← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

١- نظرية بياجيه في النمو الخلقي: جان بياجيه عالم نفس مشهور، اهتمَّ أساسًا بدراسة النمو المعرفي للطفل، ولقد عرض بياجيه نظريته في النمو المعرفي على أساس ملاحظاته للأطفال التي كانت بطريقة غير رسمية, ومع قدر قليل من الضبط التجريبي؛ فقد كان يلاحظ الأطفال غالبًا في مواقف طبيعية: في المنزل، وفي المعمل, وكان يعطي الأطفال الكبار مشكلات بسيطة لكي يحلوها وفقًا لدرجة نموهم, وقد اختار بياجيه هذا المنهج الذي سمي بالمنهج الإكلينيكي لاعتقاده أنه السبيل الوحيد لفهم الأبنية العقلية لدى الطفل, وقدَّم من دراساته نظرية في النمو العقلي كان لها أثرها الكبير في مسار البحوث السيكولوجية وفي الممارسات التربوية على حدٍّ سواء. لقد ميِّز بياجيه بين أربع مراحل رئيسية يمر بها تفكير الطفل منذ ولادته حتى اكتمال نضجه العقلي المعرفي -كما سبق أن أوضحنا- وهي: المرحلة الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية, وتمتد منذ الميلاد حتى سن السنتين تقريبًا، وفيها يكتسب الطفل بعض المهارات والتوافقات السلوكية البسيطة عن طريق تفاعل منعكساته الفطرية مع البيئة الخارجية. المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما قبل العمليات "التفكير الرمزي", وتمتد من سن الثانية حتى السابعة من العمر تقريبًا, وفيها يبدأ ظهور مجموعة من التغيُّرات الهامة في تفكير الطفل وسلوكه؛ إذ يبدأ يتعلّم اللغة.. وبظهور التمثيلات الرمزية يبدأ تكوّن الأفكار البسيطة والصورة الذهنية، ويتحوّل تفكير الطفل تدريجيًّا من صورته الحسية الحركية إلى صورة التفكير الرمزي. على أن تفكير الطفل في هذه المرحلة يظل متميزًا بعدة خصائص تميزه عن المرحلة الثالثة, أهمها: التركيز، والتمركز حول الذات، واللامقلوبية.

стр. 422

أما المرحلة الثالثة: فهي مرحلة العمليات العيانية أو المحسوسة, وتمتد من سن السابعة حتى سن الحادية عشر تقريبًا، وفيها يبدأ الطفل يفكر تفكيرًا شبيهًا بتفكير الراشد، ويبدأ في التحرُّر من التمركز حول ذاته, ويأخذ في اعتباره وجهة نظر الآخرين, ولكن على الرغم من أنَّه في هذه المرحلة يدرك العالم بشكل موضوعي, ويفكر بمنطق الراشدين، إلّا أنَّ تفكيره لا يزال مختلفًا عن تفكير الراشدين، فهو تفكير عياني أو محسوس وغير مجرد, فعمليات التفكير ترتبط بالأشياء والأحداث المحسوسة الموجودة في الواقع المباشر للطفل. أما المرحلة الرابعة والأخيرة: فهي مرحلة العمليات الشكلية "الذكاء المجرد", وتمتد فيما بين الحادية عشر والخامسة عشر من العمر, وفيها تنمو قدرة المراهق على التفكير المجرَّد, ويصل إلى مستوى تفكير الراشدين في النهاية. والتغيرات التي تحدث في تفكير الطفل عبر المراحل المختلفة، من وجهة نظر بياجيه, ليست تغيرات كمية فحسب، وإنما هي في الأساس تغيرات كيفية، بمعنى: إن الأبنية العقلية في مرحلة نمو معينة تختلف اختلافًا نوعيًّا عن المرحلة السابقة لها وتلك التي تتلوها, ومع ذلك فالمراحل من النوع التجميعي "التراكمي", بمعنى أن الأبنية التي تكوَّنت في مرحلة عمرية معينة، لا تختفي أو تزول نهائيًّا لتحلَّ محلها أبنية جديدة تمامًا, وإنما هي بالأحرى تدخل كجزء مكوّن للأبنية الجديدة. كذلك يتميز نظام تتابع المراحل بالثبات لدى كل طفل, وفي كل ثقافة, وإن اختلفت حدودها الزمنية نسبيًّا باختلاف الثقافات، كما لا توجد حدود زمنية فاصلة بين كل مرحلة وأخرى؛ إذ إن الانتقال بينها يتمُّ بصورة تدريجية يصعب معها تحديد وقت محدد للانتقال من مرحلة إلى التي تتلوها. تلك فكرة سريعة عن تصوّر بياجيه لمراحل النمو المعرفي, فما هي انعكاساتها على تصوره عن نمو التفكير الأخلاقي. الواقع أن بحوث بياجيه عن التفكير الخلقي قد تركَّزت بشكل أساسي حول موضوعين رئيسيين منفصلين، وهما: فهم الطفل للقواعد rules, وأسلوب mode تفكير الطفل الخلقي, وقد خصَّص

стр. 423

لها كتابة "الحكم الخلقي عند الطفل", والذي نشر لأول مرة ١٩٣٢، وبينما كان تصوره لمراحل استخدام الطفل للقواعد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنظريته العامَّة في النمو المعرفي، نجد أن تصوره لأسلوب تفكير الطفل الخلقي على عكس ذلك؛ حيث لا توجد آية علاقة واضحة بينه وبين النظرية العامة، وفيما يلي توضيح ذلك: أ- فهم القواعد: استخدم بياجيه في دراساته لفهم الطفل للقواعد نفس المنهج البسيط الذي استخدمه في دراسة النمو العقلي عامَّة, وكانت أدواته في ذلك عبارة عن مجموعة من البلي يقدمها للطفل, ويطلب منه أن يعلّمه كيف يلعب بها، مظهرًا جهله بهذه العلبة, وفي هذه الحالة فإنَّ الطفل يكون مضَّطرًا لصياغة قواعد اللعبة والتعبير عنها. وقد أشار بياجه piget عام "١٩٧٧، ٩-٤٦" إلى أنَّ اللعبة لها نظام معقَّد من القواعد, وأيضًا كيف يطبقها على نفسه وعلى الآخرين. وأجريت هذه التجارب على حوالي ٢٠ طفلًا تتراوح أعمارهم بين الرابعة والثالثة عشر, وقد توصَّل بياجيه من تحليله لسلوك الأطفال إلى تقرير أربع مراحل متتابعة لتطوّر فهم الطفل للقواعد واستخدامها، وهي: ١- المرحلة الحركية: وتقابل المرحلة الحس حركية في النمو العقلي العام، وتشغل نفس الفترة الزمنية تقريبًا, وفي هذا المرحلة يكون لعب الطفل بالبلي عشوائيًّا تمامًا, وعلى الرغم من أن الطفل ينمي مجموعة من الأساليب السلوكية الثابتة, إلّا أنها لا يمكن أن توصف بأنها قواعد لعب, وبطبيعة الحال طالما أن الطفل لم يبدأ بعد في أن يلعب مع الأطفال الآخرين ويتعاون معهم، فإن هذه الأنماط السلوكية لا يمكن أن تكون قواعد بأي معنى جمعي أو اجتماعي. ٢- مرحلة التمركُز حول الذات: وتمتد فيما بين الثانية والخامسة تقريبًا, وفيها يبدأ الطفل في تقليد القواعد التي يراها متمثلة في سلوك الأطفال الآخرين، ولكنَّه على الرغم من ذلك لا يحاول أن يتعاون بالمعنى الحقيقي للكلمة, فعندما يلعب مجموعة من الأطفال في هذه السن بعضهم مع البعض الآخر، فإنهم لا يبذلون جهدًا للوصول إلى مجموعة موحَّدة من القواعد. وعلى الرغم من وجودهم معًا بالمعنى الفيزيقي وانتشار التقليد بينهم, فإن كل طفل منهم يلعب بمفرده.

стр. 424

٣- مرحلة التعاون الأولي: وتستمر هذه المرحلة حتى سنّ الحادية عشرة تقريبًا, وفيها يلعب الأطفال بالمعنى الحقيقي, كل واحد منهم يتنافس مع الآخرين ويحاول أن يكسب في اللعب، ومن ثَمَّ فإنهم يبدأون في الانتباه لعملية وضع نظام code من القواعد الموحدة. ومع ذلك فإن تصوراتهم عن القواعد بصفة عامَّة لا زالت غامضة نسبيًّا، فحينما يسألون كل على انفراد عن مجموعة القواعد التي وضعوها للعبة ما، فقد يعطون تفسيرات مختلفة للقواعد التي كانوا يتبعونها. ٤- مرحلة التقنين: في حوالي الحادية عشر أو الثانية عشرة من العمر يبدأ الأطفال في وضع قواعد مفصَّلة وثابتة؛ بحيث تأخذ ما أشار إليه بياجيه باسم فلسفة التشريع jurisprudence, وهنا يكون نظام القواعد مفهومًا ومتقبَّلًا من قِبَلِ جميع الأطفال. هذا التصوّر يوضِّح كيف يتعامل الأطفال مع القواعد في مرحلة أعمارهم المختلفة, وقد حاول بياجيه في الجزء الثاني من البحث أن يكشف كيف يفهم الأطفال طبيعة القواعد, واستخدم لذلك مجموعة من الأسئلة البسيطة, ولكنها أسئلة ذكية في نفس الوقت؛ فمثلًا: كان يطلب من الطفل أن يضع قاعدة جديدة من عنده، وعندما يفعل ذلك يسأله هل يكون ملائمًا أن تلعب مع الأطفال الآخرين بهذه الصورة؟ هل هي قاعدة عادلة؟ هل يمكن أن تكون قاعدة حقيقية يلعب كل الناس على أساسها؟ وقد توصَّل بياجيه من هذه الأسئلة إلى ثلاثة مراحل أساسية لا تتفق تمامًا مع المراحل السابقة, ولكنها لا تتعارض معها: - المرحلة الأولى: منها تقابل المرحلة الحركية والجزء الأول من مرحلة التمركُز حول الذات, وعند نهاية هذه المرحلة تبدأ القواعد تؤثّر في لعب الطفل, وإن كان ينظر إليها على أنَّها أمثلة شيقة أكثر من أن ينظر إليها على أنها قواعد ملزمة. - المرحلة الثانية: تبدأ في منتصف مرحلة التمركز حول الذات, وتستمر حتى حوالي منتصف مرحلة التعاون الأولي, وهنا يكون الطفل واعيًا بالقواعد

стр. 425

وينظر إليها على أنها قواعد مقدَّسة لا يمكن المساس بها. قاعد تنبثق من الكبار ويجب أن تستمر إلى الأبد. - المرحلة الثالثة والأخيرة: فينظر الطفل فيها إلى القاعدة على أنَّها ترتيب ينشأ من "الاتفاق المتبادل"، وهنا يصبح تغيير القاعدة ممكنًا بشرط موافقة اللاعبين الآخرين, وهذه المرحلة الأخيرة تبنى على الاحترام والتعاون المتبادلين. ب- أشكال التفكير الخلقي: وهكذا أوضح بياجيه أن هناك تغيرات جوهرية تحدث في فهم الطفل للقواعد مع تقدُّمه في العمر، ولعلَّ أهمَّ تغير فيها -من وجهة نظر بياجيه- هو ذلك الذي يحدث أثناء الانتقال للمرحلة الأخيرة؛ حيث يتغيِّر فهم الطفل للقواعد من تصوره لها على أنَّها مقدَّسة ومفروضة من الخارج إلى إدراكه لها على أنها نتاج لاتفاق متبادل، ومن ثَمَّ يمكن تغييرها برضاء جميع الأطراف. وبالإضافة إلى ذلك، فقد استمر بياجيه في استكشاف أفكار الأطفال عن العدالة والعقاب، وحول مفاهيم مثل: الكذب وغيره، وانتهى من ذلك كله إلى التمييز بين نوعين رئيسيين من الأخلاقية هما "سليمان الخضيري: ١٩٨٢": ١- الأخلاقية خارجية المنشأ heteronomous morality: ويميز هذا النوع من الأخلاقية تفكير الطفل حتى حوالي سنّ السابعة أو الثامنة. إنها تتميز بالاحترام "من جانب واحد" للراشدين, والقواعد الأخلاقية التي يضعونها. القاعدة الأخلاقية تسلطية تفرض على الطفل بواسطة عالم الراشدين، وهو يطيعها ويحترمها, والقانون الخلقي ليس عقلانيًّا في طبيعته، ومن ثَمَّ فإن القواعد لها قيمة دائمة وموضوعية بصرف النظر عن الأفراد الذين يتبعويها؛ فالأخلاقية الخارجية تعني: الخضوع لتوجيه الآخرين, أو القواعد التي يضعونها، وهذا معناه أن القواعد تنشأ أصلًا من خارج الفرد وتفرض عليه من البيئة. "سليمان الخضيري: ١٩٨٢". ويطلق بياجيه على الأخلاق خارجية المنشأ أخلاقية ضبط النفس أو الواقعية الأخلاقية, ويرى أن الفرد يستجيب في هذه المرحلة للقواعد؛ لأنها تعتبر صارمة

стр. 426

وغير قابلة للتعديل؛ لأن الكبار أو الراشدين هم الذين وضعوها، ولذا: فعلية الخضوع لها وعدم الخروج عليها؛ لأن العقاب لا بُدَّ وأن يلحق بمن يخرج عليها, وفي هذه المرحلة يحتاج الطفل إلى قاعدة لكل موقف؛ حيث لا يمكنه أن يقوم بالتعميم. "lerner & spanier, ١٩٨٠". ٢- الأخلاقية داخلية المنشأ autonomuous morality: وهي أخلاق ديمقراطية تستند إلى المساواة بين الناس وتُبْنَى على التعاون والاحترام المتبادلين. إنها عقلانية، تنشأ من التفاعل بين الطفل ورفاقه, فيها يتحرَّر الفرد من قيود الراشدين, وتنمو لديه فكرة المساواة والعدالة؛ فالأخلاقية داخلية المنشأ تعني ببساطة أنَّ معايير الفرد الأخلاقية تتبع من داخله, وعن اقتناع ذاتي, ودون فرض خارجي من أي مصدر كان. "سليمان الخضري: ١٩٨٢، ١٤٥". وهكذا نجد أنَّ الطفل في هذه المرحلة يعمل طبقًا لنمط أخلاقي تعاوني أو تبادلي، بمعنى أنه ينظر إلى القواعد باعتبارها محددة باتفاق متبادلة، وأنها تعتمد على الظروف الاجتماعية. فالطفل يدرك أنه لا يوجد صواب مطلق ولا خطأ مطلق، بل تصورات أو أفكار للعدالة تشتمل على اعتبار القصد "النية", فكسر "١٥" فنجانًا عَرَضًا ينظر إليه على أنه أقل خطأ من كسر فنجان واحد في أثناء محاولة الحصول على شيء محظور, لذا: فإنَّ اتباع القواعد الأخلاقية ينظر إليه كضرورة لتمكين المجتمع من أداء وظائفه، ويعتبر العقاب ملائمًا للخطأ, وليس مجرَّد تنفيذ السلطة. وتتميز هذه المرحلة بالذاتية الخلقية؛ إذ يكون الطفل ذاتيًّا في أحكامه الخلقية, بمعنى أنه يأخذ نية الفرد أو قصده في اعتباره عند الحكم على صحة فعل أو خطئه، كما يضع احتمال الخطأ الإنساني في اعتباره أيضًا، ويصبح كسر فنجان واحد عن قَصْدٍ أكثر جرمًا من الطفل الذي كسر ثلاثة بدون قصد. بالإضافة لذلك تنمو لدى الطفل فكرة المساواة والعدالة. "watson & lindgren, ١٩٧٩, ٤٥١". وتبدأ هذه الأخلاقية في الظهور في حوالي سنّ الحادية عشر أو الثانية عشر، أمَّا ما بين الثامنة والحادية عشر فهي رحلة انتقالية من الأخلاقية الخارجية

стр. 427

إلى الأخلاقية الداخلية، ويحدث ذلك عن طريق تبادل التعاون والشعور بالمسئولية إزاء الأطفال الآخرين, أي: إن الطفل خلال سنوات المدرسة الابتدائية يحكم على أفعاله وأفكاره ومشاعره على أنَّها صواب أم خطأ, ويرى بياجيه أنَّ سن المدرسة يعتبر فترة انتقال من الواقعية الأخلاقية "حينما تكون القواعد بالنسبة للطفل غير قابلة للتغيير ويطبقها حرفيًّا" إلى الاستقلال الذاتي "حينما يرى الطفل أن القواعد قد وضعها الأفراد, وأن العلاقات تبنى على الاحترام المتبادل وعلى التبادلية، "smart & smart, ١٩٧٧, ٤٧٢". وعلى الرغم من أن تتابع مراحل فهم القواعد عند بياجيه كان تتابعًا تجميعيًّا, بمعنى أن المرحلة السابقة تدخل كمكونات للمرحلة التي تليها، وتلك سمة عامَّة لنظريته في النمو العقلي، فإن تصوره لنوعي الأخلاقية كان على خلاف ذلك؛ فبياجيه لا يرى وجود أي شيء في الأخلاقية الخارجية يؤدي إلى نشأة الأخلاقية الداخلية, وهذا نقطة ضعف في نظريته. ج- الإحساس بالعدالة sense of justice: ولبحث الإحساس النامي بالعدالة لدى الطفل, ذكر بياجيه للأطفال قصصًا عن الأشخاص الذين يقومون بارتكاب أخطاء، ثم سُئِلَ الطفل عندئذ عن السبب في أنَّ هذه الأفعال كانت خاطئة، أو أي من الفعلين كان خطأ والآخر صحيحًا, مثال ذلك: في إحدى القصص طلب من الأطفال تحديد مَنْ كان أكثر شقاوة, أهو الطفل الذي هشَّم ١٥ فنجانًا من خلال حادث لا يمكن تجنبه، أم الطفل الذي هشَّم فنجانًا واحدًا وهو يحاول اختلاس بعض المربَّى. وفي مثال ثان سئل الأطفال: أيُّ الاثنين أكثر ذنبًا, أهي البنت التي سرقت كعكة لتعطيها لصديق فقير جائع، أو تلك التي سرقت شريطًا "أقل ثمنًا" لنفسها. وكانت كل قصة تتضمَّن فروقًا في القصد "جيد أو رديء"، وفروقًا في التلف "كبير أو صغير" "smith et, al. ١٩٨٢, ٣٣٠".

стр. 428

وعلى أساس هذه المعطيات وغيرها قام بياجيه بصياغة بعض الأفكار حول فهم الأطفال للعدالة, من ذلك: ١- فكرة العدل الجزائي retributive justice: وهي تختص بطريقتين يفكِّر بهما الأطفال: - فالعقوبة يجب أن تقابل الأفعال الخاطئة. وكان أحد أشكال العقاب الذي يستخدمه أكثر الأطفال الأصغر هو العدال التكفيرية expiatory justice؛ فالعقاب يجب أن يكون متناسبًا تناسبًا طرديًّا مع خطورة الذنب، ولكن شكله لا يجب بالضرورة أن يرتبط بالفعل الخاطئ. - أما الشكل الثاني من العقاب فهو ما أسماه بياجيه بالعقاب بالمثل، أو العقاب عن طريق التبادل punishment by reciprocity: فالأطفال الأكبر سنًّا بدا وكأنهم يعتقدون أن العقاب يجب أن يناسب الجريمة بطريقة ما؛ بحيث يمكن للمذنب أن يحسن تقدير النتائج المترتبة على فعله. إن الغرض من هذا الشكل من العقاب لا يهدف إلى إنزال العقاب من أجل العقاب ذاته، ولكن لإظهار نتائج الفعل من خلال العقاب الذي يرتبط ارتباطًا منطقيًّا بالفعل الخاطئ. وثمة مثال قدَّمه فلافيل flavell عام "١٩٦٣" يوضح هذه النقطة: فلنفترض أن طفلًا ما لم يتمكن من إحضار طعام إلى المنزل بعد أن طلب منه ذلك. إن ضربه يعتبر مثالًا للعقاب التكفيري؛ لأنه لا توجد علاقة منطقية بين الفعل الخاطئ والعقاب, أما تقليل مقدار وجبة الطفل أو رفض أداء خدمة للطفل يعتبر مثالًا للعقاب الجزائي؛ لأنه في الحالة الأولى تكون كمية الطعام المتيسّر أقل، والحالة الثانية؛ لأن الطفل كان قد رفض أداء خدمة. ٢- العدالة الوشيكة immanent justice وأخلاقيات التعاون أو التبادلية: morality of cooperation or reciprocity: فالطفل يستجيب للقواعد لأنها تعتبر صارمة وغير قابلة للتعديل, خاصَّة في المرحلة الأولى للنمو الأخلاقي،

стр. 429

ويعتبر السلوك إمَّا طيبًا أو رديئًا تبعًا لما إذا كان يتَّبع قواعد اجتماعية أم لا. إن الأطفال الأصغر يعتقدون في فكرة العدالة الوشيكة، بمعنى: إن الله يعاقب الناس على أفعالهم الخاطئة مباشرة، فالعقاب يعتبر مباشرًا يحدث بقدرة أوتوماتيكية لمن يخرج عن القواعد الأخلاقية, أمَّا الأطفال الأكبر في المرحلة الثانية للنمو الأخلاقي فإنهم ينظرون إلى القواعد باعتبارها محددة باتفاق متبادل، وأنها تعتمد على الظروف الاجتماعية. إن الطفل يدرك أنه لا يوجد صواب مطلق ولا خطأ مطلق، بل إن تصورات أو أفكار العدالة تشتمل على القصد أو النية intention؛ فكسر "١٥" فنجانًا عَرَضيًّا ينظر إليه على أنه أقل خطأ من كسر فنجان واحد أثناء محاولة الحصول على الشيء من المربَّى المحظورة "lickona, ١٩٧٦". إن اتباع القواعد الأخلاقية ينظر إليه كضرورة لتمكين المجتمع من أداء وظائفه، ويعتبر العقاب ملائمًا للخطأ, وليس مجرد تنفيذ لسلطة. ٣- إن النضج والخبرة عاملان أساسيان في تحديد فكرة الطفل عن العدالة: فالنضج يؤثر على النمو الأخلاقي من خلال وظيفته في تحسُّن النمو المعرفي العام. كما أنَّ الخبرة تؤثر على النمو الأخلاقي أساسًا من خلال الأقران؛ حيث إن التفاعلات المتبادلة بين الأطفال والراشدين هي في الغالب من جانب واحد، أي: إنها تسلطية؛ فنظرًا لأنَّ الراشدين يميلون للهيمنة والسيطرة على الأطفال, فإن الأطفال ينظرون إلى قواعد الكبار على اعتبار أنها مطلقة. وطبقًا لنظرية بياجيه فإن النمو الأخلاقي لا يمكن أن يحدث في ظل هذه الظروف، لكن تبادل الأخذ والعطاء الذي يحدث بين الطفل وأقرانه فإنه يمكن أن يؤثّر على مفهوم الطفل للأخلاقيات، ويحدث ذلك بطريقتين: أولًا: بالمشاركة في القرارات مع الأقران: والأطفال بذلك يكتسبون ثقة في قدرتهم على تطبيق القواعد في المواقف وعلى تغيير القواعد, وعلى ذلك: فإن القواعد ينظر إليها كنتيجة للاتفاق والتعاون بين الناس، كما ينظر إليها على اعتبار أنها مرنة وليست قابلة للتغيير.

стр. 430

وثانيًا: من خلال الخبرات في القيام بالدور مع الأقران يستطيع الأطفال أن يدركوا من خلال اتخاذ أدوار الراشدين أنَّهم يفكرون ويشعرون نحو الأشياء بطرق مشابهة لطرق أقرانهم "selman, ١٩٧٣, ١٩٧٦, shantz, ١٩٧٥". ويستخدم علماء النفس مصطلح "أخذ الدور" role taking للإشارة إلى الكيفية التي يتعلَّم بها فهم الآخرين بواسطة اتخاذ وجهات نظرهم، وكذلك العلاقة بين منظوراتهم وتصوراتنا, وهذا الإدراك يساعد الطفل على أن ينظر إلى استخدام القواعد على أنها مفيدة للجماعة، وهي أيضًا تساعد الطفل على فهم الدوافع الكامنة وراء أفعال الآخرين, وبذلك توفِّر الأساس للحكم الخلقي على القصد وليس على السلوك الظاهر وحده. بعض الاستنتاجات من نظرية بياجيه: إن آراء بياجيه توضِّح أن أهمية التفاعل مع الأقران في تطوير النمو الأخلاقي إنما ترجع إلى ما يتسم به من تبادلية reciprocity, فطبيعة التفاعل من جانب واحد بين الراشدين والأطفال يمنع الأطفال من اختبار البدائل

стр. 431

tesing alternatives بطريقة محايدة في عملية الأخذ والعطاء give - and - take manner. أمَّا التفاعلات مع الأقران من جهة أخرى, فتعتبر تبادلية وذات جوانب متعددة، وتسمح للطفل بالمشاركة في وضع القواعد وتغييرها، واتخاذ مختلف الأدوار التي تهيئ استبصارًا في وجهات نظر بديلة للقواعد والمواقف. وهذا التفاعل المتبادل بالإضافة إلى النمو المعرفي يساعد على تقدم النمو الأخلاقي للطفل، ما لم يعاق النمو بواسطة والديْن مفرطين في التشدد, أو بمحظورات ثقافية تعمل على تقليل التفاعل المتبادل مع الأقران إلى الحد الأدنى، ففي حالة التفاعل المتبادل مع الأقران فإن الطفل سوف ينتقل من حالة من الواقعية الخلقية moral realism "التي تميز الأطفال في المرحلة الأولى" إلى حالة استقلال ذاتي autonomy, وهو مستوى جديد وأعلى للتوجيه الأخلاقي moral orientation. إن البحث الذي نتج عن نظرية بياجيه استهدف تقييم مراحل النمو الأخلاقي في مجالات خمسة: ١- ارتباطية المنظورات relativism of perspective مقابل المطلقية absolution. ٢- نظرة موضوعية للعقاب مقابل العدالة الوشيكة immanent. ٣- القصدية مقابل النتائج المترتبة على الفعل. ٤- العدالة النسبية مقابل العدالة التفكيرية realtive vs. expletive justice. ٥- الالتزام comfrmity بتوقعات الأقران مقابل الطاعة obedience لسلطة الكبار "hoffman, ١٩٧٠, lickona, ١٩٧٦". ومع استثناءات قليلة دعمت النتائج تأكيدات بياجيه النظرية حول اتجاهات السن بالنسبة لهذه السمات. إن هذا التتابع الرائع للنتائج شديد الإجبار؛ إذ إن اتجاهات السن لم تكن قد واجهت نسبة الذكاء، أو الطبقة الاجتماعية، أو الجنس race. إن العامل الوحيد المحدد في نظرية بياجيه هو أنه لا يمكن تطبيقها إلّا في الثقافات الغريبة فقط. "horrman, ١٩٧٠".

стр. 432

مجادلات أصحاب نظرية التعلُّم الاجتماعي: إن المراحل التي وضع بياجيه قواعدها قد أثارت بعض الأبحاث الجدلية: - فقد جادل أصحاب نظرية التعلُّم الاجتماعي بأنَّ الأخلاقيات لا تنمو في مراحل، وأنها لا ترتبط بالسن. إنهم يظنون أنها تنمو, وأنها قابلة للتعديل من خلال التدخُّل البيئي، فتعريض الطفل لخبرات بيئية مختلفة يجب أن يغيّر الحكم الخلقي من خلال التعلُّم, بصرف النظر عن مستوى الطفل في النمو المعرفي. - كذلك: فقد جادلوا حول أهمية تأثير النماذج على الحكم الخلقي للأطفال, وقد جرى تقييم ذلك في تجربة قام بها بندورا وماكدونالد bandura & mac donald عام "١٩٦٣", كان المفحوصون فيها من البنين الذين تتراوح أعمارهم بين ٥-١١ سنة، وقد تَمَّ تقسيمهم إلى مجموعتين: - أظهرت إحدى المجموعتين في بداية الأمر اتجاهًا أخلاقيًّا موضوعيًّا. - والمجموعة الثانية أظهرت اتجاهًا ذاتيًّا. وقد قامت المجموعة الأولى بإصدار أحكامها على أساس التلف الحادث، في حين أن المجموعة الثانية أصدرت أحكامها على أساس نوايا المعتدي. ثم قسَّمت كلتا المجموعتين إلى ثلاث مجموعات تجريبية: - قامت الأولى بملاحظة نموذج راشد عبَّر عن أحكام خلقية مضادة لاتجاهات الأطفال، وعزَّز الأطفال شفاهة لمحاكاة استجابات النموذج. - ولاحظت المجموعة الثانية النموذج الراشد, ولكن لم يتلقوا أيَّ تعزيز لمحاكاة استجابات النموذج. - ولم يلاحظ أطفال المجموعة الثالثة أي نموذج، ولكنهم تلقون تعزيزًا للتعبير عن أحكام خلقية مضادة لتوجهاتهم السائدة. ولكن المتغير التابع هو عدد الأحكام الموضوعية التي أبداها الأطفال ذو الاتجاه الذاتي، وعدد الأحكام الذاتية التي وصفها الأطفال ذوو الاتجاهات الموضوعية في أثناء فترة التقدير المبدئي، وفي فترة المعالجة التجريبية، وفي

стр. 433

الفترة التي تلت الاختبار البعدي مباشرة، والتي أجريت في إطار اجتماعي مختلف عن النموذج, وعدم وجود إجراءات التعزيز. وقد أوضحت النتائج أنَّ الأطفال الذين لاحظوا نموذجًا غيَّروا أحكامهم الخلقية, وقلدوا أحكام النموذج بصرف النظر عن التعزيزات، والأطفال الذي لم يلاحظوا نموذجًا ولكنهم تلقَّوا تعزيزًا على الأحكام الخلقية المضادة لتوجهاتهم المبدئية لم يميلوا للتغيير, وخاصَّة إذا كان توجههم ذاتيًّا. وقد جادل "بندورا" و"ماكدونالد" في أنَّ هذه النتائج تعزِّز فكرة أن الأطفال يمكن أن يتعلموا السلوك الأخلاقي من ملاحظة نماذج. إن مثل هذه الفكرة تتعارض مع مفاهيم بياجيه وغيره ممن جادلوا في أن النمو الأخلاقي يتضح في مجموعة من المراحل كنتيجة لإعادة تكوين التفاعلات بين الطفل والبيئة.

стр. 434

إن التغييرات في الحكم الخلقي التي ذكرها "بندورا" و"ماكدونالد" "١٩٦٣" قد تكررت أيضًا في عدة تجارب أخرى، وأن هذه التعييرات تستمر لفترة ما بعد تعريضها, فقد ذكر كوان ولانجر وهيفنريتش وناثانسون cowan, langer heaventich & nathanson عام "١٩٦٩", ذكروا أنَّ التغيرات في الحكم الخلقي دامت بعد التجربة لمدة أسبوعين, كما ذكر لوفرجي وولوشن le furgy & woloshin عام "١٩٦٩" أن التغيرات في الأحكام الخلقية لدى المراهقين دامت لمدة ثلاثة شهور. وهذه التجارب تدل على أن الأحكام الخلقية يمكن أن تتشكَّل من خلال التعلُّم, ومع أن هذا الدليل يبدو أنه يدعو إلى التساؤل في نظرية أنَّ النمو الأخلاقي قد يحدث في مراحل جنبًا إلى جنب مع النمو المعرفي، كما أشار إلى ذلك بياجيه، وكولبرج، إلّا أنَّ الأمر لم يكن كذلك في دراسة كوان وزملاؤه cowan, et al عام "١٩٦٩", فالأحكام ذات المستوى المنخفض مثلًا التي تختص بالنتائج التي مارستها الشخصية الرئيسية في قصة تعرض مشكلة أخلاقية, يبدو أن مثل هذه الأحكام تغلب لدى الأطفال الصغار, وطبقًا للتفسير الدقيق لنظرية التعلُّم الاجتماعي فإن الأمر لا يجب أن يكون كذلك؛ حيث إن الراشدين مفروض أنهم لا يبدون هذا المستوى المنخفض من الأحكام في تفاعلاتهم اليومية. وإذا قدَّم الأطفال أحكامًا خلقية تشكَّلت طبقًا لنموذج الراشد الذي يقابلونه, فإنه من الصعب أن نفسر هذا المستوى السلوكي المنخفض في الأطفال الصغار، وكذلك التغيرات التالية في الأحكام الخلقية مع السن. العيوب في دراسات التعلُّم الاجتماعي: ذكر هوفمان hiffman عام "١٩٧٠" عيبين في تصميم دراسات التعلّم الاجتماعي حول المراحل الأخلاقية: أولهما: حول مدى صلاحية التجارب المستخدمة لاختبار نظرية بياجيه: ففي الدراسات الثلاث كان الاختبار البعدي يتكوّن من بنود شديدة الشبه في طبيعتها, وفي نفس البعد الأخلاقي لبنود الاختبار القبلي, وهكذا: فإن النتائج قد لا تعكس تغيرًا حقيقيًّا في تصورات المفحوصين عن الأخلاق، لكنها فقط تغير في

стр. 435

الاستجابات المكشوفة لبعد أخلاقي معين, وإذا كانت الاختبارات البعدية مكونة من بنود في بعد يختلف عمَّا استخدم في الاختبار القبلي لكان من الممكن استخدام النتائج للتدليل بمزيد من الإقناع في صالح التغيّر في المفهوم الأساسي للأخلاقيات لدى الطفل. وهناك مشكلة ثانية ظهرت في دراسات بندورا وماكدونالد "١٩٦٣"، كوان وآخرون "١٩٦٩" وهي أن كلًّا من النموذج والقائم بالتجربة كانا من الراشدين، وكان أحدهما موجودًا دائمًا؛ وحيث إن الأطفال يعتبرون شديدي الحساسية للمؤثرات الاجتماعية في الموقف التجريبي, فإنهم قد يقدمون الاستجابة التي يظنون أن الشخص الراشد يريد منهم تقديمها، وهو شكل مما يعرف باسم تحيز القائم بالتجربة "rosenthal, ١٩٦٦" ونتيجة لذلك: فإن أبحاث التعلُّم الاجتماعية تعتبر شاملة كاختبار لتتابع مراحل النمو الأخلاقي التي وصفها بياجيه, وهناك رأي بأنَّ الأمر يحتاج مزيد من البحث قبل أن يبتّ في أمر هذا الموضوع. القصدية ووسائر بياجيه: هناك مجال ثالث للبحث في نظرية بياجيه اختص بفحص وسائله لتقييم النمو الأخلاقي، وهذه الدراسات تركّز بصفة خاصَّة على موضوع وجهات نظر الطفل عن القصدية intentionality وليس على نتائج الفعل في تقدير الحكم على الأفعال الأخلاقية. ويرى جوتكين gutkin عام "١٩٧٢" أنَّ فكرة القصد أو النية تنمو لدى الأطفال في أربعة مراحل متتالية: هي: - الأولى: ينصبّ فيها اهتمام الطفل على كمية أو مقدار التلف الناتج، أي: النتائج المادية للفعل. - الثانية: ينصبّ فيها اهتمام الطفل أساسًا على كمية أو مقدار التلف الناتج, إلّا أنه يفكر في القصد أو النية إلى حدٍّ ما. - الثالثة: ينصبُّ فيها اهتمام الطفل على القصد أو النية، وإن ظل يفكِّر في كمية أو مقدار التلف الناتج.

стр. 436

- الرابعة: يصبح القصد أو النية هو المعيار الوحيد للحكم الخلقي. "varma & williams, ١٩٧٦, ١٠٠-١٠١". وهناك خط من خطوط البحث يركِّز على القصص التي كوَّنها بياجيه ويعتبر محاولة لتوضيح طبيعة استجابات الأطفال، ففي تجربةٍ قام بها كوستانزو وكوى وجرنت وفارنيل costanzo, coie grument & farmill عام "١٩٧٣" توضِّح البحث في هذا المجال, ولنذكر أن قصص بياجيه تتضمَّن نوايا "مقاصد" إمَّا طيبة أو رديئة، وهي دائمًا تقترن بنتيجة سيئة, ولقد أجرى هؤلاء الباحثين فحص استخدام الأطفال للنتائج والنوايا "المقاصد" في إصدار الحكم الخلقي, وقد تلى كل من القصد الحسن والقصد الرديء نتائج إمَّا طيبة أو سيئة, وكان المفحوصون "٢٠" طفلًا, كلٌّ منهم من روضة أطفال، ومن الصفين الثاني والرابع. وقد استمع كل طفل قصتين من مجموعة من المجموعات الأربعة للنوايا والنتائج المترتبة عليها، وأصدر حكمًا عن طيبة أو رداءة الشخصية الرئيسية، وما إذا كانت معاونة أو لطيفة, وتدل النتائج على أنَّ فروق السن في استخدام الأطفال للقصدية في تقييم أفعال الغير تتوقّف على العواقب. وبالنسبة للقصص ذات النتائج الطيبة استخدم الأطفال كلهم القصد وهو افتراض بأنه مستوى أعلى من التفكير الخلقي, وفيما يختص بالقصص ذات العواقب السيئة كان استخدام القصدية يزيد مع التقدم في السن, وهذه النتائج تتعارض مع دراسات سابقة استخدمت قصصًا من طراز قصص بياجيه, وتقترح أن الأطفال قد يستخدمون القصدية بدرجة كبيرة في وقت مبكِّر عمَّا كان يظن من قبل "Buchanan & Thompson, ١٩٧٣". وأخيرًا تبيّن أيضًا أنَّ استخدام المؤشرات في النوايا, والإصرار في مجال حكم الأطفال على سلوك الآخرين, يتأثر بما إذا كان سلوك الشخص الآخر قد لقي استثارة من شخص آخر أو لم يلق, ووجد أنه عندما كانت الأفعال الخاطئة للمسيئين قد لقيت استثارة قوية من جانب الضحية, فإن مرتكب الخطأ كان يُنْظَر إليه على أنه أقل مشاغبة من حالة ما إذا كان الخطأ لم يلق استثارة "Berndt & Rerndt, ١٩٧٥". على أن الأطفال حتى سنّ الخامسة يفهمون الدوافع والنوايا, ولكنهم قد يتجاهلونها عند إجراء حكم أخلاقي.

стр. 437

إن طريقة عرض المشكلة الأخلاقية في القضية يبدو أنها تؤثر أيضًا على استجابات الأطفال؛ فقد بحث شاندلر وزملاؤه Chandler, et al عام "١٩٧٣" هذه القضية مع أطفال في سن السابعة، وكان كل من الأربعين صبيًّا والأربعين بنتًا قد سمع قصة من طراز قصص بياجيه, وشاهدوا فيلمًا عن قضية أخرى. وكانت الأحكام العادية عمَّن كان أكثر شقاوة "مشاغبة" والسبب في ذلك, وقد رتبت على أساس استنادها إلى النوايا والنتائج, وقد تبيِّن أن طريقة عرض القصة تؤثِّر على الحكم الأخلاقي الذي يصدره الأطفال، وبالتالي يولد الانطباع بأنَّ الأطفال الصغار لا يحسون بالقصد من فعلٍ ما عند الحكم على أخلاقياته. وقد يبدو أن هذه النتائج تدل على أن نظرية بياجيه غير صحيحة، ويجب أن نتذكَّر أنه وإن كانت الاصطناعات المنهجية التي ناقشناها هنا قد تشوّه اتجاهات السن في النمو الأخلاقي، فإنه لم يوجد لدينا دليل على أن افتراض بياجيه لتتابع مراحل النمو في التفكير الأخلاقي غير صحيح، وأن هذا التتابع قد يحدث مبكرًا عمَّا يتوقع. إن توضيح هذه القضية يجب أن ينتظر المزيد من الأبحاث حولها. أخد الدور في نظرية بياجيه: قام كثير من الباحثين باختبار فكرة بياجيه، من أنَّ تفاعل الأقران واتخاذهم الدور يدعِّم النمو الخلقي, وقد وصف سيلمان selman مراحل أخذ الدور، واسنتنج أن القدرة على الدور تتزايد مع السن في مجموعة من المراحل تتوازي بشكل تقريبي مع مراحل بياجيه للنمو المعرفي. وقد حدَّد "سليمان" أخذ الدور بقراءة مشكلة أخلاقية أمام الطفل, وتقييم قدرته على فهم وجهة نظر الشخصية في القصة, وكيف أنَّ وجهات النظر هذه ترتبط بوجهات نظره هو. إن قدرة الطفل على اتخاذ الدور تؤثر على فهمه للعالم الاجتماعي, وكيف يجب أن تحل الصراعات. وقد استخدم موير moir عام "١٩٧٤" اختبارات النمو الأخلاقي واختبارات اتخاذ الدور اللا أخلاقي "فهم دوافع وأحاسيس الآخرين" مع ٤٠ فتاة في سن ١١ سنة، وكانت الدرجات المسجَّلة على نوعي الاختبار ترتبط إيجابيًّا, مما يدل على أنَّ المستويات الأعلى من التفكير الخلقي كانت مرتبطة مع المستويات الأعلى للقدرة على اتخاذ الدور, وقد ثبتت صحة ذلك حتى عندما كانت العلاقة الارتباطية قد صححت بالنسبة لنسبة الذكاء, فلم يكن الذكاء هو السبب الجوهري في العلاقة الارتباطية بين القياسين. وبناءً على هذه النتائج, فإن الطفل الذي يكون لديه القدرة على اتخاذ منظور الآخرين يعتبر البادئ في نمو مستويات ناضجة للتفكير الأخلاقي, فاتخاذ الدور هام بالنسبة للحكم الأخلاقي؛ لأنه يزيد من فهم الطفل لوجهة نظر شخص آخر، وهو بدوره يخفض من تمركز الطفل حول ذاته، وبالتالي يسمح بحكم أخلاقي ذي كفاءة متزايدة.

стр. 438

٣- نظرية بك وهافجهرست عن الأخلاقية peck & havighurst: ربما كانت تصورات بك وهافجهرست من أهم التصورات الحديثة عن التفكير الأخلاقي، والتي لم تنل عنايةً من الباحثين مثل غيرها من النظريات، فلقد قدَّم بك وهافجهرست تصورهما عن مراحل النمو الخلقي في كتابهما سيكولوجية نمو الخلق, الذي نشر عام ١٩٦٠. وعلى الرغم من أن هدف هذا المؤلف كان أوسع في مداه من مجرَّد التحليل البسيط لنمو المفاهيم الخلقية، بأنه يهتم أساسًا بكيفية مواجهة الطفل للمشكلات الأخلاقية المختلفة. لقد درس بك وهافجرست مجتمعًا محليًّا صغيرًا في الوسط الغربي من الولايات المتحدة الأمريكية، واستخدما في البحث اختبارات متعددة، طُبِّقَت على الأطفال الذين ولدوا عام ١٩٣٢, وكانوا يعيشون في هذا المجتمع المحلي عام ١٩٤٣ وقت إجراء البحث. وقد حصل الباحثان كذلك على تقديرات عن الخلق من المعلمين ومن زملاء التلاميذ على فترات مختلفة من نمو العينة, وقد اعتمد البحث بشكل أساسي على عينات مستعرضة من المجتمع، نصفهم من البنين ونصفهم من البنات, وقد طبقت عليهم اختبارات إسقاطية واختبارات تكملة الجمل، وأجريت معهم مقابلات شخصية، وكذلك جمعت عنهم ملاحظات بواسطة الباحثين الميدانيين, وقد افترض بك وهافجهرست بناء على دراستهما وجود خمسة أنماط من الخلق، وتصورا تتابعهما مع نمو الفرد وهي:

стр. 439

١- الحياد الأخلاقي في الطفولة amoral in infancy: وفي هذه المرحلة يرى الطفل الناس الآخرين كوسائل لإشباع الذات, يكون الطفل متمركزًا تمامًا حول ذاته, لا يعرف المبادئ الأخلاقية ولا الضمير. إنها صورة رضيع لم يبدأ في التطبيع بعد. ٢- الوسيلية في الطفولة المبكرة expedient in early chidhood: يميل الطفل في هذه المرحلة لأن يعمل وفقًا لتقاليد المجتمع, ولكن لكي يتجنَّب العقاب ويحصل على الثواب فقط. إن الطفل في هذه المرحلة لا يهتم بخير الناس الآخرين، إلّا إذا كان ذلك في صالحه، يكون الطفل متمركزًا حول ذاته، وأخلاقياته غير ثابتة, طالما أن مبرر محافظته على القواعد مرتبط بحصوله على ميزة أو مكافأة. ٣أ- المسايرة في الطفولة المتأخرة: conformity in latd chilhood: الشخص المساير هو الذي يتبع ما هو سائد من قواعد السلوك، وهنا نجد لدى الطفل اتجاهًا ثابتًا نحو الصواب والخطأ, ولكن ذلك لا يرجع إلى الالتزام بمبدأ أخلاقي عام, وإنما إلى الالتزام بما هو سائد في المجتمع. وهكذا نجد أن الطفل يواجه كل موقف بتطبيق القاعدة المناسبة والسائدة في المجتمع بصرف النظر عن علاقته بالمواقف الأخرى. ٣ب- الضمير اللاعقلاني irrational conscientious في الطفولة المتأخرة: وهنا يحكم الطفل على المواقف وفقًا لمعاييره الداخلية أو الذاتية عن الصواب والخطأ، مع اهتمام ضئيل بما إذا كان الناس من حوله يوافقون على تصرفه أم لا, ويشير وصف اللاعقلاني على أن القواعد تطبق بطريقة جامدة نسبيًّا؛ فالفعل خير أو شر، صواب أو خطأ؛ لأنَّ الفرد يشعر بذلك لا بسبب آثاره على الآخرين. ٤- الغيرية العقلانية rational altruistic في المراهقة: وهذه أعلى مرحلة للنضج الخلقي في تصور "بك" و"هافجهرست", والذين يسلكون على هذا النحو ليست لديهم مجموعة ثابتة من المبادئ الأخلاقية, وإنما هم أيضًا يطبقونها بموضوعية في ضوء ما إذا كانت نتائج الفعل المعين ضارة أو نافعة بالنسبة للآخرين, والشخص الغيري على وعي بمعايير مجتمعه, وإيحاءات ضميره ذاته، ولكنه قادر على أن يراعي روح القواعد لا أن يظل عبدًا لحرفيتها, ويلاحظ أن "بك" و"هافهجرست" قسَّما المرحلة الثالثة إلى نوعين من الأخلاقية، وهما يعتبرانهما بديلين، بمعنى أنَّ الطفل في انتقاله من المرحلة الثانية إلى الرابعة يمر بأحد هذين البديلين دون الآخر. ومن الواضح أنَّ هذا التصور يمكن أن يؤدي إلى وظيفتين؛ الأولى: إنه يمثل سلسلة متتابعة لمراحل النمو، والثانية: إنه يمكن أن يتَّخذ أساسًا لتصنيف الأفراد إلى المساير أو المطيع أو الغيري ... إلخ. ولعله من الواضح أيضًا أنهما لا يفترضان أنَّ كل فرد لا بُدَّ أن يصل بالضرورة لأعلى المراحل, وقد أشار "بك" و"هافجهرست" إلى أن غالبية المراهقين في بحثهما لم يصلوا فعلًا إلى هذه المرحلة الأخيرة "الغيرية العقلانية". "سليمان الخضري ١٩٨٢، ٦".

стр. 440

٣- نظرية كولبرج: تعتبر نظرية لورنس كولبرج Lawrence kohlberg أحدث نظريات النمو الخلقي ونمو التفكير الخلقي بشكل خاص، كما أنَّها تعتبر أكثر النظريات ثراءً من حيث استثارتها للبحث في التفكير الخلقي. ولقد ولد كولبرج عام ١٩٢٧, عاش طفولته الأولى بنيويورك، التحقق بجامعة شيكاغو عام ١٩٤٨، حصل على دراساته العليا في علم النفس، واهتم بأفكار بياجيه ونظرياته، وبدأ في إجراء مقابلات مع الأطفال والمراهقين لمناقشتهم فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية، ونتيجة لذلك حصل على درجة الدكتوراه عام ١٩٥٨. عمل بجامعة شيكاغو من ١٩٦٢-١٩٦٨, وانتقل بعد ذلك إلى جامعة هارفارد حتى مات عام ١٩٨٧. ولقد تأثَّر "كولبرج" في صياغته لنظريته بأفكار كثير من الفلاسفة وعلماء النفس السابقتين مثل: جون ديوي وغيره، على أن أهمَّ المؤثرات السابقة في نظريته استمرت بشكل أساسي من نظرية جان بياجيه في النمو المعرفي, فلقد تأثَّر كولبرج بجان بياجيه في ثلاث جوانب رئيسية: الصياغات النظرية، مفهوم مراحل النمو، ومنهجه في البحث. فلقد اعتمد كولبرج إلى حدٍّ كبير على صياغة بياجيه لمراحل

стр. 441

النمو المعرفي، في وضع نظريته الخاصة عن الحكم الخلقي. كذلك تصوّر كولبرج مراحل النمو الخلقي بنفس الصورة التي تصوّر بها بياجيه مراحل النمو المعرفي؛ حيث تصورها على أنها مراحل تجمعية وليست مجرَّد مراحل متتابعة. وهذا يعني أنَّ كل مرحلة سابقة تمهّد للمرحلة التالية لها, وتدخل كعناصر مكونة فيها، كما أنَّ منهج بياجيه الإكلينيكي له تأثيره الواضح في الأدوات التي ابتكرها كولبرج لدراسة التفكير الخلقي، فقد صمَّم سلسلة من المشكلات الخلقية الفرضية, وقام بإجراء مقابلات شخصية مع أطفال ومراهقين, وتوصَّل بهذه الطريقة إلى صياغة نظريته عن النمو الخلفي. لقد طوّر كولبرج تصور بياجيه عن نوعي الأخلاقية "الأخلاقية الخارجية، والأخلاقية داخلية المنشأ" مقدمًا تصوره الخاص عن ست مراحل لنمو التفكير الخلقي, وبالإضافة لذلك سعى إلى تقديم استبصار أكبر بأثر القوى الاجتماعية.

стр. 442

والخبرة على النمو الخلقي. ولقد كان اتجاه كولبرج في فهم استجابات الأفراد للمشكلات الخلقية شأنه شأن بياجيه، يعتمد على تحليل الأبنية العقلية وأنماط التفكير الكامنة وراءها. والتفكير الخلقي هو نمط التفكير الذي يتعلق بالتقييم الخلقي للأشياء والأحداث, وهو يسبق كل فعل أو سلوك خلقي. وهو بهذا يختلف عن السلوك الخلقي، فالسلوك الخلقي سلوك معقَّد يتضمَّن بداخله عناصر متعددة, أو تسهم في حدوثه عوامل عديدة. والتفكير ما إلّا أحد هذه العناصر, كذلك يختلف التفكير الخلقي عن القيم الخلقية، فالقيمة الخلقية تشير إلى ما يعتقد الفرد أنه صواب, أو ما يعتقد أنه خطأ, أما التفكير الخلقي فيتعلّق بالطريقة التي يصل بها الفرد إلى حكم معين يتعلّق بالصواب أو الخطأ، فقد يعتقد كثير من الناس أن السرقة خطأ وهذه قيمة, ولكن قد يختلفون في طريقة الوصول إلى هذا الحكم؛ فبينما يبني شخص حكمه على أساس طاعة القانون، يبني آخر على أساس مراعاة ضميره، وهناك أفراد يهتمون بالانصياع لمعايير المجتمع، بينما يمكن أن يقدّم آخرون حججًا حول تأثير السرقة على المجتمع, مثل هذه الأسس المختلفة لإصدار الأحكام الخلقية تضمَّن طرقًا مختلفة للتفكير الخلقي. ولقد طوَّر كولبرج تصوّر بياجيه عن نوعي الأخلاقية مقدمًا تصوره الخاص عن ست مراحل لنمو التفكير الخلقي يمكن تصينفها إلى ثلاثة مستويات، تبدأ من منظور التمركز حول الذات، ثم المنظور الاجتماعي, وأخيرًا المنظور الإنساني العالمي. وبالإضافة لذلك: سعى إلى تقديم استبصار أكبر بأثر القوى الاجتماعية والخبرة على النمو الخلقي, ولقد كان اتجاه كولبرج في فهم استجابات الأفراد للمشكلات الخلقية شأنه شأن بياجيه يعتمد على تحليل الأبنية العقلية وأنماط التفكير الكامنة وراءها. واعتبر كولبرج المفهوم الأساسي للنمو الخلقي هو العدل justice, وهو نفس الاعتبار الذي دارت حوله تحليلات بياجيه، فالنمو الخلقي لدى كلّ منهما لا يعني حب البشر، أو الإحساس البديهي لقدسية الواجب، أو الاهتمام ببقاء الجنس البشري، وإنما تحقيق الاتزان الاجتماعي بين الأفراد الذين يتفاعلون مع بعضهم البعض, وذلك عن طريق موازنة الادعاءات الفردية الشرعية في موقفٍ ما، وإعطاء الأولية لأيٍّ منها طبقًا لمبادئ القسط التي تحكم التعاون بين البشر, ومن

стр. 443

ثَمَّ فإنَّ الأخلاقيات في نظرهما هي منطق الأحداث. "محمد رفقي: ١٩٨٣، ٧٢". وكولبرج شأنه في ذلك شأن بياجيه، يرى أن الأخلاقيات لا تنمو كلها مرة واحدة، بل تخضع لسلسلة من المراحل، وتمثل هذه المراحل تتابعًا نمائيًّا لا يختلف، وتتابع هذه المراحل منتظم؛ بحيث لا يتمّ إغفال آية مرحلة، ويتقدم الأطفال خلال هذه المراحل بسرعات مختلفة, أو قد يكون الطفل في مرحلة معينة إلى حد ما وخارج نفس المرحلة إلى حدٍّ ما، ويتوقّف الفرد عند أي مرحلة وفي أي سن، ولكنه إذا لم يتوقف واستمر في النمو فإنه يجب أن يسير وفقًا لهذه المراحل, ولا يمكن أن يتمَّ التفكير الخلقي للمستوى التقليدي مثلًا قبل المستوى قبل التقليدي، كما لا يمكن أن يكون أيّ فرد في المرحلة الرابعة مثلًا قد مرَّ بالمرحلة السادسة, ولكن كل راشد في المرحلة السادسة يجب أن يكون قد مرَّ بالمرحلة الرابعة "kohiberg & giligan, ١٩٧١, ١٠٦٨-١٠٦٩". ويعتقد كولبرج أن المراحل التي حدَّدها في نظريته ترتبط بصورة هرمية؛ حيث لا بُدَّ للفرد أن يمرَّ بكل المراحل السابقة على مرحلة معينة حتى يصل إلى تلك المرحلة، وتوضح تلك المراحل أنماطًا للتفكير يسود جميع الثقافات, بمعنى أنه تتابع ثابت لا يختلف باختلاف الثقافة التي ينمو فيها الفرد. "sugarman, ١٩٧٣, ٥٠-٥٢". ومن هنا ركَّز كولبرج على التفكير الخلقي وليس الاستجابة الخلقية, ويرجع ذلك إلى أن نفس الاستجابة قد ترتبط بسببين مختلفين تمامًا للسلوك. ومن هنا فإنَّ المدخل لدراسة النمو الخلقي يركِّز على عمليات التفكير التي تكمن وراء الحكم الخلقي، كما أنه يعالج بشكل مفصَّل التغيرات التي تطرأ على تفكير الطفل الخلقي عبر مراحل نموه المختلفة "lerner & spanier, ١٩٨٠, ٢٥٧", وإذا كان بياجيه قد اقتصر في تحليله للأخلاقيات على الأطفال, فإن كولبرج حاول أن يرتقي بتصنيفه إلى مراحل المراهقين؛ حيث صاغ مراحل النمو الخلقي الست بناءً على مقابلاته مع أطفال تمتد أعمارهم ما بين ١٠-١٦ سنة, وبالتركيز على مآزق خلقية فرضية, فيها طاعة القواعد والسلطة تتصارع مع حاجات الآخرين, ويطلب من المفحوص حل هذا الصراع، ولم يهتم بكيفية حل هذا الصراع, ولكن لماذا يستجيب له بهذه الطريقة.

стр. 444

ولم يكن اهتمام كولبرج بكيفية تقرير حل المآزق الخلقية بالمبررات المعطاة لهذه الاختيارات؛ حيث يعتقد بأنَّ هذه المبررات تعكس البناء العقلي الداخلي للتفكير الخلقي. كما يشير كولبرج وكرامر إلى أنَّ النمو الأخلاقي يتضمَّن عملية متصلة يعيشها الفرد, بهدف إقامة نوع من المواءمة بين نظرة أخلاقية معينة وخبرة الفرد, فيما يتعلق بالحياة في عالم اجتماعي يتبنَّى هذه النظرة, ويتخذ منها معيارًا لمسلك الأفراد في هذا الجانب أو ذاك من جوانب حياتهم؛ حيث يرى أن التفكير الخلقي يتمُّ في سياق نمو عمليات التفكير التي يمرّ بها الطفل أثناء تعامله وتفاعلاته مع بيئته الاجتماعية، ويستمر النمو في التفكير الخلقي من خلال ما يعيشه الفرد من مواقف وخبرات، ومحاولاته المستمرة لحل ما يواجهه من تناقضات, وتجاوز آثارها "kohiberg & kramer, ١٩٨٠,٩٣-١٢٠". ويرى توريل Turiel أنَّ ما يعيشه الطفل من صراعٍ وتناقضٍ يترتَّب عليه اختلال في التوازن فيما لديه من تركيبات أخلاقية قائمة، مما يؤدي به إلى أن يصبح غير قادر على أن يستوعب هذه الخبرات, وبالتالي فهو يتلمَّس الطريقة التي يصل بها إلى تركيب آخر يقترب مما لديه. وعندما يتيقن أن هذا التركيب في صورته الجديدة يتفق أو يتوائم مع ما يعيشه من مواقف وخبرات, يعمد إلى التوافق بين التركيبين الجديد والقديم؛ بحيث ينتقل إلى نوع جديد من الاتزان, أي: مراحل جديدة من مراحل نموه الخلقي. وهكذا كلما تزايدت درجة تعقيد الثقافة فإن هناك احتمالًا أكبر لِأَنْ يواجه الطفل قدرًا أكبر من مواقف الصراع والتناقض, مما يؤدي به إلى أن يعيش عددًا أكبر من مواقف عدم الاتزان، الأمر الذي يستتبعه أن يبذل الطفل عددًا أكبر من محاولات التواؤم بهدف استعادة التوازن، وأن يشهد عددًا أكبر من التغيرات في تركيباته الأخلاقية، وهكذا فإنَّ النمو الخلقي يسير على أساس محاولة الفرد الحفاظ على التوازن بين التمثل والمواءمة, وبسبب التمثل الوظيفي يحاول الفرد ضمّ التفكير الخلقي إلى تركيبه المعرفي وأبنيته المعرفية القائمة، وإذا كان هذا التفكير في مرحلة أعلى فإنه يتصارع في النهاية مع التنظيم العرفي القائم لدى الفرد, وعلى هذا: يحدث عدم التوازن الذي يتطلّب المواءمة, ومن ثَمَّ إعادة التوازن والانتقال إلى مستوى أعلى من التفكير نتيجة لذلك. "Turiel, ١٩٦٩, ٩٢-١٣١".

стр. 445

ويرى كولبرج أن الفرد يتقدَّم خلال سلسلة ثابتة من المراحل النوعية للنمو الخلقي, وأعلى هذه المراحل الإحساس بالعدل والاهتمام بالتبادلية بين الأفراد، فكل مرحلة تستجيب لقضايا خلقية معينة، وكل مرحلة جديدة هي إعادة تنظيم وترتيب جديدة لمراحل سابقة، والأفراد في الثقافات المختلفة يسيرون في نفس المراحل بنفس الترتيب, والاختلاف فقط في سرعة هذا النمو. ويؤكد كولبرج أن النمو الخلقي متتابع, وأن نمط النمو للفرد ثابت عمومًا؛ حيث يبدأ بالمرحلة الأولى ويتقدَّم تفكيره حتى يصل إلى المرحلة النهائية بالنسبة له, ويرى أن هذا التتابع عام في الثقافات المختلفة, وكل الأفراد في كل ثقافة ينمون بمعدَّلات مختلفة, ولا يصلون إلى نفس المرحلة النهائية, وتتميز مراحل كولبرج بعدة صفات: ١- إن هذه المراحل تمثّل أنماطًا للتفكير مختلفة في الكيفية. ٢- تشكل هذه المراحل نظامًا ثابتًا ومتتابعًا للنموِّ يتحرك خلال تلك المراحل إلى الأمام, ويتم خطوة خطوة. ٣- تكون هذه المراحل كلًّا متكاملًا. ٤- تمثل هذه المراحل تكاملات هرمية، يستطيع الأفراد فهم كل المراحل السابقة على المرحلة التي ينتمون إليها، إلّا أنهم لا يستطيعون فهم أكثر من مرحلة واحدة أعلى من المرحلة التي ينتمون إليها. "jensen ١٩٨٥". ويرى كولبرج أن التفكير الخلقي للأفراد يتغيِّر مع تقدمهم في النمو، وبصورة عامة فإنّهم يتحركون من المستوى قبل التقليدي إلى المستوى التقليدي، فالمستوى بعد التقليدي، ولا يحدث أن يخطئ أي فرد مرحلة معينة إلى مرحلة أعلى منها, إلّا أنَّ البعض فقط هم الذين يصلون إلى المرحلة السادسة، وفي المجتمع الأمريكي لا يصل للمرحلة السادسة غير ١٠% من الراشدين. "gorman, ١٩٨٠,٣٣٨". ويرى كولبرد أنَّ كل مرحلة لها مفهوم خلقي خاص بها, وهذا المفهوم يختلف من مرحلة إلى أخرى, ويصبح أكثر تكاملًا وأكثر عمومية, فعندما ينتقل مفهوم الفرد عن قمية الحياة الإنسانية من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية تصبح

стр. 446

قيمة للحياة أكثر اختلافًا عن قيمة الممتلكات, وأكثر تكاملًا, فتدخل قيمة الحياة في سلّم تنظمي حيث تكون أعلى من الممتلكات. وعلى ذلك فإن الفرد يسرق الممتلكات لينقذ الحياة، وأكثر عمومية فتصح حياة أي مخلوق حساس ذات قمية يصرف النظر على وضع الممتلكات, ويكون نفس التقدم حقيقيًّا في كل مرحلة من السلم, وتصبح كل مرحلة أو خطوة للنمو تنظيمًا معرفيًّا أفضل من سابقتها، وتتضمَّن كل ما هو موجود بالمرحلة السابقة, ولكنها تبيِّن فروقًا جديدة أكثر شمولًا وأكثر اتزانًا. ويرى كولبرج أن نمطي الأخلاقيات عند بياجيه غير كافية لتغطية جميع التغيرات في التفكير التي يمر بها الفرد, ومن هنا وضع نظريته التي تتكوَّن من ست مراحل لتغطية التغيرات النوعية في التفكير الخلقي لدى الأفراد, ويركز كولبرج -مثل بياجيه- على التفكير الخلقي, أي: على الطريقة التي يفكِّر بها الأفراد في المشكلات الخلقية, وليس على الاستجابة الخلقية ذاتها؛ لأنه يرى أننا لو ركَّزنا على الاستجابة نكون قد تجاهلنا مغزى السلوك، فقد يوجد فردان مثلًا يسلكان نفس السلوك, ولكن لكلٍّ منهما هدفًا خاصًّا به. وقد توصَّل كولبرج إلى نظريته باتباع خطوات أو إجراءات مشابهة لما قام به بياجيه، فكان يقص على الأطفال قصصًا تدور حول مشكلات خلقية, ثم يسألهم بعض الأسئلة عنها، واعتبر الإجابة عن الأسئلة بـ"نعم أو لا" غير كافية؛ لأن الفرد لا يبوح بأيّ شيء عن مستوى نموه الخلقي. كما أنَّ كولبرج كان يبحث عن التفكير الذي يكمن خلف هذه الاستجابات، ومن هنا كان يهتمّ بالأسباب التي أدَّت إلى هذا الحكم, ودرس وجهة نظره عن النوايا التي دعت إلى السلوك, ومدى اختلاف هذه النوايا عن النتائج التي تحدث بعد ذلك، وتتميّز طريقة كولبرج عن بياجيه في نقطتين؛ أولهما: إن تقسيمه للنمو يمتد إلى سنٍّ أكبر مما يتناوله بياجيه، ثانيهما: إنه يجعل من السهل مقارنة مستويات الحكم الخلقي بين الثقافات. وفي دراسته للتفكير الخلقي كان كولبرج يعرض على الأطفال قصصًا تتضمَّن الاختيار بين بديلين غير مقبولين ثقافيًّا, وقد تميزت قصص كولبرج بخصائص ثلاث أساسية هي:

стр. 447

١- أنها مشكلات ذكية, بمعنى أنَّ أي اختيار من الاختيارين المحددين لحل المشلكة يجد له تأييدًا تقليديًّا من ثقافة المجتمع وقوانينه. ٢- لا تعطى الدرجة للمستجيب على أساس الفعل الذي يختاره, ولكن على أساس طبيعة دفاعه عن هذا الاختيار. ٣- تقدَّر الإجابة على أساس تحليل المحتوى وليس على هذا الاختيار. ٣- تقدَّر الإجابة على أساس تحليل المحتوى وليس على أساس الإجابة بنعم أو لا. ومن هنا توصَّل كولبرج إلى وجود ثلاث مستويات للتفكير الخلقي هي: ١- المستوى قبل التقليدي. ٢- المستوى القليدي. ٣- المستوى بعد التقليدي. ويتضمَّن كل مستوى من المستويات الثلاثة مرحلتان ليصبح عدد المراحل ست مراحل, ويحدد كولبرج هذه المراحل بطرق التفكير في المشكلات الأخلاقية, وأسس وقواعد الاختيار بين البدائل المتاحة أمام الفرد, ولم يحدد كولبرج أيّ سن لبداية أو نهاية هذه المستويات كما فعل بياجيه؛ لأنه اعتقد أن أي من هذه المستويات يمكن أن يوجد لدى الراشدين, وأنَّ أيًّا من الأفراد قد يقف عند مستوى معين, ولا يتعداه. مستويات التفكير الخلقي: تعتبر نظرية كولبرج إحدى النظريات المعرفية التي تناولت التفكير الخلقي بشكل خاص, وبعد دراسته المستفيضة في الثقافات المختلفة توصّل إلى نظرية في التفكير الخلقي, تتضمَّن ثلاثة مستويات كل منها يمثل خطوة في تطور التفكير الخلقي لدى الفرد. في ضوء هذا الفهم لمراحل النمو نعرض تصور كولبرج لمراحل نمو التفكير الخلقي أو تطوره، والتّي تنقسم إلى ثلاث مستويات رئيسية هي: المستوى الأول: المستوى قبل التقليدي: pre - conventional level: في هذا المستوى ينظر الطفل إلى المشكلات الخلقية من منظور اهتماماته المحسوسة. إنه لا يهتم في هذا المستوى بما يحدّده المجتمع بأنه الطريقة الصحيحة للسلوك في موقف معين, ولكنه يهتم بالنتائج الفيزيقية للفعل "الثواب، العقاب، تبادل

стр. 448

المصالح". فهو يستجيب للقواعد الثقافية عن الصواب، والخطأ، ولكنه يفسرها في ضوء نتائجها المادية. ويتضمَّن هذا المستوى مرحلتين من مراحل النموّ هما: مرحلة "١" توجه الطاعة وتجنب العقاب: فالطفل في هذه المرحلة يفكّر فقط في ضوء المشكلات الفيزيقية والحلول المادية, والصواب هو ما يتجنب العقاب, فصواب الفعل أو خطؤه يتحدد بالنتائج الفيزيقية التي تترتب عليه، بصرف النظر عن معنى الفعل أو نتائجه الإنسانية, ولعله من المفيد أن نذكر بعض الإجابات النمطية للأطفال في هذه المرحلة بالنسبة لإحدى القصص التي استخدمها كولبرج في دراساته، وهي قصة "الزوج والدواء": فزوجة "هينز" على وشك أن تموت بسبب السرطان، وهناك صيدلي في المدينة اكتشف دواء قد ينقذها. ولكن الصيدلي يطلب ثمنًا باهظًا للدواء، والزوج لا يستطيع أن يدبِّر المبلغ, فهل يسرق الزوج الدواء؟ فقد تكون إجابة الطفل مع سرقة الدواء أو ضد السرقة, فليس هذا بالأمر الهام، وإنما المهم أنه في الحالتين يهتم فقط بالنتائج الفيزيقية للفعل. ولعل من الإجابات النمطية في هذه المرحلة, والتي تؤيد السرقة, أن يقول الطفل مثلًا: "ليس من السيئ سرقة الدواء, لقد طلب أن يدفع مقابله، إنه لن يحدث أي تخريب بكسر الصيدلية, ولن يأخذ شيء آخر, والدواء الذي سوف يأخذه يساوي فقط ٢٠٠ دولار وليس ألفي دولار". كذلك من الإجابات النمطية التي تعارض السرقة في هذه المرحلة: "ليس للزوج أي حق في سرقة الدواء, إنه لا يستطيع أن يذهب ويكسر النافذة أو الباب, إنه سوف يكون مجرمًا بسبب التخريب الذي يحدثه. إن الدواء يساوي مبلغًا كبيرًا من المال, وسرقة شيء بهذه الدرجة يعتبر جريمة كبيرة". هكذا نجد أنَّ كلتا الإجابتين تغفلان تمامًا نوايا الزوج، وكذلك التزامه أو واجبه نحو زوجته, كلاهما تحكمان على الفعل على أساس النتائج الفيزيقية المترتبة عليه، والتخريب الذي سوف يحدثه الزوج، الإجابة مع السرقة تقلل من حجم الجريمة بأنه لن يحدث تخريب الشيء الآخر، والإجابة ضد تضخم الجريمة بإضافة كسر الباب أو النافذة، وكذلك ثمن الدواء. ومهما يكن فإن غالبية الأطفال في هذه المرحلة لا يوافقون على سرقة الدواء نتيجة لإهمالهم النوايا, وتركيزهم على العقاب الذي يترتب على السرقة.

стр. 449

مرحلة "٢" توجه النسبية الوسيلية الساذجة: خلال المراحل الثانية يظهر معيار جديد للحكم: معيار العدل fairness؛ فالفعل السليم هو الذي يشبع حاجات الذات، وأحيانًا حاجات الآخر، فمن العدل أنه إذا كان لدى الشخص سبب معقول لعمل شيءٍ ما فإنه يجب أن يحكم على أساس هذا السبب، لا على أساس إرادة تعسفية لسلطةٍ ما. فالسلطة التي تتحكّم في الثواب والعقاب, والتي كانت قيمة مركزية في المرحلة الأولى، تصبح نسبية في المرحلة الثانية، إنها تصبح مثل أي شخص آخر تتبادل معه المصالح؛ فالطفل ينظر إلى العلاقات الإنسانية نظرته إلى العلاقات في التجارة أو السوق. إنه يعي نسبية القيم وارتباطها بحاجات كل فرد ومنظوره. وهكذا على الرغم من وجود أفكار بدائية عن العدل والمساواة لدى الطفل في هذه المرحلة، إلّا أنه يفسرها بطريقة برجماتية فيزيقية. العدل يعني "أنه لكل فرد الحق في أن يفلت بما يستطيع". من هذا المنظور قبل التقليدي: إذا طبق المعلّم اختبارًا، ولم يعد التلاميذ له إعداد جيدًا، فمن العدل أن يغش التلاميذ، إن التلميذ لن يؤذي أحدًا عندما يغش، إنه سوف يصل على درجات أعلى، ولكنه لن يؤذي أحدًا. وفي قصة الزوج والدواء: لا يجد معظم الأطفال في هذه المرحلة مشكلة في رؤية أن الصيدلي يسبب للزوج ضررًا كبيرًا بسبب رفض إعطائه الدواء, ومعظم الأطفال في هذه المرحلة يعتقدون أنه من الطبيعي أن يسرق الزوج الدواء, على أساس أنه هو الذي يرعى زوجته ويهتم بها، والزوج لن يضر الصيدلي، ويستطيع أن يدفع له ثمن الدواء فيما بعد, ومع ذلك فهناك أطفال في هذه المرحلة أيضًا يقفون ضد سرقة الدواء، فهم يرون أن الصيدلي ليس على خطأ، فهو يريد أن يحقق أرباحًا من اكتشافه وهذا حقَّه. ومهما يكن في الحالتين بدأت تظهر فكرة النوايا في الحكم على الفعل؛ فالزوج في الإجابات الأولى ينوي أن يدفع للصيدلي فيما بعد, والصيدلي في هذه الحالة يرغب أن يحقق ربحًا شأنه شأن أي شخص آخر. المستوى الثاني: المستوى التقليدي: conventional level في هذا المستوى يواجه الفرد المشكلة الخلقية من منظور عضو المجتمع، يهتم الطفل باتباع التوقعات الاجتماعية الخارجية, ويعتبر المحافظة على هذه

стр. 450

التوقعات ومسايرتها قيمة في حد ذاتها. الفرد يعرف ويأخذ في اعتباره أنَّ الجماعة أو المجتمع يتوقع منه أفعالًا تتفق مع معاييره الخلقية, ومن ثَمَّ فهو يجاهد، لا لكي يتجنب اللوم أو العقاب فحسب، وإنما لكي يعيش أيضًا على مستوى التحديدات المقبولة للشخص الطيب أو شاغل الدور. إنه ليس اتجاهًا لمسايرة التوقعات الشخصية والنظام الاجتماعي فحسب، بل هو ولاء له وتدعيم وتبرير لوجوده, ويشمل هذا المستوى المرحلتين الثالثة والرابعة: مرحلة "٣": توجّه المسايرة أو الولد الطيب: السلوك الجيد في هذه المرحلة هو الذي يرضي الآخرين أو يساعدهم, وهو الذي يوافقون عليه، فالطفل يساير الصور النمطية للسلوك العادي أو الذي يميز غالبية الناس. إنَّ الدافع للفعل الأخلاقي في هذه المرحلة هي تلبية توقعات الأشخاص المهمين الآخرين. فالوعي بأنَّ لدى الآخرين توقعات إيجابية عمَّا يؤدي إلى نظرة جديدة للعلاقات بين الأفراد. فحينما يدخل شخصان في علاقةٍ ما، فإنهما يضعان ثقة كلٍّ منهما في الآخر، ويتوقع كلٌّ منهما أن الآخر سوف يضع هذه الثقة في اعتباره ويحترمها. العلاقة هنا أكثر من مجرَّد تبادل المنافع والمصالح المتكافئة "كما كان ينظر إليها في المرحلة الثانية"، إنها تتضمَّن التزامًا متبادلًا. وقصة الزوج والدواء توضّح هذه النقطة بشكل جيد, فمن منظور المرحلة الثانية ليس هناك التزامات لذاتها على الزوج نحو زوجته، فله الحق أن يسرق الدواء لإنقاذ زوجته إذا أراد ذلك. ولكنه إذا لم يرد فليس لأحد ولا لزوجته مآخذ عليه. أمَّا من منظور المرحلة الثالثة فإن على الزوج التزامات محدَّدة إزاء زوجته, يجب أن يكون مسئولًا عنها ويحاول إنقاذ حياتها, وحتى إذا كان لم يعد يحب زوجته، فإن حقيقته أنه أحبها في وقتٍ ما, والتزامه نحوها يحتِّم عليه أن يكون مهتمًا بإنقاذها. ومن الإجابات النمطية في هذه المرحلة: "السرقة شيء, ولكن الموقف صعب. والزوج لا يفعل شيئًا بمحاولته إنقاذ زوجته, وليس أمامه من خيار غير سرقة الدواء. إنه يفعل شيئًا عاديًّا بالنسبة للزوج الطيب. يجب أن نلومه إذا لم يكن يحب زوجته بدرجة تكفي لأن يفعل ما ينقذها". وفيما يتعلق بالصيدلي فإن

стр. 451

المستجبين في المرحلة الثانية يعتقدون أنَّ "من حق الصيدلي أن يبحث عن الربح أساسًا, وإن كان من الحق ألّا يساعد الزوج في هذا الموقف, إلّا أنه ليس مجبرًا على ذلك", وعلى العكس من ذلك فإن المستجبين في المرحلة الثالثة يغضبون عند مجرد التفكير في الصيدلي, فأي نوع من الناس هو؟ أليس له قلب؟ إنه قد لا يعرف الزوج معرفة شخصية, ولكنه كصيدلي وكعضو في مهنة طبية، فقد التزم بأن يسعد في شفاء الناس, ولكنه الآن يرفض مساعدة الزوج لأسباب أنانية بحتة. والأنانية من منظور المرحلة الثالثة صورة أخرى من الإخلال بالثقة والالتزام، وهي دائمًا خطأ. على أن ذلك لا يعني أنَّ جميع الأفراد في هذه المرحلة يؤيدون سرقة الدواء، فهناك أفراد يرفضون السرقة، ومن الإجابات النمطية في هذه المرحلة: "إذا ماتت الزوجة فإن زوجها لا يمكن أن يلام في مثل هذه الظروف, لا نستطيع أن نقول: إنه زوج بلا قلب لمجرَّد أنه لم يرغب في ارتكاب جريمة". وهكذا، نجد أنَّ كل الإجابات في هذه المرحلة تهتم بما هو مقبول، أو موافق عليه، وما هو غير مقبول على أساس النوايا، فالمؤيدون لسرقة الدواء يركِّزون على ما هو طبيعي أن يفعله الزوج في مثل هذا الموقف، أي: ما يتوقعه الناس منه, والذين يرفضون السرقة يحكمون على الصيدلي بأنه أناني ولا ينبغي أن يوافق الناس على سلوكه. مرحلة "٤" التوجه نحو المحافظة على القانون والنظام الاجتماعي: يعمل الفرد في هذه المرحلة بما يتَّفق مع احترام السلطة واتباع القواعد الثابتة، والوعي بالنظام الاجتماعي والعمل على المحافظة عليه. والسلوك الجيد

стр. 452

يتمثَّل في "أداء الواجب وإظهار الاحترام للسلطة, والمحافظة على النظام الاجتماعي القائم لذاته". فمثلًا: في قصة الزوج والدواء يصبح الحكم الخلقي الذي يتخده الفرد متوقفًا على تأثير السلوك على النظام الاجتماعي. الناس في هذه المرحلة يوافقون على أنَّ الزوج ملزم بالمساعدة في إنقاذ حياة زوجته، ومع أنَّ الصيدلي تصرَّف بشكل لا إنساني, ولكنهم يهتمون أيضًا بأن الزوج إذا سرق فإنه بذلك يضعف النظام الأخلاقي في المجتمع. فالقانون يبرز في هذه المرحلة كقيمة رئيسية, وقد لا يتخذ الأفراد بالضرورة موقف الدفاع عن "القانون والنظام الاجتماعي", ولكنهم يدركون أنَّ أي مجتمع يرتبط ببعضه باتفاقات خلقية واجتماعية معظمها في شكل قوانين، وأن أيّ فعل يخالف هذه القوانين يهدد بدرجةٍ ما وحدة النظام الاجتماعي وتماسكه. ولعل من الإجابات الشائعة في هذه المرحلة: "من الطبيعي أن يرغب الزوج في إنقاذ زوجته, ولكن من الخطأ دائمًا أنَّ نسرق، يجب أن نتَّبع القواعد والقوانين بصرف النظر عن شعورنا أو الظروف الخاصة بنا", على أن هذا لا يعني أنَّ معظم المستجيبين في المرحلة الرابعة يرون أن الزوج لا ينبغي له أن يسرق لكي ينقذ حياة زوجته, فمع أنهم يقدِّرون أن للقوانين قيمة رئيسية, فإنهم يقدِّرون أيضًا قيمة الحياة الإنسانية. فمن الإجابات الشائعة أيضًا في هذه المرحلة: "لا نستطيع أن نترك شخصًا يموت بمثل هذه الصورة, والصيدلي يسلك سلوكًا خاطئًا إذا ترك شخصًا يموت في الوقت الذي يمكنه إنقاذ حياته, ومن ثَمَّ فإن واجب الزوج أن ينقذ زوجته, ولكن الزوج لا يستطيع أن يخالف القانون ويسرق الدواء وينتهي الأمر، ولا بُدَّ أن يدفع ثمنه للصيدلي بعد ذلك, وأن ينال عقابه على السرقة". الإجابات كلها في هذه المرحلة تأخذ في اعتبارها النوايا عند الحكم الخلقي على الفعل, ولكنها مع ذلك ترى الالتزام بالقانون وطاعته, وتدعم النظام الاجتماعي. والواقع أن حل مثل هذه المشكلة يكون أصعب في هذه المرحلة بصورةٍ ما عنه في المراحل الأخرى، فالمستجيبون يدركون أن حياة الإنسان شيء مقدَّس, وأن هدف القانون حماية حياة الناس, وعلى ذلك حينما تتعارض قيم القانون مع قيمة الحياة بشكل صريح, فإنهم يجدون صعوبة في الاختيار. ويعتقد كلوبرج أنَّ هذه المرحلة على درجة عالية من الاتزان، وغالبًا ما تكون أعلى مرحلة يصل إليها الراشدون،

стр. 453

فهي تعالج بكفاءة المشكلات الاجتماعية, وتلك التي تتعلق بالعلاقات بين الأفراد, إلّا أنها ليست كافية للتعامل مع المواقف التي يكون فيها نظام القوانين أو المعتقدات في تناقض أو صراع مع حقوق الإنسان الأساسية. المستوى الثالث: المستوى ما بعد التقليدي: post - conventional level يتضمَّن هذا المستوى المرحلتين الأخيرتين من نمو التفكير الخلقي, وفيه يبذل الفرد جهدًا واضحًا لتحديد المبادئ الأخلاقية التي تطبَّق بصرف النظر عن سلطة الجماعة أو الأشخاص الذين يتمسَّكون بهذه المبادئ, وبصرف النَّظر عن انتمائه لهذه الجماعات. وفي هذا المستوى يقابل الفرد المشكلات الخلقية بمنظور أبعد من المجتمع القائم، أي: إن الفرد يستطيع أن ينظر فيما وراء المعايير أو القوانين الموجودة في مجتمعه, ويسأل: ما هي المبادئ التي يمكن أن يبنى على أساسها أيّ مجتمع جديد؟ مرحلة "٥" مرحلة التعاقد الاجتماعي القانوني: في هذه المرحلة يتحدَّد صواب الفعل على ضوء حقوق الأفراد العامة، والمعايير التي فحصت وتَمَّ الاتفاق عليها بواسطة المجتمع ككل، ينظر إلى الإلزام الخلقي من منظور التعاقد الاجتماعي؛ فتفكير الفرد في هذه المرحلة يتميز بالوعي الواضح بنسبية القيم والآراء الشخصية, مع التأكيد على أهمية القواعد الإجرائية للوصول إلى اتفاق، يتحدَّد الواجب على أساس التعاقد مع تجنُّب التعدي على حقوق الآخرين وإرادة الغالبية وغيرها. وميزة مفهوم التعاقد الاجتماعي أنه لا يقدِّم وصفه التزام خلقي لكل علاقة, كما هو الحال عادة في المرحلة الرابعة. فمثلًا: في قصة الزوج والدواء يبدأ المستجيب بالحديث عمَّا يجب أن يتفق عليه من الناحية المثالية في أي مجتمع, فتوزيع الأدوية النادرة يجب أن ينظّم على أساس مبادئ العدل. وطالما أن هذا لم يكن المبدأ المتَّفق عليه في مجتمع الزوج, فإن الصيدلي تصرَّف في حدود حقوقه الأخلاقية, ولم يكن الزوج مضطرًا للسرقة؛ لأن هذا ليس جزءًا من العقد العادي بين الزوج وزوجته، ومع ذلك فإنه إذا فعل ذلك فإنَّ عمله هذا يفوق الواجب المفروض عليه كزوج. ومن الإجابات النمطية في هذه المرحلة ما

стр. 454

يؤيد سرقة الزوج للدواء مثل: "قبل أن نقول: إن سرقة الدواء خطأ، يجب أن نفكر في الموقف ككل. بطبيعة الحال، القوانين واضحة تمامًا فيما يتعلّق باقتحام الصيدلية، بل إنَّ الزوج يعرف أنه لا يوجد سند قانوني لفعله إذا سرق الدواء، ومع ذلك أعتقد أني أدرك لماذا يكون من المعقول ومن المنطقي لأي شخص في مثل هذا الموقف أن يسرق الدواء"، كذلك نجد في هذه المرحلة من يقف ضد السرقة، ومن الإجابات النمطية أيضًا: "أستطيع أن أدرك الشيء الطيب الذي سوف يحدث نتيجة سرقة الدواء, ولكن الغاية أو النتيجة لا تبرر الوسيلة، إذ يمكننا غالبًا أن نجد غايةً طيبة وراء أي عمل غير مشروع. لا يمكننا أن نقول: إن الزوج لو سرق الدواء سوف يكون مخطئًا تمامًا, ولكن حتَّى مثل هذه الظروف لا تجعل عمله سليمًا". وهكذا نجد أننا مع هذه الإجابات التي تعبّر عن هذه المرحلة تدخل عالمًا أخلاقيًّا أكثر تعقيدًا, فلا النوايا الطيبة وحدها ولا القانون وحده بكافٍ لتوجيه الفعل. يبدو أن المستجيبين يشعرون بأنَّ القانون يجب تغييره، ولكن طالما أنه لم يتغير بعد, فإنهم يجدون صعوبة في تأييد الزوج أو عدم تأييده، ويشعر الأفراد أن الحل السعيد بالنسبة لهم أن يتغيّر القانون وفقًا للإجراءات المحددة اجتماعيًّا إذا وجد وقت لذلك. مرحلة "٦" التمسك بمبدأ أخلاقي عام: لقد أدى عدم اقتناع كولبرج بالإجابات الشائعة في المرحلة الخامسة, وبالتفكير الخلقي القائم على أساس التعاقد الاجتماعي، أدَّى به ذلك إلى صياغة المرحلة السادسة, ويرى كولبرج أن الصواب والخطأ في هذه المرحلة يتحدَّد وفقًا لما يقرره الضمير بما يتفق مع المبادئ الأخلاقية التي اختارها الشخص ذاته, والتي تتصف بالعمومية المنطقية والشمول والاتساق. المبادئ الأخلاقية تتصف بالتجريد وليست قواعد محددة مثل الوصايا العشر. إنها في جوهرها مبادئ عامَّة للمساواة في حقوق الإنسان واحترام كرامة الأفراد كأفراد. ويورد لولبرج مثالًا لإجابات فرد في المرحلة السادسة. مثل: "إذا لم يكن الزوج يشعر بقرب شديد أو حب نحو زوجته، فهل كان سيسرق الدواء؟ نعم, فإن قيمة حياتها مستقلة عن أية نواحي شخصية. إن قيمة الحياة الإنسانية مبنية على حقيقة أنها تمثل المصدر الوحيد

стр. 455

الممكن للواجب الأخلاقي للكائن العاقل. افترض أن المريض كان صديقًا أو أحد المعارف؟ فهل كان سيتصرَّف بنفس الطريقة؟ نعم, فقيمة الحياة تظل هي هي". هنا نلاحظ أن المستجيب لا يربط بين فعل السرقة وبين الاتفاق المسبَّق بين الزوج وبين الشخص الآخر المتضمن في العلاقة, ولكنه بالأحرى يراها واجبًا خلقيًّا حتميًّا. إن أي كائن عاقل يجب أن يؤديها كواجب عليه, فالمبادئ الخلقية التي تستند إليها المراحل السادسة من مراحل نمو التفكير الخلقي تعلو على فكرة التعاقد الاجتماعي. إنها المبادئ العامة للعدالة والمساواة في حقوق الإنسان وفي احترام كرامة البشر كأشخاص. إن التفكير الخلقي على مستوى المبادئ أكثر كفاءة؛ لأنه يأخذ في اعتباره وجهات نظر أكثر, ويطبق بصورة أكثر ثباتًا واتساقًا الاتجاه القائم على المبادئ, ينظر إلى الصراع الخلقي من منظور أي كائن بشري, لا من منظور أعضاء مجتمع الفرد فقط، ولزيادة توضح هذه المرحلة نورد إجابتين نمطيتين، إحداهما: تؤيد سرقة الدواء, والأخرى: ترفضه. الأولى: "حينما يحتم موقفٌ ما الاختيار بين مخالفة القانون وإنقاذ حياة إنسان، فإن المبدأ العام للحفاظ على الحياة يجعل من الصواب أخلاقيًّا سرقة الدواء". والثانية: "هناك حالات كثيرة من السرطان اليوم يمكن علاجها بأيّ دواء جديد, ويمكن أن يكون الأسلوب الصحيح للفعل هو أن تفعل ما يتفق مع كل الناس الذين يهمهم الأمر". يجب أن يتصرَّف الزوج لا وفقًا لمشاعره الخاصة نحو زوجته, ولا وفقًا لما هو قانوني أو مشروع في هذه القضية، وإنما وفقًا لما يتصور أنه ينبغي أن يفعله أيّ فرد من الناحية المثالية في هذه الحالة. هكذا نجد أن الإجابتين لهما عدة خصائص مشتركة, تجعل من السهل تحديد خصائص المرحلة السادسة, وأي من الإجابتين لا تتردد في القول بأن القانون يمكن أن يخالف إذا كان المبدأ الأعلى في خطر. كلتاهما ترى أن الزوج يجب أن يستبعد "علاقته الخاصة" بزوجته عند اتخاذ قرار في هذا الموقف. إن نوع النوايا التي تؤخذ في الاعتبار هنا ليس حب فرد لزوجته، أو فعل ما يرى الناس أنه واجب الزوج نحو زوجته. إنما هو محاولة لحل المشكلة على أساس مبدأ عام يكون أساسًا لتصرُّف كل فرد. وهما يكن فإن الإجابة المؤيدة للسرقة أسهل حقيقة في هذه المرحلة, فمن المعترف به دائمًا أن الحياة أكثر قيمة من المال أو الثروة.

стр. 456

وهكذا، بوصول الفرد إلى المرحلة السادسة يكتمل نمو تفكيره الخلقي، ومن الواضح أن المرحلة السادسة وهي التي يضعها كولبرج كقيمة للنمو الخلقي هي أصعب المراحل تحديدًا, وهذا ليس بغريب؛ حيث إن علم الأخلاق كان ولا زال مهتمًّا بما يميز المرحلة السادسة، وهو المبدأ الأخلاقي الأعلى, ولا زالت المشكلة دون حلٍّ يرضي الفلاسفة. فمما لا شكَّ فيه أن المستوى الثالث الذي يتضمَّن المرحلتين الخامسة والسادسة هو المستوى الوحيد الذي يهتمّ به الفلاسفة, فكثيرون يرون أنَّ علم الأخلاق يبدأ حيث تنتهي المنفعة الشخصية والتقاليد الاجتماعية، والمرحلتان الخامسة والسادسة لهما خصائص لا تنطبق على المرحلة الأدنى منهما, ولكن إذا نظرنا إلى الأمر من منظور سيكولوجي لا فلسفي، فمن الواضح أن أسئلة مثل: ما هو الصواب؟، ما هو الخير؟ لها تاريخ طويل في نمو الفرد, وقيل أن يفهم أن لها طابعًا أخلاقيًّا مميزًا فإنه قد يستوعب هذه الأسئلة في صورة أخرى مثل: ما الذي يجعلني بعيدًا عن المتاعب؟ أو ماذا أريد؟ أو ما الذي يجعل الناس راضين عني؟ وبمعنًى ما: فإن تصور كولبرج يعتبر سيمانتيًّا نمائيًّا، بمعنى أنه يتتبع تطور معاني ألفاظ وأسئلة معينة يبدأ الناس يستخدمونها في سن مبكرة جدًّا, ولكنها تدخل الفلسفة بمعنى ناضج ودقيق لا يفهمه الكثيرون. وبطبيعة الحال لم يفترض كولبرج أن كل فرد في نموه الخلقي ليصل إلى المرحلة السادسة, فهناك حالات فشل أخلاقي؛ حيث يتوقف فيها النمو عند مرحلة سابقة, أو حتى عند مستوى أدنى من المرحلة الثالثة.

стр. 457

النظرية من حيث الثبات والعمومية: يعتقد كولبرج "١٩٦٩، ١٩٧٦" أن هذا التتابع المرحلي لا يتغير, وتمثل كل مرحلة طريقة مختلفة نوعيًّا في تقييم العالم الاجتماعي الذي ينمو فيه الطفل، وعندما يبلغ الطفل مرحلة جديدة، تترك المرحلة السابقة مكانها. إنَّ كل صفات فكرة المراحل النمائية التي ناقشناها تنطبق على نظرية كولبرج, ومن المهم أن نتذكر دائمًا أنه بالنسبة لكولبرج، فإن الانتقالات من مرحلة أخلاقية إلى المرحلة التالية هي نتيجة للنمو المعرفي في بيئة توفّر المعلومات التي تعمل بها العمليات المعرفية. وهكذا فإن كولبرج يعتقد أن مراحله الأخلاقية تعكس المكونات الأساسية للنمو الأخلاقي. وقد اقترح كولبرج "١٩٦٩" أن هذه المراحل عامَّة, ويجب أن تكون واحدة في كل الثقافات بسبب أساسها المعرفي. وذكر كولبرج "١٩٦٩" المعلومات التي جمعها من أطفال ومراهقين في الولايات المتحدة وتايوان والمكسيك وبريطانيا وتركيا، وبالنسبة للأطفال من سن ١٠ سنوات في كل بلد، نجد أنَّ ترتيب المراحل هو نفس الترتيب الذي ينمون به, أي: إن الأحكام تقوم على المرحلة الأولى في أغلب الأحوال، وفي المرحلة الثانية بالدرجة التي تليها ... وهكذا. وفي الولايات المتحدة نجد أن الاتجاه أكثر نحو الأحكام التي تستند إلى المراحل ٥، ٤، ٣, والمرحلة السادسة لا توجد إلّا نادرًا. والفروق بين الثقافات قد ترجع إلى عاملين: الأول: إن الأفراد قد يمرون خلال المرحلة بمعدلات مختلفة، وقد يكون هذا صحيحًا في الثقافة الواحدة. الثاني: إن المتطلبات المفروضة على الأفراد الذين يعيشون في ثقافات مختلفة قد يجعلهم يمرون خلال المراحل بمعدلات مختلفة, وربما لا يصلون إلى المستويات الأعلى. ورغم أن الجانب التكويني للمراحل قد يكون عالميًّا، فإن المحتوى "السلوك" قد يعكس تعاليم ثقافية محدَّدة "rest, ١٩٧٦". إن الادَّعاء بأنَّ هذه المراحل الست عالمية من الناحية الثقافية قد لقي انتقادات عديدة، أولها: إن المعطيات مستقاة عن عدد صغير "١٢" من الثقافات, أمَّا

стр. 458

إذا كانت هذه المعطيات جمعت من ثقاقات أكثر عددًا "غربية وشرقية", فإنها قد تعزز ادعاء كولبرج. ومن جهة أخرى قد يكون الإطار التصوري لكولبرج ووسائل القياس أو الإجراءات المتبعة لتسجيل الدرجات والتصنيف غير ملائمة كمؤشرات للنمو الأخلاقي في ثقافات ذات متطلبات شديدة التباين للتفكير، واتخاذ الدور، وحل المشاكل. وبعبارة أخرى: فإن تفسير النمو الأخلاقي في الثقافات الأخرى قد يتطلَّب مفاهيم نظرية مختلفة, ووسائل قياس وإجراءات تسجيل أخرى, واحتمال أن يكون ذلك هو واقع الأمر، وهو الاقتراح الذي توحي به فكرة أن الأخلاقيات محددة ثقافيًّا. وكما يذكر كولبرج "١٩٦٩" فإن نمو الأخلاقيات هو دالة على التفاعل المتبادل بين الفرد والبيئة "الثقافية". وقد انتقد بعض علماء النفس مثل جريق وكورتين Greif, kurtine ١٩٧٤ نظرية كولبرج وأبحاثه نقدًا شديدًا بسبب مسائل تتعلّق بصدق وثبات وطرق تسجيل الدرجات, هو إلى حدٍّ ما ذاتي, ويؤدي إلى ارتباط بين الاختبار وإعادة الاختبار "ر = ٠.٤٤" ويجري ابتكار وسائل تسجيل جديدة كوسائل تقييم جديدة, وقد يؤدي هذا إلى حل المشاكل المثارة حول مبادئ كولبرج. بحث على نظرية كولبرج: بحث توريل: أجرى توريل Turiel "١٩٦٦" بحثًا حول ادعاء كولبرج بأنَّ المراحل غير متغيرة، وأنَّ المراحل الأعلى تمثل إعادة تنظيمات للمراحل السابقة, وكانت التجربة ماهرة ومتقنة التصميم, وقد كان المفحوصون ٤٤ صبيًّا من الطبقة المتوسطة, تترواح أعمارهم بين ١٢-١٣.٦ سنة. ولتقييم المرحلة السائدة للنمو الأخلاقي لكل طفل، طلب منه أن يستجيب لستة أنواع من قصص كولبرج. كانت المرحلة السائدة هي التي استخدمت مرتين على الأقل, بقدر استخدام المراحل التالية الأكثر استخدمًا. وقد استبعد التحليل الأطفال الذين لم تكن لهم مرحلة سائدة، وقد وزّع المفحوصين على المراحل ٤، ٣، ٤ ثم وضع المفحوصين من كل مرحلة إمَّا في مجموعة ضابطة, أو في مجموعة من ثلاث مجموعات تجريبية. وبعد أسبوعين من الاختبار المبدئي عرض أطفال المجموعات التجريبية لموقف يتطلّب تفكيرًا

стр. 459

أخلاقيًّا, ثم قرأ أحد المختبرين ثلاثة أنواع من قصص كولبرج, وطلب من كل طفل أن يؤدي دور الشخصية الرئيسية في القصة، وأن يطلب المشورة من المختبر, وأشار مرة "مع" ومرة "ضد" بشأن المشكلة في كل قصة. وكان التفكير خلف المشورة, سواء "مع" أو "ضد" كان في مرحلة أو من مراحله السائدة لدى الطفل, وذلك بين ثلث عدد المفحوصن "المجموعة التجريبية الأولى"، وبالنسبة للثلث الثاني من المفحوصين كان التفكير أعلى بمرحلة عن مرحلتهم السائدة "المجموعة التجريبية الثاني"، وبالنسبة للثلث الباقي كان ذلك بمرحلتين أعلى من مرحلتهم المسيطرة "المجموعة التجريبية الثالثة"، وكان مقياس الاختبار البعدي هو استجابة الطفل عن القصص التسع. وقد أجرى الاختبار البعدي بعد التعامل مع المفحوصين في المجموعات التجريبية بمقدار أسبوع، وبعد ثلاثة أسابيع بالنسبة للمفحوصين في المجموعة الضابطة. ومن افتراضات توريل أنَّ الفرد يستطيع أن يمثِّل مفاهيم مرحلة أعلى مستوى من التفكير العادي بطريقة أكثر سهولة من مفاهيم مرحلتين أعلى. وكان منطق هذا الافتراض هو أنَّ القدرة على التفكير الموجودة يحدِّد درجة تقبُّل ونسبة التفكير في مرحلة أعلى من المرحلة الموجودة للطفل, وقد أيَّد هذا الافتراض بالنسبة للثلاث قصص التي استخدمت في التدريب "تسجيل درجات الاختبار البعدي مباشرة"، وكانت القصص الست في الاختبار القبلي "تسجيل الدرجات في الاختبار البعدي غير المباشر"، وقد أظهر المفحوصون في المجموعة التجريبية الأولى تغييرًا أكبر من المفحوصين في المجموعتين الأخريتين. وتدل هذه النتائج على أن مراحل كولبرج تمثل فعلًا تتابعًا لمراحل معرفية متعددة ومتزايدة مع عدم احتمال المراحل. وكان افتراض توريل هو: أن كلًّا من المراحل التالية يمثّل إعادة تنظيم للمراحل السابقة, وليس مجرَّد إضافة لها. ومن آثار هذا الافتراض هو أنَّ الأطفال يميزون التفكير في مرحلة أدنى من مستواهم الجاري. ولذلك فقد تنبَّأ تويل بأن المفحوصين في "المجموعة الأولى" ينتقلون في الاتجاه + ١ أكثر من انتقال المفحوصين في المعالة -١ في الاتجاه -١. وكانت النتائج مناقضة تمامًا للتنبؤات. ذلك لأن كلًّا من تسجيلات الدرجات المباشرة والغير مباشرة انتقلت

стр. 460

المجموعة -١ أكثر بقليل في الاتجاه -١ من المجموعة +١ في الاتجاه +١، وغير أن كلا المجموعتين لم ينتقلا أكثر نحو الاتجاه -١ من نحو +١. وفي تجربة أخرى، فحص توريل وروثمان Turiel & Rothman "١٩٧٢" العلاقة بين مستوى التفكير الأخلاقي والسلوك لدى صبية من سن ١٣ سنة. وبعد أسبوعين من تحديد كل مستوى في التفكير الأخلاقي لكل صبي باستجابته لست قصص من نوع قصص كولبرج، اشترك كل صبي كمعلم مع اثنين من الراشدين في واجب تعليمي. كان الواجب يتطلَّب قراءة قائمة بكلمات لراشد ثالث كان عليه عندئذ أن يتهجاها, وفي كل مرة كان فيها الراشد يخطئ في الهجاء, وكان يؤخذ فيشات تمثّل نقودًا. وكان التهجي الذي يعتبر متضامنًا مع القائم بالتجربة يؤدي عددًا مقصودًا "متعمدًا مسبقًا" من الأخطاء الهجائية. كان أحد الاثنين الراشدين هو المعلم الأول, وبعد تقديم ست كلمات، قال هذا الراشد: إن التجربة يجب أن تتوقف، وقدَّم حجة كانت هي أنها إمَّا مرحلة أعلى "+١" أو مرحلة أدنى "-١" من التفكير الأخلاقي للصبية, وقدم الراشد الثاني حجة مضادة، إنها إمَّا مرحلة أدنى أو مرحلة أعلى من مستوى التفكير الأخلاقي للصبي، ثم انصرف الراشدون بغرض حلّ الصراع بينهما, وأعطي للصبي الاختيار في أخذ دوره في المشاركة من عدمه, ثم جرى تقديم الأسباب وراء اختيار الصبي. وبعد أسبوع أجري الاختبار البعدي لإعادة تحديد مستوى الصبي في التفكير الأخلاقي. وقد استمرَّ الصبية الذين كان مستوى تفكيرهم الأخلاقي في المرحلة ٢ أو ٣ في الاختبار رغم الحجج التي قدمت. أمَّا الصبية في المرحلة "٤" فقد سلكوا سلوكًا متماشيًا مع الحجة +١، أي: إنه إذا كانت الحجة المقدمة تدعوا لإيقاف التجربة في مرحلة أعلى من مستوى الطفل الجاري, فإن طفل المرحلة ٤ يتوقف، وإذا كان الحجة +١ هي الاستمرار في التجربة فإن الصبي يستمر. وكانت الاختبارات السلوكية لصبية المرحلة٤ متكاملة مع فهمهم للتفكير الأخلاقي. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة لصبية المرحلة ٢ أو ٣, غير أنَّ تسجيلات الدرجات في الاختبار البعدي لم يكشف عن تغييرات مستديمة في التفكير الأخلاقي كنتيجة للموقف التجريبي.
следующие страницы →