← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فالزواج المستقر يعطيه التأكيد أنه مرغوب فيه من آخر, مما يجعله مسئولًا عن تربية نشء في حاجة إليه، ونجاحه فيه يجعله واثقًا من أهميته في مجاله. وكلما كبر أبناءه قلَّت حاجتهم إليه، وكلما زادت إجادته لعمله ووصلت إلى ذروتها, لم يعد العمل يمثل تحديًا أو خلقًا أو تجديدًا. علاوة على أنه يكون غالبًا قد حصل على أقصى ما يسعى إليه من جزاء مادي أو أدبي من خلال عمله هذا, وهنا فإن الاهتمام بأمر الجيل التالي يشمل إحساسًا بالإنتاج في مقابل الإحساس بالركود، هذا الإحساس بالإنتاج يضمن للجيل التالي الآمال والفضائل والحكمة التي جمعها الأبوان، ويشمل إحساسًا بالأبوَّة لتدعيم إجراءات رعاية الأطفال وتربيتهم وتعليمهم. هذا الإحساس الوالدي يتضمَّن الرعاية السوية للأطفال, والرغبة في تحقيق الإشباع والراحة لهم، إنه القدرة على النظر للأطفال على أنَّهم أمانة في العنق وضعت في يد الفرد؛ للثقة في مقدرته على ذلك. ولكن بعد ذلك يبرز التحدي الذي يجعله يبحث عن الهدف الأوسع من دائرة الأسرة المحدَّدة، فهو يبحث عن الشيء الذي يستطيع أن ينجزه على مستوى أعلى من تغطية احتياجاته الأسرية, إنه يواجه مشكلة البحث عن القضايا التي تهمه؛ كالبحث عن أيديولوجية تعطي معنى لحياته، وكثيرًا ما يحتاج إلى الدين أو إلى الفلسفة مرة أخرى, كما أنَّ الدور الذي يبحث عنه في سن الأربعينات هو كيف يستطيع ممارسة العطاء للآخرين, وهو عطاء نابع من داخله, وليس مفروضًا عليه بحكم الواجب أو أي شكل من أشكال القهر، وهو لهذا أقرب ما يكون إلى عملية الخلق والإبداع، بمعنى: إخراج ما سبق أن أدخله, ولكن بصورة جديدة تحمل طابعة الخاص به.

стр. 282

المرحلة الثامنة: اكتساب حاسَّة التكامل مقابل الإحساس باليأس: sence of integration vs. despair: إذا كانت المرحلة السابقة تُعَدُّ أطول مراحل العمر وأكثرها خصوبة وعطاء, فإن هذه المرحلة تمثّل نهاية المطاف؛ حيث تخبو بالتدريج طاقة الفرد وقدرته على الإنتاج، لكن الفرد يكون قد ضمن النمو الجديد، واكتسب رؤية أكمل لدورته, وحقق كل ما يصبوا إليه من ثقة وتكامل. مما يهيئ له حلًّا ناجحًا لإحساسه باليأس من عدم جدواه كإنسان منتج، ويتولّد عن هذا الاستقطاب إحساس الحكمة وتكوين فلسفة جديدة للحياة، وإن هذا الإحساس بالتكامل والشمول هو الذي يجعله لا يخاف الموت, ويتقبله على أنه نتيجة طبيعية لاستكمال دورة الحياة.

стр. 283

ثانيا: نظرية تشكيل الهوية "جيمس مارشيا " مدخل ... ثانيًا: نظرية تشكيل الهوية: "جيمس مارشيا" بدأت دراسة هوية الأنا Ego identity كمحاولة لاختيار صدق المرحلة الخامسة لإريك إريكسون Erik Erikson "١٩٥٩" التي تقع ضمن إطار نظريته الخاصَّة بالنمو النفسي الاجتماعي، تلك المرحلة هي مرحلة المراهقة. ولقد طوَّر جمس مارشيا james e. marcia مفهوم تشكيل الهوية كمحاولة لدراسة الشخصية في هذه المرحلة, بما يتيح القياس في جوهر نظرية إريكسون, وهو يرى أن هناك أربعة أشكال من الهوية تنشأ في فترات الذروة لنموِّ الشخصية، وهي أربعة أمزجة مختلفة في عملية تشكيل الهوى، تلك التي تتشكَّل في المراهقة المتأخرة بين ١٨-٢٢سنة, ويتمّ تحديد هوية الفرد من خلال مقابلة شخصية يتغيِّر محتواها طبقًا لتغيُّر الظروف الاجتماعية التي يعايشها الفرد، كما أنها تتيح للباحث التنوُّع في الأسئلة تبعًا لما يخبره المراهق في المجتمعات المختلفة. ويتضمَّن محتوى المقابلة مجالات الاختيار المهني، المعتقدات الفكرية: الدينية، السياسية، والجنسية، والاتجاهات نحو الدور الجنسي. هذا المحتوى يعكس السمات المميزة للمراهقة المتأخِّرة بالتحديد، والتي يظهر أهم عناصر الهوية ومتغيراتها طبقًا لدرجة الاستكشاف للبدائل exploration of alternatives, ومدى الالتزام commitment بها, وتتركَّز أشكال الهوية الأبعة فيما يلي: ١- تحقق الهوية identity achievement: والتي تعبّر عن تكامل تطور ونمو الشخصية في هذه المرحلة، بما يعني: مرور الفرد بفترة استكشاف البدائل، وأنه استطاع أن يحقق نوعًا من الالتزام المحدد. ٢- توقُّف الهوية أو التأجيل المسبَّق moratorium: وهي المرحلة السابقة على تحقق الهوية؛ حيث يكون الفرد في فترة الاستكشاف، مع غموض تكوّن الالتزام. ٣- إعاقة تكوين الهوية أو الانغلاق foreclosure: وهي تشير إلى عدم قدرة الفرد ولو بدرجة ضئيلة على الاستكشاف، واستمراره في الالتزام بقيم ومعايير الطفولة.

стр. 284

٤- تشتُّت الهوية identity diffusion: وهي أقلّ مستويات نمو الشخصية في تلك الفترة، وتشير إلى الشخص غير الملتزم بأيّ اتجاه محدَّد, سواء حدث له استكشاف للبدائل أم لا. ولقد قدَّم مارشيا معاييرًا لتقدير مراتب الهوية, قصد منها أن تستخدم مع أفراد المراهقة المتأخِّرة ما بين ١٨-٢٢ سنة. ذلك أن العمليات المزدوجة في الاستكشاف والالتزام هي اعتبارات التقدير الأولية، وهذه المعايير تكاد تنطبق على هذه السن أكثر من انطباقها على المراهقة المبكِّرة والمتوسطة، وترجع أسباب ذلك إلى أنها ترتبط مباشرة بالنظرية النمائية في تشكيل الهوية؛ حيث ينظر إلى المراهقة المبكرة والمتوسطة على أنها تلك الفترة التي تتَّسم بأنها على نقيض ما قبلها من نموٍّ معرفي ونفسي واجتماعي وبدني في إطار ما قبل البلوغ، كذلك فإنه يُنْظَر إلى المراهقة المتوسطة على أنها مرحلة إعادة بناء وتنظيم المهارات القديمة والجديدة، في حين أنَّ المراهقة المتأخِّرة -فهي على النقيض من سابقتيها- تتميِّز بالثبات في مقومات الشخصية، ومن ثَمَّ فإنها تلك الفترة من دور الحياة التي تتحقَّق فيها الماهية والهوية -ولأول مرة- لدى معظم الأفراد. ولقد تَمَّ تطوير مراتب الهوية بهدف تصنيف الأشكال الأولية التي توجد في المراهقة المتأخرة لحل أزمة الهوية التي تحدث في هذه المرحلة, ولقد تَمَّ افتراض أنه في هذه الفترة من دورة الحياة, فإن المطالب الداخلية والخارجية يتحقق لها من التأكيد؛ بحيث تصبح واضحة ومؤدية إلى التشكيل الحادث في الهوية. ومن المتوقع أن يقوم الفرد بتقييم حاجاته وقدراته طبقًا لما يتيحه السياق الاجتماعي، هل يتمّ إشباع هذه الحاجات والمطالب؟ هل تتاح للفرد الفرصة لإظهار قدراته أم لا؟ وكيف يتم ذلك؟ فتبعًا لذلك تشكل الهوية الخاصة بالفرد, فإذا كانت عملية تشكيل الهوية تحتوي على قليل من القرارات الفردية، وإذا كانت الموجهات الوالدية تعمل ضد مسار الفرد, فإنها تقف كموانع لتشكيل الهوية، وهنالك يحدث إعاقة لتكوّنها "foreclosure", وإذا كان ثَمَّة شخص آخر على نفس درجة الالتزام يمكنه تقدير البدائل بما يتيح له حرية القرار وحل المشكلات بنفسه، فذلك يعني تحقق الهوية "achievement". وإذا تصادف وجود شخص كعائق لعملية صنع القرار،

стр. 285

فيوصف الموقف على أنه تجميد للنشاط "moratorum" وتوقف الهوية. فإذا لم يكن ثَمَّة اتجاه محدد أو التزام, فيسمَّى ذلك بانتشارٍ أو تشتت الهوية "identity - diffusion". ورب سائل يسأل: وكيف ندري ما إذا كانت الهوية قد تشكَّلت أم لا, حتى نسعى إلى تصنيفها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تدور حول المقابلة الشخصية التي تجرى مع الأفراد، والتي تتطلَّب التدريب، وصياغة محتوى الأسئلة، في وجود الشخص الصادق المخلص المحايد الذي يقوم بالمقابلة, الذي يستطيع أن يظهر الأفراد على حقيقتهم دون تكلُّف أو رياء، ويستطع أن يدفعهم إلى التحدُّث عن أدق تفاصيل حياتهم، لذا: فإن الباحث في الهوية يجب أن يكون متمتعًا بميزة استخدام ما يسمَّى "بالقدرة على عقد الصداقة مع الفرد" في أثناء إجراء المقابلة, وهناك ثلاثة أمور يجب أن تتوفَّر في الباحث خلال المقابلة هي: الاهتمام بالفرد واحترامه، والمهارات العلاجية، ثم الإلمام الدقيق بنظرية نموّ الشخصية، وتسجيل المعايير، ويضاف إليها اعتبار رابع وهو معرفة نظرية علم نفس النمو, وما يخشى منه هو المبالغة في التفسير، فالبحث في الهوية ليس تحليلًا نفسيًّا، ولكن الهدف هو جمع المعلومات الكافية عن الفرد لوضعه في تصنيف صالحٍ له ضمن الإطار العام للهوية.

стр. 286

كيف تتشكل الهوية أولًا: استكشاف البدائل exploration of alternatives ... كيف تتشكَّل الهوية: يرى مارشيا أن هوية الأنا يتمّ تقييمها تبعًا لمدى وجود أو غياب عمليتين أساسيتين هما: الاستكشاف، والالتزام، ودرجة كل منهما -كما سبق أن أوضحنا. إن الميادين أو المجالات التي يعمل فيها هذين المتغيرين أقل أهمية من العملية الكامنة وراءها, وهناك افتراضان يتعلقَّان بهاتين العمليتين؛ الأول: يفترض أن الاستكشاف الحقيقي للبدائل الشخصية, والتي يتبعها اختيار الاتجاه العام لميول الفرد وقدراته, واتخاذ قرارات بشأنها, هو المؤثِّر الأساسي في تكوين الهوية. الافتراض الثاني: هو أنَّ البناء المتشكّل -كنتيجة لهذه العملية- يمكن تمثله تكيفيًّا لفترة محددة من الزمن, يصبح بعدها غير متوازن، ويلزم عنه فترة أخرى يتبعها الالتزام "التعايش". ومن ثَمَّ: فإن متغيرات الاستكشاف والالتزام يقصد منها تحقيق اكتمال تشكيل الهوية، أو تغيّر الهوية، أو إعادة تشكيلها, وفيما يلي نعرض لهاتين العمليتين: أولًا: استكشاف البدائل Exploration of alternatives الاستكشاف في المراهقة المتأخرة يمثل جانبين: أحدهما معرفي، والآخر سلوكي, وعلى الرغم من أنَّ الجانب المعرفي يمكن ملاحظته دائمًا في ظواهر سلوكية مثل: رغبة الفرد -مثلًا- في البحث عن بدائل لآرائه الدينية مثلًا من خلال استجلاء ما يؤمن به في مرحلة الطفولة, مع استمراره في ممارسته دون عائق، وقد يتوقّع المرء استكشافًا حقيقيًّا تصاحبه آثار مدمرة مثل: الانقطاع عن ممارسة الشعائر الدينية، وربما المنازعات مع الأسرة والأصدقاء.. إلخ. حتى وإن كان الاستكشاف معرفيًّا في البداية، فلا بُدَّ من أن يكون الفرد قادرًا على المناقشة بعمقٍ ما للبدائل الأخرى وتقييمها، وأن يكون قادرًا على أن يشير إلى أوجه النقص في أداء بعض الأفراد للشعائر الدينية الكائنة. وتبعًا لذلك: فإن بعض المعايير تستخدم لتقييم وجود أو غياب الاستكشاف، ودرجة كلّ منها, وتتم عملية الاستكشاف من خلال: ١- القدرة المعرفية: فمع المراهقة المتأخِّرة ينبغي على الفرد أن يقوم بعمل تقييم دقيق لحاجاته الشخصية، وقدراته، وأن تكون لديه صورة حقيقية واقعية عن الفرص الاجتماعية المتاحة، فمثلًا: طالب الجامعة الذي ألزم نفسه بدراسة القانون: يجب أن يدرك أن سنوات الدراسة في كلية الحقوق يجب أن تقضي بقاعات الدرس وليس بالمحكمة، وأن يدرك أيضًا أن كل المحامين ليس لديهم نفس الخبرات, وبالمثل: فإن الطالب الذي تخصَّص في دراسة علم النفس لا يجب أن يتوقّع أنه يستطيع أن يعلّق لافتة في العلاج النفسي بمجرد حصوله على الدرجة الجامعة الأولى في تخصص علم

стр. 287

النفس، ولكن ما على الفرد إلّا أن يسعى إلى ما وراء الفهم السطحيّ لمتطلبات أيّ مهنة علميًّا مع الدراسة، والإحاطة بما حوله من معارف العصر، وأنشطته ذات العلاقة بالمهنة, وعلى هذا: فإن من يقوم بالمقابلة الشخصية عليه أن يبحث عن البدائل التي يفكر فيها المفحوص, وما تصل بها من علاقات أو تناقض، حتى يصل إلى وضعه الذي يكون فيه. ٢- النشاط: إن ما يقيمه الفرد وما يقوم به يمثِّل بصفة أساسية الخطوة الضرورية للحصول على المعلومات عن البدائل, فمعرفة رغبة الفرد في أن يكون طبيبًا للأسنان لمجرَّد أنها رغبة أحد الوالدين، أو الجزم بخصوص آراء الفرد عن الجنس, دون وجود علاقة ذات صلة بالنواحي الجنسية، كل هذه الأمثلة لا تشير إلى النشاط الاستكشافي، ولكن الحديث مع ممثلين لنطاقات مهنية عديدة، أو مناقشة وجهات النظر الدينية مع المتعصّبين لها، أو أولئك الذين يقرأون عن بدائل الدور الجنسي، كل ذلك يمثِّل نشاطًا استكشافيًّا. المهم هنا: هو الرغبة الذاتية في عمق البحث. ٣- النظر في البديل الكامن لعناصر الهوية: فمعظم الأفراد -خلال نموهم في مرحلة الطفولة- يصبحون مدركين للجوانب المختلفة لأنفسهم، والتي إن تَمَّ تتبُّعها فسوف يؤدي كل جانت إلى اتجاهات مختلفة في الحياة, والمراهقة عمومًا: هي تلك الفترة في دورة الحياة -على الأقل بالنسبة لبعض الأفراد- التي تُعَدُّ هي المرحلة التي يكون التجريب فيها محتملًا، بل ومشجعًا أحيانًا. وليس معنى انتهاز الفرصة للتجريب هو الحصول على قدر قليل من الأمان مقابل ثمن فادح من تقييد الذات, ولذلك: فإنه بوصول الفرد إلى المراهقة المتأخِّرة يتضاءل شيئًا فشيئًا الوقت المتبقي لديه لمواجهة الحقائق القاسية المتعلقة بالرشد، ويصبح العالم أقل تحملًا لتجارب المراهق، وإمعان النظر النشط في البدائل, ولذلك نجد أنه إذا ما تحاور مراهق المرحلة المتأخّرة في سن ٢٢، فإنه ينظر إلى الاعتبارات السابقة للنظر في البدائل والتجريب لأمور حياته المختلفة. وسواء نظر الفرد إلى الاعتبارات الحالية أو السابقة للبدائل، فإن القضية

стр. 288

الأساسية تكمن في جوهرية تلك الاعتبارات، فقد تكون البيئة الفكرية أو الاجتماعية للطفولة قد حجبتها أثناء سعي المراهق وراء البدائل، وقد يحاول البحث عن طرقٍ أخرى مخالفة لتلك البيئة؛ بحيث يمكن أن تتلاقى هذه البدائل مع ميول الفرد وقدراته, وسواء عاد الفرد إلى الاتجاهات الأصلية بما يتناسب وتشكيل الهوية أو لا، فإن الأكثر أهمية هو نتاج تقييم تلك المحاولات. ٤- الرغبة في اتخاذ القرار المبكر: يمثل هذا الأمر منظرًا أو جانبًا هامًّا في عملية الاستكشاف في المراهقة المتأخِّرة، والهدف ليس هو الاستكشاف في حدّ ذاته كما يبدو الأمر في المرحلة الأول من المراهقة، أو حتَّى خلال أزمات النمو التالية لمرحلة الهوية في الرشد أو الرجولة، ولكن الهدف للاستكشاف في المراهقة المتأخِّرة هو تحديد الوضع الأفضل من الناحية الفكرية والمهنية، والبدائل الخاصة بالعلاقات الشخصية, والتي بموجبها يمكن أن يتَّجه الشباب نحو الرشد, فيتخذون قرارات إزاء الوصول إليه. ومن الملاحظ أن هناك نوعًا من الأفراد يتميزون بفترة من توقف النشاط "توقف الهوية"، يبدو أنَّهم يكونوا فيها قادرين على الإبقاء على التوتر المتعلّق بالصراع النشط أو الكفاح الفعّال، وخاصة بين البدائل الفكرية والعلاقات الشخصية، ورغم ذلك: فإن هذا الشخص يحتاج إلى بيئة أكثر دقة وتأييدًا "تشجيعًا", وقد نجد فردًا آخر يتوقَّع استكشافًا موجهًا انفعاليًّا، وليس مجرَّد البقاء في "محيط أحمق" fooling around" ومهمل. إن الفرد الأول يتميِّز بتوقف الهوية، والآخر يتميِّز بتشتت الهوية. والخلاصة: إن الاستكشاف قد لا يظهر سابقًا لأوانه أو لاحقًا في الزمن. وقد يتنوَّع النظر في البدائل عمقًا واتساعًا، والقضية تكمن في مدى الاستكشاف وأهميته في التمييز بين معوقات الهوية وتحققها.

стр. 289

ثانيًا: الالتزام commitment يعد الالتزام من الأهمية بمكان في المراهقة المتأخِّرة أكثر من أي فترة آخرى سابقة، فقبل أن يغدو الفرد رجلًا راشدًا عليه أن يتمثَّل الدور والسلوكيات المصاحبة للرشد: فدخول هذا الدور، أو الاستعداد لمهنةٍ ما، واعتناق أو تبنِّي وجهة نظر متَّسعة عن الذات في العالم الذي يعيش فيه الفرد, وهي ما يطلق عليها "فلسفة الحياة"، وتقرير الفرد لعلاقاته الجنسية كراشد، كلها تتَّحد في تلك الفترة, ولا يمكن لفرد أن يدَّعي أن ذلك هو نهاية المطاف نحو الرشد؛ إذ أنَّ النضج مسألة أعقد مما هو تحت السطح، ولكن على المرء أن يبدأ من مكانٍ ما، وأن مجموعة الالتزامات المهنية والفكرية والعلاقات الشخصية للفرد في المراهقة المتأخِّرة هي مجرَّد نقطة بداية. ماذا نعنى بالالتزام إذن كما وصفه إريكسون drikson كخاصية نفسية اجتماعية مميزة لهذه المرحلة؟ يشير الالتزام بحقٍّ إلى: الاختيار المحدَّد بين الممكنات، والتثبّت في الاتجاه المختار في مواجهة بدائل جذَّابة ومميزة، وذلك لا يعني عدم التطرُّق إلى التغيير، ولكنَّه يعني الإحجام عن هجر طريق ممهَّد بسهولة. وفيما يلي بعض المعايير لتقيم مدى وجود أو غياب الالتزام، ودرجة كلٍّ منها: ١- القدرة المعرفية: من المعروف أنَّ المراهق الملتزم يعرف ما هو مقبل عليه، وهذه المعرفة تقوم على تأثير الفرد في نتائج السلوك المتَّسقة مع التزاماته, فقد لا يثق المرء في التزام الفرد الذي يعلن عن رغبته في دخول العمل التجاري، وهو لم يحصل على أيَّة دراسات تجارية، كما لم يلتحق بأيَّة مؤسسات اقتصادية. ولما كانت الرغبة في "جمع المال" لا تكفي لتبرير الالتزام، فقد وجب على الفرد أن يترجم الكيفية التي يحقق بها تلك الرغبة، وكذا السبب. فالقدرة المعرفية تتَّصل بالإعلام عن الالتزام عمليًّا, وقد يجد الفرد عادة صعوبة في التعبير بوضوحٍ عن شيءٍ ما لا يعرف عنه الكثير, أو لم يفكِّر فيه بعمق, وثَمَّة افتراض آخر: وهو أنه إذا كان الفرد يعرف ويفكّر في مجال معين, فإنه سوف يستطيع التحدث عنه في مقابلة شخصية تتصل بتحديد الهوية, فهل ثَمَّة ادَّعاء هنا بأنَّ هناك ارتباطًا بين تحقيق الهوية

стр. 290

والقدرة التعبيرية للفرد؟ في الواقع: الإجابة بنعم, وقد يكون لدى الفرد إعاقة للهوية بدون أن يكون قادرًا على التعبير عنها وعن تفاصيل تكونها، ورغم ذلك، فإن تحقّق الهوية يعني البحث بعمق في جوانب حياة الفرد؛ بحث يمكن التعبير عن نتائج هذا الفكر في إطار المقابلة الخاصّة بتحديد الهوية. ٢- النشاط: لمعرفة النشاط الذي يكون الفرد مقبلًا عليه، لا بُدَّ وأن يكسب خبرات مناسبة. فثَمَّة ما يمكن أن يصفه الفرد في رأسه، لذا كان أحد جوانب الالتزام يتضمّن السلوك الكائن في نطاقات الالتزام المترابطة. فمثلًا: قد يؤدي الفرد أدوار الجنس Sex roles غير التقليدية، ولكن ما لم يحاول بالفعل أن يسلك بطرق غير تقليدية، فإن مثل هذا الالتزام يكون موضع شك. وبالمثل: فقد يدَّعي شخص ما ارتباطه بفلسفة سياسية ما, سواء كانت يمينية أو يسارية؛ بحيث تتطلَّب نوعًا ما من النشاط، ورغم ذلك إذا لم يظهر الدليل على وجود النشاط السياسي المباشر, فالالتزام هنا لا يُعْتَدُّ به. إن تقييم جانب النشاط في الالتزام يقوم على تمييز أساليب الفرد في تحولها إلى حقيقة، وكلما تأكَّد النشاط فإنه يمكن تصنيف الفرد في إحدى مراتب الهوية, وفي الغالب: فإنَّ كثيرًا من عمل الهوية يتم داخليًّا مع وجود القليل من العلامات الظاهرة. ومن المعلوم أنَّ قاعدة التقدير العامَّة تشير إلى أنه إذا كان معظم النشاط داخليًّا تقريبًا, فذلك يعني أن الفرد يتَّجه نحو توقُّف الهوية، فإذا ظهر ثَمَّة دليل خارجي على الاستكشاف والالتزام, فعنذئذ يتجه الفرد إلى تحقق الهوية، وإذا ظهرت مؤشرات سلوكية واضحة على الالتزام, وكان الاستكشاف موضع شك أو تساؤل, فيمكن عندئذ تحديد إعاقة الهوية كتصنيف. وبعبارة أخرى: إذا كانت الدلائل السلوكية هامَّة، فإن التعبير الجيِّد عن المعتقدات وما يجري في النفس يُعَدُّ دليلًا كافيًا ولو كبداية لعملية تحقق الهوية. ٣- المزاج الانفعالي: هناك خمسة أمزجة مؤثرة وسائدة في تمييز الهوية هي: تأكيد الذات الصلب solid self - assuredness الخاصِّ بتحقق الهوية، مقارنة النفس الصلبة

стр. 291

inflexible self righteousness لإعاقة الهوية، والكفاح، والشدَّة، والسلوك القلق إلى حدٍّ ما الخاص بتوقّف الهوية، واللامبالاة الخفيفة المتعلِّقة بالانتشار الجنسي، والحزن والكآبة، أو النوع الطفيف من الانتشارات المنعزلة. وأيًّا من الخصائص السابقة "القدرة المعرفية، والالتزام" لا تشير بمفردها إلى وجود أو غياب، أو درجة الالتزام والمزاد الانفعالي, كذلك قد تبدو بعض مظاهر تحقق الهوية صلبة تمامًا، كما أنَّ بعض مظاهر توقُّف الهوية لا يعني المعاناة في الواقع، ولكن بصفة عامَّة، فإن وجود الالتزام يبدو أنه قد يحقّق نوعًا من التوازن في الثفة بالنفس، كما أن غايةً قد يؤدي إلى التشكك أو الاهتزاز في الثقة بالنفس إلى حدٍّ يبلغ الثرثرة أو الصمت المطبق. ٤- التوحُّد بالشخصيات المتميزة: إن وجود نماذج الدور المتميز كالصور المثالية أقلّ أهمية في المراهقة المتأخِّرة عنه في المراهقة المبكرة؛ لأنه في هذه المرحلة الأنا المثالي ego ideal يكون قد حقَّق إطاره الرئيسي بالفعل. لذا: فإن الشخصيات المتميزة تلعب دورًا مباشرًا وواقعيًّا، في المراهقة المتأخرة مثل المعلمين، والمصلحين، والنماذج التي لها تأثير محتمل في القرارات المهنية أو الفكرية, وبعبارة أخرى: فإن ما يتركه الآخرون ذوي الأهمية في نفس المراهق في المرحلة المتأخِّرة، في الحقيقة هو أكثر أهميةً من هؤلاء الأشخاص أنفسهم أو ما يمثلونه بشكل مثالي، وكل ما يفعله المراهق لتحقيق هويته ينعكس في عدم رغبته في أن يكون محاكاةً للدور المثالي أو النموذج، وبالتالي تزيد قدرته على التمييز بين الجوانب الإيجابية والسلبية للأشخاص المتميزين، والعكس صحيح، أي: إنه إذا قلَّ جهد الفرد لتحقيق الهوية، زادت رغبته في أن يكون نسخة من الشخص موضع الإعجاب، أو ربما يعتريه اليأس من بلوغ هذا النموذج. وباختصار: فإن التوحُّد في مرحلة المراهقة المتأخِّرة يعبِّر عن نقطة مثالية تتعلّق بالتقييم الحقيقي للذات. ٥- تقدير احتمالات مستقبل الفرد: كما سبق أن أشرنا: فإن التأكيد ينصبُّ على التقدير الحقيقي لمستقبل الفرد, فمن المعايير الافتراضية لنمو الهوية في المراهقة المبكرة هو "القدرة على

стр. 292

تفسير بدائل المستقبل" دون التأكيد على الجانب الواقعي لتلك البدائل "marcia, j., ١٩٨٣"، ورغم ذلك: فإن الاستمرار في الاستكشاف الدقيق والالتزام الجادّ في المراهقة المتأخِّرة ينتج عنه شيء يشبه ما نسميه بالخطَّة الخمسية المتوازنة, ولذا: فإنَّ أحد جوانب المقابلة الخاصَّة بتقدير الهوية يُعَدُّ ذا حساسية خاصَّة لهذه المسألة المتعلّقة بأدوار الجنس sex roles؛ حيث يتعامل الفرد مع أسئلة خاصَّة بأسبقيات المهنة في مقابل الزواج career vs. marriage proirities وقيم تربية الأطفال childbearing, والتقسيم الزوجي للعمل spousal division of labor وعلى هذا، فإنَّ التقدير الحقيقي لاحتمالات المستقبل يتَّصل مباشرة بالالتزام. فالالتزام الجاد باتجاه معين يجب أن يؤدي إلى سلوك مطابق لهذا الاتجاه، ومع تراكم الخبرة تنشأ بعض الأفكار عمَّا هو محتمل وما غير ممكن، أما نقص الالتزام فيؤدي إلى الخبرة المبتورة أو المشوَّشة غير المكتملة. ٦- مقاومة النفوذ والتسلط: ماذا يحدث إذا وجد شيئًا أفضل؟ يتساءل القائم بالمقابلة الشخصية، فيرد المفحوص: ماذا تقصد بشيء أفضل أو أحسن؟ وماذا يعني الأحسن في رأيك؟ وتتكرر هذه الاستفسارات غالبًا في المقابلات الشخصية المتعلِّقة بالهوية، ويتضارب مدى الإجابات ما بين قبول الدخول في أيِّ مجال, مثل: الرأي في أي عقيدة، التبصُّر في أي بدائل للعلاقة مع الجنس الآخر، إلى الإصرار المتصلّب على وظيفة واحدة، أو نظام اعتقاد ثابت، أو وضع واحد للمعايير في العلاقات مع الجنس الآخر.. إلخ وما بين التذبذب المرن في حالات انتشار الهوية، وإعاقة الهوية الصلبة "المعاندة" تقع حالات تحقق الهوية, وبجانبها حالات توقف الهوية المميزة. إن الاستجابة التي تشير إلى التشكيل المتقدِّم للهوية، لها في العادة ثلاثة جوانب هي: الاعتراف بإمكانية التغيُّر، ارتباط التغير المحتمل بقدرات الفرد، والفرص الاجتماعية المتاحة، ثم الإحجام عن التغيُّر إلّا تحت ضغط ظروف معتدلة, وكقاعدة: فإن المفحوص الذي يرتفع في مستوى الهوية يعبِّر عن بعض الشروط التي يحدث التغير بموجبها. وباختصار: فإن الالتزام يعد عنصرًا حسّاسًا لتكوين الهوية في المراهقة المتأخرة؛ لأن المشكلة عند المراهقين في هذه المرحلة ليست في الإجابة "بنعم" في اتجاهٍ ما، ولكن في الإجابة بـ"لا" في الاتجاهات الأخرى, وثَمَّة حكمة إيطالية مؤدَّاها: "إن ذلك الذي يهجر حياته القديمة إلى شيء جديد، فإنه يعرف ما يتركه ولكنه لا يعرف ما هو مقبل عليه، "وذلك ينطبق إلى حدٍّ ما على التزام المراهق؛ حيث نجد أن كثيرًا من حالات إعاقة الهوية foreclosures وتشتتها dirrusuions يمكن أن تميِّز "تحمُّل المراهقين لتلك العلل بدلًا من السعي إلى أمور أخرى لا يعرفون عنها الكثير. " ... ولأنَّ ذوي الهوية المعاقة يكونون ملتزمين فيبدو أنَّهم لا يمكن أن يشملهم التعليق السابق بطريقة مناسبة, ومهما يكن: فإن ذوي الهوية المعاقة لا يقومون بالتزام بعد ذلك أكثر مما يفعله ذوي الهوية المشتَّتة، ففي حالات إعاقة الهوية يجد المراهقون أنفسهم ملتزمين تقريبًا بسياق حركة متَّصلبة من الماضي إلى الحاضر.

стр. 293

قضايا تقدير الهوية: صدق الاستكشاف: إن تقرير ما إذا كانت فترة الاستكشاف الأصيل تقع في مجال الهوية يُعَدُّ من أكثر قضايا التقدير صعوبة، وتزيد صعوبتها حين تبلغ طريقة المقابلة الشخصية قوتها في التعرف على الاستكشاف، بينما نجد أن مقاييس الاستبيان الموضوعية على النقيض من الضعف في تقرير هذه القضية, ولا تكمن المشكلة في عملية التقدير في حدِّ ذاتها، بل في إجراءات المقابلة الشخصية ذاتها، فقد تسمح المقابلة بالمرونة في الاختبار والفحص، وفي أحيانٍ كثيرة يلجأ الفاحص إلى التعمُّق في فحص الحالة، وأحيانًا يجري المقابلة بنوعٍ ما من الابتكارية في صياغة أسئلة. ولما كان من غير الممكن أن يقدِّر الفرد ما لم يكن مسجلًا على شريط، فإن على الباحث في الهوية أن يكون ملمًّا بشكل كافٍ بمعايير التقدير قبل بدء المقابلة، والتأكد من كفاية الأسئلة التي تكفل الحكم على صدق الاستكشاف الذي يقوم به المراهق.

стр. 294

وفي عملية تشكيل الهوية يمكن للفرد العودة إلى التزامٍ أَوْلَى محتملًا فترة من الاستكشاف، ومن ثَمَّ فإن وجود نفس محتوى الالتزام لدى الفرد في مرحلتي المراهقة المبكرة والمتأخِّرة ليست دليلًا على إعاقة الهوية، كما أنَّ التغيُّر في محتوى الالتزام لا يُعَدُّ دليلًا أيضًا على تحقق الهوية، فالمهم في الحالة الأولى أن البدائل قد أخذت بعين الاعتبار بفاعلية، ولا بُدَّ من وجود دليل على انتقال السلوك من الاتجاه الأساسي "الأولى" قبل العودة إليه، أمَّا في الحالة الثانية فعلى المرء أن يتأكَّد من أنَّ محتوى الالتزام المتغيِّر ليس مرتدًّا على أساس تغيُّر في مرحلة الطفولة. فمثلًا: الارتداد عن اعتناق وجهة نظر الرأسمالية السياسية "التي يشجعها الآباء" إلى وضع اشتراكي عنيف دونما اعتبار كبير للبدائل, فلا يعني ذلك استكشافًا كافيًا، ومع ذلك: فإذا تَمَّ التخلِّي عن الماركسية مؤقتًا، فإنَّ بعض خبرات الحياة يمكن أن تتدخل، ويعكس الفرد التناقضات بين خبراته، ومعتقداته السابقة، وبعد ذلك يصل إلى وضع اشتراكي، فهنا تشير معايير التقدير إلى تحقيق الهوية. الفروق بين الجنسين في الالتزام: تبدي الإناث عمومًا وجهات نظر متباينة عن الذكور؛ إذ يبدو أنَّه ليس ثَمَّة فروقًا بين الجنسين تقريبًا في المسائل المهنية، وتتفوّق الإناث على الذكور قليلًا في قضايا الدين، وبالعكس يتفوّق الذكور قليلًا في القضايا السياسية، ويميلون أيضًا إلى أن يتبنَّوْا اتجاهًا ثابتًا جدًّا ومتتابعًا في قضايا الهوية معظم الوقت، في حين أنَّ الإناث يأخذن في الحسبان كل العناصر ليشكِّلْنَ كلًّا منسجمًا، ومن ثَمَّ فإن نسق الالتزام لدى الذكور غالبًا ما يتميز باتجاهٍ داخليٍّ فرديٍّ intra - individual مشتت "مبعثر" بين نواحي الهوية، في حين أن نسق الالتزام لدى الإناث غالبًا ما يتميز بتجريب الالتزام بين كل النواحي, ومع التسليم بقبول تلك الفروق وأخذها في الاعتبار، فعلى الباحث في الهوية أن يكون متشددًا في تقدير الاستكشاف؛ حيث إن هذه العملية يمكن أن تستغرق نحو سبع سنوات سابقة في حياة المراهق، في حين يجب أن يكون أيّ باحث متساهلًا إلى حدٍّ ما في تقدير الالتزام الذي يُعَدُّ الوافد الجديد على مسرح تكوين الهوية وتشكُّلها.

стр. 295

تقدير الحالات المتنوّعة لمراتب الهوية: قليل جدًّا من الأفراد يكونون في نفس مرتبة الهوية عَبْرَ كل المجالات الخمسة التي تتضمَّنها المقابلة الشخصية "المهنة، المعتقدات الدينية، العلاقات الشخصية، المعتقدات السياسية، المجال الجنسي"، بينما يظهر أغلبية المراهقين نفس الحالة الرتبة من حالات الهوية في ثلاث مجالات فقط، وهذا ما يجعل من غالبية القرارات عن حالات الهوية غير ذات مشكلة, ولما كان ليس ثَمَّة قواعد تقدير محدَّدة للتعرف على الحالة الكلية للهوية التي تعطي التقسيم "٢-٢-١" موزعًا على النحو التالي: "٢" لتحقيق الهوية, "٢" لتوقف الهوية, "١" لانتشار الهوية, ولذلك: فإنه يمكن أن يعتمد الفرد هنا على النغمة الكلية للمقابلة, أو يشم رائحة حالة الهوية من سياقها, ورغم ذلك فثَمَّة طريقة للتقدير تحقِّق معلومات إضافية تستخدم مؤشرًا مساعدًا لإظهار حالة الهوية في كل مجال من مجالات المقابلة تقريبًا. فإن الأفراد يكونون في نفس رتبة هوية معينة عبر كل المجالات الخمسة التي تتضمنها المقابلة؛ إذ يظهر كثير من المراهقين نفس الرتبة في ثلاث مجالات فقط، فمثلًا: نجد أنَّ رتبة الهوية داخل كل مجال يمكن ألَّا تكون نقية تمامًا، لذا يمكن الحكم بأن فردًا ما مشتتًا في مجالٍ ما -وليكن الدين مثلًا- ولكن هناك احتمالًا أيضًا لوجود توقف الهوية. ولقد أعدَّ مارشيا معايير تقدير تعتمد على النغمة الكلية لأسلوب حياة الفرد واستجاباته, ولذلك فإن ثَمَّةَ طريقة يتم بها تحقيق معلومات إضافية تستخدم كمؤشر لإظهار رتبة الهوية في كل مجال من مجالات المقابلة, وتتلخص فيما يلي: ١- يتم في البداية تجزئة وتحليل مادة الاستجابة في صورة آراء منفصلة, يقوم القائم بالتقدير بالمطابقة بينها وبين الإجابة الواردة في دليل ومحكَّات تقدير مراتب الهوية. ٢- يتم بعد ذلك اختبار أكثر الرتب تكرارًا في استجابات المفحوص؛ لتكون هي أسلوبه في مواجهة أزمة الهوية في هذا المجال أو ذاك.

стр. 296

٣- ثم يتمّ إجراء تقدير كلي لرتبة الهوية؛ بحيث إذا تكررت نفس الرتبة في مكونين أو أكثر من مكونات المقابلة, يعتبر المفحوص في هذه الرتبة. هذا، ويرمز لمراتب الهوية في التقدير بالرموز الآتية: "ت" أو "A" لرتبة تحقق الهوية. "ق" أو "M" لتوقف الهوية. "ع" أو "F" لإعاقة الهوية. "ش" أو "D" لتشتت الهوية. فعلى سبيل المثال تقدَّر الحالة على أنها تحقق الهوية "ت" إذا كان التحقق هو الاحتمال الأكثر قوةً ووضوحًا، وتقدَّر الحالة على أنها "ع" إذا كانت إعاقة الهوية هي الاحتمال الأكثر قوة. وإضافة "ت" مع "ع" ينتج عنه "ت"، "ع", فإذا كان تحقُّق الهوية هو البديل الضعيف, فإن الحالة تقدَّر بالرمز ع "ت"، وبالعكس إذا كان المقدَّر متأكدًا من أن الحالة أكثر ميلًا إلى تحقق الهوية, تقدَّر بالرمز ت "ع". أما إذا كانت الحالة واضحة جلية في أنها أكثر ميلًا إلى إعاقة الهوية في أكثر من مجالٍ, فيكون التقدير بالرمز "ع" فقط، وإذا وجدت كل رتب الهوية لدى مفحوص معيِّن، فإن الحالة تقدم أيضًا على أنها "ع".

стр. 297

مجالات ومعايير تقدير الهوية: أولًا: المجال المهني: سواء كان المراهق طالبًا جامعيًّا أو دخل مجال العمل، فإن ما نسعى إليه هو التعرُّف على التداخل "التشابك" النفس/ اجتماعي بين قدرات الفرد وحاجاته من جهة, ومطالب المجتمع وجزاءاته من جهة أخرى. فمن المتوقَّع أن يقيم قدراته وميوله، وأن يكشف عن الفرص الاجتماعية، وأن يحدّد اتجاهًا ملتزمًا يتصرَّف بمقتضاه، هذا الالتزام قد يتَّخذ صورًا شتَّى, منها ما هو عائلي "يتعلق بالأعمال المنزلية، وتربية الأطفال" أو مهني "سباك، سمكري، سكرتير"، أو تعليمي "تلمذة صناعية أو تدريب مهني، تخصص جامعي".. إلخ. هذه الصور قد تتداخل وتترابط معًا، ولكن الأهمَّ هو ما ينجزه الفرد، أي: ما يحوله من "طفل" متلقي في مرحلة تفتُّح، إلى "راشد" منتج، وما يصاحب ذلك من سلوكيات وانعكاس ذاتي بما يتمشَّى مع أسلوب الحياة. وهناك مشكلة تتعلَّق بالمجال المهني كمعيار لتكوّن الهوية، فقد تعمل الظروف الاجتماعية بدرجة شديدة أحيانًا، على تحديد اختيار البدائل التعليمية والمهنية، ففي الظروف الاقتصادية الصعبة يصبح مجرَّد الحصول على وظيفة -كمهنة- "أي مهنة" شيئًا هامًّا، وبالتالي يصبح الاستكشاف والالتزام نوعًا من الرفاهية, وإذا لم يتوفَّر التنوُّع في نطاق المقابلة الشخصية "كالأيديولوجية السياسية في حكومة مستبدة محتكرة مثلًا" تجعل هذه الناحية تفقد معناها كمؤشر على تحقق الهوية, وليس كمؤشر على الهوية بمقوماتها. إن تحقق الهوية أو بناءها يستلزم وجود الاختبار في مجالات الحياة المختلفة، وإذا لم توجد هذه الاختيارات في داخل مجتمع معين، أو إذا كانت ناحية منها ضعيفة، فإن نموذج الهوية السائد في هذا المجتمع يصبح في أحسن الظروف هو إعاقة الهوية، وفي أسوأ الظروف هو تشتت الهوية. وثَمَّةَ قضية أخرى أثيرت عن المجال المهني -وقد تثار مرة أخرى, وهي: هل احتمال الالتزام الفكري يعوق "يمنع" الالتزام المهني؟ والواقع يشير

стр. 298

إلى أنه في أثناء حرب فيتنام أصبح كثير من الشباب في الولايات المتحدة ملتزمين بأيدولوجية من عدم المشاركة في ثقافة الراشدين، فقد كان جزء من هذه الأيديولوجية هو أنه: لكي يشغل الفرد مكانًا مهنيًّا لائقًا في المجتمع, عليه أن يقدِّم تأييدًا لسياسة الاستيطان الذي كان يتمّ بطريقة لا أخلاقية. لذلك: فإن أي مهنة كما تحدد نموذجًا يمكن أن تكون مقبولة, لذا فإنَّ مثل هؤلاء الأفراد كانوا يسمون ذوي الإنجازات المغترب alienated achievement؛ إذ يحدث تحقق الهوية اصطلاحيًّا. فالنقطة العامة هنا: هي أنَّ المقصود بالهوية على المستوى النظري تمثل عملية ذات طبيعة تركيبية كلية gestalt - like, وأن المجالات المختلفة منها يمكن أن تقدر كلٌّ على حدة مستقبل بعضها عن بعض. وقد نتحدث هنا عن الهوية المهنية، ولكن هوية الأنا التي فضَّلها مارشيا فإنها تشير إلى كل منظم، قليلًا أو كثيرًا، مما يلزم القائمين بالمقابلة بأن يكونوا منتبهين للموضوعات المتكاملة التي تجري أثناء الحديث عن المجالات المنفردة التي تشكّل هوية الفرد. فمثلًا: هناك بعض المهن التي لا يمكن للماركسي أن يختارها قانونًا، وهناك بعض المعتقدات عن أدوار الجنس، وعن الجوانب الجنسية التي لا يجوز أن يسعى إليها الشخص المتعصّب "المتشدد"، ورغم ذلك: فكلا الشخصين يمكنه أن يحقق هويته, ومن المفيد بعد تقدير المجالات التي تتضمَّنتها المقابلة منفصلة أن تنعكس جميعًا على الفرد ككل بعد الاستماع إليه, ومحاولة استخلاص من بين رتب الهوية ما يتمشَّى مع نسيج هويته, أو المزاج الخاص به. وفيما يلي نعرض لرتب الهوية في المجال المهني: أ- تشتت الهوية: identity diffusion: هناك ثلاثة أنواع من الانتشار "التشتت" في المجال المهني: أولها: ما يسمَّى بالنوع الانتهازي opportunist: وهو الذي يقفز على كل ما يجده مربحًا بلا عناء في هذه اللحظة "اللي تغلب به إلعبيه"، فالحماس يخبو سريعًا، وسرعان ما ينكشف الالتزام في المقابلة بسهولة على يد القائم بإجراء تلك المقابلة, الفطن المدقق الذي يمكن أن يقترح بعض الاتجاهات المهنية الجذابة عالية العائد والإنجاز الأكثر سهولة.

стр. 299

والنوع الثاني: من التشتت المهني هو المنساق "الهوائي" drifing: وهو الذي ينتظر أن يختار له بعض المهن لا أن يسعى هو إليها, مثل هذا الفرد يميل إلى أن يسعى وراء العائد السريع، ويتميِّز بضعف الإيمان "وربما يلفُّه اليأس" من حدوث شيء ما أو أن شيئًا ما سيصادفه. أما النوع الثالث للتشتت في المهنة: فيعكس نوعًا ما من القلق والاضطراب النفسي بدرجة ما، فالاختبار المهني يقوم على خيال وجنون العظمة، ولا يتطابق مع واقع استعدادات الفرد المهنية وإنجازاته؛ كشغف الفرد في أن يصبح أخصائيًّا نفسيًّا إكلينيكيًّا في عيادة خاصة, بعد أن يحصل على تقدير ضعيف في دراسته في علم النفس مثلًا, أو شغف فتاة أن تكون مشهورة في ممارسة الباليه في سن ٢١ سنة, مثل هذين المثلين يدلان على هذا النوع من الخيال المريض. كل هذه الأنواع من الانتشار "التشتت" تشترك جميعًا في انعدام أو نقص الالتزام، أو على الأقل نقص الالتزام الواقعي "الحقيقي" الذي يؤدِّي إلى التوظيف المناسب وسلوكياته، حتَّى وإن كان الأفراد قد مروا بفترة الاستكشاف فعادة ما تكون وجيزة واصطناعية. ب- إعاقة الهوية: تعد إعاقة الهوية ذات أثر أكيد في التوجيه المهني للفرد، وتعد عنصرًا هامًّا في هويته لعدة سنوات. فعادة يكون هناك أثر فعَّال ومحسوس disecernible للوالدين أو أي سلطة أخرى في حدوث ذلك، وحتَّى إذا لم يتمكَّن الفرد من تحديد اتجاه ثابت، أو إذا تَمَّ تحديد الوضع المهني مبكرًا ولم ينظر في البدائل, فإن إعاقة الهوية تصبح هي الوصف المناسب للفرد. والافتراض بأن أي قرار مهني خلال المراهقة المتأخِّرة قد تأثَّر بالكبار أو بقي ولم يعدَّل خلال هذه المرحلة، فذلك يعني أن عملية بناء الهوية لم تتم أو تحدث١. ج- توقف الهوية: moratorium: تتداخل فترات توقف الهوية في عملية الاستكشاف، ويميل الأفراد فيها نحو عديد من التعبيرات اللفظية التي تعكس ذلك, وعلى الرغم من ذلك فإن فترات توقف الهوية وبصفة خاصَّة في المراهقة المتأخرة لا تشمل الخريطة المهنية ككل في العادة، بل إنَّ توقف الهوية يجعل الأفراد يميلون إلى أن يكونوا متلزمين داخل مجال عام، كما أنهم لا يكافحون بشدة أو بشكل مكثَّف، وأحيانًا يمكن أن ينظروا ببساطة في بدائل معقولة حتى يتمَّ الوصول إلى القرار، ورغم ذلك: فإن وصف الأفراد بأنَّهم في حالة توقف الهوية، لا بُدَّ أن يظهروا أنهم مهتمون، وأن يكون لديهم بدائل استكشافية فعالة, بهدف الوصول إلى التزام مهني. د- تحقق الهوية: identity achivement: الأفراد المتَّصفون بتحقق الهوية يتميِّزون بالاستكشاف الجاد، على الأقل للبحث عن البديل الحي الأوحد للمهنة التي يقع عليها اختيارهم, بما يجعلهم يفكرون في ذواتهم كشيء "مدرس، أو مهندس ... مثلًا"، فهم تقريبًا لا يسيرون في اتجاه مجالٍ ما فحسب، ولكن اختيارهم المهني يمثل جزءًا من هويتهم, والتعريف بذاتهم، فهم يؤكدون كثيرًا على كينونتهم وليس على ما سيفعلونه. وكقاعدة: فإن ذلك يظهر -عمومًا- من نظرتهم لمجال مهنهم على أنه عمل بالفعل أو خبرة تطوعية باختيارهم.

стр. 300

ثانيًا: مجال المعتقدات الدينية: لا تعد الآراء الدينية أو السياسية من القضايا الأساسية في المقابلة الشخصية، ولكن اختيار مارشيا لهذين المجالين في تقدير هوية الفرد؛ لأنهما -على الأرجح- من أكثر المجالات التي تمدنا بتقدير لأيديولوجيته "أفكاره ومعتقداته". فأحد افتراضات نظرية النمو النفسي الاجتماعي -كما أوضحها إريكسون- يقوم على أنَّ الفرد في أثناء تحرُّكه من شخص "متلقي" عام في مرحلة الطفولة، وتحوله إلى "معطي" عام في الرشد، فإنه في أثناء هذا التحرُّك النمائي يحدث تغيُّر في النسق الفكري لديه. فالمعتقدات الدينية والسياسية التي تتشكَّل في الطفولة من المفترض

стр. 301

أنها لا تعمل -تقريبًا- إلّا في نطاقٍ ضيق في مرحلة الرشد, وحتَّى في المجتمعات البدائية فإنها تمد الفرد بطقوس rites عن الطرق التي تعمل على تحديد هويته الأولى المفروضة عليه "المكلف بها" وتؤكدها. وقد يتكوَّن لدى الفرد أيديولوجية لا تشمل على أيّ معتقدات دينية، ورغم ذلك فإن هذه الأيديولوجية لا بُدَّ وأن تأخذ في الحسبان وجود قضايا دينية مثل: وجود الله، ومعايير القضايا الأخلاقية.. إلخ, وعلى هذا: فإن التساؤلات عن المعقتدات الدينية هي مدخل سهل للعالم الأيديولوجي للفرد، وتؤخذ الاستجابات ذات المغزى الفكري عن قضايا الدين كدليل على البناء الأيديولوجي والفكري المصاحب لتشكيل الهوية، ورغم ذلك: فإن وجود الدين من عدمه لا يمثّل معيارًا في ذلك. وهنا في -هذا المجال- كما هو الحال في المجالات التالية من مجالات تقدير الهوية, فإن محتوى المعتقدات الدينية ليس مناسبًا لتحديد رتب الهوية، فمهما يكن لدى الفرد معتقد ديني أم لا، أو ما يحتويه هذا الاعتقاد الديني, فإن ذلك ليس مناسبًا للحكم على رتب الهوية، فالذي يميز مراتب الهوية لدى الفرد هو قدرته على تحديد معتقد ديني بعينه من عدمه. إن القضية الأساسية هي عمق واتساع التأمّل الفكري الذي يعطيه الفرد للجوانب الأيديولوجية، وهذا ما يجعلنا نقول بأنه في غياب التفسير العقلي الذي يقوم به الفرد يقدَّر باعتباره مرتفعًا في الهوية إذا ما استطاع أن يحدد معتقدات دينية معينة عمَّا إذا لم يستطع ذلك. ولذلك: فعندما يسمع الفرد عن هذا الجزء الخاص بالمعتقدات الدينية في مقابلة تحديد رتب الهوية، فإن التساؤلات في هذه المقابلة لا بُدَّ وأنها تدور حول: "هل هذا الفرد لديه نسق عقائدي متماسك؟ "، و"هل هذا النسق يتطابق مع ما كان يتبناه في الطفولة؟ "، وهل هناك فترة استكشاف، تلك الفترة التي يقدّر فيها الفرد احتمالات البدائل؟ "، وهي حياة الفرد -من الناحية السلوكية- تساير تلك المعتقدات؟ ولقد لوحظ أن الفرد الذي يتمّ إجراء المقابلة معه, من الممكن أن يكون قد ترعرع ونما في نوع من الفراغ الأيديولوجي "الفكري", ولذلك: فإن هناك قاعدة عامَّة تقرر، بأنه: "إذا قضى الفرد طفولته في سياق فكري "مشتَّت", ويظل مشتتًا

стр. 302

حتى الآن، حينئذ فإن هذا الفرد يقدر باعتباره في رتبة "تشتت الهوية", وليس في رتبة "إعاقة الهوية". وهناك احتمال بأن يأت فردٌ ما من سياق مشتَّت، ولكنه يجد معتقدًا دينيًّا في شكلٍ ما خلال المراهقة المتأخرة, وأمكن الكشف عن ذلك من حجم قدرته المعرفية والتزاماته, فإذا كان ذو معرفة والتزام عالٍ, ففي هذه الحالة يمكن تصنيفه تحت رتبة "تحقق الهوية"، أو "إعاقة الهوية"، وذلك حسب درجة الصلابة في استجاباته. فإذا لم تكن هناك فترة استكشاف للبدائل, ولا يستطيع الفرد أن يفكِّر تفكيرًا تأمليًّا مخلصًا, فإن التصنيف الأقرب هو "إعاقة الهوية"، ولكن إذا ظهرت الرغبة في الاستكشاف للبدائل، وكانت المعتقدات مرنة إلى حدٍّ ما، فإن الفرد يصنَّف في هذه الحالة على أنه في حالة "تحقق الهوية". وثَمَّة قضية أخرى تنبع بخصوص المحتويات الدينية, وتتعلّق بالفارق بين النسق العقائدي والنسق الثقافي، وتظهر الأهمية الخاصة لهذا الفارق لدى الأفراد ذوي الديانة المرتبطة بأصول عرقية مثل اليهود، فاليهودية تشير إلى كلٍّ من المعتقدات الدينية والأصل العرقي "أو الولاء له"، والالتصاق بمجموعة من التقاليد -أو أي مكوّن من هذه الجوانب الثلاثة. ولذلك: فعلى الباحث في الهوية القائم بإجراء المقابلة أن يقرر: ما هو اليهودي "أو الكاثوليكي الأوكراني" بما يعني موضوعًا محددًا في ذهنه, حتى وإن فَقَدَ الجانب الفكري الديني لدى الفرد أهميته، فإنه يكون هناك التصاق كافي بالتقاليد العرقية التي تمدنا بأسسٍ لتقدير هوية الفرد. وفيما يلي نعرض لمراتب الهوية في المجال العقائدي: أ- تشتت الهوية: يتميِّز التشتت في المجال العقائدي بنقص الفكر المتعمّق فيما يتعلّق بالحيز الأيديولوجي الكلي, وغالبًا ما يميل أصحاب هذه الحالة إلى النظر لفلسفة الحياة وقضاياها على أنها مضيّعة للوقت، فهم لا يجدون أي شيء من البهجة في التأمّل في مثل هذه الأمور. فالتفكير في معنى الحياة ليس مدعاة للمتعة، ولذلك: فغالبًا ما يظهرون واجهة من النسق الأيديولوجي, ويحبون أن يصدِّق الآخرون أنهم يعتنقون فكرًا معينًا, وتصبح أيديولوجياتهم نوعًا من العملة يقايضون بها من أجل الحصول

стр. 303

على الاحترام وتأثُّر الآخرين بهم. فإذا ما تَمَّتْ مواجهة هذا النسق العقائدي من الباحث الحاذق، حينئذ تظهر سطحيتهم واضحة جلية. وبالمثل، فإن استجابات ذوي الهوية المشتتة للأسئلة الدينية تظهر مقتضبة موجزة، وغالبًا ما يحاول الباحث حثَّهم وإثارتهم للحصول على محتوى أوسع، ولكن يبدو الأمر كما لو كان "لا حياة لمن تنادي" nobody's home, وقد يظهر نوعٌ آخر من التشتت في شكل تعبير لفظي يشبه "دخان السينما" كلما تعقَّدت الأمور، ولإظهار المعرفة والدراية يستخدم الشخص قوالب طنَّانة مثل: إنني على المذهب "الإنساني الوجودي"١ pantheistic - humanist, وذلك على أمل أن يؤخذ ذلك دليلًا على القدرة المعرفية. وعلى الباحث أن يستقصي المحتوى المتعمق للنسق العقائدي وليس مجرد الشعارات. ب- إعاقة الهوية: لما كان من يعانون تشتت الهوية يميلون إلى وجود فراغ في الفكر والأيديولوجية، فإنَّ من لديهم إعاقة للهوية -خاصَّة في النواحي الدينية- فإنهم في العادة يؤمنون إيمانًا راسخًا فيما اعتنقوه في الطفولة, وغالبًا ما يلتزم الشخص الذي يتميز بتحقق الهوية أو الذي يعاني إعاقة الهوية بالقول؛ لأن معتقداته تختلف عمَّا يعتقده والده، وعمَّا كان يعتقد فيه في طفولته، إلّا أنَّ الأمر متروك للباحث لتحديد ثبات هذه الإدعاءات والفروق فيها. فإذا ما أعلن أحد المفحوصين بأن معتقداته قد تغيَّرت تغيرًا له دلالة عمَّا كان وهو صغير، فإنه يجب أن يكون بعد ذلك قادرًا على أن يعبِّر بوضوح عن تحولاته الأساسية, فمثلًا: إذا قرَّر شخص روماني كاثوليكي بأنَّ ميلاد العذراء مشكوك فيه، فإن ذلك لا يشير إلى تغيُّر أساسي، في حين أنه إذا ما شبَّ شخص روماني كاثوليكي, وسأل عن السياسة الاجتماعية للكنيسة، أو وجد نفسه يفضل عملية ضبط الإنجاب، أو الإجهاض، أو السياسة الماركسية، أو إنكار السيادة البابوية.. إلخ. حينئذ, فإن ذلك يشير إلى تحوّل وتغيّر له دلالته, وبالمثل إذا أعلن شخصٌ ما بأنَّ معتقداته تختلف عن معتقدات

стр. 304

والديه؛ لأنه أكثر "تحررية", فإن ذلك لا يشير إلى تحوّل دالٍّ إلّا إذا عبَّر بوضوح عن التزام جديد. ومهما يكن من أمر, فإذا استطاع الفرد أن يستشهد بفترة من الفارق الأساسي عن إيمان والديه مثل: فترة من عدم الاعتقاد، أو الالتزام بعقيدة أخرى, في هذه الحالة فإنه يمكن ألَّا يقدر على أنه في تربة إعاقة الهوية. وأحيانًا: يجد الباحث مفحوصًا يدَّعي بأنه على نفس المعتقدات الدينية التي يعتقد فيها والداه، ولكن لديه التزامًا ضعيفًا، فهنالك "كما في القسم السابق", فإنَّ نقص الالتزام يطغى على نقص فترة الاستكشاف, ونقول بأن الفرد في رتبة تشتت الهوية وليس في رتبة إعاقة الهوية. ج- توقف الهوية: من المحتمل أنه في المجال الأيديولوجي تتزايد حِدَّة صراعات الفرد الذي يمر بفترة توقُّف الهوية بدرجة أكثر وضوحًا, وتظهر المقابلة ممتعة وشيقة في الغالب رغم أنَّها تكون مجهدة, ومن الاحتمالات التي يجب إمعان النظر فيها أن الحالة غالبًا ما تكون مختفية "مغطاة بقشور رقيقة أكثر إحكامًا مع أنها يمكن وصفها"، ولكن يجب أن يميز الباحث الجدية في سعي واجتهاد ذوي الهوية المتوقفة من خلال التعبيرات اللفظية التي تشبه دخان الشاشة المغلَّف بالتشوش أو التشتت، وأن تكون هناك حدودًا بين النسق العقائدي والتحرُّك نحو الحل في المستقبل القريب. د- تحقق الهوية: الشخص الذي يوصف بتحقق الهوية هو الفرد الذي يفكِّر بجدية على الأقل في نسق عقائدي يختلف عمَّا كان لديه في الصغر، أو هو الفرد الذي انتقل من حالة الاعتقاد "أو اللا اعتقاد" في مرحلة الطفولة. ويتميِّز الأفراد المحقِّقون لهويتهم بأنهم يمكنهم أن يحددوا أنفسهم في إطار محدد؛ بحيث يظهر فيه التزاماتهم السلوكية، فهم لا يقطعون دائمًا بضرورة تنشئة أطفالهم وفقًا لما اختاروا الإيمان به, كما هو الحال مع ذوي الهوية المعاقة. غير أنَّهم ليسوا من عدم التقييد أو التداخل بدرجة كافية مثل ذوي التشتت في الهوية، ولا هم مثل ذوي توقف الهوية, فهم لا يستمتعون دائمًا بالاستماع إليهم كما هو الحال لدى ذوي توقُّف الهوية، فالفرد يسمع أكثر عن انتهاء ذوي الهوية المحققة من عملية ما أكثر مما يسمع عن العملية ذاتها, كما أن هناك قدرًا من تحقق الذات والراحة إزاء وضعهم الحالي، في حين أن ذلك ليس بالمرونة أو التصلب الذاتي الذي يميز حالات إعاقة الهوية.

стр. 305

ثالثًا: المعتدات السياسية ... ثالثًا: المعتقدات السياسية: يعد هذا المجال من أكثر المجالات أهمية لدى جماعات المراهقين في مرحلة المراهقة المتأخرة، فهو مثل الدين يسهم في استنتاج وجهة النظر عن العالم, ولما كان الانتقال من الطفولة إلى الرشد يحتاج إلى توافر المسئولية حيال دائرة حياة الآخرين، فإن الالتزام بالآراء حول القضايا السياسية والاجتماعية يعد أحد مظاهر ذلك الإحساس بالمسئولية, ويبدو أن الاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية يتزايد أو يتضاءل مع الزمن, فمثلًا: حدث انخفاض في الاهتمام بها منذ الستينات وحتى الآن, ورب سائل يسأل: لماذا ظل الجانب السياسي متضمنًا في المقابلة الشخصية الخاصة بالهوية؟ وتكمن الإجابة عن ذلك في أن الجانبين السياسي والديني يشكلان مدخلًا ثابتًا لفلسفة الفرد في الحياة "وقد يوجد أشخاص بلا التزامات دينية, ولكنهم يملكون التزامات سياسية واجتماعية, والعكس بالعكس، وهنا: فليس من الضروري أن يسعى الفرد للالتزام الديني والسياسي معًا، ولكن ما يعلقه الفرد من أهمية على أشياء معينة في حياته إنما يشير باتساق طبقًا لقيم تلك الأشياء. وفي العادة حتَّى إذا لم يستطع الفرد أن يصف معتقداته السياسية، فإنه يمكنه أن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالقضايا الاجتماعية, وأيًّا كان ما يجب أن يوجه إليه الانتباه في المقابلة, ليس في إمعان النظر بوضوح وتدقيق للميل الذاتي كدليل على الأيديولوجية، بل يجب إمعان النظر في الالتزام الذي يوليه الفرد للمعتقدات

стр. 306

السياسية نفسها، وعلى قدر ما يكون الفرد عقلانيًّا في التزامه السياسي بقدر ما تحكم على تشكيل الهوية، وليس من مجرَّد الوصف الركيك للاعتقاد. وإذا قام باحثٌ ما بتقدير المقابلة عن رتب الهوية ككل، فإنَّه يجب أن يمعن النظر بفطنة في المجال الديني والسياسي الذي يتنباه الفرد كأيديولوجية، وأن يقدّر إيجابيته في الالتزام إذا كان لديه حساسية تلازم الوصف الذاتي في تعبيراته عن فلسفة الحياة, ومن الأسئلة التي تطرح على الفرد في هذين المجالين الأيديولوجيين ما يلي: - هل فكرت في معتقداتك الدينية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية؟ - هل تغيرت أفكارك إزاء هذه الأمور عمَّا كان لديك في طفولتك؟ - هل يمكنك تحديد معتقداتك الآن؟ - هل هناك تنظيم وتعقّل منطقي لتلك المعتقدات؟ - هل تعمل باتساق طبقًا لهذه المعتقدات؟ وفيما يلي نعرض لمراتب الهوية في مجال المعتقدات السياسية: أ- تشتت الهوية: السياسة هي ذلك المجال من مجالات المقابلة الذي يكشف عن استجابات التشتُّت من بين الموضوعات التي تتضمنها, ومن ثَمَّ فإنَّ تقدير تشتت الهوية هنا من المحتمل ألَّا يعبِّر عن هوية الأنا ككل كما هو الحال في المجالات الأخرى. فالأفراد ذوو التشتت في الفكر السياسي يشعرون بتضاؤل الإحساس بالمسئولية الاجتماعية، وغالبًا ما يستجيبون بعبارات مثل: "إنني أعطي صوتي في الانتخاب للفرد وليس للحزب" "كل فرد حرّ في أن يفعل ما يريد بشرط ألّا يضر بالآخرين".. إلخ. لذا تظهر عباراتهم في الالتزام بالقضايا السياسية تعبيرات عن ميولهم الذاتية، وعلى الباحث أن يكشف عمَّا وراء التفكير العقلاني الذي يشير إلى الالتزامات.

стр. 307

ب- إعاقة الهوية: من الصعب التمييز بين حالات تشتت الهوية وإعاقتها في النواحي السياسية؛ لأنَّ الكثير من الأفراد يتبنون آراء آبائهم ولكنهم لا يلتزمون بها، ومن ثَمَّ فإن دور الباحث هو تأكيد درجة الالتزام بهذه الآراء. وسواء كان المفحوص يمارس نشاطًا سياسيًّا أم لا, فإن ذلك أمر ضروري في عملية التمييز. ج- توقف الهوية: يظهر الأفراد الذين هم في فترة توقُّف الهوية اهتمامًا بالغًا بالنكبات السياسية أثناء إجراء المقابلة معهم؛ حيث يعكسون بوضوح المشكلات المستعصية التي يتناولها فلاسفة السياسة, وفوق ذلك يتميز هؤلاء الأفراد الذين هم في فترة توقُّف الهوية برغبتهم في حل هذه المشكلات، وشعورهم بأنَّ عليهم أن يتخذوا موقفًا محددًا إزاءها. هذه الرغبة في الحل، ومحاولة تشكيل موقفٍ ما هو ما يتميِّزون به عن أولئك الأفراد ذوي تشتت الهوية الذين يكونون لا مبالين بما يدور حولهم. د- تحقق الهوية: في حالة تحقق الهوية يمكن للأفراد التفكير في القضايا السياسية وتحديد انتمائهم الذي يلتزمون به بشكل واضح, ولكن لسوء الحظ أنه في حالة تحقُّق الهوية في المجال السياسي, فمن النادر حدوث ذلك, كما هو الحال في المجالات الأخرى. فأي فرد يقدر على أنه في حالة تحقق الهوية يجب أن يكون قادرًا على مناقشة القضايا السياسية من وجهتي نظر متعارضتين.

стр. 308

رابعًا: الاتجاهات نحو الدور الجنسي في بعض الأحيان وفي بعض الثقافات, فإنَّ هذا المجال، كمؤشِّر لتكوين الهوية، يبدو عديم القيمة؛ لأن مطالب الجنس١ يمكن تعليقها وتعويقها على القبول الاجتماعي، مما لا يتيح الفرصة لاختيارات الفرد. ورغم ذلك فإنه في الثقافة الغربية, ولأسباب عديدة اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية, فإن جنس الفرد "ذكر كان أم أنثى" لا يحدد بالضرورة الدور، ومن ثَمَّ فإن هذا المجال يواجه معيارين من معايير الهوية: فهو ذو أهمية نظر للدور الذي يقوم به، كما أنه توجد فيه فرصة للاختيار والتنوّع في القرار. ومن الضروري أن ندرك أهمية كلًّا من مجال أدوار الجنس والمجال التالي الخاص بالجنسية sexuality المكوّن للعلاقات بالجنس الآخر, مما تحتويه المقابلة الشخصية الخاصة بالهوية "كما أوردها مارشيا"، ففي تلك المرحلة من دور الحياة -المراهقة المتأخِّرة- نجد أن المرء يتعامل مع أدوار الجنس والعلاقات مع الجنس الآخر, ليس من منطلق تعريف الفرد لنفسه كذكر أو أنثى -وإن كان ذلك يتمّ في كلٍّ من المراهقة المبكرة والمتوسطة، ولكن من منطلق المعنى الاجتماعي للذكورة والأنوثة، وما ينطبع به الفرد شخصيًّا، هذا بجانب التعبير الذاتي للفرد عن الجنس, وكيفية التعامل معه في السياق الاجتماعي. وهنا: ثَمَّة خطر يمكن أن ندركه, وهو أنَّ الدور الجنسي يتداخل مع محتوى المرحلة النفسية الاجتماعية التالية "الألفة في مقابل الإحساس بالعزلة", فمن الضروري أن يتركَّز الاهتمام على الهوية؛ حيث يصعب تفادي التداخل مع مرحلة الألفة مثلما حدث من عدم إمكان تفادي التداخل مع المرحلة السابقة "الاجتهاد -المثابرة- في مقابل الإحساس بالنقص". وفي الواقع: إن النظرية تدَّعي وجود خصائص كل المراحل في كل عمر، وأنه ثَمَّة وثوق من تقارب المراحل الواحدة من الأخرى، وأنَّ التفرقة ما بين تشكيل الهوية في المراهقة المتأخرة في مجال العلاقات الجنسية وتنمية الألفة في بداية الرشد تكون كما يلي: "تصاغ جوانب الهوية في مصطلحات عملية تكوين الفرد لمجموعة من الاتجاهات عن نفسه، وتكوين نظرية شخصية تميزه من خلال مجال العلاقات الجنسية, ودرجة التزامه بتلك المعتقدات، أمَّا الألفة فهي على النقيض, فإنها تقدَّر من خلال مصطلحات الطبيعة الفعلية للعلاقات التي يقيمها الفرد مع شريك الحياة، أي: إنها يمكن التعرُّف عليها من عمق واتساع نضج عملية الكشف الذاتي للفرد، ومدى التعبير الانفعالي داخل هذه العلاقة".

стр. 309

وعلى هذا الأساس فإنه في مصطلحات الاتجاهات نحو الدور الجنسي بصفة عامَّة، فإن كل ما يسعى إليه القائم بإجراء المقابلة هو النظر في المؤشِّرات التي تدل على أن الفرد يفكر في المترتبات الاجتماعية عن الجنس، وما يفعله من التزام فكري وسلوكي يؤدي إلى التكوين الذاتي لمجموعة من المعتقدات الذاتية. إن محتوى تلك المعتقدات يقوم في الأساس على الذكورة والأنوثة أو الخنوثة لا أهمية له، ولكن المهم في تحقّق الهوية هو أن يُعْنَى الفرد بالبدائل وكيفية التعبير السلوكي عن تلك البدائل، مع التزامه بذلك الموقف، ومن ثَمَّ فإنه من المفترض أنَّ شخصًا ما ينشأ في أسرة "متحررة" ذات دور جنسي مزدوج "خنثوي", ثم يتحوَّل إلى الذكورة، فإذا كان ذلك نتائج التفكير للبدائل، عندئذ يمكن الحكم بتحقق الهوية. وفيما يلي نعرض لرتب الهوية في مجال الاتجاهات نحو الدور الجنسي: أ- تشتت الهوية: هناك مستويان على الأقل من التشتت في أدوار الجنس: الأول: هو النقص المرضي في التمييز بين أدوار الجنس, مما يكشف عن تأخُّر النمو الجنسي النفسي، وظهور الموقف النرجسي؛ وحيث يتضاءل التمييز -داخل الذات- بين الذات والآخرين؛ إذ يكون وجود الآخرين بالنسبة للفرد عبارة عن أشياء لتحقيق الرضا والإشباع فقط، مما يجعل هذا النوع قابلًا للتغيير الداخلي من جانب الفرد. هذا المستوى من التشتُّت ذي الطبيعة المرضية من النادر وجوده في مقابلات الهوية، وهم قِلَّة في تعدد السكان. أما النوع الثاني -الأكثر: هو الفرد غير المفكِّر الذي ينشغل فقط في أن يعيش يومه، لدرجة أنه لا يستطيع أن يقدِّم تأمُّل باطني introspection جيد, وعادة عندما يسأل سؤال عن الدور الجنسي مثل: "ماذا يعني لديك أن تكون رجلًا أو امرأة؟ "، فإنه يترك مكان الإجابة فارغًا بلا جواب. وعلى العموم: فإن ذوي الهوية المشتتة يجدون صعوبة في الإجابة عن الأسئلة؛ لأنهم يفكرون فيها كثيرًا, وهم في العادة يودون أن يعرفهم الناس من

стр. 310

الخارج كلما كان ذلك ممكنًا، ومن ثَمَّ, فإذا أعطي الفرد تسميةً جنسية معينة -وليكن ذكرًا مثلًا- فإنه في هذه الحالة إذا أخبره الناس بأنه من المفترض أن يسلك طبقًا لما يقوم به الذكور، فإن المفحوص غالبًا ما يشعر كما لو كان يدرك شيئًا مختلفًا. وعلى الرغم من ذلك: فإن القائم بإجراء المقابلة عليه أن يتعمَّق في التزامات الأفراد ليتعرَّف على حالة الهوية، وما إذا كانوا مشتتين أم لا. ب- إعاقة الهوية: لا تعني إعاقة الهوية الصخرة التي تتحطَّم عليها الآمال. يرى مارشيا أنه من نتائج دراساته وجد أن ثَمَّةَ ما يعزو من حالات إعاقة الهوية إلى مظهر أوديبي, وإلى ما تَمَّ اكتسابه وتعلُّمه عن أدوار الجنس في تلك الفترة المبكرة من حياة الفرد؛ بحيث يمكن القول بأن أهمية كون الفرد ذكرًا حقيقيًّا، أو أنثى حقيقية، أو حتَّى مخنَّثًا, إذا تصوَّرنا ذلك تمثل شيئًا ملحًا في حالات الإعاقة من أيّ جانب آخر في الشخصية. وثمة احتمال بأن الاتجاهات نحو أدوار الجنس هي حجر الأساس الذي تقوم عليه إعاقة الهوية، وفي الجوانب الأخرى منها؛ لأنها ترتبط بالتحديد الوالدي في السن المبكرة, ومهما يكن ذلك حادثًا أم لا، فإن إعاقة الهوية تظهر في صورة من عدم التأمل، والتفكير المؤكد، ومن عدم الالتزام في هذا الجانب بصفة خاصة. ج- توقف الهوية: كما في المجالات الأخرى, فإننا نجد أن الأفراد الذين هم في رتبة توقُّف الهوية في تحديد الدور الجنسي، تكون لديهم محاولات وسط لحسم هذه القضية؛ فهؤلاء الأفراد عادةً ما يكونون في موقف وعلاقة تعجل بالكشف عن اهتمامهم الفعلي أو المباشر، ومن المحتمل أن يقترب الفرد من التخنُّث أو الميل المزدوج بين اهتمامات الذكور والإناث في هذه الفترة, أكثر مما يكون ذلك واضحًا عندما يتحرك الفرد من رتبة التوقف إلى تحقق الهوية، فيمكن أن نجد تعاملًا كبيرًا يتَّسِمُ بالتجريب للبحث عن شكلٍ ما, وبعد ذلك البحث عن الآخرين، وذلك قبل أن يحقق أفضل ما يناسبه تمامًا, وبذلك: فإن الفرد متوقّف الهوية غالبًا ما يتميِّز بروح البحث والتقصي. د- تحقق الهوية: قد يظهر تحقق الهوية بدرجة أقل إلى حدٍّ ما في هذا المجال عن غيره من المجالات الأخرى, فالدور الجنسي الذي يلعبه الفرد يعتمد فقط عمَّا يعتقده عن نفسه، ولكن أيضًا عمَّا يراه الآخرون في الدور الذي يلعبه, فسلوك الالتزام في هذا المجال يتضمَّن بالضرورة التفاعل التامّ مع الآخرين الذين يختلفون حتمًا عن ذات الفرد، ومن ثَمَّ فإنه يتوقع باستمرار التعديل في أفكار وسلوك الفرد، ولن يستطيع الفرد السعي وراء العلاقات استنادًا إلى نفس الأسلوب الموجَّه أو المباشر الذي يحقِّق به الفرد الأهداف المهنية. فالمهن تحقق الثبات، أمَّا العلاقات الإنسانية فليست كذلك, ولذا: كان على القائم بالمقابلة الخاصَّة بالهوية أن يسعى وراء النظر في مدى وجود فترات الاستكشاف، وبعض الأفكار المحددة، وبعض الالتزمات السلوكية.

стр. 311

خامسًا: مجال العلاقات مع الجنس الآخر ١ لا يتوقَّع أحد أنَّ عشرين عامًا من عمر الفتى أو الفتاة تمثل خبرة كافية ودراية بالعلاقات مع الجنس الآخر بما يبلغ حدَّ الوصول إلى الهوية النهائية في هذا المجال، مثلما لا يتوقّع من نفس الفرد في هذا السن أن يبلغ القمَّة في اكتمال الخبرة المهنية في دنيا العمل للوصول إلى هوة مهنية نهائية، أو أن يصل إلى هوية نهائية للمشاركة الاجتماعية, والخلاصة: إن التوقعات الخاصة بتحقق الاكتمال في نضج العلاقات مع الجنس الآخر -كغيرها من الجوانب- يتعلّق بما يقابله الفرد من خبرات كافية حقيقية أو بديلة، أو غير ذلك بما ينعكس بالضرورة على خبرته تلك لتشكل سلسلة من القيم الأولية, وتمثل نوعًا من الالتزام المبدئي تجاه تلك القيم. كذلك: فإن محتوى الالتزامات ليس من الأهمية بمكان, فالعزوبية بصفة خاصة، والتعفّف قبل الزواج من ناحية، والإباحية الجنسة من ناحية أخرى, يمكن

стр. 312

أن تكون محتوى رتب الهوية, فقد يبقى فردٌ ما أعزبًا نتيجة لإهمال الزواج, أو لمشكلات تتعلق به كأن يكون في وضع "التشتت" والعزلة, وقد ينشأ فرد آخر متحررًا في علاقاته بالجنس الآخر لوجود "إعاقة" نابعة من القيم الوالدية, ورغم أن تلك الحالات غير مألوفة أو نادرة الحدوث، فمن الممكن أن تكون إحدى الاحتمالات التي تشكّل حالة الهوية, والتي يجب على الباحث أن يوجد نوعًا من الفصل بين محتوى الالتزام وعملية الالتزام ذاتها، وكذا بين قيم هاتين, وتقدير استجابة كل مفحوص فيها كي تتيح له التعرف على الاحتمالات غير المحتملة. وأخيرًا نود الإشارة إلى أنَّ هذا المجال قد وضع في نهاية المقابلة لحساسية بعض الأفراد له، على أمل أن يكون قد تحقق نوعًا من الألفة الكافية بين الباحث والمفحوص حتى يستطيع الاستجابة لهذا المجال. فالقليل من الأفراد ينظرون لأسئلة العلاقة بالجنس الآخر نظرة الجريمة والإثم, وبالطبع: فعلى الباحث أن يوقف الأسئلة إذا ما أحسَّ المفحوص بأي حرج، فمن الممكن أن يتردَّد الشخص ذو "الهوية المتحققة" في الإجابة عن هذه الأسئلة، ومع ذلك: فإنه يكون لديه ترابطًا منطقيًّا وتفكيرًا عقليًّا يمكنه أن يعبر به عن هذا المجال. والمطروح هنا من أسئلة تحاول الشكف عمَّا لدى الفرد من قيم تتَّصل بجانب العلاقات مع أفراد الجنس الآخر، وما إذا كان هناك اتساق بين هذه القيم وبين تصرفات الفرد إزاء هذا الجانب. وفيما يلي نعرض لمراتب الهوية في مجال العلاقات مع الجنس الآخر: أ- تشتت الهوية: يميل التشتت لدى النساء إلى الغموض في قيم هذا المجال, أمَّا التشتت لدى الرجال فيميل إلى اتجاهات "الغمز بالغمز, واللكز باللكز" nudge - nudge wink - wink, وأن ينال الفرد ما يريد دون إيذاء أحد, ويبدو أن كلًّا من الرجال والنساء لا يأخذون علاقاتهم مع شخص من الجنس الآخر مأخذ الجد، فكثيرًا ما نسمع عن عبارات جوفاء من المشتتين مثل: "يجب أن نحترم الشخص الآخر"، "يجب أن تكون في علاقة حب"، "يجب أن تنتظر الزواج".

стр. 313

وعلى آية حال, فإن الضغط من أجل التوصّل إلى الأساس المنطقي لتلك الإجابات يعني المزيد من التكرار بكلمات أخرى لنفس المعنى أو الكليشية. ب- إعاقة الهوية: إن المعاقين في هذا المجال -كما هو في المجالات الأخرى- يثقون كثيرًا في معتقداتهم وقيمهم حتى في غياب التجربة والخبرة المباشرة, فالخبرة الأكثر تناسبًا وارتباطًا بالموضوع لدى هؤلاء المعاقين ليست هي الخبرة الحالية في العالم الخارجي، ولكن خبرتهم السابقة داخل النظام الأسري لديهم, لذا: فإنهم يميلون إلى البحث عن الخبرات الخارجية المتاحة في نطاق القيود والمحددات التي تعلَّموها من الوضع السابق المبكر، إلى حدّ أنَّ خبراتهم اللا أسرية تسعى إضفاء الصلاحية على خبراتهم الأسرية. إن العلاقة بالجنس الآخر بطبيعتها "المغرية" والغامضة تمثّل بوضوح تهديدًا لهؤلاء الأفراد المعاقين الذين يفضِّلون بصفة عامة النظام و"المثل الخلقية العالية"، ومن ثَمَّ نجد أن هؤلاء الأفراد المعاقين يصبحون بصفة أكثر دوجماطية في هذا الجانب, إلى الحد الذي يكونون فيه مدافعين بصلابة عن القوالب الثابتة عن الصواب والخطأ, ويجب أن نأخذ في الاعتبار تقييد الخبرة لديهم بهذه الطريقة, كأن يقرون صلاحية معتقداتهم المعاقة أو عدم صلاحيتها على الأقل, وبالمثل: فإنه يمكن أن يولد في ذهن هؤلاء الأفراد أن "تقلص الخبرة" لديهم لا يعني تقلّص عدد اللقاءات بأفراد من الجنس الآخر، فعلى العكس, فإن ذلك يعني تجنُّب المواقف التي يتصوّر الفرد فيها أفكارًا لا يمكن التحقّق منها، وحينئذ يحدث لدى الفرد ازدواج في المعايير, بأن تكون لديه لقاءات عديدة بأفراد من الجنس الآخر، ولكنه يتجنَّب العلاقة المباشرة مع امرأة يرى فيها تحديدًا لنسف القيم والمعايير التي لديه. ج- توقف الهوية: يحاول هذا الصنف "الذين هم فترة التوقف" أن يحددوا القضية أو المشكلة بما يعكس مستوى عال من النشاط الواضح في علاقات مع الجنس الآخر، إذ أنه من الصعب الكشف عن العلاقة بالجنس الآخر لدى شخص ما لم يكن قادرًا على عقد صلات حميمة في هذا الجانب، هذا بالإضافة إلى أنَّ متوقفي الهوية الجنسية بحماسهم وحِدَّتهم يلفتون انتباه الآخرين إليهم، وغالبًا ما تجدهم مترددين مذبذبين على طرفي نقيض في مسألة العلاقة بالجنس الآخر ما بين الإباحية المطلقة إلى الرهبنة التامة, وبغضِّ النظر عن المحتوى الدقيق الذي يتعاملون به, فإن الأهم في تقدير الفرد على أنه في فترة توقّف, هو إيجاد دليل على إمكانية بلوغ القرار, ومحاولاته الحقيقية للوصول إلى ذلك. د- تحقيق الهوية: الأفراد الذين حققوا هويتهم في هذا المجال هم أولئك الأفراد الذين يميلون إلى أن يكونوا قد بلغوا بعلاقاتهم مع الجنس الآخر حدًّا ما بأسلوب أو بآخر بناءً على خبراتهم, مع التزامهم بمعتقدات معينة في هذا المجال، فهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر خبرة ودراية بالعلاقة مع الجنس الآخر من غيرهم من ذوي الهوية المعاقة, أو مَنْ هم في فترة التوقّف، وهم بالطبع أكثر وأعمق تفكيرًا من المشتتين، وهم يظهرون أكبر سنًّا من الأفراد أصحاب الماهيات الأخرى، فهم يكشفون عن الإحساس بصلابتهم ونضج العلاقات الشخصية لديهم، مع الشعور بأنَّهم يمكن الثقة في علاقاتهم, حتى وإن خالفهم شخص في الرأي أو الوضع.

стр. 314

خلاصة وتطبيقات: نخلص من عرض نظريتي إريكسون حول مراحل النمو النفسي الاجتماعي, ونظرية ما رشيا حول إحدى هذه المراحل, وهي مرحلة الهوية التي تقابل مرحلة المراهقة، إلى أنَّ كلتا النظريتين قد تناولت النموَّ في إطار التفاعل الاجتماعي الذي يعايشه الفرد في السياق الأسرى والبيئي والثقافي الذي ينشأ فيه ويتشرَّب قيمه وسلوكياته, ومن ثَمَّ فإنه تطبيقًا لمتضمنات النظريتين في السياق التربوي, ينبغي الإشارة إلى بعض جوانب التنشئة الاجتماعية الخاطئة التي نمارسها: ١- السيطرة: فكثير من الأسر تغلِّب جانب السيطرة في تربية الأبناء، أو تنشئ النبات على التوافق مع الإحباط, وتعلُّم الانصياع للقيود المفروضة, مما يؤثِّر

стр. 315

حتمًا على النمو النفسي الاجتماعي وتشكيل الهوية في الرشد؛ حيث تتكوَّن صورة الذات على أساس آراء الآخرين وأحكامهم. ٢- العيب والشعور بالذنب: وهي أساليب رئيسية في تنشئة الطفل في العائلة العربية؛ حيث ينشأ عنها عقاب ذاتي يحبط القدرة على النقد الذاتي الذي يصعب اكتسابه وتنميته. ٣- النزعة إلى الاعتمادية: حيث تربِّي كثير من الأسر أبناءها إلى سنٍّ متقدِّم على الكبار، ثم يتوقع منهم المساندة والرعاية، ولا يطيق الفرد فصم العلاقة مع الأسرة، ويبذل جهدًا لتجنب انقطاع العلاقة مع الأفراد ذوي الدلالة في حياته. ٤- التوجُّه نحو الآخرين: فكثير من الأطفال يتربون على ميكانيزم القمع؛ لعدم إيذاء مشاعر الآخرين ولضمان ألّا تؤذي مشاعره هو نفسه, رغم أنه قد لا يثق في الآخرين وفي صدق سلوكهم. ٥- القلق والاستجابة للأزمات: إذ يحتل الخوف من العقاب لعدم اتباع التعليمات حتَّى في المواقف الضاغطة، ويتبع معظم الأطفال خطين متعارضين: إما الإنكار, أو تجنّب الموقف من خلال القمع والنسيان كوسيلة لتخفيف القلق. ٦- البواعث والدوافع: فالرغبة في النجاح الأكاديمي والمهني والاجتماعي هي الدافع الأساسي الذي يربى عليه الأطفال والشباب، وأصبح الآن هناك رغبة قوية في التفوق ولو على حساب الآخرين, وهو ما ينسي الفرد غيره, وقد يزيد من حِدَّة مشاعر عدم الثقة والعداوة نحو الآخرين. إن مثل هذه الجوانب السائدة في التنشئة العربية تحتاج إلى إعادة نظر وتقييم في ضوء نظريات علم نفس النمو من أجل نمو نفسي اجتماعي متوافق, وتشكيل هوية في إطار الثقافة العربية الإسلامية, والقيم والمعايير الأخلاقية المتعارف عليها.

стр. 316

نظريات النمو المعرفي مدخل ... نظريات النمو المعرفي: مقدمة: تشير الدلائل إلى أن الوليد يملك الخبرة الحسية والعمليات الإدراكية اللازمة لاكتساب المعرفة بيئيته, وعلى ذلك فإنه يبدو أن الحواسّ البصرية والسمعية واللمسية والشمية والتذوقية تعمل بدرجات متفاوتة في الطفولة المبكرة, وتزداد حِدَّة مع تقدُّم السن والخبرة, وفي بعض هذه العمليات الإدراكية الحسية افتراض أن طاقة الإثارة تزوّد الطفل بالمادة الأولية التي يقوم الطفل بتنظيمها للتعرُّف على البيئة، وفي هذا الفصل سوف نناقش كيف يقوم الطفل بتطوير هذه التكوينات، وكيف تؤثّر هذه التغيرات النمائية في المعرفة والعمليات المعرفية، وكيف تؤثر على الأداء في عدد من الواجبات المختلفة.

стр. 317

النظريات المفسرة للنمو المعرفي مدخل ... النظريات المفسِّرة للنمو المعرفي: ومن بين الكثيرين من أصحاب النظريات المعرفية، سوف نركز أساسًا على أعمال جيروم برونر gerome bruner، هانز وارنر henz wermer، وجان بياجيه jean piage، وهؤلاء المنظِّرون يتفقون على الافتراضات الأساسية الآتية حول اكتساب المعرفة أو النمو المعرفي: ١- يتضمَّن اكتساب المعرفة وجود متعلّم نشط يعمل مع وجود استجابة للبيئة, وتنتج المعرفة من تفاعل متطلبات البيئة مع قدرات المتعلّم. ٢- يطَّرد النمو من استجابات منعكسة بدائية، غالبًا ما تكون مرتبطة بمثيرٍ إلى مستويات متزايدة من التمثيل والتجريد. ٣- يحدث النمو بطريقة مرحلية هرمية تسيطر فيها المرحلة العليا التالية على المراحل السابقة لها, ولكنها في نفس الوقت تعتمد على هذه المراحل. ٤- للسلوك بعض السوابق البيولوجية التي لا يمكن تحقيقها دون إثارة بيئة مناسبة, وفيما يلي عرضًا للخطوط العربية للنظريات الثلاث في تفسيرها للنمو المعرفي:

стр. 318

والجانب الهام في موقف وانر werner هو أنه بينما تهيمن المستويات التكاملية الأعلى على المستويات الأدنى، فإن النمو داخل المستويات الأدنى يستمر مسايرًا للمرحلة المتقدّمة. إن تكامل نظم المستويات الأدنى يعدِّل من هذه النظم، وهكذا فإنه ولو أنه يظل خاضعًا إلّا أنه ما يزال يعمل في مستوى أكثر تنظيمًا, ولهذا الافتراض أهمية، ذلك لأنَّ وارنر werner يعتقد أيضًا أن الشخص عندما يواجه موقفًا غريبًا، فإنَّ حلَّ المشكلة يأتي من نظام النمو الأدنى إلى الأعلى, وبعبارة أخرى: فإن وارنر werner يقرر وجود ثلاثة مستويات للنمو، هرمية في ترتيبها، وكلٌّ منها يتبع نمط النمو الخاص به, والشكل "٦٥" يبين بالرسم هذا النموذج. إن وصفنا للإسهام الكبير الذي قدَّمه وارنر werner لفهم النمو الإنساني العام, وخاصَّة النمو المعرفي لا شَكَّ في أنه غير كافي لإعطاء النظرية حقها, وبدلا من أن نحاول تقييم نهائي له، سنقتبس ما كتبه لانجر langer "١٩٧٠، ٧٦٨" الذي يبدو أن تقييمه لنظرية وارنر werner يمثّل مكانتها الحالية تمثيلًا جيدًا: "من الواضح أن الوقت لا يزال مبكرًا جدًّا لتقديم حكم نهائي على النظرية ككل, ومع ذلك فيبدو واضحًا أن المعالجة قد أثمرت فعلًا في عدد من المجالات. لقد نجحت نجاحًا فائقًا في دراسة الظواهر المعرفية، وخاصَّة ظاهرة تكوين التصور والرمز, كما أنَّ لها توقُّعات مستفيضة في دراسة الشخصية والنمو الاجتماعي من الناحية المعرفية التكوينية، ولكن هذه الإمكانيات اليوم ما تزال في حالة ركود نسبي باستثناء بعض النواحي البدائية".

стр. 319

١- نظرية هانز وارنر hunz wener المبدأ الأساسي في نظرية وارنر وهو اعتدال الأصل orthogeneses, ويتضمَّن سمتين أساسيتين للنمو، وهما: التفاضل "التفرد" defferentiation والتكامل الهرمي hierarchic inegration. وطبقًا لمبدأ التفاضل، تتفاضل النظم البدائية والمعممة تفاضلًا تدريجيًّا, ولكنها في نفس الوقت تنصهر مع النظم الأخرى لتكوّن وسائل فعل متكاملة "إن التفاضل يؤدي إلى تفرُّد منزايد في أجزاء محددة جيدًا في النظم، وفي نفس الوقت ذات صلة وثيقة كل منها بالأخرى. "langer, ١٩٧٠. ٧٣٥", وطبقًا للتفسير المعرفي لمبدأ التفاضل، فإن الاستجابات المبدئية للتركيب العضوي للبيئة إنما هي نظم شاملة التعميم وغير متفاضلة, وعلى ذلك فإنَّ المتعلم الصغير يستجيب بنفس الطريقة لمثيرات كاملة متشابهة عندما تسيطر بعض الجوانب المتميزة للمثيرات على الاستجابات التفاضلية, ويمكن أن نقدم مثلًا لذلك، الطفل الصغير عندما يسمِّي كل الرجال "بابا"؛ لأنهم يرتدون البنطلون. وطبقًا لمبدأ التكامل الهرمي: عندما تظهر نظم متكاملة أكثر تقدمًا فإنها تتخذ نظمًا أقل إتقانًا من جهة النمو, ومع أنَّ مثل هذا المستوى في النمو يتوقف على المستوى السابق له، إلّا أنه متميز نوعيًّا ويتولى التحكم في سلوكياته, ويعتبر هذا التصور هو من أكثر التصورات تعقيدًا ما قدَّمه أصحاب النظرية العضوية، كما أنه يفرق بين الاتجاهات النظرية الأخرى. والموقف الآلي لا يهتم بالتفرقة النوعية, ولكن يفترض أن النمو يمثّل اكتساب أكثر من خاصية معينة, وليس تغييرًا في نوعية الخاصية. وجنبًا إلى جنب مع مفهوم التكامل الهرمي، يوجد المبدأ التكويني للولبية genetic principle of spiralitg, عندما يتقدَّم الطفل نحو حالة أخيرة من النضج فإنه يبدي أحيانًا ارتدادات مؤقتة نحو مستوى سابق قلَّ أن يستأنف نموه الحتمي. وقد رتَّب وارنر werner النمو في ثلاثة مستويات: أ- نمو حسي حركي. ب- نمو إدراكي. ج- نمو تأملي.

стр. 320

٢- نظرية جيروم برونر jerome bruner يعد جيروم برونر واحدًا من هؤلاء العلماء القلائل الذين أسهموا بقسطٍ وافر في معارفنا الأساسية بعلم النفس عامَّة وعلم نفس النموّ بصفة خاصة، وعلاوة على ذلك, فإنه قدَّم نموذجًا نظريًّا هامًّا للإدراك والمعرفة, وقد شملت أبحاثه الأطفال حديثي الولادة، وأطفال ما قبل المدرسة، وأطفال المدارس الابتدائية والراشدين, واستنادًا إلى آرائه النظرية العامة، فإنَّ أعماله وأعمال تلاميذه قد غطَّت العديد من الثقافات. "bruner, olver & greenfield, ١٩٦٦".
следующие страницы →