← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

هذا ويحسن بالآباء والمعلمين أن يتيحوا للطفل الفرصة لممارسة كثير من أنواع النشاط الحر، وأن تتعدد أمامه مجالات النشاط الحركي، وأن يترك له حرية اختيار اللعبة أو المجال الذي يريده والأقران الذين يشاركونه اللعب. - أما بالنسبة للمهارات التي تعتمد على حركة العضلات الدقيقة: فعلى الرغم مما نجده من تأخر نمو عضلات الأصابع إلا أنه يزداد في هذه المرحلة التوافق بين العين واليد في الأعمال اليدوية، لذلك يميل الأطفال في هذا السن إلى أعمال الصلصال وعمل النماذج الخشبية، والقص واللصق، وتميل البنات إلى أشغال الإبرة، ويقل اهتمامهن تدريجيًا باللعب العرائس، حتى يتلاشى هذا الميل بنهاية المرحلة الابتدائية. ولذلك يحسن بالآباء والمعلمين أن يتيحوا للطفل الفرصة لممارسة أنواع النشاط البنائي والابتكاري، ويقدموا له الأدوات والتوجيهات حتى يستطيع أن يعبر عن نفسه من خلال العمل، ولذا كان التعلم عن طريق العمل من أفضل وأنسب الطرق المستحدثة في التربية التقدمية بالنسبة لهذه المرحلة العمرية. - ومن المظاهر الشائعة في هذه المرحلة ما نلاحظه من استعمال الطفل الأشول اليسرى بشكل واضح وهذه عادة ترجع لأسباب فسيولوجية تتعلق بتكوين الجهاز العصبي. ويجب أن نشير إلى أن الآباء والمعلمين إذا استعملوا الشدة والضغط مع هذا الطفل كي يستعمل يده اليمنى فغالبًا ما يصاب ببعض مظاهر الاضطراب النفسي، وقد يترتب على ذلك التهتهة في المستقبل، أما إذا استعملوا

стр. 597

الكثير من اللين والحيل والطرق غير المباشرة فغالبًا ما يصلوا إلى الغرض الذي يسعون إليه وإن كان الأمر لا يستحق هذه المجهودات. ب- الطفولة المتأخرة: وفي السنوات المتأخرة من المدرسة الابتدائية يزداد تطور النمو العام بصورة ملحوظة، كما نجد أن الطفل يتمكن بدرجة كبيرة من التوجيه الهادف لحركاته، ومن القدرة على التحكم فيها.. ولا يرى ذلك فقط على النشاط الرياضي بل يتعداه أيضًا إلى نشاط الطفل في غضون حياته اليومية، إذ تصبح حركاته أكثر هادفية وأكثر اقتصادًا في بذل الجهد. كما تصطبغ حركات الطفل بقدر كبير من الرشاقة والسرعة والقوة، وكثيرًا ما يستخدم مصطلح رشاقة الهر "القط" لتميزه أو وصف سلوك طفل الثانية عشرة خاصة عندما يقوم بالوثب فوق عائق طبيعي أو عقب وثبة من فوق جهاز رياضي كصندوق القفز مثلًا.. كذلك: نجد اتصاف الكثير من الأطفال بالرشاقة في غضون ممارستهم لألعاب الكرة، وبالسرعة في مختلف الأنشطة التي تحتوي على الجري، وبالقوة في حركات الجمباز وما إلى ذلك. كذلك تتميز حركات طفل هذه المرحلة بحسن التوقيت والانسيابية وحسن انتقال الحركات من الجذع إلى الذراعين وإلى القدمين..كما يستطيع التوقع الصادق لحركاته الذاتية وكذلك توقع حركات الآخرين. ومن أهم ما يتميز به طفل هذه المرحلة: سرعة استيعابه وتعلمه للحركات الجديدة، والقدرة على المواءمة الحركية لمختلف الظروف. وكثيرًا ما تصادف ظاهرة تعلم الطفل من أول وهلة، وهذا يعني أن الكثير من الأطفال يكتسبون القدرة على أداء المهارات الحركية الجديدة دون إنفاق وقت طويل في عملية التعلم والتدريب والممارسة، وكثيرًا ما ترتبط سمات الشجاعة والجرأة، وكذلك الحماس للتعلم والفاعلية والنشاط بالنواحي الحركية للطفل وخاصة في حالة تكليفه ببعض الواجبات الحركية.

стр. 598

ويسعى الطفل في هذه المرحلة إلى المنافسة ويعشق قياس قوته وقدراته بقدرات الآخرين. وبذلك فإن النمو الحركي يصل في هذه المرحلة إلى ذروته، وكثيرًا ما تعتبر الفترة المثلى للتعلم الحركي، وينطبق ذلك في المقام الأول على تميز الطفل بالرشاقة والمهارة والقدرة على سرعة الاستجابة والمواءمة بارتباطها بالشجاعة والجرأة والحماس للتعلم.

стр. 599

النمو غير المنتظم: إن معلوماتنا عن الأنماط الطبيعية للنمو الجسمي والحركي مكنتنا من وضع أساس لتمييز حالات النمو غير المنتظم Atypical Devopmenty. ولا يقتصر الأمر هنا على تشخيص الأطفال المعوقين جسميًا أو عقليًا بدرجة كبيرة. إن اهتمامنا بالأطفال الذين يبدون نقصًا في التناسق الجسمي الطبيعي أو الذين يواجهون صعوبات في نقل الأرقام الهندسية أو حالات التأزر بين العين واليد غير الكاملة التحديد، أو يجدون صعوبة في تعلم القراءة أو في مواجهة مسائل حسابية معقدة. ومثل هؤلاء الصغار ويطلق عليهم عادة الأطفال المعوقين في التعلم الذين يبدون قدرة عقلية عامة ونموًا جسميًا غير سويين وإن كان ذلك في حدود المعايير الطبيعية. والمفروض طبقًا لكل المؤشرات القياسية، أن ينموا نموًا طبيعيًا. وقد قدمت افتراضات عديدة حول أسباب العجز في التعلم ابتداء من الأسباب البيئية البحتة إلى الأسباب التكوينية الوراثية. وقد وضح جيزل Gesill وزملاؤه، وإلج وامس Ilg & Ames، تفسيرات بيولوجية تستند إلى تكامل الحركية العصبية، أي التناسق "التآزر" بين الوظائف الحركية والوظائف الإدراكية. وطبقًا لهؤلاء، فإن هذه الوظائف مبرمجة وراثيًا وتحتاج لفرصة للتعبير من خلال الإثارة البيئية أن الإمداد البيئي المرتد من الأفعال التي تؤدى، والإثارة التالية للتركيب العضوي تؤدي إلى زيادة تكامل الأجهزة. وكما ذكرنا أنفًا فإن المشي إنجاز معقد يتطلب التكامل والتأزر بين عضلات متعارضة وسيطرة عصبية "ضبط عصبي".

стр. 600

وكان من الممكن أن نضيف أن الأطفال يجب أن يتعلموا أيضًا كيف يحددون مواقعهم في الفضاء وأن يكونوا مدراكات فضائية مسافية "مكانية" "الأمر الذي يساعد على تجنب سكب اللبن أو إسقاط فازة ثمينة". كيف إذن ينمو الأطفال نموًا غير منتظم؟ إن القرائن تدل بصفة عامة على أن هؤلاء الأطفال قد تعرضوا لإصابة قبل الولادة أو بعدها مباشرة جعلتهم في مركز يحتمل الخطر، ونشير بذلك إلى التكامل البيولوجي الخاص للطفل حديث الولادة. واحتمالات الخطر هذه تقاس بعدة طرق، بما في ذلك مقياس أبجار Apgar "١٩٥٣" "على اسم فرجينيا ابجار، وهي طبيبة أطفال"، وطرق أكثر حداثة طورها برازيلتون Baszelton "١٩٧٣". وتستخدم هذه الوسائل في خلال الساعات الأولى بعد الولادة أو في صالة تعاطي الأم لعقاقير في أثناء الولادة، بعد أن يكون جسم الوليد قد تخلص من آثارها. وتقدم هذه الوسائل القياسية بتقييم قوة الانعكاس، والوزن عند الولادة، درجة التفكير في النضج، درجة تيقظ الطفل، وكذلك كفاءة أجهزة المحافظة على الحياة. إن الصلاحية الممتدة لهذه الوسائل توفر تفاضلًا ملائمًا بين احتمال الخطر البسيط واحتمال الخطر الكبير في الأطفال حديثي الولادة، ولكن جدواها التنبئية العامة ليست على درجة كبيرة من القوة. ومع ذلك فإن الأطفال الذين يولدون في حالة احتمال خطر كبيرة يكونون أكثر تعرضًا لمواجهة مشاكل تعليمية أكثر من الأطفال الذين ولدوا مع حالة احتمال خطر بسيطة "١٩٨٦، Pasamanick & Knoblok". والخطر يتضمن عاملان متميزان: غذاء الأم في فترة الحمل، ووزن الطفل عند الولادة "الوزن المنخفض عند الولادة، وإن كان مرتبطًا بالتبكير في الولادة إلا أنه يمكن أن يحدث أيضًا للأطفال المولودين طبيعيًا. إن غذاء الحامل له أهمية خاصة لأنه يمد الجنين بالمغذيات اللازمة للنمو الجسماني. والأغذية التي تفتقر بدرجة كبيرة إلى البروتين والفيتامينات يمكن أن تحدث إبطاء في النمو أو قد تسبب فعلًا ضررًا غير قابل للإصلاح للجهاز العصبي. ويشك بعض الباحثين مثل: برتش وجوسو Birch & Gussow "١٩٧٠" في أن الضرر العصبي الناتج عن

стр. 601

نقص الغذاء يعد مسئولًا بدرجة كبيرة عن احتمالات الخطر الكبيرة في الوليد. وليس مما يدعو للدهشة أن النقص الغذائي، والنسبة المرتفعة لوفيات الأطفال، والولادة المبكرة، وانخفاض الوزن عند الولادة إلى غير ذلك تحدث بين الفقراء. وهناك متغير آخر يؤثر على النمو ويسمى أنوكسيا الوليد neonate anoxia وهي حالة يعجز فيها الوليد عن الحصول على الأكسجين الكافي للإبقاء على الحياة "توقف التنفس حالة يعجز فيها الوليد عن التنفس". وأحسن الآراء الطبية تقول بأن الطفل حديث الولادة يستطيع البقاء بدون اكسجين لمدة ٣ دقائق دون حدوث ضرر عصبي، ولكن إذا طالت المدة عن ذلك فإن النتائج قد تكون بالغة الخطورة. وقد حصل ستاكلر Stechler "١٩٦٤" على تصريح بتسجيل الزمن الذي مضى بين ربط المشيمة Placenta "يؤدي ذلك إلى توقف سريان الدم الحامل للاكسجين إلى الجنين"، وبين ابتداء تنفس الوليد "صرخة الولادة". وقد وافقت عينة مكونة من "٢٦" أما من نساء الطبقة المتوسطة على الاشتراك في الدراسة. ومن هذه العينة فشل "٩" من الأطفال "٣٤%"، ويشار إليهم "بأطفال التجربة"، فشلوا في التنفس في خلال الثلاث دقائق المحددة. وقد درس ستاكلر Stechler هؤلاء الأطفال لمدة ثلاث سنوات، مجمعًا لنتائج الاختبارات وعاقدًا مقابلات مع الأمهات، ولم تخبر الوالدات عن حالة أطفالهن. وتتضمن النتائج سمات عديدة ذات أهمية: فبعد أسبوعين فقط من مغادرة المستشفى أدلت أمهات أطفال التجربة ببيانات أكثر سلبية وذكرن من المشاكل ما يزيد على ما ذكرته أمهات المجموعة الضابطة "أمهات الـ ١٧ طفلًا طبيعيًا الباقين"، وقد زاد اختلاف أنماط نقط الاختبار لحالة الانوكسيا من جلسة اختبار إلى جلسة اختبار أخرى، وكانت معاملات الذكاء في المتوسط للمجموعتين في سن الثالثة متطابقة وأعلى من المعدل. ولسوء الحظ، فإننا لا نعرف ماذا حدث لهؤلاء الأطفال بعد دخولهم المدرسة، ولكن الدلائل المستقاة من أطفال آخرين تدل على احتمال مواجهتهم لمشاكل في التعلم. تلك هي بعض أسباب النمو غير المنتظم أو البطيء من أن للنقص الغذائي والأنوكسيا آثارًا واضحة على النمو العصبي، كما أن الجنس "ذكر أو أنثى" له ارتباط بالنمو، فالصبيان أكثر ميلا لبطء معدلات النضج ولأنماط النمو غير

стр. 602

المنتظم. وليس مما يدعو للدهشة، أن البنين أيضًا أكثر احتمالًا لمواجهة مشاكل تعلم في المدرسة. ولنتذكر أننا ذكرنا في الفصل السابق أن النقص المرتبط بالجنس لدى الصبية يجعل للزيادة عنه لدى البنات. ومع أن التفسير البيئي للفروق الجنسية في النضج أكثر تقبلًا، إلا أننا نعتقد أن هذه الفروق محددة وراثيًا. ولاشك في أن من المفهوم أن البيئة المعدلة "المدرسة" قد تساعد البنين على التلاؤم وزيادة الاستعداد للتعلم لقد نصح بعض الإكلينيكيين بأن يبدأ البنون الالتحاق بالمدرسة بعد البنات بسنة.

стр. 603

ما هي أنماط السلوك التي ينظر إليها علماء النفس لتحديد ما إذا كان النمو الجاري، جسمانيًا وحركيًا وعصبيًا، يتم في إطار المعدل الطبيعي؟ من الواضح أن ذلك يتوقف على سن الطفل: فعندما يكون الطفل وليدًا فإن عالم النفس قد يحدد ما إذا كانت الانعكاسات البدائية "الكفية - الإخمصية" تنحسر طبقًا للتوقيت المرتقب تقريبًا. ويمكن أحيانًا تقييم التكامل الحركي بفحص أوضاع النوم. وبعد ذلك بفترة قليلة، يمكن فحص أنماط الزحف أو الحبو وملاحظة السن عند بدء المشي. وعندما يقترب الطفل من مرحلة السن من ٤-٧ سنوات، فإن الأنماط السلوكية المتاحة لاستخلاص النتائج منها حول النمو تكون أكثر تنوعًا وأكثر تعقيدًا. وعلماء النفس المهرة يفرزون بمهارة العديد من مظاهر السلوك قبل وضع التشخيص. والأداء في واحد فقط من هذه الواجبات لا يكفي لتشخيص الاختلال الوظيفي. وقد ابتكر كيفارت Kephart "١٩٦٣" واجب أو مهمة "المشي على العارضة الخشبية" walk-a-beam task وهو يتكون من لوح خشبي مقاس ٢ × ٤ بوصة يمتد لمسافة نحو ١٢-١٦ قدمًا، ويمكن استخدام جانب البوصتين أو جانب الأربع بوصات تبعًا لمستوى الصعوبة المطلوب. ويطلب من الطفل أن يمشي عبر اللوح، وفي نفس الوقت يثبت بصره على نقطة في الفضاء تقع أمامه مباشرة، ولا يسمح له بأن ينظر إلى أسفل لملاحظة موضع قدميه. ويتطلب الإنجاز الناجح لهذا الواجب تكاملًا بين الوظائف الفضائية والحركية. وفي تنويع أكثر تقدمًا لهذا الواجب، يجب على الطفل أن يمشي فوق العارضة إلى الخلف بينما يظل ينظر إلى الأمام -حتى الكبار يجدون هذا الواجب "المهمة" صعبًا، وإن كان معظمهم ينجحون في تأديته. ومن المكونات الهامة في هذا الواجب نمط الفعل الذي يتضمنه عندما يقع الطفل من فوق العارضة. أن بعض الأطفال يقعون بشكل يمكن أن نسميه "مكومًا". وهناك آخرون يقعون بطريقة تتسم بمزيد من السيطرة والمنهاجية، فمثلًا يدل التحليل الدقيق للصور الفوتوغرافية التي التقطت لعملية الوقوع على أن

стр. 604

هناك تناسقًا متكاملًا بين الذراعين والساقين. وعلى ذلك فحتى نمط الوقوع يمكن أن يقدم معلومات تتعلق بالحالة. وثمة واجب آخر استخدمه كيفارت Kephart وهو "رسم دائرة". والشكل "٢١" يبين طفلًا في سن ٤-٥ سنوات وهو يؤدي هذا الواجب. حيث تعطى له قطعة من الطباشير في كل يد ويطلب منه الوقوف وأنفه ملامس للسبورة وهو ينظر أمامه مباشرة. ثم يطلب منه أن يرسم دوائر بكل يد في وقت واحد. ويلاحظ أن الطفل قد رسم دائرة لا بأس بها باليد اليمنى ولكن وجد أنه يجد صعوبة كبيرة مع اليد اليسرى. علاوة على ذلك فإن الطفل قد رسم الدائرة اليسرى في مستوى أدنى من مستوى دائرة اليد اليمنى، مما يدل على عدم القدرة على تأدية الواجب بطريقة تناظرية. ومزيد من التحليل لهذا الواجب يدل على ظاهرة أخرى هامة لهذه الأنماط السلوكية الحسية الحركية المبكرة: فالدائرة التي رسمت باليد اليمنى رسمت بحركة في عكس اتجاه عقرب الساعة، ومثل هذا السلوك يعتبر متقدمًا إلى حد ما بالنسبة لطفل في هذه السن "الواقع أن لهذا الطفل قدرة عقلية فائقة وكان قد تعلم القراءة مبكرًا". أما السبب في أن الأطفال يبدأون برسم الدوائر في اتجاه عقرب الساعة ثم يتحولون للاتجاه الآخر، فغير معروف. ومن جهة أخرى فإن هذا الوجب يوفر دليلًا على قدرة الطفل على تنسيق نمط حسي حركي مع القدرة البصرية الفضائية "المكانية".

стр. 605

وهناك واجب آخر أكثر تشكيلًا ومعروف أكثر، طورته لوريتا بندر Loretta Bender "١٩٣٨" وهو يتكون من ١٠ تصميمات هندسية "انظر شكل "٢٢" لأحد المثيرات، ويطلب من الطفل أن ينقلها، وهنا سنجد أن الأطفال غير الناضجين يجدون صعوبة كبيرة في تأدية هذا الواجب مع أنهم يستطيعون عادة رسم دائرة، وهو إنجاز يدخل في نطاق قدرات معظم أطفال الخامسة، ويجدون صعوبة كبيرة في رسم المربع "وهو مرسوم على شكل معين". وثمة خطأ شائع وهو رسم المعين في وضع رأسي؛ فيقوم الطفل بإدارته. وأحيانًا يؤدي الطفل ذلك بإدارة بطاقة المثير أو إدارة الورقة؛ والسلوك يذكرنا بحمامات بيل Beale's Pigeons حيث يتم التدريب على إدارة الزوايا المائلة حتى يستطيع الطفل بين تمييزها. وقد ابتكر كوبيتز Koppitz "١٩٦٤" عملية تسجيل نقط تأخذ في الاعتبار موضوعات مثل الإدارة "تدوير"، وعدم القدرة على تشكيل زواياه، وعدم القدرة على تأدية أنماط سلوكية أخرى تتصل بكل من مواد الإثارة. وقدمت أيرس Ayres "١٩٧٢" افتراضًا هامًا يؤكد عمليات المداخل Vestibular Processes، أي العمليات المختصة بالقدرة على اكتشاف الحركة واستخدام الارتباطات بين الوارد الحسي والحركات الجسمية. وقد طور هذا الافتراض بدرجة كبيرة وعززه بالمستندات. ومن بين الاستدلالات التي نتجت عن هذا العمل، ومن افتراضات عصبية أخرى مشابهة تتضمن: المهارات الحركية للأطفال في مرحلة السن من ٥-٨ سنوات. وبالتحديد فإن للطفل يبدي نمائية مميزة في الخط "الكتابة"، والقدرة على ركوب الدراجة، وبصفة عامة في تآزر حركات الجسم المعقدة وتحويلها إلى أنماط فعل سلسة. ولنأخذ مثلًا آخر في هذا المجال: إذا سألت طفلًا في الرابعة أو الخامسة من عمره أن يقفز على قدم واحدة،

стр. 606

فإنه عادة يجد صعوبة كبيرة في إنجاز ما يعتبر عملًا بسيطًا. وأحيانًا لا يستطيع أداء هذا الواجب بالمرة، وإن كان كثير من الأطفال يستطيعون أداءه بمهارة على كلا القدمين اليمنى واليسرى. وبالنسبة للأطفال الأكبر، فإن هذه المهمة تعتبر بالطبع أسهل كثيرًا، ولكننا نلاحظ الآن عدم تناظر جانبي، أن معظم الأطفال يستطيعون القفز بخفة عظيمة على القدم اليمنى، ولكن بدرجة أقل بكثير على اليسرى. ويحتاج الأمر لمزيد من الوقت لكي يتمكنوا من التكيف مع هذه اللاتناظرية الجديدة، ولكنهم ينجحون في النهاية. ويجب أن نلاحظ أن الواجبات "المهام" القليلة التي وصفناها تتعلق بالنمو العصبي والعضلي العصبي. وتتوقف صحة تشخيصاتها، جزئيًا على سن الأطفال الذين يجري عليهم الاختبار. مثال ذلك أن اختيار بندر جشطلت لا تكاد تكون له قيمة تشخيصية مع الأطفال في سن العاشرة، ذلك لأنهم جميعًا يستطيعون أداء هذا الواجب، أي لا توجد تنوعية. وبصفة عامة: فإن لهذه الواجبات قيمة قصوى عندما يكون السلوك متوقعًا أن يظهر أولا. وبالنسبة لواجبات "مهام كيفارت" Kephart وواجبات الرسم، والنقل "إعادة الإنتاج" فإن العمر يكون من ٥-٩ سنوات. وكثير من هذا الواجبات تكون جزءًا مما يعرف بواجبات الاستعداد للقراءة وهي التي تستخدم كثيرًا في المدارس: ونعود ونكرر القول بأنه ما من واجب واحد أو طريقة واحدة تخلو من الخطأ. من ثم فإن الكثير من الواجبات هو الذي يجب أجراؤه.

стр. 607

العوامل المؤثرة في النمو الحركي: يعد السلوك الحركي حصيلة للعوامل الوراثية والجسمية والبيئية التي تؤثر في الطفل ويمكن حصر العوامل المؤثرة في النمو الحركي للطفل فيما يلي: ١- الحالة الصحية والفسيولوجية: ويقصد بها التاريخ الصحي للطفل ومقدار الرعاية الصحية المتاحة، والعيوب الجسمية، والإصابة بالأمراض "إن وجدت"، وظروف الولادة، واتزان إفرازات الغدد، ومدى سلامة الأجهزة العصبية والهضمية والدورية.. وما إلى ذلك.

стр. 608

ويوجد ارتباط بين حالة الطفل الجسمية وصحته العامة من ناحية ونموه الحركي من ناحية أخرى: فالأطفال الذين يستمتعون بصحة جيدة يبكرون في نموهم الحركي عن الأطفال الذين في مثل سنهم ولكنهم يعانون من ضعف في الصحة بسب الأمراض وسوء التغذية إلى غير ذلك.. أما الأمراض الخطيرة والعمليات الجراحية وسوء التغذية ونقص الفيتامينات والكالسيوم والفسفور الذي يسبب الكساح فإنه يؤثر على نمو المهارات الحركية: كالقبض على الأشياء والجلوس والوقوف والمشي ... كما يلاحظ أي نقص أو اضطراب في الحواس خاصة حاسة البصر سوف يؤخر النمو الحركي للطفل. فالطفل الكفيف بسبب عدم تعرضه للاستثارة الكافية لخوف الوالدين عليه فإنه يكون خجولًا متهيبًا السلوك الحركي. ٢- الذكاء: توجد علاقة طردية بين الذكاء والنمو الحركي خاصة في السنوات الأولى من حياة الطفل، ومن هنا كانت كثرة البنود العملية في اختبارات الذكاء وخاصة في الاختبارات الخاصة بالسنوات الأولى حتى الخامسة، ولذا كان الموهوبون والمتفوقون في الذكاء أكثر نشاطًا وحركة وتفوقًا في الأداء الحركي والمهارات الحركية، كما وجد أن الأطفال الذين يتأخرون في عمليات النمو المختلفة مثل الجلوس والوقوف والمشي متأخرون أيضًا في عطائهم الذهني. ٣- التدريب والتعلم: يلعب التعلم والتدريب دورًا كبيرًا في النمو الحركي في الطفولة، حيث يساعد على اكتساب الأطفال الدقة والاتزان في أداء المهارات الحركية.. فلا يفيد في اكتساب المهارات الحركية مجرد ملاحظتها أو التعرف على الحركات المطلوبة لأدائها معرفة نظرية، بل لا بد من ممارستها والتدريب عليها حتى يتحقق تعلمها.. فالطفل يحتاج إلى التدريب والتعلم ليتمكن من ركوب الدراجة بنفسه وممارسة عملية الإمساك بها وتوجيهها بالأيدي ودفع العجلات وتحريكها بالأرجل وغير ذلك من الحركات الضرورية قبل أن يتحكم في ركوب الدراجة. ٤- النضج: يقصد بالنضج وجود أنماط سلوكية تحدث نتيجة عملية نمو داخلية لا علاقة

стр. 609

لها بالتدريب أو أي عامل خارجي آخر إذ يرى جيزل Gesell أن الجهاز العصبي ينمو وفقًا لخصائصه الذاتية، ومن ثم تنشأ عنه أنماطًا أولية من السلوك تحددها عوامل الإثارة في العالم الخارجي وليس للخبرة علاقة خاصة بها. وعلى هذا: فكلما كان الطفل على درجة من النضج احتاج إلى قدر أقل من التدريب للوصول إلى درجة معينة من الفاعلية أو الكفاءة في أداء المهارات الحركية ويلاحظ أن تعليم الطفل المهارات التي تتطلب تآزر العضلات الصغيرة الدقيقة قبل أن تنضج العضلات الكبرى لديه يؤثر عادة على اكتساب المهارة: فتعلم الكتابة يعتمد على نضج وتآزر العضلات الكبرى قبل التفصيلية، لذلك كان تعلم الكتابة قبل السيطرة على العضلات الكبرى قد يفقد الطفل الثقة في نفسه، ويؤثر اكتساب المهارات اللازمة لذلك ومن ثم كان لزامًا أن نهيئ الفرص للطفل للشخبطة والتلوين حتى ينضج لديه التوافق بين وظيفة الإبصار وحركات الأصابع. ٥- المثيرات البيئية: وإذا كان النضج عملية داخلية ترجع إلى التركيب العضوي للطفل إلا أنه متوقع تحت شروط البيئة والعوامل الخارجية، حيث يتوقع من الطفل -إذا توافرت هذه الشروط الخارجية- أن يتبع خطأ معينًا من النمو الحركي، ويصل إلى مستويات معينة خلال هذا النمو. وعلى هذا: تلعب المثيرات البيئية دورًا فاعلًا في التأثير في السلوك الحركي للأطفال وفي تحديد المستوى الذي يمكن أن يبلغه الطفل في نموه الحركي.. ففي دراسة قامت بها دينيس Denes حول العوامل التي تعجل وتؤخر النمو الحركي عند الأطفال لاحظت أن الأطفال الذين تأخروا في النمو الحركي لم ينالوا الرعاية المناسبة ولم يتعرضوا للمثيرات التي تيسر النمو الحركي، فلم يساعدهم أحد على أداء المهارات الحركية، ولم يزودهم أحد بأية تغذية راجعة هادفة ... أما الأطفال الذين لقوا عناية مناسبة، وكان المشرفون يقدمون لهم العون المناسب في الوقت المناسب قد تمكنوا من إتقان المهارات في وقت أقصر وبصورة أفضل مما جعل "دينيس" ترجع التأخر في تعلم المهارات الحركية إلى عدم توافر الفرص المناسبة لتعلمها، كما دعاها إلى تحذير المربين من الاقتصار على عامل النضج كعامل وحيد في النمو الحركي وشددت على ضرورة الاهتمام

стр. 610

بالعوامل البيئية في عملية تطوير السلوك الحركي للأطفال، وانتهت إلى أن الأطفال الذين لم يتعرضوا لبيئة غنية بالخبرات البصرية وغيرها من المثيرات الحية الممتعة لم يتمكنوا من النهوض والحركة بالمقارنة مع غيرهم من الأطفال الذين توافرت لديهم البيئة المادية المناسبة. ٦- المعاملة الوالدية: كثيرًا ما يفضل الآباء والمربون الأطفال الهادئين الذين لا يقومون بأية حركات تزعجهم وتعكر صفو جلستهم وتعليماتهم، ويلجأ البعض إلى فرض القيود على حركات الأطفال فيحولون بين هؤلاء وبين التعبير الحر عما في داخلهم من نشاط وحيوية، ومما لا شك فيه: أن مثل هذه المواقف من النشاط الحركي للأطفال لا يعود بالخير على الأطفال أنفسهم بل على العكس من ذلك: فقد تؤدي مثل هذه الاتجاهات إلى كبت الأطفال وإحباطهم، ومن ثم إعاقة نموهم وتطورهم الحركي وسيكون لهذه الإعاقة انعكاسات سلبية على فرص النمو في الجوانب الأخرى ولا سيما الجوانب الاجتماعية والعقلية. ومن ثم: فإنه ينبغي على الأباء توفير عوامل الإثارة والحفز والتشجيع المادي والمعنوي للطفل قبل وفي أثناء وبعد ممارسة ألوان السلوك الحركي المختلفة، بدلًا من كبح السلوك الحركي للطفل. ٧- الحالة الانفعالية للطفل: ومن العوامل الأخرى التي تؤثر على النمو الحركي شخصية الطفل وحالته الانفعالية: - فحياء الطفل الزائد يقضي على روح الإقدام. - والطفل المضطرب نفسيًا دائم التردد في القيام بعمليات فيها تجديد ويهاب التجريب عادة. - أما عدوان الطفل واندفاعه فيؤثر على اكتساب الدقة والرشاقة والاتزان في العمليات التي يقوم بها.

стр. 611

دور الوالدين والمربين في رعاية النمو الحركي: على الوالدين والمربيين يقع العبء الأكبر في رعاية النشاط الحركي للأطفال في هذه المرحلة النمائية الهامة ولذلك يجب: - توفير البيئة المادية والنفسية الصالحة التي تساير مستويات نضج الطفل وتحفزه على النمو والتقدم دون عوائق وإحباطات. - توفير التوجيه والتغذية الراجعة البناءة، وتوضيح أهداف المهارات الحركية التي يرغب الوالدان أن يكتسبها الطفل ويؤديها فيبعثان فيه الرغبة والنشاط. - توفير قدر مناسب من الحرية في ممارسة المهارات المستهدفة فلا يتدخل الآباء في كل صغيرة وكبيرة، وعندما يخطئ الطفل في أداء بعض المهارات الحركية عليهم إرشاده إلى الأسلوب الصحيح دون سخرية أو عقاب، ومتابعة تقدمه إلى أن يبلغ مستوى الإتقان المنشود. - أما من حيث مكونات البيئة المادية: فيجدر أن تتوافر للطفل العناصر المادية من أدوات مناسبة وأجهزة تتيح له التفاعل مع البيئة واكتساب المهارات الحركية التي تعين الطفل على التكيف والنمو اجتماعيًا ومعرفيًا فالطفل الذي يحيا في بيئة مادية قاحلة يتخلف في نموه الحركي. وتطبيقًا لهذه المبادئ في رياض الأطفال: فإنه نظرًا لأن حاجة الطفل إلى الحركة قوية وماسة في هذه المرحلة العمرية كان من الضروري: - عند وضع برامج رياض الأطفال مراعاة إشباع حاجة الطفل إلى الحركة عن طريق أوجه النشاط المدرسي الذي يتطلب من الطفل القيام بنشاط حركي.. كذلك يجب مراعاة تبادل فترات طويلة من اللعب والنشاط الحركي مع فترات قصيرة من الأعمال التي تتطلب السكون والهدوء مثل: الاستماع إلى القصص واللعب بالصلصال، وتأمل الصور، والمحادثة، والقص واللصق ... إلخ. حتى يستطيع الطفل توجيه أكبر قدر من طاقته في مسالك نافعة بناءة.. - واستنادًا إلى المبدأ السابق: ينبغي أن تزود رياض الأطفال بالأدوات والأجهزة التي تعطي لهؤلاء الأطفال فرصة للتعبير عن نشاطهم الزائد الذي يساعد على

стр. 612

استعمال أجزاء الجسم المختلفة كما يساعد على اكتساب المهارات ومن أمثلة هذه الأدوات: الأراجيح على اختلاف أنواعها، وأحواض الرمل، وأجهزة التسلق، والأطواق، والكور مختلفة الأحجام، كما ينبغي أيضًا إمداد رياض الأطفال بالأدوات التي تمهد للسيطرة على العضلات التفصيلية "الدقيقة" مثل: الخرز كبير الحجم، والصلصال، وأدوات الرسم المختلفة، والسبورة والطباشير..إلخ. - ولما كان اكتساب المهارات الحركية يتم عن طريق التعلم؛ لذلك كان للتمرين والتدريب أهمية كبرى، ويجب توجيه التدريب حتى يكون له تأثيره الفعال صحيح أن الطفل قد يستطيع اكتساب بعض المهارات الحركية عن طريق المحاولة والخطأ إلا أن هذه الطريقة فيها إهدار لنشاطه أو ضياع للوقت، كما أن الطفل لا يحصل على نتائج مرضية. لذلك: كان التدريب الموجه يشعره بالثقة والرغبة في استمرار وتعلم المهارات الحركية واكتساب سلوك حركي سوي.. فعلى مربية الروضة: توقيت التدريب فيتناسب مع درجة النمو التي وصل إليها الطفل حتى يحصل على تقدم واضح في قدرته الحركية.. كما أن عليها أن تزود الطفل بالمعايير التي تساعده على معرفة مدى التقدم الذي يحرزه في تعلم المهارة الحركية المستهدفة حتى تسهم في تحقيق تعلم فعال، وحتى يعرف الطفل مستوى الأداء الذي يتوقع أن يصل إليه من خلال التغذية الراجعة الداخلية التي تساعد على التقدم والوصول إلى مستوى الأداء المنشود. - وبجانب إمداد الأطفال بالأدوات اللازمة للتمرين، وتوجيههم أثناء التدريب والتمرين ومعاونتهم على مواجهة الصعاب التي قد تظهر أثناء التدريب: ينبغي أن يحصل الأطفال على التشجيع من المربين إذ أن التشجيع عامل هام بالنسبة لهؤلاء الأطفال الذين يشعرون دائمًا بالإجهاد في محاولتهم لاكتساب السيطرة الدقيقة على حركاتهم. - كما يجب أن تكثر رياض الأطفال من حصص الألعاب الإيقاعية إذ أنها تزيد من درجة التوافق الحسي، الحركي عند الطفل، فضلًا عن اكتسابه رشاقة وخفة في الحركة، وأن طفل الروضة ليجد متعة كبرى في أي نشاط يجمع بين تأديه الألحان الموسيقية والحركات الإيقاعية.

стр. 613

خلاصة: إن ظاهرة الأنماط النمائية تبدو واضحة منذ بداية الحمل تقريبًا وتشكل التكوينات وتصبح متداخلة في أجهزة وظيفية. ولكل جهاز توقيتاته الخاصة، ولكن عند الشهر السابع تصبح هذه الأجهزة على درجة من النمو تكفي للإبقاء على الحياة خارج الرحم، وعلى الأقل بمساعدة بعض المعاونات الصناعية. ومن أهم سمات فترة ما قبل الميلاد السرعة التي يحدث بها النمو. ويستمر النمو سريعًا جدًا بعد الولادة، وخاصة حينما يختص بالطول والوزن وأنماط السلوك الفطري، مثل الانعكاسات الكفية والإخمصية، والقبض بالسبابة والإبهام، والتتابعات النمائية التي تؤدي إلى المشي، تكون قد ظهرت. وتدل الدراسات الأبحاث التي استخدمت التوائم المتطابقة على أن التدريب لا يعمل على تسارع التغيرات في أنماط السلوك الفطري، وهذه الدراسات لا تعني أنه ليس للبيئة أثر، أو أن أثرها ضئيل، على النمو. وثمة دراسات أخرى استخدمت معالجة الحرمان من الآثارة، دللت على أن النمو الطبيعي يحتاج لإثارة بيئية. ومن أهم مظاهر النمو التي نوقشت في هذا الفصل، النمطية القانونية للنمو الإنساني. وقد أوضحنا ذلك بمعيار ظاهرة "اللحاق" التي تلاحظ في النمو الجسمي، وبمعيار تشابك الأنماط الحركية. وظاهرة اللحاق تتضمن تسارعًا في النمو يتبع فترة من التباطؤ في النمو ناجمة عن مرض. وبمجرد أن يبلغ الطفل طوله ووزنه الطبيعي، ويعود معدل النمو إلى طبيعته. إن تشابك الأنماط الحركية يبدو واضحًا من فقدان ظاهر لمهارة جسمية، بينما يجري اكتساب مهارات أخرى أكثر أهمية. وهذا النمط من التأخر الكبير الذي تتبعه مهارة فائقة ينتج عن تكامل مهارات جديدة مع المهارات التي تأصلت. إن تشابك الأنماط السلوكية الجديدة والقديمة ظاهرة ذات جوانب نمو متعددة. وقد تكون الحالة هي حالة أن مكونات النمو الجسمية والحركية والإدراكية والمعرفية مرتبطة تمامًا بعضها ببعض.

стр. 614

الفصل الثالث: نمو الإدراك الحسي الإدراك الحسي فطري أم متعلم ... الفصل الثلث: نمو الإدراك الحسي الإدراك الحسي فطري أم متعلم: نبدأ بحث موضوع الإدراك الحسي بقضية سادت الكثير من مناقشات الإدراك ونموه هي: ما إذا كانت العمليات الإدراكية سابقة التحديد فطريًا، أم إنها متعلمة طبقًا لمبادئ سلوكية المثير الاستجابة "S/ R"؟ حتى عهد قريب كان ثمة نموذجان نظريان لنمو السلوك الحسي/ الحركي والإدراك الحسي: الأول: هو ما يمكن أن نسميه استعداد النمو Growth- readiness model الذي اقترن في الماضي بأسماء علماء نفس أمثال ستانلي هول "١٩٢١" وأرنولد جيزل "١٩٢٨" وغيرهما ويقرر -باختصار- أن أنماط نمو منظمة معينة لا بد وأن تظهر قبل أن يستطيع التعليم الإسهام بفاعلية في الارتقاء، وأكبر دليل لهذه النظرية يأتي أساسًا من دراسات نمو الوظائف الجسمية والحركية في الأطفال الصغار، كما أن نتائج الدراسات تفسر بأن التدريب على أداء حركي ما ينبغي له أن ينتظر إلى أن يصبح الصغير مستعدًا بحكم النضج Maturationally ready قبل أن يشرع في نظام التدريب المؤدي إلى البراعة المنشودة. "كمال دسوقي، ١٩٧٩، ٤١٧". ويطلق على هذا النموذج الخلقية أو الاستعداد الفطري الكامن، ويركز على أن الطفل محرك نشط للبيئة. والثاني: هو النموذج المؤيد للتعلم ويشار إليه بالتجريبية، وهو عادة يفترض أن الطفل يتلقى الإثارة الخارجية بسلبية، وتحكمه الأحداث البيئية، ومن ثم: فإن الإدراك الحسي متعلم وفقًا لمبادئ التعلم، ومن ثم تحولت الدفة إلى دراسة تعلم الوليد والطفل في السنة الأولى من العمر الحركات وتعلم الكلام والإحساس والإدراك، ومن ثم: كثرت الاتجاهات النظرية التي تصف الإدراك الحسي والنمو العقلي الإنساني كنظرية التعلم التراكمية Cumulative learning model؛ فالادراكات المركبة تتكون من ارتباطات المبادئ الأبسط التي تكونت بدورها من اقترانات المفاهيم

стр. 615

الكلية Concepts التي تتطلب هي أيضًا سبق تعلم التميزات، وهي بدورها تكتسب على أساس سلاسل واقترانات سبق تعلمها، وبتبسيط أكثر: فإن أحد أطوار النمو الإدراكي يتوقف على ما يعرفه الطفل من قبل، وكم لا يزال يجب عليه أن يتعلم لكي يتحقق هدفًا خاصًا، وليست أطوار النمو مرتبطة بالسن إلا بمعنى كون التعلم يستغرق وقتًا، وهي ليست مقترنة بالتراكيب المنطقية إلا من حيث أن ربط إمكانات سابقة في قابليات جديدة يحمل في باطنه منطقه الفطري الخاص "كمال دسوقي: ١٩٧٩، ٤١٩-٤٢٠". وموقفنا هو أن المبادئ العامة للنمو تميل نحو وجهة النظر الخلقية لأن النمو غير توجيهي ويميل للحدوث في تتابع ثابت نسبيًا، ومن جهة أخرى فإننا لا ننكر أن الأحداث البيئية تعتبر حاسمة، ونحن نوافق على الإدعاء بأن كثيرًا من مظاهر السلوك الإنساني هي نتيجة للتعلم.. والواقع أن هذا الوضع يعيد التمييز الذي رأته ماكجرو Mc-Graw بين الأنشطة الفطرية والأنشطة المكتسبة، حيث أوضحت ببراعة أن الأحداث الخارجية ليست ذات أهمية نسبيًا في الأنشطة الفطرية ولكنها مهمة جدًا في الأنشطة المكتسبة.. ورأينا بصفة عامة هو أن الطفل أو التركيب العضوي محرك نشط للأحداث البيئية، ويبدي أنماطًا نمائية في تحريكه لتلك الأحداث. وقد ذكر هوريتز Horowitz "١٩٧٥ ص٢" هذا الموضوع بوضوح: "لا تكاد توجد اختبارات حاسمة لأحد الموقفين تجاه الآخر.. إنه لمن المعقول جدًا أن ننظر إلى الطفل حديث الولادة كمحرك نشط للبيئة مع تتابع نمائي خاص بالجنس يكمن في ظهور استراتيجيات إجرائية معينة، وفي نفس الوقت ننظر إلى إدراك الطفل في ضوء نوع التحكم في المثيرات البيئية الذي يتمثل في النماذج التقليدية للارتباط.. ومن المحتمل أن يصبح دون الارتباط الشرطي متزايدًا في التعقيد مع تقدم النمو.. والواقع أن بنك المعطيات الخاصة بنمو الأطفال حديثي الولادة قد يصبح قريبًا كافيًا لتكامل جدي بين طريقتي المعالجة مما قد يعود بنا إلى التعقل عند نظرتنا إلى نمو الطفل".

стр. 616

أن بعض الباحثين قد يختلفون مع نتائج هوريتز Horowitz من أنه يمكن تحقيق التكامل بين الوضعين. ومهما يكن من أمره، فإن الطرق المميزة لكل معالجة قد أمدتنا بمعلومات أساسية حول القدرات الحسية والعمليات الإدراكية للطفل حديث الولادة. إن تفهم العمل الذي أنجز حول القدرات الحسية للأطفال حديثي الولادة يحتاج لشيء من المعرفة بالعمليات الأساسية للارتباط التقليدي والفعال. ونحن نفترض أن معظم القراء قد تعرضوا لهذه المبادئ الأساسية في دراستهم التمهيدية لعلم النفس، ولذلك فإن الشرح التالي سوف يكون مختصرًا جدًا ويمكن أن يصلح كتذكرة بالنظريات الأساسية. أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فيجدر بالقارئ أن يرجع إلى كتاب مدخلى للمادة موضوع البحث.

стр. 617

المبادئ الأساسية للارتباط الشرطي والإدراك مدخل ... المبادئ الأساسية للارتباط الشرطي والإدراك: من البيانات المتناهية في البساطة لموقف عالم النفس السلوكي هو أن التغير السلوكي، "التعلم"، ينتج من اشتراك مثير "S" واستجابة "R". والمثير هو تغير في سمة داخلية أو خارجية من سمات التركيب العضوي تعمل على تنشيط مستقبل وكإثارة للاستجابة. والاستجابة هي تغير في السلوك نتيجة للإثارة. والإثارة التي تحدث قبل الاستجابة تعمل ليس فقط كمنشط ولكن لها أيضًا خواص انتباهية وانتقائية وإعلامية. والاستجابات هي الأخرى تولد المثيرات، وهذه المثيرات لها وظائف للثواب والعقاب، فهي تعمل أما على تقوية أو إضعاف الاستجابة السابقة. والمثيرات التي تلي استجابة ويزداد تكرارها تسمى المعززات "المدعمات". والخواص الدقيقة للمثير المعزز "المدعم" موضوع لبعض الجدل. مثال ذلك: فقد رأى ثورنديك Thorndik "١٩٣٣" أن هذا المثير يعتبر ثوابًا، وعرفه بأنه حالة رضاء عن الحال وإنها عندئذ تعمل على "تثبيت" اشتراك أو ارتباط المثير والاستجابة". وطبقًا للنموذج الإدراكي لـ"هل وسبنس Hull & Spence فإن المظهر الحاسم للمثير المعزز "المدعم" وهي خواصه الدافعة المخفضة drivereducing، أي المثير النهائي في التتابع، والذي أسمياه بالمعزز "المدعم" reinforcer، ويجب أن يكون قادرًا على تخفيض دافع معين "الطعام للجوع، الماء

стр. 618

للعطش". والتعريف الأكثر انتشارًا للمعزز هو الذي استخدمه سكينر Skinner، الذي يذكر أن المثير المعزز هو الذي يتفق حدوثه مع استجابة، ويعمل على تقوية هذه الاستجابة. والصعوبة فيما يختص بكل هذه التعاريف لا تهمنا كثيرًا في المناقشة الحالية. ويكفي أن نقول إنه في التصورات الأخرى لتغير السلوك -وخاصة التي لها طابع النمو- ليس من الواضح تمامًا أن التعزيز شرط واجب، ولو أن نوعًا ما من المثيرات المعززة يبدو ضروريًا للشرطية "للتكيف".

стр. 619

الارتباط الشرطي التقليدي "الكلاسيكي ": يوضح الشكل "٢٣" المبادئ الأساسية للارتباط الشرطي التقليدي Classical Conditioning، وهو يبين التجربة التي حازت شهرة واسعة حاليًا والتي قام بها بافلوف Pavalov على كلب. كان مسحوق الطعام هو المثير الذي يولد استجابة إفراز اللعاب عند تقديمه، وبدون أي محاولات سابقة لإيجاد مشاركة مثير/ استجابة "S/ R". ومسحوق الطعام يسمى بالمثير غير الشرطي "UCS". والاستجابة المتولدة من هذا المثير -إفراز اللعاب- تسمى بالاستجابة غير الشرطية "UCR". والمكون الحاسم للارتباط الشرطي التقليدي يتضمن تقديم مثير، كصوت Tone مثلًا، يسمى المثير الشرطي "CS". والمثير غير الشرطي وكذلك المثير الشرطي يعرضان متلائمين "أي متقاربين جدًا في الوقت"؛ والفترة اللازمة لأقصى معدل للارتباط الشرطي هي حوالي ١-٢ ثانية. واستمرار الجمع بين المثير غير الشرطي والمثير الشرطي يؤدي في النهاية إلى الاستجابة "إفراز اللعاب" في غياب المثير غير الشرطي، أي أن إفراز اللعاب يحدث الآن عند تقديم الصوت وحده وهنا يسمى إفراز اللعاب بالاستجابة الشرطية "CR". وقد تسأل أين يوجد المثير المعزز في هذا النوع من الارتباط. الواقع إنه في مرحلة تعلم الارتباط التقليدي فإن المثير المعزز هو المثير غير الشرطي "مسحوق الطعام". والمثير المعزز في حالة الارتباط التقليدي يكون دائمًا موجودًا في أثناء التعلم ولا يحتاج المتعلم لأداء أي فعل لكي يحدث.

стр. 620

ومن أهم سمات الارتباط الشرطي أن المثير غير الشرطي يولد استجابة انعكاسية. وبالنسبة لكلب بافلوف كانت الاستجابة الانعكاسية هي إفراز للعاب، لم تكن هناك حاجة لتعليم الكلب أن يفرز اللعاب عند تقديم مسحوق الطعام. وبدون استجابة انعكاسية، لا يمكن حدوث الارتباط التقليدي. وهناك عدد من الاستجابات الانعكاسية في الأطفال حديثي الولادة تجعل من الممكن عرض الارتباط التقليدي وبالتالي بعض قدرات الطفل الحسية. ويجب أن نلاحظ أن تكوين استجابات مشروطة تقليدية أمر بالغ الصعوبة، حتى مع الحيوانات. وهناك عدد من المتغيرات البيئية "مثل الضوضاء الخارجية" وحالات متغيرة للتركيب العضوي "مثل التعب أو حالة من الإشباع العام" تعمل على صرف الانتباه، وهو ما يعوق العملية.

стр. 621

الارتباط الشرطي الإجرائي: في حالة الارتباط الإجرائي instrumental conditioning، يجب أن يؤدي المفحوص استجابة ملائمة لكي يتم الحصول على المثير المعزز. وبعبارة أخرى فإن الثواب أو التعزيز يتفق ونوع ما من فعل سلوكي إرادي. ولذلك فعندما يريد القائم بالتجربة أن يؤدي فأر انعطافًا إلى اليمين في متاهة حرف T، عليه أن يثيب الفأر "يكافئه" على الانعطاف إلى اليمين ولكنه لا يثيبه على الانعطاف إلى اليسار. وبالنسبة للأطفال، فإن عدد كبير من مواقف الارتباطات الفعالة "الاجرائية" قد استخدمت. فعلى سبيل المثال، قد نرغب في جعل الطفل يتعلم الضغط على زرار مثلث الشكل بدلا من زرار مربع الشكل، فإن كل حركات الضغط على الزرار

стр. 622

المثلث الشكل تؤدي إلى مثير معزز "تستخدم الحلوى كثيرًا في هذه التجربة"، ولكن الطفل لا يحصل على أي تعزيز إذا ضغط على الزرار المربع الشكل. ومن ثم فإن الطفل يتعلم الارتباط الموجود بين المثير، "الزرار المثلث الشكل"، والاستجابة "بالضغط على هذا الزرار". وبالطبع فإن مبادئ الارتباط الفعال ليست بالسهولة التي وصفناها هنا. لقد توسعت نظريات عديدة في صدد المبادئ الأساسية، وهي الآن تضم عددًا من المتغيرات التي تؤثر على سرعة "معدل" التعلم. وكثيرًا ما تجري معادلة الارتباط الفعال مع الارتباط الإجرائي Operant conditioning، وهو اصطلاح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمؤلفات سكينر Skinner. ومن طرق الارتباط الفعال في دراسة القدرة الحسية للأطفال حديثي الولادة، استخدام التجارب التمييزية. وسوف نتوسع في الفصل الرابع والخامس في نموذج الارتباط الفعال ليشمل التعلم الإدراكي على مستوى أعلى، ونستكشف كيف يرتبط هذا النموذج الأساسي للتعلم بنمو اللغة والنمو الانفعالي.

стр. 623

الاهتمام الإدراكي مدخل ... الاهتمام الإدراكي: Perceptual attending: سوف نطلق اصطلاح "طريقة الاهتمام الإدراكي" على معالجة أخرى عامة استخدمت على نطاق واسع لدراسة القدرات الحسية للأطفال الصغار. وتتبع هذه الطريقة من الوضع الخلقي بأن للتركيب العضوي ميل فطري للفحص، أو يهتم بالمثيرات الفريدة في البيئة. وتقاس القدرة الحسية بتحديد ما إذا كان الطفل حديث الولادة يستطيع أن يكتشف التغيرات في خواص المثير عن طريق "الاهتمام" بمثير آخر أدخل عليه تعديل طفيف. وقد استخدمت هذه الطريقة لدراسة الإرهاف الحسي Sensory acuity كما كانت هي الطريقة المفضلة لدراسة خواص المثيرات التي يستجيب لها الأطفال. وعلى ذلك فإن آثار هذه الطريقة تتعدى التوصل لمعلومات حول الإرهاف الحسي. وبالنسبة لأهميتها فسوف نتفحص أهم خواص الاهتمام الإدراكي وبعض السمات الأساسية للطرق التي تستخدمه. - الانعكاس التوجيهي: الانعكاس التوجيهي The orienting reflex هو استجابة غير متعلمة، يقوم فيها الطفل الصغير بتركيز كل انتباهه على المثير "Pavlov, ١٩٢٧". فإذا استطاع أن يميز مثيرًا "بصريًا أو سمعيًا أو تذوقيًّا أو ما شابه". وإذا كان في حالة تسمح

стр. 624

بحدوث مزودات المثير Stimulus input، وأخيرًا إذا كانت خواص المثير جبرية، فإن الطفل في هذه الحالة سوف يبدي أنماطًا سلوكية تشمل الانعكاس التوجيهي. وليس ما يدعو للدهشة أن كثير من المؤشرات السلوكية على الانعكاس تتحدد باستجابات جسمية لا إرادية. ومن بين هذه الاستجابات التي درست دراسة وافية معدل نبضات القلب. فمثلًا، عندما يكون الشخص في حالة توجيه، فإن نبضات قلبه تبطئ "Steinschneider, ١٩٦٧". وبالعكس، فإن عرض بعض المثيرات، وخاصة المثيرات الشديدة، يحدث تسارع في نبضات القلب، ومن المظاهر الجسمية الأخرى للانعكاس التوجيهي الانخفاض العام في النشاط الحركي، واتساع العين، وتغيرات في الاستجابة الجلفانية للبشرة Skin galvanic response "التوصيل الكهربي للجلد". وثمة مؤشر آخر على الانعكاس التوجيهي هو تقليل لا إرادي ملحوظ في سلوك المص عند تواجد مثير. ومع أن جدلًا أثير حول ما إذا كان المص يعتبر انعكاسًا حقيقيًا أو هو سلوك متعلم، فإن أغلب الأطفال حديثي الولادة يؤدون ما يبدو أنه سلوك مص انعكاسي.

стр. 625

وبعد تحديد معدل قاعدي للمص "المعدلات الفردية للمص باستخدام مهدئ خاص سيأتي وصفه"، ونستطيع أن نحدد ما إذا كان معدل المص يقل عند تقديم المثير. فإذا انخفض معدل المص، فإنه يفترض حدوث سلوك اهتمامي. ولتحديد أن المثير قد سبب الانخفاض في معدل المص، فإننا نزيل المثير ونراقب ما إذا كان معدل المص يعود إلى الطبيعي. وهناك طريقة أخرى وهي تقديم المثير لمدة طويلة ونرى، ما إذا كانت استجابة المص تعود إلى الطبيعي. والانعكاس التوجيهي يشبه السلوك الذي يشار إليه أيضًا باسم "السلوك اليقظ" وفيه يجري قياس مدة فحص المثير. ولعل أبسط ما يميز بين المصطلحين هو أن الانعكاس التوجيهي يمثل أساسًا المظاهر الجسمية للتيقظ "الانتباه"، وفي حين أن السلوك الاهتمامي يمثل أساسًا مظاهر نفسية.

стр. 626

التعود: Habituation: إذا كان الأطفال الصغار يهتمون باستمرار بكل المثيرات الجديدة أو شبه الجديدة في بيئتهم، فإنهم لا يستطيعون الأداء الوظيفي لأن سلوكهم يظل منصبًا على التوجيه نحو أي مثير موجود في البيئة. وهذا لا يحدث؛ مع التعرض المتكرر لمثير معين نجد أن أطفال التجربة يقل اهتمامهم واتجاههم شيئًا فشيئًا نحو هذا المثير. وتعرف هذه العملية باسم التعود. وكما يستخدم هذا المصطلح هنا، فإننا لن ننظر إلى التعود كموضوع تكيف أثاري، يتوقف فيه الطفل عن الاهتمام بالمثير بسبب الملل أو التعب. والتعود يعني أن الطفل قد كون مفهومًا أو تصورًا لموضوع الإثارة المعين لقد أصبح مألوفًا لديه "Soklov, ١٩٦٣". ولتعود الانعكاس التوجيهي سمات نمائية: ففي مرحلة الطفولة المبكرة، تحدث الانعكاسات التوجيهية أكثر وتستمر مدة أطول قبل أن يثبت التعود، ذلك لأن الكثير جدًا من ملامح البيئة جديد على الطفل. ومع نضج الطفل، فإن تكوينات المثيرات الأكثر شيوعًا في عالم الطفل تصبح راسخة. ومع النضج، تحدث الاستجابات التوجيهية بمعدل أقل ويصبح التعود على مثيرات واسعة أكثر سرعة. وعلى ذلك فمن خلال السلوك التوجيهي يتعلم الطفل عن البيئة بتفحصها وتكوين

стр. 627

التصورات عنها. ويبدو أن عملية تحديد الأبعاد الهامة للعالم هي مسألة تعلم لأن الأطفال يجري تعزيزهم تفاضليًا عندما يستجيبون للمثيرات الملائمة أكثر من المثيرات غير الملائمة لأبعاد المثير. وقد قدم ويندل جفري Wendell Jeffery "١٩٦٨" مفهومًا أكثر تفصيلًا للتعود كما يحدث في النمو الإدراكي والمعرفي، وأسماه "افتراض التعود المسلسل" Serial habituation thesis وهو يرى أن التعود جوهري للنمو التكويني المستمر وحل المشاكل الناتجة عنه. إن الطفل عندما يتعود على أكثر الإشارات جاذبية، فإنه بعد ذلك يبدي انعكاسات توجيهية نحو إشارات أقل ظهورًا. ومع تكرار المثير، يتكون لدى الطفل متوالية مستمرة ومنتظمة من الاستجابات الاهتمامية للمثير. وأخيرًا، فإن هذا التتابع السلوكي يتوقف، ويهتم الطفل فقط بأكثر السمات ظهورًا. ويقول جفري Jeffery "١٩٦٨، ص٣٢٥" "إن تكامل نمط من الاستجابات الاهتمامية، وتوقف استمرار هذا النمط مع استجابات أو أنماط اهتمامية أخرى هما اللذان يحددان تصور شيء أو ما سوف نسميه بصفة عامة "الموجز الشكلي Schema"، وعلى ذلك فإن اكتساب المعرفة بالعالم يتضمن تتابعًا من الاهتمام والتعود وتطوير الاحتمالات حول أي سمات المثير أكثر احتمالًا للمساعدة في تحديد الشيء.

стр. 628

طرق دراسة الانعكاس التوجيهي والتعود: هناك طريقتان أساسيتان لدراسة الانعكاس التوجيهي والتعود: الأولى: يعرض مثير واحد، ويسجل زمن التثبيت على محاولات متتابعة. الثانية: يعرض مثيرين، ويسجل زمن التثبيت لكل مثير، وتجري المقارنات بعد ذلك. وثمة تنويع في هاتين الطريقتين يتضمن عرض مثير واحد "مثل صوت" يتوقف أو يتكرر إلى أن يحدث التعود "حيث يكف المفحوص عن إظهار استجابة توجيهية". وهنا يعرض مثير ثانٍ يختلف في شدته أو نغمته أو في سمة أخرى من سماته، فإذا تمكن الطفل من اكتشاف التغير، فإنه يعود لإظهار الاستجابة الاهتمامية.

стр. 629

القدرة الحسية المبكرة القدرة البصرية ... القدرة الحسية المبكرة: إن الطرق التي وصفناها تفيد في دراسة الطاقة الحسية، لأنه من الواضح أن الأطفال الصغار لا يستطيعون تقديم استجابات لفظية ذات معنى عن خبراتهم الحسية. ولذلك فإن استنتاجاتنا حول المقدرة الحسية تستند إلى الاستدلالات المأخوذة من تجارب مصممة بعناية ومن النوع الذي وصفناه. ١- القدرة البصرية Visual Capability: تدل عدة دراسات نشرت منذ بضع سنوات واستخدمت فيها وسائل فنية بدائية نسبيًا، تدل على أن الوليد حساس لبعض أنواع الإثارة البصرية. وقد استخدم في هذه الدراسات مصباح كهربي لعرض مثير ضوئي على الأطفال حديثي الولادة. وقد استجاب أربعة وعشرون طفلًا لهذا المثير -استجابة للضوء بإنسان العين أو بالطرف- في نحو ٩٥% في الوقت. وكما كان متوقعًا فإن استجابة الوليد للضوء مؤكدة الحدوث، وبقوة أشد، إذا كان الضوء قويًا. ولسوء الحظ فليس لدينا برهان محقق يصف بدقة حدة البصر لدى الوليد أكثر من انعكاسات إنسان العين استجابة للإثارة الضوئية. غير أن بعض الأبحاث تساعدنا على وضع تقديرات معقولة لحدة البصر لدى صغار الأطفال وهي حوالي ١٠/ ٣٠ في نمو الشهر ٢١، وهي تبين تحسنًا ظاهرًا في حوالي الشهر ٤٠-٤٥ في الوقت الذي ذكرت فيه تقديرات سنلين Snellen ratings أنها ١٠/ ١٠. ومعظم الأبحاث حول القدرة البصرية للأطفال دون سن ١٢ شهرًا قد تضمنت التمييز في الشكل واللون. أن التمييز البصري لدى الأطفال الصغار يمكن تحديده. وإن كان ذلك صعبًا، بالمقارنة بالأطفال الأكبر سنًا. والشكل "٢٥" يبين الترتيبات المادية لتجربة تمييز الألوان التي أجراها ليبست Lipsitt "١٩٦٣". فقد كان أطفال التجربة من سن ٨ شهور، وكان المثير المعزز لدفع اللوح الصحيح هو صوت جرس. كان التعزيز لنصف عدد الأطفال يهدف لاختيار المثير الأحمر، والنصف الآخر لاختيار المثير الأخضر. لاحظ في الشكل أن الطفل أمامه ثلاثة ألواح للاختيار منها ولو أن التمييز كان ينصب على لونين فقط. هذا والبحث مع

стр. 630

والألوان تبدو في نوافذ الألواح. والضغط على اللوح الصحيح يولد صوت جرس. الأطفال الصغار يتطلب ترتيبات خاصة ليتجنب قيامهم بأفعال قد تحدث لبسًا في نتائج التجربة. فمثلًا، إذا استخدمنا لوحين فقط، فإن الأطفال عادة يضغطون على اللوحين في وقت واحد وبذلك يضمنون معززًا. أما استخدام ثلاثة ألواح فإن الضغط على اللوح الأوسط لا يؤدي أبدًا إلى إيجاد معزز. علاوة على ذلك فإنه إذا حصل الضغط على لوحين في وقت واحد. فإنه لا يتولد المعزز. والشكل "٢٦" يبين نتائج الدراسة وهي تدل على الأطفال الصغار يستطيعون التمييز بين الأحمر والأخضر، ويستطيعون أيضًا تعلم الربط بين المثير واستجابة معينة. ونتائج تجربة الألوان. وتجارب مشابهة على الشكل تبين أن الجهاز البصري للأطفال دون سن ١٢ شهرًا نام بدرجة كافية تسمح بتمييز الألوان والأشكال تمييزًا مناسبًا. وهذه المعطيات بالمصادفة تدل أيضًا على أن الأطفال في تلك السن قادرون على درجة أولية من التعلم الارتباطي. ومن المهم أن نلاحظ أن أبعاد اللون والشكل يجري تعلمها بسهولة أكثر من الأبعاد الأخرى مثل الحجم أو العدد، أن ما يفضله الأطفال من

стр. 631

المثيرات يرتبط مع عمرهم الزمني. والأطفال ينتقلون من تفضيل الشكل إلى تفضيل اللون فيما بين الثالثة والرابعة من العمر ثم يعودون إلى تفصيل الشكل. والقليل نسبيًا من الدراسات هي التي فحصت موضوع تفضيل الحجم والعدد. وثمة أدلة اكتشفها سميلي Smiley "١٩٧٢" تدل على أن الأطفال الأكبر سنًا وطلبة الكليات يفضلون الشكل. ويقترح جفري Jeffrey في كتابه السابق الإشارة إليه أن عمليات التفضيل تتكون كدالة على فائدتها في تمييز الأشياء. والثاني يستقبل تعزيزيًا للاستجابة لأي من اللونين الأخضر أو الأحمر تبعًا لكونه اللون الغريب الموجود. وإذا عدنا إلى مسألة التمييز بين الألوان، لنا أن نسأل متى يحدث هذا التمييز. أن تجربة ليبست Lepsitt تدل على أن الأطفال الصغار يمكنهم التمييز بين الألوان في سن ٨ شهور، ولكن أدلة أخرى تفيد أنهم يستطيعون ذلك قبل ذلك السن "Haith & Campos, ١٩٧٧". وفي تجربة أجراها شاس Chase "١٩٣٧" استطاع أطفال فيما بين ١٥ و٧٠ يومًا أن يميزوا، دون خطأ، الازدواج التالية من الألوان الأحمر/ الأخضر، الأحمر/ الأصفر، الأصفر/ الأخضر، والأحمر/ الأخضر المزرق، والأخضر المصفر/ والأخضر المزرق. وقد راعى صاحب التجربة، أن يكون التمييز لا كنتيجة لفروق اللمعان ولكن للون المثير.

стр. 632

ولذلك يبدو أن الأطفال حديثي الولادة لديهم على الأقل حدة بصر بدائية ويستطيعون تمييز الألوان. والدليل يشير إلى أن حدة البصر تتحسن بسرعة لدرجة أن الأطفال حديثي الولادة يستطيعون أداء عدد من الأنشطة البصرية المتقدمة، بما في ذلك التثبيت البصري، سلوك المتابعة، تمييز الألوان وتمييز الأشكال. كما أنه من الواضح أن هذه الاستجابات ليست ملائمة تمامًا في مبدأ الأمر ولكنها تتحسن بسرعة لدرجة أنه في سن من ٢-٤ أسابيع تصبح الآليات البصرية، بما في ذلك حدة البصر، كافية لكي يدرك الطفل بدقة المثير في البيئة.

стр. 633

٢- القدرة السمعية: Auditory Capability: لقد كان صن ونلسون وبرات Sun, Nelson, Pratt "١٩٣٠" من أوائل الباحثين الذين درسوا المقدرة السمعية لدى الأطفال حديثي الولادة. وقد كانت خطة أبحاثهم شبيهة بتلك التي استخدمت في دراسة الإبصار. فقد استخدموا المثيرات السمعية مختلفة الأنواع وسجلوا حركات الأطفال تبعًا لها. وقد أدت ملاحظاتهم إلى استنتاج أن حدة السمع في الأطفال حديثي الولادة غير متطورة نسبيًا، مع أن وصفهم لم يوضح ما إذا كان ذلك نتيجة لوجود مخاط في القناة السمعية من عدمه. ومهما يكن من أمر، فإن معطياتهم تدل على أنه في خلال ٤٨ ساعة أدى الأطفال أنماط حركية واضحة استجابة لمثيرات سمعية. وقد لاحظ باحثون آخرون أن المثيرات المستخدمة في هذه الدراسات لم تكن معيارية من حيث الشدة أو التردد أو النوع، ولذلك فإنه من الصعب الوصول إلى استنتاجات محددة حول أي الظواهر الصوتية هي المسئولة عن حركة الجسم. وقد استخدم سيكوبلاند وليبست Siqueland & Lipist "١٩٦٦" طرقًا شرطية للتعرف على التمييز السمعي لدى الأطفال الصغار. فاستخدموا مجموعتين من ٨ أطفال، تتراوح أعمارهم من ٤٨-١١٦ ساعة. وفي المجموعة الأولى كان المثير الإيجابي نغمة، في حين أن المثير للمجموعة الثانية كان صوت جرس زنان وقد قرنت هذه المثيرات بإثارة لمسية تولد التفاته عكسية للرأس في اتجاه المثير. والشكل "٢٧" يوضح الجهاز الذي سمح بقياسات دقيقة لمقدار حركة الراس. وتدل

стр. 634

النتائج الموضحة في شكل "٢٨" على أن التمييز السمعي، وبالتالي حدة السمع، يمكن إظهارها في الأيام القليلة الأولى من العمر. إن التفات الرأس المشروط كدلالة على التمييز السمعي جرى توضيحه أيضًا في سلسلة من الدراسات قام بها Papausek "١٩٦٧" كان المثير الشرطي جرسًا قدم لمدة ١٠ ثوان، وكانت كل التفاته من الرأس جهة اليسار بمقدار لا يقل عن ٣٠ درجة في خلال ١٠ ثوانٍ من تقديم الجرس، كانت معززة. وبعد أن تم اكتساب التفاته الرأس إلى اليسار استجابة للجرس أدخل المثير الجرس الزنان. وكان المطلوب الآن من الأطفال أن يؤدوا التفاتة بالرأس إلى اليمين نحو الجرس الزنان. والمعطيات موضحة بالشكل "٢٩".

стр. 635

ويبين شكل "٢٩": أن الأطفال حديثي الولادة قادرون على التمييز السمعي بعد الولادة بقليل. أما الأطفال الأكبر سنًا فقد تعلموا التمييز أسرع. ومعنى ذلك أن الأطفال حديثي الولادة احتاجوا لمحاولات إضافية أكثر من الأطفال في سن شهرين أو أكثر. ويدل هذا الفرق على غموض في نتائج العمل عن حدة السمع، وبالتحديد فإنه ليس واضحًا ما إذا كان التعلم الأسرع للأطفال الأكبر سنًا ناتجًا عن حدة أكثر قوة أو من تحسن شرطي. وبالنسبة للمحاولات الكثيرة لتكييف الأطفال حديثي الولادة، يبدو أكثر احتمالًا أن مقدرة الأطفال حديثي الولادة على التمييز السمعي قد لا تلق التقدير الكافي بسبب المشاكل المنهجية المعقدة في دراسات التكيف. وكمثال: فإن الصعوبات الفعلية في تكيف الطفل حديث الولادة هي في النزوع إلى النوم في وسط التجربة، أو قد يعتريه الغضب ولا يمكن السيطرة عليه. إن أنواع التمييزات التي عرضها بابوسك Papousek يحتمل أن تحدث لدى الأطفال حديثي الولادة. ويجب أن نلاحظ فضلًا عن ذلك، كما في الدراسات السابقة، أن خواص المثير الذي يستجيب له الأطفال حديثوا الولادة لم تحدد بدقة. أن المقدرة السمعية للأطفال حديثي الولادة قد لوحظ أيضًا في دراسة الانعكاس التوجيهي. وقد استخدم برنوشتين وبتروفا Birnoshtein & Petrova "١٩٧٢" عينة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين ساعتين إلى ٨ أيام، وعينة ثانية من أطفال تتراوح أعمارهم بين شهر وخمسة شهور. وأعد جهازًا مهدئًا به أنبوبة من المطاط متصلة بأحد طرفيه، وهذه بدورها متصلة بجهاز تسجيل، واستخدام هذا الجهاز لتسجيل أنماط سلوك المص لدى الطفل حديث الولادة. ولنتذكر أنه في هذه العملية إذا كان الطفل حديث الولادة يهتم بصوت معين، فإن عملية المص تنقطع بسبب انعكاس توجيهي. وبهذا الجهاز نستطيع أن نسجل بداية ونهاية مثير سمعي وفي نفس الوقت تسجل التغيرات المشاركة في معدلات المص. وقد استخدمت مجموعة منوعة من المثيرات بما في ذلك أنابيت الأرغن في مدى ٦٠-٧٠ ديسيبل، وهارمونيكا وصفارة. والواقع أن المثيرات كانت أنغامًا موسيقية، وكلها كانت في مدى من ٦٠ إلى ٧٠ ديسيبل.
следующие страницы →