Полный текст (992 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
نظريات النمو المعرفي
مدخل
...
نظريات النمو المعرفي:
مقدمة:
تشير الدلائل إلى أن الوليد يملك الخبرة الحسية والعمليات الإدراكية اللازمة لاكتساب المعرفة بيئيته, وعلى ذلك فإنه يبدو أن الحواسّ البصرية والسمعية واللمسية والشمية والتذوقية تعمل بدرجات متفاوتة في الطفولة المبكرة, وتزداد حِدَّة مع تقدُّم السن والخبرة, وفي بعض هذه العمليات الإدراكية الحسية افتراض أن طاقة الإثارة تزوّد الطفل بالمادة الأولية التي يقوم الطفل بتنظيمها للتعرُّف على البيئة، وفي هذا الفصل سوف نناقش كيف يقوم الطفل بتطوير هذه التكوينات، وكيف تؤثّر هذه التغيرات النمائية في المعرفة والعمليات المعرفية، وكيف تؤثر على الأداء في عدد من الواجبات المختلفة.
стр. 317
النظريات المفسرة للنمو المعرفي
مدخل
...
النظريات المفسِّرة للنمو المعرفي:
ومن بين الكثيرين من أصحاب النظريات المعرفية، سوف نركز أساسًا على أعمال جيروم برونر gerome bruner، هانز وارنر henz wermer، وجان بياجيه jean piage، وهؤلاء المنظِّرون يتفقون على الافتراضات الأساسية الآتية حول اكتساب المعرفة أو النمو المعرفي:
١- يتضمَّن اكتساب المعرفة وجود متعلّم نشط يعمل مع وجود استجابة للبيئة, وتنتج المعرفة من تفاعل متطلبات البيئة مع قدرات المتعلّم.
٢- يطَّرد النمو من استجابات منعكسة بدائية، غالبًا ما تكون مرتبطة بمثيرٍ إلى مستويات متزايدة من التمثيل والتجريد.
٣- يحدث النمو بطريقة مرحلية هرمية تسيطر فيها المرحلة العليا التالية على المراحل السابقة لها, ولكنها في نفس الوقت تعتمد على هذه المراحل.
٤- للسلوك بعض السوابق البيولوجية التي لا يمكن تحقيقها دون إثارة بيئة مناسبة, وفيما يلي عرضًا للخطوط العربية للنظريات الثلاث في تفسيرها للنمو المعرفي:
стр. 318
والجانب الهام في موقف وانر werner هو أنه بينما تهيمن المستويات التكاملية الأعلى على المستويات الأدنى، فإن النمو داخل المستويات الأدنى يستمر مسايرًا للمرحلة المتقدّمة. إن تكامل نظم المستويات الأدنى يعدِّل من هذه النظم، وهكذا فإنه ولو أنه يظل خاضعًا إلّا أنه ما يزال يعمل في مستوى أكثر تنظيمًا, ولهذا الافتراض أهمية، ذلك لأنَّ وارنر werner يعتقد أيضًا أن الشخص عندما يواجه موقفًا غريبًا، فإنَّ حلَّ المشكلة يأتي من نظام النمو الأدنى إلى الأعلى, وبعبارة أخرى: فإن وارنر werner يقرر وجود ثلاثة مستويات للنمو، هرمية في ترتيبها، وكلٌّ منها يتبع نمط النمو الخاص به, والشكل "٦٥" يبين بالرسم هذا النموذج.
إن وصفنا للإسهام الكبير الذي قدَّمه وارنر werner لفهم النمو الإنساني العام, وخاصَّة النمو المعرفي لا شَكَّ في أنه غير كافي لإعطاء النظرية حقها, وبدلا من أن نحاول تقييم نهائي له، سنقتبس ما كتبه لانجر langer "١٩٧٠، ٧٦٨" الذي يبدو أن تقييمه لنظرية وارنر werner يمثّل مكانتها الحالية تمثيلًا جيدًا:
"من الواضح أن الوقت لا يزال مبكرًا جدًّا لتقديم حكم نهائي على النظرية ككل, ومع ذلك فيبدو واضحًا أن المعالجة قد أثمرت فعلًا في عدد من المجالات. لقد نجحت نجاحًا فائقًا في دراسة الظواهر المعرفية، وخاصَّة ظاهرة تكوين التصور والرمز, كما أنَّ لها توقُّعات مستفيضة في دراسة الشخصية والنمو الاجتماعي من الناحية المعرفية التكوينية، ولكن هذه الإمكانيات اليوم ما تزال في حالة ركود نسبي باستثناء بعض النواحي البدائية".
стр. 319
١- نظرية هانز وارنر hunz wener
المبدأ الأساسي في نظرية وارنر وهو اعتدال الأصل orthogeneses, ويتضمَّن سمتين أساسيتين للنمو، وهما: التفاضل "التفرد" defferentiation والتكامل الهرمي hierarchic inegration.
وطبقًا لمبدأ التفاضل، تتفاضل النظم البدائية والمعممة تفاضلًا تدريجيًّا, ولكنها في نفس الوقت تنصهر مع النظم الأخرى لتكوّن وسائل فعل متكاملة "إن التفاضل يؤدي إلى تفرُّد منزايد في أجزاء محددة جيدًا في النظم، وفي نفس الوقت ذات صلة وثيقة كل منها بالأخرى. "langer, ١٩٧٠. ٧٣٥", وطبقًا للتفسير المعرفي لمبدأ التفاضل، فإن الاستجابات المبدئية للتركيب العضوي للبيئة إنما هي نظم شاملة التعميم وغير متفاضلة, وعلى ذلك فإنَّ المتعلم الصغير يستجيب بنفس الطريقة لمثيرات كاملة متشابهة عندما تسيطر بعض الجوانب المتميزة للمثيرات على الاستجابات التفاضلية, ويمكن أن نقدم مثلًا لذلك، الطفل الصغير عندما يسمِّي كل الرجال "بابا"؛ لأنهم يرتدون البنطلون.
وطبقًا لمبدأ التكامل الهرمي: عندما تظهر نظم متكاملة أكثر تقدمًا فإنها تتخذ نظمًا أقل إتقانًا من جهة النمو, ومع أنَّ مثل هذا المستوى في النمو يتوقف على المستوى السابق له، إلّا أنه متميز نوعيًّا ويتولى التحكم في سلوكياته, ويعتبر هذا التصور هو من أكثر التصورات تعقيدًا ما قدَّمه أصحاب النظرية العضوية، كما أنه يفرق بين الاتجاهات النظرية الأخرى. والموقف الآلي لا يهتم بالتفرقة النوعية, ولكن يفترض أن النمو يمثّل اكتساب أكثر من خاصية معينة, وليس تغييرًا في نوعية الخاصية.
وجنبًا إلى جنب مع مفهوم التكامل الهرمي، يوجد المبدأ التكويني للولبية genetic principle of spiralitg, عندما يتقدَّم الطفل نحو حالة أخيرة من النضج فإنه يبدي أحيانًا ارتدادات مؤقتة نحو مستوى سابق قلَّ أن يستأنف نموه الحتمي. وقد رتَّب وارنر werner النمو في ثلاثة مستويات:
أ- نمو حسي حركي.
ب- نمو إدراكي.
ج- نمو تأملي.
стр. 320
٢- نظرية جيروم برونر jerome bruner
يعد جيروم برونر واحدًا من هؤلاء العلماء القلائل الذين أسهموا بقسطٍ وافر في معارفنا الأساسية بعلم النفس عامَّة وعلم نفس النموّ بصفة خاصة، وعلاوة على ذلك, فإنه قدَّم نموذجًا نظريًّا هامًّا للإدراك والمعرفة, وقد شملت أبحاثه الأطفال حديثي الولادة، وأطفال ما قبل المدرسة، وأطفال المدارس الابتدائية والراشدين, واستنادًا إلى آرائه النظرية العامة، فإنَّ أعماله وأعمال تلاميذه قد غطَّت العديد من الثقافات. "bruner, olver & greenfield, ١٩٦٦".
стр. 321
هذا ولا مفرَّ من إجراء مقارنات بين نصوص برونر burner النظرية, فيما يتعلّق بالنمو المعرفي وموقف بياجيه, ومع أننا لا ننوي أن نصدر أحكامًا تقيمية في هذه المقارنات، إلّا أننا سوف نشير إليها إذا ما صلحت لاكتشاف بعض الفحوص في معارفنا. وواضح أن العالمين متَّفقان على أن سير النمو الإنساني يمكن وصفه بالتقدُّم عبر سلسلة من المراحل، كلٍّ منها تتميز بفروق نوعية, وقد قدَّم برونر bruner ثلاث مراحل للنمو المعرفي هي: المرحلة الحكمية، والمرحلة التصويرية التقليدية, والمرحلة الرمزية.
أ- المرحلة الحكمية "التوضيح النشط" The enactuve stage:
حيث يكتسب الطفل حديث الولادة في هذه المرحلة معرفةً عن العالم من أنشطة حركية متكررة مع أشياء مألوفة, ومع اكتساب الطفل لقدرات حركية، تسنَح له فرص أكثر للتفاعل مع مجموعة كبيرة من المثيرات, ويصف برونر وآخرون bruner et al "١٩٦٦، ص١٦". المرحلة الحكمية على النحو التالي:
"إن الشكل الإبتدائي للفعل هو "انظر إلى", كما في حركات العينين أو توجيه الرأس. ومن الواضح أن هذا الشكل فطري, وفيما بعد يصبح الفعل هو القبض، والوضع في الفم، والإمساك, وما شابه ذلك من "تحديد موضوع" و"إيجاد علاقة" مع البيئة. والفعل من هذه الناحية هو الشرط اللازم لإنجاز الطفل الصغير للعلاقات البيئية المتبادلة والصحيحة, التي تكوّن موضوعات الخبرة المشتتة والمجرأة, والفعل هو وبعض الطاقة الواردة من المستقبلين البعيدين توفر الظروف الضرورية والكافية لمثل هذا التقدم، بغرض سلامة الجهاز العصبي".
وهكذا طبقًا لبرونر، فإن التكوين المبكِّر للمعرفة قد يتوقَّف غالبًا على الإدراك البصري للمثيرات في بيئة الطفل الغريبة, وكما يرى برونر، فإنَّ الأطفال حديثي الوالدة يمرون بسلسلة من حركات البنين والتثبيتات يكتشفون خلالها معرفة بدائية بالعالم. ومع تقدُّم هؤلاء الأطفال في مجال القدرة الحركية، يستمرون في اكتساب المعرفة عن العالم من خلال عمليات حسية، ولكنهم الآن يتَّسقون فيما بين نظم الطاقة الإدراكية. مثال ذلك: إن الطفل يستطيع الآن النظر إلى مثير "تمييز الشكل", وفي نفس الوقت يمسك به "تمييز البعد". إن الطاقة البصرية والطاقة
стр. 322
اللمسية تصبحان متناسقتين، وبذلك تتقدَّم المعرفة التي لدى الطفل عن ذلك وعن الأشياء المتعلقة بها "شكل: ٦٧", وعلى ذلك: فإن الأطفال يفهمون الأشياء على نحوٍ أفضل عن طريق الأعمال:
- فهم يفهمون دعامة التوازن بالاعتماد على خبرتهم الفعلية في الأَرْجَحَة, فإذا كان الطفل الذي على أحد طرفي الأرجوحة ثقيلًا, فإن الطفل الآخر الذي يجلس على طرفها الثاني يتراجع، وإذا كان الطفل خفيفًا يتحرك الآخر نحو المركز.
- كما أنَّ الأطفال الصغار يعرفون الكلمات على أساس الأفعال المرتبطة بها, فالكرسي يجلس عليه، والملعقة يأكل بها.. إلخ. "جابر عبد الحميد: ١٩٧٧، ٩٣".
إن المرحلة الحكمية تتضمَّن سلوكًا قد يبدو لغير العليم متناهيًا في البساطة, أو إنه مجرَّد من النتائج الوظيفية، ولكن الواقع ليس كذلك، ويصرّ برونر على أن المرحلة الحكمية تشكّل الأساس للتطوّر التالي للمعرفة والوظيفية المعرفية.
ب- المرحلة التصويرية التقليدية "التوضيح بالصور" The lkonic stage:
في هذه المرحلة يقلّ اعتماد الطفل بشكل مطَّرد على الأفعال المباشرة للأشياء, وتزداد قدرته باطِّراد على تكوين تمثيلات موضوعية للعالم؛ أي أنه يصبح أقلّ اعتمادًا على الاتصال البدني المباشر مع البيئة, ويبدأ في الاعتماد أكثر وأكثر على الصورة, بمعنى: إن الأطفال يستطيعون أن يفهموا المعلومات دون أن تتم في صورة أفعال وأنشطة أمامهم, فيستطيعون أن يرسموا الملعقة دون أن يمثّلوا عملية تناول الطعام بها، ويستطيعون أن يرسموا دعامة التوازن؛ لأن لديهم صورة لم تعد
стр. 323
تعتمد على الفعل, وهذه نقلة هامَّة في نمو العقل. "جابر عبد الحميد: ١٩٧٧، ٩٣".
ويرى برونر أن هذه المرحلة الثانية تمثّل تقدمًا في النمط التمثيلي للطفل؛ إذ إنه في خلال هذه الفترة يبدأ الطفل في تصنيف الأشياء على أساس سمات معينة ثابتة, وهذه القدرة التي تعتبر ذات أهمية بالغة للفهم الصحيح للعالم تكتسب تدريجيًّا, وربما تضمَّنت سلسلة من المراحل الفرعية النوعية قبل تحقيق النضج.
ج- المرحلة الرمزية The symbolic stage:
يرى برونر أن المرحلة الرمزية هي أعلى مستويات التمثيل التي يقدر عليها الإنسان, ففي هذه المرحلة يستطيع الأطفال أن يترجموا الخبرة إلى لغة، ويمكن فهم دعامة التوازن باستخدام الكلمات بدلًا من استخدام الصور "إن العرض الرمزي يتيح للأطفال أن يستنبطوا منطقيًّا، وأن يفكروا تفكيرًا محكمًا، وأن يشكِّلوا خبراتهم عن العالم الذي يعيشون فيه بصورة قوية وفعالة, واستخدام ذلك للبحث عن حلّ المشكلات التي يتصدَّون لها.
ويتشهد برونر ببحوث النمو التي تبيِّن أنَّ الأطفال قادرون على فهم العمليات العيانية أولًا، ثم بعد ذلك على فهم التعبير البياني المصوّر، وفي النهاية يصبحون قادرين على فهم العمليات غير المألوفة بيسرٍ إذا عرضت عليهم بالترتيب التالي: بطريقة عيانية، ثم بيانية، ثم رمزية، وهذه الطريقة تناسبهم بدرجة أكبر إذا كان الموقف ملقًا. "جابر عبد الحميد ١٩٧٧، ٩٤".
ويستطيع القارئ أن يعتبر أن التفرقة النوعية بين مستوى المرحلة الرمزية ومستوى المرحلتين السابقتين هي البعد بين الرمز وبين إشارة وصفية, أو صورة تمثل شيئًا أو حدثًا, وتتضمَّن المرحلة الرمزية عدة ثغرات في اللغة سنناقشها في الفصل الرابع من هذا الباب, ويكفي أن نذكر هنا أنَّ برونر يعتقد أن اللغة نظام رمزي يعمل مستقلًّا عن الأنظمة السابقة، ومع ذلك تعتمد على الأحداث التي جرت في أثناء المرحلة الحكمية، والمرحلة التصويرية، ويجب أن نلاحظ أن المرحلة الرمزية كما اقترحها برونر، وخاصة تأكيده على اللغة كنظام رمزي، تعتبر نقطة اختلاف بينه وبين بياجيه. ومع أنَّ كلا العالمين يعتبران أن النمو يتحرك من انعكاسات بسيطة وأفعال مشاركة إلى تمثيلات رمزية للعالم مطَّردة التزايد، فإن بياجيه يعتبر التمثيلات الرمزية ضرورة تسبق اللغة ونموها, وأن التفكير واللغة يرتبط كلٌّ منهما بالآخر ارتباطًا وثيقًا, وبعبارة أخرى: يعتبر بياجيه أن اللغة تصبح وسيلة للتعبير عن المعرفة والتجريدات، في حين أن برونر يعتبر أن اللغة تجريد؛ إذ يرى أن التفكير لغة مستنبطة، وأنَّ القواعد البنائية للغة وليس المنطق يمكن استخدامها لتفسير مبدأ البغاء أو الثبات, وغيرها من مبادئ بياجيه.
وواضح أن برونر يعتقد أن الطريقة التي يفكر بها الشخص تتأثَّر بالخبرات الحكمية والتصويرية المبكرة التي قد تكون انتقالًا ثقافيًّا. ومهما يكون من أمر, فإن أهم العوامل حسمًا من حيث الطريقة التي يفكّر بها الشخص هي اللغة. إنه من الواضح أن اللغة دالة ثقافية, وبالعكس, فإن بياجيه يشدّد على تكافؤ كل اللغات كوسائل تبادلية لتوصيل المعرفة التي تكوَّنت منذ زمنٍ سابق على التفاعل اللفظي للطفل مع العالم, ويتفق هذا الموقف مع إصرار بياجيه على تفاعل اللغات والثقافات في مجال النمو المعرفي.
стр. 324
٣- نظرية جان بياجه jean piaget:
هناك إجماع على أنَّ أعمال جان بياجيه كان لها من الأثر على علم نفس النمو أكثر مما كان لأي عالم, ومن المحتَمل أن أعماله أصبحت مألوفة إلى حدٍّ ما لكلٍّ من علماء النفس والمثقفين, وإنها لحقيقة عجيبة أن كثيرًا من المؤلفين والباحثين في علم نفس النمو ربما لا يذكرون اسم بياجيه على الإطلاق، أو على الأقل يأتي ذكرهم له من باب الفضول. وقد واجه بياجه هذا الإهمال من جهة؛ لأنه يكتب الفرنسية، ومن المحتمل أن تكون الترجمة سببًا في بخس تقدير كثير من الباحثين لأعماله, أو وصفها بعدم الوضوح. ولذلك فإن النظريات التي استخدمت اصطلاحات مثل "مرحلة" stage أو "موجز شكلي" schemas أو "تكوين" structure كانت إشارات إلى تركيبات عضوية لم تكن تقبل كعلم. إن ما حدث يصفه سبيري sperry "١٩٧٥، ٣٣" وصفًا قويًّا بقوله:
стр. 325
"بعد أكثر من ٥٠ عامًا من الرفض القاطع لاصطلاحات مثل: "صورة عقلية" و"الصور البصرية واللفظية والسمعية" طيلة السنوات الماضية، أصبحت هذه الاصطلاحات شائعة الاستخدام كتركيبات تفسيرية في المؤلَّفات المتعلِّقة بالمعرفة، والإدراك, وغيرهما من الوظائف الأعلى".
إن التفسير المراجع يقود العقل الواعي إلى التتابع السببي في مجال اتخاذ القرارات، وبالتالي في مجال السلوك عامَّة، وعلى ذلك يعود به إلى مجال العلم التجريبي الذي استبعد منه منذ زمن طويل. إن هذا التحوّل في علم النفس وعلم الأعصاب، بعيدًا عن المادية المتشددة والانخفاضات, والدفع بها إلى نمط جديد من المادة أكثر تقبلًا, يميل الآن نحو استعادة بعض الكرامة والحرية وغيرهما من السمات الإنسانية إلى الصور العلمية للطبيعة الإنسانية بعد أن حرمتها منها المعالجة السلوكية".
وهكذا فإنه نتيجة للتغيّر في الفلسفة السائدة ولنشر الوصف الدقيق لأبحاث بياجيه ونظرياته "flasell, ١٩٦٣" أصبحت أعماله واسعة الانتشار. إنها تعتبر حاليًا وصفًا تصوريًّا يكاد يكون كاملًا لنمو القدرات المعرفية منذ الولادة وإلى النضج, ومن نتائج هذا الاعتراف الممتد أن تتابعت الأبحاث حول كثير من افتراضاته ونتائجه عن النمو، وهي أبحاث أدَّت إلى التوسُّع في النظرية وتعديلها.
الافتراضات الأساسية وبعض النقد:
إن افتراضات بياجيه قد لا تسمح باختبارها بالتجارب, ولكنها تصبح أكثر مناعة كلما وجدنا أن الجوانب الأخرى من النظرية التي يمكن اختبارها تتفق وهذه الافتراضات. لقد تعلَّم بياجيه أساسًا كعالم بيولوجيا قبل أن تتجه اهتماماته نحو علم
стр. 326
النفس، وخاصَّة علم نفس الطفل, كما أنه اغترف من مناهل أساسيات المنطق والفيزياء، وكلاهما يبرزان في تفاصيل نموذجه النظري. إن بياجيه لا يعتبر نفسه عالم نفس أو بيولوجيا، ولكن عالم في فلسفة المعرفة والمنطق بالوراثة، وكباحثٍ في نشأة المعرفة الإنسانية.
وعندما شرع بياجيه في بناء نموذجيه الشاملين ابتدع طريقتين للمعالجة: أحدهما تصورية، والأخرى منهجية, الأمر الذي جعل بعض علماء النفس يرفضون عمله. ونظريته تقدّم فرجًا بين اهتمامه المبكر بالبيولوجيا واهتمامه اللاحق بعلم النفس, وتعتمد نظريته من الناحية البيولوجية على آليات سلوكية فطرية وأنماط فعل, وتنبعث أنماط الفعل هذه في تتابع لا يتغير، يحتوي كل مستوى فيها على المستويات السابقة له, ولكنه يعدلها نوعيًّا "وهذا التصور شبيه بوجهة نظر برونر بالنسبة للغة كنظام رمزي، ولتصور "وارنر" للتنظيم الهرمي. وترمي مبادئه إلى التأكيد على الافتراضات البيولوجية، ومن السهل، عند قراءة مؤلفه الأصلي أن نفهم كيف أسره التناسق في السلوكيات النامية التي لاحظها, ولكن بياجيه لا يعتبر أن البيئة تلعب دورًا تافهًا, وهو يختلف عن برونر في أنه يعتقد أن العمليات المعرفية التي تظهر لا تختلف بين مختلف الثقافات "انتقال ثقاقي"، ولكن يعترف في وضوحٍ بأن التركيب العضوي "الفرد" يجب أن تكون له بيئة تؤثِّر فيه ويؤثِّر فيها إذا أريد للنمو أن يحدث. وقد ذكر بعض النقاد أنَّ ما يبدو من المبالغة في التأكيد على البيولوجي واستبعاد المتغيرات النفسية التي يمكن تناولها تجعل النظرية غير علمية, أو على الأقل وصفية، وغير قادرة على الاختبار التجريبي.
انتقادات السلوكيين:
وجَّه السلوكيون انتقادات عديدة لنظرية بياجيه المعرفية, وكان أبرزها انتقاداتهم حول المراحل النمائية، وكذلك المنهجية التي استخدمها في استخلاص المبادئ الأساسية في النظرية, وذلك على النحو التالي:
стр. 327
١- مراحل بياجيه:
لم يقتصر أمر نموذج بياجيه على مخالفة النظرية السلوكية "reese & overton, ١٩٧٠, overton & reese ١٩٧٣", بل إنه اشتمل أيضًا على مفاهيم واسعة المدى مثل: "المراحل", وذكر كيسن kessen "١٩٦٢" أنَّ استخدام لفظ "مرحلة" كمرادف للسن، لا يعتبر إضافة مجدية لاصطلاحات علم النفس, وعلى ذلك فقد جادل السلوكيون في محاولةٍ للإقناع بأن علم النفس ليس في حاجة لمفهوم المرحلة؛ لأنه مفهوم خاوٍ من الوجهة النظرية، علاوةً على ذلك، فقد أظهر كيسن kessen أنَّ استخدام هذا المصطلح بطريقة وصفية هو الآخر خاوٍ. إن "مرحلة" يمكن استخدامها من باب التكرار غير المفيد, "إن الطفل في مرحلة المشي لأن الطفل يمشي", إن ذلك ليس سوى طريقة دائرية للقول بأن الطفل يمشي. وعلماء النفس قد استخدموا فكرة "المرحلة" إمَّا للإشارة إلى جانب وصفي من سلوك الطفل, أو كمرادف "للسن", والصعوبة هي في ذلك: مصطلح "مرحلة" في هذه النصوص يبدو أنه يعني شيئًا أكثر مما قصده بياجيه فعلًا، وكان للسلوكيين الحق في رفض هذا الاستخدام. إن المراحل لكي تكون مفيدة ومثمرة، يجب أن تؤخذ على اعتبار أنها "متغيرات باراماترية "قياسية" لمجموعة أساسية من البيانات النظرية "kessen, ١٩٦٢, ٦٩". وبعبارة أخرى: بالنسبة للجوانب الأساسية العريضة لنظرية بياجيه، فإن الاستخدام المجدي لهذا المفهوم هو لتبيان كيف تؤثر التغيرات في المراحل على البيانات النظرية الأساسية. إن بناء المرحلة يجب أن يساعد على التنبؤ بالطريقة التي يتغيِّر بها السلوك من مرحلة إلى أخرى, ويجب أن يضع قواعد الانتقال من مرحلة إلى أخرى, وإلى هذا الحد فإنَّ هذه القواعد الانتقالية غير محدَّدة بوضوح.
٢- انتقادات المنهجية:
كانت منهجية بياجية موضع الانتقاد الشديد في موضوعين: العدد المحدود من المفحوصين، المستخدمة في أبحاثه، واستخدامه للطريقة الإكلينيكية, وفيما يختص بالنقد الأول، فقطعًا لا مجال للجدل في أنَّ القاعدة التجريبية التي اشتق منها بياجيه نموذجه للنموّ المبكر كان يتكوَّن من ثلاثة أطفال، والأدهى من ذلك، أن هؤلاء الأطفال كانوا أطفاله هو. إن لنا أن نتشكك في كفاية نموذج نظري يقوم
стр. 328
على ثلاثة أطفال يحتمل ألَّا يكونوا ممثلين للأطفال عامَّة, وقد يكون لهذا النقد وزنًا أكبر إذا تذكَّرنا أن بياجيه لم يتزعزع في اعتقاده بأنَّ المراحل المعرفية لا تتغير عبر الثقافات. لقد كان مفحوصوه يمثلون ثقافة واحدة، وعلاوة على ذلك فإنهم لم يكونوا مميزين لهذه الثقافة, ولو كان على بياجيه أن يرد على هذا النقد "من المحتمل أنه لم يكن ليستجيب"، فربما دافع عن رأيه بأنَّ أنماط الفعل تخرج بترتيب لا يتغير, ولذلك فلا حاجة للإفاضة في موضوع عدد "المفحوصين" "المفحوص= أفراد العينة".
ومن العجيب أن إحدى المعالجات السلوكية الحديثة الهامة، وهي موقف سكينر skinner الذي يتفق وموقف بياجيه, ويجري أنصار سكينر أبحاثهم على أعداد صغيرة من المفحوصين، يجرون عليهم قياسات معينة, وهم يبررون منهاهجهم في التجريب بنفس الطريقة التي برَّرَ بها بياجيه مناهجه، وهي أنَّ مبادئهم عن السلوك هي مبادئ عامة, وأنها تنطبق على كل التركيبات العضوية "الأفراد"، رغم أن القياسات التي تحدّد خواص المثير وموقف المثير قد يتطلّب الأمر تعديلها تبعًا لخواص التركيب العضوي "الفرد" الذي تجرى دراسته, أو تبعًا للسن "في حالة المفحوصين من البشر". وقد لاقت معالجة سكينر skinner نفس رد الفعل السلبي، غالبًا من نفس الأشخاص الذين انتقدوا بياجيه! ولكن منذ أن صدرت الصبغة المبدأية للنظرية، قام بياجيه وزملاؤه وأتباعه في كثير من البلاد بتحقيق الكثير من استنتاجاته مع أعداد لا تحصى من الأطفال.
والنقد الثاني لأعمال بياجيه: استخدامه للطريقة الإكلينيكية, والذي قد يكون أكثر خطورة، وهو قطعًا أصعب في الدفاع عنه. إن الطريقة الإكلينيكية تناسب اتجاهه التصوري والفلسفي الشامل، ولكنها استخدمت بطريقة فريدة, وقد يفيد هنا أن نقدِّم مثلًا توضيحيًّا, فكثير من علماء النفس المهتمين بالتعليم يرغبون في معرفة ما إذا كان الأطفال في سن ٦ سنوات يعرفون أسماء الألوان الأساسية, وعندما يجدون أطفالًا يجهلون هذه الأسماء, فإنهم يحاولون التوصُّل إلى أفضل طريقة لتعليمهم إياها. إن اهتمامهم بهذه الظاهرة المعنية ينبع من العلاقة بين معرفة أسماء الألوان وبين الأداء في القراءة، وهي علاقة ليس من السهل تفهمها. أما بياجيه فلم
стр. 329
يهتم إطلاقًا بمعرفة ما إذا كان الأطفال يعرفون ألوانهم، ولكنه قد يتساءل: كيف يرتِّب الأطفال الألوان، تبعًا مثلًا لشدة اللون أو لمعانه. والمعطيات الأساسية للإجابة على هذا السؤال الأكثر تعقيدًا يجب أن تتأتي من الملاحظة الدقيقة للأطفال في مجموعة منوَّعة من واجبات متصلة, ومن تفسيرات الأطفال أنفسهم لسلوكهم. وبياجيه لا يهتم عادةً بما إذا كانت استجابة الطفل لمطلب معرفي ما صحيحة أو غير صحيحة, فإذا كانت الاستجابة صحيحة يستخدم بياجيه المقابلات وتشكيلات المواد المثيرة ليحدد أنواع الافتراضات العقلية التي كوَّنها الطفل, ثم يستخلص منها العمليات العقلية التي يستخدمها الطفل للتوصل إلى الاستجابة غير الصحيحة. فإذا قدَّم الطفل استجابة صحيحة، لا نستطيع دائمًا أن نفترض أنها ناتجة عن نفس القواعد أو العمليات التي يستخدمها الراشدون, وطبقًا لما يذكره فلافيل flovell ١٩٦٣، ص٢٨".
"إن للطريقة الإكلينيكية التي استخدمها بياجه سمات كثيرة مشتركة مع مقابلات التشخيص والعلاج، مع اختبارات استطلاعية أيضًا، ومع ذلك النوع من الاستطلاع اللاتقليدي الذي يستخدم عادة في الأبحاث التجريبية في كلِّ العلوم السلوكية. والخلاصة هي أنه لاستطلاع مجموعة متباينة من سلوكيات الأطفال في تتابع مثير، استجابة، مثير، استجابة، ففي خلال هذا التابع السريع يستخدم القائم بالتجربة كل ما لديه من بُعْدِ نظر ومقدرةٍ لفهم ما يقوله الطفل أو يعمله، ويطبِّق سلوكه على أساس هذا الفهم".
تفاصيل نظرية بياجيه:
لا شكَّ في أنَّ بياجيه قد أوضح أن الأطفال ليسوا مجرَّد راشدين مصغرين. إن اقتراحه بالمراحل المختلفة نوعيًّا تدلل على اعتقاده بأنَّ طرق تفكير الأطفال تختلف كثيرًا عن طرق الراشدين, ولكننا لا نستطيع تحديد هذه الاختلافات إلّا إذا توفَّرت لدينا الوسائل الفنية للكشف عنها. إننا كثيرًا ما نضطر لسؤال الأطفال أسئلة محددة, ولهذه المعالجة نتيجة غير مرضية في أنَّ التشكيلات والأسئلة الناتجة تكون على درجة عالية من التخصيص والمواقف المحددة, وبالتالي فإننا لا نستطيع الحكم بما إذا كانت استجابات الأطفال منفردة بالنسبة للمثير أو الموقف أو لكليهما. وقليل من علماء النفس يضارعون بياجيه في مهارته في تشكيل المواد وطرح
стр. 330
الأسئلة المناسبة على الأطفال. ومع إننا لا نستطيع تجاهل الانتقاد بأنَّ أعماله يصعب جدًّا تكرارها، فإن الكثير من الآراء العامَّة في نظريته قد دلَّل آخرون على صحتها في مواقف أحسن تخطيطًا وقياسًا وأحكامًا مما فعله هو.
وفيما يلي عرض الخطوط العريضة لتفاصيل نظرية بياجيه في النمو المعرفي:
أ- الطفل كباحث نشط:
سنبدأ مناقشتنا لنظرية بياجيه بالافتراض العضوي العام أن الطفل باحث نشط. وفي ملاحظات شبيهة بملاحظات برونر وفيرنر، لاحظ بياجيه أنَّ الأطفال يؤثرون على بيئتهم باستجابات انعكاسية في فترة الطفولة المبكرة، ثم باستجابات أكثر تعقيدًا تنبعث من تلك التفاعلات المبكرة. ويرى بياجيه أن التفاعل المتبادل بين التركيب العضوي والبيئة عملية ذات اتجاهين، أحدهما: هو المواءمة accomilation, والآخر: هو الاستيعاب "التمثل" assimilation. وفي حالة المواءمة نجد أن معرفة الطفل بالبيئة تتعدل لتستوعب أشياء أو خبرات جديدة, والمؤاءمة هي سمة التملُّك العرفي الذي يتكشَّف مع المتطلبات المعرفية العديدة التي تفرضها البيئة. وفي الاستيعاب يدمج الطفل شيئًا أو خبرة جديدة في تكوين قائم، أي: إن الطفل يتواءم مع معرفة سبق له اكتسابها. وعملية التواؤم أو مطابقة خبرات أو أشياء جديدة في تكوينات موجودة من قبل يندر أن تكون أمينة مع الصفات الفعلية للأشياء, وبعبارة أخرى: فإن عملية الاستيعاب تتضمَّن تعديلات للشيء؛ بحيث يصبح ملائمًا للتنظيم المعرفي القائم, ومن المستحيل الفصل بين التواؤم والاستيعاب. "عادل عبد الله ١٩٩٠، ٤٢". ويجب على القارئ ألَّا يفترض أنهما متعاقبان أو أنَّ إحداهما أكثر هيمنة من الأخرى, أو أكثر منها أهمية. إنهما في الحقيقة متبادلتان، والتفاعل المتبادل بينهما يولّد النمو المعرفي, والبيان التفسيري التالي الذي قدَّمه فلافيل flavell "١٩٦٣ ص٥٩-٥٠" يكشف عن تعقيدات الموضوع وعن أهميته:
"إن التقدُّم المعرفي في نظام بياجيه، ممكن لعدة أسباب، أولهما: إن الأفعال التواؤمية دائمة الامتداد إلى سمات جديدة ومختلفة للبيئة القريبة؛ لدرجة أن سمةً ما تَمَّ التواؤم معها حديثًا, يمكن أن نجد لها مكانًا مناسبًا في التكوين القائم للمعاني،
стр. 331
وتستوعَب في هذا التكوين, ومتى تَمَّ استيعابها فإنِّها تميل لتغيير التكوين بدرجةٍ ما، ومن خلال هذا التغيير تجعل من الممكن حدوث امتدادات تواؤمية أخرى. كما أنَّ التكوينات الاستيعابية -وكما ستدلل على ذلك مناقشة الموجزات الشكلية- ليست ثابتة أو غير متغيرة، حتَّى في حالة عدم وجود إثارة بيئية. إن نظم المعنى تجرى دائمًا إعادة تنظيمها داخليًّا وإدماجها في نظم أخرى, وهكذا فإنَّ كلا نوعي التغيير إعادة تنظيم الأصول الداخلية, وإعادة التنظيم التي تحدث إلى حدٍّ ما بطريقة مباشرة بوساطة محاولات تواؤمية جديد، يجعلان من الممكن تحقيق تغلغل عقلي مطَّرد في طبيعة الأشياء, ومرة ثانية فإن كلًّا من اللامتغيرين بعد الآخر بطريقة تبادلية, أي: إن التغيرات في التكوين الاستيعابي توجه تواؤمات جديدة، والمحاولات التواؤمية الجديدة تنشّط التنظيمات التكوينية".
وعندما يتحدث بياجيه عن المتعلِّم النشط، فهو يشير إلى عمليتي التواؤم والاستيعاب الخاصة بالتركيب العضوي "الفرد". ولذلك فإن بياجيه ليس في حاجة إلى استخدام مفاهيم مثل: البواعث incentives "المثيرات" أو المعززات reinforces لكي يولّد مصدر طاقة للتغير المعرفي "من المحتمل أن بياجيه لم يكن لينكر أن المثيرات المعززة أو الحاثة ذات أهمية في تشكيل أداء الأطفال، ولكن لا يرى أن مثل هذه المفاهيم لها تأثير حاسم على النمو المعرفي".
ب- اكتساب المعرفة:
إذا اعتبرنا أن الاستيعاب والمواءمة يصلحان كعمليات أساسية تبادلية يمكن من خلالها حدوث النمو المعرفي، فإن تساؤلًا يمكن أن يثار، وهو كيف يتصوَّر بياجيه اكتساب المعرفة؟ وكما أشرنا سابقًا في المثال الخاص بمعرفة الطفل لأسماء الألوان بالمثالية مع معرفته لترتيب الألوان في بعد معين، فإن بياجيه لا يهتم بأي
стр. 332
درجة بالمحتوى. إن ما يهمه، وما تتوصل إليه العمليات المتبادلة هو تنظيم المعرفة التي يسميها بالتكوين. وبتحديد أكثر: فإن بياجيه اهتمَّ بالكيفية التي تتغيِّر بها العمليات السلوكية استجابةً لمتطلبات المعرفة في تحديد الخواص النوعية لهذه التغيرات، وهو يدرس الخواص التكوينية للسلوك في ظروف مختلفة, ومع أطفال في مختلف مستويات النمو, وبذلك يستطيع أن يستخلص "خريطة" للخواص التكوينية للواجبات التي يؤديها أطفالٌ من مختلف الأعمار. إن هذه المهمة شاقة؛ إذ إنها تتطلَّب تحليلًا بالغ الدقة لمختلف الخواص في مجال المعرفة "أو المثيرات التي تدخلت", ثم يجب على الإنسان أن يفحص الكيفية التي تعدَّل بها هذه الخواص مع نضج الطفل, ومهما يكن من أمره يجب على القارئ أن يفهم أن التكوينات هي حصيلة تكوّن معرفة جديدة، وهي تمثّل في أي نقطة من الزمن الطريقة التي ينظِّم بها الطفل فهمه للعالم ويتمثله.
ج- فكرة الموجز الشكلي:
يذكر فلافيل flavell أن فكرة الموجز "المخطَّط العقلي" schemata, أو الصورة الاحتمالية تلعب دورًا هامًّا في نظرية بياجيه, ولا شكَّ في أن تعريف الموجز الشكلي بأنه نمط فعل يحدث في مناسبة خاصة، لهو مبالغة في تبسيط الأمور. هذا وفي مناقشتنا لأنماط الفعل "في الفصل الخاص بالنمو الحركي بالجزء الثاني من هذا الكتاب" اهتممنا بالتأكيد على أنها تتكوَّن من عدد كبير من السلوكيات المترابطة والتي يبدو أنها تحدث في تتابع ثابت، وإن كانت على الأقل تتشارك عن كثب الواحد بالآخر، وبينما نستطيع أن نتحدث عن عدد من أنماط الفعل، فإننا في نظام بياجيه نستطيع التحدّث عن عدد كبير من الموجزات الشكلية, وعلى ذلك فإنَّ الموجز الشكلي في الواقع يمثِّل نمطًا سلوكيًّا. ولكن إذا كان هذا هو كل ما يمثله، أي: إذا كان مجرَّد اصطلاح وصفيّ، فإنه لن تكون هناك ضرورة بنفس الطريقة التي لا ضرورة بها لمفهوم المرحلة. الواقع أن الموجز الشكلي يدل ليس فقط على تتابع سلوكي, ولكنه أيضًا يدل على تغيُّر مصاحب في التكوينات، أي: إن تنظيمًا جديدًا أو معدّلًا أصبح موجودًا الآن لدى الطفل. مثال ذلك: إن طفلًا قد يكون لديه موجز شكلي للإبصار, أو موجز شكلي للإمساك, أو موجز شكلي للوصول، ومع أنه في وقتٍ ما من فترة الطفولة الحديثة، تكون هذه الموجزات مستقلة, إلَّا أنها تنتهي بالتكامل، حتى يصبح مثلًا بالإمكان أن نتكلَّم عن موجز شكلي للإمساك بالشيء. وواضح أن هذا الاصطلاح وصفي, ولكنه أيضًا يعكس اكتساب الطفل لشكلٍ جديد من التنظيم المعرفي أو التكوين المعرفي، أي: تكامل ثلاثة موجزات في موجز شكلي واحد.
стр. 333
مراحل بياجيه:
استنادًا إلى الملاحظة المكثَّفة لأطفاله، وإلى بديهته، رأى بياجيه أنَّ الأطفال يتقدَّمون عبر مراحل أربع، بدايةً من استجابات انعكاسية بدائية, إلى تحقيق النضج الكامل مع الوصول إلى التفكير الاستنتاجي الأساسي. والمراحل الأربع هي: الذكاء, والحسّ الحركي، والعمليات قبل الحسية، والعمليات الحسية، والعمليات الشكلية. والشكل "٥" يلخّص هذه المراحل وأقسامها, مع أوصاف سلوكية مختصرة, ومستويات السن التقريبية. والانتقال من مرحلة إلى أخرى يتم تدريجيًّا، ولا يؤثر بالضرورة على كل سمات وظيفية الطفل. وفي إطار كل مرحلة يحدث نمو رأسي "وهو ما أسماه بياجيه بالتغير الرأسي" ينقل الطفل قريبًا من مرحلة تالية، ونمو أفقي "تغيُّر أفقي" وفيه يضم الطفل قدرًا أوسع من السلوكيات إلى نفس المستوى التكويني ومستويات السن المرتبطة بكل مرحلة تقريبية، أي: إن بياجيه لا يؤكد أن كل الأطفال يصلون على مرحلة جديد في نفس الوقت.
стр. 334
١- المرحلة الحسية الحركية "٠-٢ سنة ":
تمتد فترة النمو الحسي الحركي sensorimotor من الولادة إلى حوالي السنة الثانية من العمر, وفي البداية يتكوَّن السلوك بدرجة تكاد تكون تامَّة من الحركات الانعكاسية التي تميز الطفل الوليد, وهذه ليست هي الانعكاسية التي ناقشناها في تناول النموّ الحركي في الجزء الثاني من هذا الكتاب، تلك
стр. 335
الانعكاسات التي تختفي في الوقت المناسب، ولكنها سلوكيات انعكاسية لحركات العينين والذراعين والمص وغيرها, وبعبارة أخرى: فإن اهتمام بياجيه ينصبُّ على الانعكاسات التي تكون الأساس لمراحل قادمة في النمو المعرفي, وعندما يصف بياجيه هذه المرحلة المبكرة من النمو تجده يشدِّد على الأفعال الحركية بالمقابلة مع أيِّ نوع من التمثيلات الوصفية أو الرمزية. وتنتهي هذه المرحلة عندما تحل محلها العمليات الرمزية, ومرحلة الذكاء الحسي الحركي تتكوّن من ست مراحل فرعية, وتتمثل مجالات حَظِي ببعض أعمال بياجيه الوصفية بتفصيل بالغ. وتنقسم المرحلة الحسية الحركية إلى ست مراحل فرعية على النحو التالي:
المرحلة الفرعية الأولى: المرحلة الانعكاسية reflexive stage:
وهي تتميز بدرجة كبيرة بالانعكاسات reflexes التي ذكرناها, والطفل يقبل على قدر كبير من التمرين مع هذه الانعكاسات التي يبدو أنها تمر بتغيرات طفيفة في التكوين, مثال ذلك: إن الطفل لا يبدأ بعملية المص عند وجود زجاجة أو حلمة، حتى بدون أن تلمس الزجاجة أو الحلمة شفتيه.
стр. 336
المرحلة الفرعية الثانية: التفاعلات الدائرية الأولية: primary circular reactions "٢-٤شهور":
وتحدث عندما يزاول الطفل بشدَّة الموجزات الشكلية التي تكوَّنت في المرحلة الانعكاسية, علاوة على الموجزات الشكلية الجديدة التي تبرز في هذه الفترة، بما في ذلك النظر إلى المثيرات، والاستمتاع، والقبض, ويستخدم بياجيه لفظ "دائري" للدلالة على تكرار هذه الموجزات الشكلية, وقد يكون أهم حدث في هذه المرحلة هو تناسق الموجزات الشكلية, فعند سماع صوت مثلًا يدير الطفل رأسه وعينه في اتجاه مصدر الصوت.
كما يظهر التنسيق بين موجز المص وموجز القبض, وكذلك موجزًا لرؤية رد القبض, وهكذا فإن الطفل ينمي القدرة على الإمساك بشيء، ومتى فعل ذلك يدنيه من فمه لمصه. ومع التنسيق بين موجزي الرؤية والقبض، يستطيع الطفل رؤية شيء، ويحدد مكانه في الفضاء، ويمسك به, ثم يتفحصه ببصره، ويجب أن نلاحظ أنه يبدو وكأنَّ موجزًا شكليًّا رؤية -قبض يمكن أن يحدث فقط عندما تكون العين واليد في منظور واحد.
стр. 337
فإذا اختفى الشيء من مجال نظر الطفل، فإن الدليل السلوكي يبدو كأنه يشير إلى أن الشيء لم يعد له وجود بالنسبة للطفل, وبعبارة أخرى: فالطفل في هذه المرحلة ليس لديه مفهوم دوام الشيء object permenancy.
المرحلة الفرعية الثالثة: ردود الفعل الدائرية الثانوية secondary circular reactions": "٤-٨ شهور", وتدل على أن الطفل أصبح مدركًا لعواقب أفعاله الحركية الخاصة، ولكن وبعكس المراحل السابقة، يقوم الطفل بتكرار هذه الأفعال. وكمثال لهذا السلوك: هز الشخشيخة، وهو فعل يكرره الطفل توقعًا للصوت الناتج عن الهز, وقد افترض بعض الباحثين أنَّ التكرار المستمرّ ينتج عن تعزيز إيجابي "نتيجة الفعل الحركي على الشي", وبذلك فهو يشبه استجابة شرطية، وقد يبدو وصفنا أنه يعني أن بياجيه يستخلص بعض المعرفة بالسبب والنتيجة، أي: إن الطفل يؤدي سلوكه قصديًّا, والواقع أن بياجية يقول: إن الطفل في هذه المرحلة لا يستطيع فعلًا فهم أن فعله يولّد النتيجة البيئية، وفي أثناء الجزء الأخير من هذه المرحلة تظهر مبادئ مفهوم دوام الشيء.
стр. 338
المرحلة الفرعية الرابعة:
توصف هذه المرحلة بأنَّها مرحلة تنسيق التفاعلات الدائرية الثانوية coordination of secondary reactions "٨-١٢شهرا".
وأهم إنجاز في هذه المرحلة هو ظهور القصدية، أو سلوك الوسيلة - الغاية, علاوةً على ذلك فإن الطفل يطوّر من الموجزات الشكلية الموجودة, ويضيف أشياء جديدة إلى الموجزات القديمة. إن ما يميز هذه المرحلة عن المرحلة الفرعية الثالثة هي القدرة على أداء عدد من الأفعال الفرعية. "تعدد الوسائل" بقصد الحصول على هدف مرغوب فيه "غاية", وعلى ذلك، فبينما لم يتمكَّن بياجيه من أن يحدِّد بوضوح أن الوسائل قد تفاضلت عن الغايات في المرحلة الثالثة, فإن هذه التفرقة واضحة جدًّا في المرحلة الرابعة, ومن السمات الأخرى الهامة في المرحلة الفرعية الرابعة. إن اللعب يصبح له أهمية واضحة, ويصف فلافيل flavell "١٩٧٧، ص٣٢" مثلًا لذلك:
"يصبح اللعب أكثر مرحًا بشكلٍ واضح في هذه السن, فمثلًا بعد أن يكون قد ظلَّ لفترة يمارس بجدية, يصبح هناك تداخل بين الوسيلة والغاية الجديدة "مثال على الذكاء التكيفي adapted intellegent"، فقد يهمل الغاية ويتلهَّى مسرورًا بالوسيلة "لعب", كما حدث في إحدى الحالات أن أحد أطفال بياجيه بدأ يحاول مهمة دفع عائق جانبًا ليحصل على لعبة، وانتهى به الأمر بأن تجاهل اللعبة وأخذ يدفع بالعائق جانبًا المرة بعد الأخرى بقصد اللهو. إن اللعب كالتقليد، يبدأ في التفاضل عن الذكاء المتكيف ليصبح أداة متميزة للنمو المعرفي. ومهما كانت الوظائف
стр. 339
الأخرى التي يؤدِّيها اللعب في حياة الطفل "وهناك الكثير منها"، فإن أحدًا لم يشك في أنه وسيلة هامة للتعلّم والنمو العقلي".
المرحلة الفرعية الخامسة:
ردود الفعل الدائرية الثالثة tertiary circular reactions "١٢-١٨ شهرا":
وهي تنعكس في استكشاف الطفل لإمكانيات جديدة لتناول الأشياء، وبعبارة أخرى: ينشط في التجارب بالأشياء التي في البيئة, كما أن الطفل يبدي مستوى أكثر نضجًا لدوام الأشياء, وقبل هذه المرحلة يميل الأطفال للافتراض بأن الشيء المخبَّأ عن نظرهم يجب أن يكون
стр. 340
موجودًا دائمًا، ولكنهم لا يفهمون أنَّ بالإمكان إزالته. وفي المرحلة الخامسة يتغلّب الطفل على هذا المفهوم الخاطئ, ويأخذ في الحسبان أفعال الآخرين في تحديد ما إذا كان الشيء ما يزال موجودًا أم لا.
والفرق الأساسي بين التفاعلات الدائرية في المرحلتين ٤، ٥ هو أنه في المرحلتين السابقتين لا تستمر التفاعلات الدائرية إذا أدَّت إلى نفس النتيجة، وفي المرحلة ٥، لا تستمر التفاعلات الدائرية إلّا إذا تباينت نتائجها، ويتوقَّف ذلك على كيفية أداء الفعل. وهكذا، فإن الوليد في هذه المرحلة يبدأ فعلًا في اختيار الأشياء بسلوك مختلف مع الشيء, ويتفحص كيف تؤثر التغييرات في الشيء.
المرحلة الفرعية السادسة:
ترسيخ الموجزات الشكلية the internalization of schemas "١٨-٢٤ شهرًا" ويعني ذلك أن الأطفال يحققون بعض القدرة التمثيلية reprezentational ability, أي: إنهم يصبحون الآن قادرين على العمل مع واقعية رمزية, وكذلك مع عالم حسي حركي ملموس. كما أنَّ الطفل يبدأ في الكلام وفهم الكلمات, ويقبل على تصنيف بدائي للأشياء. وفي أثناء هذه المرحلة التالية، يستخدم الطفل الأشياء بطريقة رمزية أو تمثيلية، مثال ذلك: يستطيع الأطفال أخذ مكعب واستخدامه كسيارة بكل تحركاتها وأصواتها المميزة لها, وبعد عشر ثوان قد يأخذون نفس المكعب ويمثلون به طائرة, وهذه القدرة
стр. 341
على أخذ أشياء لتمثيل أشياء أخرى تعتبر كسبًا معرفيًّا بالغ الأهمية, وهو يكتسب دورًا رئيسيًّا في لعب الأطفال, وله آثار هامة على العمليات الاستيعابية.
ومن المظاهر الأخرى للمرحلة السادسة التي تستحق التعليق عليها، دور التقليد initation, إننا لم نشر إلى الآن إلى التقليد, ذلك لأنَّ وظيفته المحدَّدة لم تكن واضحة, غير أن التقليد هام, وذلك بسبب دوره في المواءمة. إن السلوك التقليدي كان يحدث منذ المرحلة الثالثة تقريبًا، ولكن في تلك المرحلة كان من المتعذَّر التفرقة بين سماته الاستيعابية وسماته التواؤمية. وهكذا ففي المرحلة الثالثة كانت أنماط الأفعال المقلَّدة متيسرة فعلًا للطفل، ولكنه لم يكن يستطيع حتى المرحلة الرابعة تقليد أنماط سلوكية جديدة، علاوةً على ذلك, فقبل المرحلة الرابعة لا يمكن تمييز الأنماط التقليدية منفصلةً عن جسم الطفل, وهو لا يتمكَّن من إظهار تقليد مؤجل إلّا في المرحلة السادسة، أي: تقليد نماذج ليست موجودة ماديًّا بالقرب منه. علاوة على ذلك, يستطيع الطفل تقليد الأشياء غير البشرية، كيف تبدو الشجرة مثلًا! وعلى ذلك فإن الطاقة القصوى للتقليد واللعب تظهر في المرحلة السادسة والأخيرة من الذكاء الحسي الحركي, وتستمر تعمل كمصدر هام للاستيعاب والتواؤم والتطوير الممتد للوظيفية المعرفية.
ثانيًا: مرحلة ما قبل العمليات preoperational preiod "٢-٧ سنوات"
يعتبر بياجيه "١٩٥١" أن التحوّل إلى إجراءات أكثر تمثيلية تحولًا حاسمًا في النمو المعرفي, وقد عبَّر عن هذا التغيُّر باسم مرحلة ما قبل العمليات, غير أن المرحلة الفرعية السادسة للذكاء الحسي الحركي والمراحل الأولى من مرحلة ما قبل العمليات, تمثّل في الواقع تدرجًا وليس تحديدًا حادًّا.
وتنقسم مرحلة ما قبل العمليات إلى مرحلة التصوّر العقلي concerptual phase "٢-٤ سنوات" والمرحلة الحدسية intuitive phase "٤-٧ سنوات", وأهمَّ ما يحدث في مرحلة التصوّر العقلي هو تطوير الإجراءات الرمزية واستخدام المهارات التمثيلية. ويتمثَّل جزء كبير من هذا التغير في ابتداء اللغة. وفي رأي بياجيه أنَّ كلام الطفل يبدأ مع بداية مرحلة ما قبل العمليات، وقد يكون ذلك نتيجة النضج العصبي الجسماني، وبعكس واطسون j.b. watson الذي قال: إن
стр. 342
الإجراءات "العمليات", وإن تكن مجرد حركات عضيلات صغيرة في الحنجرة، فإن بياجيه يعتقد أن اللغة نظام رمزي ينقل المفاهيم, ولكنه لا يتضمَّن المفهوم نفسه, وكما لاحظنا في تعليقاتنا على المرحلة الفرعية السادسة، فإن الطفل يبدي زيادة في اللعب الخيالي علاوةً على اللعب الحركي بأشياء حقيقية. وفي أثناء المرحلة ما قبل العمليات الإجرائية تتّسع هذه الموجزات الشكلية "المخططات العقلية"؛ بحيث يصبح للمثيرات معنى فطري لدى الأطفال، وهي حقيقة كثيرًا ما تسبب صعوبات في التواصل بين الأطفال والراشدين. إن أنماط السلوك المعرفي، أي: التكوينات والموجزات الشكلية أو المخططات العقلية للأطفال في مرحلة التصور العقلي من هذه الفترة، يعكس فرقًا نوعيًّا كبيرًا عن التكوينات والموجزات الشكلية المتيسرة لدى الطفل في المرحلة الحسية الحركية.
ولسوء الحظ, فإنه لا توجد أبحاث منهجية مكثَّفة عن مختلف سمات سلوك الطفل الحابي، ونشك في أن السبب في ذلك يرجع بالأكثر إلى أنَّ الصغار في هذه السن يصعب الحصول عليهم مفحوصين للبحث. وأيضًا لأنه من الصعب العمل معهم "ومن أسباب ذلك ما يتَّسم به تفكير الطفل من الفطرية والأنانية". وتدل الأبحاث التي أجريت على أنَّ الطفل التصوري يختلف عن الأطفال الأكبر منه سنًّا من عدة نواحي ذات دلالة. مثال ذلك: إن الأطفال المفكرين في سن ٢، ٤ سنوات يتميزون بعدم وجود تصورات حقيقية, وذلك فلو أنها قد تحل بعض المشاكل، إلَّا أنها لا تستطيع أن توجد تفسيرات دقيقة, ولا تستطيع التنسيق مع أكثر من بعد واحد، أي: إنها تتركَّز على سمة واحدة "تسمَّى المركزية centration" بدلًا من السمات العديدة التي للأشياء والمسائل, والمركزية هي أحد الأسباب التي تجعل الأطفال كثيرًا ما يعجزون عن فهم مشاكل تتعلّق بثبات الخواص conserration, كما أنَّ الأطفال في طور التصور العقلي لا يستطيعون تعميم مثل واحد لمفهوم ما على الأشياء والأحداث الأخرى. والواقع أن تفكير الطفل في هذا المستوى النمائي يقع في خير ما بين التفكير الاستدلالي والتفكير الاستقرائي deductive and inductive, والطفل لا ينتقل من الاستدلال العام deduction إلى الاستدلال الخاص, أو من الاستقراء induction الخاص إلى الاستقراء العام، ولكن ينتقل من
стр. 343
حالة معينة إلى حالة أخرى معينة, ويسمي بياجيه هذا الإجراء بالتفكير التحولي transductive reasoning.
ومن أهم الخصائص المميزة لهذه المرحلة ما يلي:
١- الانعكاسية Reversibility: إن الطفل في مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية لا يستطيع أن يلمس مفهوم الانعكاسية, ويعتبر بياجيه الانعكاسية عملية عقلية يدرك فيها الشخص أنَّ الأشياء يمكن أن تتحوَّل من شكل إلى آخر, وتعود إلى شكل سابق، أو بلغة المعادلات: ٦ + ٣=٩، و٩ - ٣= ٦. إن المسائل العديدة لثبات الخواص كما وضعها بياجيه وزملاؤه تبسط المفهوم المعرفي. والشكل "٧٧" يوضح مسألة ثبات خواص السوائل conservation of liquids, ويُسأل الأطفال: "أيّ الكأسين به ماء أكثر من الآخر، هل هو الطويل أم الأقصر؟ " أو "هل بهما نفس كمية الماء؟ ", وفي أثناء المرحلة، قبل العمليات الإجرائية، يختار الأطفال عادة الكأس الطويل أو الكأس القصير؛ لأنه أوسع, "والواقع أنهم يختارون الكأس الطويل؛ لأنهم يقرنون بين الطويل والكمية". وإذا قدم الطفل
ثبات خواص السوائل
أ- يصب ماء من أحد الكأسين في مخبار طويل "أو طبق مسطح", ويطلب من الطفل أن يذكر ما إذا كان كل من الإناءين يحتوي على نفس القدر من الماء.
ب- كأسان من الزجاج بهما ماء بارتفاع واحد, ويلاحظ الطفل أنهما متساويان.
стр. 344
استجابة غير صحيحة, أو قدَّم تفسيرًا غير صحيح لاختياره أحد الكأسين، فإن القائم بالتجربة يأخذ عندئذ الماء من الكأس الطويل ويصبه في الكأس الصغير, ويمكن بعد ذلك السماح للطفل بصب الماء من الكأس القصير في الكأس الطويل, ويلاحظ أن الكأس الطويل أصبح الآن مملوءًا إلى حافَّته. وعادة يعلق الطفل على ذلك بأنَّ الكأس الطويل مملوء, أو أن الكأس القصير مملوء, وبعد إجراء هذه العملية يطلب من الطفل ثانيةً أن يوضِّح أي الكأسين به ماء أكثر, وأن نفسِّر أسباب اختياره, ورغم أنهم في الحقيقة قد أجروا العمليات الحركية، فإن أطفال مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية يصرّون على ذكر أن الكأس الأطول "الأقصر" به ماء أكثر, وعند تفسير سلوكهم هذا يركِّزون على طول أو اتساع الكأس على أنه السبب في أن أحد الكأسين به ماء أكثر من الآخر. وواضح أن الطفل لكي يقدم الاستجابة الصحيحة، يجب أن يعرف أنه لم يضف أو يسحب ماء في أثناء عمليات صب الماء من كأس إلى آخر. وثانية: يجب أن يدرك الطفل أن زيادة اتساع أحد الكأسين يعوّض زيادة الطول في الكأس الآخر. وهنا نجد لدينا سمتين هامتين من سمات العمليات العقلية لمفهوم الانعكاسية, وتوضحه حقيقة أن صب الماء من كأس إلى آخر يعادل صب الماء في الاتجاه المضاد. وثانية: فإن الطفل يجب أن يلاحظ بُعْدَيْن في وقت واحد، الارتفاع والاتساع، ويجب أن نفهم أنهما يتغيران معًا في علاقة ثابتة. وإذا فشل الطفل في حل هذه المسألة فإنه ينحصر في سمة تصورية واحدة للمادة المثيرة, سواءً طول الكأس أو اتساعه. إن ظاهرة الانتباه لبُعْدٍ واحد فقط أو لخاصة واحدة، سبق أن أشرنا إليه وهو يسمَّى بالتمركز.
وثمة اختيار آخر عن ثبات الخواص, يوضع في كفتي ميزان كرتين من الصلصال "بنفس" الارتفاع, وذلك لمعرفة ما إذا كان الطفل يفهم معنى كلمة "نفس", وبالعمل أمام الطفل، يقوم القائم بالتجربة بإعادة تشكيل إحدى الكرتين إلى شكل آخر، كما في الشكل "٧٧", فإذا أخبر القائم بالتجربة الطفل إن الكرة الأطول قد تحولت إلى صاروخ، فإن طفل المرحلة ما قبل العمليات يقول الآن: إن الكرة الأطول تزن أكثر؛ لأن الصوايخ تزن أكثر, وإذا لم يعلق القائم بالتجربة على ما يمثله الشكل المستطيل لكتلة الصلصال، فإن الطفل سيقول: إن الشكلين الصلصالين
стр. 345
ليسا سواء؛ لأن الصلصال الذي يغير شكله أصبح الآن أطول وبالتالي أكبر، أو أنَّ الكرة المستديرة أطول ولذلك فهي أكبر، وبعد أن يعاد تشكيل كتلة الصلصال المستطيلة إلى شكلها الكروي الأول، يقول الطفل: إنَّ كلًّا من الكرتين تحتوي على نفس كمية الصلصال.
أ- يقدم القائم بالتجربة كرتين متساويتين من الصلصال, ويقر الطفل بأن الكرتين بهما نفس الكمية.
ب- تبرم إحدى الكرتين ويسأل الطفل ما إذا كانا لا يزالان يحتويان على نفس الكمية.
стр. 346
٢- التركيز centration:
في كلا المثالين عن ثبات الخواص، أخذ الأطفال بخاصية إدراكية للمثيرات، وهي ظاهرة أسميناها بالتركيز, وقد توضح التركيز في دراسة تصورية قام بريان وبورسما bryan & boersma "١٩٧١" الذي سجَّل حركات العينين وتثبيتهما للأطفال القائمين بمهمة ثبات خواص السوائل. وكان أفراد التجربة من أطفال صغار وأطفال أكبر. كان الأطفال الصغار أكثر احتمالًا بالانحصار في سمة إدراكية أو أخرى للاختبار، ولذلك لم يتمكَّنوا من حل المسألة حلًّا صحيحًا, وكان الاحتمال أكثر في أنَّ أطفال المجموعة الأكبر سنًّا يستطيعون حل اختبار ثبات الخواص. وقد وجد القائمون بالتجربة أن الأطفال الذين ذكروا أن الكأس الأطول يحتوي على كمية أكبر من المال يميلون إلى تنظيم تثبيتات بصرهم المتتابعة على المحور الرأسي "بُعْد الطول"، في حين أن الأطفال الذين فهموا انعكاسية الاختبار ثبَّتوا أعينهم على كلا البعدين.
стр. 347
وبإعداد اختبارات لتقييم قدرة الأطفال على إدماج الأجزاء المميزة في الكل، قام الكيند elking "١٩٦٩" بإجراء فحص مكثَّف للتركيز وعدم التركيز كأمثلة على التكامل الإدراكي والمعرفي.
والشكل "٧٩" يوضح الأدوات المستخدمة في اختيار تكامل الصورة "pit" picture intergration test. لاحظ أنَّ الطفل يستطيع أن يسمي الأجزاء المنفصلة أو يدمجها في صورة كاملة، أو كلا الأداءين. ومن السمات الهامَّة للسلوك التكاملي "الإدماجي" عمل تصنيفات متعددة وتنسيق الأجزاء إلى كل. وتدل معطيات الكنيد Elkind على أن أطفال مرحلة ما قبل العمليات أقل احتمالًا لعرض سلوكيات تكاملية من الأطفال الأكبر سنًّا, والأطفال الأصغر أكثر احتمالًا لتسمية الأشياء الفردية بدلًا من رؤية النموذج التصوري كوحدة كاملة.
стр. 348
٣- التمركز حول الذات Egocentricity:
من سلوكيات مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية التي لاقت اهتمامًا كبيرًا سلوك الطبيعة الأنانية, أو التمركز حول الذات لتصورات الأطفال للعالم. وبالتحديد فإن الأطفال في مرحلة النمو هذه لا يستطيعون النظر من وجهة نظر الآخرين, وهذا المظهر من الإجراءات العقلية للطفل يشبه تحويل الطفل لمكعب إلى دبابة أو طائرة، ثم لا يفهم لماذا لا يفهم أحد سلوكه وتلفظاته.
ويمكن تقديم أمثلة أخرى على التمركز حول الذات في تفكر الأطفال, ويصف بياجيه "١٩٥٥" طرح الأطفال للأسئلة في مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية بأنه يعكس التمركز حول الذات بصورة أساسية. وعلى ذلك, فعندما يسأل الأطفال في هذه السن: "لماذا تمطر السماء؟ " فإن الأكثر احتمالًا أنهم يسألون: "لماذا هي تمطر, بينما أنا أريد أن أخرج لألعب؟ " أكثر من السؤال عن السبب المادي للمطر. والأسئلة المميزة التي يطرحها الأطفال في هذه السن تبدأ بحرف الاستفهام "لماذا؟ " وهي غالبًا طلبات إيضاح لأحداث طبيعية مثل: الرياح والمطر "myers & shane" ١٩٧٣"، ومعظم مثل هذه الأسئلة عندما يطرحها الأطفال تبرز استجابات غير منطقية تفرض مثلًا أن الرياح والمطر أشياء حية. إن إسناد الحياة لأشياء غير حية، ويسمَّى بالإحيائية animism، هو من الأسئلة والأجوبة للطفل في مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية. "من أين تأتي الرياح؟ "، "هل السحب حية؟ " "أين تذهب الرياح عندما يهدأ الجد؟ " أمثلة لنوع التفكير الذي تتضمَّنه هذه المرحلة, ويقدّم بياجيه أربعة مراحل للإحيائية:
١- الأطفال بين الرابعة والسادسة يفكرون "يظنون" أن كل شيء حي.
٢- الأطفال بين السادسة والسابعة يعتبرون أن الأشياء التي تتحرك حية.
٣- الأطفال بين الثامنة والعاشرة يعتبرون أن كل شيء يتحرّك من تلقاء نفسه حي.
٤- الأطفال في الحادية عشرة وما بعدها يسندون الحياة للحيوانات والنباتات فقط.
والسلوك الإدراكي للطفل في مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية يبدو عادةً بمظهر الحذق الناضج, غير أن الأطفال عندما يسألون بحذر أو تعرض عليهم سائل تولد صراعًا بين الاستجابات التصورية والإدراكية, فإن مستوى استجاباتهم غير الناضج يصبح واضحًا, ومثل هذا الصراع هو المسئول عن المزيد من النمو المعرفي.
وحديثًا، أثارت بورك Borke "١٩٧٣" مسألة ما إذا كان الأطفال في هذه المرحلة من العمر لا يستطيعون فعلًا فهم مشاعر الآخرين, وتدل معطياتها على أنَّ الأطفال في سن الرابعة يستطيعون تمييز الاستجابات السعيدة في الأطفال الآخرين, وفيما بين الرابعة والسابعة يصبحون أكثر كفاءة في تمييز الخوف والحزن والغضب, وهناك بعض الاختلاف في الرأي حول النتائج التي توصّل إليها بورك bork, فنجد أن شالندر وجرينسبان chandler & greenspan مثلًا "١٩٧٢" يريان أن المعطيات بدلًا من أن تدل على قدرة تأكيدية، تدل على أنَّ الإجراءات النفسية التي تضمنتها أكثر شبهًا بالتعيين identification؛ حيث يعزو الفرد مشاعره بشكل دقيق إلى استجابة شخص آخر. وإذا كان شاندلر وجرينسبان مصيبان فإن تفسيرهما يكون أكثر انطباقًا على التمركُز حول الذات التي وجدها بياجيه, ويظل هذا الموضوع مفتقرًا إلى الوضوح, ويتطلَّب إمعانًا أكثر تحديدًا.
لقد طرقنا ثلاث مظاهر فقط من الإجراءات العقلية في الفترة المبكرة من مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية.
стр. 349
٤- الانتقال transiton:
الجزء الثاني من المرحلة قبل الإجرائية يسمَّى المرحلة الحدسية intuitive phase, وفيها يبدأ سلوك الطفل في إظهار علامات على الذكاء التكيفي adaptive intelligence لا بقولة فلافيل flavell س"١٩٦٣ صـ١٦٢-١٦٣".
"أولًا: يصبح الطفل أكثر قابلية للاختبار في التجارب الشكلية من سن ٤ أو ٥ سنوات وما بعدها, وهو أكثر قدرة على مواجهة اختبار محدَّد, وعلى تطبيق الذكاء التكيفي بدلًا من مجرَّد تشبيه هذا الاختبار بموجز شكلي أناني, أو مخطط عقلي متمركزًا حول الذات، وليس من قبيل الصدق أن الحد الأدنى للسن في معظم تجارب بياجيه هو ٤ سنوات، ولا يقتصر الأمر على قابلية الطفل للاختبار في حد ذاته في أواخر مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية، ولكنه يصبح أيضًا قادرًا على التفكير في مسائل تجريبية تزداد تعقيدًا واتساعًا في استعراضات الموقف الاختباري".
стр. 350
إن الطفل الحدسي يمر بمرحلة انتقالية تتجه نحو إجراءات ملموسة. وكما هو الحال بالنسبة لكل المراحل الانتقالية، فإن الأطفال يظهرون أحيانًا سلوكيات غير ناضجة في بعض المجالات، ومع أن الأطفال في المرحلة الحدسية يظهرون نموًّا كبيرًا في نوعية إجراءاتهم العقلية، فإن هذه الإجراءات ما تزال محدودة. إن الأطفال يظلون غير قادرين على مواجهة أكثر من بعد واحد, ولذلك فهم يعجزون عن مواجهة واجبات التصنيف المتعددة, علاوة على ذلك فإنَّهم لا يملكون بعد إدراكًا للانعكاسية.
ثالثًا: مرحلة العمليات المحسوسة "٧-١١" concrete operations:
في أثناء مرحلة العمليات المحسوسة، يحقق الطفل فهمًا لثبات خواص الكتلة، والوزن والحجم، ويسيطر على مجموعة بالغة المرونة من الاستجابات لمواجهة المتطلبات البيئية. إن الإجراءات العقلية للطفل تشتمل الآن على الانعكاسية، والقدرة على مواجهة أكثر من بعد واحد "الارتفاع والاتساع مثلًا"، ومفهوم النوعية. كما أنه يحقق أيضًا القدرة على ترتيب المثيرات تبعًا للطول, وبالتالي يستطيع أداء واجبات التسلسل derration. علاوة على ذلك، فإن قدرة الطفل على استيعاب المزيد من الرموز التجريدية مما يدل على تقدّم ملحوظ.
стр. 351
وقرب نهاية مرحلة العمليات المحسوسة، يصبح الطفل قادرًا على تناول مسائل الانتقالية Transitivity. وتتميز مرحلة العمليات المحسوسة بأنها الفترة التي يبدأ فيها الأطفال بإظهار فهم ناضج للعالم, ويبدءون في إدراك أنَّ باستطاعتهم حل كثير من المسائل باستخدام التفكير المنطقي وعن طريق القياسات, ويقل اعتماد الطفل على الصفات التصورية، ويزداد اعتماده على المفاهيم الرمزية.
ومن أهم خصائص هذه المرحلة العمليات التالية:
١- التصنيف المتعدد multiple classification: هو أحد السلوكيات الجديدة الهامَّة التي يحتاج الطفل إليها في مراحل العمليات المحسوسة.. ومن الواجبات المثالية التي قد تتضمَّن مثيرات تتغير في الحجم "كبير، متوسط, وصغير"، واللون "أحمر، أزرق، وأخضر، أو أسود، ورمادي، وأبيض"، والشكل "منشور، وكرة, ومكعب": ويطلب من الأطفال تجميع الأشياء تبعًا لتوافقها بعضها مع بعض. يمكن أن يجمعوا المثيرات تبعًا لأي من أبعاد المثير أو خواصه: اللون, الشكل، أو الحجم، وبعد فرز المثيرات أول مرة يعاد ترتيبها, ويطلب من الأطفال فرزها بطريقة أخرى، والأطفال في الجزء الأخير من مرحلة ما قبل العمليات يقومون عادة بفرز المثيرات تبعًا للشكل، والقليل منهم من يفرزها تبعًا للون، والأقل بعد ذلك من يفرزها تبعًا للحجم. ومن المفيد أن نلاحظ أن الشكل يميل لأن يكون أكثر الأبعاد بروزًا بالنسبة للأطفال, ولكن إذا ما سألنا الأطفال أن يصنِّفوا المثيرات تبعًا لأكثر من بُعْدٍ واحد، فهم عادة يعجزون عن ذلك. إن الأطفال في مرحلة العمليات المحسوسة لا يجدون صعوبة تذكر في إجراء التصنيفات على أساس بعد واحد، ومعظمهم يقومون تلقائيًّا بإجراء التصنيف على بعدين، مثال ذلك: كل المثيرات الخضراء الكبيرة، والمثيرات الحمراء المتوسطة الحجم، والمثيرات الزرقاء الصغيرة، كما أن الأطفال يمكنهم بقليل من الصعوبة إجراء التصنيف باستخدام الأبعاد الثلاثة في وقت واحد.
стр. 352
٢- البعدية distancing: يوضح الشكل "٨١" نوعًا آخر من مسائل التصنيف. فاختبار وضع المثيرات الذي أعدَّه إرفنج وسيجل irving & sigel "١٩٦٨" كان اهتمامه بالطريقة التي يتَّسق بها الأطفال المثيرات, وكذلك باختيار مفهومهم للافتراض البعدي، وبموجبه يمكن تمثيل الواقع عن بعد من المسند إليه. والبعدية مظهر للقدرة على الاستجابة الصحيحة للتمثيل الخارجي, والاستجابة من واقع الموجزات الشكلية "المخططات العقلية". لاحظ أنَّ كل الأشياء في هذه المجموعة كلها مألوفة, والواقع أن الدراسة التي قام بها سيجل sigel, وتلك التي أجراها ماير meyer "١٩٧٢" أظهرتا أن الأطفال استطاعوا تسمية كل الأشياء. ويتكوَّن الاختبار من أخذ أحد الأشياء من المجموعة، وعرضه على الطفل، ثم يُطْلَب منه العثور على أشياء أخرى من المجموعة من نفس النوع. وبعد أن يجري الطفل اختباراته يطلب منه أن يفسِّر وجه التشابه بين الأشياء المختارة, وتسجيل السلوك يتضمَّن تصنيفات عدة: الخواص الإدراكية "الشكل، اللون، أو التكوين"؛ الخواص الوظيفية "الكتابة بالقلم على الدفتر؛ الخواص التجمعية "أنت تشعل اللفافة بالثقاب، وفي أثناء التدخين تشرب قدحًا من القهوة"؛
стр. 353
بطاقات التصنيف "وهي كل اللعب" ومرتبة قرينية "حدوث الأشياء في نفس المكان". وهناك مرتبة لا يوجد تسجيل للدرجات فيها اشتملت على تفسيرات لا تناسب أي من المراتب الأخرى.
وتوضح نتائج الدراسات عدة فروق بين مرحلة ما قبل العمليات ومرحلة العمليات المحسوسة, فقد كان أطفال تجربة ماير meyer من الطبقة المتوسطة في سن ما قبل المدرسة, وقد تَمَّ اختبارهم في مناسبتين: عندما كان سنهم ٤ سنوات وشهرين, ثم ٤ سنوات وتسعة شهور. وكان الأطفال على مستوى قدرة ذكاء عالية. وتدل نتائج التصنيف في المرتبة التي لا تسجيل للدرجات فيها على أنَّ حوالي ٥١ % من استجابات الأطفال على الاختبار الأول, ولكن ٢٠% فقط من استجاباتهم على الاختبار الثاني, كانت غير صالحة لتسجيل نقط أو درجات, وبعبارة أخرى: فإن الأطفال قد تغيروا كثيرًا في فترة الشهور التسعة فقط, والسبب في ارتفاع نسبة عدم تسجيل الدرجات على الاختبار الأول هو أنَّ استجابات الأطفال لم تكن ذات معنى، أي: إنهم غالبًا كانوا غير قادرين على الانتباه إلى خواص المثيرات. وهذا من خصائص الأطفال في المرحلة قبل الإجرائية. أمَّا العدد المنخفض للاستجابات التي تحرز درجات قبل سن الخامسة, فإنها تعكس حقيقة أن هؤلاء الأطفال كانوا متسارعين عقليًّا؛ وقدرتهم على مواجهة الاختبار في سن ٤ سنوات و١١ شهرًا لا تعني بأيِّ حالٍ أيَّ تحدٍّ للمفاهيم النظرية. والواقع أننا عندما نحلل الأساس الذي بنى عليه هؤلاء الأطفال تصنيفاتهم، نجد أنه يتفق ورأي بياجيه اتفاقًا سليمًا. مثال ذلك: إن معظم الاستجابات التي أحرزت نقطًا "درجات" في الاختبار الأول, كان تقريبا في المرتبة الحسية, ومعظم عمليات تحديد التصنيفات تَمَّت على أساس الشكل أو اللون, وليس على خاصة أخرى أكثر تجريدًا للمثيرات. مثال ذلك: إن المرتبة التالية الأكثر صعوبة ستكون هي الأساس الأدائي للتصنيف, وقد انطبق ذلك على ٤% فقط من الاستجابات في الاختبار الأول, ولم تستخدم هذه النسبة من الأطفال أيًّا من المراتب الأخرى.
وفي دراسة متابعة لنحو ٨٠% من هذه العينة بعد سنتين، استطاع الأطفال أداء هذا الواجب بسهولة كبيرة، وفي سن الثامنة كانوا يقدّمون بطاقات التصنيف، تصنيف يجري عند انتقائهم للمثيرات. وهذه النتائج تتفق تمامًا مع واجب آخر
стр. 354
صمَّمه سيجل sigel, ويدل على أنَّ الأساس في التصنيف يبدأ من خاصة إدراكية واحدة، إلى خواص إدراكية متعددة، إلى تصويرية متزايدة في التجريد.
وثَمَّة مظهر آخر هام لهذه الدراسة, وهو الطريقة التي اقترحها سيجل sigel لتقييم الكفاءة التمثيلية representational competence. عرضت مجموعة المثيرات الواردة بالشكل "٨١" على الأطفال باستخدام الأشياء الفعلية أو صور ملونة لها بالحجم الطبيعي, وفي الدراسة التي أجراها ماير meyer عرض على نصف الأطفال الأشياء الفعلية أولًا, ثم التمثيلات الصورية لها ثانية، في حين عرضت نفس المثيرات على النصف الآخر بترتيب عكسي، وطبقًا للافتراض البعدي لسيجل sigel، كان المفروض أن يجد الأطفال الأصغر صعوبة أكبر في ترتيب مراتب الصور "التمثيلات" من الأشياء نفسها, وهذا في الواقع هو ما حدث فعلًا, فكان مؤيدًا ليس فقط لافتراض البعدية, ولكن للتنبؤ بأن الأطفال يستطيعون مواجهة سمات تمثيلية للمثير تتزايد تجريدًا.
٣- تضمين النوع Class inclusion: نوع ثالث من وسائل التصنيف يسمَّى اختبار تضمين النوع، وفي هذا الاختبار يعرض القائم بالتجربة صورًا لثلاثة رجال وامرأتين, ويطلب من الأطفال أن يذكروا عدد الرجال، ثم عدد الأشخاص، وأخيرًا ما إذا كان هناك رجلًا أكثر من الناس، ويمكن تشكيل أي عدد من التشكيلات من هذا الاختبار، ولكن الفكرة الأساسية هي تقديم اختبار يتضمَّن مرتبة متميزة ومرتبتين أو أكثر ثانويتين، ثم نحدِّد هل يستطيع الأطفال التمييز بين النوعين. إن طفل مرحلة ما قبل العمليات يحتمل أن يقول: إنه يوجد ٣ رجال و٥ أشخاص، ولكن هناك من الرجال أكثر مما يوجد من الناس "على كل حال فكلنا نملك الانعكاسية". والطفل في مرحلة العمليات الملموسة "المحسوسة" يمكن أن يفهم إسهامات الخواص: رجال ونساء، التي تكوّن المرتبة المتميزة من الناس, على ذلك فالأطفال في فترة العمليات المحسوسة يمكنهم حلّ المسائل التي تتضمَّن الجنس, وهي مسائل لها أهمية غير عادية في تحديد تكوين العالم.
стр. 355
٤- التسلسل والانتقالية Serration & Transitivity: في واجب التسلسل يعرض على الطفل عصيّ في ترتيب عشوائي, ويطلب منه أن يصنع منها درجات، فطفل مرحلة ما قبل العمليات يحتمل أن يركز على علاقة واحدة فقط داخل الترتيب العام للأحجام, ويتجاهل النواحي الأخرى للاختبار، وبذلك يكون ترتيبًا عشوائيًّا إلى حدٍّ ما. والطفل لا يستطيع أن يفهم مدلول تدرج العصي في سلسلة متصلة إلّا عندما يصل إلى مرحلة العمليات الملموسة المحسوسة. وبالمصادفة فإن هذا الاختبار يتضمَّن مسألة أخرى يستطيع طفل العمليات المحسوسة أن يحلّها, وهو اختبار على شيء من الصعوبة يعرف باسم الانتقالية؛ فالمسألة اللفظية في الانتقالية هي: "إذا كان زيد أطول من عمرو، وعمرو أطول من طارق، فإيهم أطول: زيد أم طارق؟ والفرق بين هذه المسألة ومسألة التسلسل هو أنَّ الأولى أيضًا تتطلَّب تحولًا عقليًّا للمعنى "أكبر من" و"أصغر من" كأساس لترتيب المثيرات.
следующие страницы →