Полный текст (992 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
المرحلة الثانية: المرحلة الشرجية anal stage
تمتد المرحلة الشرجية طوال السنتين الثانية والثالثة من العمر, وفي هذه المرحلة يرتبط الإشباع اللبيدي بتفريغ وتهييج الغشاء المخاطي الشرجي, فبعد أن يتمَّ هضم الطعام تتراكم المخلفات في النهاية للقناة الهضمية؛ ليطرد بواسطة الفعل المنعكس عندما يبلغ الضغط على عضلات الشرج العاصرة مستوى معينًا, وبذلك فإن طرد الفضلات يزيل مصدر الضيق ويحدث شعورًا بالراحة, ويمكن للطفل في هذه الفترة أن يزيد التهيج بحجز البراز, وتصبح المواد البرازية موضعًا للحب والكراهية، وذلك بما لها من قابليتة للطرد أو الاحتفاظ، ولذا تسمَّى هذه المرحلة بالمرحلة السادية الشرجية, وعندما يتلقَّى الطفل التدريب على النظافة في السنة الثانية, فإن يلتقى بأول خبرة حاسمة له لتنظيم هذه الدفعات الغريزية، فعليه أن يتعلّم إرجاء اللذة التي يحققها له تخلصه من توتره الشرجي, وتتوقف نتائج هذا التدريب على أسلوب الأم الخاصّ في تدريبه على ضبط التبرز، ومشاعرها حيال عملية التبرز:
- فإذا ما كان الأم من النوع الذي يتودَّد إلى الطفل ليخرج فضلاته، حنونة دافئة، متسامحة في التدريب. فإن الطفل تتكوّن لديه فكرة قوامها أن النشاط الإخراجي نشاط بالغ الأهمية، وقد تكون هذه الفكرة أساس الخلق والإنتاج تسير في الاتجاه السوي.
- أما إذا كانت الأم شديدة الصرامة في التدريب على النظافة, فإنما قد تسبب تثبيتًا fixation على هذا المستوى, مع فضل لاحق في النضج السوي، كما يلي:
١- فقد يقبض الطفل على فضلاته ويصاب بالإمساك, فإذا ما عمَّم هذا الأسلوب في الاستجابة إلى مجالات أخرى من السلوك, فقد ينمو لدى الشخص خالق قابض, ويصبح شحيحًا عنيدًا، ولذا يقال أن للمال سمات شرجية: فالبخل يرتبط بالإمساك وعدم الرغبة في إعطاء أي شيء، وكذلك الكرم الزائد وعدم الحرص المعقول في الأمور المالية ليس إلّا نموًّا مفرطًا للعطاء للحصول على رضا الأم.
٢- وقد يلتمس الطفل تحت وطأة أساليب الكبت مخرجًا لغضبه بأن يخرج فضلاته في أوقات غير مناسبة على الإطلاق, فتنمو لديه جميع أشكال السمات الطاردة أو القاذفة؛ كالقسوة، والإنغماس في الشهوات، والميل إلى التدمير، ونوبات الغضب والهياج، والفوضى، وانعدام النظام.. إلخ. "هول، لندزى: ١٩٧٩".
٣- كما أن التثبيت على المستوى الشرجي قد يؤدي إلى نظافة مفرطة في الكبر
стр. 247
ونزعه إلى الترتيب والاهتمام الشديد بالتفاصيل، وذلك إذا تقبل السلطة الوالدية.. أما إذا رفض الخضوع لرغبات الوالدين فقد ينمو بوهيميًا وقدرًا مهملًا.
٤- وفيما يختص بالروائح: يقال كذلك أنها بقايا المرحلة الشرجية فبعض الناس يستمعتون بالروائح الكريهة العفنة، في حين يشمئز منها آخرون.
٥- بالإضافة لذلك: فإن التمرد على سيطرة الآخرين أو الخضوع لهم ترجع إلى هذه المرحلة.. فطالما أن محاولة تدريب الطفل على ضبط العضلة القابضة هي المجهود الأول لإجباره على نمط سلوكي جديد، فهذه هي الفرصة الأولى لظهور الصراع بين الطفل والوالدين ويصبح السلوك المتمرد ملحوظًأ. ومن ناحية أخرى. يتعلم الطفل أنه يستطيع إرضاء أمه باستخدام الأساليب النظيفة بدلًا من اتساخ ملابسه، ومن ثم تنمو سلسلة التمرد ورفض الخضوع -كل هذه أشكال أساسية من السلوك التي يربط بها الشخص علاقاته بالآخرين.
التكوين النفسي الغالب:
أ- نمو الأنا العليا:
وفي هذه المرحلة ينمو الأنا الأعلى Super Ego أو الرقيب النفسي لدى الطفل، وهو مكون من مكونات الشخصية يرتبط ارتباطًا أوليًا بما سميه بالضمير.
ويتكون الأنا الأعلى من خلال أساليب الوالدين في التربية، وأساليبهما في عليه والداه والمحيطون به.. ويرى الطفل نفسه مضطرًا إلى أن يكف نفسه عن كثير مما يشتهي وأن يقوم بأشياء لا يميل إليها بطبعه كي يتجنب استهجان الكبار أو عقابهم.. وهكذا يتعلم الطفل أن يكيف سلوكه وفق المعايير. التي يراها والده لازمة لمن في سنه، وعلى هذا النحو تتبلور في نفس الطفل بالتدريج وعلى غير قصد منه أوامر الوالدين ونواهيهما وأفكارهما عن الصواب والخطأ والخير والشر
стр. 248
تتبلور في شكل سلطة داخلية تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما فيقيم الطفل من نفسه حارسًا على نفسه فتصبح الأنا العليا رقيبًا نفسيًا" على سلوك الطفل يوجهه ويرشده وينهاه "مصطفى فهمي: ١٢٥، ١٩٦٩".
ومن الواضح أن التدريب على ضبط عمليات الإخراج يعد أحد المواقف الأولى التي يحدث فيها هذا النوع من التهذيب الذي لا يلبث أن يصبح جزءًا من كيان الطفل يوجهه في المواقف المشابهة دون أوامر الكبار أو توجيهاتهم.
ب- نمو مبدأ الواقع مقابل مبدأ اللذة:
اتضح سابقًا: أن "الهو" أنانيًا تمامًا والسلوك في المرحلة الفمية يتبع مبدأ اللذة، وبعبارة أدق: اغتصاب الحد الأقصى من اللذة الحالية أو تجنبه الألم الحالي بغض النظر عن المستقبل وإذا كان الإنسان يتبع بالفطرة مبدأ اللذة وينشد اللذة المباشرة والتصريف المباشر لرغباته -إلا أن الطفل يتحقق بالتدريج أن هذه السياسة ليست حكيمة باستمرار، حيث يجد نفسه في مجابهة حقائق الطبيعة الخارجية وبيئة الاجتماعية التي تعترض رغباته بشدة، فيتعود أن يتجنب اللذات التي تأتي بالألم أكثر، وأن يؤجل تصريف الرغبات في سبيل تصريف أكمل وأبعد فقد يأكل الطفل بشراهة ثم يعاني من المغص، وقد يستمر في اللعب محطمًا أوامر والديه ثم يعاقب -فنجده حينئذ يبدأ ظهور ميل طفيف لنمط جديد من السلوك بسبب تصرفاته، وذلك هو مبدأ الواقع. وهو محاولة الحصول على الحد الأقصى من اللذة والحد الأدنى من الألم في المستقبل لا في الموقف الحالي فقط. وهذا يعني تثمين للذة الحالية والألم محتمل في المستقبل أي تحمل تعب حالي وعلى أساس احتمال اللذة الحالية والألم محتمل في المستقبل -أي تحمل تعب حالي على أساس احتمال راحة مستقبلية أو مكافأة كبيرة بعد ذلك.. وبمرور الوقت يصل الشخص إلى النضج إذ يجب عليه التخلي عن مبدأ اللذة والعيش وفقًا لمبدأ الواقع.
стр. 249
المرحلة الثالثة: المرحلة القضيبية phallie stage
...
المرحلة الثالثة: المرحلة القضيبية Phallice Stage
تقع بين السنتين الثلالثة والخامسة من العمر.. وفي هذه المرحلة تصبح الأعضاء التناسيلة "القضيب عند الذكر، والبظر عند الأنثى" هي المنقطة الرئيسية الملولدة للذة الشهوانية، وتهيئ هذه المشاعر المرتبطة بالنشاط الشهوي السبيل لظهور عقدتين خطيرتين تؤثران في شخصية الطفل المستقبلية، هما: عقدة أوديب، وعقدة الخصاء.
أ- العقدة الأوديبية:
هي شحنة انفعالية جنسية تستهدف الوالد من الجنس المقابل، وشحنة عدوانية تستهدف الوالد من نفس الجنس, فالصبي يرغب في امتلاك أمَّه واستبعاد أبيه "وهنا تسمَّى عقدة أوديب"، في حين ترغب البنت في امتلاك أبيها وإبعاد أمها "وتسمَّى عقدة إلكترا", وتعبر هذه المشاعر عن نفسها في الأفعال الدالة على الحب والأفعال المعربة عن التمرد والثورة إزاء الوالدين.
وفي بداية هذه المرحلة يحب الطفل من الجنسين الأم؛ لأنها تشبع رغباته, وينقم من الأب لاعتباره غريمًا له في حب الأم, وتبقى هذه المشاعر لدى الصبي وتتغيِّر لدى الفتاة.
وفي هذه السن يعرف الأطفال أن بين الأب والأم علاقة خاصَّة مريبة ولذيذة, ولكن الأهم من ذلك أن الطفل يرغب في امتلاك أمّه امتلاكًا تامًّا، يريد أن تجيب له طلباته ورغباته وترعاه, لكنه يرى أن الأب يأتي إلى المنزل ويستأثر بالأم، أو على الأقل يأخذ وقتها، ومن ثَمَّ ينظر إلى الأب بوصفه منافسًا، ونجد الموقف ذاته عند البنت الصغيرة مع الأب, إلّا أنه يجب أن نعرف هنا: أن استجابة الطفل ثنائية العاطفة، فبالنسبة للطفل يصبح للأب قوة سلبية "تهديد وإحباط"؛ لأنه يتنافس معه في جذب اهتمام الأم، ولكن للأب قوة إيجابية "فهو يداعبه ويأتيه باللعب والحلوى ويصحبه للنزهة", وهنا يصبح الأب مصدر حب وكراهية في نفس الوقت، ويبدأ الطفل الحل السوي لعقدة أوديب, فيبدأ في التوحّد بالوالد من نفس الجنس, ويقوى "الأنا الأعلى", ويكتسب الطفل خصائص الشخصية البالغة, وتصبح جزءًا من نفسه؛ لأنه يريد أن يكون شبيهًا بالأب أو التعيين الذاتي بالأب، ومن ثَمَّ تتحوّل المشاعر الشهوية الخطرة نحو الأم إلى مشاعر رقيقة حنونة لا خطر منها نحوها, وبذلك يؤدي حل عقدة أوديب في النهاية إلى تطور "الأنا الأعلى", ويقول فرويد: إن الأنا الأعلى هو وريث عقدة أوديب لدى الذكر، فهو سدٌّ منيع حيال الرغبة في المحارم والعدوان.
стр. 250
أما إذا لم يحل الموقف الأوديبي ولن يتخَّلص الطفل من كراهيته للأب من نفس الجنس, فإن هذه المشاعر لا تتلاشى تمامًا، بل يدفع بها إلى الأعماق لتبرز مرة ثانية بأشكال أخرى, فتزاح المشاعر السلبية عند نضج الفرد إلى أفراد راشدين آخرين في المجتمع لهم سلطة الأب؛ كالمعلم في المدرسة، أو الرئيس في العمل، أو رجل البوليس.. إلخ. ومن المحتمل أن نجد الطفل الذي فشل في حل الثنائية الوجدانية في هذه المرحلة تظهر لديه مشاعر غير مستقرة تجاه الناس, فهو يساعد أصدقاءه ثم يؤذيهم، ومن المحتمل أن يفشل في أن يسلك سلوكًا ثابتًا مما يؤدي إلى شعوره بالشلل وعدم الاستقرار على قرار.
ب- عقدتا الخصاء وحسد القضيب:
اكتشف فرويد عقدة الخصاء من تحليل حالة "هانز" الصغير عام ١٩٠٨، وتظهر حين يدرك الطفل الذكر الفروق التشريحية بين الجنسين، ويستنتج الصبي أن البنات لهن عضوًا ذكريًّا "البظر", ولكنه ضامر وذلك عقابًا لهن, ومن ثَمَّ نجد أن اشتياق الطفل الذكر المحرم للأم ونقمته على الأب تؤدي به إلى الصراع مع الأب، فهو يتخيل أنه منافسه المستبد الذي سيوقع به الأذى، وقد تتأيّد مخاوفه بسبب ما يصدر من الأب من تهديدات، ويتركّز خوفه مما قد يوقعه به الأب من أذى حول أعضائه التناسلية؛ إذ أنه مصدر مشاعره الجياشة بالشهوة، وهو يخشى أن يستأصل والده الغيور هذه الأعضاء المسيئة, ويؤدي الخوف من الخصاء أو ما يسميه "فرويد" بحصر الخصاء, أو قلق الخصاء castration anxiety إلى كبت الرغبة الجنسية في الأم, والعدوان نحو الأم, مما يساعد على حدوث التعيين الذاتي بالأب.
أما بالنسبة للأنثى: فإن البنت تغيّر موضوع حبها الأصلي وهو الأم بموضوع جديد هو الأب، وسبب ذلك: هو شعور البنت بخيبة الأمل عندما تكتشف أن الصبي يمتلك عضوًا جنسيًّا مختلفًا عمَّا لديها، ومن ثَمَّ تعتبر أمها مسئولة عن حالة الخصاء هذه مما يضعف حبها لها، وتبدأ البنت تحول حبها لأبيها ولغيره من الرجال، وتبدأ هذه المشاعر تمتزج كذلك بمشاعر الحسد للذكور لامتلاكهم شيئًا
стр. 251
تفتقر إليه وهو ما يعرف "بحسد القضيب Penis envy".. وبذلك: فإن حسد القضيب هو المقابل الأنثوي لحصر الحصاء عند الذكر. فالبنت تتخيل أنها فقدت شيئًا ذا قيمة، في حين يخاف الصبي من أن يتعرض لفقده.. وقد تستمر عقدة الحصاء لدى البنت وإن كانت تتعرض للكبت القوي كما هو الحال لدى الصبي..
ويزعم فرويد: أن كل شخص هو بحكم تكوينه مزدوج الجنسية.. فكل جنس ينجذب إلى أعضاء نفس الجنس، كما ينجذب إلى أعضاء الجنس الآخر- وهذا هو الأساس التكويني للجنسية المثلية Homosexuality، وإن كانت الدفعة الجنسية المثلية تظل لدى معظم الناس كمنة وتؤدي إلى حالة الازدواج هذه.
стр. 252
المرحلة الرابعة: مرحلة الكمون Latency Stage
تقع هذه المرحلة بين السادسة وسن البلوغ. وفيما يضعف الدافع الغريزي أو الطاقة الغريزية، وينسى الطفل الأشكال السابقة لتطور الطاقة الجنسية، ويتخذ من المبادئ الخلقية القائمة في الثقافة التي يعيش فيها موانع يقيمها في وجه غرائزه الأولية.. بمعنى أن الرغبة الجنسية والشعور بالكراهية تجاه الوالد من نفس الجنس تكبت، ويتيمز الطفل بالهدوء النسبي من الناحية الدينامية.
ويرى فرويد أن البالغين ينكرون بشدة أنهم مروا في يوم بمرحلة شعروا فيها برغبة جنسية قبل البلوغ، ولكن غالبًا ما يكشف لنا هذا الإنكار الشديد جدًا عن زيفة. فملاحظة الأطفال الصغار، وكذلك ذكريات المرضى أثناء التحليل عندما تتحكم حواجز الكبت التي كانت تحول ذون ذكريات المرضى أثناء التحليل عندما تتحكم حواجز الكبت التي كانت تحول دون تذكرها -كل ذلك يؤيد فكرة الجنسية الأولية.. فعندما تكبت الجنسية الأولية في ختام المرحلة الأودينية تقول أن الطفل قد تحرك إلى مرحلة الكمون.. فالجنس محرم، والرغبات الجنسية تنكر تمامًا وتصبح لا شعورية، ورفاق اللعب يختارهم الطفل دائمًا من نفس الجنس، كما أن ممارسة الحب ومشاهدة الأفلام الرومانسية تصبح مثيرة للاشمئزاز. ويقال عن هذه المرحلة أحيانًا "مرحلة الجنسية المثلية السوية"- طالما أنه من السواء في هذه السن أن يستمتع الفرد بعلاقاته مع الناس من نفس الجنس.
стр. 253
المرحلة الخامسة: المرحلة التناسية genital stage
...
المرحلة الخامسة: المرحلة التناسلية Genital stage
بعد فترة الكمون -ومع الوصول إلى البلوغ في الثانية عشرة تقريبًا تبدأ الغريزة الجنسية تنمو في اتجاه الهدف البيولوجي، وتبدأ الاستثارة الفسيولوجية من الغدد الجنسية في حث الدافع الجنسي بشدة حتى أنها تحكم حواجز الكبت، ومن هنا يعود الشخص ينظر إلى الجنس نظرة مشبعة باللذة، ولكن بادراك جديد للموقف، إنه يرغب في رفيق من سنه وليس أحد الوالدين.
المرحلة التناسلية هي أولى خصائص النضج الحقيقي التخلي عن مبدأ اللذة مع نمو كامل للأنا الأعلى.. ويتضمن الجنس في هذه المرحلة فكرة الحصول على اللذة بإعطائها للآخر بمنأي عن الأنانية والنرجسية المطلقة والتمركز حول الذات التي كانت تميز المراحل المبكرة. وبذلك ينجذب الفرد إلى الموضوعات الجنسية انجذابًا غير نرجسي.. وعلى ذلك: تعد المرحلة التناسلية فترة النشاط الجمعي، والزواج وإنشاء الأسرة ورعايتها، والميل إلى التقدم المهني، والاضطلاع بمسئوليات الراشدين. ولذا: فإن هذه المرحلة هي أطول مراحل النمو لأنها تمتد حتى الشيخوخة.
стр. 254
رعاية النمو الجنسي النفسي في هذه النظرية
...
رعاية النمو الجنسي النفسي هو ضوء النظرية:
ونحن بصدد تناول نظرية التحليل النفسي في عرضها للنمو الجنسي فإن من أهم واجبات المربيين لرعاية النمو الجنسي النفسي للطفل في ضوء هذه النظرية مراعاة ما يلي:
١- إن عملية العقاب البدني للطفل الصغير على النظافة وضبط الإخراج, أو حتى حرمانه من الأشياء التي يحبها، أو حرمانه من العطف والاهتمام, لا تؤدي إلّا إلى نتيجة عكسية سلبية.
٢- تحتاج عملية تربية الطفل إلى صبر وحكمه, فمثلًَا يجب انتظار اكتمال نضج الأغشية الحساسة في العام الثاني، أو عند بلوغ ١٨ شهرًا تقريبًا حتى تكون لدى الطفل القدرة على التحكم الذاتي في الإخراج وضبطه، ومن الأجدر توعية الطفل بقيمة النظافة والتعوّد عليها, وتحبيبه فيها بكل الوسائل المحفزة المعززة لهذا السلوك المطلوب, بدون إجبار أو تهديد.
٣- لا يجب إظهار الاهتمام البالغ بعملية الإخراج، الأمر الذي يستشف الطفل من خلاله أن الإخراج قيمة في ذاته, ويتعامل مع الآخرين من هذا المنطلق, ويؤثر في شخصيته فيما بعد.
٤- يجب توضيح الفروق الجسمية والجنسية بين الجنسين توضيحًا سليمًا مبسطًا للطفل، وخاصة عندما يبلغ الطفل سن "المرحلة الجنسية المبكرة", ويكثر من التساؤلات عن هذه الفروق "مثل تكوين الجنين في بطن الأم، كيفية إنجاب الأطفال، الفروق التشريحية بين الذكر والأنثى ... إلخ".
٥- يجب على الآباء والمربين ألّا يهملوا الإجابة على استفسارات الأطفال المبكرة حتى لا يحبطوا من اهتمامهم وحب استطلاعهم ومعرفتهم للأشياء من حولهم, وحتى لا يسوء سلوكهم نتيجة لجهلهم بالنواحي الجنسية.
٦- لا يجب اعتبار سلوك الأبناء تجاه الآباء خطأ فاحشًا, وخاصة بعد معرفة أن هذا السلوك شيء تلقائي وطبيعي, والأفضل ألّا نعطي هذا السلوك الأهمية البالغة, بل يجب أن نساعد الطفل على شغل اهتمامه بأشياء أخرى.
٧- مساعدة الطفل في تجنّب تثبيت سلوكه نحو الوالد من الجنس الآخر, سواء شعوريًّا أو لا شعوريًّا, ويجب ألّا نتيح الفرصة للطفل لإظهار تودُّده وتمسكه بالأب أو الأم من الجنس الآخر.
стр. 255
٨- وعلى الآباء مراعاة ألّا يلاحظ الأطفال أيّ سلوك جنسي أو عاطفي يقوم به الآباء, حتى لا تزداد حدة العقدة الأوديبية لدى الأطفال, وحتى لا يحدث تثبيت للأشكال السلبية لهذه العقدة مدى الحياة، وما يصحبه من صراع الحب والكراهية تجاه الأب والأم وعدم التحرر منها.
٩- كما أن الإفراط والتفريط في التعامل مع الأطفال، والحماية المسرفة من جانب الآباء, أو التسلط الشديد المفروض على الأطفال، كل ذلك يؤثر في إمكانية استقلال الطفل وتثبيته بتلك الأشكال السلبية للعقدة الأوديبية. بمعنى: إنه لا يجب على الوالدين مساعدة الطفل على زيادة الترابط القائم على أسس جنسية في المرحلة الجنسية المبكرة بزيادة التدليل أو بالقول والعمل, فهذا السلوك يساعد على خلق عقد أوديبية شاذّة لدى الأطفال.
١٠- مساعدة الطفل على التخلّص من عقدة أوديب بالطريقة السليمة, وذلك بتلقين الطفل وتوعيته بالقيم الاجتماعية والمثل العليا والاستجابة لنداء الضمير, وكذا إحساس الطفل بقيمة شخصية الأب ليحتذيها ويتقمصها.
١١- كما يجب أن يكون للأسرة ولجميع الجماعات من جهة أخرى خط سلوكي واضح؛ حيث ينشأ الطفل وتتشكّل شخصيته في الجماعة، فلا يتعين على إحدى تلك الجماعات التي تنمي مثلًا سلوكًا ما لدى الطفل, والذي ترى فيه الجماعة الأخرى استهجانًا وتحريمًا, حتى لا يحدث الاضطراب والانفصام في شخصية الطفل منذ الصغر, والذي يشكل أفكاره واتجاهاته من خلال مَنْ حوله من أفراد وهيئات وجماعات.
стр. 256
نظريات النمو النفسي الاجتماعي
مدخل
...
نظريات النمو النفسي الاجتماعي:
مقدمة:
تستمد نظريات النمو النفسي الاجتماعي جذورها من التحليل النفسي، وترتبط باتجاهات أخرى هامة كالاتجاه الأنثروبولوجي والاجتماعي، وتستند إلى حقيقة هي أنَّ الشخصية في نموها تتبع المبادئ البيولوجية. بمعنى: إن لكل جزء وقته الخاص, فإذا لم ينم أو ينهض في وقته المحدد فلن تتاح له الفرصة لِأَنْ يتكوَّن تكونًا كاملًا، ذلك لأنَّ لحظة النمو السريع لجزء آخر تكون قد حانت وجاء أوانها، فضلًا عن ذلك يؤثر الجزء الذي يفوت عليه وقت الظهور أو النمو أو الذي يتعرض للتلف خلال فترة نموه في الكل الذي يتكوّن من أعضاء يعتمد بعضها على بعض, فالسرعة السليمة والتتابع السوي كلاهما ضروري إذا أريد للكائن الإنساني أن يقوم بوظائفه قيامًا متناسقًا. "جابر عبد الحميد، ١٩٧٧".
ولقد اخترنا من نظريات النمو النفسي الاجتماعي نظريتان.
الأولى: نظرية النمو النفسي الاجتماعي لإريك إريكسون.
وهي النظرية التي بنيت علم مفاهيم التحليل النفسي وإعادة صياغة هذه المفاهيم في ضوء التاثيرات الاجتماعية والتغيرات الثقافية الحديثة.
والثانية: نظرية نمو وتشكيل الهوية لجيمس مارشيا.
والهوية هي المرحلة الخامسة من مراحل النمو النفسي الاجتماعي في نظرية إريكسون، ولكن مارشيا قام بتفصيل خصائص تشكيل الهوية وجوانبها وكيفية تقييمها.
وفيما يلي تفصيل الحديث حول هاتين النظريتين.
стр. 257
أولًا: نظرية النمو النفسي الاجتماعي "لإريك هـ. إريكسون "
مدخل
...
أولًا: نظرية النمو النفسي الاجتماعي: "لإريك هـ. إريكسون"
يعتبر إيك هـ. إريكسون erik h. drikson من أعظم المحللين النفسيين والدراسين للنمو النفسي في الأوساط الأمريكية المعاصرة. ولد عام ١٩٠٢ لوالدين دانمركيين في فرانكفورت بألمانيا. انتقل إلى أمريكا وأصبح مواطنًا أمريكيًّا عام ١٩٣٩. وكان قد عمل مدرسًا في مدرسة أمريكية للرعاية اليومية للأطفال في فيينا عام ١٩٢٧, تلك المدرسة التي أنشأتها "أنا فرويد"، واستمتع بتبني حقيقي من قِبَلِ أنصار فرويد، ومنذ ذلك الحين بدأ يتلقَّى تدريبات في التحليل النفسي للأطفال على يد "أنا فرويد"، و"أوجست إيشهورن" في معهد فيينا للتحليل النفسي، كما تعرَّف شخصيًّا على سيجموند فرويد، ومارس تدريس التحليل النفسي نظريًّا وعمليًّا، عمل كزميل باحث في علم النفس بقسم الأمراض العصبية والنفسية في مدرسة الطب بجامعة هارفارد، ثم شغل وظيفة في قسم الأمراض النفسية بمعهد العلاقات الإنسانية ومدرسة ييل الطبية، واشترك في الفترة من٣٩-١٩٤٤ في الدراسة الطولية لتوجيه الطفل التي تعقدها جامعة كاليفورنيا, وعمل في السنوات الست التالية بتدريس التحليل النفسي في كلٍّ من معهد سان فرانسيسكو للتحليل النفسي, وجامعة كاليفورنيا, ومؤسسة ميننجر في توبيكا، كنساس، وفي عام ١٩٥١ انتقل للتدريس في معهد الصحة النفسية بجامعة بتسبرج ومعهد ماساتشوسيتس, ومنذ عام ١٩٦١ عمل إريكسون أستاذًا للنمو الإنساني في جامعة هارفارد, وقد نشر عديدًا من الكتب التي تحمل مذهبه ونظريته التي جعلته رجلًا من رجال هذا العصر, وقد بنى إريكسون نظريته بأحكام على نظرية فرويد في التحليل النفسي, وهو يصف أعمال فرويد بأنها الصخرة التي يقوم عليها كل تقدم في نظرية الشخصية.
شكل ""٥٥" أريك أريكسون
стр. 258
وفي كتاباته الأولى كان إريكسون يعتبر نفسه صاحب نظرية تقوم بتطبيق تعاليم فرويد، وفي الفترة الأخيرة صرَّح بأن "فرويد" لو كان حيًّا اليوم لأضاف لأعماله مستخدمًا المعارف المعاصرة في نظريته عن الطاقة الجنسية, ولذلك تختلف نظرية إريكسون عن النمط الفرويدي في تركيزها على ثلاثة مجالات كبرى:
الأولى: إن إريكسون يؤكد على "الأنا" التي أشار إليها فرويد أكثر مما يركز على "الهو", لذلك: فإنه يعيد تشكيل مراحل فرويد العضوية؛ بحيث تفقد كثيرًا من مضمونها الجنسي الشبقي.
الثانية: إن إريكسون يقدّم قالبًا جديدًا للفرد في علاقته بأبويه داخل إطار الأسرة، ثم تكوين الفرد الاجتماعي داخل إطار التراث التاريخي والثقافي للأسرة, وهذا يختلف عن مثلث "الطفل - الأم - الأب" في الواقع الفرويدي".
الثالثة: إنه بينما كانت مهمة فرويد هي إثبات وجود اللاشعور وعمله، فإن إريكسون يركز على الحل الناجح لأزمات النمو، ويؤكد ضرورة الاهتمام بالإثارة النفسية الاجتماعية للنمو الإنساني.
وعلى ذلك: فإن إريكسون يقدم توجيهًا جديدًا لنظرية التحليل النفسي, في محاولة لتفسير أكثر تفاؤلًا، وتطبيق أكثر اتساعًا للحياة اليومية, وهذه الأخيرة تجعلها أقرب إلى وضع الافتراضات وإجراء البحوث مما في نظرية فرويد.
مفهوم إريكسون للنمو:
يرى إريكسون أن النمو عملية مستمرة, كل مرحلة منها جزء متساوٍ من الاستمرارية، ذلك لأن كل مرحلة تجد سوابقها في المراحل السابقة، وتجد حلها النهائي في المراحل التالية لها، وفي كل مرحلة متتابعة إمكانية حلول جديدة لمسائل سابقة, وأنَّ الفرد ينمو إلى المرحلة التالية بمجرَّد أن يكون مستعدًا لذلك بيولوجيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، واستعداده الشخصي يقابله الاستعداد المجتمعي.
ولذللك يصف إريكسون ثماني مراحل متتابعة من مراحل النمو تقع المراحل الأربعة الأولى منه في دور الطفولة، وتشمل مراحل المهد والطفولة المبكرة،
стр. 259
والطفولة المتوسطة، والمتأخِّرة، وتقع المراحل الأربع الثانية في دور البلوغ, وتشمل المراهقة والرشد، ومنتصف العمر، والشيخوخة.
وقد اعتبر إريكسون كل مرحلة أزمة رأسية تنتهي بحل نفسي اجتماعي فردي, وأزمة أفقية تتطلّب حلًّا مرضيًا على المستويين الفردي والاجتماعي لمشكلة القوى الدافعة.
والمراحل الخمسة الأولى هي:
١- حاسة الثقة الأساسية.
٢- حاسة الاستقلال الذاتي.
٣- حاسة المبادأة.
٤- حاسة الاجتهاد.
٥- حاسة الهوية.
أما مراحل ما بعد البلوغ الثلاث فهي:
٦- حاسة الألفة.
٧- حاسة الإنتاج.
٨- حاسة التكامل.
ويتعمَّد إريكسون أن يصف كل مرحلة بكلمة حاسة؛ لأن الفرد النامي يناضل في سبيل السيطرة على الحالة المرحلية، أو تحقيق "إحساس إيجابي بـ"أي صورة من الصور المرتبطة بحالته في هذه النقطة الخاصة على طريق النمو, أي: تحقيق إحساس إيجابي بالثقة أو الاستقلال أو المبادأة.. إلخ.
وفيما يلي وصفًا لمراحل النمو عند إريكسون:
стр. 260
المرحلة الأولى:
اكتساب حاسَّة الثقة الأساسية sence of trust vs, simstrust مع التغلُّب على حاسة الشك "لتحقيق الأمل":
يرى إريكسون أنه بعد حياة نظامية رتيبة محوطة بالدفء والحماية داخل الرحم، يواجه الطفل مع الولادة في أول التقاء له بالعالم الخارجي، فيتكوّن لديه إحساس بالترقّب من خلال مزيج من الثقة والشك, وتصبح حاسَّة الثقة الأساسية لديه في مقابل حاسَّة الشك الأساسية, هي النقطة الحرجة في مرحلة نموه الأولى.
وبالنسبة للوليد, فإن حاسَّة الثقة تتطلَّب شعورًا بالراحة الجسمية, والحد الأدنى من تجربة الخوف وعدم التاكد، فإذا ما توفَّر له ذلك, فإنه سيبسط ثقته إلى تجارب جديدة تساعده على النمو نفسيًّا، وعلى تقبل الخبرات الجديدة برضًا, ومن ناحية أخرى: تنشأ حاسَّة الشكِّ من الخبرات الجسمية والنفسية غير المرضية, وتؤدي إلى الخوف من توقُّع المواقف المستقبلية.
وواجبات النموّ في هذه المرحلة:
إن الواجب النمائي الأوّل والأساسي هو إرساء حاسَّة الثقة الأساسية، والذي يتفق مع فترة النضج السريع في مرحلة الطفولة المبكرة، وهي فترة يبلغ فيها معدَّل نمو الجسم درجة هائلة، ويكون الاهتمام الوحيد للتركيب الجسمي هو المحافظة على الوظائف العضوية, وهي: التنفس، والهضم، والأكل، والحركة.
لذلك: فإن الخبرات العضوية توفّر الأساس لحالة من الثقة النفسية, وتصبح الأساسات العضوية هي الخبرة الاجتماعية الأولى التي تعمِّم في عقل الطفل, والتي تحدد طريقة المعاملة في هذه المرحلة, بمعنى: إنَّ الطفل يقابل المجتمع بفمه، وهو يتلقى الحب ويعطيه بفمه من خلال النموذج السلوكي الانضمامي، ومع ذلك فإنه لا طول مدة الاتصال الفمِّي ولا كمية الطعام ومقدار المص هي التي تحدد نوعية الخبرة، ولكن طبيعة الاتصالات الشخصية التي تنظم هذه الاتصالات الفمِّية والانضمام الفمي، أي: إن نوعية الراحة الجسمية والنفسية التي تولدها عملية الإطعام وانتهائها هي التي تحدد شعور الجسم الصغير نحو حياته الاجتماعية الأولى.
стр. 261
أما عن طبيعة العلاقات الاجتماعية في هذه المرحلة:
فإن الأم أو الشخص القائم برعاية الطفل هي التي تمثّل أولى الاتصالات الاجتماعية للطفل, وتبرز البيئة من خلال ثدي الأم أو الزجاجة البديلة مصدر الرضاعة الصناعية؛ حيث إن الحب وبهجة الاعتماد ينتقلان إليه عندما تضمه الأم إليها, فيشعر بدفئها المريح وابتسامتها العذبة، والطريقة التي تناجيه بها، كل هذا له أهميته البالغة في هذه المرحلة.
стр. 262
ويذكر أريكسون أن هذه المرحلة الفمية تنقسم إلى مرحلتين:
-مرحلة فمية نفسية حسية: تتخذ فيها كل الاتصالات الاجتماعية نمطًا ضميًا تداخليًا.. ويها تتوقف الخبرة الانفعالية على تبادل الأخذ والعطاء، وما تتضمنه من درجات الاسترخاء والأمان التي تتصل بعمليات الإمساك والمص من خلال الشكل الفمي الانضمامي العملية المص الممتد الحلمة الثدي أو البديل المناسب -وبذلك يحاط الأطفال بابتسامات أمهاتهم ويجدون في دفء أجسامهن ملاذًا وراحة وحماية، ذلك الدفء الذي به أيضًا -عندما يلقون رعاية من الأم- بيخلصهم مما يحسون به من ضيق ناشئ عن برد أو بلل أو ملل أو جوع. وكلما نمت أجسامهم ازداد اعتمادهم على أنفسهم وازداد سرورهم بنمو حواسهم وتأزرهم الحركي- مصحوبًا هذا كله بتشجيع الأم ورعايتها.
- والمرحلة الفمية الثانية: هي المرحلة السنية العضية -حيث يبلغ المنوال الانضمامي ذروته في الوقت الذي تظهر فيه أولى اأسنان، وهذا يصبح الإمساك تحت سيطرته الكاملة ... وفي هذه المرحلة الضمية الثانية تصبح الطريقة الاجتماعية في الإمساك مشابهة لعملية الشد إلى أسفل "العض" بالسن الجديدة.. وهنا يميل الطفل للاندماج الكلي وأن يحتفظ لنفسه بكل ما يحصل عليه أو يعطي له بعد أن علمته التجربة الآن وأن باستطاعته الاحتفاظ ببيئته من
стр. 263
خلال جهده الخاص -غير أن الإمساك والاحتفاظ عن طريق العض كثيرًا ما يسبب انسحاب الأم مما قد يشعر الطفل بالشك وعدم الثقة فيتولد لدى الطفل حثًا جديدًا للإمساك بحدة وبشكل أشد.
وهكذا يتضح: أن الثقة عنصرًا هامًا في الشخصية السوية وأن هذا الإحساس يتكون في وقت مبكر ... وندلنا دراسات المضطربين انفعاليًا والاطفال الذين حرموا من العطف حرمانا بالغًا: على أن أخطر الأمراض النفسية تظهر عند الأشخاص الذين تعرضوا لإهمال بالغ أو حرمان من الحب في الطفولة.. وبالمثل يجد الباحثون النفسيون والاجتماعيون أن السيكوباتيين قد حرموا من الحب في طفولتهم لدرجة أنهم لم يجدوا ما يبرر ثقتهم بالجنس الإنساني وبالتالي أصبحوا لا يحسون بمسئولية تجاه زملائهم في الإنسانية.
المرحلة الثانية: الشهر ١٢-أو ١٥ حتى نهاية السنة ٣:
انتساب حاسة الاستقلال الذاتي ومكافحة حاسة الشك والخجل "التحقق الإرادة" Sence of Autionomy vs. Shame& doubt:
حتى يتأسس الإحساس بالثقة على نحو راسخ -يبدأ الطفل فيما بين الشهر الثاني عشر أو الخامس عشر حتى نهاية السة الثالثة في تاسيس المكون التالي للشخصية السليمة حيث تنصرف معظم طاقاته نحو تأكيد ذاته من حيث هو إنسان له عقل وإرادة خاصة به، ويتضح ولع الأطفال بالاستطلاع، ويصبح الطفل أقل اعتمادًا على الآخرين وأكثر استقلالًا بنفسه. والفهم في هذه السنوات هو إحساس الطفل بالإستقلال -أي إحساسه بأنه إنسان مستقل ومع ذلك فهو قادر على أن يستخدم مساعدة الآخرين وتوجيههم في المسائل الهامة.
وبالنسبة لواجبات النمو في هذه المرحلة:
فكما هو الحال في المرحلة السابقة: فإن هناك أساس فسيولوجي لهذا السلوك المتميز الواضح -فهذه قدرة نضج الجهاز العضلي، وما يترتب على هذه النضج من تأزر وتوافق عدد من انماط الحركة والفعل المتصارعة المختلفة: كالإمساك
стр. 264
بشيء وتركه، وكالمشي، والكلام، والقبض على الأشياء وتناولها بطرق معقدة, ويصاحب هذه القدرات وينشأ عنها حاجات أساسية تدفع الفرد لِأَنْ يستخدمها في الارتياد والكشف والإمساك بشيء, وإسقاطه والاحتفاظ والنَّبذ أو الهجر, ويصحب كل هذا إرادة مسيطرة هي "أنا أفضل" إرادة تتحدَّى في إصرار وباستمرار ما يقدّم له من عون. "شكل: ٥٧".
أما عن طبيعة العلاقات الاجتماعية:
فلكي ينمي الطفل هذا الإحساس بالاعتماد على الذات والكفاءة التي نسميها استقلالًا، فمن الضروري أن يعيش الطفل المرَّة بعد الأخرى خبرة أنه شخص حر، يسمح له بأن يختار الطريق الذي يسلكه, فلا بُدَّ أن يكون له حق الاختيار بين الجلوس والوقوف، وبين التقدم والاقتراب من الزائر، أو الاستناد إلى ركبة أمه، بين تقبُّل الطعام المقدَّم إليه أو رفضه، وهل يستخدم إرادته، فما لا شك فيه أن الطفل نتيجة لأنَّ الأيدي والأقدام ما زالت ضعيفة في هذه المرحلة، فإنه سوف يواجه أشياء لا يمكن أن تصل إليها يداه، وعقبات لا يستطيع تسلقها أو التغلب عليها, وفوق كل شيء: هناك أوامر لا حصر لها يفرضها الراشدون الأقوياء عليه، وتبلغ خبرته من الضآلة حدًّا لا يمكن معه أن يعرف ما يستطيع وما لا يستطيع عمله في بيئته، وسوف يستغرق سنوات حتى يكتشف حدود ما هو مقبول وما هو ممنوع، وما يسمح به مما يصعب عليه فهمه في بداية الأمر.
стр. 265
ولذلك: فعلى الأم أن تحمي طفلها من الفوضى التي يمكن أن يتردَّى فيها نتيجة لإحساسه غير المدرب على التمييز والتفضيل، وينبغي على الراشدين أن يعضدوا الصغير ويؤيدوه في رغبته في القيام ببعض المهام التي يريد أداءها في محاولة الاستقلال بنفسه, حتى لا يسيطر عليه الخجل باعتبار أنه كشف نفسه في حمق مما يؤدي إلى الشك في قيمته الذاتية, وربما كانت أكثر القواعد البنَّاءة بالنسبة للأم أو الأب أن يحول بين الطفل وبين القيام بالأشياء الممنوعة، ويصرون على ذلك إصرارًا يولّد انفعالات الخجل والشك، وقد يؤدي إلى إصرار الطفل على أن يفعل ما يسره حين يكون بمنأى عن الرقابة.
ويرى إريكسون أن مسألة تدريب الطفل على ضبط الإخراج تعتبر نموذجًا أساسيًّا لجميع مشكلات هذه المرحلة، فالعضلات القابضة عند الشرج ليست إلّا جزءًا من الجهاز العضلي, ولها خاصية أساسية لجميع مشكلات هذه المرحلة، فالعضلات القابضة عند الشرج ليست الأجزاء من الجهاز العضلي التي لها خاصية أساسية هي القبض والاسترخاء, ولذا يجب العناية بوقت التدريب، وشكله، وأسلوبه, فيما يتصل بهذه الوظيفة, فإذا كانت التربية الوالدية صارمة جامدة، وإذا بدأ التدريب في وقت مبكر جدًّا, فإن الطفل يفقد فرصة النمو باختياره، وفرصة تعلّم الضبط التدريجي للنوازع المتناقضة الخاصة بالاحتفاظ والإمساك والإبقاء من ناحية، والإسراف والإخراج من ناحية أخرى, وينبغي على الراشدين الذين يريدون توجيه الطفل النامي توجيهًا حكيمًا أن يتجنَّبوا إخجاله وتشكيكه في قيمته كشخص، وأن يسلكوا إزاءه في حزم وتسامح؛ بحيث يستطيع أن يتمتَّع بكونه شخصًا مستقلًّا له كيانه الذاتي.
стр. 266
المرحلة الثالثة:
اكتساب حاسَّة المبادأة مقابل التغلّب على الإحساس بالذنب: sence of intitiative us, guilt:
الفترة الزمنية لهذه المرحلة: تسود هذه المرحلة النمائية حياة الطفل في العامين الرابع والخامس "فترة ما قبل المدرسة".
стр. 267
فبعد أن يتعلم الطفل بعض السيطرة على نفسه وعلى بيئته، ويبدأ في إظهار مهارته وقدراته، ويبتكر سلوكًا تفوق خباياه، وقدراته الشخصية فإنه يتطفل على أوساط الآخرين، ويجعل الآخرين ينخرطون في سلوكه الخاص به.
أي أن سلوك الطفل بأخذ شكل المبادأة من جانبه والمشاركة بفاعلية في عالم مجتمعه ويجعله نشطًا قوي العزيمة للسيطرة "على بعض المهام فيقول بتحمل مسئولية نفسه وكذلك ما يضمه عالمه الخاص "لعبه، أدواته وحيواناته ... الخ".
وبذلك فإن الطفل يرى بوضوح أنه قادر على أن يعمل أنواعًا معينة من الأشياء، وأن يلاحظ باهتمام بالغ ما يعمله الراشدون من حوله ويحاول أن يقلد سلوكهم ويرغب في أن يشارك في أنواع أنشطتهم.
وإذا كانت هذه المرحلة هي مرحلة المبادأة: فإن الطفل في هذه المرحلة يتحرك نحو الأشياء ويسعى إليها، كما أنه في حديثه يفرض كلامه على محيطه -وهذا يجعله دائمًا يأخذ المبادرة ويبدو ذكيًا خلاقًا مكتشفًا سريع الاستطلاع مليئًا بالحيوية والنشاط والبهجة- الأمر الذي يجعله كثيرًا ما ينسى الفشل وستمر في المحاولة وهو في مبادرته هذه لا يمارس. إرادته لمجرد تأكيد وجودها ولكنه يمارسها لكي يستمتع بها ويستمتع بإيجابية تفاعله مع البيئة وسيطرته عليها.
والنجاح في المبادأة يملأ الطفل بالزهو والثقة بالنفس، بينما يخلق الفشل لديه شعور بالذنب.
مظاهر النمو العضوي الفسيولوجي والسلوكي:
في هذه المرحلة يسيطر الطفل على المهارات الحركية كمهارات التوصل والأخذ والإمساك والسيطرة على مهارات المشي والجري والتسلق والقفز.. الخ. وهذا كله يمكنه من التحرك بمزيد من الحرية والمعرفة والنشاط في بيئته الأخذة في الاتساع باختصار فإن الطفل في هذه المرحلة قد أصبح قادرًا على التحكم في عضلاته ويستطيع أن يهتم بما سوف يفعله بهذا التحكم ... فبعد الوقوف والمشي ينتقل إلى مشكلة ما سيفعله بالوقوف والمشي ومن ثم فهو. لا يكتفي بالوقوف أو المشي ويسير إلى أماكن أخرى ونحو أهداف ومسافات متباعدة عن أمه -لذا فهو
стр. 268
يستخدم قدرته الجديدة لكي يصل إلى أماكن جديدة ليكشف العالم الخارجي المحيط به.
ويتحسن مستوى استخدام اللغة عند الطفل: فهو الآن يطرح أسئلة يبدأ من خلالها في فهم الكثير من الأشرار القديمة والجديدة. أي لم تعد مشكلته محصورة في: هل ينطبق الكلام أو لا ينطقه لأنه سيعاقب عليه، ولكن ما الذي سيقوله بكلامه ومن ثم تجده فعالًا في كلامه ومناقشاته وتساؤلاته ويحاول أن يقحم نفسه في الحديث مع الآخرين.
ومن ناحية التحكم في عمليات في الإخراج: لم يعد يخشى فقدان أجزاء من داخله "البور والبراز"، ولكنه أصبح يهتم بتماسك أجزاء جسمه وبنيانه ويستمتع بما داخله ثم يلقيها خارجه.
كذلك يبدأ تكون "الأنا الأعلى" عند الطفل، فالطفل في هذه المرحلة يبدأ في الامتثال للتعليم وتوجيهات أبويه -فيجعل من نفسه أبا لنفسه وذلك بمراقبة نفسه في دور أبويه الحقيقيين.. أي أنه لم يبعد في هذه السن موجهًا بأنا من الخارج، لذلك يكون قد تأسس في داخله صوت يعلق على أفعاله ويحذره ويهدده ويوجه سلوكه. للكبار، ويصبح الشعور النامي للطفل مكونًا من الأنا الأعلى لأبوين وتراثهما الثقافي بما يشمله من سمات ومعايير المجتمع وتقاليده وثقافته الخاصة.
علاقات الطفل الاجتماعية:
١- علاقة الطفل بأبويه:
تتميز علاقة الطفل بأبويه في هذه المرحلة بمضاعفات أوديبية، ذلك أن إريكسون لا يشك في مسألة تعلق الطفل بلبيه من الجنس الآخر -بمعنى أن هذا المصارع يتضمن حقيقة أن الحب بيصل دائمًا إلى الشخص الذي يستحقه والذي له وجود فعلي في نفس الطفل.
فالصبي يميل إلى القريب من أمه: باعتبارها أقرب موضوع للحب، وذلك لأنها هي التي هيأت له الراحة الدائمة، ويكون الأم كذلك مستعدة لقبول وتشجيع تعلق الطفل بها لأنها تتحسن أيضًا بذكورته كرجل ... ومع ذلك فإن الصبي يشعر بإعجابه بأبيه الذي يمثل رموز الذكورة المتمثلة فيه.
стр. 269
أما البنت: فإنها تميل أكثر لتوجيه رغبتها إلى الرجال كأهلٍ للثقة وأقربهم مثالًا لها, ومع ذلك فهي تستمر مع الأم التي ترمز لكلّ ما هو متجسِّد في صراعاتها نحو الأنوثة.
٢- علاقة الطفل برفاق سنه:
يشترك الطفل معظم الوقت مع أطفال من سنه, وهو يدخل دخولًا نشطًا في حياة الأطفال الآخرين, وبالتالي يواجه العديد من الخبرات التعليمية، ويشارك ويخوض التجارب التي تولّد لديه أفكارًا جديدة ومشاعر جديدة وأفعالًا صورية أو واقعية.
وتتخذ مشاعر الطفل فيما يختص بعلاقاته برفاق سنه شكلين:
الأول: السلوك بما هو متوقّع من أفراد جنسه.
فالشكل الأساسي للبنت يتضمن البداءة التي تهيئها للتكيُّف المبكر للشكل الأمومي، أي أن لعب الفتاة يمثل رموزًا لإعداد نفسها لوظيفتها الأمومية المستقبلية، وتعكس طريقتها المستقبلة في الاتصالات وأنشطتها وعلاقاتها الاجتماعية، وتعكس السمات السلوكية للمرأة, وذلك بخلاف لعب الوالد.
الثاني: بداية الشعور بعقدة الخصاء:
يبدي الصبية والبنات اهتمامًا بالغًا بأعضاء التناسل للجنس الآخر، ويبدأون في إدراك الفروق, وخاصة في حالة عدم رؤية أعضاء ظاهرة لدى البنات، مما يؤدي إلى قلق غير محدد لدى الجنسين، ويتصوّر كلا الجنسين أن شيئًا ما قد حدث لأعضاء تناسل الأنثى، وأنَّ هذا الشيء يمكن أن يحدث لأعضاء تناسل الذكر، ويولد هذا الإحساس بالخوف وعدم الثقة, نتيجة لهذه الحالة التي لا يوجد لها تفسير عند الصغار.
٣- علاقة الطفل بالراشدين:
الشكل الأساسي لهذه العلاقة يتضمَّن الاقتحام والاندفاع في حياة الناس, ويعكس بمزيد من التأكد والرغبة الأساسية لدى الطفل في الفضول واستكشاف كل المجالات المجهولة, ومنازلة الناس, وبالمشاركة بالمواجهة المباشرة.
ويظهر هذه الاقتحام في معالجة الطفل لأحداث حياته اليومية, وفي كلامه وأسئلته الكثيرة والملحة, وفي أنشطته وعلاقاته الاجتماعية.
واجبات المربين في تنمية إحساس الطفل بالمبادأة:
المشكلة التي ينبغي أن تعالج في هذه المرحلة من النمو, والتي ينبغي أن يراعيها المربون هي: كيف يعمل الطفل بإرادته, وكيف يختار لنفسه دون أن يتعرَّض للإحساس بالإثم.
وإذا تَمَّ التغلب على هذه المشكلة, فإن النتيجة هي الإحساس بروح المبادأة.
فمن السهل أن نرى كيف يعرقل الإحساس النامي بالمبادأة كثيرًا من المشروعات التي يحلم بها الطفل في هذا السن؛ لأنَّ الأباء والكبار الذين يحيطون به لا يسمحون له بالقيام بها؛ بحيث ينتهي الطفل إلى شعور دقيق مسيطر بأنه يواجه "لا" أينما توجَّه, فهو يريد أن يلعب، ويقفز، ويجري، ولكن أمه وغيرها من الكبار يقولون: "لا" لا تفعل ذلك، وهو يريد أن يفك لعبة لديه، ما الذي يجعلها تسير فيواجه بـ"لا", والنتيجة إحساسه بالذنب إذا ما خالف أوامر الكبار.
стр. 270
المرحلة الرابعة:
اكتساب حاسَّة الاجتهاد "الإنجاز" مقابل تجنّب الإحساس بالنقص sence of mastry vs, inferioritty:
المدى الزمني لهذا المرحلة: تبدأ هذه المرحلة في حوالي السادسة من العمر, وتمتد لفترة خمس أو ست سنوات.
ولقد أطلق إريكسون على هذه المرحلة حاسَّة "الاجتهاد"؛ لأن الطفل ننتيجة احتكاكه بتجارب جديدة كثيرة سرعان ما يدرك أنه في حاجة إلى أن يجد له مكانًا بين الأطفال الآخرين الذين هم في سنه. ولذلك فإنه يوجِّه كل طاقاته نحو معالجة المشاكل الاجتماعية المحيطة به, والتي يحاول أن يسيطر عليها بنجاح حتى لا يكون متخلفًا عن رفاق سنه أو أقل منهم, بل له مكان بارز بينهم.
стр. 271
كما يعتبر إريكسون هذه المرحلة مرحلة الاجتهاد مقابل الإحساس بالنقص؛ لأن الطفل يوجّه نشاطًا متزايدًا لتحديد مكانته بين رفاقه, فيبذل كل جهد ممكن في الإنتاج والعمل وسط رفاقه في المدرسة أو الفصل.. إلخ خوفًا من أن يصبح إنتاجه وعمله في مستوى أقل من مستوى عمل رفاقه وإنتاجهم، ويصبح الخوف من هذا المستوى الأقل في الجودة سببًا في خوفٍ مستمر يدفعه للعمل الأفضل, حتى لا ينظر إليه الكبار على أنه ما يزال طفلًا أو شخصًا غير كامل؛ لأن هذه النظرة الأخيرة تؤدي إلى إحساسه بالنقص.
النمو العضوي:
يبدو أن النمو الجسمي يبطئ في هذه المرحلة, وأنه يدعم ما سبق تحقيقه من نضج جسمي في المراحل السابقة، وفي نفس الوقت يهيئ إمكاناته للنضج الجسمي السريع الذي سيحدث في المرحلة التالية, بمعنى: إن النمو العضوي يعبِّر عن حالة من الكمون.
العلاقات الاجتماعية:
١- علاقة الطفل بالأطفال الآخرين: يحاول الطفل التميّز عن أقرانه في كل شيء يحاوله, مثل: "إجاباته في الفصل، نشاطه الفني، لعبه ونشاطه في حصص التربية الرياضية ... إلخ", ومع ذلك فهو يريد التعاون, ويحتاج إلى المشاركة المستمرَّة مع الآخرين.
ويعتمد لعب الطفل على المظهر الاجتماعي, ويميل الجنسان إلى الانفصال فيما يختص بعادات اللعب, وإن كانا في بعض الأحيان يتطرَّق كلٌّ منهما إلى عالم الآخر.
ومن ناحية أخرى: يتخذ عالم الأقران موضعًا ذا أهمية خاصّة عند الطفل, فهم ضروريون لاحترام الذات، وهم يصلحون كمعيار لقياس مدى نجاح أو فشل الولد أو البنت، ومن بينهم يجد الطفل مصدرًا آخر لتحقيق الذات خارج الأسرة.
ومن هنا كان لجماعات الأقران والرفاق أهمية خاصة وكبيرة في حياة الطفل.
стр. 272
٢- علاقة الطفل بالوالدين:
يكون الطفل في هذه السن قد تغلَّب ولو مؤقتًا على صراع القوة الأوديبي، وتبدأ علاقاته بالوالدين تتطور إلى مستوى واقعي من الاعتمادية في تلك الأوقات التي لا تزال الاعتمادية فيها ضرورية أو مرغوبًا فيها، في حين أن الطفل في أوقات أخرى يميل للتقرُّب من والديه وغيرهما من الكبار, لقد بدا بأنه لا بُدَّ له أخيرًا من الانفصال عن حياته الأسرية التي تعوَّد عليها.
فالطفل الذي يريد أن يستمرَّ مع أمه متلعقًا بها, يكتشف أن الأم قد تتخلَّى عنه بعد أن وصل إلى سن المدرسة, وأصبحت تفضل زوجها كرفيق، وإزاء هذا الإحباط, فإن الطفل بواسطة صلحه مع أبيه يؤجل معركته معه إلى حين يكتسب خبراته ويصبح ندًّا له, فهو بواسطة التوحُّد معه, وجعله مثله الأعلى يتحبَّب له كما فعل أبوه وأمه, ومن ثَمَّ تكون اعتماديته على الوالدين اعتمادية واقعية, ويجد أن الانفصال عن الاعتمادية الأسرية أصبحت ضرورية.
стр. 273
٣- العلاقة بالأخوة والأخوات:
وفي هذه السن لم يعد الأخوة والأخوات منافسين للطفل، بل يصبحون ذوي دلالة إذا كانوا قريبين من نفس السن, وكانوا ضمن جماعة رفاق الطفل، أي: في نفس سنه أو سنهم قريبة من سنه.
٤- علاقة الطفل بالكبار:
وحيث إن الطفل يرى في والديه متمثلين للمجتمع الذي يجب عليه أن يعمل فيه, فإنه الآن يبدأ في قياسهما على ضوء غيرهما من ممثلي هذا المجتمع, ومن هنا يتَّخذ الطفل أصدقاء والديه ومعمليه وأبائه وأصدقائه أهمية جديدة لديه.
ويبحث الصبية والبنات عن بالغين آخرين لتحقيق ذواتهم معهم؛ حيث إن الوالدين لم يعد باستطاعتهما تحقيق متطلبات الطفل من هذه الأوقات، وطالما ظلَّ الصبية والبنات خالين من الالتزامات الشخصية فإن باستطاعتهم أن يحوّلوا مُثُلهم ومعتقداتهم الشخصية إلى شخص أو إلى مجموعة من الكبار، وهم سيحققون ذاتيتهم بمظاهر الناس التي لها دلالة خاصَّة لديهم, دون اعتبارٍ للشخصية الكاملة وموقف الشخص.
واجبات المربين لإرساء حاسَّة الاجتهاد والإنجاز:
إن إحساس الطفل بالإنجاز وإجادة العمل وبأنه الأقوى أو الأحسن أو الأذكى أو الأسرع, هو النجاح الذي يسعى إليه. إن الطفل يدرأ الفشل بأي ثمن.
وباكتساب حاسَّة الاجتهاد واتِّقاء الإحساس بالنقص, فإن الطفل يعمل جاهدًا على تحسين نفسه والأنصار على الناس وعلى الأشياء؛ ليأخذ مكانه بينهم.
وإن دافعه للنجاح يتضمَّن إدراكًا بالتهديد الكامن في الفشل، وهذا الخوف الكامن يضطر الطفل لمضاعفة الجهد في العمل كي ينجح، ذلك لأنَّ أي إجراء ناقص, أو أي إهمالٍ سوف يقوده إلى الاقتراب من الإحساس بالنقص, وهو إحساس يجب أن يحاربه لكي يتقدَّم واثقًا في نفسه نحو اكتمال نموه.
ففي المنزل: يجب أن تتاح كثير من الفرص التي يتمكَّن الطفل فيها أن يجد النجاح ويحس بقدرته على العمل والإنجاز, وأن يقوم بمحاولات قيمة ومفيدة لنموه السوي, ويجب ألّا يعطى أعمالًا فيها تعجيز له، أو أعمالًا تفوق مستوى قدراته، بل يعطى ما يمكن أن ينجزه، ثم يكون التدرج معه في مستوى الأعمال والخبرات؛ بحيث لا يتكرَّر فشله فيصبح لقمة سائغة للنقص.
وفي المدرسة: من المهم للصحَّة الشخصية وسلامتها أن تدار المدراس إدارة حسنة، وأن تتيح طرق التدريس ومواد الدراسة لكلِّ تلميذ أن يشعر بالإنجاز الناجح والتحصيل المرضي، ويمكن أن يتمَّ ذلك من خلال مراعاة الفروق بين الأطفال في الفصل الواحد, حتى لا يشعر طفل بالفشل المستمر.
فلقد تبيِّنَ من دراسة مشكلات الجانحين أنَّهم كرهوا المدرسة؛ لأن معلميهم كثيرًا ما كانوا يصفوهم بالغباء، ولأنَّهم لم يبلغوا من النجاح والصلاح ما بلغه الآخرون، بالإضافة إلى الإحساس بالإخفاق وعدم الشعور بالأمن, ولذلك فهم يستجيبون للشرود والسلوك الجانح بطريقة أهدأ، وبالتقبُّل السالب لدونيتهم وشعورهم بالنقص، وقد يكونوا قد تعرَّضوا لضرر نفسي أبلغ مما يظهره سلوكهم.
стр. 274
المرحلة الخامسة:
اكتساب الإحساس بالهوية مقابل التغلُّب على الإحساس بانتشار الهوية "الضياع" sence of identity vs. confusion:
المدى الزمني للمرحلة: يسود الإحساس بالهوية حياة الفرد في فترة من أهم مراحل حياته, وهي مرحلة المراهقة "١١-٢٠سنة".
اسم المرحلة: يتلو الكمون الشديد في المرحلة السابقة زوْبَعة النمو في هذه المرحلة, ولعلها أعنف ما يواجه الإنسان في مراحل تطوره ونموه، فالجسد يعود مرة أخرى ليقحم نفسه على الوجود من خلال نموه المفاجئ في الحجم والشكل، علاوةً على التغيُّرات الكيميائية "الهيرمونية"، مما يصيب الشاب بهزة في كيانه تجعله يفقد التعرُّف على نفسه, فيسأل في إلحاحٍ وبعمق: "من أنا"؟، وهنا تبرز مشكلة الهوية التي تكون جوهر الصراع في هذه المرحلة في حياة الإنسان.
والمراهق في هذه المرحلة الانتقالية من عالم الطفولة إلى عالم الراشدين يتحدَّى طفولته في ثقة مطلقة بالذات، ويثور على عالم الكبار, ويرفع استقلالية
стр. 275
مسرفة في وجه التبعية والتسلطية, وهذا ما جعل إريكسون يسمِّي هذه المرحلة باسم مرحلة اكتساب "الإحساس بالهوية"؛ لأن الإحساس بالهوية يحمل معه السيطرة على مشاكل الطفولة, ويحمل استعدادًا أصليًّا للمواجهة مع تحديات عالم الكبار كندٍّ كامل.
بمعنى أن اكتساب الإحساس بالهوية ضروري للمراهق لاتخاذ قرارات الكبار, مثل اختيار المهنة أو شريك الحياة.
إن الهوية تتوقَّف على أن يجد المراهق نفسه جزءًا محسوسًا، والاعتماد عليه في كل كبير, وهذا ما يوضّح جهود المراهق نحو البحث عن مكان دائم.
النمو العضوي:
إن ما كان في بادئ الأمر في حالة كمون أصبح الآن في حالة تغيُّر سريع كما أوضحنا, ويؤدي النمو السريع والتغيُّرات الجسمية السريعة وغير المتناسقة, التي تفرض نفسها على حياة المراهق في شكل قفزات إلى الاضطرابات والقلق. كذلك فإن نضج الوظيفة الجنسية وتحوّل المراهق من كائن لا جنسي إلى كائن جنسي تجعله قادرًا على أن يحافظ على نوعه واستمرار سلالته، وتصبح الرغبة في إشباع الحاجة الجنسية باختيار شريك من الجنس الآخر، لم يعد بالإمكان إبعادها, على أساس أنها غير لائقة, ومع ذلك فإن الفرد يصبح أكثر تبصرًا؛ حيث لا يستطيع إشباع الدافع الجنسي إلّا بالطريقة التي حدَّدها عرف المجتمع وتقاليده، ولكن في بداية هذه المرحلة لا تزال الحالة الاقتصادية للمراهق غير كافية؛ حيث إنه ما يزال طالب علم, أو فرد لا تسمح ظروفه المادية بإعالة وتكوين أسرة، ومن هنا يكون القلق، والإصرار على تشكيل الهوية.
صراع المراهق نحو تأكيد هويته:
يشير إريكسون إلى أن كثيرًا من المراهقين يواجهون انتشارًا وتشتتًا مستمرًّا فيما يختص بقدراتهم الخاصة ومكانهم المنتظر داخل مجتمعهم, ولذلك يستمر تساؤل المراهق لنفسه ويشمل عددًا من الأسئلة:
من أنا؟، وما دوري في المجتمع؟، وهل أنا ما زلت طفلًا أم أصبحت راشدًا؟، وإذا كنت قد وصلت إلى الرشد: فهل لدي ما يمكنني من أن أكون إنسانًا
стр. 276
له قيمة كزوج أو أب؟ وماذا لدي من قدرات ومكونات شخصية تمكنني من الكسب والعمل والنجاح؟ وهل أستطيع أن أثق بنفسي على الرغم من أن أصلي الاجتماعي أو مستواي الاقتصادي أقل من رفاقي؟ لِمَ أشعر بالدونية والنقص؟ وينظر إلي الأخرون على أنني أقل منهم؟.. إلخ.
وينشغل المراهقون انشغالًا بالغًا بسبب هذه الأسئلة أو المشكلات الخاصَّة بذاتيتهم وهويتهم؛ فالمراهق في نظر نفسه لم يعد بعد الطفل الذي لا يباح له أن يتكلّم أو يسمع ويطيع فقط، بل هو الآن له مركزه في جماعته ومجتمعه، ويجب أن يشارك الآخرين بالعمل المنتج أو القول المفيد، ومن هنا تظهر رغبة المراهق في تأكيد هويته, وإظهارها في محاولاته لكسر أيّ قيود توضع على نشاطه, ومحاولاته المستمرة لتحقيق الاستقلال، ولذا فهو فخور بنفسه, يبالغ في أحاديثه وفي ألفاظه, وفي ذكر مستوى تحصيله وغرامياته, وفي العناية بمظهره الخارجي لجذب انتباه الناس إليه.
وتظهر هوية المراهق بإحدى طريقتين:
- فقد تظهر بطريقة إيجابية في مسئوليته نحو الجماعة التي ينتمي إليها, محاولًا أن يقوم ببعض الخدمات أو الإصلاحات بهدف النهوض بأفراد تلك الجماعة, نتيجة لعمله الإيجابي النافع الفعَّال. "شكل: ٥٩".
стр. 277
- وقد ينحرف ويختار الهوية السالبة المضادة للمجتمع، وهو في محاولاته لاتخاذ الهوية السلبية إنما تكون هذه المحاولة يائسة، ولكنه يفعل ذلك لاستعادة بعض السيطرة على هويته, مفضلًا هذه الهوية السلبية، إنما تكون هذه المحاولاة يائسة, ولكنه يفعل ذلك لاستعادة بعض السيطرة على هويته, مفضلًا هذه الهوية السلبية من أن يظل معدوم الهوية. "شكل: ٦٠".
وكما يقول إريكسون: "إن شباب الهيبز يحسّون بأنفسهم خارج الحدود الاجتماعية الخاصَّة لمجتمعهم, وبدلًا من أن يجدوا أنفسهم خارج التاريخ والمجتمع، هم يرون أن الهوية السلبية أفضل من اللاهوية".
و"هم بذلك يعبِّرون عن جهود تلك الأصوات التي لا تسمع، والوجوه التي لا وجه لها، في سبيل التغلب على عدم وجودهم. إنهم يريدون أن يسمعوا وأن يروا كجزء محسوس في مجتمعهم، ومن هنا كانت محاولاتهم السلبية اليائسة لإثبات ذاتهم وهويتهم ولفت الأنظار إليهم".
واجبات المربِّين من أجل اكتساب المراهقين الإحساس بالهوية:
حتى يتمكَّن المراهق من اكتساب الإحساس بالهوية ويتجنب الإحساس بانتشار وتشتت الهوية, فعلى المربِّين في المنزل والمدرسة أن يراعوا:
استغلال ميول المراهق وقدراته في تنمية شخصيته, ومساعدته على شغل أوقات فراغه واستثمارها، والعمل على إتاحة الفرصة أمامه للمشاركة في خدمة المجتمع بما يشعره بقيمته عند خدمة الآخرين، ويألف ذلك مع نفسه ومع الآخرين من خلال احترام الآخرين لأرائه، ونتاج أفعاله، وتدريبه على القيام بأموره الهامَّة، وتنظيم خططه بنفسه، وتعبئته لرؤية الأخطاء على أنها خطوات إيجابية في سبيل الهدف, وليست عوائق تحول بينه وبين تحقيق غاياته.
- أضف إلى ذلك أن يكون المربون على قدرٍ من المرونة في فهم المراهق ووجهات نظره وتجنب اتساع الفجوة بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وفتح باب المناقشة والحديث بقلب مفتوح وعقل مستنير حول الموضوعات الهامة في حياته بدلًا من اتباع أسلوب الوعظ والإرشاد, وبذلك يتمكَّن المراهق من اكتساب الهوية الإيجابية التي تدفعه لخدمة نفسه ومجتمعه.
стр. 278
المرحلة السادسة:
اكتساب حاسَّة الآلفة والتكامل مقابل تجنُّب الإحساس بالعزلة له: sence of intimacy vs. isolation:
يبدأ الفرد حياته في هذه المرحلة كعنصر كامل في المجتمع. لقد حان الوقت لكي يستقرّ استقرارًا جادًّا للقيام بمهمة المشاركة الكاملة في مجتمعه. إن تحقيق النضج النفسي يتطلَّب نموًّا اجتماعيًّا نفسيًّا للزواج أو العمل بمهنة خاصة.
ولقد أطلق إريكسون على هذه المرحلة اسم مرحلة الإحساس بالألفة؛ لأن النضج النفسي يتطلّب ألفة اجتماعية مع شريك الجنس الآخر؛ ليتمكن من اختيار شريك في العلاقات الزوجية باعتباره إنسانًا وكائنًا اجتماعيًّا، وتبلغ قوة النضج النفسي عندما يلتقي القرينان اللذان تكمل هوية كلاهما الأخرى في بعض النقاط الأساسية والتي تنضج بالزواج، ويكون اختيار شريك الحياة ممثلًا لنهاية كل التجارب السابقة مع الجنس الآخر، يجعل الفرد يتمثَّل فيه المثل الأعلى لكل التجارب السابقة، وبذلك يكون الفرد قد ساهم بدوره في المشاركة المجتمعية لإعداد الأساس للنموِّ السوي لذريته المرتقبة.
стр. 279
أمَّا عن تجنُّب الإحساس بالعزلة فإن إريكسون يشير إلى أزمة النمو التي تصيب الفرد في هذه المرحلة عند بقائه أعزبًا؛ إذ عليه أن يتغلَّب على الميل للبعد الاجتماعي, وهذه الأزمة تتبع بإحساسات من الفراغ الاجتماعي، وبأنَّ الفرد وحدة معزولة في وسط عالم يتكون من وحدات أسرية.
وعلى هذا, فإن معركة الشباب في هذه المرحلة تدور حول تأكيد الذات والبحث عن الهوية بالانفصال عن أسرته, والشباب بانفصاله عن أسرته إنما يُمِهِّد لتكوين أسرة جديدة.
وبدون هذا الانفصال لن يستطيع أن يحوِّل انتماءه إلى أسرته الجديدة، ويظل متعلقًا بالقديم، ولن يستطيع العطاء لزوجته وأبنائه, وإنما يتمسك بعلاقة الأخذ التي مَيَّزت انتماءه إلى أسرته الأصلية. "شكل:٦٢".
شكل "٦٢" على الرغم من الزواج والاستقلالية يظل الفرد متمسكًا بعلاقة الأخذ والعطاء مع أسرته الأصلية.
كما أنه في ممارسته لعمله أو مهنته في هذه المرحلة, إنما يحمل اختياره لهذا العمل أو المهنة أساسًا راسخًا من الاستعداد والتدريب الطويل الذي يستطيع في نهايته أن يعطي من زاد علمه وتخصصه بعد شبع أخذًا.
بمعنى:
إن هذه المرحلة تعتبر تتويجًا وتنفيذًا لما كان مؤجلًا في المرحلة السابقة، فتتحوّل مشكلة اختيار المهنة ورفيقة الحياة إلى الالتزام بممارسة هذا الاختيار وتنفيذه في مجال الواقع الاجتماعي، وهي بمثابة الانتقال من حالة الثورة إلى حالة الإنجاز والتطبيق، وتحوّل إلى حالة من التكيف النسبي مع الواقع.
وهذه المرحلة لها علاقة بالمرحلة الثالثة "المبادرة الأوديبية", فالرجل والمرأة في هذه المرحلة إنما يعيد باختيار الرفيق في الزوجية ما كان يتمنَّاه في طفولته من استخواذٍ على "أمه أو أبيه" دون أيّ طرف ثالث، وهو أساسًا أبوه, فبالزواج يختار الرجل امرأة تكون له دون غيره, وتفضله عن أي طرف ثالث، ويقترب منها ويسعى نحو الالتحام الجسدي بها, فيحقَّق ما يتمنَّاه في طفولته مع أمه، ولكن هذه المرة يحدث في إطار واقعي وقابل للتطبيق, بعد أن أصبح المجتمع يبارك هذه العلاقة الزوجية ويعطيها صيغة القدسية والعلانية، وبفضل هذا التوافق مع المجتمع والقيم الدينية نجد العلاقة الجنسية تنطلق إلى مداها, ويكون هدفها الإنجاب والدخول في دور حياة جديدة لأسرة جديدة.
стр. 280
المرحلة السابعة:
مرحلة اكتساب الإحساس بالإنتاج مقابل الإحساس بالانهماك. "الركود": sence of generativity vs, stagnation:
إن تأسيس وحدة أسرية جديدة تقوم على الثقة المتبادلة والألفة تشمل إعداد منزل جديد للبدء بدورة جديدة للنمو؛ إذ من خلال الرباط الزواجي يصلح الفرد لضمان الرعاية والنمو للجيل الجديد الذي يثمر عنه الزواج.
فبعد أن يمارس الإنسان اختياره في مجال "الحب والعمل"، فيتزوج ويرسِّخ أساس الاستقرار الأسري، ويختار العمل الذي يستطيع من خلاله من أن يحقِّق ذاته, ويصل إلى نقطة يسأل فيها، وماذا بعد؟
стр. 281
فالزواج المستقر يعطيه التأكيد أنه مرغوب فيه من آخر, مما يجعله مسئولًا عن تربية نشء في حاجة إليه، ونجاحه فيه يجعله واثقًا من أهميته في مجاله.
وكلما كبر أبناءه قلَّت حاجتهم إليه، وكلما زادت إجادته لعمله ووصلت إلى ذروتها, لم يعد العمل يمثل تحديًا أو خلقًا أو تجديدًا. علاوة على أنه يكون غالبًا قد حصل على أقصى ما يسعى إليه من جزاء مادي أو أدبي من خلال عمله هذا, وهنا فإن الاهتمام بأمر الجيل التالي يشمل إحساسًا بالإنتاج في مقابل الإحساس بالركود، هذا الإحساس بالإنتاج يضمن للجيل التالي الآمال والفضائل والحكمة التي جمعها الأبوان، ويشمل إحساسًا بالأبوَّة لتدعيم إجراءات رعاية الأطفال وتربيتهم وتعليمهم. هذا الإحساس الوالدي يتضمَّن الرعاية السوية للأطفال, والرغبة في تحقيق الإشباع والراحة لهم، إنه القدرة على النظر للأطفال على أنَّهم أمانة في العنق وضعت في يد الفرد؛ للثقة في مقدرته على ذلك.
ولكن بعد ذلك يبرز التحدي الذي يجعله يبحث عن الهدف الأوسع من دائرة الأسرة المحدَّدة، فهو يبحث عن الشيء الذي يستطيع أن ينجزه على مستوى أعلى من تغطية احتياجاته الأسرية, إنه يواجه مشكلة البحث عن القضايا التي تهمه؛ كالبحث عن أيديولوجية تعطي معنى لحياته، وكثيرًا ما يحتاج إلى الدين أو إلى الفلسفة مرة أخرى, كما أنَّ الدور الذي يبحث عنه في سن الأربعينات هو كيف يستطيع ممارسة العطاء للآخرين, وهو عطاء نابع من داخله, وليس مفروضًا عليه بحكم الواجب أو أي شكل من أشكال القهر، وهو لهذا أقرب ما يكون إلى عملية الخلق والإبداع، بمعنى: إخراج ما سبق أن أدخله, ولكن بصورة جديدة تحمل طابعة الخاص به.
стр. 282
المرحلة الثامنة:
اكتساب حاسَّة التكامل مقابل الإحساس باليأس: sence of integration vs. despair:
إذا كانت المرحلة السابقة تُعَدُّ أطول مراحل العمر وأكثرها خصوبة وعطاء, فإن هذه المرحلة تمثّل نهاية المطاف؛ حيث تخبو بالتدريج طاقة الفرد وقدرته على الإنتاج، لكن الفرد يكون قد ضمن النمو الجديد، واكتسب رؤية أكمل لدورته, وحقق كل ما يصبوا إليه من ثقة وتكامل.
مما يهيئ له حلًّا ناجحًا لإحساسه باليأس من عدم جدواه كإنسان منتج، ويتولّد عن هذا الاستقطاب إحساس الحكمة وتكوين فلسفة جديدة للحياة، وإن هذا الإحساس بالتكامل والشمول هو الذي يجعله لا يخاف الموت, ويتقبله على أنه نتيجة طبيعية لاستكمال دورة الحياة.
стр. 283
ثانيا: نظرية تشكيل الهوية "جيمس مارشيا "
مدخل
...
ثانيًا: نظرية تشكيل الهوية: "جيمس مارشيا"
بدأت دراسة هوية الأنا Ego identity كمحاولة لاختيار صدق المرحلة الخامسة لإريك إريكسون Erik Erikson "١٩٥٩" التي تقع ضمن إطار نظريته الخاصَّة بالنمو النفسي الاجتماعي، تلك المرحلة هي مرحلة المراهقة. ولقد طوَّر جمس مارشيا james e. marcia مفهوم تشكيل الهوية كمحاولة لدراسة الشخصية في هذه المرحلة, بما يتيح القياس في جوهر نظرية إريكسون, وهو يرى أن هناك أربعة أشكال من الهوية تنشأ في فترات الذروة لنموِّ الشخصية، وهي أربعة أمزجة مختلفة في عملية تشكيل الهوى، تلك التي تتشكَّل في المراهقة المتأخرة بين ١٨-٢٢سنة, ويتمّ تحديد هوية الفرد من خلال مقابلة شخصية يتغيِّر محتواها طبقًا لتغيُّر الظروف الاجتماعية التي يعايشها الفرد، كما أنها تتيح للباحث التنوُّع في الأسئلة تبعًا لما يخبره المراهق في المجتمعات المختلفة.
ويتضمَّن محتوى المقابلة مجالات الاختيار المهني، المعتقدات الفكرية: الدينية، السياسية، والجنسية، والاتجاهات نحو الدور الجنسي. هذا المحتوى يعكس السمات المميزة للمراهقة المتأخِّرة بالتحديد، والتي يظهر أهم عناصر الهوية ومتغيراتها طبقًا لدرجة الاستكشاف للبدائل exploration of alternatives, ومدى الالتزام commitment بها, وتتركَّز أشكال الهوية الأبعة فيما يلي:
١- تحقق الهوية identity achievement: والتي تعبّر عن تكامل تطور ونمو الشخصية في هذه المرحلة، بما يعني: مرور الفرد بفترة استكشاف البدائل، وأنه استطاع أن يحقق نوعًا من الالتزام المحدد.
٢- توقُّف الهوية أو التأجيل المسبَّق moratorium: وهي المرحلة السابقة على تحقق الهوية؛ حيث يكون الفرد في فترة الاستكشاف، مع غموض تكوّن الالتزام.
٣- إعاقة تكوين الهوية أو الانغلاق foreclosure: وهي تشير إلى عدم قدرة الفرد ولو بدرجة ضئيلة على الاستكشاف، واستمراره في الالتزام بقيم ومعايير الطفولة.
стр. 284
٤- تشتُّت الهوية identity diffusion: وهي أقلّ مستويات نمو الشخصية في تلك الفترة، وتشير إلى الشخص غير الملتزم بأيّ اتجاه محدَّد, سواء حدث له استكشاف للبدائل أم لا.
ولقد قدَّم مارشيا معاييرًا لتقدير مراتب الهوية, قصد منها أن تستخدم مع أفراد المراهقة المتأخِّرة ما بين ١٨-٢٢ سنة. ذلك أن العمليات المزدوجة في الاستكشاف والالتزام هي اعتبارات التقدير الأولية، وهذه المعايير تكاد تنطبق على هذه السن أكثر من انطباقها على المراهقة المبكِّرة والمتوسطة، وترجع أسباب ذلك إلى أنها ترتبط مباشرة بالنظرية النمائية في تشكيل الهوية؛ حيث ينظر إلى المراهقة المبكرة والمتوسطة على أنها تلك الفترة التي تتَّسم بأنها على نقيض ما قبلها من نموٍّ معرفي ونفسي واجتماعي وبدني في إطار ما قبل البلوغ، كذلك فإنه يُنْظَر إلى المراهقة المتوسطة على أنها مرحلة إعادة بناء وتنظيم المهارات القديمة والجديدة، في حين أنَّ المراهقة المتأخِّرة -فهي على النقيض من سابقتيها- تتميِّز بالثبات في مقومات الشخصية، ومن ثَمَّ فإنها تلك الفترة من دور الحياة التي تتحقَّق فيها الماهية والهوية -ولأول مرة- لدى معظم الأفراد.
ولقد تَمَّ تطوير مراتب الهوية بهدف تصنيف الأشكال الأولية التي توجد في المراهقة المتأخرة لحل أزمة الهوية التي تحدث في هذه المرحلة, ولقد تَمَّ افتراض أنه في هذه الفترة من دورة الحياة, فإن المطالب الداخلية والخارجية يتحقق لها من التأكيد؛ بحيث تصبح واضحة ومؤدية إلى التشكيل الحادث في الهوية. ومن المتوقع أن يقوم الفرد بتقييم حاجاته وقدراته طبقًا لما يتيحه السياق الاجتماعي، هل يتمّ إشباع هذه الحاجات والمطالب؟ هل تتاح للفرد الفرصة لإظهار قدراته أم لا؟ وكيف يتم ذلك؟ فتبعًا لذلك تشكل الهوية الخاصة بالفرد, فإذا كانت عملية تشكيل الهوية تحتوي على قليل من القرارات الفردية، وإذا كانت الموجهات الوالدية تعمل ضد مسار الفرد, فإنها تقف كموانع لتشكيل الهوية، وهنالك يحدث إعاقة لتكوّنها "foreclosure", وإذا كان ثَمَّة شخص آخر على نفس درجة الالتزام يمكنه تقدير البدائل بما يتيح له حرية القرار وحل المشكلات بنفسه، فذلك يعني تحقق الهوية "achievement". وإذا تصادف وجود شخص كعائق لعملية صنع القرار،
стр. 285
فيوصف الموقف على أنه تجميد للنشاط "moratorum" وتوقف الهوية. فإذا لم يكن ثَمَّة اتجاه محدد أو التزام, فيسمَّى ذلك بانتشارٍ أو تشتت الهوية "identity - diffusion".
ورب سائل يسأل: وكيف ندري ما إذا كانت الهوية قد تشكَّلت أم لا, حتى نسعى إلى تصنيفها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تدور حول المقابلة الشخصية التي تجرى مع الأفراد، والتي تتطلَّب التدريب، وصياغة محتوى الأسئلة، في وجود الشخص الصادق المخلص المحايد الذي يقوم بالمقابلة, الذي يستطيع أن يظهر الأفراد على حقيقتهم دون تكلُّف أو رياء، ويستطع أن يدفعهم إلى التحدُّث عن أدق تفاصيل حياتهم، لذا: فإن الباحث في الهوية يجب أن يكون متمتعًا بميزة استخدام ما يسمَّى "بالقدرة على عقد الصداقة مع الفرد" في أثناء إجراء المقابلة, وهناك ثلاثة أمور يجب أن تتوفَّر في الباحث خلال المقابلة هي: الاهتمام بالفرد واحترامه، والمهارات العلاجية، ثم الإلمام الدقيق بنظرية نموّ الشخصية، وتسجيل المعايير، ويضاف إليها اعتبار رابع وهو معرفة نظرية علم نفس النمو, وما يخشى منه هو المبالغة في التفسير، فالبحث في الهوية ليس تحليلًا نفسيًّا، ولكن الهدف هو جمع المعلومات الكافية عن الفرد لوضعه في تصنيف صالحٍ له ضمن الإطار العام للهوية.
следующие страницы →