Полный текст (992 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
إلى أن الأطفال في سن بين الخامسة والثامنة يظهرون مخاوف يصعب مواجهتها بطريقة سليمة. هذا الدليل يشير إلى أن أفضل طريقة لفهم منشأ هذه المخاوف هي جزء طبيعي من عملية الانتقال من الوظيفة غير الناضجة إلى الوظيفة الناضجة ونقبلها على هذا الأساس.. أما فيما يختص بالغضب، فالدلائل تشير إلى أن أعنف ثورات الغضب هي عادة ثورات ترتبط بالطباع، تحدث في الشهر ١٨ الثامن عشر تقريبًا، والغضب الشديد يحدث عادة نتيجة تكرار الطلبات "الأوامر" والنواهي الخارجية. التي تعمل على كبت الفضول وغيره من السلوكيات المحببة. إن النواهي "التحريم" ما تزال ضرورية من أجل سلامة البيئة بطرق تكون أكثر ملاءمة لفضول الطفل في سن ١٨ شهرًا ولقدراته الحركية.
إن الطريقة التي يستجيب بها الوالدان لغضب الطفل يمكن أن تحدد الطريقة التي يستجيب بها الطفل لغضبه. ويكفي أن نقول: إن الوالدين يقدمان النماذج للتعبير عن الغضب.
وأخيرًا نعود إلى مفهوم السمات المزاجية "الخاصة بالطباع". إن الدلائل تشير إلى أن مستوى التنبيه الانفعالي موروث، وأن هذه الحقيقة لها آثار هامة على التفاعل بين الطفل ووالديه. ويذكر الآباء أن الطفل سهل الإثارة يبدي عددًا كبيرًا من السلوكيات المهيجة تشمل ثورات المزاج والخوف. إن أهمية هذه الميول السلوكية التي تبدو كامنة، أوضحها كوكس وبيس، وتوماس كوم Chex Besth Thomas Kom "١٩٦٦" بشكل قوي. لقد تابع هؤلاء الباحثون التوافق الانفعالي لعدد "١٣٥" طفلًا منذ ولادتهم حتى سن "٦" سنوات وإلى حدد أقصى "١٢" سنة. لقد تباين هؤلاء الأطفال في الخواص المزاجية في فترة الطفولة المبكرة. ووجد أن هذا التباين ظل ثابتًا إلى حد ما طوال الفترة التي خضع فيها الأطفال للدراسة. وثمة "معطية" هامة هي أن الآباء ولو أنهم لم يعاملوا الأطفال بطرق مختلفة في مرحلة الطفولة المبكرة. فإنهم اتبعوا سلوكيات مختلفة نحو الأطفال الذين أبدوا صعوبة بعد تلك المرحلة. وعلى ذلك فإن هذه التأثيرات المتفاعلة الواضحة قد تكون لها سوابق في خصائص الطفل التكوينية، ولنتذكر أن الوالدين والطفل يبدأ
стр. 807
تفاعلهم منذ الولادة. ونوعية التفاعلات المبكرة يمكن جدًا أن تكون دلالات على أنماط سلوكية مستأصلة. إن السلوك البناء للوالدين له أهمية كبيرة بالنسبة للأطفال جميعًا. ولكن هذه الأهمية تزداد بالنسبة للأطفال الانفعاليين. إن الخاصة السلوكية للوالدين والتي تظهر في كثير من الدراسات بما في ذلك الحالات الإكلينيكية والتي لها أهمية بالغة في "الثبات" معالجة كل الحالات المتشابهة بطرق متشابهة. إن قراءتنا لما كتب في هذا الصدد، تقترح أن هذه التوصية لها أهمية قصوى بالنسبة للأطفال الذين يتسم تنبههم الانفعالي بسهولة الاستثارة وبالشدة.
стр. 808
السيادة الانفعالية
Emotional dominace:
تتمثل السيادة الانفعالية في سيطرة انفعال معين أو عدد قليل من الانفعالات من بين المجموع الكلي للانفعالات على سلوك الشخص.
وتؤكد هيرلوك "١٩٧٨". وجود ظروف وعوامل هامة تسهم في تكوين السيادة الانفعالية وأهمها:
١- الجو الأسري الذي يسوده التوافق الأسري بين أفراده والتنشئة الاجتماعية السليمة، يؤدي إلى سعادة الأطفال.
٢- الظروف الصحية الجيدة التي تعمل على الانفعالات السارة، وهذا عكس ضعف الصحة الذي يؤدي إلى زيادة الانفعالات غير السارة.
٣- العلاقة مع الأقران لها تأثيرها البالغ في هذا الجانب حيث يشعر الطفل المقبول بين جماعته بانفعالات إيجابية وسارة في حين يشعر الطفل المرفوض بانفعالات غير سارة. "عبد الحميد الهاشمي: ١٩٧٦، ٣٦٨".
مخاطر النمو الانفعالي:
تتمثل مخاطر النمو الانفعالي في عدة جوانب منها، الحرمان الانفعالي والحب الزائد. حيث يشير الحرمان الانفعالي إلى الحرمان من الحب والتعاطف. ولقد أشارت الكثير من الدراسات إلى خطورة الحرمان من الحب والعطف خلال الأشهر والسنوات الأولى من الحياة يؤثر ذلك على النمو العقلي والاجتماعي
стр. 809
والانفعالي والحركي واللغوي والقدرة على التعلم، كما يصبح الطفل المحروم انفعاليًا شخصًا أنانيًا.
كما أن الحب الزائد له أخطاره أيضًا حيث يؤدي إلى عدم قدرة الأطفال على إقامة علاقات تعاطفية مع الآخرين مما يقودهم إلى العزلة ومن ثم يتعرضون للقلق الهامشي.
تأثيرات السيادة الانفعالية على شخصية الطفل:
تؤثر الانفعالات المسيطرة والسائدة في شخصيات الأطفال وتوافقهم الاجتماعي والشخصي بل إنها تحدد ما سيكون عليه المزاج الانفعالي للطفل.
ولقد كانت الفكرة الشائعة بأن الوراثة هي التي تحد المزاج الانفعالي للشخص، إلا أن الأدلة في الوقت الحاضر تشير أنه يتحدد بدرجة كبيرة بواسطة التعلم أي أن التعلم يسهم بدرجة كبيرة في ذلك.
التوازن الانفعالي وأهميته:
في التوازن الانفعالي ينبغي أن تزداد الانفعالات السارة لدى الطفل حتى يستطيع التغلب على الآثار النفسية السلبية الناجحة عن الانفعالات غير السارة، حيث إذا تغلب تجارب الأطفال للعديد من الانفعالات السارة، فإن ذلك يكون لديهم مزاج انفعالي غير سار مما يؤثر على توافقهم.
ولقد أوضحت هيرولك "١٩٧٨" أهمية الضبط الانفعالي حيث أشارت إلى أن المفهوم العلمي للضبط الانفعالي يعني توجيه الطاقة الانفعالية إلى قنوات مفيدة اجتماعيًا، وهذا أمر ضروري للنمو الانفعالي السوي.
خلاصة:
لقد لقيت دراسة النوم الانفعالي قدرًا كبيرًا من التجاهل من قبل علماء النفس إذ كانت المشكلة أساسًا هي إدراك الانفعالات. هل الانفعالات هي استجابات فسيولوجية كامنة إطلاقًا؟ هل السلوكيات الانفعالية تعلم "تكتسب"؟ هل للإجراءات المعرفية دخل في ذلك؟
стр. 810
إن الجواب يبدو بالإيجاب على كل هذه التساؤلات.
إن حالة الضغط الفسيولوجي ليس لها معنى "وجداني" في حد ذاتها.
إن الفرد يحدد حالة الضغط على أساس السياق. أما كيف يتحدد الضغط ويعبر عنه سلوكيًا فإنه يبدو متعلمًا إلى حد كبير، غير أن هناك دراسات بحثية تدل على أن الاستعداد للتيقظ الانفعالي وبعض الاستجابات السلوكية هي عادة محددة. هناك تغيرات نمائية في المثيرات المرتبطة بإثارة الخوف. ومن السمات الهامة لهذه التغيرات هي زيادة الخوف من المجهول "ما وراء الطبيعة" والذي يظهر في حوالي السنة الثالثة من عمر الطفل ويقل بعد سن التاسعة. وتدل هذه المعطيات على أن المخاوف تتأثر بالوظيفة المعرفية. فالتنبيه قد يبدو مخيفًا بالنسبة للطفل العادي في سن ٦ سنوات. ولكنه ليس كذلك بالنسبة لطفل في سن الثانية عشر، وليست كل المخاوف غير العادية أو الحسية تتناقص مع السن، فالخوف من المرتفعات ومن الثعابين أو الأماكن المرتفعة قد يكون قويًا جدًا ويؤثر على الحياة العادية. ومع أنه توجد إجراءات علاجية كثيرة فإن أكثرها نجاحًا يبدو أنه العلاج السلوكي.
стр. 811
الفصل السابع: التفاعل بين الوالدين والطفل
مدخل
...
الفصل السابع: التفاعل بين الوالدين والطفل
مقدمة:
لا شك في أن أهم مؤثر في التنشئة الاجتماعية للطفل هو الأسرة، وخاصة الوالدان. فالطفل في مرحلة طفولته الأولى وقبل دخوله المدرسة يقضي معظم وقته مع والديه، كما أنه يقضي في المنزل وقتًا أكثر مما يقضيه مع أقرانه، ولذلك فإن الاتجاهات والخلفية المنزلية العامة التي يهيئها الوالدان "من الأشياء المستحبة والأشياء غير المستحبة" لها تأثير بالغ على نمو الطفل وتوافقه خلال تلك السنوات المبكرة، وحتى في سنوات الطفولة المتأخرة وفي فترة المراهقة فإن المتطلبات الوالدية العامة وإجراءات تربية الطفل السابقة تضفي قدر أكبر من السيطرة على السلوك النامي للفرد.
أن التأثير القوي والممتد أي طويل المدى للوالدين على نمو الطفل اجتماعيًا وعلى شخصيته يمثل حجر الزاوية الذي لون وشكل العقل الواعي في نظرية "فرويد" "١٩٣٥" عن نمو الشخصية، وأهم ما في تلك النظرية هو فكرة أن الطفل في نموه المبكر يتوحد مع identify with والديه من نفس الجنس لكي ينمو نموًا طبيعيًا، ومن خلال هذا التوحد يتعلم الطفل بعض أنماط السلوك الاجتماعي المقبول ويبدأ في اكتساب دور الجنس.
كما أن الوالدين يستخدمان المكافآت والعقاب عند تعليم أطفالهما كيف يسلكون، ومن ثم فإن شخصية الوالدين وسلوكهما مهمان لأنهما يؤثران على الطريقة التي ينشأ بها الطفل اجتماعيًا من خلال تقويمهما النموذج وغيره من وسائل التربية.
ومع أن نظرية التعلم الاجتماعي "لبندورا Bandwra "١٩٦٩" قد ركزت على وسائل تربية الطفل لتفسير نمو الشخصية، فقد أكد أيضًا كل من: ميشيل Mischel "١٩٧٠"، سيرز وماكوبي وليفين Levin Maccoby Sears "١٩٥٧" وسيرز ورو وألبرت Sears Rau & Albert ١٩٦٥ على دور الوالدين كنماذج وكمعززين للسلوك الاجتماعي، ولذلك فإن مداخل التنشئة الاجتماعية التي تستند إلى نظرية التعلم تؤكد على وجود تفاعل متبادل بين الوالدين والطفل، فلا يقتصر الأمر على أن الوالدين ينشأن الطفل اجتماعيًا بل أن الطفل
стр. 812
أيضًا ينشئهما اجتماعيًا. "Rheingold ١٩٦٩ Martin ١٩٧٥ Bell, ١٩٦٨" وكنتيجة لهذا التأكيد على التفاعل المتبادل بين الوالدين والطفل بدأ علماء النفس يتراجعون تدريجيًا عن فكرة نموذج السببية للوالد Parent Causation madel والتي بمقتضاها يتسبب الوالدان في أن يسلك الطفل سلوكيات معينة وبطريقة معينة، مثال ذلك: فإن الطفل الذي يسلك سلوكًا عدوانيًا يقلد نفس سلوك الوالدان اللذان سلكان مثل هذا السلوك نحوه، وبذلك فهما يقدمان النموذج العدواني للطفل ومن هنا يتضح أن النموذج المتفاعل السببي interactive cauation model يؤكد على التفاعل بين الوالدين والطفل، ويقدم مارتن Martin ١٩٧٥ التوضيح التالي لهذا المدخل:
"عندما يبدأ الطفل في إغاظة أخته الصغيرة، فتقول الأم: لا تفعل ذلك، ولكن الطفل يستمر في إغاظة أخته التي تبدأ في البكاء فتصرخ فيه أمه وتصفعه، فيتوقف الطفل عن إغاظة أخته "إن مثل هذه المعطيات تضطرنا للتفكير بطريقة تفاعلية، إن الطفل يعلم أمه أن تغير استجابتها إلى الصراخ والصفع، والأم تقدم نموذجًا للسلوك العدواني وربما تقدم أيضًا بطريقة تناقضية تعزيزًا لإغاظته لأخته بإظهارها الدرامي للانفعالية attention وكما يدل عليه هذا المثال فإن الوالد "الأم" والطفل يتفاعلان وكل منهما يؤثر على سلوك الآخر، ويجب هنا تفسير طبيعة هذا التفاعل لكي نفهم أهمية علاقات الوالدين بالطفل في عملية التنشئة الاجتماعية.
стр. 813
الأبحاث المبكرة في أساليب تربية الطفل
مدخل
...
الأبحاث المبكرة في أساليب تربية الطفل:
إن الأبحاث السابقة في تربية الطفل وأهميتها بالنسبة لنمو الشخصية اعتمدت في معظمها على فرويد Freud "١٩٣٥" والذي أكد على أهمية إحكام سيطرة الوالدين في نمو السمات الثابتة للشخصية، ومن ثم فإننا نتساءل عن الكيفية التي ترتبط بها سيطرة الوالدين لتوحد الطفل مع والديه.
أبعاد تربية الطفل:
لقد استهدفت الأبحاث حول العلاقات بين الوالدين والطفل الكشف عن الأبعاد النفسية لوسائل تربية الطفل، وبتصنيف الآباء تبعًا لهذه الأبعاد، ثم دراسة سلوك أطفالهم جعل من الممكن ربط وسائل تربية الطفل بسلوكه. وهناك طريقة أخرى
стр. 814
تقوم بدراسة الوسائل التي يتبعها الوالدان في تربية أطفالهما الذين يشتركون في سمات مشتركة مثل الانحراف أو العدوانية أو الاضطراب الانفعالي "Marten ١٩٥٣"، والغرض من هذه الدراسات هو تحديد أي أنماط تربية الأطفال يمكن أن تنبئ بمشكلات الطفولة. وقد حلل شيفر Scheffer، "١٩٥٣" التفاعل بين الأمهات وأطفالهن من سن شهر واحد إلى سن ثلاث سنوات وحدد للسلوك الأمومي بعدان هما: الحب في مقابل العداء، والسيطرة في مقابل الاستقلال الذاتي، وذلك باستخدام التحليل العاملي الذي يعتبر بمثابة وسيلة إحصائية لتحديد عدد الأبعاد اللازمة لوصف الارتباطات بين عدد من المتغيرات، ويرى بيكو Becter ١٩٦٤ Krug "١٩٦٤" أن وصف السلوك الأموي يتضمن ثلاثة أبعاد هي:
"السيطرة في مقابل الاستقلال الذاتي، والحب في مقابل العدوائية"
"القلق الانفعالي في مقابل الانفعال الهادئ Calm detachment"
стр. 815
والنقاط النهائية لهذه الأبعاد محددة بأفعال أبوية مختلفة، فالدفء مثلًا: يعرف بأنه يتضمن القبول والموافقة والاستجابة الإيجابية للاعتمادية، واستخدام المدح بسخاء، وقلة استخدام العقاب البدني، وما إلى ذلك.
والجزء الخاص بالعدوانية في هذا البعد يعرف بالسلوكيات المضادة.
أما بعد السيطرة والاستقلال الذاتي يتعرف: بفرض متطلبات للتواضع وآداب المائدة، والطاعة، السلوك العدواني، وما شابه ذلك:
والارتباط الانفعالي القلق anxious emotional involvement يشير إلى الحماية الزائدة وما شابه ذلك من سلوكيات.
إن سلوك الوالدين يمكن تقديره في هذه الأبعاد، ويمكن اكتشاف الفروق في طرق تربية الأطفال بين الآباء الذين يبدون أنماطًا سلوكية مختلفة. مثال ذلك: أن بيكر Becker "١٩٦٤" قد وصف كلا من الآباء الديمقراطيين والآباء المتسلطين بأنهم يحصلون على تقديرات أعلى في أبعاد الدفء والسماحية، مع فارق أن الوالدين المتسلطين يحصلون على تقديرات أعلى في الارتباطات الانفعالية، في حين أن الوالدين الديمقراطيين يسجلان درجة أقل في هذا البعد، أي أن الوالد الديمقراطي يبتعد "ينفعل" في هدوء والشكل السابق يوضح أنواعًا أخرى للسلوك الوالدي وتم تصنيفها على امتداد بعدين من الأبعاد.
стр. 816
١- السيطرة الوالدية:
أوضح هوفمان Hoffman "١٩٧٠" سالتزستين Saltzstain "١٩٦٧" الطرق التنظيمية المختلفة بأن لا حظًا أن هناك ثلاثة أشكال على الأقل من العقاب يستخدمها الوالدان:
أ- التأكيد على القوة Powr assertion، ويشير إلى استخدام العقاب البدني، الحرمان من الأشياء المرغوب فيها أو الامتيازات أو التهديد بذلك، وباستخدام هذا الشكل من العقاب يسيطر الوالد على الطفل من خلال ضعف الطفل وليس من خلال الذنب الذي ينجم عن تعرف الطفل على ذاته في والديه.
ب- هناك شكلان من وسائل السيطرة ذات طبيعة سيكولوجية هما: التأكيد على انعدام القوة، والسيطرة من خلال سحب الحب Love-withdrawal، والانسحاب يتضمن التعبير غير البدني للغضب الوالدي أو عدم الموافقة، مثل التجاهل، العزل والتعبير عن عدم الرضا للطفل. وهذه الوسائل قد تكون أكثر عقابية من العقاب التقليدي بسبب تهديدها الواضح بالتباعد، والذنب بدوره يمكن أن ينشأ ويبدأ في السيطرة على سلوك الطفل.
وبعكس تأكيد "فرض" السيطرة فإن سحب الحب Love woithrawal قد يستمر لفترة طويلة بدلًا من أن ينتهي بسرعة نسبيًا كما يحدث في حالة العقاب البدني.
جـ- أما الوسيلة الثالثة التي لا تلجأ إلى القوة هي: الاستقراء induction، فعندما يفسر الوالد لماذا يجب ألا يقبل الطفل على سلوك ما مثل تحذير الطفل من النتائج الخطرة للمس موقد ساخن أو اللعب بالكبريت، فإن الوالد إنما يستخدم السيطرة الاستقرائية ليحاول إقناع الطفل بتغيير هذا السلوك من خلال قدرة الطفل على فهم أن بعض المواقف تتطلب ألوانا معينة من السلوك "Hoffman ١٩٧٠". وثمة مظهر أخر للسيطرة بالاستقراء يتضمن إيضاح تأثير سلوك الطفل على الآخرين. وهذا ما ينمي فهم الطفل لمدارك الآخرين ويساعده على إدراك تأثير أفعاله على الآخرين.
ومن أمثلة السيطرة بالاستقراء ما يتضمن الإشارة إلى مخاطر الجري داخل المنزل، أو حمل الغازات بطريقة غير سليمة، أو دفع الأطفال الآخرين وما إلى ذلك، وكما سنرى عند مناقشاتنا للنمو الخلقي، فإن هذا النوع من السيطرة ينمي مظاهر النمو الخلقي، وبعكس استخدام مظاهر القوة وسحب الحب، فإن الاستقراء لا يقوم بأي محاولات لعقاب الطفل، إذ يحاول الوالد أن يدرب الطفل على فهم نتائج أفعاله في إطار موقف عقابي له تأثيرات مختلفة على نمو الطفل. ولدينا
стр. 817
بعض الأدلة على أن الوالدين اللذين يسجلان تقديرات عالية في العدائية يميلان لاستخدام السيطرة التي تؤثر على القوة.
والوالدان اللذان يسجلان تقديرات عالية في الدفء يميلان لاستخدام المدح والاستقراء "Beckert ١٩٦٤" حيث أن الوالدان اللذان يستخدمان العقاب البدني يكون أطفالهم أكثر عدوانية Marten ١٩٧٥, Becker ١٩٧٤ Feshback, ١٩٧٠ فإننا نتوقع أن الآباء الأكثر عدوانية ينشئون أطفالًا أكثر عدوانية وهذا هو الواقع مثلًا.
стр. 818
سيطرة الوالدين وسلوك الأطفال:
لقد ربطت بعض الأبحاث أنماط السيطرة التي يتخذها الوالدان في تربية الأطفال بسلوكهم. وقد لخص بيكر Becker "١٩٦٤" بحثًا في إطار أبعاد سلوك الوالدين التي ناقشناها. وبصفة عامة توجد أدلة وافية لتبيان أن الوالدين اللذين يستخدمان قدرًا كبيرًا من العقاب البدني ينشئان أطفالًا عدوانيين بمقاييس أخذت في المنزل وفي المدرسة وفي مواقف اللعب بالدمي. وهذه العلاقة بين عدوانية الوالد والطفل ترجع إلى ثلاثة عوامل:
- استخدام الوالدين للعقاب البدني قد يسبب الإحباط للطفل، وهذا بالتالي قد يولد الغضب الذي يظهر في شكل سلوك عدواني.
- أن الوالدين اللذين يستخدمان العقاب البدني في محاولة للسيطرة على سلوك أطفالهما يعتبران نموذجا لاستخدام العدوانية، والواقع أن هذين الوالدين قد يعلمان أطفالهما أن يسلكوا سلوكًا عدوانيًا.
- أن الوالدين العدوانيين اللذين يستخدمان العقاب قد يعززان بطريقة مباشرة السلوك العدواني لدى أطفالهما.
ولا شك أن هناك بعض الحقائق في كل من هذه التفسيرات. وفي الوقت الحالي ليس باستطاعتنا إلا أن نقرر أن كل فرض له ما يؤيده في الأبحاث،
стр. 819
غير أنه في المستوى الوالدي العملي تظل الحقيقة قائمة وهي أن الوالدين اللذين يستخدمان العقاب ينشئان أطفالًا عدوانيين.
إن الجزء الأكبر من الأبحاث عن سيطرة الوالدين على سلوك الأطفال يختص ببعد السيطرة والاستقلال الذاتي، وتؤيد البحوث الافتراض أن الوالدين المانعين "المسيطرين restrictive" وهما أولئك اللذين يجبران الطفل على الالتزام بمعاييرهما، وأنهما يربيان أطفالًا سلبيين ومنسحبين اجتماعيًا وغير أكفاء. وبالمقارنة فإن الوالدين يتسمان بالسماحية Permissive، أي: اللذان لا يتطلبان درجة عالية من الإذعان لمعاييرهما، فإنهما يربيان أطفالًا يتصرفون بطريقة أقل حرصًا ويميلون لدرجة كبيرة من العدوانية، وتدل المعلومات المستقاة من "معهد أبحاث فيلز Fels" في دراسة طولية لكاجان وموس Moss & Kagan ١٩٦٢ تدل على أن تأثيرات المنع الأموي في فترة الطفولة المبكرة "من الميلاد إلى سن ثلاث سنوات" لها تأثيرات تمتد إلى فترة طويلة "شكل ٦٦-ب".
إن أطفال الأمهات المانعات restrictvenss يميلون إلى أن يكونوا أكثر إذعانًا واعتمادًا على الراشدين، وأقل عدوانية وتنافسية. أن المنع الأمومي خلال فترة العمر ٣-٦ سنوات كان لها تأثير أكثر تعقيدًا إلى حد ما. إن الصبية الذين يتعرضون للمنع سلكوا بطرق تتسم بالخوف والاعتمادية خلال سنوات الطفولة المتأخرة، ولكنهم كانوا أكثر عدوانية "تنافسًا وتأكيدًا" في
стр. 820
فترة المراهقة.. إن النمط العام للتفاعل مع الأقران كان يدور حول محاولات لكسب تقبل الأقران، وثمة ميول مشابهة كانت موجودة بالنسبة للبنات في فترة الطفولة المتأخرة، وفترة المراهقة المبكرة، ولكن مع بلوغ سن المراهقة تظل البنات سلبيات ويتصفن بالاعتمادية، ومن ثم يبدو أن السلبية تؤدي إلى طراز سلبي اعتمادي للتفاعل الاجتماعي، وتؤدي السماحية فيما بعد إلى زيادة عدوانية الشخص وإن كانت عدوانية ملائمة ومقبولة.
إن تأثير المنع/ السماحية من الوالدين على نمو الطفل يرتبط بالمناخ العام للمنزل والذي تحدث فيه هذه العلاقة، "Beker ١٩٨٤" إن السماحية عند استخدامها في مناخ منزلي يتسم بالعدوانية تؤدي إلى العدوانية عند الأطفال وإلى
стр. 821
حدوث الانحراف في الأحداث. ويؤدي إلى الجمع بين السماحية والعدوانية إلى توليد أقصى درجة من العدوانية. إن المنع في مناخ عدائي يؤدي إلى مستويات أعلى من العدوانية الذاتية أو القلق أو أعراض عصبية أخرى. ويؤدي الجمع بين السماحية والدفء إلى أطفال ودودين ومعتمدين ومبدعين وأقل نسبيًا في مقاييس العدوانية.
إن الأطفال الذين يربون في مناخ "مانع" restrictive ولكن دافئ يميلون إلى أن يكونوا معتمدين، غير ودودين وأقل ابتكارًا، وأكثر عدائية. أما الأطفال الذين يربون في بيوت تتسم بالسماحية مع الدفء يميلون لأن يكونوا اجتماعيين ومسيطرين، ولكن في حدود ملائمة ومقبولة من الآخرين.
والخلاصة أنه من المهم أن نؤكد بصفة عامة أن المنع والسماحية كلا منهما له نتائج سلبية وإيجابية، وفي حين يؤدي المنع إلى سلوك مناسب اجتماعيًا ومضبوط، فإنه يساعد أيضًا على الاعتمادية ويقلل الاجتهاد العقلي، فإن السماحية تؤدي إلى سلوك اجتماعي وانطلاقي، ولكنها تؤدي أيضًا إلى عدوانية زائدة.
والجدول السابق يوضح العلاقات بين سلوك الأطفال من ناحية وبين الدفء العدوانية، والمنع السماحية من ناحية أخرى.
إن السماحية في مناخ عدائي تزيد العدوانية إلى أقصى حد وتزيد من السلوك المفتقر إلى السيطرة، والمنع عند جمعه مع العدائية يزيد العدوانية الذاتية "ميول انتحارية" والانسحاب الاجتماعي، أم الدفء والسماحية فيزيدان الفردية والسمات الاجتماعية الانطلاقية، وأخيرًا فإن المنع في مناخ دافئ تؤدي إلى أطفال على درجة عالية من الإذعان.
إن هذا التعميم يجب تفسيره ببعض الحذر في معظم الأبحاث فلم يتم التوصل إلى أدلة عن الآباء علاوة على ذلك فإن النتائج محدودة بدرجة كبيرة وقاصرة على الطبقة المتوسطة، وأن الأوصاف الواردة هنا تقدم بعض الأدلة عن الأبوة، ولكن يجب ألا تؤخذ على أنها حقيقة مطلقة. وفي التحليل النهائي توجد نماذج أبوية ونماذج عن تربية الطفل ولا تستطيع أن تحدد أيهما يناسب كل أب.
стр. 822
تربية الطفل وإساءة معاملته
تعريف إساءة معاملة الطفل
...
٢- تربية الطفل وإساءة معاملته:
لا يمكن أن تكون هناك أي مناقشة كاملة عن تربية الأطفال child rearing بدون اعتبار المشاكل الصعبة المعقدة التي تتعلق بإساءة معاملة الطفل child Abuse، وقد لا يوجد أي جانب لتربية الطفل يثير الرأي العام لدرجة أكبر مما أثاره هذا الجانب في العصر الحديث. وحيث أننا لا نستطيع أن نطرق سوى القليل من الموضوعات المتصلة بهذا الموضوع، فإن القارئ المهتم قد يحب الرجوع إلى آراء بعض الباحثين مثل "Collmer Park, ١٩٧٢ Rigler, Spinetta Besharou, Fantana, ١٩٧٥"
تعريف إساءة معاملة الطفل:
إن إساءة معاملة الطفل يرجع عادة إلى الإفراط في استخدام القوة المفروضة، وأساليب العقاب البدني "Collmer & Parke ١٩٧٥"، غير أن ثمة تعريف مناسب لإساءة معاملة الطفل يجب أن يأخذ في الاعتبار عوامل أخرى علاوة على الأضرار الجسيمة التي يعاني منها الطفل. وحيث أن "٩٣%" من الآباء يستخدمون العقاب البدني بدرجات متفاوتة "Mc Evaym Starle, ١٩٧٠" فإن التعريفات التي تقتصر على استخدام العقاب البدني قد تكون غير تمييزية وذات أدلة عملية قليلة.
وثمة عامل إضافي يتضمن مفهوم القصد هل كان الوالد ينوي إلحاق ضرر جسمي بالغ بالطفل؟
إن إدماج القصد في تعريف إساءة معاملة الطفل ضروري لاستبعاد الحالات التي يحدث فيها الضرر على أنها شكل من أشكال نبذ الطفل. أن صعوبة الحكم على القصد من جهة الوالد يصبح موضوعًا للبحث. وحيث أن الاستدلال على القصد يتسم بالصعوبة في محاولة الاعتماد عليه، فإن بعض الأخطاء في الحكم على القصد في نبذ الطفل لا بد وأن تحدث.
стр. 823
وهناك عامل إضافي آخر يجب إدراجه في أي تعريف لإساءة معاملة الطفل، هو معايير المجتمع المحلي الصغير بالنسبة لتربية الأطفال وخاصة فيما يتعلق باستخدام الوالدين للعقاب البدني "Collmer, Parke, ١٩٧٥"، وقد يضع ضررًا ما لنبذ الطفل في طبقة اجتماعية معينة دون أخرى، مثال ذلك أن إساءة معاملة الطفل يعرف جزئيًا بمعايير المجتمع، التي تختلف كدالة على الطبقة الاجتماعية، ومساحة الإقليم، والمجموعات الدينية وما إلى ذلك. إن إدماج معايير المجتمع في التعريف تساعد على جعله أكثر دقة وفائدة.
لقد اقترح بارك وكولمر Parke, Collmer "١٩٧٥, ص٥١٣" التعريف التالي الذي يأخذ العوامل السابقة في الاعتبار. "أن إساءة معاملة الطفل يستدل عليها لكل طفل يلحق به أي ضرر جسماني غير عرضي كنتيجة لأفعال من جانب الوالدين أو أولياء الأمور الذين ينتهكون المعايير الاجتماعية الخاصة بمعاملة الأطفال.
كما عرف ستراوس Straus "١٩٧٩" الطفل المساء معاملته بأنه ذلك الطفل الذي يتعرض لهجوم الوالدين، ويتعرض للإساءة البدنية، عن طريق العقاب البدني، الدفع، الركل، الضرب بشدة بواسطة أشياء حادة مثل السكين ... إلخ.
فالطفل المساء معاملته هو نتاج مجموعة من العوامل متشابكة معقدة، فهو يخرج من أسرة متوسطة ومنخفض المستوى، ومن أسر يكون الوالدان أنفسهما منبوذين ومساء معاملتهما، ويكون الطفل فيها ضحية، ونتيجة للنماذج الوالدية السيئة، حيث يكون الوالدان عدوانيين أو لديهما مرض نفسي أوعصبي، مستوى التعليم والثقافة محدودين، العلاقة السائدة في الأسرة يسودها التوتر والشجار الدائم، كما أن الأسرة تكون كبيرة العدد، العلاقة بين الطفل وأبويه متوترة، ويلجأ الوالدان عادة إلى استخدام العنف والضرب على الطفل، كما أن مفهوم الذات للوالدين يكون عادة منخفض جدًا، وفي أحيان كثيرة يكون معدل الذكاء للوالدين منخفض، مضطربين قلقين. وهذه هي بعض العوامل التي تؤدي إلى "نبذ الطفل". "Keller & Erne, Diane ١٩٨٣".
стр. 824
معدل حدوث إساءة معاملة الطفل:
إنه من الصعوبة بمكان الحصول على إحصاءات عن حوادث إساءة معاملة الأطفال في الولايات المتحدة. ويهم عدد من العوامل في عدم الاعتماد على الإحصاءات "Parte, Collmer, ١٩٧٥" وبعض هذه العوامل هي:
عدم قيام الوالدين بعرض الطفل الذي أصيب بالضرر للعلاج الطبي، وعدم قيام الأطباء بالتبليغ عن حالات إساءة معاملة الطفل، وتغير الوالدان اللذان يكرران إيذاء أطفالهما.
وكنتيجة لهذه الصعوبات وغيرها فإن الدليل على نبذ الطفل لا يمكن التوصل إليه إلا بطريقة تقريبية، وحتى مثل هذا التقدير يكون مشكوكًا فيه، علاوة على ذلك فإن الحالات الدالة على زيادة حالات إساءة معاملة الأطفال من الصعب تفسيرها لأنه لا يمكن تحديد ما إذا كانت الزيادات لا تمثل سوى الزيادة في حالات الإساءة التي تم التبليغ عنها، أم هي زيادة فعلية في حالات إساءة معاملة الأطفال. مثال ذلك أن بارك وكولمر Park" & Collmer "١٩٧٥ يذكران أن هناك زيادة قدرها ٥٤٩% في نيويورك في الفترة من ١٩٦٦ إلى ١٩٧٥. غير أنه ليس واضحًا ما إذا كان ذلك يمثل زيادة حقيقية في الدليل أو هو نتيجة لإجراءات التسجيل الجديد. ورغم هذه الصعاب فإنه من الممكن الحصول على بعض التقديرات عن حوادث إساءة معاملة الطفل. وثمة تقدير متحفظ في عام ١٩٧٠ يرى أنه كان هناك ما يقرب من خمسمائة ألف طفل مبنوذ في الولايت المتحدة "Light, ١٩٧٣" وذكر آخرون أن الأعداد عنها تعادل ٥٠% من الحالات الفعلية. وهناك دليل آخر أكثر تطرقًا أصدرته وزارة الصحة والتعليم والرفاهية في الولايات المتحدة "١٩٧٦" تفيد بأن هناك من ٢،٥ إلى ٤ مليون طفل يتعرضون لإساءة المعاملة. ومهما كان التقدير الذي تميل إلى تصديقه، فمن الواضح أن عددًا كبيرًا من الأطفال يتم إساءة معاملتهم وأن المسألة تشكل خطورة.
стр. 825
أسباب إساءة معاملة الطفل:
حاولت الأبحاث في موضوع إساءة معاملة الأطفال أن تحدد سمات التفاعلات الشخصية والاجتماعية فيما بين الوالدين والطفل التي تتصل بنبذ
الأطفال. وسوف نقصر مناقشتنا على المعلومات التي تتصل بالسمات الشخصية للآباء الذين يقومون بإساءة معاملة الأطفال، وما تتسم به علاقات الوالدين بالطفل من سمات تتصل بإساءة معاملة الأطفال. لقد وصف الأباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم بأنهم مندفعون، متمركزون حول ذواتهم جامدون، غير ناضجين، وما شابه ذلك. "Park Collmer ١٩٧٥" وتدل هذه الأوصاف على أن الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم لديهم نقص في الشخصية يساعدهم على التعبير عن سلوك عدواني بكثرة وبشكل متطرف. "Rigler Spinetta ١٩٧٢" ولكن ليس هناك دليل ثابت يشير إلى سمات محددة أو مجموعات سمات يمكن أن تميز الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم بطريقة واضحة عن الذين لا يقومون بذلك "Callner Parke ١٩٧٥".
وهناك اتفاق على أن الآباء الذين يقومون بنبذ أطفالهم كانوا هم أنفسهم يتعرضون لإساءة المعاملة والإهمال في طفولتهم "Parke & Coller, ١٩٧٥" وأن الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم هم أيضًا من أسر كانوا فيها موضع نقد ويفتقدون الرعاية، ويبدو أن الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم يتعلمون أن يربوا أطفالهم بطريقة انتقالية ترجع في جزء منها إلى أنهم يحتذون بآبائهم في إجراءات تربية الأطفال. وكنتيجة لذلك توجد هناك درجة من ثبات التداخل بين الأجيال، والتطابق في إساءة معاملة الأطفال.
الأسباب التي تدعو الأطفال إلى الشعور بأنهم غير مرغوب فيهم "منبوذين":
- إهمال الأطفال وعدم السهر على راحتهم وإشباع حاجاتهم.
- انفصال الطفل عن والديه.
- التهديد بالعقاب البدني الشديد.
- التهديد بالطرد من المنزل.
- كثرة التحذيرات.
- إذلال الطفل، ويتمثل في الشعور المستمر بالسخرية.
- أن تكون الأم أو الأب عصبي المزاج، يسود سلوكهما الضجر والتذمر وهما يقومان بإشباع حاجات الطفل.
- عدم حماية الأطفال والاهتمام بشئونهم.
стр. 826
أثر هذا الأسلوب في سلوك الأطفال:
١- إن الطفل المساء معاملة يكون قلق مضطرب شديد التعلق بوالديه.
٢- القيام بأنواع مختلفة من السلوك الشاذ وقد يصل إلى درجة السلوك العدواني ليلفت الانتباه أو القيام بسلوك يتميز بالمقاومة والعناد والثورة.
٣- في حالات أخرى قد يعرض الطفل المنبوذ نفسه للجروح والكدمات "عدوان موجه نحو الذات" ليلفت إليه الانتباه.
٤- القيام بسلوك يدل على حقد الأطفال على البيئة المحيطة بهم، ونجدهم يسببون مشاكل عديدة لأنفسهم وللمحيطين بهم. "مصطفى فهمي: ١٩٧٩، ١٦٢-١٦٤"
ولقد أكدنا في هذا الفصل على أهمية دراسة التفاعلات بين الوالدين والطفل عند وصف نمو الطفل، ويتضح ذلك من الانتقاء الذي يحدث في إساءة معاملة الطفل، إذ أنه لا يتعرض كل الأطفال في الأسرة لإساءة معاملة، ويوضح بارك وكوليمار Park & Colimer "١٩٧٥" عاملان يتصلان بالطرق التي يمكن بها للطفل أن يسهم في تقديم إساءة المعاملة لنفسه:
الأول: أن الطفل قد يكون لديه سمة وراثية أو جسمية أو سلوكية تجعله أكثر احتمالًا لأن يكون هدفا لإساءة المعاملة، والثاني: أن التفاعل بين الوالدين والطفل قد يعلم الطفل أنماطًا سلوكية قد تؤدي إلى مزيد من إساءة المعاملة، ويعتبر رد فعل الطفل للعقاب ظاهرة ذات أهمية خاصة.
مثال ذلك: أن الطفل الذي يكون رد فعله للعقاب متسمًا بالتحدي، من المحتمل أن يجعل ذلك الوالد يزيد من شدة العقاب في المستقبل، وقد تتولد حلقة مفرغة تنتهي باستخدام الوالد للعقاب الجسمي الشديد الذي يؤذي الطفل. ولا يزال هناك الكثير الذي يجب أن نتعلمه عن إساءة معاملة الطفل، وكيف نعامله معاملة سوية، وتبدو المعالجة التفاعلية في هذا المجال مشجعة. ومن الواضح في الوقت الحاضر أن استخدام الوالدين للعقاب البدني الشديد لا يرجع إلى الطفل فقط ولكن يساعد على تكوين تطابق بين الأجيال في وسائل تربية الطفل، وترجع إلى المجتمع أيضًا، وتتحدد به وسوف نناقش فيما بعد العلاقات بين وسائل القوة والسيطرة في نمو الطفل.
стр. 827
نمو الارتباط "التعلق" الوالدي
مدخل
...
٣- نمو الارتباط "التعلق" الوالدي:
Attachment:
إن التعلق أمر يتصل بالإنسان والحيوان، وهو بداية لمزيد من النمو الاجتماعي كما يرى ذلك كل من:
Ainsworth ١٩٧٣ Martin ١٩٧٥ Schaffer" Emerson ١٩٦٤ Maccoby Masters ١٩٧٠ &
وخلال السنوات العشر الأخيرة ازداد اهتمام علماء النفس بإطراد مسار التعلق وثباته مع الوقت، وأنواع التفاعلات الأبوية التي تساعد عليه، وأهميته بالنسبة للنمو المعرفي، والانفعالي والشخصي.
إن التعلق يصعب تعريفه ويعقد معظم علماء نفس النمو أنه يستدل عليه من خلال الاستجابات التي تهدف إلى البحث عن القرب Proximity من جانب الصغار في أي جنس، وقد عرف إمرسون وشيفر Emerson Schaffer "١٩٦٤" التعلق بأنه: "الميل من جانب الطفل للبحث عن القرب من عضو آخر من نفس النوع". إن التعلق يتركز عادة على أفراد معينين فقط، في حين تظهر استجابات الخوف بالنسبة لأفراد آخرين.
إن السمة الرئيسية للتعلق هي التخصيص بالنسبة لاستجابات عضو معين أو أكثر من نفس النوع "الجنس".
إن هذا التقسيم للتعلق يميزه عن الأنماط السلوكية الأكثر شمولًا التي تسمى "بالاعتمادية" والتي نربطها بالأطفال الأكبر سنًا.
وهناك أنواعًا كثيرة من الحيوانات تبدي تعلقًا "Bowlly, ١٩٥٩ Hess ١٩٧٠ Maccoby & Masters ١٩٧٣ Mmswrth ١٩٦٦" فصغار الفصيلة يبحثون عن اتصال بصري أو سمعي أو جسدي أو قرب من أعضاء الفصيلة الآخرين، وهناك دليل آخر عن التعلق هو احتجاج الصغير أو حزنه عندما ينفصل عن الأعضاء الآخرين في الفصيلة. وبالنسبة لصغار الأطفال استخدم عدد من السلوكيات لتصنيف التعلق Maccoby ١٩٦٩ Bowlly ١٩٧٣
стр. 828
١٩٦٣ Ainsworth ١٩٦٤ Schaffer Emerson ١٩٧٠ Mastirs, ١٩٦٤ وهذه السلوكيات تتضمن الاحتجاج في حالة الانفصال عن الوالد كقاعدة آمنة يكتشف من خلالها البيئة، أو الاقتراب من الوالد، أو الخوف من الغرباء، أو الابتسام أو التحدث للأب والتعلق بالوالد. وفي معظم الأبحاث اتجهت سلوكيات التعلق هذه نحو الأم. غير إننا سنرى فيما بعد أن الأطفال أيضًا يصبحون متعلقين بالأب أو بأشخاص أو أشياء أخرى.
стр. 829
نظريات التعلق:
١- نظرية التحليل النفسي:
لقد انبثق الاهتمام يتعلق الطفل من نظرية "فرويد" عن النمو النفسي الجنسي ومفهوم التقمص identification وطبقًا لنظرية فرويد فإن الأطفال الصغار مهيئون بيولوجيا للارتباط بالأشخاص من حولهم "Maccoby, Masterst, ١٩٧٠". ولقد نظر إلى التعلق على أنه شحنة انفعالية لاختيار الشيء إذ يستثمر الطفل الصغير بعض الطاقة الليبيدية في شخص آخر قد يكون الأم أو البديل، وقد افترض أن ذلك يحدث لكل من الأولاد والبنات في السنة الأولى من حياتهم.
стр. 830
٢- نظرية التعلم:
لقد ترجم علماء التعلم نظرية فرويد إلى مصطلاحاتهم الخاصة، وصاغوا افتراضات يمكن اختبارها، وجمعوا معطيات عن نمو التعلق في صغار الأطفال، بطريقة منهجية "Gerwirtz, ١٩٦٩". وكثير من أبحاثهم اهتمت بدور إجراءات تربية الطفل، واستنتجوا أن الأطفال الصغار يتكون لديهم التعلق أساسًا من خلال التغذية، وعادة يكون هذا التعلق بالأم. وقد لاحظ كل من: سيزر واينتج وآخرون Sears, Whintin & Nowlis "١٩٣٥" أن السلوكيات الدالة على التعلق تنتج عن الوجود المستمر لأداء الآخرين لدور المغذي. أن الطفل منذ ولادته يتلقى الغذاء والدفء والحنان والتدليل وإطفاء ظمئه وتخفيف آلامه ومتاعبه بواسطة الآخرين. وهؤلاء الآخرين يتمثلون عادة في الأم، وكنتيجة لذلك يتعلم الطفل مبكرًا أن يساعد أمه ليضمن مساعدتها كلما تطلبت دواقعه الأولية بعض التغيير في بيئته لكي يمكن تخفيف هذه الدوافع.
إن الأمهات بسبب ارتباطهن بخبرة اللذة التي تتعلق بالطعام فإنهن يعتبرن معززات ثانوية.
إن الطفل الصغير يتعلم أن قرب الأم يعني اللذة والرضا، وبمعنى آخر افترض علماء التعلم أن الأم تعطي دلالة للتخلص من عدم الراحة أو هي بمثابة ابتداء المثيرات السارة. وقد افترضوا أيضًا أن الطفل المضطرب أو الخائف أو الذي لا يشعر بالراحة يبحث عن والدته كمصدر للتخلص من الخوف، أو عدم الراحة أو غيرها من المضايقات. وطبقًا لما ذكره بير وبيجو "Baer, Bijjou, ١٩٦٩" فإن الأم نفسها كمثيرة تصبح متميزة كزمان ومكان، إما لإضافة معززات إيجابية لبيئة الطفل الصغير أو لنقص المعززات السببية منها.. وبالتالي فإنها تكتسب وظيفة تعزيزية إيجابية، وترسي الأساس للنمو الاجتماعي بعد ذلك لطفلها الصغير.
٣- التعلق في الحيوانات:
إن قدرًا كبيرًا من الأبحاث عن التأثر imprint أو التعلق في الحيوانات تثير الشك في هذا الرأي. ففي أعمال هيس Hess "١٩٥٩، ١٩٦٤"، لارني Larney
стр. 831
"١٩٤٣" عن التأثر في الدجاج والبط يقترحان أن نظرية التعلم إنما هي تفسير غير صالح، فصغير البط مثلًا يتبع أي شيء متحرك يراه وخاصة فيها بين ١٣، ١٦ ساعة بعد الفقس، وعادة يتبع صغير البط أمه، ولذلك يصبح متعلقًا بالراشد. وعندما يحدث ذلك يتعلم صغير البط أن يسلك مثل باقي أعضاء النوع: مثال ذلك القيام بالسلوك الابتكاري العادي، وإذا لم يتأثر صغير البط بعضو آخر من الفصيلة، وليكن بكتلة من الخشب مثلًا أو حتى بشخص آدمي، فإنه لا يتعلم الاستجابة الاجتماعية المناسبة لنوعه. وعلى ذلك، وبالنسبة للبط على الأقل فإن التأثر يبدو أنه مقدمة للنمو الاجتماعي العادي. إن التعلق لا ينتج عن تعزيز ثانوي، ولكنه يمثل تتابع فعل ثابت يحدث فيه مثير بيئي "شيء متحرك" كميكانيزم مخفض reaser للبط كي يقوم بالاستجابات التالية "Hess, ١٩٥٩, ١٩٦٤"
علاوة على ذلك فإن التعلق يبدو وكأنه لا يحدث إلا في فترة حاسمة يبدأ من الولادة إلى سن حوالي ٢٤ ساعة. أما بعد هذه الفترة فإن الحيوانات عادة لا تتأثر.
إن فكرة الفترات الحاسمة اللازمة لفهم تطور استجابة الحيوان يمكن أن تكون أيضا ذات أهمية لفهم نمو الإنسان "Caldwll ١٩٦٢".
أبحاث هارلو Harlow:
أن أشهر الأبحاث المعروفة عن التعلق لدى الحيوانات قام به هارلو Harlow الذي بحث في نمو التعلق في القرود حديثه الولادة واستند فيه على بديلين للأم، وقد صنعت إحدى البديلتين من السلك، أما الأخرى فقد كسبت بقماش وبري، وقد تناول نصف القردة الصغيرة غذاءهم من الأم السلكية، والنصف الآخر من الأم الوبرية: وطبقًا لنظرية التعلم بالنسبة للتعلق فإن القرد الصغير يجب أن يتجه إلى حب "تعلق" الأم التي غذته "Hairlow & Zimerman ١٩٥٩"، غير أن معطيات البحث أظهرت خلاف ذلك، إذ كانت القردة التي تتغذى من الأم السلكية تقضي معها وقتًا كافيًا لتناول الغذاء فقط، بينما فضلت البقاء مع الأم البديلة المصنوعة من القماش الوبري واللعب معها والاتصال بها، كما أن القردة التي تلقت غذاءها من الأم البديلة المصنوعة من القماش المغطى لم يكادوا يمضوا وقتًا يذكر معها. علاوة
стр. 832
على ذلك ففي موقف مثير للخوف هرع القردة إلى الأم البديلة المصنوعة من القماش التي تمدهم بما أسماه "هارلو" "راحة الملامسة" Contct comfort. إن ملامسة الأم المصنوعة من القماش مما أدى إلى خفض الخوف الذي شعرت به القردة. كما عكف على تكرار البحث عن أشياء أخرى مثيرة للخوف مستخدمة في ذلك الأم كقاعدة أمان تبدأ أمنها استطلاعاتها. أن هذه النتائج التي اتضحت عدة مرات، تقترح أن هناك قدرًا كبيرًا من جوانب نظرية التعلق لا يمكن تفسيره بمبادئ التعزيز الثانوية، وقد استخدمت المعالجة البيئية التي ركزت معظم البحث على التعلق لدى صغار الإنسان "الأطفال" وقدمت تفسيرًا بديلًا.
٤- العوامل التطورية:
كان جون بولبي John Bowlbly "١٩٥٨، ١٩٦٠، ١٩٦٩، ١٩٧٣" من أول الباحثين في موضوع التعلق في الأطفال الآدميين من الناحية البيئية، وهو يعتقد أن التعلق البشري له أساس بيولوجي لا يمكن فهمه إلا في إطار تطوري، وبالرغم من أنه يعترف بدور التعلم في التعلق البشري، إلا أنه يعترف أن التركيب العضوي الإنساني مزود بأنماط سلوكية ثابتة نسبيًا تعمل على خفض احتمال تعرض الوليد للموت قبل الوصول إلى مرحلة النضج. وهذه الأنماط التي تعتبر
стр. 833
ضرورية لبقاء النوع تولدت عن التاريخ التطوري للإنسان وقامت وظائف تشبه وظائف التعلق في الأشكال الحيوانية الأدنى مرتبة، وأهمها "حماية الصغار"، ولكي تكون هذه السلوكيات فعالة يجب أن تكون موجهة إلى الأعضاء الراشدين من النوع، وخاصة الأم. وهذه السلوكيات تضمن الرعاية المناسبة من الراشدين، ومن ثم تعمل كطرق يستطيع الطفل فيها أن يتأكد من البقاء طوال فترة الطفولة.
ويهدف التعلق إلى وضع الطفل على اتصال وثيق ببعض أعضاء النوع وهو ينشط عندما ينفصل الصغار عن هذا العضو أو يهددونه بذلك.
والسلوك التعلقي ينتهي بالإثارة البصرية أو السمعية أو اللمسية من جهة العضو المتعلق من النوع وهو عادة الأم. وكلما كان الانفصال أو التهديد شديدًا، زاد مقدار الانفعال اللازم لإنهاء سلوك التعلق. مثال ذلك أن التهديد الشديد قد يولد سلوكيات تعلقية لا تنتهي إلا عندما يقوم الطفل بالاتصال بالعضو المتعلق به، في حين أن تهديدًا أقل درجة قد يولد سلوكيات تعلقية تنتهي بمجرد روية العضو المتعلق به.
ويعتقد بولبي Bowlby "١٩٦٩، ١٩٧٣" أن الإنسان قد طور الأنماط السلوكية التي تعكس التعلق. وبتوجيه السلوك التعلقي نحو الراشدين، وعادة من يقوم بالرعاية الأولية له، فإن الطفل يضمن الرعاية المناسبة ويزيد فرصته للبقاء إلى فترة طفولة طويلة. ويقول "بولبي" أن الأطفال الصغار لديهم خمسة أنواع من السلوك المحدد تساعدهم على إحداث وإبقاء الاتصال بالراشدين. إن التشبث Clinging، والمص Sucking والملاحقة following، تعمل على إبقاء الاتصال بالنوع. أما البكاء Crying والابتسام Smiling فيجعلان الراشد يقوم بالاتصال الاجتماعي مع الطفل. ومع نضج الطفل تتكامل هذه السلوكيات وتتركز حول الأم وتكون الأساس للتعلق بها. ومع التقدم في السن، فإن السلوك يفترض أن يتحول من الاتصال البدني بالأم إلى اتصال أكثر بعدًا، بما في ذلك التعضيد "التأييد" الانفعالي emotional support.
стр. 834
دور تطور التعلق الاجتماعي
...
دورة تطور التعلق الاجتماعي:
يمكن تقسيم دورة تطور التعلق الاجتماعي إلى ثلاث مراحل وهي:
١- مرحلة اللاجتماعية: "عدم التعلق الاجتماعي":
وهي تبدأ منذ الميلاد، حيث أشارت الدلائل إلى أن الطفل الرضيع لا يبد أي تعلق اجتماعي بالآخرين، واعتبر الباحثون أن الرضيع "غير متعلق" اجتماعيًا في الشهور المبكرة من حياته، وليس معنى التعبير "لا اجتماعي". هنا: أن الرضيع لا يستجيب للمثيرات الاجتماعية، بل المقصود أن استجابته لا تختلف كثيرًا لهذا المثيرات الأخرى عنها للمثيرات الاجتماعية. وقد وصل الأمر ببعض الباحثين إلى افتراض أن تمييز الطفل لنفسه عن المثيرات في البيئة الخارجية يكون هدفًا رئيسيًا لهذه المرحلة واعتبروا هذا شرطًا ضروريًا لتطور التعلق الاجتماعي فيما بعد.
٢- مرحلة "ما قبل الاجتماعية":
وتبدأ هذه المرحلة تقريبًا في الشهور الأولى حتى الشهر السابع، وتسمى هذه المرحلة أحيانًا مرحلة "التعلق غير التمييزي". والطفل في هذ المرحلة، ومن خلال تفاعله مع الآخرين يتعلم أن يفرد الأشخاص كمواضيع تثيره وتستجيب له أكثر من غيرها في العالم حوله، فهو لا يزال لا يعرف أن هؤلاء الأشخاص أمه أو أبيه مثلًا، لكن يبدو أن هذا ليس مهما في هذه المرحلة، وتتميز هذه المرحلة من التعلق الاجتماعي بغياب الاختيار، فالطفل ما زال يبتسم للوجوه دون أن يميز وجه مألوف وآخر غير مألوف، والطفل قد يحتج إذا ما فصل عن شخص معين، لكن استبدال هذا الشخص بشخص آخر، لا يؤثر في الطفل.
٣- مرحلة الاجتماعية التعلق الاجتماعي المتخصص:
وهذه هي المرحلة الأخيرة تبدأ عادة بعد الشهر السابع تقريبًا وهنا يبدأ الطفل في الاحتجاج إذ غاب عنه شخص معين، "الأم في العادة"، وتظهر على بعض الأطفال علامات التعلق بأكثر من شخص، ولكن يظل هؤلاء أشخاصًا معينين، ولذا يتضح أن بمقدر الطفل أن يميز أمه عن الأفراد الآخرين، فهو يتعلق بها دون غيرها، وكحاضنة رئيسية له تمثل له شخصا ذا دلالة. ولهذا سميت هذه المرحلة بالمرحلة "الاجتماعية".
стр. 835
وتشير الدراسات: إلى أن التعلق يتطور بشكل سريع، ويجب ملاحظة أن المراحل السابقة للتعلق تختلف من مجتمع لآخر، كما أنها تتأثر بعوامل النضج، وبالخبرات الاجتماعية المبكرة التي يمر بها الرضيع، وتتأثر كذلك بطريقة التربية، ولذلك من الصعب ربط كل مرحلة بعمر معين.
أبحاث شافر وإمرسون Scaffer & Emarson:
قام هذا الباحثان "١٩٦٤" بإجراء واحدة من أولى الدراسات الطولية حول التعلق لدى الإنسان، مستخدمين مجموعة من "٦٠" طفلًا اسكتلنديا، وقد قام هذان الباحثان بتعريف التعلق على أنه ميل الطفل إلى البحث عن القرب من أعضاء النوع الآخر، كما يدل على الاعتراض على الانفصال عن هؤلاء الآخرين. وقد أرادا في بحثهما أن يستطلعا السن الذي يبدأ فيه التعلق، ومدى شدته وأهدافه. وقد لاحظا واختبرا "٣١" ذكرًا، "٢٩" أنثى. وقد قيس التعلق في عدد من ظروف الانفصال عن الأم: ترك الطفل بمفرده في حجرة، تركه مع أشخاص أخرين، تركه في عربة خارج المنزل أو خارج محل تجاري، ووضعه في الفراش ليلًا، وضعه بعد أن كان محمولًا، والمرور عليه وهو ما يزال في الفراش. هذا والمعطيات التي جمعت خلال المقابلات مع الأمهات كل أربعة أسابيع في السنة الأولى من الحياة ثم في سن ١٨ شهرًا، كانت تتضمن:
مظهر احتجاج الطفل على الانفصال، ومدى تكراره، وشدته، والشخص الذي وجه إليه الاعتراض، أي الشخص الذي أدى رحيله إلى حدوث الاستجابة ويبدأ ظهور التعلق في الربع الثالث من السنة الأولى، وفي أثناء الستة شهور الأولى يحتج الطفل عادة عندما يرحل أي شخص كان قريبًا، وهو شكل من أشكال التعلق غير التمييزي. ويقترح "شافر وإمرسون" أنه في خلال الستة شهور الأولى يبحث الطفل عن الاتصال وجذب انتباه الأغراب والمألوفين على حد سواء مما يدل على التعلق بالناس عامة. وفي خلال الستة شهور الثانية من الحياة فقط يقوم الطفل بإظهار الاعتراض على الانفصال عن أشخاص معينين وبذلك يظهر التعلق بإناس معينين، وخاصة الأم. وهذه التعلقات الشديدة تبلغ الذروة بين سن ١٢، ١٨ شهرًا.
стр. 836
ويبين الشكل التالي منحنيات النمو لأنماط معينة من التعلق، والتعلق بالأم والتعلق غير المتميز. لاحظ أن بداية تعلق معين لا يستبعد الاحتجاج على الانفصال عن الناس بصفة عامة "التعلق غير المميز"، لقد احتج الأطفال بطريقة ما عندما غادرهم أي شخص، ولكن بعد نحو "٧" شهور كان احتجاجهم أكثر شدة عندما تركهم أشخاص معينون. إن الأطفال بصفة فردية يكونون تعلقًا خاصة فجأة وليس بالتدريج، كما يبين الشكل أن هذه المنحنيات تمثل متوسط الدرجات المسجلة لكن سن. إن الأطفال في أي سن محددة يختلفون بقدر كبير في احتياجاتهم كما يتغير أيضا السن الذي تحدث فيه تعلقات خاصة.
إن طفلًا واحدًا أظهر تعلقًا خاصًا في سن "٢٢" أسبوعًا، ولكن الأطفال الآخرين لم يظهورا هذا التعلق إلا بعد أن بلغوا من العمر عامًا أو أكثر.
وإذا كان المتعلق به هو شيء واحد محدد، فإن ٦٥% من أفراد العينة اختاروا الأم. أم الأطفال الباقين فغالبًا قد اختاروا الأب. وكان الأشخاص الآخرون
стр. 837
بالنسبة للتعلق المتميز هم غالبًا من أفراد الأسرة وليس من أفراد المجتمع المحلي أو أصدقاء الوالدين. وعندما يأتي الوقت الذي يكون فيه الطفل تعلقًا محددًا، فإن عدد الأشخاص الذين يتعلق بهم الطفل يزداد ببطء، بحيث يصبح الطفل العادي متعلقًا بعدد من أشخاص مختلفين، وهو في سن ١٢، ١٣، ١٤ شهرًا. وتدل هذه النتائج على أن عملية التعلق تتكون من ثلاث مراحل: ففي المرحلة الأولى أو المرحلة اللاجتماعية يبحث الفرد عن الإثارة من كل أجزاء بيئته. وتستمر هذه المرحلة إلى نحو سن سبعة شهور. وفي المرحلة قبل الاجتماعية يقوم الفرد بتمييز الكائنات البشرية كأشياء باعثة على الرضا ويحاول نشطًا أن يبحث عنهم. وفي المرحلة الأخيرة أو الاجتماعية، وهي التي تبدأ في سن حوالي ثمانية أشهر يكون الطفل متعلقًا بأشخاص معينين.
إن الاحتجاج على الانفصال يقل عند سن حوالي "١٨" شهرًا، عندما يتم نمو الطفل ويفهم أن الوالد ما يزال موجودًا حتى ولو لم يعد يراه.
إن هذه النتيجة تدل على أن العوامل المعرفية تلعب دورًا له دلالته في نمو التعلق والاحتجاج على الانفصال.
стр. 838
التعلق والاستكشاف:
يمكن أيضًا النظر إلى التعلق على أنه آلية تكيفية لاستكشاف البيئة "Ainsworth ١٩٧٣" اللازمة لكي يتعلم الطفل مما يحيط به. "شكل: ٧٠".
стр. 839
جدول "١١" الوقت والأحداث في المواقف الغريب
إن الأطفال الصغار يستخدمون الأم كقاعدة آمنة يستكشفون منها. إن التعلق يبقى الطفل على اتصال آمن بالأم، بعيدًا عن الخطر، كما أنها تعمل على جعل الطفل يبحث عن الأم إذا ما طرأ خطرًا. وهذا الرأي عن العلاقة بين التعلق والاستكشاف هو أساسًا عبارة أخلاقية مثل الرأي الذي اقترحه "بولي"، أن العلاقة بين الطفل ومن يقوم بالرعاية تضمن الحماية لصغار النوع اللازمين لنضج وتقدم النوع.
وقد صممت إينزورث Ainsworth وزملاؤها، ما يعرف بالموقف الغريب، كما في الجدول "١١" السابق والذي يتكون من سلسلة من مواقف الانفصال والاتصال بين الأم والصغير مع تتابع مخطط للمواجهات بين الطفل وشخص غريب. ويتضح من سلوك الطفل في هذه المواقف نواحي عديدة مختلفة من التعلق، وقد استخدم ويتنج وإينزورث Witting Ainsworth "١٩٦٩" موقف الغريب لدراسة نمو التعلق لدى ٥٦ طفلًا صغيرًا في سن "٤٩-٥٦" أسبوعًا. وقد سجل
стр. 840
هذان الباحثان عمليات البحث والاستكشاف والغرب والاتصال، وكذلك الإبقاء على الاتصال. وقد حدثت استكشافات حركية ويدوية وبصرية مرات عديدة عندما كانت الأم موجودة، وقلت بدرجة حادة عندما دخل الشخص الغريب إلى الحجرة.
أما البحث عن الاتصال والاحتفاظ به فكانا ضعيفين أثناء الأحداث الأولى ولكنها ازدادا أثناء الانفصال. وفي أول مرة يعاد الاتصال فيها بالأم كان الإبقاء على الاتصال وقد حدثت استكشفات حركية ويدوية وبصرية مرات عديدة عندما كانت الأم موجودة، وقلت بدرجة حادة عندما دخل الشخص الغريب إلى الحجرة.
أما البحث عن الاتصال والاحتفاظ فكانا ضعيفين أثناء الأحداث الأولى ولكنها ازدادا أثناء الانفصال. وفي أول مرة يعاد الاتصال فيها بالأم كان الإبقاء على الاتصال متزايدًا جدًا، بل وتزايد أكثر أثناء الاتصال للمرة الثانية. وتدل هذه النتائج على أن الأم تكون بمثابة قاعدة آمنة يبدأ منها الطفل استكشاف بيئة جديدة. وعندما تكون الأم الحاضرة، فإن الطفل يشرع في الاستكشاف ويتغلب على تعلقه، وعندما تخرج الأم يتوقف الطفل عن استكشافاته ويزيد من شدة تعلقه.
стр. 841
التنشئة الاجتماعية والتعلق الاجتماعي:
قامت العديد من الدراسات بدراسة آثار ممارسات التنشئة الاجتماعية المتعلقة بأوضاع الطفل في تطور التعلق الاجتماعي عنده، وبخلاف ما تؤكده نظرية التحليل النفسي فليست هناك أي بيانات تشير إلى علاقة بين طريقة الإرضاع مثلًا "من الثدي أو من الزجاجة ... إلخ" وبين شدة التعلق الاجتماعي، أو زمن بداية ظهوره، بل تشير الدراسات إلى أن الناحية العامة هي العلاقة بين الطفل وأمه في أثناء الرضاعة.
كما أشارت الدراسات إلى أن الأمهات اللائي يستجبن بسرعة للإشارات من أطفالهن يحصلن على أطفال أكثر تعلقًا بهن، مما يتعلق أطفال الأمهات اللاتي يتأخرن في الاستجابة بتلك الأمهات. والأهم من سرعة الاستجابة أن تكون هذه الاستجابة مناسبة لما يبدو على الطفل من علاقات اضطراب. وهذا الأمر تتعلمه
стр. 842
الأم بعد طول عناء بحيث تصبح قادرة على تمييز ما يريده طفلها بتلك الإشارات، أي أنها أصبحت وإياه في علاقة تفاعل متبادل تتأثر بإشاراته وتؤثر فيها.
وتبدو أهمية هذا التفاعل واضحة في ممارسة التنشئة الاجتماعية، تتعلق هذه الممارسات بمدى تواجد الأم عند الطفل. فالبرغم من أن الدراسات لم تستطع تحديد الطول الأمثل للفترة التي تقضيها الأم مع طفلها. إلا أن العامل الأهم هنا هو المدى الذي يتفاعل به من يعتني بالطفل مع مدى مداعبته، اللعب معه، والابتسام له، والتحدث إليه.
وأخيرًا، فهناك ممارسات أخرى للتنشئة الاجتماعية، وتلعب هذه الممارسات دورًا مهمًا في تطور التعلق الاجتماعي، والمهم هنا أن التعلق يضع الأساس لمدى تتقمص الطفل للشخصية التي تعلق بها، فالتعلق أو النفور يؤثر في الشخصية التي يتقمصها الفرد، كما يضع الأسس لعلاقات الطفل الاجتماعية بغيره من أفراد أسرته وجيرانهم، ومع كل من يتعامل معه، وتظهر هذه العلاقات في شكل: اللعب، الصداقة، العطف، المكانة الاجتماعية.. إلخ.
стр. 843
الأم والتعلق:
إن معظم الأبحاث عن التعلق في الفترة الأخيرة هدفت إلى التعرف على أنماط تربية الطفل التي ترتبط بأساليب الطفل في مواجهة البيئة الغريبة، وقد صمم كل من: أينزورث وبيل وستايتن Ainsmroth, Bell, Staytan "١٩٧٠" خطة لتصنيف الأطفال طبقًا لردود أفعالهم نحو البيئة الغريبة. وقد كانت الدرجات التي حصلوا عليها لهذه الطريقة إيجابية "Connell ١٩٧٤، ١٩٧٧"، حتى أنه يمكن تنفيذها في برامج العقول الإلكترونية. وقد تحددت ثلاث مجموعات من الأطفال الصغار: "As Bs Cs" على أساس سلوكهم في الموقف الغريب.
أبدت المجموعة As رغبة ضعيفة في الاتصال أو القرب من الأم، وعندما تم حملهم لم يتشبثوا أو يقاوموا إعادة وضعهم. لقد مالوا إلى تجنب الأم أو إهمالها عند عودتها، مثال ذلك: فقد بعدوا عنها وعدم النظر إلى وجهها. ويعرف هؤلاء الأطفال أحيانًا باسم "غير المتعلقين".
стр. 844
أما المجموعة Bs فقد بحثوا عن الاتصال بالأم وأبقوا على الاتصال بها بعد انفصال قصير، كما أنهم أظهروا درجة عالية من الإبقاء على الاتصال. علاوة على ذلك فإنهم نادرًا ما تجنبوا الأم أو قاوموها. ويعرف هؤلاء الأطفال باسم "المتعلقون في آمان".
أما المجموعة Cs فيتفاعلون بعنف للانفصال عن الأم. وهم يميلون لعدم استكشاف البيئة حتى مع وجود الأم، وبعضهم يبحث بنشاط عن القرب والاتصال، وفي نفس الوقت يندفعون بعيدًا عن الأم، وبعض أطفال هذه المجموعة لا يظهرون أي إشارات من البحث بنشاط عن الأم وهؤلاء الأطفال يعرفون أحيانًا باسم "المتعلقون في غير آمان".
بعض نتائج البحوث حول التعلق الاجتماعي:
ذكرت إينزورث وآخرون "١٩٧١" Ainsworth, et al. أن أمهات الأطفال في المجموعة "أ، جـ" أقل حساسية من أمهات المجموعة "ب" للإشارات ووسائل الاتصال في المنزل. ويبدو أن أمهات الأطفال في المجموعة "ب" لهن أحسن علاقات شخصية مع الأطفال. وهؤلاء الأمهات أكثر حساسية وتقبلًا وتعاونًا من أمهات المجموعة أ، جـ. ويبدو أن أمهات أطفال المجموعة "أ" أكثر رفضًا "نبذا"، وأمهات أطفال المجموعة "جـ" لسن رافضات بشكل واضح ولكن تفاعلهن مع أطفالهن ليس منسجما.
وقد اقترح بولبي Bowlby "١٩٧٣" أن هذه التفاعلات المختلفة بين الأم والطفل قد تؤدي إلى أن يكون أطفال المجموعتين "أ، جـ" ذوي شخصيات أقل نموًا وتكاملًا من أطفال المجموعات "ب"، وخاصة في سمات الاعتماد على النفس والثقة في الآخرين.
إن هذا التفسير والبعد الواحد للتعلق لا يأخذ في الاعتبار التفاعل المتبادل بين الوالد والطفل، وملاحظة هذا النقص، يرى ساندر Sander "١٩٦٤" أن الانسجام بين الوالد والطفل غالبًا ما يؤثر على التعلق، والانسجام يتوقف على القدرات التكيفية من الأم والطفل. إن الأم يجب أن تكون حساسة لإشارات
стр. 845
طفلها، وللظروف البيئية التي تؤثر على سعادة الطفل. إن الطفل يجب أن يستجيب اجتماعيًا ويهيئ للأم تغذية رجعية. والتفاعلات المنسجمة تتضمن نقص الصراع، وعلاقة فعالة وإيجابية بين الأم والطفل. وطبقًا لأينزورث وآخرون "١٩٧١" فإن هذه التفسيرات للتفاعلات بين الأم والطفل ضرورية لفهم سلوك أطفال المجموعة "جـ" في الموقف الغريب.
إن العلاقة غير المنسجمة أو غير المرضية مع الأم يولد عدم الآمان لدى الطفل، والتي تعبر عن نفسها عادة في شكل القرب المتزايد والبحث عن الاتصال. وكذلك انخفاض الإقدام على الحزن الناتج عن الانفصال.
وهناك أدلة إضافية تربط بين تفاعل الوالد والطفل ونوع التعلق "Martwn": إن استجابة الأم لبكاء طفلها الصغير ترتبط بقوة التعلق "شيفر واميرسون ١٩٦٤"، وكذلك الاستجابة لمبادأه الطفل "كلارك، ستيوارت Clark, stwart ١٩٧٣"، أن أمهات المجموعة "ب" يقدمن مزيدًا من الحث ويظهرن أنماطًا أكثر إيجابية نحو أطفالهن، ويستجبن مرات أكثر لسلوك أطفالهن وهناك أدلة أكثر حداثة Blehar, Lieberman & "Ainwerth ١٩٧٧" تدل على أن أمهات المجموعة "ب" يبقين على نوع أعلى من
شكل "٧١" ينمو التعلق بالأم منذ الشهور المبكرة من عمر الطفل تبعًا لاستجابات الأم من الطفل
следующие страницы →