← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أهمية سلالم النمو: يرى جيزل أن قوائم أو سلالم النمو لها أهميتها بالنسبة للمربين في عدة جوانب: ١- تعتبر هذه السلالم نقط تحديد تمدنا بالاتجاهات والمواقع، وهي تهدي إلى أنواع السلوك السابقة وإلى أنواع السلوك المحتمل ظهورها، وبذلك فإنها تمدنا بالصورة العامة الشاملة للنمو في الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل. ٢- ليس المقصود من هذه السلالم تسعير الطفل أو تقييمه وفق حدود جامدة ولكن القصد منها أن تكون بمثابة آلات تساعدنا في التفسير والتأويل، أو هي خرائط تقريبية يسترشد بها في الخضم النفسي للنمو. ٣- تأكيد وإبراز اتجاهات النمو خلال فترة من الزمن لتبين طبيعة السلوك، واتجاه النضج، وأهميته من زاوية الثقافة السائدة في المنزل والمدرسة والمجتمع، والتعرف على مدى الفروق الفردية الناتجة عن العوامل التي تتدخل في سير النمو العادي.

стр. 212

مجالات سلالم وقوائم النمو: تغطي سلالم النمو عشر مجالات "شكل: ٤٩" يندرج تحتها ٤١ مظهرًا فرعيًا يتدرج كل منها في مستويات تبعًا للعمر بالسنوات والشهورة والأسابيع "في الأعمار الصغرى".. وهذه المجالات هي: أولاً: الخصائص الحركية: وتشتمل على: ١- النشاط البدني. ٢- العينات واليدان. ثانيًا: الصحة الشخصية: وتشتمل على: ٣- الأكل. ٤- النوم. ٥- الإخراج. ٦- استخدام الحمام واللبس. ٧- الصحة والمشكلات الجسمية. ٨- متنفسات التوتر.

стр. 213

ثالثًا: التعبير الانفعالي: ويشتمل على: ٩- الاتجاهات الوجدانية. ١٠- الصراخ والبكاء. ١١- الاعتداد بالنفس وفرضها، والغضب. رابعًا: المخاوف والأحلام. وتنقسم إلى: ١٢- المخاوف. ١٣- الأحلام. خامسًا: الذات والجنس. وتنقسم إلى: ١٤- الذات. ١٥- الجنس. سادسًا: العلاقات بالناس. وتشتمل على: ١٦- الأم والطفل. ١٧- الأب والطفل. ١٨- الإخوة. ١٩- الأسرة. ٢٠- آداب السلوك. ٢١- المعلم والطفل. ٢٢- الطفل بالطفل. ٢٣- التجمعات في اللعب. سابعًا: اللعب والتسلية: ويشتمل على: ٢٤- الاهتمامات العامة. ٢٥- القراءة. ٢٦- الموسيقى والراديو والسينما. ثامنًا: الحياة المدرسية: وتشتمل على: ٢٧- التواؤم مع المدرسة. ٢٨- المسلك في الفصل. ٢٩- القراءة. ٣٠- الكتابة. ٣١- الحساب. تاسعًا: الحاسة الخلقية. وتشتمل على: ٣٢- اللوم والتنصل. ٣٣- الاستجابة للتوجيه "العقوبة والثناء". ٣٤- حاسة الخير والشر. ٣٥- الصدق والملكية. عاشرًا: النظرة الفلسفية، وتشتمل على: ٣٦- الزمن. ٣٧- الفضاء. ٣٨- اللغة والفكر.

стр. 214

٣٩- الحرب. ٤٠- الموت. ٤١- الإله. وفيما يلي نعرض لأحد مجالات سلالم النمو وهو المجال الثاني الخاص بالصحة الشخصية على سبيل المثال.

стр. 215

١- النشاط البدني: ٤ع١ يتغلب المنعكس التوتري للعنق "الوضعة اللاستمرية" ويرفع الرأس لحظة وهو في الوضع الانبطاحي. ١٦ع- يتخذ وضعه تماثلية. يجلس مسنودًا أمدًا قصيرًا. ٢٠ع- يحتفظ برأسه قائمة وثابتة في وضع الجلوس. يمد ذراعيه وراحتاه إلى أسفل. ٢٤ع- يتقلب لينبطح بعد استلقاء.

стр. 216

٢٨ع- يقفز بنشاط أثناء جلوسه مسنودًا. ٣٢ع- يدور وهو مكب على وجهه. ٣٦ع- يجلس وحده وينحني إلى الأمام ثم نصب قامته ثانية. ٤٠ع- يتعلق بحواجز المهد ويشد نفسه ليقف على قدميه. يحبو ٤٨ع- يدور وهو جالس. يطوف حول حاجز المهد. ٥٢ع- يسير وإحدى يديه ممسوكه. ٥٦ع- يقف وحده لحظة. ١٥ش- يمشي بضع خطوات ثم تخور قواه فيقع. يصعد السلم حبوًا. ١٨ش- يمشي وقلما يقع. يجري في توتر. يصطدم بالكرة بدلاً من ضربها برجله. يحب تحريك اللعب الكبيرة شدًا ودفعًا وحملاً. يتفقد الغرف والمخابئ في المنزل مستكشفًا. يجلس نفسه بالدخول بظهره في كرسي صغير. سنتان- يجري ولا يقع، ويجلس القرفصاء أثناء اللعب. استجابات لها إيقاع موسيقي كثنى الركبتين في الوثب، والتمايل، ومرجحة الذراعين، وهز الرأس، والدق بالقدمين. ٢.٦س- يسير على أطراف أصابعه، ينط على قدميه. يسبق أو يتخلف عند المشي في الشوارع. يدفع اللعبة أمامه مع إحسان القيادة. يجري ويركض ويتأرجح على نغمات الموسيقى. يستطيع حمل شيء قابل للكسر.

стр. 217

٣س- يسير منتصبًا معتمدًا على قدميه في ثقة وخفة حركة. يؤثر المشي على الجري، يستطيع الوقوف لحظة على قدم واحدة. يقذف الكرة دون أن يفقد توازنه. يركض وينط ويمشي ويجري على نغمات الموسيقى. ٣.٦س- أكثر توترًا وقد يسقط أو يعثر. ٤ س- جم النشاط، نطاق نشاطه يتسع، يهرول مسرعًا على السلم صعودًا وهبوط، يثب باندفاع على الدراجة ذات العجلات الثلاثة. يستمرئ أوجه النشاط التي تتطلب التوازن. يستطيع حمل فنجان من سائل دون سكبه، يفضل الكتل الكبيرة ويبني بها منشآت أكثر تعقيدًا. يقذف الكرة ويده فوق كتفه. بالإيقاعات يفسر ويوضح استجاباته. ٥س- تزداد سهولة النشاط البدني العام والسيطرة عليه، كما يظهر اقتصادًا في الحركة، وضعة جسمه يغلب عليها التماثل وتضام الأعضاء، وقد يمشي منكب القدمين، لا تزال السيطرة على العضلات الكبيرة أكثر بمراحل منها على العضلات الصغيرة، يعلب في الموقع الواحد أمدًا أطول ولكنه يغير وضعه جسمه من الجلوس إلى الوقوف إلى القرفصاء. يحب تسلق الحواجز والانتقال من شيء إلى آخر. ينط من ارتفاع المنضدة. يحب أن يبعث الحياة في القصة بالحركات. يجري ويصعد فوق الكراسي والمناضد وتحتها. يقذف بالأشياء بما فيها الطين والثلج، يبدأ يستعمل اليدين أكثر من الذارعين في الإمساك بكرة صغيرة بيد أنه كثيرًا ما يفشل في ذلك. يبادل بين قدميه في نزول السلم ويثب على التبادل. يحاول التزحلق ونط الحبل والمشي على المطوالات. يحب المشي تبعًا للموسيقى.

стр. 218

٥.٦س- يطالبون باستبدال الدراجة العادية بالدراجة ذات العجلات الثلاث ويستمرئ كثير منهم قليلاً من التجارب على الدراجة. ٦س- نشيط جدًا. دائب الحركة تقريبًا. يكون نشاطه أحيانًا ثقيلاً كريهًا وذلك حيث يسرف فيه ويتعثر فيسقط، يكون الجسم في اتزان فعال أثناء المرجحة ويلعب ألعابًا نشيطة وهو يغني أو ينط تبعًا للموسيقى. كثيرًا ما يرى وهو يصارع ويقع أو يزحف علي يديه ورجليه أو يعاكس برجله طفلاً آخر أو يلعب المساكة. يدفع الكتل وقطع الأثاث الكبيرة ويجرها هنا وهناك أثناء بنائه بيوتا، وكذلك يصعد فوقها ويدخل فيها. ينطط الكرات ويقذفها، وقد ينجح في الإمساك بها أحيانًا. يحاول التزلق والجري والوثب وثبات واسعة والقيام بألعاب بارعة على العقلة.. يقضي بعض الأولاد وقتًا طويلاً في الحفر. ٧س- يبدو أكثر حيطة في كثير من المناشط الحركية الكبيرة. نشاطه متنوع فيكون أحيانًا نشيطًا جدًا وأحيانًا أخرى عديم النشاط. يصر على تكرار ما يقوم به من أعمال، وتغشاه اندفاعات نحو أوجه نشاط معينة كالجرى بالقبقاب ذي العجل أو نط الحبل أو الجرى والإمساك بكرة لينة أو اللعب لعبة الأولى. تظهر فيه رغبة جامحة في الدراجة التي يستطيع أن يركبها مسافة ما وإن كان استعداده لاستعمالها قاصرًا على حدود ضيقة. يبدأ يشعر باهتمام بتعلم استخدام المضرب وقذف الكرة. يحب الأولاد بصفة خاصة الجري وقذف طيارات الورق في الهواء. يحب الركض والجري بخطوات بسيطة على نغمات الموسيقى. يرغب الكثيرون منهم في دروس الرقص. ٨ س- حركة الجسم أدنى إلى الإيقاع الموسيقي وأكثر رشاقة. متنبه الآن لوضعات الجسم عنده وعند غيره.

стр. 219

يتعلم لعبة كرة القدم "السكر" وكرة القاعدة بواسطة كرة لينة، يستمرئ التحوّرات في أوجه النشاط داخل اللعبة. البنات في سبيل تعلم كيفية الدخول تحت الحبل المتحرك, وفي وسعهن الانفلات منه إذا بدأن يشعرن بالعجز، بيد أنهنَّ لا يستطعن تغيير الخطوة أثناء النط. تبدو على وقفتهن وحركاتهن الحرية والطلاقة أثناء التصوير بالفرشة يغلب كثيرًا على مناشطه التمثيل وتصحبه حركات وإيماءات مميزة ووصفية. كثيرون يستمتعون بالرقصات الشعبية، ولكنهم لا يحبون الإيقاع الموسيقي إلّا إذا كان ذا صبغة تمثيلية تلقائية. ٩س- يشتغل ويلعب بجد وكد. عرضة لأن يعمل في الشيء الواحد حتى تنهك قواه, كركوب الدراجة أو الجري أو التسلي بالمشي الطويل أو التزحلق أو لعب الكرة، يزداد ضبطه لسرعته الخاصة لكن في تخوف من سرعة السيارة, ومن سرعة الانزلاق, ومن الثلج السريع أثناء تزلقه بالأسكى. يهتم ويزهو بقوته هو ويرفع الأشياء. كثيرًا ما يتخذ وضعات لجسمه لا تروق. يحب الأولاد المصارعة, وقد يهتمون بدروس الملاكمة. هناك اهتمام كبير بألعاب الفرق "teams" وبتعلّم أداء دوره فيها بمهارة.

стр. 220

٢- العينان واليدان: ٤ع- يحملق فيما حوله حملقة جوفاء, يتجه نحو نور النافذة أو نحو جسم برّاق متحرك, يتأمل الشيء الذي يوضع في اتجاه إبصاره. ٨ع- يتتبع الشخص المتحرّك والشيء القريب ويدير رأسه قليلًا حول خط الوسط. ١٢ع- يتأمَّل يده تجاه وجهه وهو في وضع المنعكس التوتري للعنق. يمسك الشيء بيده في تأمل وجيز. يثبت نظره طويلًَا نحو النور الكهربائي أو نحو إنسان. ١٦ع- يدير ذارعيه ويتفحَّص ما حوله. يحرك رأسه بنشاط وهو ملتفت لشيء يتأمله, ويجول بنظره من يده إلى الشيء, يلمح على المنضدة بسرعة وخفة بلية قطرها ٨ ملليمتر. ٢٠ع- يحوط حول الأشياء على المنضدة ويمسك الذي يلمسه. يثبت نظره على البلية في تحديد. يتعقب ببصره لعبته الضائعة وهو مستقلق على ظهره. ٢٤ع- يقترب من اللعبة ويمسكها، ويستطيع استرداد لعبة وقعت في متناول يده. ٢٨ع- كثير التناول للأشياء في قوة وعنف, فيدق ويضرب بقوة, ويهز لعبه وينقلها. يرقب ببصره، وفي يده لعبة، يده الخالية وهي تتحرك.

стр. 221

يبسط الذارعين ويتأمَّل الأشياء البعيدة قليلًا عن متناول يده, ويحاول أن يستحوذ عليها. يدرك أن الوسط الذي يحيط به جديد عليه, وتراه مشغولًا بملاحظته وهو في عربته. ٣٣ع- يمسك شيئًا ويتأمَّل آخر ويتناوله بقبضته. يعض اللعب ويمضغها ويتأملها. يقفل عينيه عند اقتراب شيء من وجهه. ٣٦ع- يدفع لعبة بأخرى. يطعم نفسه قرقوشة. ٤٠ع- يلتقط الأشياء الدقيقة أو ينبش فيها بما اكتسبه من قدرة على القبض بالإبهام والسبابة. له طريقة فجَّة في الإطلاق. في العربة يعلب بلعبه كما يرقب ما حوله. ٤٤ع- يتفقَّد أجزاء اللعبة مستكشفًا, ويتحسَّس الثقوف والأخاديد. يدخل شيئًا في وعاء ولا يطلقه "أي يبقيه في قبضته".

стр. 222

٤٨ع- يأخذ اللعب من المنضدة إلى الكرسي, ويمد يده باللعب إلى الحاجز الجانبي للمهد, يعلب بلعبات كثيرة في تسلسل. الإطلا سهل عليه. ٥٣ع- يدخل اللعبة في وعاء ويخرجها منه. يراقب وهو في عربته السيارات والمارة والكلاب. ١٥ش- يقذف اللعبة أثناء اللعب. يطلق مكعبًا ليقع فوق أخر، ويدلي لعبة من خيط. يحاول تقليد من يكتب بسرعة وعدم عناية, وذلك بحك قلم الألوان على الورق أو دقّه بقوة، يستمرئ النظر من النافذة إلى الأشجار والسيارات المتحركة. يطبطب على كتاب مصور أو يمسكه بيديه. ١٨ش- انتباهه وجيز, ولكنه على صغر مداه يمكنه من الإحاطة بما يؤديه الكبار من أعمال فيقلدهم. يشيد برجًا من ثلاث أو أربع كتل. يقلب عدة صفحات من الكتاب, وينظر إلى الصور مسميًّا واحدة منها ومشيرًا إليها. يطل من النافذة على الناس أو الطائرة أو القمر. سنتان- يتأمَّل الشيء ويمدّ يده إليه في آنٍ واحد تقريبًا. يوفق اللعب بعضها مع بعض.

стр. 223

يدير ساعده فيحرك به أكرة الباب "فتحًا أو غلقًا". ينعم بملاحظة جسم متحرك, يدل على صورة في كتاب مصور. يعمل علامات صغيرة بقلم الألوان على الورق. يبتني كتلًا رأسية أو أفقية في خط بسيط, أو برجًا من كتل متنوعة. ٢.٦س- يسرف في القبض وفي الإطلاق. يجرب رسم الخطوط الرأسية والأفقية والنقط والحركات الدائرية أثناء النقش بالألوان, يظفر التلوين بالأصابع والصلصال والماء باهتمام خاص لديه. يقيم منشآت بسيطة من الكتل. يستمتع بمراقبة القطارات عن بعد، ويستطيع التعرف على العلامات الظاهر في طريق مألوف. ٣س- يستطيع رسم دائرة. ربما قرأ بالفهم من صور في كتاب. يمكنه لبس الحذاء وفك بعض الأزرار. خطوطه متنوعة وتتكرر بانتظام في تصويره. يلعب بالصلصال ويصنع منه كعكات مبططة وكرات، ويبرم السلخ "أو الشرائط" القليلة العرض بالنسبة لطولها "الكنزة". في بنائه للكتل نظام واتزان. يستمرئ ملاحظة الرجال يعملون، ومراقبة الجاروف البخاري، وخلاط الأسمنت أثناء العمل. ٣.٦س- قد تبدو منه رجفة خفيفة أثناء التآزر الحركي الدقيق. قد يستعمل يده غير المتسلطة أو يغير يدييته١. يقرن بعضهم حرف "ب" ببابا وحرف "م" بماما.. إلخ. ٤س- يرسم الأشياء بتفاصيل قليلة, يستطيع رسم المربع. يعمل في التلوين بدقة إلى أمد ما, ولكنه يغير أفكاره. يعمل تصميمات فجَّة ويرسم حروفًا لا تروق.

стр. 224

يستطيب أن يكتب له اسمه بحروف الطباعة على رسومه ثم يأخذ في نقلها، ربما أدرك عدد الحروف التي في اسمه, وربما كتب الحرفين الأولين مؤشرًا بعلامات لباقي الحروف. يتعرف على حروف كثيرة. يستخدم المقص ويحاول أن يقطع في خط مستقيم. يبني بالكتل منشآت كبيرة معقَّدة تجمع أشكالًا كثيرة في تماثل. يربط حذاءه ويزرر الأزرار الأمامية. يضرب على البيانو بأصابع يده. ٥س- قد بلغ التأزر عنده مرحلة جديدة من النضج فهو يقترب من الشيء رأسًا ويقبض عليه بدقة ويطلقه بسرعة. يبني بالكتل على الأرض عادة ويبتني بروجًا مدرجة ومنشآت غير مرتفعة ممتدة في غير نظام فيها طرقات وحيشان وتحويطات. يعمل في الرمل منشئًا الطرق والبيوت، ويصوغ من الطين أشياء في قوالب, إذا لم يستطع حل لغز بالضبط وبسرعة فإنه يلتمس العون أو يتخلّى عن الحل. يحب أن يلون داخل خطوط محددة, وأن يقطع ويلصق الأشياء البسيطة, ولكنه غير حاذق. يرسم رسمًا تخطيطيًّا في صفحة كاملة عادة, ثم يدرك أنه مضحك. يحب أن ينقل رسم أشكال بسيطة. يرسم بفرش كبيرة على فروخ كبيرة من الورق موضوعة على حامل أو على الأرض، ربما استطاب عمل الحروف على هذه الشاكلة. يستطيع أن "يخيط" الصوف في كرتونة يقلبها. يستطيع أن يتولَّى بيده تزرير ما يراه من زراير ملابسه، كما يستطيع أن يربط حذاءه. يضع أصابعه على مفاتيح البيانو وربما جرّب الأوتار. ٥.٦س- مرتبك في كثير من معالجاته اليدوية. يهتم الأولاد على الخصوص بالعدد وباللعب الصفيح, وبمراقبة قطار كهربائي أو زنبركي.

стр. 225

يحب البنات إلباس العرائس وخلع الثياب عنها. يبدي كثيرات اهتمامهن بتعلم كتابة اسمهن الأوّل بحروف الطباعة, وبوضع خطوط تحت الحروف الكبيرة والكلمات في كتاب مألوف. ٦س- يبدأ بداية حسنة في كثير من أعماله, ولكنه يحتاج لبعض المساعدة والتوجيه ليتم ما بدأ, هو الآن أكثر تعمدًا وتمعنًا, وإن كان في بعض الأحيان يبدو مرتبكًا بعيدًا عن الحذق. يتناول العدد والمواد بيده ويحاول استخدامها. يقطع الورق ويلصقه ويصنع منه دفاتر وصنايق. يحب استعمال الشريط لتثيبت الأشياء. يدقع بقوة وعنف, ولكنه كثيرًا ما يمسك المطرقة قرب رأسها. يستطيع ضمَّ الألواح الخشبية وتثبيتها بعضها إلى بعض, وصنع منشآت بسيطة. أخذ يستعمل الأقلام الملونة مع أقلام الألوان الشمعية في التلوين والرسم. يستطيع رسم الحروف الكبيرة المطبعية وإن كانت مقلوبة في العادة. يحب الكتابة على السبورة علاوةً على استعمال أقلام الألوان وأقلم الرصاص. تحاول البنت الخياطة مستخدمة إبرة كبيرة ومحدثة غرزًا كبيرة. ٧س- في استعماله للعدد توتر أشد, ولكن دأبه يزداد. إمساك أقلام الرصاص يكون بقوة وبالقرب من سنها غالبًا، والضغط بها يختلف, وإن كان أميل إلى الشدة. يستطيع الطفل الآن أن يكتب جملًا كثيرة بحروف تأخذ في الصغر قرب نهاية السطر. هناك فروق فردية في حجم حروف الكتابة, فبعضهم يكتب حروفًا صغيرة جدًا بينهما يستمر البعض في الحروف الكبيرة. يهتم الأولاد بالنجارة بصفة خاصة, ويستطيع كثير منهم الآن استخدام المنشار في استقامة. تفضل البنات التلوين وقص العرائس الورقية.

стр. 226

تبدي عديدات منهن اهتمامًا ملحوظًا بالبيانو، وتستعمل اليدان عادةً بغير تعادل في الضغط. ٨س- تزداد السرعة والسلاسة في الأداء الذي يتطلّب تآزر العين واليد وسهولة في الإطلاق من اليد. إمساك قلم الرصاص والفرشة والعدد قد نقص التوتر فيه قليلًا. يستمرئ توقيت العمل المعهود إليه بيد أنه لا يسابق الزمن. من المحتمل وجود ثغرة بين ما يريد أن يعمله بيده, وبين ما يستطيعه بالفعل. يكتب بالحروف العادية أو بحروف الطباعة جميع الحروف والأعداد مضبوطة ومحافظًا على استقامة السطر إلى حدٍّ ما, وعلى انتظام ميل الحروف والمسافات التي بينها. يود التزام النظافة والإتقان, ولكنه يكون أحيانًا شديد التسرع. يبدأ إدراك المنظور في رسومه. يرسم الأشكال التي تصوّر الأفعال في تناسب جيد. تستطيع البنات الآن أن تثنين الحروف "أو الأطراف" في استقامة أثناء الخياطة. ٩س- اختلاف في المهارات بين الأفراد. يستطيع إمساك "الشاكوش" وتطويحه جيدًا. ينشر بسهولة نشرًا مضبوطًا مع استعمال الركبة في سند اللوح. يصنع منتجات متقنة. يستعمل أدوات الحديقة ويتناولها كما ينبغي. يبني منشآت معقدة بمجموعة التشييد. الخط أصبح الآن أداة تحت تصرفه. بدأ يخطط في رسومه، وكثيرًا ما تكون هذه الرسوم بالفصيل. يحب بصفة خاصة رسم مجسَّمات أمامه وخرائط وتصميمات. تستطيع البنات أن تفصلن وتخطن ثوبًا بسيطًا, وأن يشتغلن بالتريكو. يستطعن لبس ثيابهن بسرعة, وعندهم بعض الاهتمام بتمشيط شعورهن بأنفسهن. يظهر الاهتمام بمشاهدة الألعاب التي يلعبها الآخرون.

стр. 227

تقييم نظرية جيزل: تعد نظرية جيزل نظرية رائدة في تفصيل نمو الطفل في عشر مجالات هامة من حياة الطفل، وقد ركَّزت النظرية على ميكانيزمات النضج في علاقته بالتعلُّم والتدريب مما كان له أهمية في تنبيه المربين إلى عدم الإقدام على التعلم والتدريب قبل التأكد من النضج والاستعداد. وتعتبر سلالم النمو لجيزل فكرة رائدة في وضع معايير عمرية لكل مظهر من مظاهر النمو, تقاس في ضوئها جوانب النمو المختلفة، وعلى الرغم من أن النسبة النمائية قد تَمَّ التخلي عنها، إلّا أنها كان لها قيمتها في تحديد معالم النموّ السوي وغير السوي, ولا تزال ملاحظاته مفيدة لأطباء الأطفال والتربويين والإخصائيين النفسيين. ومن جهة أخرى: فقد وجهت انتقادات عديدة لنظرية جيزل فيما يتعلق بطريقته في عرض المعايير العمرية؛ حيث كانت تتسم بدرجة مبالغ فيها من الصياغة والتشكيل بصورة تقليدية قد لا تعطينا فكرة واضحة عن مقدار التباين المتوقَّع في أي عمر أو مرحلة عمرية، كما أنَّ هذه المعايير كانت مبنية على أطفال الطبقة المتوسطة في منطقة جامعة ييل الأمريكية، وربما لا تنطبق تمامًا على المناطق الحضرية الأخرى. "محمد السيد عبد الرحمن: ١٩٩٩".

стр. 228

ثانيًا: نظرية النمو الجسمي والتعلم الاجتماعي "لروبرت ر. سيرز " مدخل ... ثانيًا: نظرية النمو الجسمي والتعلّم الاجتماعي "لروبرت ر. سيرز": روبرت ريتشارد سون سيرز R. R. sears عالم نفس أمريكي, استخدم مدخلًا تجريبيًّا أكثر منه إكلينيكيًّا إلى نمو الطفل. ولد عام ١٩٠٨ بكاليفورنيا، وتخرَّج في جامعة ستانفورد، استجاب لتأثير لويس تريمان l.m. terman فانتقل إلى ييل yale لاستمكال دراساته النفسية, وأتم رسالة الدكتوراه بعنوان: "تأثير الفصل البصري على السلوك البصري، الحركي لسمكة الذهب" عام ١٩٣٢. حصل على الأستاذية وعمل بجامعة "إلينوي" ومعهد أبحاث الأحداث بشيكاغو، ومعهد العلاقات الإنسانية بجامعة ييل، ثم محطة أبحاث "إيوا" لرعاية الطفل، ومعمل هارفارد للنمو النفسي، وتولى منصب المدير التنفيذي لقسم علم النفس, وعميدًا للإنسانيات والعلوم بجامعة ستانفورد، وانتخب لرئاسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس مرَّتان في عامي ١٩٥٠، ١٩٦٠. اهتمَّ سيرز بنظرية التعلّم لمشاركته الوثيقة لكلارك ل. هل hull, وتأثرت بـ"دولاد" و"ميللر" و"دوب"، و"مارو" dollard, miller, doob & mowrer, فبحث معهم تطبيق نظرية التعلم على مسائل نمو الطفل, واقتنع بدلالة العلاقات بين الطفل والأبوين في الطفولة المبكرة، وركَّز على المظاهر السلوكية الواضحة في النمو والتي يمكن قياساها. وهو يرى أن نمو الشخصية يمكن قياسه من خلال السلوك ومن خلال التفاعل الاجتماعي، وهو ينظر إلى النمو باعتباره عملية مستمرة, أو أنه سلسلة متصلة من الأحداث تضيف إلى الاكتسابات السابقة، فكل لحظة من حياة الطفل التي يقضيها متصلًا بوالديه لها بعض التأثير على سلوكه الحاضر, وعلى قدراته على الفعل في المستقبل. ويرى أن الطفل الوليد له احتياجات بيولوجية متعددة تؤدي إلى الدوافع الأولية كالجوع، والعطش، والنوم، والحاجة للنشاط، والتخلص من الفضلات، والمحافظة على درجة الحرارة الأنسب وكلها ترتبط فيما بينها مع الدوافع الأولية، وهذه الدوافع تكون عقدة وتحفز على التعلم الاجتماعي. ويشدد سيرز على تأثير الوالدين على نمو شخصية الطفل، فطريقة التربية التي يتبعانها هي التي تحدد طبيعة نمو الطفل، وبالتالي فإن اختلافات الشخصية بين الأفراد ترجع بدرجة كبيرة إلى الاختلافات بين الوالدين في تناولهم مختلف أشكال المعلومات حول وسائل تربية الطفل, ولذلك: فمن المهم أن يكون هناك سهولة في حصول الوالدين على أحد المعارف في هذا الشأن. وبناء على ذلك: فإننا سنعرض وجهة نظر سيرز في ثلاث مراحل نمو: ١- مرحلة السلوك البدائي "الفطري" التي ترتكز على الحاجات البيولوجية الأولية والتعلّم في طور الطفولة المبكرة. ٢- مرحلة النظم الدافعية الثانوية التي ترتكز على التعلّم في الأسرة. ٣- مرحلة النظم الدافعية الثانوية التي ترتكز على التعلّم أبعد من الأسرة.

стр. 229

المرحلة الأولى: السلوك الفطري "البدائي ": الحاجات البيولوجية والتعلم في فترة الطفولة المبكرة: وتتضمّن هذه المرحلة أساسًا الشهور العشرة إلى الستة عشر الأولى من حياته, عندما لا تكون خبراته البيئية قد بدأت في توجيه تعلمه، لذلك تتضمَّن هذه المرحلة محاولات الطفل لخفض حدة التوتر الداخلي الناشئ عن دوافعه الداخلية، وأهمّ حاجات الطفل في هذه المرحلة: ١- الحاجة إلى الغذاء والراحلة الجسمية: فالجوع والتعب والألم.. إلخ تولد توترًا يبحث عن التخفيف عنه من خلال أيّ استجابة إشباعية، وقدر كبير من هذا البحث عن الإشباع المبدئي يحدث بالتجربة والخطأ, وبالتدريج يتعلم الطفل أن خفض الألم يتعلق ببعض أفعاله، ثم يحاول جاهدًا أن يقلّد هذه الأفعال التي سبق أن نجحت. مثال ذلك: إن إشارة الجوع تصبح مقرونة بالتتابع: البكاء والثدي "أو الزجاجة" مع السائل المخفض للجوع، وتصبح أفعاله أكثر, وأكثر سلوكه متعلمًا، أي: إن أفعاله تصبح جزئيًّا تتابع مع استجابة متعلمة.

стр. 230

٢- الحاجة للتخلص من الفضلات: على الرغم من أن رغبة الطفل الطبيعية للتخلص من الفضلات تظل رغبة غير اجتماعية، فإن الضغط على الطفل للمحافظة على صحة ونظافة الجسم تصبح خبرة ذاتية تنمو من الطفل في المرحلة التالية، فالاستجابات التي تتكرَّر مع الطفل وتؤدي إلى الرضا "الإشباع", ينظر إليها معًا كخبرات مجزية. فنشاط الأم مع وليدها ودفئها الشخصي "الملامسة الجسدية والتدليل ... إلخ" توفر التعزيز اللازم لطفلها؛ فالأم التي تكفل عناية لائقة لطفلها في الأوقات التي يحتاج إليها فيها تعتبر إثابة معزّزة، والطفل بدوره أكثر استعدادًا لتكيف سلوكه بالأشكال التي تضمن له استمرار عناية أمه. ٣- الحاجة الاجتماعية: وينمو الدافع الاعتمادي مع الطفل في استجاباته للناس كظواهر بيئية تتكرر من الشهرين الأوَّليين من حياته, من خلال العلاقة الثنائية للتغذية والتخلص من الفضلات, والحماية من البرد, أو أي حالة احتياج بيولوجي أخرى. بدءًا من الشهر الرابع إلى الشهر الثاني عشر تبدأ هذه العلاقة الجوهرية بأولى الاحتكاكات بين الطفل وأمه عندما ينقل الطفل عمليات تعلمه من الاعتماد على التجربة والخطأ إلى العمليات التي ترتكز على التعزيز الثنائي, فكلٌّ من الأم والطفل تصبح لديه حصيلة من الأفعال ذات دلالات خاصة به, تستخدم لإثارة استجابات كل من الآخر بما يتفق وتوقعاتهما. فمن الملاحظ أن حاجة الطفل البيولوجية لخفض دافع الجوع سرعان ما تقترن بمكونين أساسيين متداخلين خاصين بتناول الغذاء هما "المص، والتواجد بالقرب من الشخص المرضع", سرعان ما تصبح عادة متأصلة ودافعًا مستقلًا يزداد قوة مع تقدم السن، فيبدأ الطفل ينظر إلى الأم كجزء لا غنى عنه من نشاط المص وتناول الغذاء، وتصبح صورتها ورائحتها وملمسها.. إلخ تقترن اقترانًا وثيقًا بالإشباع.. ومن هنا: فإن الطفل لا يقتصر على أن يتعلّم أن يتوقَّع حضورها عندما يجوع، ولكنه يتعلم أيضًا أنه يحتاج إليها، مما يعزز الاعتمادية عليها باعتبارها الراشد الكبير الذي يقوم بالرعاية.

стр. 231

٤- تعلم السلوك العدواني: فالعدوانية في أبحاث سيرز إنما هي نتيجة للإحباط؛ حيث تصبح العدوانية مظهرًا مبكرًا وحيويًّا من مظاهر السلوك التعلُّمي، وذلك لأنها تحدث في اللحظة الأولى التي يواجه فيها الطفل خبرته بالضيق أو الألم أو التأخير في التخلص من التجربة الكريهة, وتتجلَّى العدوانية عادة من خلال الغضب على شكل اهتياج "ثورة" أو إظهار حدَّة الطبع، التي هي في الواقع استجابة لهذا الإحباط, وتجد العدوانية تنفيثًا عنها من خلال البكاء، وتغيّر في اتزان التنفس، أو وضعه الجسماني كله.. إلخ. العوامل الاجتماعية المؤثرة على النمو: للبيئة الاجتماعية التي يولد فيها الطفل تأثيرات كامنة على نمو الطفل وتعلمه المتوقّع في هذه المرحلة, ويتمثل ذلك في عدة عوامل نذكر منها: أ- جنس الطفل: فمنذ مولد الطفل ينتمي لأحد الجنسين أو للآخر، ومن هنا يبدأ المجتمع يغرس فيه الدوافع والاهتمامات والمهارات والاتجاهات المناسبة لمثل جنسه، فجنس الطفل يمد الأم بمثير هام، ويضع الطفل في مرتبة اجتماعية لها تأثيرات بالغة الأهمية في تدريبه. ب- ترتيب الطفل في الأسرة: يعتبر سيزر أن الترتيب الميلادي للطفل له تأثير كبير على نموه، فالأسرة كبيرة العدد توجد مسافة ممتدة للوصول إلى السيطرة النهائية للأم والأب؛ حيث يتعرض الطفل الأكبر إلى تدريب مباشر بالغ من الأبوين, في حين يميل أخوته الأصغر إلى الحصول على وسيط إضافي مع كل أخ أو أخت أكبر منه. والطفل الوحيد يحصل على مزيد من العناية من أحد الوالدين من نفس جنسه أو من كليهما. ج- فارق السن بين الأطفال: فهذا الفارق في العمر بين الأطفال وحرية الأم في المعاملة المباشرة مع كل طفل دون أن تبخس علاقاتها مع الأطفال الأكبر الذين يتنافسون هم أيضًا في سبيل

стр. 232

اكتساب اهتمامها, تعتبر من أهم العوامل المؤثرة على نمو الطفل, علاوة على ذلك: فإن الأم تميل إلى أن يقل شعورها بالإحباط نتيجة مشاغلها اليومية بوليدها الثاني. د- ثقافة الأم: فلثقافة الأم تأثير كبير في قدرتها على التصرف مع أطفالها بطرق مختلفة في مختلف مراحل نموهم، فالأم الأدنى تعليمًا غالبًا ما تستخدم إجراءات غير مناسبة من حيث التسامح والسيطرة، وبالعكس, فإن مزيدًا من التعليم وإدراك الفهم المعاصر لرعاية الطفل تعد الأمهات لاستخدام أكثر منطقية للسيطرة، ومزيد من التسامح نحو الاعتمادية. هـ- المركز الاجتماعي للأم: الذي يحدد الكثير من إجراءات تربية الطفل, ويكوّن للطفل فرصة أكبر للنمو الصحيح, إذا لم تكن الأم تتطلّع لمركز آخر في الحياة، والتسري هذه الملاحظة على الأم العاملة وعلى ربة البيت، وغالبًا ما تكون الأم المتفرغة لتربية الطفل أكثر قدرة على تدريب الطفل تدريبًا ينمي شخصيته على الأيام. و شخصية الأم: فالكثير من النمو المبكِّر للطفل يعكس شخصية الأم وقدرتها على أن تكون أمًّا حانية، وتقترن قدرات الأم بدرجة كبيرة بمدى احترامها لنفسها وتقييمها للأب، ومشاعرها نحو أسلوب حياتها الجاري، والتقدير الأعلى، كل ذلك يرتبط بدرجة عالية من الحماس والتفاني في تربية الطفل في هذه المرحلة المبكرة من حياته.

стр. 233

المرحلة الثانية: النظم الدافعية الثانوية: التعلم المتركّز في الأسرة: تشمل هذه المرحلة الفترة من منتصف العام الثاني من عمر الطفل وإلى سن المدرسة، وفي هذه المرحلة تستمر الحاجات الأولية في دفع سلوك الطفل، غير أنها تشكل تدريجيًّا لتصبح تعلمًا اجتماعيًّا متكرر التعزيز, أو دوافع ثانوية، وتصبح هذه الدوافع الثانوية هي الدوافع الرئيسية التي تدفع الطفل للفعل ما لم تفشل بيئته الاجتماعية في تقديم التعزيز اللازم؛ فجوع الطفل لم يعد يعتمد كليَّة على تقلص معدته، ولكنه يصبح مقترنًا برؤية بعض الإشارات الرمزية مثل الزجاجة، أو قيام أمه بفتح باب الثلاجة.. إلخ، وتستمر الأم بمثابة المعزِّز الأكبر في هذه المرحلة، فهي تدرك السلوك الذي يجب تغييره, وتضع المعايير لأشكال أكثر نضجًا من الأفعال، وتغرس في الطفل الرغبة في أن يصبح اجتماعيًّا. أما عن أسلوب التنشئة الاجتماعية في هذه المرحلة، فهو يعتمد على إحدى طريقتين: الأولى: المكافآت والعقاب: فحتَّى هذه المرحلة كانت المكافأة تعتبر عاملًا مساعدًا في التنشئة الاجتماعية، في حين أن العقاب يمثل افتقارًا واضحًا للمكافأة, ولا يولي "سيرز" العقاب سوى اهتمام قليل، فهو يرى أن العقاب أساسه عقدة سلوكية ليس لها تأثير معزز واحد، فالعقاب لا يميل لإخماد السلوك غير المرغوب ولا يغيره، وهو فقط يصلح كعلاقة واضحة لرفض تأييد حدث سلوكي غير مرغوب، أو إعادة توجيه سلوك عام, ولذلك فإن المكافأة تعتبر أجدى من العقاب في التعلّم الاجتماعي, ذلك أن التعلم الاجتماعي الأصيل يتوقَّف على إحلال خبرة جديدة، ترتكز على إشباع أكثر لياقة مما ترتكز على تجنُّب الخبرات غير السارة، أو على الخوف من النتائج. الثانية: التقليد والمحاكاة: فإن كان الطفل قد تعلّم كيف يشبع حاجاته الخاصة إلى حدٍّ ما، فإن محاكاته التلقائية لتتابع فعل سبق أن قامت به أمَّه, يمثل محاولات الطفل للحصول بنفسه على الهدف المشبع، وتحدث المحاكاة ويعززها استجابات الطفل نفسه الذاتية النشطة والمحققة للهدف, وبالتدريج يتعلم الطفل أن يشبع دافعه الاعتمادي بتأدية أفعال سبق أن توقعها وطلبها من أمه، وأحيانًا يتعلم الطفل خلال السنة الثانية من عمره أن يقلّد والديه.

стр. 234

وإذا نظرنا إلى الأشياء التي يتعلَّمها الطفل في هذه المرحلة فهي تتضمَّن: ١- الفطام: ففي سنوات الطفولة المبكرة نجد أن احتياجات الاعتمادية في التغذية الفعلية، ومحاولة الأم تغيير عادات الطعام، فإنها بذلك لا تتدخَّل في عادات متأصّلة للحصول على الغذاء فحسب، بل إنها أيضًا تمزق العلاقة الاعتمادية، وبالتالي فإن التغيير في إجراءات التغذية يتضمَّن تعديلًا في الأنظمة الدافعية التي غرست حديثًا, مثل ذلك: إن طرق التغذية بالمص تثبت أنشطة المص وتقوي النمط الفمي لسلوك الطفل، وأن درجة حساسية الطفل نحو الفطام تتعلّق بوضوح بسنه عندما يبدأ الفصام، فإذا بدأ الفصام قبل أن يبلغ الطفل ٦-١٢ شهرًا, فإن إتمام الفطام يستغرق وقتًا أطول مما لو بدأ بعد ذلك، وإن كان سيطرد مع معوقات أقل مما يواجههم لو حدث في فترة تالية, عندما تكون الاعتمادية قد أصبحت دافعًا متأصلًا. وفي سن ٢٠ شهرًا تقريبًا: فإن الفطام لا يشكل تهديدًا كبيرًا لوجودها, علاوة على ذلك: فإن النمط السلوكي للأم، ودرجة الحزم في اتخاذ القرارات التي تنقلها بوسائلها الجديدة في التغذية، هذا النمط يحدد استجابة الطفل, وعلى آية حال: فإن الفطام يتضمَّن خمسة مظاهر: ١- يتعلّم الحصول على الطعام بطريقة تختلف عن المص. ٢- يتعلّم حب هذه الطريقة الجديدة في تناول الطعام. ٣- يتعلّم أن يحتاج الطعام صلب "غير سائل". ٤- يتعلّم كيف يتعامل بفمه مع الطعام الصلب. ٥- يتعلّم أن يأكل دون أن يكون محمولًا. وتشير أبحاث "سيرز" إلى أن البنات يستغرقن وقتًا أطول في الفطام، وهو ما يتفق مع احتياجاتهن الاعتمادية الممتدة في أثناء هذه الفترة من العمر. ٢- التدريب على التخلُّص من الفضلات: وعادة فإن ضبط عملية التخلص من الفضلات مطلوبة بعد إتمام الفطام، وعندما تصبح علاقة الأم بالطفل أكثر تأصلًا. وفي التدريب على التخلُّص من

стр. 235

الفضلات أكثر مما في الفطام: فإن الظروف المحيطة الخاصة بالجزاء "الإثابة" على القبول، والعقاب، تصبح ذات أهمية, ولا يتعلم الطفل نفسه أنه يحتاج للنظافة البدنية والعادات المقبولة في هذا الصدد إلّا تدريجيًّا. والتدريب على التخلص من الفضلات يولد تعلمًا سلوكيًّا جديدًا مثل الانتظام الجسماني والحشمة والنظافة. وطالما أن التدريب على التخلص من الفضلات هو تقديم لنظام الأم السببي, فإن الإثابة والعقاب يظلان في نظر الطفل بمثابة قبول أو رفض من الأم. ٣- تعلّم التحشُّم الجنسي: والتحشُّم الجنسي جزء متكامل من التنشئة الاجتماعية للأطفال, فالسلوك المكتسب فيما يختص بالجنس ينشأ من رغبة الأم أكثر مما ينشأ من التحكم في احتياجات الطفل, فغالبًا ما يتم التحكم في التعبيرات الجنسية الكامنة قبل أن يكوّن الطفل أي فكرة في أن لهذه الفضائل الاجتماعية أيّ علاقة بالجنس. إن ارتداء الملابس يعمل كخطوة أولى نحو "التغطية" وإنكار وجود أعضاء التناسل، فضلًا عن ذلك: فإن أعضاء التناسل لا يرد ذكرها مباشرة أبدًا بعكس الإشارة المباشرة والصريحة لباقي الأعضاء. إننا كثيرًا ما نسمع الأمر: "لا تلعب بأنفك" في حين أن طلبًا مماثلًا يتعلق بأعضاء التناسل يصبح مموهًا بمثل هذه العبارات "لا تلعب به" أو "لا تعلب بنفسك"، وعلى الطفل أن يخمّن ما هو مقصود هنا بالضمير أو النفس. إن على الصبية والبنات أن يواجهوا أمورًا غير محددة ليس لها بالنسبة لهم سوى مغزى ضئيل, ولكنها تعني الكثير بالنسبة للكبار، مما يحمل معه أساسًا تعليمات تحريمية. ٤- التحكّم في السلوك العدواني: إذا كانت العدوانية تتبع كنتيجة للإحباط الذي هو جزء فطري من النمو، ويحدث العدوان في شكل غضب، أو اهتياج. وعندما يبكي الطفل غضبًا عندما يواجه الإحباط, فإنه يتعلّم بالمصادفة أن سلوكه يصبح مقترنًا باستجابات لإشباع

стр. 236

حاجاته، وتحقيق رغباته, ولذلك يتعلم الطفل إثارة الأفعال العدوانية لكي يحقق الاستجابة لحاجاته. ويقترح "سيرز" لتعليم الطفل التحكم في السلوك العدواني عدة أساليب وجدت جدواها: أ- إيجاد توازن بين إمكانات السماح والكبح في السنوات الأولى من نمو الطفل: فالسماح بالعدوانية وغضب الطفل وهياجه الذي لا موجب له يؤدي بالطفل إلى فرض قيمة إيجابية للسلوك العدواني, ومن جهة أخرى: فإن المبالغة في كبح العدوانية يمكن أن يكون له نفس الضرر، فالطفل عندئذ يطلب منه أن يتحمّل إحباطه، وأن يعايش ويكبت غضبه, قد يؤدي إلى مزيد من الإحباط ومشاعر العدوانية, ولذلك: فإن المبالغة في السماح والمبالغة في الكبح تساعد على تولّد المشاعر العدوانية. ب- إيجاد إمكانية للعدوانية غير المباشرة والخالية "كما في اللعب" ومن خلال الخيال، يطلق الطفل عدوانه فيها دون قيود ضد بديل للمثير الحقيقي لإحباطه. ج- تعليم الطفل معايير السلوك المقبول اجتماعيا: فمعالجة موضوع العدوانية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنمو المعايير والقيم في داخل الطفل, فالطفل يتعلّم متى وإلى أي مدى، وما هي أنماط العدوانية التي يمكن تحملها في مختلف مجالات حياته.. إلخ. ٥- تحديد النمط الجنسي: يؤكد "سيرز" أنه في هذه المرحلة من عمر الطفل يبدأ الطفل في التعرف على النمط الجنسي له، أو تنشيط نمو السلوك الاجتماعي المناسب لجنسه، والذي يكون المظهر الأكثر انتشارًا لعملية تحقيق الذات. فابتداءً من السنة الرابعة يبدأ تعرف الصبي على توقعات أبيه الجنسية "نمط أبيه"، وتواصل البنت تحقيق ذاتها مع الأم، وتتقدّم في هذا السبيل بسرعة أكبر نحو أشكال سلوكية أكثر نضجًا، ذلك لأن تحقيق ذاتها يقوى دون توقّف، وهي لذلك تميل لِأَنْ تصبح أكثر تعرفًا في

стр. 237

مرحلة مبكرة من حياتها على إدارة الكبار ومعاييرهم وقيمهم، وبالتالي تظل البنت أكثر حساسية نحو موافقة أو عدم موافقة أمها, وبالمقارنة: فإن تحقيق الذات لدى الصبي يكون معقدًا، وليس فقط لأنه مضطر للتنحي عن قدر كبير من تعرفه على أمه، ولكن أيضًا لأنه يعتمد على قدرة الأب وحضوره لعرض نموذج للسلوك الذكري. والتعرف على الأب يقوى إذا استطاع الأب أن يكون نموذجًا يملك تقدير الأم, وباستطاعتنا أن نفترض أن نفس الشيء يحدث تمامًا للبنت عندما لا يقوى الأب تقدير البنت بإظهار الاحترام والتقدير للأم من خلال سلوكه نحوها, وعندما يقترب الطفل من سن المدرسة يميل لتقمُّص سمات الشخص الذي يتعرّف عليه بقوة. ٦- تعلُّم السلوك المستقل: إذ تقل الاعتمادية بصفة عامّة مع تقدّم السن، عندما يبدأ الطفل يتعلم الاعتماد على عدد متزايد من الكبار والرفاق, وحالة الطفل الاعتمادية تعدَّل تدريجيًّا إلى حالة انفعالية واحترام للذين يعتمد عليهم في رعايته. وإذا قلت اعتمادية الطفل على الشخص القائم بالرعاية يصبح أكثر حرية في مناقشة الآخرين. وبينما كان الهدف الوحيد قبل ذلك هو الإشباع الاعتمادي، فإنه الآن يميل لاختبار الآخرين كمنافسين في أهدف لا يمكن المشاركة فيها مشاركة تامة، وهو يتعلّم أنه لا يوجد شيء حكرًا له، وأنَّ عليه أن ينافس في سبيل هدفه المرغوب فيه.

стр. 238

المرحلة الثالثة: النظم الدافعية الثانوية: التعلّم المتركّز أبعد من الأسرة: ففي الوقت الذي يصبح فيه الطفل مستعدًا للذِّهاب إلى المدرسة من حيث السن والنمو، فإنه يكون مستعدًا للاعتراف من عالم يقع خارج نطاق أسرته، وفي هذ الوقت يكون قد اكتسب نظامًا سلوكيًّا يرشده لفترات محددة في هذا العالم الخارجي الجديد, ولذلك: فإن البيئة الاجتماعية الأوسع هي التي تقوم الآن بنصيب هام في عملية التنشئة الاجتماعية والتعلّم الاجتماعي, ولذلك تتميِّز هذه المرحلة بعدة مميزات: ١- انخفاض الاعتمادية: ففي سن الخامسة تنخفض اعتمادية الطفل وتصبح قاصرة على مناطق محدَّدة من حياة الأسرة والتبادل الودي للمعاملات الأسرية الرمزية التي تشمل اعتمادية كامنة، فلم يعد الطفل يتلقى الغذاء بالمعلقة من أي عضو في الأسرة، فقد اتسعت اعتماديته من مجرد الاعتماد على شخص واحد إلى الاعتماد على فردين أو أكثر، ويساعد ذلك على دخول المدرسة كمصدر جديد للاعتمادية، ثم تبدأ هذه الاعتمادية تستبدل تدريجيًّا باستقلاليته في علاقاته برفاق سنِّه، وتتوطَّد جهوده التعاونية مع رفاقه, مما يخلق تكاملًا ثابتًا في شخصية الإنسان البالغ. ولذلك: يرغب الطفل في إيجاد توازن بين حاجته للشعور بالاستقلال وإدراكه لمدى حريته، وبين قبوله للسيطرة, فهو يحاول السيطرة على الآخرين بحيث يستطيع إرضاء احتياجاته أو مهارته الجديدة في السيطرة على الآخرين. ٢- ازدياد القدرة على التقمص: ففي سن الخامسة يصبح الطفل عادة شديدة التقرب من التقمص والتعرف على الوالد من نفس جنسه، ويستمر التعرف على الذات من خلال تقليده نماذج يكون مرغوبًا فيها على الأقل بمعايير احتياجات الطفل, وإذا لم تتواجد النماذج

стр. 239

المقلدة المرغوب فيها في عالم الكبار، فإن أطفالًا آخرين يتصادف أن يمدوا الطفل بشيء من الإشباع يصلحون لتحقيق الذات من خلالهم, وبينما يمتد أفق الطفل إلى أبعد من عالم بيته، فإنه يجب أن يبدي دلالة قوية من الوعي، وتساعده يبئته الجديدة والأكثر اتساعًا على تحقيق قيم أكثر فهمًا، وقيمًا اجتماعية ودينية واقتصادية وسياسية، وكل السلوك المكتسب من الأحكام والتقديرات اللاحقة على القيمة ترتكز على ما سبق امتصاصه من سلوك والديه، وعلى ما تعلمه منهما. تقييم نظرية سيرز: ترتكز مجهودات سيرز في الأبحاث التجريبية التي تكشف عن التفاعل المتبادل بين الطفل والكبار الذين يرعونه خاصة الوالدين, لذا: يعرض سيرز نمو الطفل كمرآة لإجراءات تربية الأطفال التي تقوم على الدوافع الفطرية الكامنة, والتي تعدّل منها البيئة من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، ولتصبح هي الدوافع الثانوية الحافزة، وهي أصلًا أقوى من الدوافع الفطرية. إن الدوافع الحافزة الثانوية تحدّد في النهاية أنماط سلوك الفرد وأسس تربية الطفل، فالدوافع المكتسبة اجتماعيًا تحدد نوع الرغبات الداخلية للفعل والسيطرة عليها. وإذا كان الصغير يبدأ سلوك بتوجيه وسيطرة الوالدين, فإنه فيما بعد يحقق التعرُّف على الذات لتصبح نظامًا دافعيًّا آخر يدفعه للسلوك كما يتوقع منه, فالسلوك هو حصيلة خبرات الطفل الاجتماعية المباشرة، وبالتالي فإن نمو الطفل هو حصيلة الجهود المرئية للأبوين في تربية الطفل، أي: إن نموَّ الطفل هو نتيجة للتعلم الاجتماعي. "هنري و. ماير: ١٩٨١".

стр. 240

ثالثًا: نظرية النمو الجنسي النفسي سيجموند فرويد مدخل ... ثالثًا: نظرية النمو الجنسي النفسي: سيجموند فرويد ينسب إلى سيجموند فرويد sigmund freud مدرسة التحليل النفسي, وقد وُلِدَ فرويد في فرايبورج في مورافيا بتشيكوسلوفاكيا في ٦ مايو ١٨٥٦، ومات في لندن ١٩٣٩. عاش في مدينة فيينا منذ أيامه الأولى إلى ما يقرب من ثمانين سنة. التحق بجامعة فيينا "١٨٧٥-١٨٨٢" ودرس الطبَّ وتخصص في دراسة الجهاز العصبي: تشريحه، وأمراضه العضوية: كالشلل وإصابات المخ. وفي ذلك الوقت لم يكن معروفًا عن الأمراض العصبية إلّا القليل, وقلما كانت تعالج بالطب. حصل على الدكتوراه في الطب سنة ١٨٨١، وحاول علاج الأمراض العصبية، ولقي في ذلك نجاحًا منقطع النظير، حتى أنه أقام بنيانًا شامخًا في العلاج النفسي، وعرفت مدرسته بالتحليل النفسي لإجراءاته في استخدام التنويم المغناطيسي, والإيحاء, وتفسير الأحلام, وغيرها من الوسائل في دراسة الشخصية١. ويذهب فرويد إلى أن السنوات الأولى من الحياة تكون حاسمة في تكوين الشخصية، ويرى: أن البيئة شيء يعوق الانسياب السهل لعملية نمو الشخصية، لذلك ينظر إلى نظرية "فرويد" باعتبارها نظرية دينامية تركز على دوافع الفرد ورغباته بما تبتدعه من وسائل للحصول على الإشباع، وقد ينظر إلى الجنس بوصفه الدافع الأكبر في الحياة، فقد عرَّف الجنس بصورة أوسع, وجعله كل شيء يجلب اللذة للفرد. وبدون دخول في تفاصيل نظرية التحليل النفسي وطرائقها العلاجية, فسوف نركز فقط على نمو الشخصية التي تعنينا في سياق عرضنا لهذه النظرية.

стр. 241

مراحل نمو الشخصية مدخل ... مراحل نمو الشخصية: ربما كان فرويد صاحب أول نظرية سيكولوجية تؤكّد الجوانب التطورية في الشخصية، وتؤكد الدور الحاسم لسنوات الطفولة المبكرة والطفولة المتأخرة في إرساء الخصائص الأساسية لبناء الشخصية. ويرى "فرويد" أن الطفل يمر عبر سلسلة من المراحل المتفاضلة ديناميًّا خلال السنوات الخمس الأولى، يليها لمدة تستمر خمس أو ست سنوات فترة الكمون, فيتحقق قدر من الثبات والاستقرار الدينامي، ومع بداية المراهقة تنبعث القوى الدينامية مرة أخرى، ثم تستقر بعد ذلك بالتدريج مع الانتقال من المراهقة إلى الرشد. ولقد اعتقد "فرويد" أن تطور ونمو الشخصية إنما يتعلق بنمو مصدر الطاقة الغريزية البيولوجية والذي ينعكس على سلوك المرء وشخصيته طوال الحياة. ومجمل ذلك: إن المناطق اللذية الشهوانية, أو المناطق من الجسم التي يؤدي تنبيهها إلى الإشباع الجنسي "اللبيدي" -هذه المناطق- تتغير تبعًا للسن ولنمو الكائن العضوي, ويقال: إن هذا التغيّر في مناطق تركيز اللبيدو يحدث تغيرًا في تنظيم علاقات الكائن العضوي مع ذاته ومع بيئته ومع أفراد مجتمعه، فإذا حدث ما يحول بين الطفل وموضوع الإشباع الملائم في مرحلة من المراحل، أدَّى ذلك إلى اضطراب العلاقة بين الكائن البيولوجي وبيئته الخارجية، ونتج عن ذلك صراع قد تظهر آثاره في شخصيته فيما بعد, ومن ثَمَّ فإن الشخص الراشد العصابي ينظر إليه على أنه قد صدم في مرحلة من مراحل النمو, وفشل في أن يتقدَّم إلى أبعد منها، أو أنه ما زال يحمل معه بقايا إحداها غير محلولة، الأمر الذي لا يتلاءم مع حياة الراشد, وتسير مراحل النموّ في نظرية فرويد على النحو التالي:

стр. 242

المرحلة الأولى: المرحلة الفمّية: oral stage وتنقسم إلى مرحلتين فرعيتين: المرحلة الفمّية السلبية، والمرحلة الفمّية السادية. ١- المرحلة الفمية السلبية: تقع هذه المرحلة في النصف الأول من السنة الأولى, وفي هذه المرحلة يكون المصدر الرئيسي للذة اللبيدية متضمنًا تنبيهًا لمسيًّا للشفتين وللتجويف الفمي, ويكون الفم هو مركز التفاعل مع البيئة الخارجية، ويكون النمط السائد من السلوك المشبع هو ذلك النمط المبني على الإدماج, ولا تقتصر عملية الإدماج على مص ثدي الأم فحسب، بل تشاهد أيضًا في امتصاص أي شيء يقع في مجال الطفل الحسِّي، ففي فترات الحرمان والانتظار والتوتر يلجأ الطفل إلى جسمه هو لكي يحصل منه على الإشباع عن طريق المص, ويغلب أن يكون ذلك العضو هو أصبعه، وبذلك يمنح نفسه إشباعًا شهوانيًّا ذاتيًّا. "هول ولندرزي: ١٩٧٩". بالإضافة لذلك: يتضمَّن النشاط الفمِّي الابتلاع والرفض إذا كان الطعام غير سار، ومن ثَمَّ يكون الطفل في هذه المرحلة نرجسيًّا تمامًا لا يحب إلّا نفسه, وليس لديه في ذلك الوقت أي وعي ببيئته أو بالناس الآخرين؛ إذ ليس لديه سوى إحساساته الداخلية على الرغم من أنه يستجيب بالتدريج للصوت والضوء ... إلخ. التكوين النفسي الغالب: التكوين النفسي الغالب على شخصية الطفل خلال المرحلة الفمّية السلبية, وهو ما نسميه بالهو Id. واصطلاح الهو وضعه فرويد ليشير إلى مجمل الدوافع البيولوجية عند الفرد، أو إلى حاجاته التي تسعى إلى اللذة, ومن ثَمَّ فإن الجوع والعطش والراحة والابتعاد عن الألم.. إلخ, تعتبر كلها من حاجات الهو, بمعنى أن الهو منبع الطاقة البيولوجية والنفسية التي يولد الفرد مزودًا بها، أو يمثل طبيعة الإنسان الحيوانية قبل أن يتناولها المجتمع بالتحوير والتهذيب، ويندفع إشباع الدوافع اندفاعًا عاجلًا بكل صورة وبأي ثمن. "مصطفى فهمي: ١٩٦٩، ١٢٣". ٢- المرحلة الفمية السادية: وتقع في النصف الثاني من السنة الأولى, وفيها يحل العض محل الإدماج بالمص، ذلك أن التوتر الناتج عن عملية التسنين تلزم الطفل أن يعض، وبذلك يجد نفسه في موقف صراعي في بعض الأحيان:

стр. 243

- فهو ملزم بالحصول على الطعام عن طريق الامتصاص للثدي بدون عض، وإلّا عرَّضه ذلك للعقاب في صورة الضرب أو سحب الثدي. - ولما كانت الرغبة في العض تظل مع ذلك قوية وفعالة، لذلك يقع الطفل في صراع بين الرغبة في العض والخوف من العقاب. ومهما كانت عناية المحيطين بالطفل في هذه المرحلة، فلا مناص "في رأي فرويد" من نشوب الصراع؛ فألم التسنين، والنقمة على الأم، والغضب، مع العجز, كل ذلك يلقي بالطفل في خبرات مؤلمة توصف بأنها خبرات سادية مازوكية، أي: خليط من القسوة والرغبة في التحطيم، مع الخنوع والرغبة في الاستسلام. وقد يترتَّب على هذه الخبرات أثر هام في حياة الطفل النفسية فيما بعد، وهو الإحساس الغامض بأن سند الطفل "وهو الأم" قد انهار من تحته؛ إذ أنَّ اتزانه النفسي الذي يقوم على وحدته مع أمه واعتماده عليها يبدأ يتزعزع. - وهنا يصبح الطفل في هذه الفترة ثنائي العاطفة, أي: يحب ويكره معًا "هول ولندزي: ١٩٧٩" خاصة أن ظاهرة استجلاب اللذة من العض تأتي عادة مع سن الفطان عند معظم الأطفال، ويبدو أنها تأتي مع نمو القدرة على العدوان والرغبة في اغتصاب الإشباع من البيئة المحيطة. وهكذا: فإن النمطان السابقان من النشاط الفمي: ابتلاع الطعام والعض, يكونان هما النمطان الأوليان لكثير من سمات الشخصية التي تنمو مع الطفل فيما بعد: فاللذة المستمدة من الابتلاع الفمي قد تزاح إلى أشكال أخرى من الابتلاع أو الإدماج كاللذة المستمدة من اكتساب المعرفة أو الامتلاك, والشخص الساذج شخص مثبت على المستوى الفمي الاستدماجي للشخصية، فهو يكاد يبتلع كل شيء يذكر له. يضاف إلى ذلك: بأنه لما كانت هذه المرحلة تقع في وقت يعتمد الطفل فيها على أمه اعتمادًا كليًّا لكي ترعاه وتحميه، فإن الطفل تتكون لديه مشاعر الاعتماد على الأم وعلى غيرها من الناس, وتميل مشاعر الاعتماد هذه إلى البقاء

стр. 244

والاستمرار طوال الحياة بالرغم من ضروب النمو والتطور التالية للأنا. فإذا فشل في هذه المرحلة لأيِّ سبب من الأسباب من الخروج منها, فسوف يكتسب اتجاهًا اتِّكاليًّا نحو العالم، فيصبح في رشده شخصًا معتمدًا تمامًا على الآخرين، ويرى أن العالم مدين له، ويرقد منتظرًا إياه ليضع في فمه, ولا يتعلم أن يشبع حاجاته بمجهوده، وإنما يتوقَّع من غيره أن يزوّده بحاجاته إذا أحسن التصرّف، وأن يسلبه إياها إذا أساء, ويطلق على أمثال هؤلاء الأشخاص: "ذوي الشخصيات الاتِّكالية الفمية". ويعتقد فرويد: أن أكثر أعراض الاعتماد تطرفًا هي النكوص إلى المرحلة الفمية, والرغبة في العودة إلى الرحم, وهي ما تميز الذهانيين. ولعل كثير من البالغين في ثقافاتنا يظهر لديهم شيء من الشبقية الفمية كالتقبيل مثلًا، وهو بقايا من المرحلة الفمية السلبية، إذ في بعض الثقافات لا يعتبر التقبيل شكلًا من أشكال الحب، ولكن لديهم أشكالًا أخرى من النشاط الودي تقوم بنفس الوظيفة كالابتسام والإيماءات والكلمات.. إلخ. كذلك قد يزاح العض أو العدوان الفمي ليأخذ صورة السخرية أو حب الجدال والمناقشة. التكوين النفسي الغالب: أ- نمو الأنا: الأنا Ego هي الذات النامية في الطفل, ويعرف بأنَّه ذلك الجزء من الشخصية الذي يحول إشباع دفعات الهو، وهو يتكوّن من جانب شعوري وآخر لا شعوري: - يكون الجانب الشعوري على صلة بالبيئة التي يدركها بالحواس, ويتكون بالتدريج منذ اتصال الطفل بالعالم الخارجي الواقعي، فالطفل الصغير يتعلّم عن طريق صلته بالوالدين وخبراته الحسية أنه لا يستطيع أن يظفر بما يريد متى أراد، وأنَّ هناك ضروربًا من السلوك تجلب له السرور وأخرى تجلب له الألم، كما يدرك أن الإرضاء الفوري يجلب له المتاعب, فيبدأ في تعلّم الانتظام. - أما الجانب اللاشعوري: فهو يشرف على غرائز "الهو", فيحاول أن يكبح جماح

стр. 245

رغباته ودوافعه التي لا يتأتَّى لها الإشباع, ويظل يماطلها ويقاومها حتى يضطر "الهو" إلى التنازل عن رغباته, فيتم كبت هذه الرغبات والدوافع في أعماق اللاشعور. ويرى فرويد أن "الأنا" عند الميلاد يكون صغيرًا ضعيفًا، ثم ينمو بالتدريج مع نمو القدرات الحسية الحركية للطفل، وعندما تزداد معرفته بكيفية الحصول على الإشباع, ومن ثَمَّ يبدأ نموّ الأنا مع بداية المرحلة الفمية السادية. ب- السادية: تشير كلمة السادية sadism إلى الميل للحصول على اللذة من إيقاع الألم بالآخرين, ولم يشر فرويد بالطبع إلى أنَّ الطفل في المرحلة الفمية السادية يقصد شعوريًّا إيقاع الألم بالعض، أو أن هناك إحساس شعوري باللذة إذا عضَّ شيئًا، ولكن ذلك ليس إلّا نتاجًا للطرائق التي وضعها الطفل في ذلك الوقت. فأسنانه قليلة "مضافًا إلى ذلك بعض الأكلان الذي يهدأ إذا عضَّ أشياء لينة"، كما يصبح له في هذه المرحلة قوة عضلية تساعده على نموّ أسلوب العض. وفي السنوات التالية "على الأقل في سن الثانية" يحل محل العض أشكال أخرى من الألعاب العدوانية: كالسب والشتائم، وكثير من المحادثات البذيئة المتبادلة بين الناس، والسخرية، وحب الجدال والمناقشة التي تستخدم كأساليب دفاعية حيال الدفعات الفمية البدائية التي تندرج تحت بقايا السادية الفمية، كما أن الاندماج في اللذة الجنسية بتوقيع الأذى البدني على شخص آخر تعد لونًا من ألوان الانحراف الجنسي.

стр. 246

المرحلة الثانية: المرحلة الشرجية anal stage تمتد المرحلة الشرجية طوال السنتين الثانية والثالثة من العمر, وفي هذه المرحلة يرتبط الإشباع اللبيدي بتفريغ وتهييج الغشاء المخاطي الشرجي, فبعد أن يتمَّ هضم الطعام تتراكم المخلفات في النهاية للقناة الهضمية؛ ليطرد بواسطة الفعل المنعكس عندما يبلغ الضغط على عضلات الشرج العاصرة مستوى معينًا, وبذلك فإن طرد الفضلات يزيل مصدر الضيق ويحدث شعورًا بالراحة, ويمكن للطفل في هذه الفترة أن يزيد التهيج بحجز البراز, وتصبح المواد البرازية موضعًا للحب والكراهية، وذلك بما لها من قابليتة للطرد أو الاحتفاظ، ولذا تسمَّى هذه المرحلة بالمرحلة السادية الشرجية, وعندما يتلقَّى الطفل التدريب على النظافة في السنة الثانية, فإن يلتقى بأول خبرة حاسمة له لتنظيم هذه الدفعات الغريزية، فعليه أن يتعلّم إرجاء اللذة التي يحققها له تخلصه من توتره الشرجي, وتتوقف نتائج هذا التدريب على أسلوب الأم الخاصّ في تدريبه على ضبط التبرز، ومشاعرها حيال عملية التبرز: - فإذا ما كان الأم من النوع الذي يتودَّد إلى الطفل ليخرج فضلاته، حنونة دافئة، متسامحة في التدريب. فإن الطفل تتكوّن لديه فكرة قوامها أن النشاط الإخراجي نشاط بالغ الأهمية، وقد تكون هذه الفكرة أساس الخلق والإنتاج تسير في الاتجاه السوي. - أما إذا كانت الأم شديدة الصرامة في التدريب على النظافة, فإنما قد تسبب تثبيتًا fixation على هذا المستوى, مع فضل لاحق في النضج السوي، كما يلي: ١- فقد يقبض الطفل على فضلاته ويصاب بالإمساك, فإذا ما عمَّم هذا الأسلوب في الاستجابة إلى مجالات أخرى من السلوك, فقد ينمو لدى الشخص خالق قابض, ويصبح شحيحًا عنيدًا، ولذا يقال أن للمال سمات شرجية: فالبخل يرتبط بالإمساك وعدم الرغبة في إعطاء أي شيء، وكذلك الكرم الزائد وعدم الحرص المعقول في الأمور المالية ليس إلّا نموًّا مفرطًا للعطاء للحصول على رضا الأم. ٢- وقد يلتمس الطفل تحت وطأة أساليب الكبت مخرجًا لغضبه بأن يخرج فضلاته في أوقات غير مناسبة على الإطلاق, فتنمو لديه جميع أشكال السمات الطاردة أو القاذفة؛ كالقسوة، والإنغماس في الشهوات، والميل إلى التدمير، ونوبات الغضب والهياج، والفوضى، وانعدام النظام.. إلخ. "هول، لندزى: ١٩٧٩". ٣- كما أن التثبيت على المستوى الشرجي قد يؤدي إلى نظافة مفرطة في الكبر

стр. 247

ونزعه إلى الترتيب والاهتمام الشديد بالتفاصيل، وذلك إذا تقبل السلطة الوالدية.. أما إذا رفض الخضوع لرغبات الوالدين فقد ينمو بوهيميًا وقدرًا مهملًا. ٤- وفيما يختص بالروائح: يقال كذلك أنها بقايا المرحلة الشرجية فبعض الناس يستمعتون بالروائح الكريهة العفنة، في حين يشمئز منها آخرون. ٥- بالإضافة لذلك: فإن التمرد على سيطرة الآخرين أو الخضوع لهم ترجع إلى هذه المرحلة.. فطالما أن محاولة تدريب الطفل على ضبط العضلة القابضة هي المجهود الأول لإجباره على نمط سلوكي جديد، فهذه هي الفرصة الأولى لظهور الصراع بين الطفل والوالدين ويصبح السلوك المتمرد ملحوظًأ. ومن ناحية أخرى. يتعلم الطفل أنه يستطيع إرضاء أمه باستخدام الأساليب النظيفة بدلًا من اتساخ ملابسه، ومن ثم تنمو سلسلة التمرد ورفض الخضوع -كل هذه أشكال أساسية من السلوك التي يربط بها الشخص علاقاته بالآخرين. التكوين النفسي الغالب: أ- نمو الأنا العليا: وفي هذه المرحلة ينمو الأنا الأعلى Super Ego أو الرقيب النفسي لدى الطفل، وهو مكون من مكونات الشخصية يرتبط ارتباطًا أوليًا بما سميه بالضمير. ويتكون الأنا الأعلى من خلال أساليب الوالدين في التربية، وأساليبهما في عليه والداه والمحيطون به.. ويرى الطفل نفسه مضطرًا إلى أن يكف نفسه عن كثير مما يشتهي وأن يقوم بأشياء لا يميل إليها بطبعه كي يتجنب استهجان الكبار أو عقابهم.. وهكذا يتعلم الطفل أن يكيف سلوكه وفق المعايير. التي يراها والده لازمة لمن في سنه، وعلى هذا النحو تتبلور في نفس الطفل بالتدريج وعلى غير قصد منه أوامر الوالدين ونواهيهما وأفكارهما عن الصواب والخطأ والخير والشر

стр. 248

تتبلور في شكل سلطة داخلية تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما فيقيم الطفل من نفسه حارسًا على نفسه فتصبح الأنا العليا رقيبًا نفسيًا" على سلوك الطفل يوجهه ويرشده وينهاه "مصطفى فهمي: ١٢٥، ١٩٦٩". ومن الواضح أن التدريب على ضبط عمليات الإخراج يعد أحد المواقف الأولى التي يحدث فيها هذا النوع من التهذيب الذي لا يلبث أن يصبح جزءًا من كيان الطفل يوجهه في المواقف المشابهة دون أوامر الكبار أو توجيهاتهم. ب- نمو مبدأ الواقع مقابل مبدأ اللذة: اتضح سابقًا: أن "الهو" أنانيًا تمامًا والسلوك في المرحلة الفمية يتبع مبدأ اللذة، وبعبارة أدق: اغتصاب الحد الأقصى من اللذة الحالية أو تجنبه الألم الحالي بغض النظر عن المستقبل وإذا كان الإنسان يتبع بالفطرة مبدأ اللذة وينشد اللذة المباشرة والتصريف المباشر لرغباته -إلا أن الطفل يتحقق بالتدريج أن هذه السياسة ليست حكيمة باستمرار، حيث يجد نفسه في مجابهة حقائق الطبيعة الخارجية وبيئة الاجتماعية التي تعترض رغباته بشدة، فيتعود أن يتجنب اللذات التي تأتي بالألم أكثر، وأن يؤجل تصريف الرغبات في سبيل تصريف أكمل وأبعد فقد يأكل الطفل بشراهة ثم يعاني من المغص، وقد يستمر في اللعب محطمًا أوامر والديه ثم يعاقب -فنجده حينئذ يبدأ ظهور ميل طفيف لنمط جديد من السلوك بسبب تصرفاته، وذلك هو مبدأ الواقع. وهو محاولة الحصول على الحد الأقصى من اللذة والحد الأدنى من الألم في المستقبل لا في الموقف الحالي فقط. وهذا يعني تثمين للذة الحالية والألم محتمل في المستقبل أي تحمل تعب حالي وعلى أساس احتمال اللذة الحالية والألم محتمل في المستقبل -أي تحمل تعب حالي على أساس احتمال راحة مستقبلية أو مكافأة كبيرة بعد ذلك.. وبمرور الوقت يصل الشخص إلى النضج إذ يجب عليه التخلي عن مبدأ اللذة والعيش وفقًا لمبدأ الواقع.

стр. 249

المرحلة الثالثة: المرحلة القضيبية phallie stage ... المرحلة الثالثة: المرحلة القضيبية Phallice Stage تقع بين السنتين الثلالثة والخامسة من العمر.. وفي هذه المرحلة تصبح الأعضاء التناسيلة "القضيب عند الذكر، والبظر عند الأنثى" هي المنقطة الرئيسية الملولدة للذة الشهوانية، وتهيئ هذه المشاعر المرتبطة بالنشاط الشهوي السبيل لظهور عقدتين خطيرتين تؤثران في شخصية الطفل المستقبلية، هما: عقدة أوديب، وعقدة الخصاء. أ- العقدة الأوديبية: هي شحنة انفعالية جنسية تستهدف الوالد من الجنس المقابل، وشحنة عدوانية تستهدف الوالد من نفس الجنس, فالصبي يرغب في امتلاك أمَّه واستبعاد أبيه "وهنا تسمَّى عقدة أوديب"، في حين ترغب البنت في امتلاك أبيها وإبعاد أمها "وتسمَّى عقدة إلكترا", وتعبر هذه المشاعر عن نفسها في الأفعال الدالة على الحب والأفعال المعربة عن التمرد والثورة إزاء الوالدين. وفي بداية هذه المرحلة يحب الطفل من الجنسين الأم؛ لأنها تشبع رغباته, وينقم من الأب لاعتباره غريمًا له في حب الأم, وتبقى هذه المشاعر لدى الصبي وتتغيِّر لدى الفتاة. وفي هذه السن يعرف الأطفال أن بين الأب والأم علاقة خاصَّة مريبة ولذيذة, ولكن الأهم من ذلك أن الطفل يرغب في امتلاك أمّه امتلاكًا تامًّا، يريد أن تجيب له طلباته ورغباته وترعاه, لكنه يرى أن الأب يأتي إلى المنزل ويستأثر بالأم، أو على الأقل يأخذ وقتها، ومن ثَمَّ ينظر إلى الأب بوصفه منافسًا، ونجد الموقف ذاته عند البنت الصغيرة مع الأب, إلّا أنه يجب أن نعرف هنا: أن استجابة الطفل ثنائية العاطفة، فبالنسبة للطفل يصبح للأب قوة سلبية "تهديد وإحباط"؛ لأنه يتنافس معه في جذب اهتمام الأم، ولكن للأب قوة إيجابية "فهو يداعبه ويأتيه باللعب والحلوى ويصحبه للنزهة", وهنا يصبح الأب مصدر حب وكراهية في نفس الوقت، ويبدأ الطفل الحل السوي لعقدة أوديب, فيبدأ في التوحّد بالوالد من نفس الجنس, ويقوى "الأنا الأعلى", ويكتسب الطفل خصائص الشخصية البالغة, وتصبح جزءًا من نفسه؛ لأنه يريد أن يكون شبيهًا بالأب أو التعيين الذاتي بالأب، ومن ثَمَّ تتحوّل المشاعر الشهوية الخطرة نحو الأم إلى مشاعر رقيقة حنونة لا خطر منها نحوها, وبذلك يؤدي حل عقدة أوديب في النهاية إلى تطور "الأنا الأعلى", ويقول فرويد: إن الأنا الأعلى هو وريث عقدة أوديب لدى الذكر، فهو سدٌّ منيع حيال الرغبة في المحارم والعدوان.

стр. 250

أما إذا لم يحل الموقف الأوديبي ولن يتخَّلص الطفل من كراهيته للأب من نفس الجنس, فإن هذه المشاعر لا تتلاشى تمامًا، بل يدفع بها إلى الأعماق لتبرز مرة ثانية بأشكال أخرى, فتزاح المشاعر السلبية عند نضج الفرد إلى أفراد راشدين آخرين في المجتمع لهم سلطة الأب؛ كالمعلم في المدرسة، أو الرئيس في العمل، أو رجل البوليس.. إلخ. ومن المحتمل أن نجد الطفل الذي فشل في حل الثنائية الوجدانية في هذه المرحلة تظهر لديه مشاعر غير مستقرة تجاه الناس, فهو يساعد أصدقاءه ثم يؤذيهم، ومن المحتمل أن يفشل في أن يسلك سلوكًا ثابتًا مما يؤدي إلى شعوره بالشلل وعدم الاستقرار على قرار. ب- عقدتا الخصاء وحسد القضيب: اكتشف فرويد عقدة الخصاء من تحليل حالة "هانز" الصغير عام ١٩٠٨، وتظهر حين يدرك الطفل الذكر الفروق التشريحية بين الجنسين، ويستنتج الصبي أن البنات لهن عضوًا ذكريًّا "البظر", ولكنه ضامر وذلك عقابًا لهن, ومن ثَمَّ نجد أن اشتياق الطفل الذكر المحرم للأم ونقمته على الأب تؤدي به إلى الصراع مع الأب، فهو يتخيل أنه منافسه المستبد الذي سيوقع به الأذى، وقد تتأيّد مخاوفه بسبب ما يصدر من الأب من تهديدات، ويتركّز خوفه مما قد يوقعه به الأب من أذى حول أعضائه التناسلية؛ إذ أنه مصدر مشاعره الجياشة بالشهوة، وهو يخشى أن يستأصل والده الغيور هذه الأعضاء المسيئة, ويؤدي الخوف من الخصاء أو ما يسميه "فرويد" بحصر الخصاء, أو قلق الخصاء castration anxiety إلى كبت الرغبة الجنسية في الأم, والعدوان نحو الأم, مما يساعد على حدوث التعيين الذاتي بالأب. أما بالنسبة للأنثى: فإن البنت تغيّر موضوع حبها الأصلي وهو الأم بموضوع جديد هو الأب، وسبب ذلك: هو شعور البنت بخيبة الأمل عندما تكتشف أن الصبي يمتلك عضوًا جنسيًّا مختلفًا عمَّا لديها، ومن ثَمَّ تعتبر أمها مسئولة عن حالة الخصاء هذه مما يضعف حبها لها، وتبدأ البنت تحول حبها لأبيها ولغيره من الرجال، وتبدأ هذه المشاعر تمتزج كذلك بمشاعر الحسد للذكور لامتلاكهم شيئًا
следующие страницы →