وينظر إلى النمو كعملية تغيّر مستمرة وبطيئة, وفي كل مرحلة يحدّد مستوى النمو من واقع مكونات التركيب العضوي، أي: إن السلوك يدل على النمو البنائي للتركيب العضوي، وهو الطريقة التي يمكن بها أن نعرف مرحلة النمو لهذا التركيب, والتكوينات بدورها يفترض أن تنعكس في السلوك, ومن هنا فإنَّ التسلسل المنطقي هو أنَّ السلوك يتحدَّد بتكوينات تعكس بدورها مراحل النمو, ويفترض أن تضم كل مرحلة القدرات "التكوينات" الخاصة بالمراحل السابقة، ولكن يفترض فيها أيضًا أن تكون أكثر من ذلك, ومن ثَمَّ فإنه من المستحيل تخفيض سلوك معقَّد إلى مجموعة من الأنماط السلوكية الأبسط، وهي الأنماط التي تكوّنه "شكل: ٤٣"، كما يحاول ذلك أصحاب نظرية التعليم. وينظر إلى الطفل باعتباره قادرًا على توليد تكوينات
стр. 189
جديدة, وبالتالي أنماط سلوكية من مجموعة عقلية من عناصر موجودة فعلًا، ولكن تمثّل أنماطًا جديدة أكثر تعقيدًا من الوظيفية, ولنتذكر المثل الذي قدَّمناه عن مزج الأيدروجين والأكسجين ليكون لهما خاصية البلل "الماء" الذي يتمّ الحصول عليه من مزجهما. إن التغيّر الذي يحدث للعناصر عند مزجها تغيّر نوعي, وتبرز خاصة جديدة "الماء" لا يمكن اختفاءها مباشرة إلى العناصر الأبسط, وكذلك السلوك الناتج من العناصر الممتزجة يختلف عن سلوك أيّ عنصر منفرد, ويفترض نمط التركيب العضوي أن السلوك الإنساني "الذكاء بصفة خاصة" هو أيضًا نتيجة لتغيرات نوعية, وخواص السلوك العقلي المعقَّد لا يمكن اختصارها إلى خواص السلوك العقلي البسيط الذي انبثقت منه.
وتعتبر كل مرحلة أن لها صفاتها الخاصّة، علاوةً على صفات كل المراحل السابقة, مثال ذلك: ما اقترحه بياجية "١٩٥٢" من أنَّ القدرات العقلية الخاصة بكل مرحلة تندرج في قدرات المرحلة التالية, وهكذا فإن التفكير الإجرائي المحسوس concrete operational thinking "المرحلة الثالثة" يندرج في التفكير الإجرائي الشكلي frmal operational thinking "القدرات التجريدية للفكير في المرحلة الرابعة"، ولكن التفكير التجريدي يختلف في النوع عن التفكير المحسوس, كما أن التفكير الإجرائي الشكلي لا يمكن اختصاره مباشرة إلى تفكير محسوس, ولذلك فإن مجموع نمط التركيب العضوي في وقت معين أكبر من إجمالي الأجزاء.
ب- الكفاءة والأداء competence / porformance:
وثمة موضوع هام آخر يبرز من نمط التركيب العضوي النشط، وهو التفرقة بين الكفاءة "الجدارة"، والأداء, ويمكن تعريف الكفاءة competence بأنها مدى إمكانات "قدرات" التركيب البشري في إطار معيّن من السلوك. أما الأداء performance فيمكن أن يعرَّف بأنه: السلوك العملي "الفعلى" للفرد في وقت معين وظرف معين, وفي داخل رؤية التركيب العضوي المتفاعل، فإن سلوك الفرد أي أداءه يدل على ما يستطيع الفرد عمله بالفعل, ولا يسري ذلك بالنسبة لنمط التركيب العنصري. إن السلوك في أيّ وقت معيّن يفترض أن يعكس الأداء فقط، وليس كل أجزاء الكفاءة "الاقتدار".
стр. 190
والأداء ليس سوى قياس غير كامل الاقتدار "الكفاءة", وعلى ذلك: فإن سلوك الفرد يعكس جزئيًّا اقتدار الفرد, وكمثال لتأمّل نمو اللغة: إن طفلًا في الثالثة من عمره قد يستطيع استخدام جملة من ثلاث أو أربع كلمات للاتصال بوالديه أو من هم أكبر منه, ولكن هل هذا هو أقصى إمكانيات potentials الطفل؟ الواضح أن الإجابة عن هذا التساؤل هي النفي, والمؤكد أن الطفل يستطيع أن ينتج جملًا أطول، وحتَّى لو اعتبرنا عينة من الأداء أكثر اتساعًا، فمن المحتمل ألَّا نحصل على مقياس دقيق لاقتدار "كفاءة" الطفل, والسبب في ذلك أن الأداء يتأثَّر بعدد من العوامل مثل: التعب.
وإذا نحن غيرنا هذه العوامل: فإن الأداء لا بُدَّ وأن يتغيِّر، ولكنه لا يحتمل أن يضاهي الاقتدار "الكفاءة" مباشرة, ويبدو لنا ذلك شديد الوضوح إذا سألنا الطفل أن يقلد مجموعة من الكلمات لا معنى لها, فهو قد يتمكَّن من محاكاتها "أداء"، ولكن لا يحتمل أن نستنتج من ذلك أن اقتدار الطفل يعكس كفاءته على تقديم كلمات لا معنى لها بطريقة مباشرة, ولما كان المفترض أن الاقتدارات "الكفاءة أو الجدارة أو الأهلية" تتغيّر مع مستوى النمو للفرد، وحيث إن النمو يتغيّر باستمرار، فإن الاقتدرات "الكفاءات" تتغير باستمرار.
والآن يجب أن يكون بالإمكان فهم معنى مصطلح "تركيب عضوي نشط" active prganism, والمفترض أن التركيب العضوي النشط في حالة تغير مستمر, وهذا التغير نوعي؛ لأن التركيب العضوي -بطريقة ما- يضيف إلى خبراته، ويكون طرقًا جديدة مختلفة للتفاعل مع البيئة، وهذه الطرق لا يمكن اختصارها مباشرة إلى خبرات بيئية محددة، كما لا يمكن تفسيرها بأسباب فعالة, وبعبارة أخرى: يبدو التركيب العضوي نشطًا بطريقة غريزية وتلقائية، كمصدر للسلوك ولتغيرات السلوك, وهو يقوم بدور نشط في تغيير كفاءته "جدارته"، الأمر الذي لا تستطيع أي آلة أن تفعله, وهذه التغيرات تعكس اختلاقات نوعية في النمو؛ فاليافع ذو الخمسة عشر ربيعًا مثلًا يستطيع أو لديه الكفاءة على إنتاج أنواع مختلفة من الحلول للمسائل أكثر مما يستطيعه طفل في الخامسة, وسواء قلنا أن الشاب ذو الخمسة عشر ربيعًا أفضل من طفل الخامسة بمقدار عشر مرات أو ثلاث مرات
стр. 191
في حل المسائل، فإن ذلك خارج عن الموضوع. إنَّ ما يتعلق بالموضوع هو أنَّ الاقتدارات أو الكفاءات والجدارة أو المستوى الوظيفي للشاب ذي الخمسة عشر ربيعًا تختلف عن اقتدارات أو كفاءات طفل الخامسة.
وقد يكون من المناسب الآن أن تسأل كيف تحدث هذه الاختلافات في الاقتدار أو الكفاءات, وما هي الدوافع خلف هذا النوع من التغير؟ إن السبب الأساسي للتغيّر في النمط العضوي كما سبق وذكرنا "سبب نمائي موجَّه نحو حالة محددة", وفي داخل النمط العضوي يوجد نوعان من الأسباب الغائبة الهادفة: "شكلي formal، نهائي final".
- والسبب الشكلي formal cause:
يشير إلى تنظيم الفرد, أي: التكوينات النفسية التي يتكوّن منها التركيب العضوي؛ وحيث إن هذه التكوينات تتَّجه دائمًا نحو مستويات وظيفية متزايدة في التعقيد، فإن السبب الشكلي يكون غائيًّا "هادفًا" في طبيعته, هو يقود التركيب العضوي للأداء بطرق متزايدة في التعقيد نحو مستويات وظيفية متزايدة.
- والسبب النهائي "الختامي" final cause:
يشير إلى محاولة الفرد تتميز نفسه وبيئته "peese & overton ١٩٧٠", وبعبارة أخرى فإن الفرد والبيئة بينهما علاقة فعل متبادل، يغيِّر كلّ منهما في الآخر, وعملية التمييز هذه تعتبر ضرورية كشرط دافع "سبب" للنمو motivating condition, وطبقًا لنموّ التركيب العضوي النشط فإن الأسباب الفعّالة "تفاعل بيئي أو تعلم" ليست هي الطرق الوحيدة التي يحدث بها التغيير.
وتفسيرات النمو هذا تختلف تمامًا عن تفسيرات التركيب العضوي النشط، أو النمط الآلي, ونتيجة لذلك: فإن المتخصصين في النمو المعرفي يطرحون أسئلة مختلفة عمَّا يطرحه أصحاب نظرية التعلم حول طبيعة النمو. فمثلًَا يهتم أصحاب نظرية النمو المعرفي بصفة أولية بعمليات النمو, واهتمامهم أقل بنتائجها، "أي: بأنماط السلوك" التي تلقى اهتمامًا بالغًا من أصحاب نظرية التعلّم, فمثلًا عندما يعزز سلوكًا مقبولًا من الطفل حتى يتغير حسبما نريد, فإن هذا التغير في سلوك
стр. 192
الطفل الذي هو "نتاج" هذا التغير يعتبره أصحاب نظرية التعلم نموًّا، في حين أنه قد لا يكون نموًّا في رأي علماء النفس المعرفيين. ذلك لأنه قد لا يؤدي إلى تغيُّر تركيبي في الطفل، مثلًا ذلك: إننا قد نعرض على طفل في الثالثة كوبين متساويين مليئين بالماء, فإذا سكبنا محتويات أحد الكوبين من الماء في طبق, وسألنا الطفل ما إذا كان الطبق أو الكوب الآخر به ماء أكثر، أو أنهما مستويان, فإنه من المحتمل جدًّا أن يقول بأن أحدهما به ماء أكثر من الآخر. الطبق أن الكوب مثلًا، لأنه أوسع، لأن مستوى سطح الماء فيه أعلى, والواقع أننا نعرف أن كلًّا منهما به نفس المقدار من الماء, وباستخدام مبادئ التعزيز "التدعيم" نستطيع أن نعلِّم الطفل أن يقول بأن الطبق والكوب كلًّا منهما يحتوي على نفس المقدار من الماء، ولكن من غير المحتمل أن يتعلّم الطفل القاعدة العامة، وهي أنه إذا كان لدينا كمية من شيء ما, ولم نضف إليها أو نأخذ منها، فإن الكمية تظل كما هي. إنَّ ما تعلمه الطفل هو استجابة محددة لموقف محدد. وعلى ذلك فإن التعزيز "سبب فعَّال" يمكن أن يغيّر الأداء دون أن يقتضي ذلك تغيير الصفات التكوينية للطفل، أي: الطريقة التي يفهم بها العالم.
ج- التكوينات النفسية:
ويجدر بنا هنا أن نقول كلمة عن التكوينات النفسية: إن هذه التكوينات تركيبات افتراضية، هي مفاهيم تصف العمليات التي تشاهد مباشرة, وأصحاب نظرية النمو المعرفي لا يقولون بأن الإنسان لديه هذه التكوينات، بل هو يعمل كما لو أنه يمتلكها, وهذه التكوينات ليست واقعية، ولا تتواجد منفصلة عن النظريات التي تضمها. إننا لا نستطيع أن نفتح رؤسنا ونختبر هذه التكوينات منها, ولذلك فعندما نتكلم عن التغير التكويني فإننا نتكلم عن نمط من التغيرات في الطريقة التي يتعامل بها التركيب العضوي مع البيئة, وسواء كان الإنسان يمتلك هذه التكوينات حقيقة أم لا، فالأمر لا علاقة له بجدوى المفهوم كأداة لفهم السلوك الإنساني.
وتعتبر الأبحاث التي توضح العلاقات بين مختلف موضوعات النمو محاولة هامة في نظرية النمو المعرفي. وقد بذلت مجهودات كبيرة في البحث لإيضاح العلاقات بين الذكاء والنمو الأخلاقي "kohberg, ١٩٦٩, ١٩٧٣" moral development وبين
стр. 193
الذكاء ونمو اللغة، وبين النمو المعرفي والنمو الاجتماعي social develpment "shantz, ١٩٧٥"، وبين النمو الأخلاقي والسلوك الأخلاقي moral behavior "محمد مراد ١٩٨٨، hogan, ١٩٧٣"، وبين النمو المعرفي والنمو الأخلاقي "عادل عبد الله ١٩٨٥", وبين النمو النفسي الاجتماعي والنمو الأخلاقي "حسن مصطفى: ١٩٩١".. إلخ.
وهكذا فإن مثل هذه العلاقات حاسمة بالنسبة "للمذهب الكلي"١ التِّي يرتكز عليها نمط النمو المعرفي "overton, reese, ١٩٧٠".
- ومن هذا يتَّضح أن النمط المعرفي يشير إلى أن التنبؤ بالسلوك وتفسيره موضوعان منفصلان، فالتنبؤ على أحسن الفروض ضئيل؛ لأنَّنَا لا نستطيع كتابة معادلات دالية تربط السلوك بأسباب فاعلة محددة. إن فهم أو تفسير السلوك يعكس معرفتنا بنمو الطفل عبر مرحلة سن معينة, وهذا حقيقي حتى ولو لم نتمكن من تحديد كيفية تفاعل البيئة، والصفات والتغيرات في تكوين الطفل لتنتج هذا السلوك المعين.
إن النمطين اللذان ناقشناها لهما وجهتا نظر متميزتان بالنسبة للتركيب العضوي الإنساني، ونتيجة لذلك فإنهما يمثلان وجهتي نظر مختلفتين تمام الواحدة عن الأخرى بالنسبة لطبيعة نمو الطفل، وهما يقدمان إجابات مختلفة على المسائل المتعلقة بالنمو, وإذا نظرنا إلى الأسئلة الثلاثة التي طرحناها في بداية هذا الفصل نجد:
- إن أصحاب نظرية التعلّم: يعتبرون الطفل سلبيًّا نتاجًا للبيئة ومجموعة من عناصر الإثارة والاستجابة. إنهم يعتبرونه وقد وُلِدَ أشبه باللوح الأملس أو الصفحة البيضاء, وكل أشكال النمو تحدث بسبب التدخّل البيئي "التعلم", ولذلك فإن الطفل يعتبر مستودعًا لأنماط متعلمة "عناصر الإثارة والاستجابة"، ويرجع النمو إلى تجمعات تعليمية من أنماط سلوكية أبسط، مما يجعل بالإمكان قياس النمو.
- ويعتبر أصحاب نظرية النمو المعرفي أن الطفل مستكشف نشط للبيئة، وأن له صفات متوارثة "مثال ذلك، آليات بياجيه الاستعابية التلاؤمية"، وأنه قد استكمل تكوينات معرفية, ويعتبر النمو تغيرًا نوعيًّا في تكوينات التركيب العضوي ناتجًا عن استكشافه النشط للبيئة.
ومن استطراد القارئ لفصول الكتاب سيجد أن الطرق التي أثَّر بها هذان النمطان في البحث في مجال نمو الطفل قد أصبحت واضحة, وفي كثير من الحالات سيتاح لنا أن نناقش مجال بحث مثل: اكتساب الدور الجنسي، ومن كلٍّ من هذين المنظورين، ومع ملاحظة أن وجهتي النظر في النمو تولِّدان مسائل مختلفة للبحث، فإن القارئ سرعان ما يتبين أن البحث مستندًا إلى كل نمط يسهم بقدر كبير من تفهمنا للموضع الجاري بحثه, علاوة على ذلك: فإن المسائل المختلفة التي تطرحها كل معالجة عن المفهوم تصبح أكثر وضوحًا, ولذلك فإننا نعتقد أنه من المهم أن نلمّ بهذين النمطين العامين للنمو.
стр. 194
دور النظرية في تفسير نمو الطفل:
سوف نقدِّم في الفصول التالية عدة نظريات عن نمو الطفل, وكما ذكرنا فإنَّ النظريات تستمد من نمط أكثر عمومية للعالم، وأنها تؤدي عددًا من الوظائف تختلف في مستويات تحديداتها, مثال ذلك: أن البعض منها مثل نظرية "فرويد" مثلًا عن نمو الشخصية لها مجال واسع، في حيث أنَّ معظم النظريات تبحث في نواحي محددة نسبيًّا عن نمو الطفل مثل: نظرية بياجيه في النمو المعرفي، ونظرية إريكسون في النمو الاجتماعي، ونظرية كولبرج في النمو الخلقي.. إلخ. ولذلك فإن كلًّا منها أضيق مجالًا.
وإذا كانت النظرية هي مجرَّد بيان أو بيانات نحاول به أن نفسر حدثًا ما، فإننا في علم النفس نجد أن هذا الحدث هو السلوك، واهتمامنا هو بالسلوك الإنساني, ويمكن القول بأنَّ النظرية هي نموذج لما يحدث من سلوك معين، وتمييزه عن سلوك آخر, وبمعنى آخر أن النظرية تصف العوامل التي تحدث أو تسبب السلوك, ومجموعة من النظريات يجب أن تعطينا صورة سليمة ومعقولة للعوامل
стр. 195
التي تسبب سلوك الطفل ونموه, ومن هذه الوظائف تتكامل المعلومات عن السلوك integrate information about behavior, ومن ثَمَّ: فإن النظرية إذا كانت بالغة الاتساع، أو كان لها نصوص غير محددة تمامًا، فقد تتضمَّن قدرًا كبيرًا من المعلومات، ولكنها لن تقدم تفسيرًا مناسبًا للسلوك كالذي تقدمه نظرية ليست بهذا القدر من الاتساع، وإنما تركّز على مجالات سلوكية أكثر تعقيدًا. ومعظم النظريات تميل إلى أن تكون ضيقة المجال نسبيًّا, فلا تعطي سوى أشكال محددة من السلوك، مثال ذلك: التعلّم الشفوي، أو تأثيرات مختلف وسائل تربية الأطفال على تعلمهم الاعتمادية dependency أو العدوانية agression.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف إذن يمكننا أن نحصل على صورة معقولة لأسباب نمو الطفل؟
والجواب الواضح: هو أنه بانتقاء واختيار نظريات لمختلف خواص نمو الطفل، نستطيع تجميع صورة أكثر شمولًا، ولكن ليست هذه معالجة حاسمة على كل حال، فهناك بعض النظريات شاملة، مثل نظرية بياجيه "١٩٥٢" للنمو العقلي mental development. وبعض النظريات تعطي وصفًا مناسبًا تمامًا لنواحي بالغة الاتساع من النمو، في حيث أنَّ نظريات أخرى أقل شمولًا ليست ذات فائدة. ولذلك فإن مجرد إمكان تجميع قدر كبير من المعلومات ليس بالضرورة معيارًا لصالحية النظرية, بل إن صلاحية النظرية سواء كانت شاملة أو أقل شمولًا يمكن تحديدها فقط بنتائج الاختبارات التجريبية للافتراضات المنبثقة عنها, ويؤدي بنا ذلك إلى الوظيفة الثانية للنظريات: التنبؤ بأحداث جديدة predict new events وتوليد افتراضات يمكن إثباتها, أي: إننا بفحص نظرية، واستنباط افتراضات منها، يمكننا التنبؤ بأن سلوكًا معينًا سوف يحدث إذا ما توافرت مجموعة معينة من الظروف, وقد يكون هذا السلوك "جديد", أي: أنه لم تسبق ملاحظته، وهذه الظروف تقودنا إلى نوع أنماط سلوكية معينة. والوظيفة النهائية للنظرية هي تفسير السلوك أو النمو explain behavior development: إن تفسير سلوك ما يعني أننا نستطيع حصر أسبابه, أي: نستطيع ذكر السبب في حدوث السلوك، وحصر الظروف التي تؤدي إلى حدوثه, فإذا كانت النظرية تتنبأ بأن الظروف
стр. 196
"س، ص، ع"، يجب أن تحدث سلوكًا معينًا، وإذا استطعنا أن نمثل "س، ص، ع"، في تجربة وحدث السلوك المتنبأ به، استطعنا القول بأن "س، ص، ع" هي التي تحدد "أسباب" السلوك، وتفسير السلوك هو ببساطة عكس التنبؤ، ويتضمّن حصر الظروف "الأسباب" التي يحدث فيها السلوك, وعلى ذلك: فإن التفسير يشمل ذكر الظروف التي وراء حدوث حدثٍ ما، وعندما نعرف هذه الظروف نستطيع تفسير السلوك.
إن النظريات تبني وتقيِّم بنفس الطريقة في كل مجالات العلم, وبالتَّالي فإن كل النظريات التي تعالج نمو اللغة، أو الرياضيات، أو الجسيمات النووية، أو نمو الشخصية، أو النمو المعرفي، أو النمو الانفعالي، أو النمو الاجتماعي لها نفس الأسس الصياغية، وهي كلها محاولات لتفسير السبب أو الكيفية التي يحدث بها سلوكٌ ما، وفي كل مجالات العلم يجري تقييم النظرية بالبحث.
علاقة النظرية بالبحث في النمو:
ثمة علاقة حاسمة لأي نظرية، وهي إمكانية اختبارها. إن النظرية لا نستطيع اختبارها لا قيمة لها، لأننا لا نستطيع التأكّد من صحتها, ولكن إذا أمكن اختبار النظرية، وإذا كانت الافتراضات المستقاة منها معززة بالبحث، أصبحنا أكثر ثقة في أن النظرية تمثّل وصفًا دقيقًا للعوامل الكامنة وراء السلوك الجاري بحثه، وبالعكس إذا قدمت النظرية افتراضات لا يعززها البحث, فإننا نفقد الثقة بهذه النظرية كتفسير ملائم للسلوك، وفي مثل هذا الحالات على الباحثين إما أن يعدلوا النظرية, أو أن يطرحوها جانبًا سعيًا لبناء نظرية بديلة. وعن طريق البحث يمكننا أيضًا اختبار نظريات تبادلية عن نمو الطفل، وذلك للتأكد من أيها أصح، ولذا: فإن البحث الذي يسترشد بالنظرية يعبتر هامًّا لكي نفهم نمو الطفل، وذلك لأنه هو الطريقة التي نثبت بها صحة النظريات عن النمو أو عدم صحتها.
وعلى الرغم من وجود عدد كبير من النظريات السيكولوجية التي تتعلق بدراسة الشخصية الإنسانية, فإن معظم هذه النظريات تتناول الإنسان كنتاج كامل تمامًا، ولم يتعرض منها لدراسة نمو الشخصية من الولادة حتى النضج سوى عدد
стр. 197
قليل من النظريات، كما أنها لم تقدِّم سوى القليل من المعلومات عن إجمالي النمو؛ لذلك: تتضمَّن الفصول التالية تلك النظريات التي تناولت ظاهرة النمو الإنساني, أو نمو الشخصية كعملية مستمرة ومتتابعة بدءًا من حالة الطفل كرضيع، وتستعرض كل مرحلة لاحقة من مراحل النمو النفسي: الطفولة المبكرة، والطفولة المتوسطة والمتأخرة، والمراهقة، والرشد.. إلخ. علاوة على ذلك: فإن النظريات التي تَمَّ انتقائها يكمّل بعضها ببعضًا؛ كي تقدِّم تفسيرًا متكاملًا لنمو الشخصية الإنسانية من الناحية الجسمية، والحركية والعقلية المعرفية، والنفسية، والاجتماعية، والخلقية.
إذ نجد أنّ:
- نظرية آرنولد جيزل تتناول النضج والنمو الجسمي الحركي والمعرفي في سلالم نمائية متدرجة.
- ونظرية روبرت ر. سيرز تتناول النمو الجسمي والبيولوجي للفرد في علاقته بالتعلم الاجتماعي.
- ونظرية التحليل النفسي "ليسجموند فرويد" تتناول النمو الجنسي الذي يعتبر جانبًا من جوانب النمو البيولوجي، ولكنه يرتبط بالنمو النفسي للفرد.
- ثم نجد نظرية "إريك هـ. إريكسون" كامتداد لنظرية فرويد تركّز على الجانب النفسي الاجتماعي في النمو الإنساني, وتركز نظرية جيمس مارشيا على نمو الهوية في المراهقة التي هي إحدى مراحل النمو في نظرية إريكسون.
- أما نظريات "فارنر وبرونر وجان بياجيه، فإنها تعنى بدراسة النمو العقلي والمعرفي في تطوره ونضجه.
- وتعنى النظرية السلوكية ونظرية "جان بياجيه" و"فيجو تسكي" بتناول النمو اللغوي.
- ثم تأتي نظرية "كولبرج" لترتكز على أعمال بياجيه, وتعنى بدراسة النمو الخلقي والاجتماعي.
ومن الملاحظ أن كل نظرية من هذه النظريات تتناول بحوثًا مستقلة تمامًا في مجال نمو الشخصية، ومع ذلك تعتبر كل واحدة منها مكمِّلة للنظريات الأخرى،
стр. 198
وتقدم جزءًا نحو تفهُّم الفرد ككل لا يتجزأ, دون أن يؤثر ذلك على المراحل التتابعية للنمو داخل الإطار التصوري لكلٍّ منها. فإذا نظرنا إليها طوليًّا يمكن القول بأن كل نظرية لها كيانها الداخلي المتماسك في تصوير استمرارية النمو، وفي نفس الوقت لا تتعارض مع النظريات الأخرى, وكأنَّ كلًّا منها كان ينسج نفس ثوب النمو مستخدمًا خيوطًا مختلفة عن الأخرى.
وإذا نظرنا إليها عرضيًّا نجد أن كل نظرية يمكن أن تتناول في أيّ مرحلة حلقة بارزة إلى حل ما يمكن تحديدها بمفهوم أيّ نظرية أخرى, فعلى الرغم من الاختلافات المنهجية لكلٍّ منها, فإن المناهج المختلفة لكل نظرية يمكن أن يكمّل كل منها الآخر لتقديم صورة متكاملة لعملية النمو؛ إذ أنَّ كلًّا منها يقدم معلومات في مجالات أهملها الآخر؛ لذلك فإننا إذا نظرنا إلى هذه النظريات من الناحية التطبيقية, فإن تطبيق كل نظرية تحدده طبيعة النشاط الإنساني الذي ندرسه.
стр. 199
نظريات النضج والنمو العضوي النفسي
أولًا: نظرية ميكانيزمات النضج العضوي النفسي "لارنولد جيزل "
مدخل
...
نظريات النضج والنمو العضوي النفسي:
أولاً: نظرية ميكانيزمات النضج العضوي النفسي: "لآرنولد جيزل"
ولد آرنولد جيزل arnold gesell في ألما alma بولاية وسكونسن بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٨٠، وتلقى دراسته لمرحلة البكالوريوس في جامعة وسكونسن وتخرج منها عام ١٩٠٦، وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة.ph. D من جامعة كلارك حيث كان مدفوعا فيها للتخصص في دراسات الطفولة وذلك حينما تتلمذ على يد عالم النفس الشهير ستانلي هول G. stanley hall "١٨٤٤-١٩٢٤"، وقد حصل جيزل على درجة دكتور في الطب "md" من جامعة ييل عام ١٩١٥، وعمل أخصائيًا في طب الأطفال، وبعد فترة قصيرة من تقلده منصب في مدرسة النورمال، بلوس أنجلوس عين أستاذًا مساعدًا بجامعة ييل "١٩١١-١٩١٥"، وأستاذًا لعلم صحة الأطفال بمدرسة الطب بجامعة ييل "١٩١٥-١٩٤٨"، وأخصائيًا لطب الأطفال بمستشفى نيوهافن "١٩٢٨-١٩٤٨". ولقد أسس بجامعة ييل عيادة ييل النفسية لنطور نمو الطفل ورعايته، وعمل مديرًا لها من عام ١٩١١-١٩٤٨، وظل مدير شرف لها بعد إحالته للتقاعد عام ١٩٤٨، ومستشارًا لمعهد جيزل لنمو الطفل من عام ١٩٥٠..
ولقد ظل جيزل زميلاً بالجمعية الأمريكية للنهوض بالعلوم، وزميلاً بالأكاديمة الأمريكية للأخصائيين في طب الأطفال، وعضوًا بالأكاديمية الأهلية للعلوم، وزميلاً بالأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون، والأكاديمية الأمريكية للشلل المخي ورئيسًا لها عام ١٩٥٢، وعضوًا في جماعة الباحثين بالدراسات المتصلة بطب الأطفال بها رفارد، وذلك حتى وافته منيته في عام ١٩٦١.
стр. 200
ولقد عمل جيزل في بداياته في مجال دراسة التخلف العقلي لدى الأطفال، ولكنه أصبح مقتنعًا منذ وقت مبكر بأن فهم النمو السوي ضروري لفهم النمو غير السوي، وكان جيزل من بين الأوائل الذين حققوا إنجازًا في الدراسة الكمية للنمو الإنساني من الميلاد إلى المراهقة، مركزًا بحثه على الدراسة الطولية الممتدة لعدد صغير من الأطفال وقد بدأ بأطفال ما قبل المدرسة وأخيرًا مد عمله إلى الأعمار من ٥-١٠ سنوات، ومن ١٠-١٦ سنة. ومن نتائج دراساته استنتج جيزل أن النمو الجسمي والنمو العقلي لدى الرضع والأطفال والمراهقين عمليتان منظمتان متطابقتان. ولقد درب جيزل في عيادته باحثين لجمع البيانات، وأنتج تقاريرًا كانت واسعة التأثير على كل من الآباء والمربين، وكانت نتائج أبحاثه نافعة في ابتكار جداول نمائية أطلق عليها جداول جيزل النمائية Gesell Development Schedules التي استخدمت مع الأطفال بين عمر أربع أسابيع وست سنوات من العمر.. ولقد كانت مقاييس الاختبار تتضمن المجالات المعيارية لمواقف ابتداء من الحالة الولادية كميًا وكيفيًا، واشتملت على تأكيدات على المجالات الخاصة بالنمو الحركي، والنمو اللغوي، والسلوك التكيفي، والسلوك الشخصي والاجتماعي. بالإضافة لذلك: فإن نتائج الاختبار قد تم التعبير عنها أولاً بالعمر النمائي "DA" والتي تحولت بعد ذلك إلى النسبة النمائية "DQ" Developmenta; Quotient اعتمادًا على قسمة النمو السوي "العادي" الذي يظهر في أي عمر، ويتم الحصول على نسب نمائية واسعة من كل الوظائف التي بنى عليها المقياس.
وفيما بين عامي ١٩٤٠-١٩٥٠ كان ينظر إلى جيزل، على نطاق واسع باعتباره ذي النفوذ الأول في مجال نمو الطفل والنسب النمائية المبنية على جداوله النمائية التي استخدمت بصورة واسعة في تقدير ذكاء الأطفال.. ولقد كتب جيزل العديد من الكتب التي وزع منها عدد كبير في معظم أنحاء العالم. منها: الطفل والرضيع في ثقافة اليوم "١٩٤٣"، والطفل من الخامسة إلى العاشرة الذي شاركته في تأليفه فرانسيس إلج frances L.IIG "١٩٤٦" وترجم إلى العربية. ولقد تمت قراءة كتب جيزل على نطاق واسع لدرجة أنه تم إدراك أن أفضل طريقة لتربية الأطفال تتطلب توجيهًا معقولاً أكثر من مجرد السماحة "الإباحة" permissiveness أو الشدة والقسوة rigdity. وأكثر من ذلك فإن تأثير جيزل كان واضحًا على علماء نفس الطفل وأطباء الأطفال Pediatricians حيث ساعد على زيادة ثقافتهم فيما يتعلق بنمو الطفل وخلق وعيًا سيكولوجيًا سليمًا. ومن المحتمل أن تفوق أفكار جيزل قد أعطى توجيهًا "أسلوبا ومنهجًا" للنظريات التي ركزت على أهمية العناصر البيئية أكثر من العناصر الداخلية في نمو الطفل خاصة تأثيرها على أفكار جيروم برونر Jerome S. Bruner، وجان بياجيه Jean Piaget مما جعلها تنال الشهرة التي وصلت إليها.
ولقد انتُقد جيزل لتأسيس عمله وتشدده في ملاحظة عدد صغير من المفحوصين الذين كانوا من الأطفال الذين كان آباؤهم من البيض ومن الطبقة الوسطى في مدينة نيوانجلند، وقد فشل هو الآخر في السماح لضياع وقت قليل مع الفروق الفردية الثقافية في أنماط النضج.
وعلى الرغم من أن حاصل النمو "نسبة النمو" لم تعد فكرة مقبولة اليوم كمقياس صادق للقدرة العقلية، فإن جيزل ظل رائدًا هامًا في نمو الطفل، وقد تم الاعتراف بنصائحه في منهجية ملاحظة وقياس السلوك الذي كان أول من استخدم الصور الفوتوغرافية والملاحظة من خلال مرآة ذات اتجاه واحد كوسائل للبحث.. ولقد كان جيزل أيضًا مؤلفًا خصبًا "كثير الإنتاج" فقد شملت كتبه الأخرى: أطلس سلوك الأطفال "١٩٣٤"، الشباب: من العاشرة إلى السادسة عشرة "١٩٥٦". "Gall, ١٩٩٦, ١٦٤-١٦٥".
стр. 201
منهج الدراسة عند جيزل:
يعتبر جيزل أول من خلق ظروفًا منهجية لدراسة النمو، من ذلك:
١- طريقة التصوير والتسجيل: حيث استغل جيزل التصوير الفوتوغرافي، والتصوير السينمائي، والتسجيل الصوتي.. وغيرها لتتبع نمو الطفل، حتى أن دور السينما في أغلب بلدان العالم قد أخذت تعرض أفلام جيزل، وتجد فيها لعب الطفل بمفرده ولعبه مع زملائه، وموازنة بين طفل وقرد، ومواقف الحرمان وآثاره على الأطفال. كما أن إحدى الصحف اليومية الأمريكية قد
стр. 202
خصصت جزءًا من الصحيفة في كل يوم للأسئلة التي توجه إلى جيزل وزملائه وتلاميذه وتجد إجابات عنها.
٢- طريقة الموازنة بين التوائم: فقد أجرى جيزل تجاربه على التوائم المتماثلة "المتطابقة"، يدرس خصائصها ويدرس الصلة بن التعلم والنضج، فكان يأخذ توأمًا ويدربه على ارتقاء السلم عند أول تعلمه المشي، وكان يترك التوأم الآخر بغير تدريب. ويستمر في تجربته هذه ثلاثة أشهر يكون التوأم غير المدرب قد بدأ بعدها يصعد السلم دون معونة. وكان في هذه المرحلة يغري كلا منهما بصعود السلم، فوجد أن التوأم الذي لم يدرب ليس أقل من حيث السرعة والإتقان من التوأم الذي تدرب، بل أنه في بعض الحالات كان يجد أن التوأم الذي لم يتدرب أسبق وأكفأ من التوأم الذي تدرب.. وقد كرر جيزل وتلاميذه تجاربهم على أربعين توأمًا. وقد استنتج من هذا كله أنه لا يجوز أن يعلم الطفل أي شيء قبل الأوان أي قبل اكتمال النضج الذي يساعده على التعلم.. ولعل هذا يهدينا إلى النصح لمن يدفعون بأطفالهم دفعًا إلى التعلم بأن يتريثوا: فالتعلم عند النضج أفضل منه قبل ذلك.
٣- الملاحظة المنظمة: مما يذكر أن جيزل بفضل جهوده قد أنشأ معملاً سيكولوجيًا لدراسة الأطفال، وملحق به عيادة سيكولوجية وحضانة، وبهذا تمكن من داسة الأطفال العاديين وغير العاديين، وتمكن من أن يدرسهم تحت ظروف الملاحظة العادية الطبيعية
شكل "٤٥" حجرة ملاحظة الأطفال الصغار بالعيادة النفسية بجامعة ييل، يجلس الباحث في مقصورة ويجلس الطفل في الحجرة منهمكا في لعبه، ويوجد حاجز زجاجي يسمح للباحث بملاحظة الطفل في حين يمنع الرؤية بالنسبة للطفل.
وتحت ظروف التجريب. ويعد جيزل أول من أوجد حجرة الملاحظة "شكل: ٤٥، ٤٦" وهي حجرة زجاجية صغيرة يجلس فيها الباحث ليلاحظ من نافذة
стр. 203
صغيرة أوعبر مرآة من اتجاه واحد الأطفال الصغار وهم يلعبون وينشطون.. والمميزة: هي أن الملاحظ يرى الأطفال ولكن الأطفال لا يرونه على الإطلاق، وبذلك يتصرفون على طبيعتهم ولا يتسرب إلى ذهنهم أنهم تحت الرقابة مما قد يغير من سلوكهم تغييرًا يضعف من قيمة الملاحظة.
٤- تعريض الأطفال لمواقف سلوكية: حيث يمتاز عمل جيزل ببساطة المواقف التي يتعرض لها الأطفال. فمن هذه المواقف: أنه يعطي الطفل مكعبًا أحمر اللون ليلعب به، ثم يأخذه منه ويضعه فجأة في كيس يسهل فتحه، ثم يلاحظ ما يفعله الطفل.. فوجد: أن
شكل "٤٦" تصميم آخر لحجرة عزل، والمقصورة تكفي لعدد من الباحثين يعملون سويًا، وتحتوي حجرة اللعب على أدوات كثيرة تتيح للأطفال ممارسة ضروباً متنوعة من النشاط.
بعض الأطفال ينسون المكعب بمجرد اختفائه، وبعضهم يبكي، وبعضهم يأخذ الكيس ويفتحه ويستخرج المكعب منه. وكما يختلف الأطفال في السن الواحدة أمام هذه المشكلة يختلف الطفل تبعًا لسنه في حلها، ومثال آخر: أن يضع أمام طفل ما قبل السادسة من عمره مرآة ويراقبه ليرى: هل ينظر الطفل خلف المرآة ليتبين هل هذا الذي يراه فيها يختبئ خلفها.. شكل "٤٧" وله بهذه الوسائل البسيطة من: عصى، وأحبال، ومرايا، وأكواب، تجارب عديدة عاونته على فهم طبيعة التفكير وطبيعة التعليم عند الأطفال منذ الأيام الأولى.
٥- الموازنة بين أطفال إنسانيين وأطفال حيوانات: فمن دراساته الطريفة أنه وازن بين ما ينتظر من طفل إنساني ومن طفل قرد في مختلف الأعمار الأولى فوجد أن: الرمش بالعين، والعطس، والمص والبكاء تحدث كلها في اليوم الأول عند الاثنين، أما إدارة الرأس والوجه لمتابعة شيء يتحرك فإنها تحدث عند القرد بعد ثلاثة أيام من ولادته، أما عند الإنسان فإنها تحدث بعد شهرين أو ثلاثة.
стр. 204
ومحاولة المشي فتحدث عند القرد بعد ١٢ يومًا، وعند الطفل بعد ١٢ شهرًا.. ومحاولة جذب الأم للاشتراك في اللعب فإنها تحدث عند القرد بعد خمسة أسابيع وعند الطفل الإنساني بعد مدة تتراوح بين ١٠-١٨ شهرًا.. والقرد يجري بعد أربعة عشر يومًا، أما الطفل الإنساني فإنه يجري بعد مدة تتراوح بين ١٨-٢٨ شهرًا، ويفطم الطفل القرد بين سبعة أسابيع، أما الطفل الإنساني فإنه يفطم بعد مدة تتراوح بين ٦-٢٠ شهرًا "عبد العزيز القوصي: ١٩٥٧".
وهكذا: يعتبر جيزل أول من خلق ظروفًا منهجية لدراسة الأطفال. وقد تمكن تحت هذه الظروف أن يدرس التوائم وأن يوازن بين نمو الطفل الصغير والحيوان الصغير، وأن يسجل يومًا بعد يوم تصرفات الأطفال، وتمكن بهذا كله أن يضع معايير النمو للأطفال الصغار منذ الميلاد، فتقدم بعمله هذا خطوة كبيرة بعد الخطوة التي خطاها ألفريد بينيه. وقد سجل خلاصة بحوثه في أول كتاب نشره عام ١٩٢٨ بعنوان الطفولة والنمو الإنساني.
стр. 205
مفهوم النضج:
يرى جيزل: أن كلمة النضج maturation تطلق على عمليات النمو التي تتمخض عن تغيرات منتظمة في سلوك الفرد، والتي تكون مستقلة استقلالاً نسبيًا عن أي تدريب أو خبرة سابقة "عبد المنعم المليجي: د. ت".. وهو يعني وجود أنماط سلوكية تحدث نتيجة عملية نمو داخلية لا علاقة لها بالتدريب أو أي عامل آخر خارجي. فالجهاز العصبي ينمو وفقًا لخصائصه الذاتية، ومن ثم تنشأ عنه أنماط أولية من السلوك، هذه الأنماط تحددها عوامل الإثارة من العالم الخارجي، وليس للخبرة أي علاقة خاصة بها "إبراهيم وجيه: ١٩٧٦" ولذلك فإن:
- نمو الجنين رهن بسلامة البيئة في رحم الأم: فالنمو قد يمضي طبقًا للخطة الطبيعية على الرغم من التقلبات التي قد تعتري البيئة داخل الرحم، بشرط ألا تتجاوز هذه التقلبات حدًا معينًا. مثال ذلك: أن الطفل الذي يولد قبل الموعد الطبيعي إذا حافظنا على حياته ووضعناه في حضّانة صناعية فإنه ينمو نموًا طبيعيًا شأنه شأن الطفل الذي يولد بعد اكتمال أشهر الحمل.. وهذا يدل على أن توقيت النمو أمر تقرره عوامل في داخل الكيان العضوي ذاته.
- كذلك: فإن النمو يسير في مراحله المتعاقبة دون أن يتأثر إلا قليلاً بالمؤثرات البيئية، طالما أن البيئة توفر قدرًا كافيًا من الظروف اللازمة لاستمرار النمو.. فالتطورات التي يحققها الطفل كالحبو والزحف، ثم الوقوف، فالمشي، كل هذه التطورات يقابلها نمو في داخل الكيان العضوي نفسه، وأن هذا النمو الداخلي هو المسئول عن السلوك. "عبد المنعم المليجي: د. ت".
وتبعًا لتعريف جيزل للنضج، فقد عرف أتباعه النضج بتعريفات مماثلة: إذ عرفه ماركس Marquis "١٩٣٠" بأنه ملاءمة من الجانب العضوي للكائن الحي للاستجابة لدواعٍ داخلية مستقلة عن مؤثرات البيئة الخارجية. ويرى ستوارد وويليمان Stoddard & Wellman "١٩٣٤" بأن النضج هو النمو المتوقع من الكائن الحي تحت شروط الإثارة العادية، ويرى ماك كونيل Mc Connell "١٩٤٣" أن النضج هو: "النمو الذي يحدث بالتدريج ي وجه التغيرات المختلفة للشروط البيئية".
стр. 206
وعلى هذا: فإن جيزل وأتباعه يوكدون بوضوح أهمية العوامل الداخلية العضوية بالنسبة للنضج، وأن النضج إنما يحدث نتيجة لهذه العوامل وحدها بعيدًا عن أي مؤثرات أخرى خارجية كالخبرة أو المران. وأن النضج إذا كان عملية داخلية ترجع إلى التركيب العضوي للكائن الحي، إلا أنه متوقع تحت شروط البيئة والعوامل الخارجية، فكل كائن حي ينمو وفقًا لنمط معين تحدده العوامل العضوية الوراثية، إلا أن هذا النمو تحدث آثاره في البيئة الخارجية بحيث يتوقع من الكائن الحي -إذا توافرت هذه الشروط الخارجية- أن يتبع خط نمو معين ويصل إلى مستويات معينة من النضج خلال هذا النمو.
ووفقًا لمفهوم النضج فإن هذا المفهوم ينطبق على الإنسان والحيوان، وإذا وجدت فروق بينهما فمرجعه إلى اختلاف التركيب العضوي لكل ممنهما، فمثلاً:
- يمكن لبعض صغار الحيوانات أن تمشي بمجرد أن تولد، بينما لا تستطيع صغار الإنسان أن تمارس مثل هذا السلوك عند ولادتها، ويرجع ذلك إلى أن طبيعة هذه الحيوانات مزودة بمستوى من النضج عند ولادتها يمكنها من القيام بهذا السلوك، بينما طبيعة الطفل الإنساني لا تمكنه من هذا المستوى إلا بعد مولده بـ١٢-١٤ شهر تقريبًا.
- ومن ناحية أخرى يصل النضج المطرد بالطفل الإنساني إلى أن يقوم بسلوك يتطلب قدرًا كبيرًا من المهارة كالقراءة والكتابة مثلاً، بينما طبيعة الحيوانات لا تمكنها من أن تصل إلى مستوى من النمو أو النضج يمكنها من القيام بهذا السلوك مهما تقدمت في العمر.
وعلى هذا:
فإن هناك علاقة إيجابية بين التقدم في السلم الحيواني من ناحية، ومرونة التحكم في عوامل النضج الطبيعية من ناحية أخرى، بمعنى أن سلوك الحيوانات الأكثر تقدمًا في ذلك السلم يكون عادة أقل جمودًا وأكثر قابلية للتعديل والتحسن. "إبراهيم وجيه: ١٩٧٦".
стр. 207
النضج والتعلم:
من خلال تجارب جيزل وطومسون Gesell & Thomson "١٩٣٤"، وماك جرو Mc Graw "١٩٣٥" على التوائم المتماثلة أمكن الخروج بعدد من النتائج التي تفيد في تحديد نوع العلاقة بين النضج والتدريب وتأثيرهما على التعليم، من ذلك.
١- أن تعلم خاصية معينة يكون أكثر سهولة إذا كان الفرد قد وصل إلى مستوى النضج المناسب بالنسبة لهذه الخاصية. لذا: فمن الأفضل قبل أن نبدأ التدريب أن نطمئن إلى أن الخاصية التي سيتم التدريب عليها قد نضجت، وينطبق ذلك على كل خصائص الفرد: جسمية، عقلية، انفعالية، اجتماعية.
٢- أن التدريب اللازم للتعلم يقل كلما كان الكائن الحي أكثر نضجًا.
٣- أن التدريب قبل الوصول إلى مستوى النضج المناسب لا يؤدي إلى أن تحسن في التعلم أو يؤدي إلى تحسن مؤقت. ومن ثم: فإن تدريب الطفل على المشي قبل أن تنضج عضلات رجليه لا يحقق نتيجة، وتدريبه على الكتابة قبل أن تنضج عضلات أصابعه ويصل نضجه العقلي إلى المستوى الذي يدرك فيه ما يفعل، لا يحقق بالمثل أي نتيجة.. وإذا تم التعلم تحت تأثير الضغط أو التكرار فإن هذا التعلم يكون مؤقتًا وسرعان ما يهمل بعد ذلك. والأفضل في جميع الأحوال أن يتم التدريب متى وصلت الخاصية المعنية إلى مستوى النضج المناسب.. ويطلق على هذا المستوى اسم الاستعداد readiness ويعني: وصول المتعلم إلى مستوى مناسب من النضج يمكنه من تحصيل الخبرة أو المهارة أو الأسلوب الذي يريد أن يتعلمه عن طريق التدريب.
٤- أن التدريب قبل الوصول إلى مستوى النضج المناسب قد يعوق التعلم في المستقبل. فالتعلم بدون استعداد المتعلم يترتب عليه كراهيته لما يتعلم، وفشله في التعلم، فتعلم الطفل المشي قبل نضج عضلات ساقيه عملية شاقة بالنسبة له، وتكرار التدريب لا يأتي بفائدة ويسبب إحباط للطفل لا ينساه ولا تضيع آثاره، وتظل مواقف الإحباط السابقة تتدخل وتعوق تعلمه "إبراهيم وجيه: ١٩٧٦".
٥- إذا كانت الخاصية أو الوظيفة النامية محددة الإمكانيات بحكم الفطرة "كما هو الحال لدى المعاقين ذهنيًا أو بدنيًا" فإن أي جهد يتجاوز حدود نموها عديم الجدوى، بل يكون مضنيًا، أو ربما معطلاً للنمو العام. فالنضج أو التفتح التلقائي أمر يقرره عامل الفطرة "أي الوراثة" وهو يعد المادة الخام التي يتناولها التعلم بالتغيير والتحوير.
٦- في كثير من مظاهر النمو يتآز كل من النضج والتعلم معًا في إحداث النمو. فمثلاً: النمو اللغوي: لا يتعلم الطفل الكلام إلا إذا بلغ سنًا تسمح له بتعلمه أي قبل أن تنضج الأجهزة والوظائف اللازمة لمزاولة عملية الكلام، بالإضافة لذلك فإن الطفل يكتسب الطفل التي يسمع الناس حوله يتحدثون بها..
وعليه: فإن النضج والتعلم ليسا منفصلين في النمو ولكنهما يتفاعلان في تطوير مختلف النماذج السلوكية، فلكي تنمو خاصية معينة لا بد من نضجها تلقائيًا ثم نتناولها بعد ذلك بالمران والتدريب في الوقت الملائمة وعلى النحو السليم، وإلا لا يتاح لها الإرتقاء إلى نهاية نموها الطبيعي. "عبد المنعم المليجي: د. ت".
стр. 208
مبادئ النمو:
من خلال ملاحظات جيزل للأطفال استخلص عدة مبادئ تحكم سير النمو. منها ما يلي:
١- المزج المتبادل: reciprocal interweaving
فلدى الإنسان نصفي كرة بالمخ وعينين ويدين وقدمين ... إلخ. ويشير المزج المتبادل إلى العملية التي يصل كلا الجانبين من خلالها بالتدريج إلى تنظيم فعال. وعلى سبيل المثال: في تطور ونمو استخدام اليدين: يبدأ الأطفال باستخدام يد واحدة، ثم يستخدمون كلتا اليدين: ثم يفضلون يد معينة، ثم يعودون لاستخدام كلتا اليدين من جديد ... وهكذا: حتى يصل في النهاية إلى سيطرة يد واحدة. ويعتقد جيزل أن مبدأ المزج المتبادل ينطبق على مدى واسع من السلوكيات كالنمو الحركي: الزحف، والمشي، والسلوك البصري، والرسم ... وما إلى ذلك.
стр. 209
٢- عدم التناسق الوظيفي: functional asymmetry:
يدخل تحت مبدأ عدم التناسق الوظيفي: سيطرة اليد الواحدة، والقدم الواحدة، والعين الواحدة في المراحل المتقدمة من النمو.. ويمكن رؤية عدم التناسق لدى الرضيع في انعكاس العنق tonic neck ... فقد لاحظ جيزل: أن الأطفال الرضع أثناء الرقود تكون أيديهم مائلة إلى جانب واحد، ويمدون الذراع على الجانب الذي تميل الرأس نحوه، كما لو كانوا ينظرون إلى اليد، ويثنون الذراع الأخرى خلف الرأس. وهذا الانعكاس يكون في الشهور الثلاثة الأولى من العمر: ثم يختفي مع نمو الجهاز العصبي.
٣- تنظيم الذات Self - regulation:
يظهر مبدأ التنظيم الذاتي في كل مظاهر النمو ومنها على سبيل المثال: التعذية، والنوم.. فقد أوضح جيزل: أنه عندما يسمح الوالدان لأطفالهما بأن يحددوا متى يحتاجون إلى النوم، فإن الأطفال بالتدريج يتطلبون نومًا أقل ويبقون مستيقظين لفترات أطول أثناء النهار، ورغم وجود عدة صور للتقلب والتردد فإن الأطفال في النهاية يحلون بالتدريج الأنماط الثابتة. وفيما يتعلق بالتغذية: توجد بعض الأدلة على أنه عندما يعطي الأطفال حرية الاختيار فإنهم سوف يختارون النظام الغذائي المتوازن طول الوقت، ويرجع جيزل ذلك إلى ما يسميه بالحكمة الداخلية للجسم wisdom of body "محمد السيد عبد الرحمن: ١٩٩٩، ١٧-١٨".
٤- التفرد individuality:
على الرغم من وجود مستوى عام للنضج في كل مرحلة من مراحل النمو، إلا أنه توجد فروق فردية بين الأفراد من حيث وصول كل منهم إلى مستوى النضج المناسب. ويمكن ملاحظة الاختلاف في عامل النضج لدى أفراد النوع الواحد من ملاحظتنا لسلوك أطفال نشأوا في نفس البيئة وتعرضوا لنفس المؤثرات وهم في عمر واحد، نجد أن منهم من يتقدم في السلوك الحركي عن غيره، ومنهم من يبرع في الناحية اللغوية ... وهكذا. وترجع هذه الاختلافات إلى وجود فروق فردية في مستوى النضج عند الأطفال هي المسئولة عن هذا التفاوت الملحوظ لدى أفراد المجموعة الواحدة المتماثلة في العمر الزمني "إبراهيم وجيه: ١٩٧٦".
стр. 210
جيزل وسلالم النمو:
وضع جيزل قوائم تفصيلية متدرجة لمظاهر النمو المختلفة توضح اتجاهات النمو، من الميلاد إلى العاشرة في مجالات سلوكية تشتمل على عشر مجالات يندرج تحت كل مجال منها مظاهر نمائية مختلفة، وهي متدرجة يحتوي كل سلم على سلسلة من المستويات مرتبة بأسابيع وشهور وسنوات.. وليس معنى هذا أن مستويات السلم المدرجة ينبغي أن تعتبر معايير إحصائية للأعمار، فالوالد الذي يقرأ سلمًا ينبغي ألا يقول أن طفله يجب أن يكون في هذا المستوى بعينه لأنه بلغ من العمر ما يكفي له. فكثيرًا ما يكون الطفل أصغر أو أكبر من العمر الزمني الذي يعينه السلم، والأهم من ذلك: أن يبحث الوالد عن مستوى السلم الذي يصف بالتقريب مرحلة النضج التي بلغها طفله بالفعل. فالمقصود من السلالم تبيان التسلسلات النمائية للسلوك في جميع المواقف، لا وضع معايير جامدة لما يتوقع
شكل "٤٨" بمقارنة العديد من الأطفال حاول جيزل تحديد العمر الذي يستطيع فيه الطفل المتوسط أداء سلوك معين مثل المشي، أو اللعب أو الكلام.. إلخ.
فالفروق الفردية أكبر من أن تسمح بالمعايير الجامدة كي تطبق في صرامة، بل لابد من أن نحسب لفروق السن حسابها.
стр. 211
أهمية سلالم النمو:
يرى جيزل أن قوائم أو سلالم النمو لها أهميتها بالنسبة للمربين في عدة جوانب:
١- تعتبر هذه السلالم نقط تحديد تمدنا بالاتجاهات والمواقع، وهي تهدي إلى أنواع السلوك السابقة وإلى أنواع السلوك المحتمل ظهورها، وبذلك فإنها تمدنا بالصورة العامة الشاملة للنمو في الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل.
٢- ليس المقصود من هذه السلالم تسعير الطفل أو تقييمه وفق حدود جامدة ولكن القصد منها أن تكون بمثابة آلات تساعدنا في التفسير والتأويل، أو هي خرائط تقريبية يسترشد بها في الخضم النفسي للنمو.
٣- تأكيد وإبراز اتجاهات النمو خلال فترة من الزمن لتبين طبيعة السلوك، واتجاه النضج، وأهميته من زاوية الثقافة السائدة في المنزل والمدرسة والمجتمع، والتعرف على مدى الفروق الفردية الناتجة عن العوامل التي تتدخل في سير النمو العادي.
стр. 212
مجالات سلالم وقوائم النمو:
تغطي سلالم النمو عشر مجالات "شكل: ٤٩" يندرج تحتها ٤١ مظهرًا فرعيًا يتدرج كل منها في مستويات تبعًا للعمر بالسنوات والشهورة والأسابيع "في الأعمار الصغرى".. وهذه المجالات هي:
أولاً: الخصائص الحركية: وتشتمل على:
١- النشاط البدني.
٢- العينات واليدان.
ثانيًا: الصحة الشخصية: وتشتمل على:
٣- الأكل.
٤- النوم.
٥- الإخراج.
٦- استخدام الحمام واللبس.
٧- الصحة والمشكلات الجسمية.
٨- متنفسات التوتر.
٣٩- الحرب.
٤٠- الموت.
٤١- الإله.
وفيما يلي نعرض لأحد مجالات سلالم النمو وهو المجال الثاني الخاص بالصحة الشخصية على سبيل المثال.
стр. 215
١- النشاط البدني:
٤ع١ يتغلب المنعكس التوتري للعنق "الوضعة اللاستمرية"
ويرفع الرأس لحظة وهو في الوضع الانبطاحي.
١٦ع- يتخذ وضعه تماثلية.
يجلس مسنودًا أمدًا قصيرًا.
٢٠ع- يحتفظ برأسه قائمة وثابتة في وضع الجلوس.
يمد ذراعيه وراحتاه إلى أسفل.
٢٤ع- يتقلب لينبطح بعد استلقاء.