Полный текст (992 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ثلاثة كيلو جرامات. وعلى الرغم من أن الوليد يقل وزنه في الأيام الأولى بعد الميلاد بسبب توافقات الطفل مع بيئته الجديدة، وحتى تعمل أجهزة الهضم وتقوم بدورها، فإن الطفل يعود إلى استعادة ما فقده وتكون الزيادة في الوزن زيادة مطردة إذ يزيد بمعدل ٤/ ٣ كيلو جرام شهريًا خلال الشهور الأربعة الأولى فيصل وزنه إلى ما يقرب من ٤/ ٥١ كجم، ويصل في نهاية السنة الأولى إلى حوالي ٩ كجم، ويلغ في سن سنتين ما يقرب من ١٢.٥ كجم ... وعلى الرغم من وجود فروق بين الذكور والإناث في ذلك إلا أن الوزن يتأثر بصفة عامة بالحالة الصحية للطفل، وبنظام تغذيته، وبالوعي الغذائي للأم.
ومن واجب الآباء والمربين: أن يقوموا بعرض الطفل على الطبيب المختص إذا لم تحدث زيادة في وزن الطفل في الأسابيع الأولى، أو إذا لم تحدث زيادة في طوله إلى الشهر السادس.
أما في الطفولة المبكرة "٣-٥" سنوات: فإن معدل الطول والوزن ينمو نموًا مطردًا وسريعًا.. حيث يصل طول الطفل في سن الثالثة إلى ٩٠ سم في المتوسط، ويستمر في الزيادة فيصل في سن الخامسة إلى ١٠٧ سم، وفي بداية العام السادس إلى حوالي ١١٠ سم.
أما الوزن في سن الثالثة فيبلغ ١٤ كجم في المتوسط.. واعتبارًا من السنة الثالثة يزداد بمعدل كيلو جرام سنويًا، فيصل الوزن في الخامسة إلى حوالي ١٨ كجم وفي السادسة إلى حوالي ١٩ كجم.
وتلاحظ فروق فردية طفيفة بين الجنسين، فنجد البنين أطول والبنات أكثر وزنا، ونجد أن البنين أكثر حظًا في النسيج العضلي على حين تكون البنات أكثر حظًا في الأنسجة الشحمية.
وبالإضافة إلى الفروق الفردية بين الجنسين في الطول والوزن، نجد فروقًا فردية بين أبناء العمر الواحد، وهي ترجع إلى طبيعة الطفل الخاصة ووراثته، والظروف البيئية التي تعيش فيها ومدى العناية التي ينالها في التغذية، ومدى سلامة بنيته وصحته العامة.
стр. 527
هذا ويلاحظ أن ٧٥% من زيادة الوزن خلال السنة الخامسة ترجع إلى تطور نمو العضلات، وإن كان السبق لا يزال للعضلات الكبرى فهي أكثر تطورًا من العضلات الصغرى، الأمر الذي يفسر تأخر المهارات التي تتضمن تآزرات دقيقة لدى الطفل وتفوقه في الأنشطة التي تتطلب الحركات الكبيرة.
شكل "٣": متوسط نمو طول القامة للأولاد والبنات
وفي سنوات المدرسة الابتدائية يبدأ النمو الجمسي في التباطؤ بعد أن كان يتقدم بخطوات سريعة في المراحل السابقة. ونلاحظ زيادة في الطول سنويًا تقدر بحوالي ٢-٥ سم أي بمعدل يصل إلى ٥-٦% سنويًا. ويصل معدل الزيادة في الوزن حوالي ١٠% من الوزن الكلي للطفل أي بمعدل ٣-٥ أرطال.. وهكذا يبلغ طول الطفل حوالي ١١٧.٥ سم في سن السابعة. ويصل وزنه إلى حوالي ٢١.٦ كجم، ويقل طول ووزن الفتيات قليلًا عن الذكور في هذه السن، ويصل الطول إلى حوالي ١٥٢ سم في نهاية المرحلة، ويصل الوزن إلى حوالي ٤٥ كجم. وحتى سن العاشرة يكون البنون "الأولاد" أطول قليلا من البنات إلا أنه بعد العاشرة تحدث طفرة النمو لدى البنات حيث يتفوقن على البنين في الطول والوزن، ولعل مرد ذلك إلى إنهن يسبقن البنين في الدخول إلى مرحلة البلوغ بكل ما تحمله من طفرة نمائية.
стр. 528
شكل "٤" متوسطات نمو الوزن عند الذكور والإناث
هذا وتوجد فروق فردية في الأطفال في الطول والوزن فقد نجد أطفالًا في سن السادسة يفوقن في الطول أطفالًا في سن العاشرة، ويعتمد ذلك بالطبع على الاستعداد الوراثي للطفل ونوعية الرعاية التي تقدم له من غذاء ورعاية من الأمراض وترويح ولعب وترفيه.
بالإضافة لذلك فإنه في المرحلة الابتدائية تتحول بعض الغضاريف في الهيكل العظمي إلى عظام صلبة.
وفي مرحلة المراهقة: فقد دلت الدراسات المسحية التي أجريت على المراهقين أن مظاهر الجسم تنالها طفرة قوية في الفترة بين العاشرة والسادسة عشرة وإن كانت هذه الطفرة تحدث مبكرة عند البنات ومتأخرة قليلًا عند البنين: إذ
стр. 529
تبدأ عند البنات في حوالي التاسعة وتنتهي في الرابعة أو الخامسة عشرة، وتبدأ عند البنين في حوالي سن الثانية عشرة وتنتهي في حوالي سن الخامسة عشرة، وتبلغ أقصى سرعة للنمو عند البنين في حوالي سن الرابعة عشرة، بينما تبلغ أقصاها في سن الثانية عشرة عند البنات ... وبينما يصل البنين للطول النهائي في سن العشرين، فإن البنات يصلن للطول النهائي في سن السابعة عشرة.
ومثل معدلات نمو الطول فإن طفرة نمو وزن الجسم يكون أكبر في سرعته ودرجته عند الإناث من سن ١١-١٥ منه عند البنين، وبعد هذه السن يزيد وزن البنين حتى تصل هذه الزيادة في سن العشرين إلى ٢٠% من متوسط سرعة النمو العامة. انظر شكل "٥".
شكل "٥" متوسط الزيادة في الطول والوزن خلال سنوات العمر
стр. 530
ومن المعلوم أن الوزن يزداد في المراهقة زيادة سريعة نظرًا لنمو العضلات والعظام. وبينما نلاحظ اتساع الكتفين عند الفتى فإن عظام الحوض تنمو عند الفتاة بشكل أوضح لوظيفة الحمل والولادة ويكون البنون أقوى جسميًا من البنات في نمو العضلات بينما عند البنات يتراكم الدهن في أماكن معينة من الجسم.
والخلاصة: إنه فيما يتعلق بالفروق بين الجنسين من منحنيات النمو للطول والوزن أن منحنى الطول ومنحنى الوزن يأخذان نفس الاتجاهات العامة عند كل جنس على حده أي أن البنات قبل البلوغ أقل طولًا ووزنًا من البنين، أما أثناء البلوغ فعادة ما تكون البنات أكثر طولًا ووزنًا من البنين، بينما يصبح البنون أكثر طولًا ووزنًا في نهاية مرحلة المراهقة ويظلون كذلك طيلة حياتهم.
стр. 531
ب- نمو الوظائف العضوية:
١- التسنين:
يولد الطفل ومنابت أسنانه خافية تحت اللثة، ويبدأ ظهور الأسنان في الشهر السادس أو السابع من الميلاد، ويعتبر ظهور أول أسنان الطفل حدثًا تنتظره الأسرة وتتحدث عنه بعد حدوثه فإذا تأخر ظهور الأسنان وسمعت الأم أن طفلًا آخر يقارب طفلها في عمره وظهرت أسنانه فإنها تبدأ في الإحساس بالقلق ... والحقيقة التي يجب أن يعرفها المربون هي أن الظهور المبكر للأسنان ليس علامة صحة، وأن تأخرها ليس دليلًا على وجود مرض ما دامت الصحة العامة للطفل عادية ونموه الجسمي طبيعي، وأن الأطفال الأصحاء، قد يتأخر بدء تسنينهم إلى الشهر الثامن، وأن تبكير التسنين عند الطفل -كما يحدث أحيانا في الشهر الرابع أو الخامس- ليس في صالح صحة الطفل لأن التسنين عملية عنيفة، ولا يكون الطفل حينئذ في حالة جسمية تسمح له بمقاومة هذه العملية فترتفع درجة حرارته أو يصيبه إسهال، أو فقدان الشهية.. وما إلى ذلك.
وأول ما يظهر في فم الطفل هو القاطعان السفليان الأوسطان فيما بين الشهر السادس والسابع، ثم يظهر في الشهر الثامن القاطعان الأوسطان العلويان، ثم يتوالى ظهور الأسنان فتظهر القواطع الجانبية أو الخارجية، ثم يظهر الضرس الأمامي من كل جانب، ثم يظهر ناب بين كل قاطع جانبي وضرس، ثم يظهر
стр. 532
الضرس الخلفي بكل ناحية. ولذلك فإنه مع نهاية السنة الأولى تكون مجموع أسنان الطفل سننا "أربع منها في الفك العلوي واثنتان في الفك الأسفل"، وفي سن ١٨ شهرًا يكون للطفل ٢١ سنًا.. وفي نهاية السنة الثانية يكون له ست وعشرون من الأسنان وفيما يلي جدولًا لعمر ظهور الأسنان وإن كانت هناك فروق فردية بين الأطفال في هذه الأعمار.
ويجب ملاحظة أنه: يجب على الأم ألا تنزعج إذا لم تظهر الأسنان بهذا الترتيب -فكثيرًا ما تظهر الأسنان بترتيب زمني آخر- وليس في ذلك أية دلالة مرضية، ولكن إذا تأخر موعد منها عن شهرين فمن الأفضل استشارة الطبيب ... وقد تنبثق الأسنان وهي غير متناسقة في مواضعها، كما قد تؤدي عدم العناية بتنظيفها إلى إصابتها؛ لذا يجدر بالأم أن تعني باستشارة الطبيب أن لاحظت بعض التشوهات في منابت الأسنان، كما أن عليها أن تعني بنظافة الأسنان وتخليصها من فضلات الطعام..
ولا شك أنه بظهور الأسنان عند الطفل يحدث تغير في استجابات الطفل الانفعالية إذ قد يمعن في القضم والعض، وتبدأ خبرات الطفل تزداد، فهو فضلًا عن استخدامها في تناول طعامه وقضمه فهو يستخدمها كوسيلة للاستطلاع والكشف، ويستخدمها كوسيلة للعدوان والانتقام، على أنه ليس كل عض عند الطفل غرضه العدوان، بل قد يشتق لذة من العض مثل اشتقاقه اللذة في المص ولذلك: يجب أن يعطى الطفل ما يتيح له إشباع ميله إلى القضم كأن يقضم "لقمة" من الخبز أو قطعة من العظم ... وما إلى ذلك.
стр. 533
وخلال الطفولة المبكرة تكتمل الأسنان اللبنية فيما بين الثانية والثالثة من العمر بحيث يصبح الطفل أكثر قدرة على تناول طعام الراشدين. ويواجه الأطفال عادة في منتصف الثالثة بعض الاضطرابات الناشئة عن انبثاق بقية الصفين الأماميين من الأسنان، علاوة على زوجين من الضروس خلال اللثة.. ويتعرض كثير من الأطفال فيما بين منتصف الثالثة والعام الخامس لتسوس الأسنان. ولذا وجب العناية بأسنان الأطفال في هذه العمر ونظافتها وتطهيرها بعد كل وجبة. ويتم في سن السادسة من العمر تغيير الأسنان اللبنة، إذ يبدأ سقوط الأسنان اللبنة ليحل محلها بالتدريج الأسنان الدائمة، ففي السنة السادسة يتم تغيير أربعة أسنان، وفي السابعة والثامنة يتم تغيير ثمان قواطع، وما بين العاشرة والثانية عشرة يتم تغيير ثمان أضراس أمامية وتحل الأنياب الدائمة محل الأنياب اللبنية.. ويبدأ نمو تلك الأسنان في الفك السفلى أولًا، وعادة ما تسبق البنات البنين في تكوين هذه الأسنان المستديمة.. هذا مع وجود الفروق الفردية بين أفراد كلا الجنسين. ويصاحب تغيير الأسنان بعض الصعوبات من حيث انتظام الأسنان وجودتها، كذلك تحدث اضطرابات في اللثة وتفتحها إذا لم تبذل العناية المستنيرة للمحافظة على صحة الأسنان وسلامتها وذلك من خلال الرقابة عن طريق جودة التغذية التي تسهم في بناء الأسنان، وكذلك عمليات التنظيف والتطهير المستمر بعد الوجبات الغذائية حتى لا تتخمر بقايا فضلات الطعام الموجودة.
стр. 534
٢- علاقة صحة الطفل بنموه الجسمي:
يصاب الطفل في هذه السن ببعض الأمراض العادية مثل نزلات البرد، والنزلات الشعبية، والنزلات المعوية، والتهاب اللوز الجيبي وهي كلها أمراض إذا عولجت في بدايتها تفقد خطورتها على حياة الطفل، بينما إذا أهمل علاجها تتسبب في بعض المضاعفات التي تؤثر على النمو الجسمي للطفل، لذلك لا بد من المبادرة إلى علاج أي مرض يظهر على الطفل.
وحتى لا يصاب الطفل بالأمراض المعدية يصبح من الضروري تحصينه ضدها.. وقد تهمل الأم هذا الإجراء البسيط، ولكن ذلك قد يؤدي إلى مرض الطفل بأحد هذه الأمراض التي تمثل له ولأسرته عذاب العمر كله.. فالتحصينات خطوات سهلة وبسيطة ومن الضروري الحرص عليها..
ويتم تحصين الطفل في السنوات الأولى من العمر حسب جدول قد يختلف من بلد لآخر، ولكن المحصلة النهائية هي تطعيم الطفل في العام الأول ثلاث مرات ضد شلل الأطفال والدفتيريا والسعال الديكي، ومرة ضد الحصبة ويجوز إضافة تطعيم ضد الحصبة الألمانية والغدة النكفية.
وخلال العام الثاني: تعطى جرعات منشطة ضد شلل الأطفال وضد الدفتريا والسعال الديكي والتيتانوس..
وهناك تطعيمات أخرى: ففي العام الثالث أو الرابع يعطى الطفل جرعة منشطة ضد شلل الأطفال، وفي العام الخامس تعطى جرعة منشطة ضد شلل الأطفال وضد الدفتريا والتيتانوس، وبعض الأطباء يفضل إعطاء جرعة شلل الأطفال كل عام منذ العام الثاني حتى سن ست سنوات ولا ضرر في ذلك ... وفيما يلى جدول تطعيم الطفل والأعراض المصاحبة لكل جرعة.
стр. 535
جدول "٢" بيان تطعيمات الطفل من الميلاد إلى سن المدرسة
صورة سكانر
стр. 536
النمو
...
٣- النوم:
يميل الطفل حديث الولادة إلى النوم ميلًا شديدًا، فهو يجب أن ينام لأنه ينمو أثناء نومه.. والواقع أن هناك أمورًا جديرة بالتسجيل بالنسبة لنوم الطفل في هذه المرحلة:
стр. 537
- أن مدة النوم لدى الطفل حديث الولادة تكون طويلة، وأن متوسط مدة النوم تقل كلما تقدم الطفل في العمر.. وفيما يلي متوسط فترة نوم الطفل بين الشهر الرابع ونهاية السنة الثانية مع التسليم بوجود فروق فردية بين الأطفال في مدة النوم.
- ويلاحظ في الطفولة المبكرة أن ساعات نوم الطفل تقل بالقياس إلى ساعات يقظته فتصل إلى حوالي عشر ساعات يوميًا. وبذلك تقترب من ساعات نوم الراشد، كما تتجه إلى التركيز ليلًا أكثر من النوم نهارًا.
- أن مدة النوم تتغير من يوم لآخر: فالطفل قد ينام في يوم مدة أكثر أو أقل من اليوم التالي أو السابق.
- أن نوم الطفل يكون متقطعًا: فنجد الطفل يستيقط كل ٣ أو ٤ ساعات لطلب الطعام وخاصة في الشهور الأولى من عمره.
- يجب أن يحاط الطفل أثناء النوم بالهدوء، وعدم الإزعاج: فمرض الطفل والضوضاء والضوء الشديد يسبب للطفل النوم القلق.
стр. 538
جـ- نمو العمليات الفسيولوجية:
١- الجهاز الدوري:
عندما ناقشنا النمو في مرحلة ما قبل الولادة، ذكرنا أن القلب يبدأ في النبض بعد ابتداء الحمل بحوالي ٣ أسابيع، غير أننا لم نذكر إنه في تلك الفترة يعتبر القلب من أكبر أعضاء الجسم حجمًا، والواقع أنه في ذلك الوقت يكون أكبر منه في أي وقت آخر بالنسبة للجسم. وبعد الولادة يزداد حجم القلب بسرعة، وفي السنة السادسة يبلغ ٦ أضعاف حجمه عند الولادة. وجنبًا إلى جنب مع ازدياد حجم القلب.
- وإن لم يكن من الضروري أن يكون ذلك نتيجة له يحدث تغيير هائل في
стр. 539
ضغط الدم، الذي يكون منخفضًا إلى حد ما عند الولادة "يكون الضغط الانقباضي حوالي ٤٠ مم زئبق". ويزداد الضغط الانقباضي إلى حوالي ٨٠ مم زئبق في نهاية الشهر الأول، ثم يرتفع بعد ذلك تدريجيًا ويعتبر ضغط دم الشخص البالغ ١٢٠ مم زئبق في العادة، وليس هناك دليل قاطع على خط سير السن بالنسبة لضغط الدم الانقباضي، ولكن الصورة قد لا تكون كاملة أمامنا. ونستطيع بسهولة أن نفهم السبب في الزيادة الكبيرة في ضغط الدم الانقباضي إذا ما علمنا أن المقياس الانقباضي يدل على مقدار الضغط الذي يجب أن يؤديه القلب لدفع الدم خلال الشرايين الرئيسية. ولما كانت الشرايين واسعة بالنسبة لحجم القلب، وحيث أن الجسم صغير نسبيًا، أمكننا أن ندرك أن الطفل لا يحتاج لنفس مقدار الضغط اللازم لدفع الدم كما يحتاج إليه الشخص البالغ. وقد ثبتت هذه الحقيقة ثبوتًا قاطعًا من واقع إنه بعد سن الخمسين يميل ضغط الدم للارتفاع نتيجة لتغيرات تكوينية في القلب وفي الشرايين والأوردة؛ وغالبًا يكون ذلك من الانسداد نتيجة تراكم الكولسترول.
стр. 540
٢- نمو الغدد الصماء:
يتكون الجهاز الغدي من عدد كبير من التكوينات. ونحن لا نعرف إلا القليل عن الدلالة الوظيفية في مرحلة الطفولة للغدد الصنوبرية والكظرية والتيموسية أو في الواقع في مرحلة النضج أو كبر السن. إن الغدة الدرقية التي تحكم النشاط الأيضي العام ومستوى الطاقة، يبدأ نموها مبكرا في فترة ما قبل الولادة، وتنمو بسرعة خلال الأربعة شهور الأولى، وتصل إلى كامل كيانها البالغ في حوالي سن العشرين وفي هذا الوقت يبلغ حجم الغدة الدرقية ضعف حجمها عند الولادة.
والغدة الدرقية: تفرز هرمون الثيروكسين، وإذا قل إفرازه فإن الفرد يفقد حيوية ويقظة وتعرف هذه الحالة بالمكسدريما Myxedena وفيها يصبح الفرد غبيًا لا يستطيع التذكر أو التركيز أو التفكير ... أما إذا كانت إصابة الغدة الدرقية منذ الميلاد أو في مرحلة الطفولة المبكرة، فإن النمو الجسمي يصاب بالاضطراب وعدم التناسب بين أعضاء الجسم ولا ينمو الذكاء وتسمى هذه الحالة بالقصاع Cretinism وفيها يبقى الفرد قزمًا وفي حالة تعسة.. ولقد تمكن العلماء من علاج المكسديما بإعطاء المريض جرعات هرمون الثيروكسين لإعادته إلى حالته
стр. 541
الطبيعية.. وعلى عكس ذلك: إذا زاد إفراز الثيروكسين زاد النشاط الكيميائي في الجسم مما يؤدي إلى زيادة الأيض فيصاب الفرد بعدم الاستقرار الانفعالي والقلق ويصبح متوترًا سريع التهيج العصبي.
أما الغدتان الكظريتان -القشرة الكظرية والنخاع الكظري- فيكونان جزءًا من الجهاز العصبي السمبتاوي، والمعتقد بصفة عامة أنهما ترتبطان بردود الفعل الانفعالية. ولذلك فعندما يفرز الادرينالين في مجرى الدم، يقوم التركيب العضوي بالاستعداد إما للهرب أو لنشاط عدواني. وفي نفس الوقت يحدث ازدياد في سرعة نبضات القلب وفي ضغط الدم، وزيادة في إفراز السكر وإرسال كميات أكبر من الأكسجين إلى الرئتين، وتحويل كميات من الدم إلى العضلات الكاسية للهيكل العظمي. وحجم الغدتين الكظريتين يكون كبيرًا عند الولادة، ويتضاءل حجمًا تدريجيا بعد ذلك. وليس من الواضح تمامًا ما تدل عليه هذه الأنماط النمائية في السلوك، غير أن الملاحظ أن القشرة الكظرية إذا ما عجزت عن إفراز الهرمونات، تحدث الوفاة. ولسوء الحظ لن تظهر بعد أي معطيات عن كيفية تحكم إفرازات القشرة الكظرية في تمثيل الملح أو الماء أو الكربوهيدرات.
والغدة النخامية تتكون من فصين، أمامي وخلفي. والمعروف عن الفص الخلفي قليل، ولكن الفص الأمامي يفرز هرمونات تؤثر على نمو الجسم والطول والوزن وتمثيل الكربوهيدرات والبروتينات. علاوة على ذلك فإن الفص الأمامي يفرز أيضًا مجموعة من الهرمونات "تسمى بالهرمونات المدارية وهي تؤثر على أنشطة معظم غدد الجسم الأخرى. ولذلك فإن الغدة النخامية من أهم أجزاء جهاز الغدد الصماء في الجسم. فالهرمونات المدارية، مثلًا، تؤثر على الهرمونات التناسلية التي تؤثر على النمو النهائي للغدد الجنسية الذكرية والأنثوية، وهذه بدورها تؤثر على الصفات الجنسية الثانوية. ويمكن ملاحظة الغدة النخامية في نهاية الشهر الرابع من الحمل وهي تنمو بمعدل بطيء نسبيًا في الفترة السابقة للبلوغ وتصل إلى أقصى حجم ووزن لها في حوالي سن ٣٥ سنة. ومن أهم إفرازات الفص الأمامي للغدة النخامية هرمون يعرف باسم فيون "هرمون النمو" وهو جوهري في عملية النمو في فترتي الطفولة والبلوغ. وزيادة إفراز هذا
стр. 542
الهرمون عن المعدل في سنوات النمو يؤدي إلى العملاقية أو العملقة Gigantism في حين أن نقصه في تلك الفترة يؤدي إلى القزمية Dwarfism.
وآخر مناطق نمو الغدد الصماء التي سنناقشها يختص بنمو الغدد الجنسية وما تفرزه من هرمونات. ففي الذكر تتكون الغدد التناسلية من الخصيتين، أما الأنثى فإن غددها التناسلية هي المبيضان. وفي الفترة المبكرة قبل الولادة، فإنه من المتعزر معرفة جنس التركيب العضوي حتى باستخدام المجهر. وفي حوالي بداية الأسبوع الثامن تظهر من التفاضلات ما يسمح بالتعرف على جنس الجنين. وقد أصبح الأسبوع الثامن تظهر من التفاضلات ما يسمح بالتعرف على جنس الجنين وقد أصبح بالإمكان الآن إجراء التحليل الكروموسومي للسائل الأمينيوتي، الأمر الذي يسمح بتحديد جنس الجنين تحديدًا دقيقًا. ولعله من أهم مظاهر نمو الغدد الجنسية مقدار الناتج من الهرمونات الجنسية في السنوات السابقة للبلوغ. ففي تلك الفترة يفرز كل من الذكور والإناث الاندروجين، وهو الهرمون الجنسي للذكر، أكثر من الاستروجين، وهو الهرمون الجنسي للأنثى. والذكور قبل البلوغ لا يكاد يوجد فرق بين إفرازهم من كل من هرموني الاندروجين والاستروجين، ومع ابتداء البلوغ، وبحافز من هرمون الفص الأمامي للغدة النخامية، يزداد الفرق في إفراز الاندروجين والاستروجين بين الذكور والإناث، وإن كان هذا الفرق يكون أكبر عدد الإناث. والدلالة الوظيفية الفعلية لهذا الفرق غير مفهومه تمامًا غير أنه من المعلوم أن هرمونات الجنس تأخذ في الكف تدريجيًا بالمقارنة بإفراز الفيون، وبذلك يوضع حد للنمو الجسمي. وأخيرًا فإن هرمونات الفص الأمامي تولد صفات جنسية ثانوية تتميز بها مرحلة البلوغ.
وفي المراهقة يلون الجنس معظم سلوكيات المراهق، ويكون الفرد قد اكتشف الفروق الجنسية التشريحية بين الجنسين وعرف المعلومات عن وظيفة أعضاء التناسل والتكاثر والسلوك الجنسي.
وفي أوائل هذه المرحلة يشعر المراهق بالدافع الجنسي الذي يبدأ في التحول نحو الجنس الآخر وتحدث طفرة البلوغ عند البنات في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. وأول علامة لبلوغ الفتاة ظهور الثديين على مراحل متعددة، وظهور شعر العانة، وتحت الإبط وكبر حجم الرحم، والمهبل، ويتغير الصوت، وتظهر الملامح
стр. 543
الجسمية الأنوثية حيث تبقى الأكتاف أرفع من الجذع ومفاصل الفخذين أعرض وأكثر استداره ويتسع الحوض مما يميز جسم الفتاة عن الفتى.. غير أهم علامة لبلوغ الفتاة هي الحيض أي البدء في إنتاج البويضات من المبيض خلال قناة فالوب إلى الرحم.. ومن المعروف أن الحيض الشهري قد تصاحبه بعض الاضطرابات النفسية مثل القلق والتوتر والضيق أو الانطواء.
أما عند البنين فتتأخر طفرة النمو الجنسي عن البنات إلى ما بين ١٢-١٤ سنة فتنشط الغدد الذكرية، وتؤثر إنزيمات التستوستيرون الذكرية وتنشط الخصيتان وتفرزان الحيوانات المنوية والهرمونات الجنسية الأخرى في صورة السائل المنوي الذي تفرزه البروستاتا ويتراوح بين ٢٠٠-٣٠٠ مليون حيوان منوي في كل عملية قذف "هدى برادة، فاروق صادق: ١٩٨٦، ٢٧٤-١٧٥".
وفي هذا العرض العام للنمو الجسمي بالتأكيد حقيقة واضحة هي أن الوليد عنده كل التكوينات اللازمة لتأدية وظائفه مستقلا عن الأم، ومن الناحية النفسية فالدلالة قوية على أنه يبدأ عملية طويلة وشاقة للتعلم من بيئته. ولا شك في أنه طبقًا لما تدل عليه المعطيات من الولادة حتى النضح، فإن النمو الجسمي عملية مستمرة، الأمر الذي لا يجعلنا نندهش من اقتدارات التركيب العضوي أيضًا تتحسن. غير أن هذا التحسن يصبح وظيفة تفاعلية لمستوى النمو والمثيرات البيئية.
стр. 544
٣- نمو المخ:
جزء كبير من القليل المعلوم لنا حول نمو المخ قدمه كونيل Conel ووضعه تانر Tanner "١٩٧٠". ومعظم مادته ووصفه. ودلالته الأساسية هي في علاقته الوظيفية بالسلوك والبيئة. مثال ذلك، أن الطفل حيث الولادة قادر على أداء الكثير من الأفعال الحركية، ولكنه أقل قدرة على الأداء الحسي "المتعلق بالسلوك الحركي"، وهو قادر على تكوين ارتباطات بسيطة، بين المثيرات. ويدل فحص مناطق المخ على تماثل تقريبي بين منطقتي النمو والسلوك. إن منطقة الحركة في القشرة الدماغية مثلا أكثر نموًا من المناطق الأخرى. ولذلك فإن القدرة الوظيفية تتناسب تقريبًا مع التكوينات القشرية. وإذا كان هذا الافتراض صحيحًا بدرجة
стр. 545
معقولة، فإننا نستيطع عندئذ أن نستخلص بعض الدلالات عن نمو المخ من واقع السلوك. وبالنسبة لضرورة معرفة علم وظائف الأعضاء لفهم نمو المخ، وبالنسبة لأن اهتمامنا أساسًا هو بالسلوك، فإننا لن نناقش تفاصيل نمو المخ. ويبدو أن لهذا العمل دلالات على مختلف مظاهر السلوك والنمو الإنسانيين، مثل استخدام اليدين، واللغة، والقدرة على التمييز بين اليمين واليسار، أي على توجيه الجسم في القضاء ... إلخ.
إن نضج بعض الأنماط السلوكية يقدم العديد من القرائن حول نمو قشرة المخ. وتفيد معظم المراجع في هذا الصدد أن النضج يتوقف عن إيجاد أي علاقة هامة بالنمو الحركي بعد سن السادسة، ومع ذلك فمن الخطأ أن نستنتج أن أي عمليات إضافية خاصة بالنضج لم تعد لها أهمية، وكل ما في الأمر أن اكتشافها أكثر صعوبة. وطبقًا لما قاله تانر "١٩٧٠ص ١٢٣" Tanner:
"من الواضح أنه لا يوجد سبب للافتراض بأن الصلة بين النضج التكويني وحدوث الوظيفة تتوقف في سن السادسة أو العاشرة أو الثالثة عشرة.. بل بالعكس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن القدرات العقلية الأكثر تقدمًا لا تظهر هي الأخرى إلا عندما يتم نضج بعض التكوينات، وتنتشر مجموعات خلايا في أنحاء قشرة المخ. إن تفرعات الخلية العصبية، بل الملايين منها، تشغل حيزا قليلا، ويمكن حدوث زيادة كبيرة في الاتصال في حدود إجمالي زيادة في الوزن لا تتعدى عددًا قليلًا في المائة. أم مراحل الوظيفة العقلية كما وصفها بياجيه وغيره، بها الكثير من سمات المخ الآخذ في النمو أو التكوينات الجسمية، وظهور مرحلة بعد الأخرى من المحتمل أن يتوقف على "أي يحدده" النضج المتواصل وتنظيم قشرة المخ".
نصفا كرة المخ The Brain Hemispheres:
يبدو أن لكل من هذين المخيين قدرات مستقلة "١٩٧٥، Sperry"، الأمر الذي يثير كثيرًا من التساؤلات حول وظائف كل نصف كرة وكيف تتكامل هذه الوظائف. والمسألة معقدة وذلك بسبب عدم تجانس مخ الإنسان، أي أن كل نصف من نصفيه له سيطرة أساسية على بعض مظاهر السلوك.
стр. 546
إن السيطرة الرئيسية لكل مخ على وظيفة معينة تسمى التسلط Dominance. وبالنسبة للوظائف الحركية، كاستخدام اليدين والقدمين، فإن نصف كرة المخ المتسلط يكون عادة في الجانب المقابل لليد أو للقدم المختارة. وثمة مفهوم مواز يسمى الجانبية Laterality. وطبقًا لتانر Tanner "١٩٧٢، ص٧٤٧" فإن الجانبية هي: "اسم الظاهرة التي بموجبها في تركيب عضوي ذي قدرات زوجية "يدان، قدمان، عينان، أذنان"، فإن أداء واجبات معينة، في اتجاه نحو المركز العصبي أو منه، يكون أفضل في جانب من الجسم منه في الجانب الآخر. والجانبية نصف وظيفة "لا تناظرية". والجانبية لا تشير إلى سيطرة المخ ولكنها تعني مجرد سمات أدائية لا تناظرية. إن الأداء يتوقف على أي الجانبين من الجسم هو المشترك في النشاط المعين، ونصفا كرة المخ هما أيضًا لا تناظريان في التكوين.
اللا تناظرية الثنائية Bilateral asymmetry:
تنفرد الكائنات البشرية بأن لها لا تناظرية ثنائية "١٩٦٨, Bensam & Feschirnn, ١٩٧٠, Zangwill, ١٩٧٢, Tanner, ١٩٧٠, Gorballis & Beak" وقد قام كوربليس وبيك Corballis & Beak "١٩٦٧" بتدريب حمام على تمييز مثير ما تعكسه مرآة. وفي الواجب الخاص بالتجربة كان الحمام يكافأ على النقر عند خط ١٣٥ درجة وليس على النط عند خط ٤٥ درجة "صورة المرآة". وبعد عدد كبير من المحاولات استطاع الحمام أن ينقد على خط ١٣٥ درجة. ولكن هل تعني هذه النتائج أن الحمام لديه المقدرة على تمييز صورة المرأة. يبدو أن الجواب على ذلك هو بالنفي؛ ذلك لأن التحليل الذي أجري بعد ذلك لسلوك الحمام دل على أن التمييز كان حادثًا بتأثر ما يسميه الباحثون "تحول المنقار Break shift"، فالحمام كان يميل برأسه بحيث أصبح أحد الخطين رأسيًا والآخر أفقيًا. وبعبارة أخرى، فبدلًا من تمييز صورة المرأة، قام الحمام بتحويل المسألة تكيفيا إلى محاولة للتمييز بين خط رأسي وآخر أفقي.
وأهمية هذه الدراسة تظهر في دراستين أخريتين لخصهما كوربليس وبيك Corballis & Beak "١٩٧١". قام بالدراسة الأولى بافلوف Pavlov "١٩٢٧" الذي ذكر أنه يكاد يكون من المستحيل إحداث استجابة شرطية لإفراز اللعاب في
стр. 547
الكلاب تجعلها تميز جانبي الجسم الذي لمس. وبالتحديد فإن الحيوانات كان عليها أن تفرز اللعاب إذا لمست في جانب معين، ولا تفرز اللعاب إذا لمست في نفس الموضع المقابل من الجانب الآخر. غير أنه عند قطع الشريط الرابط بين نصفي كرة المخ. وبالتالي قطع الاتصال بين المخ الأيمن والمخ الأيسر، تعلمت الحيوانات التمييز المشروط لصورة المرآة بسرعة ظاهرة. وقد فسرت معطيات بافلوف Pavlov بأنها تبين أن كل نصف كرة "مخ" صورة مرآتية للأخرى، مع قيام الألياف التي تصل بين نصفي الكرة بوصل نقط صورة المرآة. وإذا كان هذا التفكير صحيحًا فإن الاتصال بين نصفي الكرة قد يتدخل في التمييز بين اليمين واليسار وبالعكس.
وهناك دراسات عديدة تؤيد الاستنتاج الرامي إلى أن الأطفال عادة دون الثامنة -وقطعًا دون السادسة- يجدون صعوبة في التفرقة بين اليمين واليسار أو في مواجهة المشاكل التي تنجم عن صورة المرأة. وقد نقل كوربليس وبيك Corbalbis & Beak "١٩٧٠" عن جاذانيجا Gazzaniga "١٩٦٨" أن الشريط الرابط بين نصفي كرة المخ يبلغ أقصى نموه في وقت متأخر نسبيًا "٧-٨ سنوات". ويصبح الكلام محصورًا في نصف الكرة الأيسر في حوالي الخامسة من العمر، ولذلك فإن وجود تخصص لنصف الكرة أمر قائم، ويفترض أن الاتصال بين نصفي الكرة متاحة قبل السنة السابعة. غير أن النمو غير الكامل للشريط الرابط بين نصفي المخ قد يفسر السبب في أن الأطفال الصغار كثيرًا ما يظهرون القدرة على تمييز الكتابة والصور المرآتية.
ويبقى سؤالان هامان: ما هو السبب في حدوث اللاتناظر، أي ما هو السبب في أن تكوينات ووظائف نصفي كرة المخ يختلفان؟ علاوة على ذلك ما هي العمليات التي تتضمنها الاتصالات بين نصفي الكرة؟
هناك افتراضان أن تبادليان قدما لتفسير السبب في اللاتناظر، وهما يستندان إلى التكوينات الوراثية، وإلى البيئة. وطبقًا لرأي سبرى Sperry "١٩٧٥" فإن تسلط نصف الكرة واستخدام يد يتم تحديده بوساطة جينتين لكل منهما إليلتان.
стр. 548
والجينتان والإليلات التابعة لهما تصنع ٩ تكوينات ممكنة لتسلط نصف كرة المخ واستخدام اليد. وبناء على ذلك فإن بعض الناس يشتد عندهم تسلط نصف الكرة الأيسر فيستخدمون يدهم اليمنى، في حين أن آخرين يكونون أكثر تعرضًا للمتطلبات البيئية، كما أن هناك آخرون أيضًا يتغلب لديهم تسلط نصف الكرة الأيمن فيستخدمون يدهم اليسرى.
والرأي المتعلق بالبيئة يعتبر في الواقع أقرب ما يكون لنظرية تطورية وتنص النظرية أساسًا على أن استخدام الإنسان للأدوات قد يكون هو السبب في حدوث اللاتناظرية في المخ. فعندما يستخدم إنسان أداة "آله"، فإن إحدى يديه تمسك بالآلة وتستخدمها في حين تعمل اليد الأخرى على تثبيت الشيء الجاري معالجته بالأداة، ولكن لماذا هذا التفوق الساحق في عدد الذين يستخدمون يدهم اليمنى؟، الواقع أنه لا أحد يعلم السبب في ذلك، وأن كان هناك رأي بأن التسلط الجانبي الوراثي كان في زمن من الأزمنة موزعًا بالتساوي أي أن عدد الذين يسخدمون يدهم اليمنى كان مساويًا لعدد الذين يستخدمون يدهم اليسرى. ثم حدث الانتقاء نتيجة أعمال القنص والقتال مع استخدام الدرع، وكان الناس يميلون لإحداث الجروح في الجانب "الأيسر، حيث يوجد القلب"، أي إلى الجانب البارز أو الأكثر نشاطًا في الجسم. فالذين كان المخ المتسلط لديهم هو الأيمن "يستخدمون اليد اليسرى"، كانوا أكثر احتمالًا لتلقي الجروح في الجانب الأيسر، حيث يوجد القلب، أي إنهم كانوا أكثر احتمالا لتلقي جروحًا مميتة. ولذلك فإن هؤلاء الناس قتلوا مبكرًا، وأنجبوا أقل، وبالتالي زادت نسبة السكان الذين يستخدمون اليد اليمنى "مخ أيسر". وواضح أن هذا التفسير حدسي أو تخميني وأن كان من الممكن أن يكون معقولًا.
كيف يتصل نصفا كرة المخ الواحد بالآخر، وما تأثير ذلك على السلوك؟
لقد سبق أن أوضحنا أن الاتصال بين نصفي الكرة يتم من خلال الشريط الرابط بينهما المعروف بالجسم الجاسي. كما أوضحنا أن كل نصف كرة يبدو
стр. 549
وكأنه نسخة طبق الأصل من النصف الآخر، وإن كان هذا التطابق غير كامل. ولذلك فإن الاتصال يبدو وكأنه يولد صورًا مرآتية، ويجعل في الواقع التعلم التالي أكثر صعوبة "الطفل لا يستطيع أن يحدد أي المعلومات هي الصحيحة". وقبل أن ينمو الشريط الرابط فإن كلا من نصفي الكرة يشتمل على انطباعات "تكوينات" للغة ولكل أنواع الإدراك. وهكذا فإن لكل نصف كرة القدرة على أداء أفعال قبل أن يصبح أحد النصفين متسلطًا. وبظهور التسلط، تقوم العمليات الكابحة بإخماد القدرة على المعرفة واتخاذ القرارات لنصف الكرة غير المتسلط "١٩٧٠، Gazzaninga". وبهذا الإخماد، فإن الوارد من نقط التماثل في نصف الكرة غير المتسلط، "السبب الظاهري للصور المرآتية" لا يستطيع بعد ذلك أن يتدخل ليعوق الوارد إلى نصف الكرة المتسلط، فلم يعد هناك أنظمة إعلامية ذات كفاءة.
استخدام اليدين:
يعتبر استخدام اليدين من الأدلة الافتراضية على تسلط المخ. أن تسلط نصف الكرة كما رأينا يكون عادة في الجانب المقابل لليد أو القدم المختارة "والواقع أننا نتكلم عن استخدام اليدين، ولكن هناك أيضًا استخدام القدمين والعينين وغير ذلك من الوظائف التفضيلية". أن أغلبية الناس "٩٣%" يستخدمون اليد اليمنى أو يظهرون تسلطًا مختلطًا "العين اليمنى، اليد اليسرى، القدم اليسرى"، في حين أن ٧% فقط يستخدمون اليد اليسرى " zangwill, ١٩٦٨, Benson, Geschwind, ١٩٦٨". وحيث أن استخدام إحدى اليدين دون الأخرى يرتبط بالتسلط المخي، فلا يجب أن ندهش إذا وجدنا أن التفسيرات تشمل عوامل بيئية ووراثية. ومع أننا لا نختلف مع التفسير الوراثي البحت، إلا أن ما يراه سبري Sperry من أن بعض الناس أكثر قدرة من الناحية الوراثية على تكيف استخدام يديهم مع الضغوط الخارجية، مما يثر الاهتمام. أن نظريته تتماشى مع معطيات زاننجويل Zangwill "١٩٦٠" جينسون وجيسويند Genson & Geschwind "١٩٦٨"، الذين استنتجوا أن استخدام اليدين ليس شرطًا في الصيغة "إما-أو"، ولكنه يتمثل على درجات مختلفة داخل الشعب الواحد. ولذلك فإن التسلط القوي في أي الجانبين لن يتأثر بسهولة. إذا تأثر على الإطلاق بالضغوط الخارجية. أن درجة أقل تحديدًا من التسلط الوراثي ستكون أكثر تأثرًا بالبيئة.
стр. 550
وفي مجموعة من الدراسات نقلتها هيلدرث Hildreth "١٩٤٩" نجد كيف أن البيئة يمكن أن تكون مؤثرة. لقد أظهرت أن الوالدين يستخدمان أنواعًا من المكافآت وبعض وسائل الترهيب لتشجيع الطفل على استخدام اليد اليمنى. كما أن هيلدرث وجدت أيضًا أن عدد الإناث اللاتي يستخدمن اليد اليمنى أكبر من عدد الذكور، وهو ما عزته إلى زيادة درجة خضوع الإناث للضغوط البيئية "ولو أن الإناث قد يكن أكثر استعدادًا من الناحية الوراثية لتسلط نصف كرة المخ الأيسر". وقد عرض كل من بنسبون وجيسويند وسويير أنا & Benson, Geschwind Subirana "١٩٦٩" تفسيرًا بيئيًا آخر: لقد وجد هؤلاء الباحثون أن استخدام اليد اليسرى أكثر انتشارًا بين الأطفال إذا كانت الأم، وليس الأب، تستخدم اليد اليسرى، مما لو كان الأب، وليس الأم، يستخدم اليد اليسرى. وفي رأي الباحثين فإن هذه النتائج تشير إلى أن الأمهات لهن تأثير أكبر على نمو الأطفال. وبدرجة تأثير البيئة على استخدام إحدى اليدين، يصبح ذلك تنبؤًا أقل دقة بالتسلط المخي. ويتفق ذلك ومعطيات هيلدرث Hildrth من أن من ٢٠-٤٠% من السكان لديهم تسلط مختلط. واستخدام العين أو القدم قد يعطي دلالة أفضل على التسلط، ذلك لأن هذه الوظائف أقل تأثرًا بالضغوط الاجتماعية.
متى يتحدد تفضيل استخدام إحدى اليدين:
قام جيزل وأمس Gesell & Ames "١٩٤٧" بجمع المعطيات المعيارية الموضحة بالجدول "٤"، وطبقًا لهذه المعايير يستغرق الأمر حوالي سنتين قبل أن تظهر استجابة من جانب واحد. غير أن معطياتهما تدل على أن هذا الظهور المبكر لتفضيل استخدام إحدى اليدين أمر انتقالي، وأن الاستقرار على استخدام إحدى اليدين لا يتم إلا بعد حوالي ٨ سنوات. وبالمصادفة نلاحظ أن جازانيجا Gazzaniga يعتقد أن الشريط الرابط بين نصفي كرة المخ لا يبلغ تمام نضجه إلا في سن الثامنة، وفي هذه السن يستقر تسلط أحد نصفي الكرة استقراره النهائي.
كما أن علماء نفس الأعضاء وعلماء نفس النمو، يهتمون أيضًا بمسألة تفضيل استخدام إحدى اليدين، ذلك لأنها تقدم معلومات عن تسلط المخ. وكما ذكرنا فإن هناك ما يدعونا للشك في دقة هذه المعطيات، ولكن الاختبار المكثف عادة يوفر
стр. 551
معلومات على درجة معقولة من الصحة، وتستخدم هذه المعلومات للتعرف على الأشخاص الذين لديهم تسلط نصفي، أيمن وأيسر، ويستخدم الباحثون هذه المعلومات لوصف أهم وظائف كل نصف كرة.
نصف الكرة الأيسر:
سبق أن رأينا أن الأنشطة الحركية التي تقتضي تفضيل استخدام إحدى اليدين "أو إحدى العينين أو القدمين" تكون محكومة بنصفي كرة المخ على الجانبين Contralateral hemispheres. ومعنى هذا أن الألياف تمر من نصف كرة إلى
стр. 552
النصف الآخر. وكلا النصفين يسيطران على الأنشطة الحركية، ولكن يبدو أنهما ينظمان وظائف مختلفة، فمثلا، وجد انجرام Ingram "١٩٧٥" أن الأطفال في سن الثالثة والرابعة والخامسة يلوحون دائمًا باليد اليمنى في أثناء الكلام. كما أن اليد اليمنى كان أداؤها أفضل في اختبارات القوة والنقر بالأصابع. أما اليد اليسرى فكانت متفوقة في واجبات التباعد بين الأصابع وأوضاع اليد. أن اليد المفضلة لا تمتلك مهارات مطردة التفوق بالمقارنة باليد غير المفضلة. أن الأداء المتفوق لليد اليسرى في الواجبين قد يكون راجعًا إلى المكونات البصرية -الفضائية "البصرية - المكانية" Visual - Spatial - وهي قدرة يظن أنها من دالات نصف الكرة الأيمن.
ولعل أهم وظائف نصف الكرة الأيسر وأكثرها موضوعًا للدارسة هي السيطرة على اللغة. إن السمات المعقدة للغة "تركيب الكلام، الكلمات المجردة والمفاهيم" تتمثل في نصف الكرة الأيسر بالنسبة لكل الأشخاص الذين يستخدمون يدهم اليمنى ولمعظم الذين يستخدمون يدهم اليسرى. ولكن يجب ألا نفترض أن كل وظائف اللغة تقع في نصف الكرة الأيسر، فإن بعض الوظائف اللغوية البسيطة يبدو أنها محكومة من نصف الكرة الأيمن، مثال ذلك، تعلم أسماء الأشياء. والرسم في الشكل "٦" يبين الوظائف المقارنة لنصفي الكرة "Calder, ١٩٧٠".
وكثير من الأبحاث عن موضع اللغة في المخ استخدمت أشخاصًا يعانون من إصابات في المخ. وتدل هذه الدراسات بصفة عامة على أن إصابات نصف الكرة الأيسر تؤثر على بعض مظاهر اللغة، في حين أن التلف الذي يصيب نصف الكرة الأيمن يبدو أن أثاره الضارة أقل. وهذا البحث في الواقع مثارًا للشك وذلك بسبب صعوبة إجراء دقيق لأي التكوينات أو أي الأجهزة العصبية في المخ هي المصابة. وبالتالي فإننا سوف نؤسس تعميماتنا على الدراسات التي استخدمت أشخاصًا طبيعيين.
وقد أسهمت كيمورا Kimura "١٩٦٧، ١٩٦٩، ١٩٧٣" اسهامًا عظيمًا في معرفتنا عن كل من نصفي كرة المخ الأيسر والأيمن. كان الأسلوب الأساسي
стр. 553
للبحث الذي قامت به هو الاستماع المزدوج، وفيه يعرض مثيران مختلفان لكل إذن في وقت واحد. والمثير قد يكون أنواعًا مختلفة من الكلمات "أسماء، أفعال.. الخ" أو أرقام أو أصوات. وفي حالة استخدام الأرقام، يعرض رقم للأذن اليسرى ورقم آخر للأذن اليمنى، وتعرض ثلاثة أزواج من هذا القبيل في تتابع سريع، وبعد أن يتم الاستماع للرقم السادس، يطلب من المفحوص أن يتذكر أكبر عدد ممكن من الأرقام. وفي عدة دراسات مع أفراد بالغين ذكرت "كيمورا" نسبة أكبر من تذكر الأرقام التي عرضت على الأذن اليمنى.
стр. 554
لقد استخدمت كيمورا واجب الاستماع المزدوج مع الأطفال، وحجتها في ذلك أنه قبل نمو التسلط المخي، تكون الموضوعات المقدمة لكل أذن متساوية، ثم في الثامنة عندما يظهر التفوق يجب أن يحدث التسلط المخي. ولقد كان الأطفال المشتركون في هذه الدراسة ذوي معاملات ذكاء متوسطة وكانت أعمارهم لا تقل عن ٥ سنوات، ثم بعد ذلك أطفال في الرابعة. وقد كررت كيمورا نفس التجربة مع أشخاص آخرين. وفي مجموعة من أطفال الطبقة المتوسطة الأدنى، ظهر تفوق الأذن اليمنى متأخرًا بعض الوقت، كما كان هناك فرق تبعًا للجنس. فقد أظهرت البنات تفوق الأذن اليمنى مبكرات عن الصبيان "أنظر الجدول "٥" للمعطيات عن هذه الدراسة" ولقد كان فارق الجنس متماشيًا مع النمو السابق للغة عند البنات، وفارق السن بين المجموعات الاجتماعية الاقتصادية كان متماشيًا مع الفروق المعروفة في أنماط النمو الأخرى.
стр. 555
وقد ظهر أن اللاتناظرية الوظيفية لنصفي كرة المخ في أفراد طبيعيين يستخدمون اليد اليمنى توجد في النماذج السمعية والبصرية واليدوية. وقد حولت نقط "درجات" الاختبار للجانبين الأيسر والأيمن إلى نسب للمقارنة. ونسبة تسلط نصف كرة المخ الأيسر بالنسبة لإدراك الكلمات المنطوقة هي ١.٨٨: ١ في حين أن النسبة لتسلط نصف كرة المخ الأيمن هي ١,١٩: ١. وهاتان النسبتان ليستا قيمة ثابتة إذ أنهما يتغيران تبعًا لنوع المثير ونوع الاستجابة المطلوبة وصعوبة الواجب.
стр. 556
إن تفوق الأذن اليمنى للمثيرات السمعية ليس مطلقًا. والرسم البياني في الشكل "٦" يبين أن الأنماط النغمية والأصوات البشرية غير الكلامية يتم تذكرها بالأذن اليسرى أفضل "وظيفة نصف الكرة الأيمن". كما أن الشكل يتضمن معطيات عن الواجبات البصرية واليدوية. لاحظ المثيرات اللغوية والتي ترتبط باللغة "حروف مطبوعة" تخضع لتسلط نصف الكرة الأيسر. والواجبات التي تطلب مقدرة بصرية فضائية تبدو أقرب لتسلط نصف الكرة الأيمن.
كما قام كنوكس وكيمورا Knoz & Kimura بإجراء دراسة عن عمل المخ بالنسبة للأصوات غير اللفظية. وقد استخدم واجب الاستماع المزدوج مع الصبيان والبنات في سن من ٥-٨ سنوات، واستمعوا إلى ازدواجات متزامنة لأصوات بيئية مختلفة "نباح كلب - غسيل أطباق - إدارة قرص التليفون - دقات الساعة أطفال يلعبون - تشغيل سيارة وهكذا". وكان عضوًا الازدواج قد رتبا بحيث يمكن مقارنتها في حالة التعرف والحدة والرتابة. وقد وجد القائمون على التجربة أن أفراد التجربة قد ميزوا تمييزًا صحيحًا أصواتًا بيئية غير لفظية عن طريق الأذن اليسرى أكثر مما ميزوها به عن طريق الأذن. وفي إعادة لواجب الأرقام مع هذه العينة ظهر تفوق الأذن اليمنى بالنسبة لأصوات الكلام.
لقد تواجدت صلة بين واجب الاستماع المزدوج وغيره من وظائف الجانبية. كما درس بريدن Bryden "١٩٧٠" الجانبية في الاستماع المزدوج وعلاقاتها باستخدام اليدين والقدرة على القراءة لدى الأطفال. فأعطى الأطفال الذين أجريت عليهم الدراسة -من تلاميذ الصفوف الثاني والرابع والسادس- الواجب القياسي للاستماع المزدوج بالأرقام، وقيمت أفضلية استخدام إحدى اليدين بعدة اختبارات ومقابلة مع المدرس، كما قيست القدرة على القراءة والذكاء. وقد أظهرت النتائج أن تفوق الأذن اليمنى يزداد مع تقدم السن في الأطفال الذين يستخدمون اليد اليمنى ويقل مع السن أيضًا في الأطفال الذين يستخدمون اليد اليسرى "كان ٤٠% من أطفال الدراسة يبدو أن لديهم تسلط مختلطًا". وكان الصبيان الضعاف في القراءة أكثر ميلًا لإظهار تسلط عكسي بالنسبة للأذن واليد من الصبيان الذين أحسنوا القراءة، ولم يظهر هذا الأثر في البنات إلا في مستوى المرتبة الثانية.
стр. 557
وفي محاولة لتفحص آليات عقلية أخرى من حيث علاقتها بالمهارات اللغوية، قام بفرى Buffry "١٩٧١" بمقارنة المؤثرات التي يسهل التلفظ بها في نمطين الأبصار والسمع. لقد جمع بين طريقة عرض بالمبصار Tachistoscopic لنصف مجال بصري ثنائي العينية وبين طريقة الاستماع المزدوج، وقدم مثيرًا بصريًا أولا لنصف كرة المخ للمقارنة مع مثير سمعي قدم أولا لنفس نصف الكرة أو للنصف المقابل. وتفاصيل الطريقة كما تصفها كيمورا Kimura "١٩٧٣ ص٧٢" على النحو التالي:
"مع أن النظام البصري متقاطع، إلا أن اتصالاته تختلف عن اتصالات النظام السمعي. إن الاتصالات ليست من كل عين إلى النصف المضاد من المخ. ولكن من كل نصف من المجال البصري إلى القشرة البصرية في الجانب المقابل. والرؤية إلى يسار نقطة التثبيت يستقبلها النصف الأيمن من كل شبكية وتتجه الممرات العصبية من الجانب الأيمن للشبكيتين إلى القشرة البصرية في نصف كرة المخ الأيمن. ومن الواضح أن الألياف من النصف الأيمن لشبكية العين اليسرى يجب أن يعبر خط الوسط في المخ ليصل إلى نصف كرة المخ الأيمن، ولكن الألياف من النصف الأيمن للشبكية اليمنى لا تعبره".
ولقد كانت أعمار أطفال التجربة ٥، ٦، ٧ سنوات، وكلهم يستخدمون اليد اليمنى. وقد وجد بفرى Buffry أنهم قارنوا كلمة مطبوعة بكلمة منطوقة، وبالعكس بدقة أكبر عندما عرضت عليهم المثيرات بالتتابع على نصف كرة المخ الأيسر. ولقد كانت المقارنة المتزامنة أكثر صعوبة ولكنها بدت أسهل عندما عرضت الكلمة المطبوعة على نصف الكرة الأيمن والكلمة المنطوقة على نصف الكرة الأيسر.
وفي دراسة ثانية قارن بفري Buffry أطفالا يستخدمون اليد اليمنى تترواح أعمارهم من ٣-٤ و٥-٦ و٧-٨ و٩-١٠ سنوات في اختبار رسم متعارض كان المطلوب من الأطفال في هذا الاختبار أن يرسموا في وقت واحد مربعًا بإحدى اليدين ودائرة باليد الأخرى. وقد أظهرت معظم البنات في كل مجموعات السن تفوقًا باليد اليسرى في رسم المربع، أما الصبيان فلم يظهروا هذا التفوق إلا في سن السابعة. كما أظهرت الفتيان تفضيلًا لاستخدام اليد اليمنى أكثر
стр. 558
من الصبيان من سن ٣ سنوات إلى ٦ سنوات و ١١شهرًا؛ وكانت درجة التفوق في استخدام اليد اليسرى في الرسم المتعارض تزداد مع زيادة السن ومع درجة تفضيل استخدام اليد اليمنى للبنات والصبيان. وتتفق هذه النتائج مع المعطيات العامة بأن البنات ينضجن أسرع من الصبيان. ومع أن الآليات ليست مفهومة تمامًا، فإن المعطيات يمكن أيضًا أن تفسر السبب في أن البنات يقرأن مبكرات عن الصبيان وفي أن بعض الأطفال، بصرف النظر عن اختلاف الجنس، يواجهون مشاكل في القراءة.
والخلاصة أنه يبدو واضحًا أن نصف كرة المخ اليسرى تختص أساسًا بالمجردات، وخاصة في اللغة. فضلًا عن ذلك فإن تسلط المخ كما يعكسه سلوك اللغة، يتوطد في سن الرابعة وينمو بسرعة أكبر لدى الإناث منه لدى الذكور.
نصف الكرة الأيمن:
يمكن تشبيه نصف الكرة الأيمن "باليتيم"، ذلك لأن الباحثين لم يولوه العناية الكافية. والواقع -كما أوضحنا- أن نصف الكرة الأيمن يلعب دورًا هامًا في السلوك الإنساني، وخاصة في القدرات البصرية الفضائية ويضيف اسبري Sperry "١٩٧٥" أن نصف الكرة الأيمن يرتبط بمسار المعلومات ذات الطابع الآلي، وهو يتناول المواد اللفظية ذات الطابع الراسخ أو الآلي ولكنه لا يتناول المواد اللفظية الأكثر تجريدًا.
وقد ذكرنا في بداية مناقشتنا لنصفي كرة المخ أن النصف الأيمن يلعب دورًا أكثر أهمية في المرحلة المبكرة من الحياة ولكن أهميته تتناقص مع بداية الأيسر في التسلط. ولقد قام ويعمل كينسبورن Kinsbourne "١٩٧٠" وغيره بإجراء دراسة عن كيفية تفاعل نصفي كرة المخ وكيف يعملان في فترة النضج، ومن الافتراضات التي بحثها أن العملية السمعية في نصف كرة المخ الأيسر، وهي التي تؤثر على اللغة، تزداد سهولة مع زيادة قدرة النصف الأيسر على التكامل الزمني، وهي عملية لازمة لفهم اللغة. إن المادة البصرية قد تحتاج أو قد لا تحتاج للتكامل الزمني والترتيب المتوالي. أما الإبصار فهو عادة يتطلب التكامل الفضائي، وهو من وظائف نصف الكرة الأيمن. ولا شك في أن توافر الوسائل المتقدمة توفر إجابات عن كثير من التساؤلات المتعلقة بنمو وظائف المخ.
стр. 559
العوامل المؤثرة في النمو الجسمي:
يتأثر النمو الجسمي والفسيولوجي بعوامل كثيرة أهمها الوراثة والغذاء الكامل، والتوازن بين النشاط والحركة والراحة، والنوم، والهدوء النفسي، ويعطل نمو الطفل الحالة الصحية السيئة وإصابته بالأمراض، إلى جانب نقص الغذاء أو عدم التوازن الغذائي.
١- فمن ناحية الوراثة:
يظهر تأثير العامل الوراثي على النمو الجسمي في مرحلة ما قبل الميلاد وبعده.. إذ تدل المعطيات على أنه خلال المراحل الأخيرة من النمو قبل الميلاد تبطئ سرعة النمو، وقد يكون السبب في ذلك عدم الاتساع الكافي في الرحم. وبينما ينكمش الحيز المتاح للنمو فيبطئ معدل النمو الجسمي خاصة عندما تكون الأم ضئيلة الجسم، والأب ضخم الجسم ... وإذا كان وزن الطفل وطوله يعكس مستوى متوسط الوالدين، وبالتالي يكون الطفل أكبر حجمًا بالنسبة لرحم الأم فقد يحتاج الأمر معه للتدخل الطبي وربما قبل استكمال فترة الحمل. ولكن سرعة النمو تعود للتزايد بعد الولادة وتستمر، حيث توحي الدلائل بأن سرعة نمو هؤلاء الأطفال تكون أكبر في الشهور التالية للولادة، كما أن الترابط بين طول الكبار ووزنهم في مراحل العمر المختلفة ابتداء من الولادة تعطى دلائل معينة حول هذا التأثير.
٢- الجنس:
وهناك تأثير واضح للفروق بين الجنسين في النمو الجسمي خاصة الطول والوزن. إذ تظهر البنات بداية النمو السريع مبكرًا ولكنه لا يبلغ نفس سرعة النمو لدى البنين، وتبدو الفروق بصورة أوضح في طفرة المراهقة التي تظهر بصورة مبكرة وواضحة عند البنات عنها لدى البنين، ثم يعود الذكور لاستعادة التفوق في نمو الطول وإن كان إتجاه الوزن يختلف تبعًا لاختلاف العامل الوراثي والصحة العامة ونظام التغذية.
стр. 560
٣- الغذاء:
للغذاء دور هام ورئيسي، ليس فقط في النمو الجسمي، وإنما أيضًا في النمو العقلي المعرفي والانفعالي والاجتماعي. فسوء التغذية يعوق القدرة على التحصيل بالكفاءة المطلوبة نظرًا لأنه يعوق تجدد الخلايا، وإمداد الفرد بالطاقة اللازمة للعمل.. ومن الوجهة الانفعالية: نجد أن قيام الأم بتغذية الطفل عن طريق الرضاعة يقدم له زادًا عاطفيًا من الحنان بالإضافة إلى الزاد المادي المتمثل في اللبن، الأمر الذي يكفل نموًا جسميًا وانفعاليًا مستقرًا. وعلاوة على ذلك: تعتبر طريقة تناول الغذاء مسألة ثقافية تصبغ شخصية الفرد بطابع خاص يتجلى فيه المستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لأسرته والطابع القومي لوطنه.
ومن هنا: يعتبر الغذاء أحد العوامل التي تتفاعل فيها قدرات الفرد الجسمية مع ظروف المجتمع بدءًا بأسرته وانتهاء بالدولة التي ينتمي إليها وأحوالها الاقتصادية والاجتماعية.. هذا: وللغذاء ثلاث وظائف رئيسية هي:
- تزويد الفرد بالطاقة: وذلك عن طريق المواد الكربوهيدراتية والسكريات والنشويات والدهون.
- تجديد بناء الخلايا التي تتلف: وتقوم الأملاح المعدنية بهذه المهمة، فالكالسيوم يسهم في تكوين المادة الملونة الحمراء في كرات الدم، والبروتينات والزلاليات تسهم في بناء الأنسجة.
- وقاية الجسم من الأمراض: ويقوم بها الفيتامينات الموجودة في الخضروات والفواكه الطازجة، واللحوم والبيض.
ولكي يؤدي الغذاء دورة يتعين أن يكون متوازيا شاملًا العناصر الثلاثة السابقة وأن يكون كافيًا من حيث الكم، مناسبًا في تكوينه للمرحلة النمائية للفرد وطبيعة المهام المنوطة به سواء كانت عملًا عضليًا أم ذهنيًا. "هدى برادة، فاروق صادق، ١٩٨٥، ٣٨٠".
٤- الصحة والمرض:
تتأثر منحنيات النمو بالصحة العامة للتركيب العضوي فالمرض الشديد مثلًا يؤدي إلى إبطاء سرعة النمو، بل وقد يعدل المستوى النهائي للنمو إذ تؤثر
стр. 561
بعض الأمراض البدنية التي يصاب بها الفرد على النمو الجسمي بل الانفعالي والاجتماعي أيضًا.
- فالطفل المصاب بالهيموفيليا: إذا نزف دمه فإنه لا يتجلط، بل يظل يسيل حتى يشرف على الهلاك، ولذلك فهو يخشى دائمًا على حياته ويعيش قلقًا مضطربًا، ويبعد دائمًا عن رفاقة حتى لا يصاب بأي جرح وهو يلعب معهم وبذلك تضيق دائرة تفاعلاته الاجتماعية ويتأخر نضجه.
- والطفل الذي يصاب بأي حادث يؤثر ذلك على نموه العضوي.
- والطفل الذي يصاب بإعاقة ذهنية "كالتخلف العقلي"، أو حاسية "كالصم وكف البصر"، أو "جسمية كالشلل أو الصرع" كل ذلك يؤثر على نموه السوي مقارنة بأقرانه العاديين. ويشير تانر Tanner "١٩٧٠" إلى أن الأمراض غير المزمنة -في معظم الحالات- إذا لم يستمر سبب المرض طويلًا فإن التركيب العضوي "الفرد" يستأنف نموه بسرعته الأصلية، بل إنه عند شفاء الفرد تزيد سرعة نموه عن المعدل العادي إلى أن يتم الوصول إلى النمو الطبيعي للطول والوزن.. ومتى تم الوصول إلى الطول المرتقب تعود السرعة إلى معدلها الطبيعي.. ويسمى وادينجتون Weddington "١٩٦٧" هذه الظاهرة باسم توجيه النمو canalization or homeorhesis ويقدم تانر Tanner "١٩٧٠" أيضًا معطيات مستقاة من دراساته تبين آثار فقدان الشهية للطعام حيث يقلل الطفل من كمية ما يتناوله من غذاء لأسباب نفسية حيث يتأخر النمو العضوي في كل فترة من فترات فقدان الشهية، ثم يستعيد سرعته في مرحلة اللحاق "عند زوال فقدان الشهية"، وأن السرعة في كل فترة من فترات اللحاق كانت أكثر من متوسط السرعة بالنسبة للعمر الزمني، وقد بلغت ما يقرب من ضعف السرعة في سن تكون الهيكل العظمي الذي يتأخر تبعًا للتأخر في الطول، ثم يلحق بالمعدل العام للنمو عندما يبلغ الطول معدله الطبيعي.
стр. 562
٥- الولادة المبسترة:
يولد بعض الأطفال ولادة مبتسرة، أي أنهم يولدون قبل أن تكتمل المدة الطبيعية للحمل، ولهذا تتأثر حياتهم وصحتهم وسرعة نموهم بمدة حملهم. ولقد دلت أبحاث ستنير ويونرامت Stneer & Ynramit، على أن نسبة الوفيات بين الأطفال الرضع تتناسب تناسبًا عكسيًا ومدة الحمل.. فكلما نقصت هذه المدة زادت نسبة الوفيات، وكلما زادت هذه المدة نقصت نسبة الوفيات.. هذا: وتتأثر الحواس عامة بهذه الولادة المبتسرة خاصة حاسة البصر.
٦- السلالة:
تختلف سرعة النمو تبعًا لاختلاف نوع سلالة الطفل: فنمو الطفل المصري يختلف إلى حد ما عن نمو الطفل الصيني. ويختلف أيضًا عن نمو الطفل الأوربي: وهكذا يتفاوت النمو باختلاف السلالة الإنسانية التي ينتمي إليها الطفل.. وتدل الأبحاث العلمية الحديثة على أن سرعة نمو أطفال شعوب البحر الأبيض المتوسط تفوق سرعة نمو أطفال شعوب شمال أوربا.
٧- الهواء النقي وأشعة الشمس: يتأثر النمو بدرجة نقاء الهواء الذي يتنفسه الطفل.. فأطفال الريف والسواحل ينمون أسرع من أطفال المدن المزدحمة بالسكان، ولأشعة الشمس أثرها الفعال في سرعة النمو وخاصة الأشعة فوق البنفسجية.
стр. 563
دور المربيين لتحقيق النمو الجسمي السليم:
يقع العبء الأكبر في المراحل المبكرة من عمر الطفل على الأم وعلى مربيات رياض الأطفال، لما يضطلعن به من مسئولية إزاء النمو الجسمي للطفل. وذلك من خلال:
١- الاهتمام بتقديم الغذاء الكامل والكافي للطفل بما يساعد على نمو جسمه ووقايته من الأمراض خاصة: الأغذية الخاصة بالطاقة والبناء والوقاية.
٢- الرعاية الصحية حتى يشب الطفل صحيح الجسم سليم البنية.
стр. 564
٣- وقاية الطفل من الأمراض المعدية، ونزلات البرد، والنزلات المعوية وغيرها.
٤- الاهتمام باستكمال التطعيمات ضد الأمراض التي تظهر في الطفولة كشلل الأطفال والحصبة والأمراض الأخرى كالدفتريا والتيفود والكوليرا.
٥- رعاية الطفل إزاء أي مظاهر شاذة في النمو مثل: الهزال "النحافة الزائدة، أو السمنة "فرط الوزن".
٦- توفير البيئة المناسبة التي تتيح للطفل النمو الحركي والهواء الطلق الذي يساعد على نمو العضلات وامداده بالأكسجين الكافي والنقي.
٧- توفير المناخ النفسي السليم في الأسرة بما يحقق للطفل جوانب نمو سيكولوجي صحيح، حيث أن النمو الجسمي يتأثر بدرجة كبيرة بالنمو النفسي للطفل.
٨- يجب في مرحلة المراهقة أن يلم المراهق بالعادات الصحية وأن يمارسها في غذائه ونومه وعمله حتى لا تعوق نموه، وعليه أن يتجنب التخمة والأنيميا، وأن ينام ما يقرب من تسع ساعات حتى يوفر لجسمه الطاقة الضرورية له.
٩- ويجب على الأباء والمربين نحو أبنائهم المراهقين إزاء النمو والجنس أن يهيئوهم لمرحلة النمو الجديدة، وأن يزودوهم بالمعلومات الصحيحة عن التغيرات النمائية في هذه المرحلة دون حرج، ويبينوا لهم أن الأمر لا يعدو أن يكون ظاهرة من ظواهر النمو المتصل خاصة أن كثيرًا من الفتيات يصبن بالهلع والارتياع لأول حيض، وكثير من الفتيان في أول مرة يحدث لهم فيها الاحتلام يشعرون بالإثم والخطيئة.
١٠- يجب على المربين تنمية طائفة متنوعة من الاهتمامات الفنية والمسرحية والأدبية والعلمية والرياضية في نفوس المراهقين إلى جانب توجيه المراهق إلى التهذيب النفسي والجنسي.
стр. 565
الفصل الثاني: النمو الحركي
مدخل
...
الفصل الثاني: النمو الحركي
مقدمة:
يعد نمو المهارات الحركية من أهم إنجازات الكائنات البشرية، وهذه المهارات الحركية ضرورية للتحرك والتفاعل المكثف مع البيئة والعديد من أشكال الاتصال وأنماط السلوك الترفيهية الإرادية ولبقاء الإنسان بصفة عامة.
وإذا نظرنا إلى الطفل حديث الولادة نجد أنه عاجز عن التحرك أو الانتقال في المكان بمفرده، كما أنه لا يستطيع القبض على الأشياء وبعبارة أخرى: هو عبارة عن مجموعة قوى كامنة لم تتحرر بعد، غير أننا نلاحظ أن هذه القوى تبدأ في الانطلاق عن عقالها في سن المهد وتتطور بعد ذلك تطورًا واضح المعالم، مما يكسب الطفل الاستقلال والاعتماد على النفس واكتشاف العالم الخارجي وممارسة المهارات الحركية المختلفة.
هذا: وتركز معظم الدراسات المرتبطة بالنمو الحركي على النمو المبكر للمهارات الحركية بما في ذلك انعكاسات الطفولة، ومهارات الجلوس، وضبط الوضع، والمشي، والمهارات اليدوية.
ومن أوائل من تناولوا النمو الحركي المبكر أرنولد جيزل Arnold Gesell "١٩٥٤" الذي استخدم طريقة التصوير فحصل على مادة فيلمية تتضمن ملاحظات مكثفة عن كثير من الأطفال، مما ساعده في تقديم أساس تجريبي مناسب للصياغات النظرية.
وثمة طريقة ثانية استخدامها جيزل Gisell لدراسة النضج، تلك هي طريقة التوائم المتطابقة The co-twin control method.
لقد سبق أن رأينا كيف أن التوائم المتطابقة تستخدم لدراسة الوراثة. وطريقة جيزل Gesell هي اقتباس لهذه العملية. وحيث أن التوائم المتطابقة متماثلة في التكوين الوراثي، فإن الفروق في نموهم يمكن أن تعزى إلى الاختلاف في الخبرات البيئية. وفي الدراسات عن الوراثة لاحظنا أن الفصل بين التوأمين المتطابقين لم يضمن اختلافًا وظيفيًا بينهما. وقد أدخل جيزل Gesell تغيرات منهجية في حياة
следующие страницы →