Полный текст (992 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
نظريات التعليم والتشريط
...
١- نظرية التعلّم والتشريط:
تتناول نظرية التعلّم اللغة من خلال مصطلحات التعلّم الترابطي associative learning, وبشكل أضيق مصطلحات الاقتران والتشريط خصوصًا في سياق التعلّم اللفظي.
ولقد قدَّم واطسون warson نظريته السلوكية منذ عام ١٩٢٤, والتي عرفت بنظرية التعلّم فيما بعد، ونشر فصلًا بعنوان "الكلام والتفكير"، اعتبر فيها أن التفكير بمثابة كلام الفرد إلى نفسه، أو هو الكلام ناقص الحركة، وحاول تفسير السلوك اللفظي، كيفية أشكال السلوك في ضوء تكوين العادات وتدخل المعززات "المدعمات" المختلفة بين المثيرات والاستجابات لإحداث التشريط, ومن هنا: كانت اللغة استجابات يصدرها الكائن ردًّا على مثيرات تأخذ شكل السلوك الخاضع للملاحظة المباشرة, وبذلك: فإن واطسون يتعامل مع الكلام لا مع اللغة. وقد أوضحت بعض التجارب أنَّ الاستجابات اللفظية عندما تدعم "تعزز" تميل إلى الحدوث المتكرّر شأنها شأن بقية الاستجابات. "جمعة يوسف: ١٩٩٠، ١١٦-١١٧".
وبذلك تهتم نظرية التعلّم في معالجتها للنمو اللغوي بالعلاقة بين المدخلات والمخرجات، وتعتبر أن النمو اللغوي يخضع للتغير من خلال المعايير المتضمنة في مبادئ التعلم مثل: التقليد والمحاكاة، التعزيز "التدعيم، والاقتران والتشكيل.
стр. 387
وغيرها". فاللغة مهارة مثل كل المهارات التي تخضع للتدريب الشكلي، ويمكن اعتبار التغيّر في الأداء أو الإضافة الكمية معيارًا للنمو اللغوي ومؤشرًا للانتقال من مرحلة استيعابية إلى مرحلة أخرى.
ويعتبر "سكينر" Skinner أبو النظرية الاشتراطية الإجرائية، الذي استخدمها في تفسيره لاكتساب اللغة؛ إذ يعتبر "سكنير" -مثل كل السلوكيين- اللغة فصل من فصول التعليم، وأنَّ كافة أنماط التعلم بما فيها اللغة تخضع للتغيّر الذي يضعه التعليم الإجرائي من أنَّ الاستجابات الإجرائية التي يليها تعزيز تستمر، أما تلك التي لا يليها تعزيز تتلاشى، وهذا التعزيز مصدره الذين يحيطون بالطفل, ويأتي على شكل ابتسامات وضحكات، وأوصوات التشجيع والأحضان.
وهذه الأنماط المختلفة من التعزيز الإيجابي تزيد من احتمال ظهور تلك الأصوات التي لا تأتي في مصفوفة الأصوات الداخلة في تركيب اللغة.
فالطفل يولد ولديه من الاستجابات الإجرائية, وتشكل بعض الأصوات جزءًا من هذه الاستجابات, وعند صدروها على أشكال تقارب اللغة التي يتحدثها الأبوان يتمّ تعزيزها، وكلما نما الطفل يلاحظ نوعية الأصوات والجمل التي ينطقها الكبار, فييدأ في تقليدها.
стр. 388
ويستمر المحيطون بالطفل في تعزيزها إمّا عن طريق الإثابة الفورية أو الاستجابة الفورية أو الاستجابة لما تتضمنه، بينما تتلاشى تلك الاستجابات والتي لا تصادف مثل هذا التعزيز, والتي في أساسها تعتبر همهمات غير مفهومة للأبوين. "محمد رفقي، ١٩٨١".
وقد قدم "سكينر" skinner وجهة نظر مفصّلة لاكتساب اللغة، وهو يرى أن اللغة عبارة عن مهارة ينمو وجودها لدى الفرد عن طريق المحاولة والخطأ، ويتم تدعيهمها "تعزيزها" عن طريق المكافأة، وقد تكون أحد احتمالات عديدة مثل: التأييد الاجتماعي, أو التقبيل من الوالدين أو الآخرين للطفل عندما يقوم بمنطوقات معينة, خصوصًا في المراحل المبكرة من الارتقاء.
ويميز "سكينر" بين ثلاث طرق يتمّ بها تشجيع تكرار استجابات الكلام:
- الأولى: قد يستخدم الطفل استجابات ترددية echoicc حيث يحاكي صوتًا يقوم به آخرون يظهرون التأييد فورًا، وتحتاج هذه الأصوات لأن تتم في حضور شيء قد ترتبط به.
- والثانية: تتمثَّل في نوعٍ من الطلب؛ حيث تبدأ كصوت عشوائي, وتنتهي بارتباط هذا الصوت بمعنى لدى الآخرين.
- والثالثة: تظهر فيها الاستجابة المتقنة، وتتم بإحدى الاستجابات اللفظية عن طريق المحاكاة عادة في حضور الشيء "child, d, ١٩٧٧" جمعة يوسف: ١٩٩٠، ١٧".
стр. 389
وهكذا نرى أن مبادئ التعليم التي أوردها "سكينر" لا يمكن رفضها من أساسها كتفسير لاكتساب اللغة, ولا يمكن قبولها باعتبارها أساسًا للتفسير الكامل لهذا الأمر.
وفي دراسة أجراها روث routh "١٩٧٩" لتأييد وجهة نظر "سيكنر" تَمَّ إجراء التعزيز الإيجابي لمجموعتين من الأطفال بين ٢-٧ شهور لإصدارهم فونيمات "وحدات صوتية" مختلفة، وتَمَّ تشجيع الأطفال بالابتسامات وبعمل أصوات "tsk", ولمسات جانبية على أجسامهم، كما تَمَّ تعزيز إحدى المجموعتين لنطقهم بعض الأصوات المتحركة، بينما عززت المجموعة الأخرى لنطقهم بعض الأصوات الساكنة, ولقد استجاب الأطفال بتزايد إصدار الفونيمات التي تَمَّ تعزيزها. "سهير شاش: ١٩٩٨".
وبرغم التسليم بأن للتدعيم "التعزيز" دورًا في اكتساب اللغة، إلّا أنَّ هذا الدور يظل محدودًا وقاصرًا لعدة أسباب هي:
١- إذا كان الكلام ليس دائمًا لطلب "ماء" أو "طعام", فكيف يتم اكتساب الملفوظات التي لا تلق تدعيمًا؟
٢- هناك كلمات عديدة وجمل تشير إلى حالات خاصة في الذهن أكثر منها إلى أشياء أو أحداث في العالم الخارجي, فكيف يتمّ تدعيمها اجتماعيًّا عندما يكون الحاكم بصوابها صعبًا على الراشدين الذين لا يعرفون ما يدور في عقول الأطفال.
٣- لو أن الكلام يتم تعلمه بواسطة عملية انتقائية, فكيف نفسر الحدوث في الكلام الناضج للتراكيب اللغوية الجديدة التي لا تحدث لا في التلفظ العشوائي, ولا في تقليد أن نموذج آخر؟ "ولذلك تبدو مصطلحات الثواب والعقاب في نظر البعض أساليب غير فعّالة في تفسير اكتساب اللغة باستثناء المراحل المبكرة جدًّا. "herriot, d. ١٩٧٠, rimble & thers, ١٩٨٠".
стр. 390
هذه نظرة عامة لما يراه سكينر. فاللغة مهارة مثل كل المهارات تخضع للمبادئ العامَّة للتعليم: التعزيز، التقليد، بالإضافة الكمية, وقد سيطرت هذه الأفكار على الدراسات المختلفة للنمو اللغوي.
وتنقل اللغة أيضا عن طريق المحاكاة imitation والارتباط الشرطي؛ حيث إن الحياة الاجتماعية تؤثر تأثيرًا مباشرًا في الوليد البشري، وخاصَّة أن العجز الكبير الذين يولد به الطفل الرضيع يقوده إلى درجة عالية من الاعتمادية على المحيطين به, وخاصة الوالدين, للحصول على إشباعات لحاجاته الحيوية والنفسية، وأثناء عملية الإشباع هذه يكتسب الطفل الوليد ألوان السلوك المختلفة عن طريق المحاكاة لمن يحيطونه بالرعاية، وهذه الرعاية تمثّل ألوانًا من التعزيز لتثبيت وتقوية الارتباطات السلوكية، واكتساب اللغة من أهم ألوان السلوك ارتباطًا بهذه النظرية.
وثمة معطيات تدل على نسق الأصوات التي تصدر من الطفل منذ ولادته وحتى الشهر الثاني عشر تصبح في اطِّراد أكثر شبهًا باللغة القومية, وتشير معظم الدراسات إلى انعكاس لغة الأبوين والإخوة المخالطين انعكاسًا كبيرًا على سلوك الأطفال اللغوي.
ولقد أكَّد ألبرت بندورا A. Bandura "١٩٧٧" على دور التعليم من خلال الملاحظة observational learnning, فهو يفترض أن الأطفال ترتقي لغتهم بصفة أساسية بتقليد المفردات والتراكيب اللغوية التي يستخدمها الآباء والأخرون في الحياة العادية, ولقد أيدت دراسة نلسون nelson "١٩٧٧" وجهة النظر هذه, فلقد
стр. 391
استجاب بعض الكبار إلى تعبيرات نطقها أطفال في عمر سنتين, وذلك بالاستخدام المقصود لبعض التعبيرات المعقدة نوعًا ما، وبعد شهرين تكوَّن لدى الأطفال مزيد من التراكيب اللغوية المعقَّدة أكثر من الأطفال الذين لم يتعرَّضوا للنماذج التي يستخدمها الكبار "nelson, ١٩٧٧".
وقد أوضحت أعمال هاملتون وستيوارت Hamliton & Serwart "١٩٧٧" أن أطفال ما قبل المدرسة قد أضافوا إلى مفرداتهم بنسخ كلام الآخرين وهذه حقيقة وليست بدعة بالنسبة لأي مربية.
وقدَّم كلٌّ من براون وبيلوجي Brown & Bellugi "١٩٨٤" في بحثهما الذي أجرياه على الطفلين "آدم وإيف" على أساس نظرية المحاكاة في اكتساب اللغة، قدَّمَا الدليل على أن بعض الجمل التي يستخدمها الأطفال في سنين أعمارهم المبكرة كانت عبارة عن محاكاة لكلام الأم.
كما أوضح هوايتهورث وآخرون whitehurt et al "١٩٨٨" تعزيزًا إضافيًّا لدور النمذجة modeling ينبثق من النتائج التي أظهرها أطفال في عمر سنتين, والذين يقرأ لهم آباؤهم ويكتسبون اللغة بطريقة أسرع من الأطفال الذين في نفس العمر ولا يقرأ لهم آباؤهم.
ولا يقتصر دون الأبوين على تقديم النماذج لهذه الأصوات, ولكنهما يعززان الأصوات الملائمة؛ حيث يقترن التعزيز بين الأصوات الصحيحة ما يعمل على اكتسابها، أما الأصوات غير المناسبة فيخلو مواقف استخدامها من عملية التعزيز ممايؤدي إلى عدم اكتسابها، ويلعب التعزيز دوره الأساسي في اكتساب الأطفال للتتابع السليم للنماذج المختلفة للكلمة: أسماء، وأفعال، وحروف.
وهناك فنية أخرى من الفنيِّات التي أكَّدت عليها نظرية التعلّم في اكتساب اللغة, تلك هي فنية التشكيل shaping والتي تعرف أحيانًا باسم التقريب المتتابع successive approximation أو مفاضلة الاستجابة response differentiation, وهو أسلوب لتوليد سلوكيات جديدة عن طريق التدعيم الأولي لسلوكيات موجودة لدى الفرد، وبالتدريج تقوم بحسب التدعيم من السلوكيات الأقل مماثلة, ومركّزة على
стр. 392
السلوكيات الأكثر تشابهًا والتي تصبح شيئًا فشيئًا مشابهة للسلوك النهائي المرغوب, ويمكن استخدام أسلوب التشكيل في التدريب على إخراج الحروف وحالات اضطرابات النطق:
- في البداية يقوم المربي بتدعيم استجابة تقليد الصوت التي تصدر عن الطفل.
- وفي الخطوة الثانية: فإن الطفل يدرَّب على التمييز، ويدعم المربي الاستجابات الصوتية لإخراج حرف من الحروف إذا حدث في خلال خمس ثوان من النطق للطفل.
- وفي الخطوة الثالثة: فإن الطفل يكافأ عند إصدار الصوت الذي أصدره المربي, وكلما كرر ذلك.
- أما في الخطوة الرابعة: فإن المربي يكرر ما فعله في الخطوة الثالثة مع صوت آخر شبيه بالصوت الذي تَمَّ في الخطوة الثالثة. "محروس الشناوي ١٩٩٦، ٣٣٧".
ويشير ستاتس stasts "١٩٧١" إلى أهمية استخدام التعزيز في اكتساب الطفل التتبعات النموذجية لاستخدام كلمات الجمل وأفضليات الحدوث, والتي يتم تعلمها بالارتباط الشرطي.
إذ إن الأطفال يتعلّمون "انظر إلى الحصان", وليس "انظر الحصان إلى", فالجملة الأولى الصحيحة تعزز من الوالدين, فتثبت وتكرر عند الطفل، أما الجملة الثانية الخاطئة لا تجد تعزيزًا, ولذا يلغيها الطفل وينساها.
وتمثل أفضليات الحدوث -لدى سبتاتس staats- النمو بشكل يشمل نمو النماذج اللغوية في شكل ونسق، يتعلّم بواسطة آليات المثير والاستجابة في تتابع من البسيط إلى المركب، ويتتابع نمو الجمل النحوية هي الأخرى من البسيط إلى المركب، فإذا ارتبط مثيرٌ ما باستجابة خاصة به, وتبع هذا وجود تعزيز مناسب في الوقت الذي يقرن هذا التعزيز بكلمة مناسبة، فإن الارتباط يتزايد، وتتوالى الكلمات في تتابع وتناسق مكونة الجمل، ويقرر ستاتس staats أن الكلمات المستخدمة في الجملة يمكن أن تمثل مثيرات واستجابة في وقت واحد.
стр. 393
ويمكن تبسيط هذا النسق في صورة كلمتين منطوقتين على النحو التالي:
مثير استجابة.......... مثير استجابة.
الكلمة الأولى............ الكلمة الثانية.
خبز.......... من فضلك
حيث استخدم ستاتس staats "من فضلك" كلمة ثانية؛ حيث إذا قرنها الطفل بكملة خبز "أي: أريد خبزًا" فتقول الأم: "خبز من فضلك"، وحينما يكرّر الطفل الجملة كاملة يحصل على قطعة الخبز التي تمثل تعزيزًا للسلوك اللغوي المناسب.
ويعتبر ستاتس staats أن مقطع "من فضلك" هو المثير التمييزي الذي يسيطر على الاستجابة، والخبز كما استخدم هنا هو الاستجابة، هو أيضًا مثير لكلمة "من فضلك".
وإذا أمكن تدريب الطفل على كلمات مختلفة "لبن، خبز، برتقالة" بصفة مستمرة بكلمة "من فضلك" فإنها تكون طائفة ترتبط باستجابة واحدة.
وقد قدَّم براين braine "١٩٦٣" سلسلة من التجارب توضّح كيفية ارتباط مثيرات الكلام ارتباطًا شرطيًّا في مواضع معينة داخل الجمل؛ حيث استخدم فيها كلمات غير ذات معنًى, ولها سمات تمييزية عامّة، وقد تبيِّن "براين" أن الكلمات يمكن تتباعها لتظهر في مواضع معينة، والأهم من ذلك أن الأطفال تمكنوا من استخدام الكلمات غير ذات المعنى في المواضع الصحيحة، وأن تعلم الموضع يعتبر حالة تعلم إدراكي حسي.
وتفسير نظرية الاقتران كيفية اكتساب الطفل معنى الكلمات بطريقة مباشرة نسبيًّا؛ حيث ترتبط الأشياء والأفعال المختلفة في بيئة الطفل باستجابات كلامية واضحة في ذاكرته، وهذا الشكل من الارتباط الشريط يسمَّى عادةً بالترقيم, وهناك العديد من الدراسات التي تبيّن أن تعلم الترقيم يمكن بسهولة إحداثه بالارتباط الشرطي السببي, وفي الواقع أن هذه المسائل قد استخدمت على نطاق واسع لنمو المحصول اللفظي vocabulary لدى الأطفال.
стр. 394
والنظرية السلوكية أو نظرية التعلُّم قد وجِّه إليها كثيرٌ من النقد فيما يتعلّق باكتساب اللغة؛ فبالرغم من أن المثيرات الخارجية "البيئة" عامل هام في تطوير لغة الطفل، إلّا أنها لا تفسر الطريقة التي يستطيع بها الأطفال ترديد الأشياء التي يسمعونها من قبل. فمن المحتمل أن يكون طفل في سن ٢، ٦ سنة جملة مثل: "أحمد أكلت" أو "مها لعب", ومن الواضح أن ذلك ليس تقليدًا بحتًا, ولكن ذلك يعكس عملية الاستخدام المفرط للغة overregularication. وفضلًا عن ذلك فإن معظم الآباء يكافئون أطفالهم على صحة مقولاتهم بدلًا من صحة التركيب اللغوي, فاستجابة لجملة مثل: "القطة خرج" فإن الوالد من المحتمل أن يوافق في ذلك حتى لو كانت الجملة في الحقيقة ينبغي أن تكون: "القطة خرجت".
ورغم أن هناك اعتراضات على بعض تفاصيل النظرية الارتباطية إلّا أنها لاقت قبولًا واسعًا في أواخر الخمسينات وبداية الستينات كنموذج توضيحي لاكتساب اللغة؛ حيث إن الاتفاق كان عامًّا على المبادئ الأساسية, وأهمها:
- إن اكتساب اللغة يمكن فهمه بتطبيق المبادئ السلوكية للارتباط الشرطي دون اللجوء إلى المفاهيم العقلانية "إجراء أو تكون معرفي".
- وإن الطريقة الوحيدة لفهم اكتساب اللغة هي من خلال التناول المنهجي للمتغيرات المستقلة عندما تؤثر على المتغيرات التابعة.
ويلخص ستاتس staats "١٩٧١" القضية على أنّ المحاكاة تعتبر أحد عوامل تعلّم اللغة، والمترابطات البيئية تتزايد أهميتها لدى علماء اللغة المعاصرين.
والخلاصة: إنه يمكن القول بأنه من المهم بيان طبيعة النظرية في موضوع اللغة، وبيان كل أسلوب نظري يقوم بتفسير أحد ظواهر اكتساب اللغة في ضوء إهمال بعض العوامل الأخرى، ولهذا لا نستطيع القطع بأن الارتباطية يمكن أن تسهم في تفسير جميع ظواهر اكتساب اللغة, ولكن يمكن أن تعزز أهمية كل من:
- العوامل البيولوجية والحيوية وعامل النضج.
- الممارسة والمحاكاة السليمة, واستخدام ألوان من التعزيز.
- فاعلية الطفل ومدى إثارته الداخلية لاكتساب اللغة.
وكل هذه العوامل تعمل مجتمع على اكتساب اللغة ونموها نموًا سليمًا يخدم نمو شخصية الطفل.
стр. 395
٣- النظرية العقلية أو الفطرية:
تنسب هذه النظرية تشومسكي chomsky، ولينيرج lenneberg "١٩٦٧" وهما أنصار هذا الاتجاه.
فلقد ولد بوام تشومسكي boam chomsky عام ١٩٢٨ في مدينة فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وتابع دراسته الجامعية في جامعة بنسلفانيا في مجالات الألسنية واللغويات والرياضيات والفلسفة. حصل على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا, وعمل بجامعة هارفارد في الفترة ١٩٥٠-١٩٥٥ وهي الفترة التي أنجز فيها معظم أبحاثه في مجال اللغة، ويعمل حاليًا بمعهد ماساتشوستس التقني.
واشتهر تشومسكي بادئ الأمر في مجال اللغويات, إلّا أن شهرته لم تقتصر على هذا المجال، بل تعدَّته إلى مجالات الكتابة السياسية, خاصة انتقاداته لسياسة الولايات المتحدة الخارجية.
ويعتبر تشومسكي مؤسّس النظرية التوليدية والتحويلية التي هي حاليًا أكثر النظريات الألسنية انتشارًا ليس فقط في الجامعات الأمريكية، إنما أيضًا في الجامعات الأوروبية، والتي ترجع النمو اللغوي إلى العوامل العقلية الفطرية. فلقد ركَّز أصحاب هذه النظرية على التركيب الداخلي للغة, وعلى الأنماط العامَّة للنمو اللغوي, والتشابه الأساسي بين كل اللغات، العلاقة بين نضج الجهاز العصبي والقدرة اللغوية.
ويعتبر ظهور مراحل النمو دليل قوي ومؤثِّر يدعم هذا الاتجاه الفطري للغة.
وقد تأثَّر "تشومسكي" في نظريته عن النحو التوليدي التحويلي بآراء الفيلسوف الفرنسي "ديكارت"، واعتبر أن مهمة تفسير النشاط اللغوي يجب ألّا تقتصر على النظر في ظاهرة اللغة "الأداء"، وإنما يعمل على استنباط القواعد التي تكون أساس اللغة، تلك القواعد التي تشكّل المعرفة الحقيقة للغة "الكفاءة".
стр. 396
وتمكن هذه الكفاءة -أو القواعد- الفرد من توليد عدد لا نهائي من الجمل الصحيحة، وكذلك من إخضاع الجمل البسيطة إلى عدد من التحويلات، كما أنها تمنع تكوين جمل غير صحيحة لا يقبلها الناطقون بهذه اللغة. وهذا ما دفع "تشومسكي" إلى التفرقة بين البنية الظاهرية للغة "الكلام، أو المنطوق اللغوي للفرد كما يسمعه الناس", وبين البنية العميقة التي تمثل العلاقات المعنوية بين مكونات الجملة والتي تلزم لفهم الجملة المنطوقة. "محمد رفقي، ١٩٨٧".
ولقد انتقد تشومسكي وأتباعه فرضيات نظرية التعلّم في اكتساب اللغة، فلقد وجد عند تحليل التفاعل بين الآباء والأبناء أنَّ الأطفال يمرون بنفس المراحل, ويتعلمون لغتهم الأصلية دون تعلّم أبوي رسمي، فالأطفال يردِّدون أشياء لم يعلّمها لهم الكبار مطلقًا، وأن كثيرًا من الآباء لا يعززون القواعد النحوية الصحيحة بطريقة إيجابية, أو يصححون الأخطاء اللغوية بطريقة ثابتة, وأشار إلى أنَّ النمذجة والتقليد لا تستطيع تفسير جميع مراحل تعلّم اللغة؛ لأن ملاحظة الأطفال تظهر أنهم مختلفون في درجة تقليدهم لما يقوله الآباء. "سهير شاش: ١٩٩٨".
وقد انتقد تشومسكي أيضًا فكرة اقتران المثير الشرطي بالاستجابة لوحدات لغوية، أو بين الوحدات اللغوية والأشياء التي تشير إليها الوحدات, فتقوم بتحديد الاستجابات المحتملة، وأن المزاوجة هذه بين المثير والاستجابة هي التي تحدّد تواتر الوحدات التي بالإمكان ملاحظتها في المدونة اليومية، لذا يرى أن هذا النموذج السلوكي لا يمكن أن يحلل عمل الكلمات كأشياء تحتوي على معاني، وبالتالي لا يمكنه أن يحلل القضايا اللغوية تفسيرًا آليًّا. واللغة في نظره ليست في الواقع مجموعة عادات كلامية، وهي مختلفة عن لغة الحيوان، وأنها تتسم بخصائص مميزة، ويرفض كذلك اعتبار عملية الاكتساب في مجال اللغة نتيجة لتأثير البيئة والوسط المحيط بالطفل. "ميشال زكريا: ١٩٨٥، ٤٩-٥٠".
стр. 397
والمبادئ الأساسية التي تعتمد عليها النظرية:
١- اللغة خاصية إنسانية:
يرى تشومسكي أن مفاهيم المثير والاستجابة وتعزيز الاستجابات التي ترتدي بعض المعاني في إجرائها على الحيوان تفقد كل معانيها ومسوغاتها عندما يتعلق الأمر باللغة الإنسانية، فتصبح هذه المفاهيم مجرد تخيلات وأوهام عارية، فاللغة عند الحيوان مجرد أصوات أو تنظيم مغلق يحتوي على عدد من الصرخات التي تقترن بالجوع أو الخوف, وما إلى ذلك, في حين أن اللغة الإنسانية تنظيم مفتوح وخلاق يحتوي على عدد لا متناه من الجمل والأفكار والمشاعر والغايات المتجددة، فمثلًا: عندما نقول: "لقد آن الأوان لتعديل البرامج الدراسية والجامعية لتواكب التكنولوجيا المعاصرة", فهذه الجملة تفتح مجموعة لا متناهية من المعاني والأفكار، وكل متكلم للغته قادر على إنتاج وعلى تفهُّم عدد لا متناهٍ من جمل لغته لم يسبق له سماعه من قبل أو التلفظ به، وتختص هذه الخاصية بالإنسان باعتبار كائن ناطق وعاقل.
وعندما يتكلم تشومسكي عن قدرة الإنسان على إنتاج عدد غير متناهٍ من الجمل, فهو يشير إلى المظهر الإبداعي الخاص باللغة الإنسانية؛ فالسلوك اللغوي العادي يمتاز بالابتكار وبالتجديد عبر بناء جمل جديدة, وإقرار بنى جديدة تتلاءم مع المقدرة الإنسانية على استعمال اللغة استعمالًا طبيعيًّا ومتجددًا بعيدًا كل البعد عن المفهوم الآلي الذي يتضح عند السلوكيين عندما يعتبرون أن الاستعمال اللغوي لا يتعدَّى كونه ردود فعل مشروط بعامل المثير. "ميشال زكريا: ١٩٨٥، ١٥١-١٥٣".
٢- الميل الفطري لاكتساب اللغة:
عارض تشومسكي "١٩٦٨" وأتباعه فرضية أن اللغة تكتسب فقط بالتعلم، وصمم على أن الأطفال يولدون ولديهم ميل للارتقاء اللغوي مثلما يمتلكون القدرة الكامنة على المشي، كما يعتقد أنهم يرثون التركيب البيولوجي لأعمال السمات اللغوية العامة, وهذا التركيب يهيئه نضج الجهاز العصبي المركزي، وقد أطلق تشومسكي على المخطط التفصيلي لاكتساب اللغة "أداة اكتساب اللغة".
стр. 398
The language acquisition device وتختصر إلى LAD، وهذه الأداة تعتبر ميكانيزم عقلي "آلية عقلية", تجعل الأطفال على قدر من الحساسية للفونيمات "الوحدات الصوتية" والتراكيب اللغوية والمعاني، وهي تحتوي على عموميات لغوية تتألَّف من قواعد تنطبق على جميع اللغات، فهي تقوم بإعداد المعلومات, وتساعد الطفل على تحصيل وفهم مفردات وقواعد اللغة المنطوقة. ويرى تشومسكي أنه بدون هذه المقدرة الفطرية لا يستطيع الأطفال فهم الجمل التي يسمعونها، كما أدَّاه اكتساب اللغة -هذه- تساعد على اكتساب القواعد النحوية التي تمكِّن الطفل من تفسير وتكوين الجمل. وكلما نضج العقل يكتسب الأطفال مهارات أكبر في فهم وإنتاج اللغة. "سهير شاش، "bee, ١٩٨٥, ٢٩٠-٢٩١", ويدعم رأي تشومسكي حول الميل الفطري لاكتساب اللغة بملاحظة عامة بأن الطفل الصغير لأبوين مهاجرين ربما يجعله يتعلّم لغة ثانية من احتكاكه بالأطفال الآخرين, ومن خلال وسائل الإعلام وبسرعة مدهشة، ويمكن لهذا الطفل أن يتحدث اللغة الجديدة بطلاقة مثل الأطفال الآخرين من أهل هذه اللغة. "محمد السيد عبد الرحمن، ١٩٩٩".
٣- عملية اكتساب اللغة والبنى العقلية النظرية:
يؤكِّد تشومسكي باستمرار على أنَّه لا بُدّ لنا لتطوير المفاهيم النظرية لاكتساب اللغة أن نتخلَّى عن المذاهب التي تَرُدُّ الاكتساب اللغوي إلى تأثير المحيط على الطفل الذي يكتسب لغة بيئته، لأن ما يلزمنا هو الاعتقاد بأن المعرفة الفطرية بالمبادئ الكلية التي تخضع لها بنى اللغة الإنسانية, والتي يمتلكها الطفل الرضيع، وهي التي تقود عملية الاكتساب اللغوي، هذه المبادئ هي جزء مما يسمَّى بالفكر، وهي قائمة في العقل الإنساني بشكل من الأشكال، فوراء اكتساب اللغة قدرة عقلية فطرية قائمة بصورة طبيعية عند الطفل, وتعده لاكتساب اللغة. فالطفل يكتسب في الواقع لغة بيئته خلال مدة زمنية قصيرة نسبيًّا، ومن خلال تعرُّضه لجمل هذه اللغة، ويصعب علينا أن نقول: إن اكتساب اللغة هذا يتمّ نتيجة عمل تعميمي يقوم به على مجموعة الجمل هذه, فالطفل في الواقع يقوم بعمل ذهني بالغ الأهمية والتعقيد حين يكتشف بقدراته الخاصة تنظيم القواعد الضمني الكامن في كفاية اللغوة الذي يتيح له تكلم لغته. "ميشال زكريا: ١٩٨٥، ١٥٦-١٥٧".
стр. 399
٤- الكفاءة/ الأداء:
يميز تشومسكي بين الكفاءة اللغوية, أي: المعرفة الضمنية لقواعد اللغة لمتكلِّم هذه اللغة المثالي, تلك الكفاءة التي تتيح له التواصل بواسطتها، ميِّز بينها وبين الأداء اللغوي, أي: طريقة استعمال اللغة بهدف التواصل في ظروف التكلُّم العادية. "ميشال زكريا: ١٩٨٣، ٢٩٢". وعلى ذلك يستطيع أي فرد يعيش في بيئة لغوية معينة أن يفهم عددًا غير محدود من التعبيرات الواردة بهذه اللغة، حتى وإن لم يتعرَّض لها بصفة مسبقة، كما أن بإمكانه كذلك إصدار تعبيرات مختلفة لأول مرة دون أن يكون له سابق معرفة بها, ولا شكَّ أن ما نتحدث به في كل لحظة رغم أنه يبدو وكأنه مألوف لنا, إلّا أنه في الواقع يختلف في صيغته عمَّا استخدمناه سابقًا. وهذا ما يطلق عليه الأداء اللغوي.
ويعرف الأداء اللغوي linguistic performance بأنه إمكانية الفرد للتعبير عن طريق توضيح أفكاره باستخدام الكلمات المناسبة، أو هي عملية إصدار الأصوات الكلامية لتكوين كلمات أو جمل لنقل المشاعر والأفكار من المتكلّم إلى السامع، بالإضافة لذلك: فإنه مجموعة المفردات التي يستخدمها الطفل حتى يتسنَّى له التعبير عن الأغراض والمعاني العادية التي تجري في التخاطب اليومي بطريقة آلية تلقائية, وهو الطريقة التي يعبّر بها الإنسان عن كل ما يجول في ذهنه, ويدور في خاطره, وتجيش به عواطفه في نطاق أوسع ومدى أطول، ويدخل في ذلك إلى جانب الكلام وسائل التعبير الأخرى كالإيماءات والإشارات والحركات وغيرها. تلك الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان ليؤكِّد أو يوضح ويثبت ما ينطق به, أو يعبر عنه لفظيًّا أو ليعوض عمَّا ينقصه أو يعجز عن استحضاره من تعبيرات وألفاظ. "سهير شاش: ١٩٩٨: ٩".
ومن ناحية أخرى ترجع النظرية التوليدية التحويلية القدرة على السيطرة على قواعد وتراكيب وبلاغة اللغة إلى ما تسميه الكفاءة اللغوية, وهي المعرفة المفترضة بالقواعد النحوية التي تعتبر من أوضح مظاهره -إن لم يكن من مهامها الرئيسية- استطاعة الفرد أن يقوم بعدد كبير من التوليدات والتحويلات فيمكَّن من استيلاد تراكيب لغوية كثيرة الدلالة على معنى واحد، وكذلك يتمكَّن عن
стр. 400
طريقها من تحويل أي صيغة لغوية تعرض له إلى صيغ مختلفة؛ كأن يحوّل صيغة الخبر إلى الاستفهام أو النفي أو المبني للمجهول.. إلخ. "محمد رفقي: ١٩٨٧". وبذلك تحدد الكفاءة اللغوية بأنها معرفة متكلم اللغة بقواعد لغته بصورة ضمنية، وبأنها قدرة المتكلم على أن يجمع بين الأصوات اللغوية وبين المعاني في تناسق مع قواعد لغته بتنظيم, وهذه الكفاءة تقود عملية تكلّم الإنسان. والمظهر الإبداعي في اللغة مرتبط بتنظيم قواعد تتيح لمن يدركها أن ينتج عددًا لا منتاهٍ من الجمل, وأن يفهم أيضًا بموجب التنظيم نفسه عددًا لا متناهيًا من الجمل ينتجها الآخرون، فمع أن عدد قوانين تنظيم قواعد اللغة محدود إلّا أن الإنسان بموجب الكفاة اللغوية ينتج عددًا لا متناهيًا من الجمل والتركيبات. "ميشال زكريا: ١٩٨٥، ١٥٣-١٥٤".
٥- العالميات اللغوية:
يشير هذا المصطلح إلى أن دراسة اللغات البشرية تشترك في بعض المظاهر الأساسية كما يلي:
أ- إن كافّة اللغات لها مجموعة صوتية محدودة "تتمثل في الحروف الساكنة والمتحركة، أو الصوامت والصوائت", يشتق منها أعدادًا كبيرة من الأصوات الكلية "تتمثّل في المورفيمات أو الكلمات أو الجمل".
ب- تشترك اللغات الإنسانية في أن لها تقريبًا نفس العلاقات النحوية التي تشير إلى وظائف المفردات اللغوية، مثل: أن تكون بعض الكلمات في موضع صفة أو في فاعل, أو تكون في موقع مفعول, كأن نقول في اللغة العربية: "أكل الولد السمك" أو "أكل السمك الولد" فهنا يختلف المعنى في الجملتين.
стр. 401
ج- إن الأطفال يمرون بنفس المراحل، بغض النظر عن اللغة التي يتحدثونها مع تقدّم أعمارهم "مثل مرحلة الأصوات قبل اللغوية، فمرحلة الكلمات الخاصة، فمرحلة الكلمة الواحدة، فمرحلة الكلمتين".
د- إن ما نعرفه من لغات البشر يمكن أن نحصر تراكيبها الأصولية في ثلاثة نظم رئيسية هي: فاعل، فعل، مفعول به، أو فعل فاعل مفعول به.
هـ- كما استندوا إلى أبحاث لينبرج lennnberg التي تشير إلى أن قدرات تعلُّم اللغة أمر مرتبط بالإنسان, وبالإنسان فقط. "محمد رفقي: ١٩٨٧، ٦٩-٧٠".
الأطفال في كل أنحاء العالم يكتسبون اللغة بطريقة واحدة.
أ- أم من النيجر.
ب- أم من تايلاند.
ج- جدة من هونج كونج يتحدثن جميعًا مع أبنائهن وأحفادهن ليكسبوهم اللغة القومية.
وتبعًا لهذه المظاهر الأساسية التي تشترك فيها اللغات البشرية، فإن الطفل يستطيع اكتساب أية لغة إنسانية بدون أي تمييز, وتفسير ذلك: إن الطفل يمتلك الأشكال العامَّة المشتركة بين كل اللغات, أي: ما يسمَّى بالقواعد الكلية كجزء من كفايته الذاتية الفطرية. ولكون التنظيم اللغوي بالغ التعقيد يستحيل على الطفل أن يكتسب اللغة ما لم يكن قائمًا في ذهنه الإلمام بالقواعد الكلية، فتكون عملية اكتساب اللغة بمثابة إجراء يقوم به الطفل لاكتشاف قواعد لغته بالذات من ضمن القواعد الكلية الكامنة ضمن كفايته اللغوية الفطرية. ومن الطبيعي ألا تعمل المبادئ الفطرية إلّا من خلال تفاعلها مع المادة اللغوية التي يتعرَّض لها الطفل، فالملكة اللغوية تبني القواعد عندما تتوافر لها الإثارة الملائمة في مراحل النمو الملائمة.
وعلى هذا تكتسب اللغة انطلاقًا من حالة معرفية أساسية محددة بيولوجيًّا ومختصة بالقواعد الكلية للغة، ويمر بحالات معرفية وسيطة "هي قواعد اللغة التي
стр. 402
يتعرض لها الطفل"، ليصل في النهاية إلى حالة ثابتة بتنظيم قواعد ومبادئ تتلاءم مع القواعد الكلية العامة.
إن الانتقال من الحالة الأساسية إلى الثابتة النهائية مرورًا بالحالات الوسيطة المتعددة يتمّ بالتوافق مع النمو الطبيعي, وعبر تعرُّض الطفل إلى لغة بيئية. "ميشال زكريا ١٩٨٥، ١٥٧-١٥٨".
٦- البنية السطيحة والبنية العميقة:
يهدف هذا المبدأ إلى تقسيم التركيب اللغوي بين بنية ظاهرة تتمثَّل في الصورة الكلامية التي ينطق بها المتكلم، وبنية تحتية تتمثّل في الجملة الأصولية أو اللبنية "التي تكون لبناتها الأساسية".
فنقول: إن البنية العميقة: "أصلح النجار الطاولة", يمكن أن نعبر عنها في بنى سطحية مختلفة مثل: "الطاولة أصلحها النجار، النجار أصلح الطاولة، الذي أصلح الطاولة هو النجار", فعلى المستوى السطحي فإن هذه الجمل لها نفس التركيب من الفعل الفاعل والمفعول والصفة أو الحال، ولكن من البديهي أن ندرك أن المعنى المتضمّن في كل جمل لا يختلف فيما بينها، وبذا نقول: إن كل جملة لها تراكيب بنائية متعمقة مختلفة. ورغم اختلاف البنى السطحية إلّا أنها جميعًا تتفق في بنية عميقة واحدة، وقد تتطابق البنية السطحية مع البنية العميقة، وهو ما نراه غالبًا على تعبيرات الأطفال حين تنتظم الكلمات في الجملة أو المنطوق اللغوي على أساس تلقائي يحقق البنية العميقة, ويأتي مطابقًا لها، وعلى هذا فإن التركيب الظاهري أو البنية السطحية تمثّل البنية العميقة، ولكن البنية العميقة هي التي تحتوي على الدلالة الحقيقية للجملة. "محمد رفقي، ١٩٨٧، chomisky, ١٩٨٧".
وعلى الرغم من أنَّ قواعد عمل التحويلات اللغوية معقَّدة للغاية، فإن الأطفال يحققون تقدمًا واضحًا نحو إجادة هذه التحولات قبل الخامسة أو السادسة
стр. 403
من العمر، ويبدو أن الأطفال يكتشفون التركيب المتعمق للغتهم أولًا, ثم يأخذون مسارهم لإجادة عملية التحويل بعد ذلك. "محمد السيد عبد الرحمن: ١٩٩٩".
تقييم نظرية تشومسكي:
يدَّعي أصحاب هذه النظرية أن السمات العامَّة والمألوفة لجميع البشر غريزية, وقد استهوت هذه الآراء علماء النفس التجريبي, ولاقت إقبالًا من جانبهم.
ويفترض "لينبرج" ١٩٦١ lenneberg "١٩٦١" أن القابلية لإنتاج اللغة هي خاصية من خصائص البشر الموروثة، وتستند اللغة على مؤثرات بيولوجية آلية, وأن مراحل اكتساب اللغة تحدث لدى الأطفال الأسوياء بنسق ثابت منظّم في جميع أنحاء العالم, كما تحدث بنفس المعدل تمامًا رغم التباين البيئي والثقافي، فالأطفال في كافة أنحاء العالم ينطقون كلمتهم الأولى قبل نهاية سنتهم الأولى تقريبًا، وتعتبر هذه العملية المنسّقة كما لو كانت مرتبطة بالنضج البيولوجي بنفس الطريقة التي يحدث فيها نضج مراحل تعلّم المشي. "ماير، ١٩٨٠".
هذا ولقد أيَّدت أبحاث لينبرج lenneberg "١٩٧٦" ما أطلق عليه تشومسكي القدرة الفطرية لاكتساب اللغة؛ حيث افترض بأنَّ تطور اللغة يسير سيرًا موازيًا مع التغيرات العصبية neurological changes التي تحدث كنتيجة للنضج، وهو يشير إلى حقيقة, وهي أنَّ الأطفال في جميع الثقافات يتعلمون اللغة تقريبًا في نفس العمر، ويرتكبون نفس الأخطاء في التعبير بلغتهم, كما يشير لينبرج إلى حدوث تغيرات في منظومة العقل في سن الثالثة, مما يساعد الأطفال في قدرتهم على فهم اللغة والتعبير بها، وهذه السرعة التي يتمكَّن بها الأطفال من لغتهم, بين ٢-٣ سنوات, يصعب تفسيرها دون الرجوع إلى التغيرات التي تطرأ على القدرة العصبية كليةً لاكتساب اللغة. "سهير شاش: ١٩٨٨ gromly, ١٩٩٧, ١٩٢".
وقدَّم سلوبين slobin "١٩٨٢" دليلًا مساندًا شيقًا في أنَّ هذه القدرة على تمثّل القواعد والعملية اللغوية هي في الواقع جزء من عملية اكتساب اللغة. ففي دراسة أجراها على "٤" من أطفال الثقافات المختلفة, حاول التعرُّف على ما إذا كانت هناك استراتيجيات عامَّة لتنمية القواعد التي يستخدمها الأطفال الذين يمثلون
стр. 404
أصولًا ثقافية متباينة، ولقد وجد أن هناك في الواقع استراتيجيات عامَّة أو مبادئ فعَّالة يستخدمها الأطفال في عديد من اللغات بدون ترصيعها في جمل صريحة. "hendrickk, ١٩٩٢, ٤٠٢".
كذلك: فقد حاولت دراسة بوهانون وستانوفيتش bohannon & stanowiez "١٩٨٨" اختبار صحة ادِّعاء تشومسكي وأنصاره, من أن الكبار يهملون أخطاء أبنائهم في اللغة ولا يوفقون في تصويب أخطائهم اللغوية, وقد توصَّلت إلى أنَّ اكتساب اللغة يتوقَّف على التغذية الرجعية feedback التي يقوم بها الكبار الذين يصوبون الحالات اللغوية الخاصة، ولكن في صياغة لغوية صحيحة, أو سؤال الطفل لتصحيح ما يقول. "sadorow, ١٩٩٥, ٣٤٦".
هذا ورغم تأثير نظرية تشومسكي عن اكتساب اللغة إلّا أن أفكاره لم تلق قبولًا كبيرًا؛ لأن ما ادَّعاه باسم أداة اكتساب اللغة LAD تقوم على افتراضية التركيب اللغوي العام الذي يكتسبه الأطفال، ولم يقم الدليل على عمومية التركيب اللغوي، ويبدو أن تطور اللغة يستغرق زمنًا أطول مما ينبغي, خاصَّة إذا كان خاضعًا لعوامل النضج والنمو والنمو البيولوجي، كما أن النظرية العقلية الفطرية تتجاهل خبرات الطفل وقدراته المعرفية.
ومع ذلك, فإن تشومسكي يصرُّ على أنَّ نظريات المثير والاستجابة لا تكفي لتفسير إمكانات الطفل في استخدام اللغة أو فهمها، وأكثر من هذا, فإنه يسلّم بأن لدى الأطفال استعدادًا لمهارة لغوية فطرية تسمَّى جهاز اكتساب اللغة، وهو ميكانزم افتراض داخلي, يمكن الأطفال من السيطرة على الإشارات القادمة, وإعطائها معنى وإنتاج استجابة، وتقدّم قواعد اللغة إلى الأطفال فيما يبدو بطريقة طبيعية حتى إذا كانوا ينتمون لمستويات شديدة الاختلافات من الذكاء والبيئة الثقافية، وأن القواعد تصاغ في حدود معينة دون أن يظهر ما يدل على فهمها، ويؤيد "تشومسكي" النظرة القائلة أنَّ الإنسان فريد بما لديه من استعدادات لغوية. "chilk, d, ١٩٧٧".
غير أنَّ بعض علماء النفس مثل: "سوبس" supps, واسجود osgood, وماك كوركاديل mac corquadale, يرون أن "تشومسكي" وغيره ممن انتقدوا نظريات التعلم قد أساءوا تفسير مبادئ التشريط الفعال والمناحي الأخرى في التعلم.
"د. جمعه يوسف، ١٩٩٠ ص١٢٢" "Tiendler, ١٩٧٤".
стр. 405
٣- النظرية المعرفية:
يهتم أتباع هذه النظرية بالنموّ المعرفي كأساس لجوانب النمو الأخرى, ومنها اللغة "فاللغة نتائج مباشر للنمو المعرفي"، ويعتبرون أنَّ مراحل النمو حلقات مختلفة تقوم على عدم الاستمرارية, فلكلٍّ طبيعتها، وكذلك يعتقدون بأن النمو حصيلة التفاعل بين الفرد والبيئة، ومن بين الذين أسهموا في النظرية المعرفية في تفسير النمو اللغوي ما يلي:
أ- جان بياجيه:
وتمثِّل نظرية "جان بياجيه" الأساس الذي تقوم عليه النظرية المعرفية النمائية, ورغم أن النظرية في حد ذاتها تهتم بطبيعة النمو المعرفي خاصَّة, إلَّا أنها لا تغفل التكامل العضوي بين جوانب النمو بصفة عامة، وقد يكون من الخطأ أن نرى في هذه النظرية انفرادًا بالجانب المعرفي دون الجوانب الأخرى.
ويعتبر "بياجيه" أن النمو بجميع جوانبه يخضع للتفاعل بين الفرد بمكوناته وبين البيئة بعناصرها، فرغم اتفاق الأفراد فيما يتعرَّضون له من خبرات مادية واجتماعية, إلّا أن ما يتميز به كلٌّ منهم من خصائص وقدرات تجعل ناتج التفاعل من هذه الخبرات متباينًا كيفًا وكمًّا. ويقع النمو المعرفي عند "بياجيه" في مراحل متتالية متباينة يمكن تمييزها عن طريق التعرُّف على محتوى كل مرحلة من التراكيب والأبنية المعرفية، وتشير التراكيب المعرفية ببساطة إلى أساليب التعامل مع البيئة، ولذا نجد أن كل مرحلة تختلف عن غيرها من المراحل في أسلوب اكتساب الخبرة واستيعابها، كما يختلف الأفراد فيما بينهم بخصوص ما يتكوَّن لديهم من أبنية معرفية. "محمد رفقي، ١٩٨٧".
ولقد كان بياجيه piaget من أبرز الباحثين الذين ربطوا نمو اللغة بالنمو المعرفي, فعندما يكون الطفل مخططًا معرفيًّا فإنّه يستطيع تطبيق المدلول اللغوي
стр. 406
عليه "gormly, ١٩٩٧, ١٩٢". ففي المرحلة الحسية الحركية senorimotor تبدأ بذور اللغة في البزوغ؛ حيث يتم استدخال السلوك اللغوي في عمليات التفكير؛ إذ يرى بياجيه أن اللغة يمكن أن تتطوَّر من نهاية المرحلة الحس حركية, وذلك عندما يبدأ التمثّل الداخلي للأشياء والذاكرة، وبمجرد أن يصبح الطفل قادرًا على استخدام اللغة ليتعلَّم أشياء مختلفة عن العالم فإنه يتخطَّى الذكاء الحس حركي؛ حيث يتضمَّن استخدام اللغة القدرة على إدارك الرموز, وتقوم الكلمة مقاوم ما تشير إليه. أما في مرحلة ما قبل العمليات، يرى بياجيه أن الأطفال في هذا السن تواجههم صعوبة في استخدام اللغة في الاتصال؛ إذ كان استخدامها لهذا الغرض يتطلّب منهم القيام بدور المستمع, والتكيف مع الرسالة التي يودون نقلها إليه, حتى يضعوا في اعتبارهم ما الذي قد لا يعرفه الشخص الذي يتحدثون إليه. كما يرى أن الأطفال في مرحلة ما قبل العمليات ينغمسون في الحوار الذاتي حين يتخيلون أنهم يتحدثون إلى شخصٍ ما على الطرف الآخر, وهو ما يطلق عليه الحديث المتمركز حول الذات، وبمجرَّد أن يصبح الحديث اجتماعيًّا بدرجة أكبر, فإن هذه الحوارات الذاتية تختفي, وقرب نهاية فترة ما قبل المدرسة يكتمل نمو اللغة من الناحية العملية, وتتطور المهارات اللغوية وتصبح متناسقة ومعدَّة للقيام بالنطق السليم الذي يختصر أو يختزل المعنى الذي يقصده المتكلّم بطريقة تجعل من الممكن بالنسبة للمستمع أن يحل مثل هذه الشفرة بحدّ أدنى من سوء الفهم. "ج. تيرنر: ١٩٩٢، ٨٦-٨٧، ١٣٦-١٣٧".
وجوهر النظرية المعرفية عند بياجيه هو ارتقاء الكفاءة اللغوية كنتيجة للتفاعل بين الطفل والبيئة، وبالرغم من أن أنصار "بياجيه" لا يدَّعون أن النظرية المعرفية في الارتقاء يمكن اعتبارها أيضًا نظرية صريحة في تفسير النمو اللغوي، إلّا أنها مع ذلك تتضمَّن المفاهيم والعلاقات الوظيفية الأساسية التي تسمح لها بالقيام بالدور التفسيري في هذا المجال. والنظرية المعرفية وإن كانت تعارض فكرة "تشومسكي" في وجود تنظيمات موروثة تساعد على تعلُّم اللغة، إلّا أنها في الوقت نفسه لا تتفق مع نظرية التعلُّم في أن اللغة تكتسب عن طريق التقليد والتدعيم لكلمات وجمل معينة ينطق بها الطفل في سياقات موقفية، فاكتساب اللغة في رأي "بياجيه" ليس عملية تشريطية بقدر ما هو وظيفة إبداعية.
стр. 407
إن اكتساب التسمية المبكرة للأشياء والأفعال قد تكون نتيجة التقليد والتدعيم, ولكن "بياجيه" يفرِّق ما بين الكفاءة والأداء, وهو أحد محاور نظرية "تشومسكي", فالأداء في صورة التركيبات التي لم تستقر بعد في حصيلة الطفل اللغوية، وقبل أن تكون قد وقعت نهاية تحت سيطرته التامَّة، يمكن أن تنشأ نتيجة التقليد، إلّا أن الكفاءة لا تكتسب إلّا بناءً على تنظيمات داخلية تبدأ أولية، ثم يعاد تنظيمها بناءً على تفاعل الطفل مع البيئة الخارجية المعرفية، ولكن عندما يتحدَّث "بياجيه" عن تنظيمات داخلية, فإنه لا يعني في الوقت نفسه ما يقصده "تشومسكي" من وجود نماذج التركيب اللغوي, أو القواعد اللغوية, بقدر ما يعني وجود استعداد للتعامل مع الرموز اللغوية التي تعبّر عن مفاهيم تنشأ خلال تفاعل الطفل مع البيئة, منذ المرحلة الأولى وهي المرحلة الحسية الحركية. "محمد عماد إسماعيل ١٩٨٦".
ب- فيجوتسكي:
ومن ناحية أخرى: قدَّم فيجوتسكي vygotsky رأيًا مختلفًا؛ إذ يعتقد أن اللغة والفكر ينشآن على مرحلتين مختلفتين:
المرحلة قبل العقلية preinllectual: ويطلق عليها أحيانًا فكر ما قبل اللغة.
والمرحلة قبل اللغوية preinllectual stage: ويطلق عليها أيضًا كلام ما قبل العمليات العقلية.
وفي سن العامين يلتقي هذان الخطَّان التطوريان باندماج اللغة والفكر كلما اقترب الطفل من مرحلة ما قبل العمليات, وهنا يتأثَّر فكر الطفل بما يريد أن يقوله، وفضلًا عن ذلك تساعد اللغة الطفل على ترتيب أفكاره وتوصيلها وجود بعض جوانب استقلال كلٍّ من اللغة والفكر, واستمرار هذه الاستقلالية. وتشير التجارب إلى أنَّ فكر ما قبل اللغة يقع في مرحلة النشاط الحسي الحركي، ويستمر الطفل بعد هذه المرحلة إلى استخدام الصور الذهنية والمهارات الحركية mobor skills في الأعمال العملية، وقد يؤدي التعلُّم عن طريق الحفظ عن ظهر قلب learning heart دون استيعاب المعنى إلى كلام ما قبل العمليات الفكرية. "فيصل الزراد: ١٩٩٠، ٧٥-٧٦".
стр. 408
ويعتقد فيجوتسكي أن التفكير نشاط يعتمد على الكلام الداخلي "التحدث إلى النفس"، والكلام الخارجي "التحدث مع الآخرين"، وهذا التوحُّد بين اللغة والفكر يساعد على تفسير سرعة استخدام الأطفال لمفردات جديدة في وقتٍ يشتد فيه حب الاستطلاع حول الناس والأشياء. ويبدو أنه خلال وقت قليل يكون الطفل قد تعلَّم الكلام ولديه كثيرًا ما يقوله, وبينما يعتقد بياجيه أن اللغة هي ظاهرة للنمو المعرفي، يعتقد فيجوتسكي أن اللغة والمعرفة يتطوران تطورًا منفصلًا "gormly, ١٩٩٧, ١٩٢".
نظرة تكاملية لتفسير اكتساب ونمو اللغة:
من العرض السابق يتضح أن النظريات السابقة في تفسير اكتساب اللغة ونموِّها قد اتخذت موقفًا تنافسيًّا في انتقاداتها لأصحاب النظريات الأخرى, والأفضل الأخذ بوجهة نظر تكاملية لتفسير هذا السلوك المعقَّد؛ لأنه لم يثبت إلى الآن أنَّ منحًى واحدًا نجح بمفرده في تفسير النمو اللغوي. وهذا الاتجاه التكاملي يطلق على أصحاب أنصار النظريات التفاعلية أمثال: بركو berko، إرفن ervin عام "١٩٦٤"، براون brown عام "١٩٧٣" الذين قبلوا النظرة العقلية في تطور ونمو اللغة, ولكنهم ركَّزوا على طرق تعلُّم الطفل لقواعد اللغة، ورفضوا وجهة النظر التعلُّمية التي ترى أن الطفل يكتسب اللغة بالتقليد والممارسة، فهم يجادلون بأن الطفل الذي يقلّد الكبار بطريقة سليمة لا يكون قادرًا بالضرورة على إثبات فهمه للقواعد اللغوية النحوية، لذا فهم يركّزون في دراساتهم لتطور اللغة على الطريقة التي يكتسب بها الأطفال المفاهيم.
ولكننا نرى أن آراء سكينر وبندورا وتشومسكي وبياجيه يجب أن تتكامل لتفسير كيفية اكتساب اللغة ونموها، فمن الواضح أننا نتعاطف مع الميل الارتقائي للغة، فهو الذي يمدّنا بالأساس الفطري الكامن للغة، ولكن قد نتعلّم لغتنا نتيجة للجوانب اللغوية الأساسية الخاصة, من خلال الإشراط الإجرائي operant conditioning، ومن خلال التعلُّم بالملاحظة observational learning، ومن ناحية أخرى لا نغفل أثر البيئة التي يعيش فيها الطفل ويترعرع في وسطها.
стр. 409
وعلى هذا: فلكي نتكلم ونكتسب اللغة لا بُدَّ من استعداد فطري ولادي يعمل كأساسٍ تُبْنَى عليه هذه المهارة؛ حيث إن كل أطفال العالم يتكلَّمون اللغة في مراحل متشابهة ومتتابعة، وأن حدوث تعطّل نمائي في أي مرحلة من المراحل يؤثر سلبيًّا على كفاءة اكتساب ونمو اللغة. بالإضافة لذلك: فلا يمكن إنكار دور البيئة وما تقدمه للطفل من تنبيهات مختلفة لنمو اللغة, ومن المتوقَّع أن الطفل إذا تجاوز المراحل الأولى لاكتساب اللغة دون وجود تنبيهات ومثيرات اجتماعية لغوية, أو نماذج يمكن محاكاتها، كانت البيئة فقيرة من الناحية اللغوية، مما لا شكَّ فيه أن مثل هذا الطفل سيصاب بتدهور الوظيفة اللغوية عند الكبر. "جمعة يوسف: ١٢٤".
стр. 410
نظريات النمو الخلقي
مدخل
...
نظريات النمو الخلقي:
مقدمة:
لقد تأثَّرت بحوث النمو الخلقي بعدة نظريات سيكولوجية أهمها نظرية التحليل النفسي، والنظرية السلوكية أو التعلُّم الاجتماعي بشكل خاص, ونظريات النمو المعرفية, فقد ربط فرويد بين الغرائز الجنسية وبين الحاجات الانفعالية. وتعالج نظرية التحليل النفسي النمو الخلقي في إطار مبدأ اللذة وفكرة الإثم, أمَّا نظرية التعلُّم فقد أكَّدت على أهمية الحاجات البيولوجية وإشباعها، فإشباع الحاجات البيولوجية وتعزيزها هي العامل التي تحدد السلوك الإنساني, كما يعتقد أصحاب نظريات التعلُّم أن النمذجة والاستجابات السلوكية المتعلَّمة هي التي تحدد النمو الخلقي والاجتماعي "arofreed, ١٩٦٨". وهكذا نجد أن الاتجاهين السابقين يبدآن تقريبًا من افتراض واحد، وهو أن الطفل يبدأ أنانيًّا بالمعنى الأخلاقي, إنه يسعى لإشباع حاجاته أو غرائزه، وتبرز نظرية التحليل النفسي فكرة الإثم والشعور بالذنب, والوسيلة الأساسية للخلاص منه تكمن في التدخُّل المبكر من جانب الراشدين، وتلقين الطفل القيم الأخلاقية. فالأخلاقية من وجهة نظرهم تركّز في فكرة الضمير، وهو مجموعة من القواعد الثقافية والأفكار الاجتماعية التي تَمَّ تمثُّلها بواسطة الفرد. وأحد المؤشرات الأساسية لوجود معايير خلقية تَمَّ اكتسابها هو الشعور بالذنب, أي: استجابات نقد الذات وعقابها, والقلق الذي ينشأ لدى الفرد عندما يتعدَّى على المعايير الثقافية.
ونظريى التعلُّم الاجتماعي وليدة نظرية الصفحة البيضاء "tabula rasa. فالطفل الوليد ليس فاسدًا أخلاقيًّا، ولا هو نقيًّا بالفطرة، وإنما هو طبيعة مرنة قابلة للتشكيل على أية صورة، ومرة أخرى، فإن تدخل الراشدين هو العامل الحاسم في اكتساب الطفل المعايير الخقلية، فلولا تدخُّل الراشدين لكان ممكنًا أن تستمرَّ دافعية الطفل عند مستوى الحاجات البيولوجية. وعن طريق التعزيز باستخدام الثواب والعقاب يتعلّم الطفل أفعال معينة تسمَّى بالأفعال الخلقية.
وعكس ذلك فإن الاتجاه المعرفي النمائي, وعلى رأسه جان بياجيه, ينطلق من مبدأ الصفاء والنقاء الداخلي "الفطري", فالطفل أساسًا يكون أخلاقيًّا أو نقيًّا، ويتعلّم اللا أخلاقيات من المجتمع الراشد, وكنتيجة لذلك: فإن التأثير المفسد للمجتمع الراشد على الطفل يجب أن يقلل إلى أدنى حد. ويرى بياجيه بأن الخلق ينمو من اكتساب الاستقلال الذاتي المنبثق عن الحاجة إلى التوافق مع الأقران، ويعتقد أن الآباء وحدهم لا يسمحون بنمو الاستقلال الذاتي؛ حيث إن سلوك الطفل إنما يحمله الوالدان وليس الطفل.
ولقد حاول أصحاب نظرية النمو المعرفي مدّ أثر النظرية المعرفية أبعد من ذلك لتفسير نمو الأخلاقيات. وسوف نعرض فيها يلي للتوجُّهات النظرية المختلفة في تفسير النمو الخلقي.
стр. 411
أولًا: نظرية التحليل النفسي:
حيث إننا وصفنا نظرية التحليل النفسي عن نمو الأنا العليا في الفصل الرابع، فسوف نقتصر هنا على تفسير جوانب النظرية التي تتعلق بالنمو الأخلاقي, وطبقًا لفرويد فإنَّ تكوّن الضمير أو الأنا العليا, وبالتالي اكتساب السلوك الأخلاقي, إنما يعتبر نتيجة لحل العقدة الأوديبية.
إن الأنا العليا الذي يمثل معايير الراشدين، ينمو من خلال التوحّد مع الوالد من نفس الجنس "فرويد ١٩٢٣، ١٩٢٤". إن المحتمع يضمن بقاءه من خلال التقمُّص أو التوحُّد الذاتي بفرض معاييره على الفرد الذي ينقل هذه المعايير إلى الجيل الذي يليه, فكلٌّ من الأولاد والبنات الذين يتوحَّدون مع الوالد من نفس الجنس بسبب الخوف أو القلق على السلوك "فقدان الحب أو العدوانية".
وكما يذكر برونفينبرنر bronfenbrenner عام "١٩٦٠" فإنَّ الطفل قد يتوحَّد مع أيٍّ من جوانب الوالد الثلاثة أو معه جميعًا, وهي: السلوك الواضح، أو الدوافع، أو الطموح بالنسبة للطفل, أمَّا ما يتوحد معه الطفل من هذه الجوانب فهو موضوع البحث, وقد يتوقَّف على شكل التوحُّد.
وقد يحدث أن عملية واحدة مثل التواجد anaclitic انتقائيًّا تكون أكثر احتمالًا؛ كي ينتج عنها تطوير المعايير، في حين أن عملية أخرى مثل التوحُّد مع معايير الشخص العدواني يؤدي إلى اتباع دوافع الوالدين "Bronfenbronner, ١٦٠. ٢٤".
стр. 412
ورغم أنَّ الأساس الدقيق للتوحُّد غير واضح. والواقع أنه ما يزال موضع جدل شديد، ولذلك فإن نظرية فرويد قد آثارت كثيرًا من البحث حول آثار سلوك الوالدين على نمو الطفل.
بحث هارتسون وماي Horthorne & May:
إن أحد الآثار المترتبة على نظرية فرويد هو أنه بسبب التوحُّد مع فرد واحد، فإن الجوانب المتعددة للسلوك الأخلاقي يجب أن تكون على درجة كبيرة من التناسق مع بعضها البعض؛ إذ إنها كلها جزء من نفس التكوين المتكامل للشخصية. إن هذا التأثير جرى اختباره بمعرفة هارتشون وماي "١٩٢٧، ١٩٢٨، ١٩٣٠" اللذان أدخلا سلسلة من الاختبارات على الأطفال والمراهقين من ٨-١٦ سنة, وذلك لقياس: الغش، والكذب، والسرقة، وكانت أهم نتائج هذا البحث هي:
١- كان الغش موزعًا توزيعًا طبيعيًّا.
٢- إن الغش في موقف معين لم يتنبأ به جيدًا في موقف آخر, وبعبارة أخرى: لم يكن بالإمكان تصنيف الأطفال على أساس أنهم "غشاشون" أو "غير غشاشين"، لقد غشَّ كل الأطفال تقريبًا, ولكنهم اختلفوا في مدى المجازفة التي أقدموا عليها خوفًا من اكتشاف أمرهم, ولقد استنتج "هارتشون وماي" أن الغش يتحدَّد بدرجة كبيرة طبقًا للموقف, وأنه لا توجد سمة عامة للأمانة أو الأخلاقيات.
وقد قام بورتون burton بإعادة تحليل نتائج هارتشون وماي "١٩٦٣، ١٩٧٦", وقد نقض هذا الاستنتاج الأخير، وكان تحليل بورتون لتلك الاختبارات قد كشف عن "سمة عامة للأمانة", مما يدل على درجة كبيرة من الثبات في الأمانة عبر المواقف, وخاصة بالنسبة لمقاومة الإغراء على الغش، أو الكذب، أو السرقة. وقد استنتج بورتون أن المواقف المتشابهة تدعو إلى إبراز حالات غشٍّ متشابهة, ولكنه لم يناقش ما إذا كان ذلك يدل على أن الناس يمكن تصنيفهم على أساس أنهم إمَّا أمناء أو غير أمناء.
وقد أوضح بيك وهافيجرست "١٩٦٠" أن ذلك قد يكون هو الواقع، وقد ذكرا سمة للتطابق الخارجي مع القواعد، وعند أحد طرفي هذا البعد نجد الشخص الذي يتبع القواعد، وفي الطرف الآخر نجد الشخص الذي يظن أن القواعد الاجتماعية لا تسري عليه, وهو ينتهكها بانتظام. وكذا فإن الدليل على ثبات السلوك الأخلاقي يدل على أن الناس يسلكون نفس السلوك في المواقف المتشابهة, ولكن هذا التناسق يصبح ضئيلًا عبر المواقف "Burton, ١٩٧٦".
стр. 413
ثانيًا: نظرية التعلُّم الاجتماعي
طبقًا لنظرية التعلُّم، فإن السلوك الأخلاقي مكتسب من خلال الآليات الكثيرة من السلوكيات، وهي التعلُّم "geirtz, ١٩٦٩" أو النمذجة والتقليد الأخلاقي. إن إجمالي البحث عند التقليد في النمو الأخلاقي قد عالج تمثّل المعايير الأخلاقية "mischel & mischel ١٩٧٦". ويعتقد أصحاب نظريات التعلُّم الاجتماعية مثل "بندورا bandural" أن مفهوم التحليل النفسي للتوحُّد مطابق لمفهوم نظرية التعلُّم الاجتماعي بشأن التقليد. إن التوحُّد يحدث عندما يطابق سلوك الشخص سلوك النموذج، وطبقًا لنظرية التعلُّم الاجتماعي فإن التوحُّد والتقمُّص هما عملية مستمرة لاكتساب الاستجابات وتعديلها، الناتجان عن التعلم الخبرات مع الوالدين وغيرهما من النماذج، ويعتبر ذلك على النقيض من وجهة نظر التحليل النفسي التي تنظر إلى التوحُّد كعملية تنتهي في سن الرابعة أو الخامسة. "obermeyer , ١٩٧٣"
стр. 414
وبينما نجد أن نظرية التحليل النفسي تؤكِّد على عمليات لا يمكن ملاحظتها مثل: "الهو" أو "الأنا" أو "الأنا العليا"؛ فإن نظرية التعلُّم الاجتماعي تؤكد على العمليات التي يمكن ملاحظتها, مثال ذلك: إن مفهوم التحليل النفسي عن الضمير أو الأنا العليا يمكن تفسيره من خلال الارتباط الشرطي للقلق بالنسبة لمواقف سلوكية محددة, وهذه نتيجة للجمع بين العقاب والسلوكيات غير الموافق عليها. إن الإثم والقلق اللذين يتولدان يرتبطان ارتباطًا شرطيًّا أكثر بالسلوك غير المرغوب فيه, ويصبحان استجابة شرطية لعملٍ ما, أو حتى التفكير في عمل الفعل المحظور "Eysenck, ١٩٧٦, ١٠٩", كما يركز "أيزنك" "١٩٧٦" أيضًا أن هذا القلق الشرطي يعتبره الطفل بمثابة الضمير. إن اكتساب هذا الضمير يسهل بواسطته وضع تسميات، باعتباره تعميمًا على أنماط مختلفة للأفعال. أننا بتسمية بعض الأفعال بأنها "رديئة أو شريرة" إنما نشجِّع الطفل على التعرُّف عليها بطريقة واحدة، وأن يتفاعل في المستقبل بقلق نحو كل شيء يحمل نفس التسمية. إن الضمير إذن ينظر إليه كنتيجة لاستجابات متعلمة لأفعال محددة أو لمجموعات أفعال محددة. ومع تقدم التعلُّم فإن السيطرة الخارجية للآخرين على سلوك الطفل تصبح غير ضرورية، ويتوصّل الطفل إلى استخدام مكافآته الخاصة "الفخر" وجزاءاته "الذنب" عن كل سلوك "Maccoby, ١٩٦٨".
إن نظرية التعلُّم الاجتماعي مثلها مثل نظرية التحليل النفسي تؤكِّد على دور الوالدين أو غيرهما من النماذج في هذا التعلم. إن الوالدين كليهما يعلمان ويقدمان النموذج لسلوك ذريتهما, وقد أكدت ماكوبي "١٩٦٨: ٢٤٠" على هذه النقطة في مناقشتها لطريقة تعلُّم الأطفال للسلوك الاجتماعي على النحو التالي:
" ... يعمل الوالدان كنموذج أكثر تواجدًا وبروزًا، وكذلك كمصدر أساسي للتعزيز في الفترة الأولى من حياة الطفل، علاوةً على ذلك, فمع أنَّ الطفل قد يكتسب عناصر لسلوك اجتماعي من خلال ملاحظة نموذج قد لا يكون متفاعلًا معه بطريقة مباشرة، فإن أداء السلوك يميل للخضوع للتعزيز الفوري للظروف، ومن ثَمَّ فإن الناس الذين يسمح لهم وصفهم بالسيطرة على هذه الظروف يكون لهم تأثير قوي على ما يعمله الطفل، حتى ولو كان لهم نفوذ أقل تخصصًا على ما يتعلمه عن طريقة أدائها. إن الوالدين عندئذ يصبحان الهيئة المركزية في
стр. 415
التنشئة الاجتماعية المبكرة, وهذا ما يجعلها مركزيين لإجمالي في النمو الأخلاقي، ويكون السلوك المتعلم مبكرًا ميَّالًا للدوام. إن السلوك متى تَمَّ تعلُّمه فإنه يبقى ما لم تتغير الظروف التعزيزية".
" ... إن ثبات السلوك يميل للبقاء من خلال ميول الفرد للبحث عن البقاء في البيئات التي لا تتطلَّب تغييرًا منه".
وعلى ذلك فإن طريقة المعالجة بالتعلُّم الاجتماعي قد ركَّزت على المظاهر السلوكية للأخلاقيات. إن مقاومة الإغراء، والقدرة على تأخير الإقدام على فعلٍ محظور, كانت مقياسًا شائعًا وتجريبيًّا وجزئيًّا؛ لأنها تعكس رغبة الطفل وقدرته على اتباع قاعدة أخلاقية. "شكل: ٩٩".
بحث سلابي وبارك slaby & parke عام "١٩٧١":
إن الدراسة التي قام بها سلابي وبارك "١٩٧٠" تعتبر مثلًا حيًّا للبحث في قدرة الطفل على مقاومة الإقدام على انتهاك القواعد الأخلاقية, لقد فحصت التجربة مظهرين من النموذجين في مقاومة الانحراف:
١- النتائج التي يمر بها النموذج الملاحظ.
٢- وردّ فعل النموذج لهذه النتائج.
وكانت العينة من الأولاد والبنات في سن ٧ سنوات، ٦٦ فردًا من كل جنس, وقد أجلس كل طفل على منضدة كان عليها عدة لعب جذَّابة، ثم أخبر القائم بالتجربة الطفل أنهم سيلعبون لعبة، ولكنه لا يستطيع أن يتذكّر أين كانت، وقال
стр. 416
القائم بالتجربة: إن اللعب التي تركت على المنضدة تخص شخصًا آخر، وأنَّ الطفل لا يجب أن يلعب بها، ثم شاهد الطفل فيلمًا قام فيه شخص راشد بإخبار طفل أن يقرأ كتابًا وألّا يلعب ببعض اللعب, ثم ترك الراشد الطفل في المكان وأخذ الطفل يلعب باللعب مدة ٣ دقائق عاد بعدها الراشد, وقد رأى نصف المفحوصين أن الشخص الراشد يجب أن يكافئ الطفل للعبه باللعب, ورأى النصف الآخر أن الطفل يجب أن يعاقب, وقد أظهر الطفل في التعلُّم إما حالة وجدانية موجبة "ابتسام", أو حالة وجدانية سلبية "بكاء"، أو لم يظهر أي حالة وجدانية بعد قيام الراشد بالمكافأة أو العقاب. وعند هذه النقطة انتهى الفيلم وأعطى القائم بالتجربة للطفل كتابًا غير مسلٍّ لقراءاته, وتركه وحيدًا في الحجرة لمدة ١٥ دقيقة, بينما هو ذاهب للبحث عن اللعبة, وكان عدد المرات التي لعب فيها الطفل باللعب, والكمون عن أول لمس اللعب, ومدة اللعب باللعب, قد جرى تسجيلها بواسطة مراقبين من خلال مرآة ذات اتجاه واحد.
وقد افترض "سلابي وبارك" أن الأطفال الذين يلاحظون نموذجًا نال مكافأة ينحرفون أكثر من الأطفال الذين لاحظوا نموذجًا معاقبًا، وعلاوة على ذلك فإن عدد مرات الانحراف كانت تزداد إذا أظهر النموذج استجابة وجدانية إيجابية, وتقلُّ إذا أظهر النموذج استجابة وجدانية سلبية، بالمقارنة بعدد مرات الانحراف التي أظهرها الأطفال الذين كانوا يلاحظون نموذجًا لا يبدي أي استجابات وجدانية. وقد لقي الافتراض الأول تأييدًا:
- فالأطفال الذين لاحظوا نموذجًا يَلْقَى مكافأة انحرفوا عددًا كبيرًا من المرات ولفترات أطول من الأطفال الذين لاحظوا نموذجًا يلقى عقابًا، مع أن هذا التأثير كان ذا دلالة بالنسبة للأولاد فقط, وربما كان السبب في ذلك أن النموذج الذي عُرِضَ في الفيلم فإنه يختص بالبنين.
- أما الافتراض الثاني فقد لقي تأييدًا جزئيًّا فقط، وقد انحرف الأطفال الذين لاحظوا نموذجًا يلقى مكفأة مرات أكثر ووقتًا أطول إذا ما أظهر النموذج حالة وجدانية إيجابية وليس سلبية، مع عدم مسايرة الانحراف لأي وجدانية تحدث بين
стр. 417
الحالتين، والأطفال الذين لاحظوا نموذجًا يُلْقِي عقابًا انحرفوا إذا ما أظهر النموذج وجدانية سلبية عمَّا إذا كان النموذج يظهر وجدانية إيجابية, مع وجود المجموعة التي ليس لها تأثير ثانية, والتي تقع في الوسط "بين الحالتين".
إن هذه النتائج حوَّلت تأثيرات المكافأة والعقاب لنموذج إنما تطابق نتائج عدد من التجارب الأخرى مثل mezei, leat, walter ١٩٦٣ cane, parke, walter, ١٩٦٤ parke, walter, ١٩٦٣". إن هذه الدراسات توضح أن التعرُّض لنموذج مكافأة له تأثير حاظر على سلوك الطفل.
إن النتائج عن الوجدانيات التي أظهرها النموذج تظهر مدى تعقيد هذا البحث, والنتائج الناجمة عن الوجدانية التي أظهرها النموذج كانت كما تَمَّ التنبؤ بها للأطفال الذين كانوا يلاحظون نموذجًا يلقي مكافأة، ولكن ليس للأطفال الذين كانوا يلاحظون نموذجًا يلقي عقابًا. وقد ذكر "سلابي وبارك" أن الأطفال الذين كانوا يلاحظون نموذجًا يلقي مكافأة "يبكون", ونموذجًا يلقي عقابًا "يبتسمون", لا بُدَّ وأنهم قد نبذوهم كنماذج بسبب عدم ملائمة الاستجابة الوجدانية، مع اعتبار معرفة الطفل لسلوكه هو في ظروف مشابهة. إن تشابه وجدانية الملاحظ للنماذج تبدو هامة في إظهار التقليد؛ وحيث إن الطفل يجد أنه من غير الملائم أن يحزن بشأن المكافأة, أو يسعد بشأن العقاب، فإنَّ النموذج يبدو مختلفًا عن الطفل. ويأتي تأييد هذا الرأي من التجارب "مثل fry عام ١٩٧٧" التي تدل على أن الأطفال الذين يخبرون النجاح ولديهم وجدانية موجبة يقاومون الإغراء مدة أطول من الأطفال الذين يخبرون الفشل ويشعرون بالحزن.
وقد أُجْرِيَ عدد من التجارب لبحث مدى تأثير مشابهة النموذج للطفل على تقليده "gear & tannebaum, ١٩٦٥, rosekrans, ١٩٦٧"، إن التشابه يبدو عاليًا في تأثيرات الحظر - السماح للنموذج الملاحظ, غير أن الأبعاد التي قد تتعارض فيها المشابهة كثيرة، ولسوء الحظ فإن كثيرًا منها لا تعتبر حيوية للسلوك التقليدي "محاكاة", وما تزال في حاجة لحصرها.
إن البحث في طيّات تقاليد نظرية التعلُّم الاجتماعي قد أُجْرِيَ على جوانب أخرى من جوانب النمو الأخلاقي, مثال ذلك: العدوانية كما في دراسات: بذورا،
стр. 418
روس وروس bandura, ross & ross عام "١٩٦٣"، بندورا "١٩٦٥"، مكافأة الذات، self reward في دراسات: بدورا وكيرز bandura & kkupers عام "١٩٦٤"، بندورا ووالين bandura & whalen عام "١٩٦٦"، فريرر وتالين fryreur & thelen عام "١٩٧١"، وتأخير الإشباع delay of gratification مثل دراسات "ميشيل michel عام "١٩٦٥"، بندورا وميشيل bandura & mischel عام "١٩٦٥". وفي كل هذه الحالات كان سلوك النموذج يؤثر على الأداء التالي للطفل القائم بالملاحظة.
بعض النتائج عن نظرية التعلُّم الاجتماعي:
إن البحث في النمو الأخلاقي من تقاليد نظرية التعلم الاجتماعي قد اهتمَّ أساسًا بتأثيرات البيئة على أداء الأطفال في مواقف مشابهة تمامًا لتلك التي لوحظ فيها النموذج, وعند وصف عمليات التعلّم بالملاحظة والتقليد تمكَّن الباحثون من التعرُّف على العديد من العوامل الدافعة للسلوك الأخلاقي لدى الأطفال. ولقد كان نموذج الأخلاقيات في هذا البحث نموذجًا يبحث أساسًا عن السرور وتجنب الضيق "hoffman, ١٩٧٠", وقد كان الأطفال فيها يعتمدون على المكافآت والجزاءات في البحث عن مؤشرات لكي يكون السلوك لائقًا, وبعبارة أخرى: فإن تصوّرات الطفل عن الأخلاقيات تقوم أساسًا على العقوبات "الجزاءات" الخارجية مثل أن نتمكَّن من تقييم هذا البحث، ويجب أن نضع في الاعتبار الإسهامات المعرفية في فهم الأخلاقيات.
стр. 419
ثالثًا: ال مدخل التطوري المعرفي
مدخل
...
ثالثًا: المدخل التطوري المعرفي:
إن المدخل التطوري المعرفي للنمو الأخلاقي تتبع المبادئ التي أوردناها بالتفصيل عند مناقشتنا للنمو المعرفي في الفحص السابع، والمعالجة المعرفية النمائية للنمو النفسي الاجتماعي "الفصل السادس". إن هذه المعالجة تحاول أن تصف عمليات التفكير التي يتضمَّنها والحكم الخلقي.
شكل "١٠٠" الأطفال الصغار يلعبون قواعد أقل تعقيدًا من الأطفال الأكبر، وهذا يرجع جزئيًّا إلى أن فهمهم لطبيعة القواعد يكون أقل نضجًا.
وهكذا نجد أن لها تركيزًا يختلف بعض الشيء عن نظريات التعلُّم الاجتماعي التي تختص أساسًا بالسلوك وليس بالحكم, والفكرة الأساسية هي أنَّ عمليات التفكير هذه تنمو في تتابع من المراحل بنفس الطريقة التي يتتابع بها النمو المعرفي الذي ناقشناه في الفصل السابع.
- فأولًا: إن كل مرحلة تعتبر كلًّا متكاملًا وتختلف في نوعيتها عن أي مرحلة أخرى.
- ثانيًا: إنه عند تقدُّم النمو، فإن عمليات التفكير في كل مرحلة تتكامل مع العمليات التي توجد في المرحلة التالية الأعلى، وهكذا تصبح المرحلة الناتجة عبارة عن تكامل المرحلتين القديمة والجديدة.
- وثالثًا: إن مراحل النمو تكون معًا تتابعًا غير متغيِّر.
ورابعًا: فإن السنَّ ليس متكافئًا مع المرحلة.
стр. 420
ويعتبر بياجيه piaget عام "١٩٣٥"، كولبرج kohlbergg عام "١٩٦٣" أ، ب، ١٩٦٩، ١٩٦٧ هما أهم المؤيدين لطريقة المعالجة النمائية المعرفية. والقارئ الذي يهمه المزيد من التفاصيل يوصى بقراءة مراجعات هوفمان hoffman عام "١٩٧٠"، وفلافل flavell عام "١٩٦٣"، وليكونا lickona عام "١٩٧٦".
وعلى الرغم من أن نظرية التحليل النفسي ونظرية التعلُّم الاجتماعي كانتا على وعي بتزايد الأفعال الخلقية مع زيادة عمر الطفل، فإنهما تصورتا النمو الخلقي على أنه استيعاب القواعد الخلقية، ومعنى ذلك: إنهما تتصوران النمو الخلقي على أنه مجرد تزايد كمي في مقدار ما يستوعبه الفرد من قواعد السلوك التي يرتضيها المجتمع. ومع مرور الوقت يصبح الطفل أكثر اجتماعية وأكثر أخلاقية، ولعله من الواضح أن هاتين النظريتين لم تقدما تصورًا متكاملًا عن النمو الخلقي للفرد، لكن قدمتا تصورًا عن كيفية اكتساب الطفل للقواعد الخلقية، والدور الخلقي بشكل خاص، ولا كيف ينظر الطفل إلى الموقف الأخلاقي, وأسباب اتخاذه القرار المعين.
أمَّا نظريات النمو المعرفية فتعالج بشكل مفصَّل التغيُّرات التي تطرأ على تفكير الطفل الخلقي عبر مراحل نموه المختلفة. إنها ترى أن النمو المعرفي للطفل يحدث حينما تنظم خبرات الطفل في أبنية أو تراكيب عرفية تزداد تمايزًا وتعقيدًا مع زيادة عمر الفرد. وقد تضمَّنت نظريات النمو المعرفية بعض الأفكار أو المبادئ التي أكَّدتها نظرية التحليل النفسي ونظرية التعلّم؛ ففكرة استيعاب القواعد والمبادئ الخلقية انتقلت من نظرية التحليل النفسي واستخدمت في النظريات المعرفية, كذلك استفادت النظريات المعرفية من نظريات التعلُّم إذ اعتبرت استجابات الفرد للخبرات الاجتماعية وما ينتج عنها من تعلُّمٍ أساسًا للنمو الخلقي, ومع ذلك فإن استيعاب القواعد والاستجابة للخبرات الاجتماعية اعتبرت من وجهة نظر أصحاب النظريات المعرفية شروطًا ضرورية للنمو الخلقي, ولكنها ليست شروطًا كافية. فالنمو الخلقي يتطلَّب إلى جانب ذلك صراعًا معرفيًّا, وكذلك إعادة تنظيم للأبنية العقلية المعقَّدة. ولعل أهم نظريات النمو الخلقي المعرفية هي نظرية جان بياجيه، ونظرية بك وهافجهرست, وأخيرًا نظرية كولبرج، وسنعرض فيما يلي الملامح الرئيسية لكلٍّ منها.
стр. 421
١- نظرية بياجيه في النمو الخلقي:
جان بياجيه عالم نفس مشهور، اهتمَّ أساسًا بدراسة النمو المعرفي للطفل، ولقد عرض بياجيه نظريته في النمو المعرفي على أساس ملاحظاته للأطفال التي كانت بطريقة غير رسمية, ومع قدر قليل من الضبط التجريبي؛ فقد كان يلاحظ الأطفال غالبًا في مواقف طبيعية: في المنزل، وفي المعمل, وكان يعطي الأطفال الكبار مشكلات بسيطة لكي يحلوها وفقًا لدرجة نموهم, وقد اختار بياجيه هذا المنهج الذي سمي بالمنهج الإكلينيكي لاعتقاده أنه السبيل الوحيد لفهم الأبنية العقلية لدى الطفل, وقدَّم من دراساته نظرية في النمو العقلي كان لها أثرها الكبير في مسار البحوث السيكولوجية وفي الممارسات التربوية على حدٍّ سواء.
لقد ميِّز بياجيه بين أربع مراحل رئيسية يمر بها تفكير الطفل منذ ولادته حتى اكتمال نضجه العقلي المعرفي -كما سبق أن أوضحنا- وهي:
المرحلة الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية, وتمتد منذ الميلاد حتى سن السنتين تقريبًا، وفيها يكتسب الطفل بعض المهارات والتوافقات السلوكية البسيطة عن طريق تفاعل منعكساته الفطرية مع البيئة الخارجية.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما قبل العمليات "التفكير الرمزي", وتمتد من سن الثانية حتى السابعة من العمر تقريبًا, وفيها يبدأ ظهور مجموعة من التغيُّرات الهامة في تفكير الطفل وسلوكه؛ إذ يبدأ يتعلّم اللغة.. وبظهور التمثيلات الرمزية يبدأ تكوّن الأفكار البسيطة والصورة الذهنية، ويتحوّل تفكير الطفل تدريجيًّا من صورته الحسية الحركية إلى صورة التفكير الرمزي. على أن تفكير الطفل في هذه المرحلة يظل متميزًا بعدة خصائص تميزه عن المرحلة الثالثة, أهمها: التركيز، والتمركز حول الذات، واللامقلوبية.
стр. 422
أما المرحلة الثالثة: فهي مرحلة العمليات العيانية أو المحسوسة, وتمتد من سن السابعة حتى سن الحادية عشر تقريبًا، وفيها يبدأ الطفل يفكر تفكيرًا شبيهًا بتفكير الراشد، ويبدأ في التحرُّر من التمركز حول ذاته, ويأخذ في اعتباره وجهة نظر الآخرين, ولكن على الرغم من أنَّه في هذه المرحلة يدرك العالم بشكل موضوعي, ويفكر بمنطق الراشدين، إلّا أنَّ تفكيره لا يزال مختلفًا عن تفكير الراشدين، فهو تفكير عياني أو محسوس وغير مجرد, فعمليات التفكير ترتبط بالأشياء والأحداث المحسوسة الموجودة في الواقع المباشر للطفل.
أما المرحلة الرابعة والأخيرة: فهي مرحلة العمليات الشكلية "الذكاء المجرد", وتمتد فيما بين الحادية عشر والخامسة عشر من العمر, وفيها تنمو قدرة المراهق على التفكير المجرَّد, ويصل إلى مستوى تفكير الراشدين في النهاية.
والتغيرات التي تحدث في تفكير الطفل عبر المراحل المختلفة، من وجهة نظر بياجيه, ليست تغيرات كمية فحسب، وإنما هي في الأساس تغيرات كيفية، بمعنى: إن الأبنية العقلية في مرحلة نمو معينة تختلف اختلافًا نوعيًّا عن المرحلة السابقة لها وتلك التي تتلوها, ومع ذلك فالمراحل من النوع التجميعي "التراكمي", بمعنى أن الأبنية التي تكوَّنت في مرحلة عمرية معينة، لا تختفي أو تزول نهائيًّا لتحلَّ محلها أبنية جديدة تمامًا, وإنما هي بالأحرى تدخل كجزء مكوّن للأبنية الجديدة. كذلك يتميز نظام تتابع المراحل بالثبات لدى كل طفل, وفي كل ثقافة, وإن اختلفت حدودها الزمنية نسبيًّا باختلاف الثقافات، كما لا توجد حدود زمنية فاصلة بين كل مرحلة وأخرى؛ إذ إن الانتقال بينها يتمُّ بصورة تدريجية يصعب معها تحديد وقت محدد للانتقال من مرحلة إلى التي تتلوها.
تلك فكرة سريعة عن تصوّر بياجيه لمراحل النمو المعرفي, فما هي انعكاساتها على تصوره عن نمو التفكير الأخلاقي. الواقع أن بحوث بياجيه عن التفكير الخلقي قد تركَّزت بشكل أساسي حول موضوعين رئيسيين منفصلين، وهما: فهم الطفل للقواعد rules, وأسلوب mode تفكير الطفل الخلقي, وقد خصَّص
стр. 423
لها كتابة "الحكم الخلقي عند الطفل", والذي نشر لأول مرة ١٩٣٢، وبينما كان تصوره لمراحل استخدام الطفل للقواعد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنظريته العامَّة في النمو المعرفي، نجد أن تصوره لأسلوب تفكير الطفل الخلقي على عكس ذلك؛ حيث لا توجد آية علاقة واضحة بينه وبين النظرية العامة، وفيما يلي توضيح ذلك:
أ- فهم القواعد:
استخدم بياجيه في دراساته لفهم الطفل للقواعد نفس المنهج البسيط الذي استخدمه في دراسة النمو العقلي عامَّة, وكانت أدواته في ذلك عبارة عن مجموعة من البلي يقدمها للطفل, ويطلب منه أن يعلّمه كيف يلعب بها، مظهرًا جهله بهذه العلبة, وفي هذه الحالة فإنَّ الطفل يكون مضَّطرًا لصياغة قواعد اللعبة والتعبير عنها. وقد أشار بياجه piget عام "١٩٧٧، ٩-٤٦" إلى أنَّ اللعبة لها نظام معقَّد من القواعد, وأيضًا كيف يطبقها على نفسه وعلى الآخرين. وأجريت هذه التجارب على حوالي ٢٠ طفلًا تتراوح أعمارهم بين الرابعة والثالثة عشر, وقد توصَّل بياجيه من تحليله لسلوك الأطفال إلى تقرير أربع مراحل متتابعة لتطوّر فهم الطفل للقواعد واستخدامها، وهي:
١- المرحلة الحركية: وتقابل المرحلة الحس حركية في النمو العقلي العام، وتشغل نفس الفترة الزمنية تقريبًا, وفي هذا المرحلة يكون لعب الطفل بالبلي عشوائيًّا تمامًا, وعلى الرغم من أن الطفل ينمي مجموعة من الأساليب السلوكية الثابتة, إلّا أنها لا يمكن أن توصف بأنها قواعد لعب, وبطبيعة الحال طالما أن الطفل لم يبدأ بعد في أن يلعب مع الأطفال الآخرين ويتعاون معهم، فإن هذه الأنماط السلوكية لا يمكن أن تكون قواعد بأي معنى جمعي أو اجتماعي.
٢- مرحلة التمركُز حول الذات: وتمتد فيما بين الثانية والخامسة تقريبًا, وفيها يبدأ الطفل في تقليد القواعد التي يراها متمثلة في سلوك الأطفال الآخرين، ولكنَّه على الرغم من ذلك لا يحاول أن يتعاون بالمعنى الحقيقي للكلمة, فعندما يلعب مجموعة من الأطفال في هذه السن بعضهم مع البعض الآخر، فإنهم لا يبذلون جهدًا للوصول إلى مجموعة موحَّدة من القواعد. وعلى الرغم من وجودهم معًا بالمعنى الفيزيقي وانتشار التقليد بينهم, فإن كل طفل منهم يلعب بمفرده.
стр. 424
٣- مرحلة التعاون الأولي: وتستمر هذه المرحلة حتى سنّ الحادية عشرة تقريبًا, وفيها يلعب الأطفال بالمعنى الحقيقي, كل واحد منهم يتنافس مع الآخرين ويحاول أن يكسب في اللعب، ومن ثَمَّ فإنهم يبدأون في الانتباه لعملية وضع نظام code من القواعد الموحدة. ومع ذلك فإن تصوراتهم عن القواعد بصفة عامَّة لا زالت غامضة نسبيًّا، فحينما يسألون كل على انفراد عن مجموعة القواعد التي وضعوها للعبة ما، فقد يعطون تفسيرات مختلفة للقواعد التي كانوا يتبعونها.
٤- مرحلة التقنين: في حوالي الحادية عشر أو الثانية عشرة من العمر يبدأ الأطفال في وضع قواعد مفصَّلة وثابتة؛ بحيث تأخذ ما أشار إليه بياجيه باسم فلسفة التشريع jurisprudence, وهنا يكون نظام القواعد مفهومًا ومتقبَّلًا من قِبَلِ جميع الأطفال.
هذا التصوّر يوضِّح كيف يتعامل الأطفال مع القواعد في مرحلة أعمارهم المختلفة, وقد حاول بياجيه في الجزء الثاني من البحث أن يكشف كيف يفهم الأطفال طبيعة القواعد, واستخدم لذلك مجموعة من الأسئلة البسيطة, ولكنها أسئلة ذكية في نفس الوقت؛ فمثلًا: كان يطلب من الطفل أن يضع قاعدة جديدة من عنده، وعندما يفعل ذلك يسأله هل يكون ملائمًا أن تلعب مع الأطفال الآخرين بهذه الصورة؟ هل هي قاعدة عادلة؟ هل يمكن أن تكون قاعدة حقيقية يلعب كل الناس على أساسها؟
وقد توصَّل بياجيه من هذه الأسئلة إلى ثلاثة مراحل أساسية لا تتفق تمامًا مع المراحل السابقة, ولكنها لا تتعارض معها:
- المرحلة الأولى: منها تقابل المرحلة الحركية والجزء الأول من مرحلة التمركُز حول الذات, وعند نهاية هذه المرحلة تبدأ القواعد تؤثّر في لعب الطفل, وإن كان ينظر إليها على أنَّها أمثلة شيقة أكثر من أن ينظر إليها على أنها قواعد ملزمة.
- المرحلة الثانية: تبدأ في منتصف مرحلة التمركز حول الذات, وتستمر حتى حوالي منتصف مرحلة التعاون الأولي, وهنا يكون الطفل واعيًا بالقواعد
стр. 425
وينظر إليها على أنها قواعد مقدَّسة لا يمكن المساس بها. قاعد تنبثق من الكبار ويجب أن تستمر إلى الأبد.
- المرحلة الثالثة والأخيرة: فينظر الطفل فيها إلى القاعدة على أنَّها ترتيب ينشأ من "الاتفاق المتبادل"، وهنا يصبح تغيير القاعدة ممكنًا بشرط موافقة اللاعبين الآخرين, وهذه المرحلة الأخيرة تبنى على الاحترام والتعاون المتبادلين.
ب- أشكال التفكير الخلقي:
وهكذا أوضح بياجيه أن هناك تغيرات جوهرية تحدث في فهم الطفل للقواعد مع تقدُّمه في العمر، ولعلَّ أهمَّ تغير فيها -من وجهة نظر بياجيه- هو ذلك الذي يحدث أثناء الانتقال للمرحلة الأخيرة؛ حيث يتغيِّر فهم الطفل للقواعد من تصوره لها على أنَّها مقدَّسة ومفروضة من الخارج إلى إدراكه لها على أنها نتاج لاتفاق متبادل، ومن ثَمَّ يمكن تغييرها برضاء جميع الأطراف. وبالإضافة إلى ذلك، فقد استمر بياجيه في استكشاف أفكار الأطفال عن العدالة والعقاب، وحول مفاهيم مثل: الكذب وغيره، وانتهى من ذلك كله إلى التمييز بين نوعين رئيسيين من الأخلاقية هما "سليمان الخضيري: ١٩٨٢":
١- الأخلاقية خارجية المنشأ heteronomous morality:
ويميز هذا النوع من الأخلاقية تفكير الطفل حتى حوالي سنّ السابعة أو الثامنة. إنها تتميز بالاحترام "من جانب واحد" للراشدين, والقواعد الأخلاقية التي يضعونها. القاعدة الأخلاقية تسلطية تفرض على الطفل بواسطة عالم الراشدين، وهو يطيعها ويحترمها, والقانون الخلقي ليس عقلانيًّا في طبيعته، ومن ثَمَّ فإن القواعد لها قيمة دائمة وموضوعية بصرف النظر عن الأفراد الذين يتبعويها؛ فالأخلاقية الخارجية تعني: الخضوع لتوجيه الآخرين, أو القواعد التي يضعونها، وهذا معناه أن القواعد تنشأ أصلًا من خارج الفرد وتفرض عليه من البيئة. "سليمان الخضيري: ١٩٨٢".
ويطلق بياجيه على الأخلاق خارجية المنشأ أخلاقية ضبط النفس أو الواقعية الأخلاقية, ويرى أن الفرد يستجيب في هذه المرحلة للقواعد؛ لأنها تعتبر صارمة
следующие страницы →