Полный текст (992 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الخلاصة:
يعتبر الوالدان من أهم عوامل التنشئة الاجتماعية تأثيرًا على الأطفال إذ يشكلان السلوك بتقديم النماذج للأطفال وبتقديم المكافآت وتوقيع العقوبات، غير أن الأطفال يؤثرون اجتماعيًا على آبائهم كما يؤثرون على سلوكهم.
وقد وصفت دراسات أبعاد المنع مقابل السماحية، والتدخل الانفعالي القلق مقابل الانفصال "التباعد"، والدفء مقابل العدوانية، باعتبارها وصفًا واسعًا للسلوك الأبوي وأنماط الوالدين. إن الآباء الذين وصفوا بمجموعات مختلفة من هذه الأبعاد يستخدمون أنواعًا مختلفة من السيطرة التنظيمية، أما الآباء العدوانيين فيميلون لاستخدام نظام يقوم على فرض القوة، أي العقاب البدني أو الحرمان من الامتيازات والأشكال الأخرى من السيطرة التنظيمية تشمل سحب الحب، والتعبير عن الغضب الأبوي أو عدم الرضا، والتوجيه لتفسير أن ما يفعله الطفل لا يجب أن يفعل.
стр. 877
إن طبيعة التعلق بالوالدين قد درست على نطاق واسع لدى كل من الإنسان والحيوان. وبصفة عامة فإن التعلق يشير إلى ميل الصغير للبحث عن القرب من أفراد آخرين من نفس النوع. وقد ذكر البعض أن هذا الميل يعكس التاريخ التطوري للإنسان. ويشير آخرون إلى أن التعلق لدى الإنسان يتم تعلمه من خلال أنشطة الرعاية.
إن الالتصاق والمص والسلوكيات التالية تحافظ على الاتصال بأعضاء آخرين من نفس النوع، في حين أن البكاء أو الابتسام يعمل على تقريب الآخرين للاتصال بالطفل.
إن التعلق يبدأ ظهروه في حوالي سن ٧ شهور ويبلغ ذروته في الفترة من سن "١٢-١٨" شهرًا.
ومن نتائج التعلق أن الشخص المتعلق به يعمل كقاعدة آمنة يجري منها استكشاف البيئة، وهناك نتيجة أخرى هي أن التعلق بالآخرين يعد الطفل لتعلم السلوك الاجتماعي.
إن التعلق يرتبط بتفاعلات الأبوين مع الأطفال، وبعض الأطفال لا يتعلقون، وهناك آخرون يتعلقون بشكل غير آمن. وهؤلاء الأطفال غالبًا تكون أمهاتهم أقل حساسية بهم ويقل إنفعالهن بهم. إن الأطفال المتعلقون بشكل آمن لهم أمهات يحسسن بإشاراتهم ويتصلن بهم ويتقبلنهم.
إن التعلق بالأب لم يدرس بطريقة مكثفة إلا حديثًا، وتدل البيانات على أن الأطفال يتعلقون بآبائهم بقدر تعلقهم بأمهاتهم، غير أن الطفل تحت الضغط فإنه يقوم بالبحث عن الأب، بنفس القدر كالأم، وهو ما يرتبط عادة بأنشطة اللعب الأكثر حدوثًا والتي يشترك فيها الأب مع الأطفال. إن الاعتمادية تتولد هي الأخرى في فترة الطفولة المبكرة، وهي تشير إلى سلوك الطفل الذي يتم تعلمه بالمكافآت الأبوية، وتدل الأبحاث على وجود علاقة بين أنواع الأبوين والاعتمادية على عدم وجود صفة عامة.
стр. 878
إن العدوانية أيضًا تم تعلمها وخاصة عن طريق النموذج الوالدي، والأطفال الكبار يميلون إلى استخدام العدوان اللفظي أكثر من العدوان البدني والعكس بالنسبة للأطفال الصغار، والعدوان الخيالي يزداد أيضًا في مرحلة الطفولة المبكرة والمتوسطة ويقل في مرحلة المراهقة، كما أن الذكور عادة أكثر عدوانًا من الإناث، وقد يرجع سبب ذلك إلى الفروق في التنشئة الاجتماعية.
стр. 879
الفصل الثامن: العلاقة بالأقران
مدخل
...
الفصل الثامن: العلاقة بالأقران
مقدمة:
إن جزءًا كبيرًا من التنشئة الاجتماعية للطفل يخضع لسيطرة الراشدين وذلك بسبب الصلة القريبة للطفل بالوالدين وغيرهما من الراشدين.. ولكن عندما يدخل الطفل إلى عالم جديد يهيمن عليه الأقران "في الروضة، في الشارع، في المدرسة"، فإن هؤلاء الأقران يصبح لهم تأثير متزايد على التنشئة الاجتماعية.. إن النظريات والأبحاث التي ستناقش في هذا الفصل تركز على الأدوار التي يقوم بها الأقران كلما قضى الطفل مزيدًا من أوقات اليقظة بعيدًا عن الوالدين، وفي نفس الوقت تحت تأثير مجموعة الأقران. فالتفاعل مع مجموعة الأقران له نتائج تكون أحيانًا بالغة الأهمية والقيمة.. ومن السمات الفريدة لعلاقات الأقران هي الفرصة التي تتاح للقيام بأدوار الراشدين فالطفل مثلًا قد يقوم بدور الرئاسة أو الزعامة أو التبعية، ويتعلم أي هذه الأدوار أكثر مناسبة، كما يستطيع الطفل أيضًا أن يقوم بأدوار خلاف تلك التي قابلها في العلاقة مع الراشدين، وبهذه الطريقة يستطيع الطفل أن يتعلم كيف يسلك في مختلف المواقف ويكون أنماطًا أو أدورًا سلوكية تصلح تمامًا في محرلة الرشد، وبالطبع فإذا كانت الأنماط السلوكية غير مناسبة فإن الأمر يتطلب تكوينه أنماط جديدة، ففي مرحلة الطفولة يكون هذا التغيير على قدر مامن السهولة حيث أن أخطار الطفل لا يكون لها في العادة نتائج غير قابلة للارتداد كما هو الحال في مرحلة الرشد، كما أن جماعة الأقران تقدم للطفل فرصة المستحبة.. ويصبح تأثير جماعة الأقران على توافق الطفل هامًا بصفة خاصة في مرحلة المراهقة عند محاولة الاستقلال والهيمنة "Cooley ١٩٦٩". إن الباحثين في مجال علاقات جماعة الأقران في مرحلة الطفولة قد حاولوا إيجاد إجابات عن عدة تساؤلات هي:
- كيف تتكون جماعات الأقران، وما هي التغيرات التي يمرون بها في أثناء هذا التكوين والاستقرار والتفرق؟
- وما هو خط الصداقة مع الأقران من نفس الجنس ومن الجنس الآخر؟
- كيف تؤثر جماعة أقران الطفل على تعلم الطفل واكتسابه للمعايير الاجتماعية؟
стр. 880
- كيف يؤثر الأقران في نمو الطفل، وفي نمو احترام الطفل لذاته وإدراكه لذاته؟
إن هذا الفصل يصف تشكيل جماعات الأقران في مرحلة الطفولة، وتأثير هذه الجماعات على الطفل في حد ذاته، وفي تعزيز الأقران على سلوك الطفل، ودرو الأقران كنموذج للنمو الاجتماعي..
стр. 881
صعوبات دراسة علاقات الأقران:
لكي يتوصل علماء النفس إلى إجابات عن المسائل السابقة استخدموا وسائل الملاحظة وأدوات استقصاء ومقابلات.. وكما هو الحال في كثير من الأبحاث حول المسائل المتعلقة بالتنشئة الاجتماعية فإن هناك مشاكل تحد من البحث الذي يمكن القيام به وقد تعوق تفسير المعطيات أو النتائج التي يتم التوصل إليها. فالنتائج التي يمكن التوصل إليها بهذه الطرق حول علاقات الأطفال قد تؤدي إلى معلومات خاطئة أو غير كاملة، ويكون من الصعب استخدامها مع أطفال أصغر سنًا قد تكون إجاباتهم غير متعلقة أصلًا بالأسئلة المطروحة، أو ينسون أو يشوهون إجاباتهم عن غير قصد. والبديل لذلك هو استخدام الملاحظات حول مسألة ما: إذا أردت مثلًا أن تعرف كيف تتكون مجموعات الأقران يجب أن تقوم بملاحظة سلوك الأطفال في الملعب أو في حجرة الدراسة أو في الشلة وجماعة الجوار، وهذا يتطلب قدر كبير من الوقت والجهد، علاوة على ذلك عينات الأطفال الذين نقوم بدراستهم قد لا يكونوا ممثلين لأي جماعة كبيرة، وإنما تمثل فقط قطاعًا صغيرًا وضيقًا من الأطفال.. فعلى سبيل المثال: أطفال من الطبقة الوسطى في سن ٣-٤ سنوات من إحدى رياض الأطفال أو الحضانات الخاصة إذا تمت دراستهم فمن الواضح أن المعطيات من هذه البيئة المنتقاة قد لا تكشف عن نفس الإجراءت التي نعمل بها في علاقات الأقران من أطفال الطبقة الوسطى المقيدين برياض الأطفال الحكومية أو الأطفال من مختلف الخلفيات الاقتصادية أو الاجتماعية. إننا نذكر هذه الصعوبات لسببين:
أولهما: أن الباحث يجب أن يدرك هذه المشاكل وأن يتعلم كيف يواجهها.
стр. 882
والثاني: هو أنه يجب أن نوفق بين العوامل المتضاربة.
فنحن نحتاج لأن نتذكر أن كثيرًا من الباحثين يدرسون نفس الظاهرة في مواقف مختلفة أو عينات مختلفة من الأطفال، أو يستخدمون وسائل مختلفة أو عينات مختلفة من الأطفال ومن ثم يتوصلون إلى نتائج مختلفة أو متضاربة عن الإجراءات التي تكمن وراء علاقات الأقران.. إن مثل هذه المعطيات المتباينة تبين الطريق لأبحاث المستقبل التي تهدف إلى إيضاح التناقضات.
стр. 883
جماعات الأقران واللعب
اللعب الفردي
...
جماعات الأقران واللعب:
معظم الأبحاث المتعلقة بعلاقات الأقران في مرحلة الطفولة أجريت على جماعات اللعب.. ولقد كانت أبحاث بارتن Parten حول التفاعل المبكر بين الأقران مؤكدة أن لعب الأطفال يتطور من الفردية إلى الجماعية في مراحل تطورية على النحو التالي:
أ- اللعب الفردي:
lndividual Play:
ويسود هذا النوع من اللعب في السنوات المبكرة من عمر الطفل حيث نلاحظ الطفل يلعب بجانب طفل آخر أو قريبًا منه، ولكن كلا الطفلين مشغولًا باللعب الفردي، ويكون لكل طفل الرغبة في اللعب بمفرده باستخدام الأدوات الخاصة
стр. 884
به، ولا توجد محاولات للاشتراك مع الآخرين أثناء اللعب.. ويقسم مارتن اللعب الفردي إلى نوعين.
١- اللعب غير المنشغل أو الشاغر Un-occupaied Play ويبدأ في العامين الأولين من عمر الطفل بالملاحظات الشاغرة حيث ينتقل الطفل سريعًا بملاحظاته وانتباهه من موضوع إلى موضوع، فهو أخاذ نباذ، يأخذ الشيء ثم سرعان ما ينبذه لينتقل لموضوع آخر، وهو حينما لا يجد ما يشغل به نفسه يتحول انتباهه إلى جسمه ويمضي يلعب بأعضائه المختلفة.. ويتطور هذه الملاحظات الشاغرة إلى نوع من اللعب يطلق عليه الملاحظات المتطفلة أو اللعب التطلفي "لعب المشاهدة" Looking on Play الذي يبدأ عندما يستمتع الطفل بملاحظة ألعاب الأطفال الآخذين، وقد يشترك معهم بالحديث اللفظي ولكن دون أن يشترك معهم في ألعابهم.
٢- اللعب الانعزالي "الانفرادي" Solitary Play وفيه يلعب بمفرده مع دميته أو لعبه الخاصة مستقلًا في نشاطه ولعبه عن الآخرين لذا: يطلق على هذ الشكل من اللعب الانعزالي المستقل.. وهناك نوع من اللعب الانفرادي يطلق عليه اللعب الانفرادي المتناظر وفيه يلعب الطفل مع أطفال آخرين مع احتفاظه بفرديته، ويحدث حينما يجتمع الأطفال في مكان ما ليقوم كل
стр. 885
منهم نشاطه منفردًا عن نشاط الآخرين ومقلدًا لما يقدمون به "فؤاد البهي السيد: ١٩٧٥، ٢٣٢، جوزال عبد الرحيم: ١٩٩٧، ٩٦، سهير شاش: ١٩٩٨، ٧٤".
стр. 886
ب- اللعب الجماعي:
Group Play:
ولا يظهر هذا النوع قبل الثالثة والرابعة من العمر حيث يلعب الأطفال بعض الألعاب القليلة معًا.. ومن الشائع في هذا اللعب أن يخطط الطفل لبعض الأنشطة ويأتي بطفل آخر ليلعب معه.. وكلما تقدم الطفل في العمر يزداد التخطيط للعب.. وفي مرحلة ما قبل المدرسة يقلد الأطفال في لعبهم ألعاب الأطفال الآخرين "Rubin eb al ١٩٧٦ ٤١٦" وينقسم اللعب الجماعي إلى عدة أنواع منها:
١- اللعب الموازي Paralle Play: ويشيع هذا النوع من اللعب في سن الثالثة، وهو لعب مستقل جنبًا إلى جنب يقوم به اثنان أو أكثر من الأطفال، وهم يعملون نفس الأشياء تقريبًا لكن بدون تعاون فعال وأن يكون باهتمام متزايد بسبب وجود نشاط البعض الآخر "مثل لعب اثنين من الأطفال مع بعضهما لبناء بيت".. وقد يتبادل الأطفال المشاركين الحديث القصير مع بعضهم البعض دون مشاركة فعلية في اللعب معًا، وقد يقلد الطفل أقرانه في ألعابهم ويلعب لعبته وهو بعيد عنهم، ويوزع انتباهه من لعبته ومتابعة
стр. 887
رفيع المكان عن كثب "سهير شاش: ١٩٩٨، ٧٥".
شكل "٨١" اللعب الموازي
٢- اللعب الترابطي Associative Play: يظهر هذا النوع من اللعب ابتداء من الرابعة من العمر وفيه يلعب الطفل مع أطفال آخرين في أنشطة متشابهة منظمة بطريقة فضفاضة Loosely organized. أي أن الطفل يلجأ إلى إنشاء أشكال من الجماعات يشاركها في الأنشطة المتشابهة ويستعمل نفس المواد والألعاب، ويأخذ الأطفال الأفكار من بعضهم البعض، ويستعيرون من بعضهم اللعب والأدوات، ويراقبون أنشطة الأطفال الآخرين
стр. 888
وينفذونها معًا.. وتتضمن المحادثات في مثل هذا اللعب طرح الأسئلة وعمل بعض المحاولات للتحكم فيما تشترك فيه المجموعة "Hirschi et al ١٩٩٤ ٢١-٢٠"
٣- اللعب التعاوني Co- operative Play وهو نوع من اللعب يتضمن تنظيم اجتماعي معقد لنشاط مجموعة الأطفال المشاركين فيه، ويكون هناك أهداف عامة متفق عليها يشترك فيها اللاعبون، إلى جانب سعى كل طفل منهم لتحقيق غرض خاص به. ويبدأ بتعرف الأطفال المشاركين على بعضهم، وتعرفهم على أهداف اللعبة ومعرفة متطلباتها، ويخضع كل طفل في لعبه لروح الفريق، ويؤدي عملًا أساسيًا يطلب منه، ويخضع لرائد أو زعيم يوجه نشاط الجماعة في ألعابها.. وهناك تقمص أدوار متبادلة "وينتظر كل فرد في جماعة اللعب دوره"، ويكون هناك إحساس قوي بالانتماء أو عدم الانتماء للجماعة، ويكون هناك تنظيم للمجموعة بغرض عمل منتج معين أو التمثيل الدرامي لموقف أو لعب لعبة منظمة، ويشمل الأهداف، ويقسم الجهد والتمايز في أخذ الأدوار وتنظيم الأنشطة.. إلخ "جوزال عبد الرحيم ١٩٩٧، ٩٦، سهير شاش: ١٩٩٨، ٧٥، ١٩٩٤ Heirschi"
стр. 889
٤- لعب العصابات Gan groups Play: ويطلق عليه نشاط العصابات.. وتسود مرحلة المراهقة وتتطور لتتخذ لنفسها صورا أعمق وتسيطر سيطرة كبيرة على أغلب نشاط الفرد في هذه المرحلة، وتهدف إلى تكوين مجتع صغير يحقق للفرد رغباته وأحلامه بما يتفق ومظاهر نموه.. وتبدو هذه المظاهر بوضوح بين الذكور أكثر مما تبدو بين الإناث.. وتبدو في صورتها السوية في الجماعات التي يرعاها المجتمع كالكشافة والجوالة وفي صورتها الشاذة تبدو في رفقة السوء الذين يقضون وقتا فيما لا يفيد "فؤاد البهي السيد: ١٩٧٥، ٢٣٣".
стр. 890
العوامل المؤثرة في اللعب بين الأقران:
١- العمر:
من بين الأبحاث الكلاسيكية عن تأثير العمر في نوع اللعب بين الأقران بحث أجراه باربر parpar "١٩٧٢" درس فيه أنماط اللعب لعدد ٤٢ من أطفال الروضة في سن من ٢-٤.٦ سنة، وكان قد سجل سلوكهم في ست مراتب: سلوك شاغر "غير مشغول"، لعب انفرادي، سلوك المراقب "كان الطفل مراقبًا ولكنه لم يلعب مع أطفال آخرين"، اللعب بالمشاركة "اللعب مع أطفال آخرين والمشاركة في اللعب"، واللعب التعاوني، ولعب ألعاب مع قواعد.. وقد سجلت ٦٠ حالة سلوك مدة كل منها دقيقة واحدة عن سلوك لعب الأطفال، وقد ذكر "باربر" أن المشاركة الاجتماعية كانت تزيد مع العمر فقد كان الأطفال الأكبر عمرًا يقضون وقتًا أطول في اللعب التعاوني واللعب بالمشاركة، ووقتًا أقل في الأشكال الأخرى من اللعب أقل من الوقت الذي كانت يقضيه الأطفال الأصغر "شكل: ٨٥"
стр. 891
وقد اقترح بارتن وآخرون. Parten et al "١٩٧١" أن اللعب الانفرادي "الانعزالي" هو نشاط من مستوى منخفض يدل على اللاجتماعية أو على تفضيل اللعب الخيالي.
وقد أوضحت دراسات أكثر حداثة عن اللعب الانفرادي أجراها بروفي وابرستون ومور Prophy Eberston & Moor "١٩٧٤" روبين، هورنونا ومايوني Roben Hornuna & Maioni "١٩٧٦" ودراسات أخرى عن اللعب الخيالي مثل دراسة ساندرز وهاربر Sanders & Harper "١٩٧٦" أوضحت هذه الدراسات وظيفة النوع الأول من اللعب، قد جعلت معلمي رياض الأطفال يسجلون أمثلة للعب الانعزالي بين تلاميذهم في أثناء فترات اللعب الحر.. وقد أوضحت بعكس النتائج التي توصلت إليها بارتن أن ما يقرب من ١٥% من كل حالات اللعب الانفرادي كانت تتكون من أنشطة موجهة لهدف وأنشطة تعليمية.. واللعب الانفرادي الذي يتطلب استخدام عضلات كان أيضًا يشكل ٢٤% من كل حالات اللعب الانفرادي.. وعلى ذلك: فإن أكثر أنواع اللعب الانفرادي نضجًا حدثت أكثر من الأشكال الأقل نضجًا والتي تدل على الانسحاب "التباعد" الاجتماعي، كما لوحظ أن حالات العناد قليلة الحدوث.. وقد حدث اللعب الانفرادي بالمكعبات، والأشكال الفنية، والألغاز، ولعب الأشكال، أو القراءة وكلها موجهة لواجب وموحية بالنضج.. وعند مراجعة معطياتهم ومعطيات الآخرين اقترح مور وزملاؤه وجود استمرارية في اللعب الانعزالي يتحرك فيها الأطفال من حالة المشاهدة المسلية إلى الفعل في أنشطة أكثر نشاطًا وتعبيرًا إلى أن يصبحوا مشتركين بشكل مستقل في أنشطة متعلقة بحل المسائل.. علاوة على ذلك كانت المعطيات "النتائج" تقترح أنه بالنسبة لمعظم الأطفال: فإن اللعب الانفرادي هو على الأقل نشاط طبيعي وربما كان نشاطًا وظيفيًا مفيدًا أكثر منه توافق اجتماعي غير سوى.
وتؤيد أبحاث أخرى عن لعب الأطفال وجهة النظر هذه عن وظيفة اللعب الانفرادي فقد لاحظ روبين وآخرون. Roben et al "١٩٧١" لعب صبيان وبنات من الطبقتين الوسطى والدنيا في إحدى رياض الأطفال، وسجل هؤلاء
стр. 892
الباحثين أربعة أنواع من اللعب المعرفي استنادًا إلى تصنيف "بياجيه سملانسكي" "١٩٦٨" في تبويبهم للعلاقة بين اللعب والمعرفة هي: اللعب الوظيفي الذي يتضمن حركات عضلية متكررة، واللعب البنائي الذي يتناول أشياء لبناء شيء، واللعب الدرامي: الذي يتضمن مواقف بديلة وخيالية ترضى حاجيات الطفل، والألعاب ذات القواعد وهذه الأشكال الأربعة "للعب المعرفي" قد سجلت في كل من مراتب "بارتن" للعب على أساس وظيفته الاجتماعية.
٢- العوامل الطبقية:
وفقًا لتحليل روبين وزملاؤه وجدوا: أن أطفال الطبقة المتوسطة الذين يقومون بلعب بنائي وبالمشاركة وبالتعاون أكثر من أطفال الطبقة الدنيا.. وقد اشترك أطفال الطبقة الدنيا في اللعب الموازي والوظيفي أكثر من أطفال الطبقة الوسطى، واشتركت البنات في الألعاب الأكثر بنائية والأقل درامية من الأولاد. وقد افترض هؤلاء الباحثين أن أنماط اللعب من المستوى المنخفض لأطفال الطبقة الدنيا تعكس الافتقار إلى المواد اللازمة في المنزل، وقد يجد أطفال الطبقة الوسطى أن أدوات رياض الأطفال غير مألوفة ولذلك فإنهم قد يقضون وقتًا في تفحصها وتناولها "اللعب الوظيفي"، ولكنهم يستخدمونها بعد ذلك في اللعب البنائي أو الدرامي.. ومن المحتمل أن يكون أطفال الطبقة المتوسطة أكثر ألفة بالأدوات ومواد اللعب التي يستخدمونها في أنشطة أكثر تقدمًا مثل اللعب البنائي أو الدرامي Ross Feitlson ١٩٧٥ Fitlwon Wintroy Wintroy& Michell ١٩٧٢ Robin et al ١٩٧٦". كما أن مقاييس المعرفة الاجتماعية تعكس أيضًا هذه الفروق مع أطفال الطبقة الدنيا القائمين باللعب الانفرادي الوظيفي واللعب الوظيفي الموازي، وأقل بالنسبة للعب بالمشاركة واللعب البنائي والتعاوني والدرامي من أطفال الطبقة المتوسطة. بالإضافة لذلك: فإن أطفال الطبقة الدنيا أظهروا مستوى أقل من اللعب الاجتماعي المعرفي من أطفال الطبقة المتوسطة..
стр. 893
إن معطيات أطفال الطبقة المتوسطة تتفق مع ما توصل إليه بارتن Partin قبل ذلك بأربعين عاما وبذلك تدل هذه النتائج على ثبات أشكال اللعب على الثبات عبر الأجيال.
٣- الجنس:
أوضح مور وزملاؤه Moore et al "١٩٧٤" أن الأولاد ينخرطون في مزيد من اللعب الخيالي أكثر من البنات، وأن أطفال الطبقة المتوسطة ينخرطون في مزيد من اللعب الخيالي أكثر من أطفال الطبقة الدنيا.
ويهتم علماء النفس بمواقف اللعب وأشياء اللعب "أدواته" في تنشيط اللعب الخيالي عند دراسة الفروق تبعًا للعمر والجنس.. ففي دراسة أجراها هاربر وساندرز Harper & Sanders "١٩٧٦" على أطفال ما قبل المدرسة في عمر ٣-٥ سنوات تبين منه: أن الأولاد أقبلوا على مزيد من اللعب الخيالي عن البنات، كما فعل ذلك الأطفال الأكبر سنًا عن الأطفال الأصغر.. فالأولاد والأطفال الأكبر تظاهروا بأنهم حيوانات أو أشياء ويبدون مشاعر أو سلوكيات إنسانية للتعبير عن أشياء غير حية كأن يلعبوا لعبًا تظاهريًا ويضعون قواعد تظاهرية.. أما اللعب الخيالي للأطفال الأصغر فيزداد مع مرور السنوات مما يدل على احتمالات نمائية قد تكون معرفية في القدرة على التخيل.. ويرى ساندرز وهاربر "١٩٧٦" أن الفروق بين الجنسين في اللعب الخيالي قد تعكس ظروف تتعلق بالموقف: فالمواد والأدوات التي يفضلها الأطفال الأكبر تسهل اللعب الخيالي للأولاد.. إن هذا الافتراض يتفق مع النتائج التي تشير إلى أن الأولاد ينخرطون في مزيد من اللعب التظاهري أكثر من البنات اللاتي يلعبن لعبًا أكثر سلبية وألعابًا أكثر تقييدًا. وهكذا: فإن التفاعلات الاجتماعية التي يعتبر اللعب جزءًا هامًا منها في هذه السن المبكرة كأنها تنبئ بالعلاقة الاجتماعية بين الأقران بعد ذلك..
стр. 894
تكوين جماعات الأقران:
تعريف جماعات الأقران:
إن جماعة الأقران أكثر من مجرد تجمع أفراد يتصادف وجودهم في نفس المكان في نفس الوقت.. فجماعات الأقران تتكون من أفراد متفاعلين مع بعضهم البعض، ولهما أهداف ومعايير مشتركة، كما أن جماعات الأقران يجب أيضًا أن يكون لها قادة وأتباع وربما يكون هناك تقسيم للعمل كذلك..
إن هذه الصفات التعريفية تنطبق أيضًا على الجماعات طويلة المدى وقصيرة الأمد. وكذلك على الجماعات الفورية.
أنواع جماعات الأقران:
لعل أول مجموعة أقران للطفل تستند إلى الجنس. وفي سنوات ما قبل المدرسة وحتى حوالي الصف السادس يشترك الأطفال بطريقة تكاد تكون كاملة مع الأطفال الآخرين من نفس الجنس، أما بعد ذلك فإن الطفل الذي يشترك مع أفراد من الجنس الآخر بدرجة كبيرة من المحتمل أن يوصف بأنه دلوعة أو مخنث أو أن البنت مسترجلة، ولا يعتبر لائقًا للطفل أن يكون مشاركًا مع أفراد الجنس الآخر بعد سن البلوغ.. ويبدو أن ذلك المبدأ يعكس نمط من التنشئة والثقافة الفرعية للمجتمع الذي يعيش فيه الطفل ومحاولات الأباء عن قصد أو عن غير قصد تشجيع نمو أدوار جنسية لائقة.
وثمة عامل آخر هام في عضوية مجموعات الأقران هو العمر: ففي فترة الطفولة فإن أعضاء فريق الأقران عادة ما يكونون من نفس السن، ومن المحتمل أن هذه الظاهرة تنبع من الفروق في السن ونوع الاهتمامات والقدرة البدنية في اللعب والقدرة على اتباع قواعد الألعاب.. وعادة ما يصادف طفل الروضة صديقًا أو اثنين لفترات زمنية قصيرة، ولا تتجاوز جماعة الأطفال في هذا السن ثلاثة أفراد وبالرغم من قلة أفراد جماعة الأقران، وبالرغم من أنها وقتية إلا أنها المجال الأساسي الذي يتدرب فيه الطفل على التبادل الاجتماعي في صورته
стр. 895
البدائية، وهي المجتمع الذي يخبر فيه كل طفل شتى المشاعر التي غالبًا ما سيخبرها في المجتمع الأكبر فيما بعد.
وبواسطة هذا التفاعل بين الطفل ورفاقه في مثل هذه تتاح له الفرصة في أن يكون على دراية متزايدة بالفروق بين الناس حيث يرى الطفل أطفالًا أكبر منه، وآخرون أصغر منه، البعض أشجع منه وأكثر عدوانية أو أكثر أنانية، والبعض أجبن منه أو أكثر حذرًا وأكثر خجلًا. بعض الأطفال ينتمون إلى أسر ذات مراكز مختلفة قد تختلف عن أسرته، البعض له إخوة وأخوات والبعض ليس له، البعض له آباء شباب والآخر لديه أباء كبار في السن، والبعض ليس له أبوين.. إلخ.. هذا النمو في الاشتراك مع الأقران يعتبر خبرة واسعة بصورة كبيرة لدى الطفل مما يسهم في تكوين اتجاهات الأطفال نحو أنفسهم ونحو عالمهم.
تكوين جماعات الأقران:
أجرى شريف وآخرون Sherif et al عددًا من الدراسات الممتازة عن تكوين مجموعات الأقران.. وفي إحدى هذه الدراسات بحث شريف وشريف Sherif & Sherif "١٩٧٣" تكوين جماعات الأقران بين أولاد "صبية" من الطبقة الوسطى في معسكر.. وفي المرحلة الأولى من التجربة تشكلت مجموعتان من الصبية أعطت كل منها لنفسها اسمًا خاصًا بها.. وقد روعي أن تظل المجموعتان منفصلتين عن بعضهما، وسمح لهما أن تظل كل منهما مندمجة مع بعضها لمدة ثلاثة أيام لإتاحة الفرصة لقيام الصداقات.. وفي المرحلة الثانية قصمت المجموعتان كل منهما إلى مجموعتين متساويتين، وتشكلت مجموعتان جديدتان، ولوحظتا لمدة خمسة أيام، وقد روعي أن يكون هناك تشابه قريب من ناحية الشخصية والقدرات في هاتين المجموعتين، وجرى ذلك بمعرفة المشرفين على المعسكر ومرة أخرى روعي أن تظل المجموعتان منفصلتين في حين تقوم كل مجموعة بأنشطتها الخاصة.. وفي المرحلة الثالثة وضعت المجموعتان في موقف مباراة الواحدة مع الأخرى.
стр. 896
وقد اختبرت هذه الدراسة ثلاثة افتراضات:
- الافتراض الأول: أن الأفراد الذين يتجمعون بطريقة عشوائية يكتسبون صفة الجماعة: قادة وأتباع، صداقات، تقسيم العمل ... وما شابه ذلك.
- الافتراض الثاني: تتكون معايير مشتركة واتجاهات وقيم مشتركة.
- الافتراض الثالث: أن العدائية بين المجموعات تنشأ إذا ما وضعت المجموعات في حالة تنافس.
ولقد عززت النتائج بوضوح كل هذه الافتراضات:
ففي المرحلة الأولى: ظهرت الصداقة وعلاقات مكانية ولكن ذلك تغير وتكونت أنماط صداقة جديدة، وفي المرحلة الثانية، على الرغم من أن نصف عدد الصبية في كل مجموعة كانوا يعرفون بعضهم البعض من المرحلة الأولى فقد تكونت في كلتا المجموعتين طبقية هرمية من قادة وأتباع، ومع أن القادة كانوا يميلون لأن يكونوا أكثر أعضاء المجموعة شعبية، فإن القيادة والشعبية لم تكونا على ارتباط كامل إحداهما بالأخرى، كما أن كل مجموعة وضعت معاييرها الخاصة في فترة الأيام الخامسة من المرحلة الثانية: فالاتجاهات نحو بعضهم البعض، ونحو المعسكر والأنشطة التي تجري فيه، وظهر مفهوم "نحن" مقابل "هم" ظهرت في كل مجموعة.. مع أن الصبية في كل مجموعة أظهروا استهزاء بالمجموعة الأخرى فإنه لم تحدث عدوانية حقيقية، وقد تكونت الصداقات بصفة خاصة مع أعضاء الفريق الحالي.. وفي المرحلة الثالثة: حدث أن إحدى المجموعتين كانت تفوز دائمًا في المباريات، وكانت النتيجة إحباط شديدًا لدى الفريق الخاسر، وتبع ذلك عدائية بين المجموعتين، وفقدان الثقة والتضامن في داخلية المجموعة الخاسرة.
وقد كرر شريف وآخرون "١٩٧٩" هذه التجربة ووسعوها في دراسة عن تكوين جماعات الآخرون بين ٢٢ صبيًا من الصف الخامس في إطار معسكر، وقد فصل الصبية في مجموعات متساوية مع مراعاة ألا تعلم أي مجموعة شيئًا عن وجود المجموعات الأخرى، ومرة أخرى سرعان ما اكتسبت المجموعات سمة
стр. 897
جماعات الأقران غير أنه في هذه الدراسة كان التنافس بين المجموعات يخضع لسيطرة بحيث أن كلتا المجموعتين حققتا نفس العدد من مرات الفوز والهزيمة، غير أن التنافس كانت له نفس النتيجة كما في التجربة السابقة وهي ظهور عدوانية شديدة بين المجموعات، مع أن التضامن داخل المجموعات ظل قويًا. وفي خلال مرحل التنافس حصل تغير في تكوين المجموعة، وبرز قادة جدد في المقدمة وذلك على أساس التميز في أثناء المباريات "وقد توقفت أدوار القيادة في المجموعتين على الأهداف المباشرة للفريق".. وفي المرحلة الأخيرة كان على المجموعات أن تتنافس في تحقيق حاجة مشتركة، وقد أدى ذلك إلى فرض التعاون وقلل من الصراع بين المجموعات، وزاد اختيارات الصداقة عبر خطوط المجموعة.
إن الدراسات التي قام بها شريف وزملاؤه لها تأثيرات عملية منها أن:
- تكون مجموعات جديدة من مجموعتين أو أكثر بينها عدائية، مع توفر هدف مشترك يمكن أن يؤدي إلى خفض درجة العدائية.
- وأن تهيئة الفرصة لمجموعتين بينهما عدائية للعمل معًا يمكن أيضًا أن يقلل من العدائية في داخلية المجموعات.
الاختلافات الثقافية وتكوين جماعات الرفاق:
قبل أن تحدث عملية الاشتراك أو الاندماج في الجماعة تقابل الفرد بعض الشروط فيها؛ إلى أي مدى يعتمد الفرد على أقرانه، إلى أي مدى يرتبط ويحتك الفرد بأقرانه، ثم إلى مدى تكون درجة تحرره من تحكم الكبار. فعلى سبيل المثال وفي المجتمعات البدائية كانت هناك علاقات وطيدة بين الأقران وكانوا يعتمدون على بعضهم إلى درجة كبيرة بالذات في المجتمعات المحاربة أكثر منها في المجتمعات المسالمة. هذا لأنه بخصوص المجتمعات المحاربة نجد أن الأقران يكونوا أصدقاء أو زملاء حرب خلال حياتهم العسكرية. وربما لهذا السبب نجد أن المجتمعات المعادية أو المحبة للحرب agressive cultures تعطي اهتمامًا وقيمة كبيرة لعملية الحرب واستقلال الطفل عن الوالدين والتحرر من تحكمهما. وهي في ذلك تفوق بكثير المجتمعات المسالمة أو الخيرية. أما في المجتمعات المعاصرة
стр. 898
الصناعية والغنية فهي لا تحتاج لمجهود الطفل واستغلاله في العمل، ولهذا تسمح للأفراد الصغار بوقت فراغ أكبر وبالتالي فرص تكوين جماعات الأقران أوسع وترابطها أقوى.
وتقدم لما "بوهم" Boehm" "١٩٥٧" دراسة توضح لنا فيها أن تحكم الكبار والتحرر منه حدث بصورة جلية مبكرًا في الولايات المتحدة أكثر منه في أوربا. وقد اعتقدت أن الوالدين Parents في أمريكا كانوا أقل شعورًا بالأمن وكذلك أقل تأكيدًا من أن طريقهم هو الطريق الصحيح، ولذلك كان لديهم الاستعداد للرضوخ لضغوط أطفالهم أكثر مما كان لدى الأوربيين. وفي الولايات المتحدة أيضًا نجد أن جماعات الأقران كان أقوى منها في أوربا. فمعظم الأوربيين لا يسمحون لأطفالهم بالاحتكاك بذويهم بنفس الدرجة في أمريكا. وخلال عمليات الاحتكاك وجدنا أن مجتمعات الأقران في أمريكا قد اكتسبت قيمًا ومبادئ واضحة ومحددة وقدرة على تدعيم العلاقات بين أعضاء المجموعة الواحدة بل وإجبار الأعضاء على الولاء للجماعة. ولم تستطع الأسرة في أمريكا أن تقف أمام الضغوط التي تمارسها جماعات الأقران على الطفل حيث ينصاع الطفل لأوامر الجماعة بصورة كبيرة. ويحتمل أن يكون تغيير وجهة الثقافة الأمريكية خلال فترة معينة، وكذلك الاختلاف بين الثقافة الأمريكية والثقافة الأوربية، ربما يكون راجعًا في جزء منه إلى الدور المتزايد الذي تلعبه جماعات الأقران في أمريكا وقوة هذا الدور عنه في أوربا:
وفي أوربا الغربية وكندا يعتبرون انضمام الطفل لإحدى جماعات الأقران كثورة من قبل الطفل على قيم ومبادئ الراشدين. ومجتمعات أخرى تستخدم جماعات الأقران في غرس القيم والمبادئ التي يعتنقها الكبار. وفي إحدى الدراسات التحليلية عن تربية الأطفال في الاتحاد السوفيتي لاحظ برنفبرنر Bronfenbrenner أنه -وبالذات في المدارس- تعتبر جماعة الأقران نبعًا أساسيًا للقيم والتنظيم. فمثلًا إذا تولى مجموعة من الراشدين جماعة من الأطفال فإنهم يوضحون لهم السلوك الذي يستحقون عليه المكافأة ويقدمون هذه المكافأة من خلال الجماعة نفسها وبمجهود جماعي. وفي المدرسة نجد أن الأطفال الذين يكونون صفًا
стр. 899
row معينًا داخل حجرة الدراسة يكونون مسئولين عن بعضهم. فالمجموعة ككل مسئولة عن تصرف أي فرد فيها. فإذا تعوق أحد الأطفال في تعلم الكسور مثلًا نجد أن رائد الصف يتولى تعليمه Tutoring بنفسه أو بالاستعانة بأفراد آخرين من نفس الصف. وإذا كان هذا الطفل عابثًا فيعلمونه الجدية. وإذا كان كسولًا فيقومونه جميعهم. والصف الدراسي الذي يظهر نشاط أحسن وإنجاز أفضل يكافأ في صورة مكافآت مادية ومعنوية. وعلى نفس المنوال تتنافس الفصول مع بعضها، وكذلك المدارس. فأعضاء كل جماعة سواء كانوا في صف دراسي أو فصل أو مدرسة يعلم كل منهم الآخر وبهذا يمثلون منبعًا مباشرًا لتدعيم وتقوية الجماعة.
стр. 900
تقبل الأقران
مدخل
...
تقبل الأقران:
Acceptance By Peers:
إن المقياس الذي غالبًا ما يستخدم للتعرف على درجة تقبل مجموعة من الأقران لأحدهم هو طريقة القياس الاجتماعي التي استخدمها مورينو "Moreno" "١٩٣٤" وهذه الطريقة بسيطة جدًا وتتلخص في أن يسأل الفاحص مجموعة المفحوصين سؤال هذه الأسئلة:
- من الذي تحبون أن يجلس بجواركم في حجرة الدراسة؟
"سؤال لأطفال السادسة".
- من الذي تفضلون أن يطير معكم؟
"سؤال لمجموعة من الطيارين المحاربين".
- من هو أفضل أصدقاءك؟
"سؤال لأطفال الروضة".
وغالبًا ما يمكن الاعتماد على تقبل الجماعة للفرد كمقياس لمكانة هذا الفرد في الجماعة. ويمكن أن تصاغ مثل هذه الأسئلة بالنفي، ولكن بصفة عامة لا تكون هكذا. ويلاحظ أيضًا أنه كلما كانت عملية الاختبار متسعة في جماعة محدودة فيجب أن تبتعد عملية القياس النفسي هذه عن الأسئلة الخاصة بترابط الجماعة. فعلى سبيل المثال لو سألنا أطفال في مدرسة محدودة العدد ١ imited member عن
стр. 901
أسماء من يفضلون من الأصدقاء فنجد أن الاختيار يقع على عدد قليل جدًا داخل المدرسة. ولذلك سوف لا تكون هذه الجماعة ذات أهمية في نظر أعضائهما.
وتشير الدراسات الخاصة بالقياس النفسي إلى أن هؤلاء الأفراد الذين يكونون خارج الجماعة ويكونون جماعة معينة، هذه المجموعة تحتاج للمساعدة حتى تصبح متكيفة اجتماعيًا مع باقي أقرانهم. وتوضح هذه الدراسات أيضًا أنه كلما طال عمر الجماعة تناقص عدد المنفصلين عنها اجتماعيًا، وتحللت المجموعات الخاصة، وتزايدت الصداقات بين أعضائها ككل.
إن السبب الرئيسي لاستخدام مثل هذه المقاييس هو محاولة التأكد من صحة هذه الجماعات. هذه الصحة التي تقوم أساسًا على الرضا Satisfaction بين أعضاء الجماعة. وهنالك سؤال يطرح نفسه أولًا وهو: ماذا يحدث إذن لجماعة ما بليت بالفقر أو الضعف النفسي؟، والإجابة تقول: أنه من الأفضل أن تحل هذه الجماعة ويوزع أعضاءها على جماعات أخرى Other groups لأن احتمال استمرار حياتهم الطبيعية يكون ضعيفًا جدًا، هذا إذا كانت هذه الجماعة فرقة محاربين مثلًا. وينسحب هذا الحكم أيضًا على مجموعات الأطفال، حيث أن حل جماعة معينة واستبعاد مجموعة من الأعضاء فيها قد يكون حلًا لمشاكل كثيرة. وينطبق هذا بالذات على الطفل الصغير الذي يعاني من النبذ rejection وعدم الالتفات إليه.
ويقول أندرسون Anderson "١٩٥٦" أنه لا يمكن لنا أن نتنبأ بدرجة كبيرة من الدقة بمدى تكيف أو تقبل طفل ما في جماعة معينة، فطفل مثلًا لا تلتفت إليه جماعة معينة يحتمل أن تتقبله جماعة أخرى كرائد لها.
ومع تقدم السن يظهر الثبات في السلوك ويستمر تعلم الأدوار الاجتماعية Social roles ولهذا تختلف عملية التقبل باختلاف السن فالطفل إذ نبذ بعد أن يكون قد كبر في جماعة معينة فلا يمكنه له أن يستفيد كثيرًا من تحوله لجماعة أخرى. لأنه يكون قد أتقن أدوارًا اجتماعية معينة، ويكون أيضًا قد تكونت عنده اتجاهات trends واستجابات لا يمكن أن تتمشى مع ظروف الجماعة الجديدة، ومن المفضل
стр. 902
أن نعلم هذا الطفل المهارات والقيم التي تفضلها الجماعة الأصلية original group كما فعل جاك Jack "١٩٣٤" وبيج Beaj "١٩٣٦"، أو نعلمه الاستجابات الناضجة كما فعل كاستر Keister "١٩٣٧". وفي مثل هذه الأمور يعتبر النضج الاجتماعي عاملًا أساسًا من عوامل النجاح.
стр. 903
عوامل التقبل
...
عوامل التقلل:
Factors ln Acceptance:
تعد كثيرًا من السمات الشخصية للأفراد مسئولية عن درجة تقبلهم أو عدم تقبلهم في جماعة معينة. واكتشاف هذه السمات يفيد في نواحي كثيرة. فيستخدم مثلًا في حل مشكلة تمكين الأطفال من إيجاد بعض درجات التقبل، وكذلك الحصول على بعض الاستنتاجات الخاصة بالاتجاهات والقيم التي تفضلها الجماعة.
ومن هذه العوامل ما يلي:
١- النضج الاجتماعي: Social Maturity
يعتبر النضج الاجتماعي، كما تراه الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، من الركائز الأساسية للتقبل الاجتماعي سواء في الطفولة أو الرشد adulthood، وتعتبر مرحلة الطفولة من المراحل التي لها أهمتها ربما لأنه خلال هذه المرحلة يمر السلوك الاجتماعي للطفل بمراحل خطيرة. والخلاصة هي أن التقبل الاجتماعي يعتبر إلى حد بعيد انعكاسًا للنضج الاجتماعي. وإذا كان للعمر الزمني للطفل تأثير فكذلك العمر العقلي Mental Age الذي لابد وأن نشير إليه عند الحديث عن النضج الاجتماعي، فتشخيص الضعف العقلي يرتبط بالكفاءة الاجتماعية Social Competence فمثلًا الشخص الذي تكون نسبة ذكاءه ٥٠ والذي يسلك أو يتصرف بطريقة مقبولة ومعقولة فلا نعتبره عاجز عقليًا، بينما آخر تكون نسبة ذكاءه ١٠٠ إذا لاحظنا عليه عدم الكفاءة الاجتماعية فيمكن اعتباره كذلك.
٢- الجنس Sex
لا تعتبر عملية النضج الاجتماعي فقط هي المسئولة عن تقبل جماعة الأقران لأحدهم. ولذلك فإن أحد المحددات الأساسية والهامة important detrminants التي ترتبط بتقبل الأطفال لطفل آخر هو جنس الطفل. ففي مرحلة
стр. 904
الطفولة نجد أن الانفصال الجنسي ملحوظ ويحتمل أن يكون هذا أساس فكرة فرويد Freud عن مرحلة الكمون حيث يترك الطفل الوالد من الجنس المخالف "البنت تترك أبيها والولد يترك أمه" كشيء يريد الاستئثار به، وفي نفس الوقت يترك كل أعضاء الجنس المخالف ويكون اتجاهه لنفس جنسه حتى الوصول لمرحلة معينة من النضج الجنسي. فالبنات يبتعدن عن الأولاد أولًا وبعد فترة محددة يبدأ الأولاد في الثأر لأنفسهم بابتعادهم عن البنات. وفي المدرسة الثانوية تبدأ البنات مرة أخرى في اقترابهم من الأولاد. ولكن الأولاد بسبب بطء نضجهم وعدم اكتمال الحساسية الاجتماعية لديهم يستمرون في ابتعادهم عن البنات "Harris & lseng ١٩٥٧"، وتوضح لنا هذه الدراسة أيضًا أن البنات أكثر عنادًا من الأولاد في ابتعادهن عن أنفسن وعن الأولاد. ولأن عنادهن أو رفضهن هذا يشملهن أنفسهن، فنجدهن أقل رضا عن دورهن أو الأدوار التي تخول إليهن وبهذا تكون نفسياتهن أضعف وبالذات في الحضارات الغربية حاليًا.
٣- الطبقة الاجتماعية Social Class
تلعب الطبقة الاجتماعية أو نظام الطبقات دورًا هامًا أيضًا في عملية تقبل الأقران. ويكون لذلك تأثيره الواضح أثناء مرحلة الطفولة بالذات. ويزداد هذا التأثير عندما يصبح الأطفال أكثر دقة في حكمهم وإدراكهم للنظام الطبقي أو نظام الطبقات الاجتماعية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن التشابه في الأفكار والقرب في المكان أو الزمان يعد من المحددات الهامة في عملية اختيار الأصدقاء وإقامة العلاقات. والصداقات الثابتة بالذات في الطفولة المتأخرة والمراهقة تعتمد إلى حد ما على عاملي الطبقة الاجتماعية والجنس "السلالة والعرق" Race.
وعملية تقبل الأقران لأحدهم ليست دائمًا في صالح الفرد وكذلك نبذهم أو رفضهم له ليس باستمرار في غير صالحه. فالنجاح في مرحلة الرشد يعتمد إلى حد ما على العجز في القدرة على الاختلاط مع الأقران. "Mc Curdy ١٩٥٧".
стр. 905
الأقران وعملية التطبيع الاجتماعي
مدخل
...
الأقران وعملية التطبيع الاجتماعي:
لكي نحصل على رؤية عن أهمية الأقران في التطبيع الاجتماعي للطفل، فإن الأمر لا يتطلب سوى التفكير في العالم الاجتماعي الذي يحيط بالطفل الآخذ في النمو.. إن المواجهة الأولى مع الأقران يحتمل أن تكون مع أطفال الجيرة، وفيما بعد يحدث ذلك في الروضة أو في المدرسة حيث يلتقي الطفل بأعداد كبيرة من الأقران يفرض عليه فيها لقاءات ذات أمد طويل كما يحدث في المدرسة.. وفي هذه المشاركات الإجبارية يجب على الطفل أن يوفق بين رغباته وسلوكه لكي يتناسب مع الآخرين الذين يحدث التفاعل معهم، وهذا التوافق قد يؤدي إلى تعلم أنماط جديدة للتفاعل أو لتغيير العادات القديمة، ويجب على الطفل أن يتعلم مشاركة الآخرين، وأن يفهم أن الآخرين قد تكون لهم أهداف مختلفة، وأن يتعامل مع الصراعات التي لا مناص من حدوثها، والمصاعب التي تنشأ جزئيًا عن الخلفية الخاصة للطفل، والطريقة التي نشأ بها.. وأهم الصعوبات في التوافق مع الأقران قد تحدث عندما توجد فروق كبيرة في تلك السمات الخاصة بالتنشئة، ومن المحتمل أيضًا أن التنشئة الاجتماعية التي يقوم بها الأقران تكون أقوى أثرًا في هذه الأحوال.
فلا شك أن الأقران يعززون بعض المهارات الاجتماعية للطفل دون البعض الآخر، كما أن الأقران يعملون أيضًا كنماذج جديدة للسلوك الاجتماعي سواء كان مقبولًا أم غير مقبول، وعندما يواجه الطفل هذه النماذج الجديدة للتقليد والتعرف يجب عليه أن يختار أكثرها مناسبة لاحتياجاته. وأخيرًا: فإن الطفل يلتقي بأقران تختلف وجهات نظرهم وسلوكهم عما عمله إياها الوالدان، وهذا الاختلاف في الأيديولوجيات كثيرًا ما يولد صراعات بين الوالدين والطفل أو بين الطفل ووالديه، ويجب على الطفل أن يتعامل مع هذه الصراعات بحيث يحافظ على علاقات سلسلة مع كل من الوالدين والأقران. ويظهر تأثير الأقران في التطبيع الاجتماعي على النحو التالي:
стр. 906
١- التوحد:
ldentification:
يقول فرويد: إن الطفل في بداية تكوين مدركاته وأفكاره يتولد عنده اعتقاد بأنه قوي جدًا وأن العالم هذا ما هو إلا امتداد له. ويشير بياجيه piaget إلى أن ما أقره فرويد يعتبر صادقًا إلى حد بعيد. فيتعلم الطفل في سن الشهور الست الأولى أنه والعالم الخارجي ليسا كيانًا واحدًا. ومن هنا ينطلق علم النفس الفرويدي إلى مفهو الذات أو "الأنا" "ego"، وتطوره عند الشخص. وعندما ينفصل الطفل عن باقي العالم من حوله فيصبح مدركًا لحقيقة أنه لا حول له ولا قوة، مجرد مخلوق بلا أي قوى تحميه في عالم يتهدده.
ويقول أوسوبل Ausubel "١٩٥٨" إنه بأنه كرد فعل لهذا الإحساس بانعدام القدرة وقوة الطفل على حماية نفسه، يبدأ الطفل في الهروب من الخوف المرتبط بهذا، فيعود الطفل للتوحد مع الوالدين identify with parents الذين يمثلون بالنسبة له أكبر قوة في عالمه الخاص، وبهذا يستعيد الشعور بالقوة مرة أخرى. وفي بعض الحالات نجد أن الوالدين لا يسمحان لأبنائهما بالتوحد معهما أو لا يعطيانهم الفرصة لتحقيق هذا، ولهذا السبب يستمر الطفل قلقًا anxious ومتخوفًا Fearful وإذا حرم الوالدين الطفل من فرصة التوحد فنجده يتجه للتوحد مع أحد الأقران. وقد أثبت هذا بحث أجراه ليسر lesser وأبيلسون Abelson "١٩٧٩". فقد أثبتت تجربتهم أن الطفل الذي يحرم فرصة التوحد مع الوالدين يكون لديه استعداد تام للتوحد مع أحد الأقران. ولهذا السبب نفسه نجد أن العلاقة الوثيقة بين الطفل ووالديه تحفظه من الانحراف أو الانزلاق مع جماعات ارتكاب الجرائم.
ويختلف الأطفال الذين تتاح لهم فرصة التوحد مع والديهم عن هؤلاء الذين يتوحدون مع أقرانهم. فنجد أن النوع الأخير يعاني من النقص في التحكم أو الضبط الداخلي inner Controls والضمير Conscience، وهما بدورهما يعتمدان إلى حد بعيد في نموهما وتطورهما على علاقة الحب والتعاطف بين الطفل والوالدين. وكما يقول "ريزمان" Riesman أن هؤلاء الأطفال يكونوا أكثر إمعية وإنصياعًا للآخرين ويقل اعتمادهم على أنفسهم. وعلى حد تعبير فرويد، فإن مثل هؤلاء الأفراد يكون لهم أكثر من "أناعليا" Superego، أي أنهم يتقبلون في آرائهم
стр. 907
وتصرفاتهم حسب الجماعة التي ينتمون إليها وقتما تتاح لهم فرصة الاشتراك في أي جماعة. وهذا يوضح لنا أن الأطفال الذين يحرمون من التوحد مع والديهم مبكرًا يسرعون للتوحد مع أقرانهم ويظهرون ولاء تامًا لثقافة الجماعة واتجاهاتها.
وتوضح نظرية أوسوبل Ausubel حقيقة أن الطفل الذي ينبذه والداه يتجه لأقرانه. فمن المشاهد حقيقة أن الجماعات من الشباب الصغار والتي تتكون لارتكاب الجرائم، غالبًا ما يكونوا من بيوت لا تعطيهم الاهتمام والرعاية الوالدية المطلوبة ولا تربطهم علاقات والديه مع آبائهم.
وقد ركزنا خلال مناقشتنا هنا لعملية التوحد مع الأقران على الجوانب المرضية، والاضطرابات في وظيفة هذه العملية. نعود فنقول بأن عملية التوحد لا بد وأن تتم بين الطفل وأقرانه ولكن بدرجة معينة وهذا لأنها تعتبر شيء عادي ومفيد في نفس الوقت بالنسبة للطفل ونموه. وهناك اتجاه خاص في الثقافة الغربية يهدف إلى تربية الطفل بإعطائه درجة معينة من الاستقلال فيحاول الطفل أن يحرر نفسه من تحكم الوالدين وفي نفس الوقت يحاول الوالدان أن يستعيدوا هذا التحكم ولكن بكل تحفظ وحذر.
والتوحد مع الأقران يبدو كعامل مساعد للطفل على التحرر من الارتباط بالوالدين، فهو يعطيه الأمان الكافي Enough security أو يدعم موقفه حين يحتج أو يعترض الوالدان في لحظة من اللحظات على استقلاله. وملحوظة أخرى وهي أننا نجد أن الطفل يجد نفسه مضطرًا للارتباط بالجدول الزمني Timetable الخاص بأقرانه من نفس الجنس والسن. على سبيل المثل طفل التاسعة الذي لا يسمح له بالقيام ببعض الممارسات المعينة أو ارتداء ملابس معينة، وإذا كان يسمح لأقرانه بهذا، فيوجه إليه اتهام غير ناضج ومتأخر، ومن هنا يبدأ الطفل في الضغط على والديه وكذلك من قبل أقرانه وفي النهاية يخضع الوالدين. وبهذا يكون الطفل قد خطى خطوة نحو الاستقلال والتحرر من تحكم الوالدين بفضل إرتباطه بأقرانه وتوحده معهم.
стр. 908
٢- التعليم:
Learning:
تحدث كثير من عمليات التعلم بين جماعات الأقران. ورغم أن هذه الجماعات ليس لديها سلطة الأسرة التقليدية أو سلطة المدارس الشرعية الخاصة بالتعليم وتلقين القيم والمبادئ، إلا أننا رغم ذلك نجدها تنقل قدرًا كبيرًا من هذا لأعضائها.
وقد لاحظ "بياجيه" أن للألعاب Games وظائف حيوية وهامة لتدعيم التطبيع الاجتماعي. فمن خلال الألعاب يحكم الأطفال بعضهم إلى بعض، وفي نفس الوقت يصدرون أحكامًا مبتورة وغير ناضجة. ويوضح بياجيه السبب في ذلك قائلًا إن هذا يرجع إلى ضغط الكبار، وكذلك جمود عمليات التفكير عند الأطفال الصغار أنفسهم. وكما يرى بياجيه أنه خلال الاحتكاك بالأقران واللعب معهم يتعرف الطفل على أن قواعد اللعبة Games rules غير ثابتة ولكن يمكن تغييرها عن طريق الرضا المتبادل والتفاهم بين أعضاء الجماعة، ومن خلال ذلك يتطور مفهوم العدالة والديمقرطية عند الطفل، ويتعلم الطفل من خلال اللعب أيضًا نزاهة الحكم والطلاقة. والوقت الذي يقضيه الأطفال في اللعب لا يكون كله مكرسًا للعبة نفسها بل إنهم يقضون جزءًا كبيرًا منه في المشاحنة. ومناقشة قواعد اللعبة نفسها. وكل هذه المناقشات تضيف جديدًا باستمرار لخبرات الطفل. وخلال هذه المعارك الكلامية يكتسب الطفل روح وقواعد التفاهم وقوانينه ويتعلم أيضًا تبادل الرأي والدبلوماسية.
стр. 909
٣- تعلم الأدوار:
Role Playing:
إن الأنشطة المختلفة التي يمارسها الأطفال خلال لعبهم تفتح الباب أمام تعلم الأدوار الفعلية وبهذا تؤدي اللعبة وظيفة اجتماعية Social Function لها قيمتها. والقدرة على القيام بدور معين يرتبط بصورة واضحة بالقدرات العقلية للطفل وكذلك بقدرته على التكيف. ولهذا يختلف الأفراد من حيث توليهم أو قيامهم بأدوار اجتماعية مختلفة.
стр. 910
فهؤلاء الذين يقومون بأدوار اجتماعية أقل في مكانتها وقيمتها يكونوا هم أنفسهم أقل في قدراتهم وفي تكيفهم. وفي الحقيقة نجد أن الأدوار الدرامية Dramatic roles في مرحلة الطفولة ترتبط إلى حد كبير بلعب الأدوار المختلفة والحقيقية فيما بعد. فهي تثري عالم الطفل الخاص بأدوار متنوعة.
فمعظم الأدوار التي يقوم بها الطفل أثناء اللعب تجهز فيه فعلًا القدرة على القيام بأدوار حقيقية في الحياة فيما بعد. فحين تلعب البنت الصغيرة بعروستها على سبيل المثال فهذا يغرس فيها أساسًا واتجاهًا تعتمد عليه في رعاية الأطفال فيما بعد سواء في اتجاهها وعواطفها نحو الأطفال أو كيف ترعاهم. أما بالنسبة للولد والذي يصعب علينا الربط بين أدواره في لعبة وأدواره راشدًا، فهو لا يستفيد منها مثل البنت ولكنه يزيد عنها في بعض الجوانب، حيث يتسم لعب الأدوار بالتعقيد الالتزام أكثر منه عند البنات.
стр. 911
٤- الأقران كمرجع للحقيقة:
Peers as a reality Cheek:
يتعلم الطفل كذلك من خلال احتكاكه بجماعة أقرانه كيف ينظر إلى حقيقة نفسه. فربما أن عطف الوالدين يؤدي بهم إلى عدم الموضوعية في حكمهم على أحد أطفالهم فلا يرون فيه إلا كل ما هو حسن أو ربما يقوموه بطريقة سلبية، ولكن ما يمكن الاعتماد عليه في عملية التقويم هذه هو جماعة الأقران.
стр. 912
ونادرًا ما يستطيع الفرد أن يرى نفسه كما يراه الآخرون. ومن خلال رؤية الآخرين ووجهة نظرهم فيه يتكون استعداده للتغيير. وإذا حكم الأقران فيه بشيء من القسوة فإنهم غالبًا ما يكونوا غير متحيزين. فأي سمة أو صفة غير مقبولة نجدهم ينبذونها بسرعة وبمنتهى الصراحة يسخرون منها ومن هنا ينبع احتمال التغيير عند الشخص المنقود.
والخلاصة أن للأقران دورهم الذي لا يستهان به والذي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في حياة ونمو الطفل.
стр. 913
٥- الامتثال لمعايير الجماعة:
إن معايير الجماعة ترشد سلوك أعضائها في الشارع وفي النادي وفي الصحبة ... ومن أقدم الدراسات نحو تكوين معايير الجماعات هي التي أجراها ميرو Meru "١٩٤٩" الذي لاحظ "١٢" مجموعة كل منها مكونة من "٤" أطفال.. ومع أن الأطفال كانوا يختلفون في درجة الامتثال لمعايير الجماعة في السن من ٤-١١ سنة فإن "ميرو" قد ذكر أنه لا توجد فروق سن في تكوين المعايير، ولكنه ذكر أن المجموعات كونت معايير تتعلق بتشكيلة واسعة من السلوكيات مثل: نظلم الجلوس، آداب الحديث، والتعبيرات اللفظية، وحقوق الملكية، وتتابع الألعاب إلخ "شكل: ٨٧".
وتتصل دراسة الامتثال للجماعة اتصالًا وثيقًا بدراسة تكوين المعايير في جماعة الأقران فكثير من البحوث والافتراضات النظرية حول الامتثال لدى الأطفال قد أجرى معظمها في إطار نظرية التعلم الاجتماعي.. فقد قدمت فكرة لتفسير الامتثال في سلوك الجماعة من خلال عملية التقليد المعمم وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الطفل يكتسب قدرًا كبيرًا من سلوكه الاجتماعي عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين من حوله ويقوم بتقليد نماذج السلوك التي يراها، لأن الطفل لديه قدرة كبيرة على تكوين صور ذهنية للأفعال التي يكون قد شاهدها سابقًا ثم استرجاع هذه الصور، كما أن الفعل الذي يقوم الطفل بتقليده يحدث نتائج ممتعة بالنسبة له، بالإضافة لذلك: فإن التقليد يعتبر الميكانيزم الأول الذي يظهر الطفل
стр. 914
ذاتي الإرادة، فكل مهارة يكتسبها الطفل تزيد من شعوره بالسيطرة على البيئة كما تزيد من شعوره بالكفاءة وسط الجماعة التي ينتمي إليها.
وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الامتثال بالنسبة لسلوك الأقران يجب أن يتغير مع تعزيز الامتثال للاستجابات.. وحيث أن نظرية التعلم الاجتماعي ليست نمائية، إلا أنها لا تقدم أي تنبؤات عن اتجاهات السن بالنسبة للامتثال غير أن هذه النظرية يمكن استخدامها للتدليل على أن الامتثال يتعزز باطراد نمو الطفل وتقدمه في العمر حيث أن السلوك المتمثل يجب أن يزيد في هذه الفترة.
ومن ناحية أخرى: ناقش بياجيه Piaget "١٩٣٢" امتثال الأطفال في إطار تعلم قواعد السلوك الاجتماعي.. فقد قد بياجيه تتابعًا من ثلاث مراحل في نمو فهم القواعد الاجتماعية وخاصة قواعد الألعاب:
- ففي المرحلة الأولى: أو مرحلة الأنا: فإن الطفل لا يكون لديه فكرة واضحة عن القواعد الاجتماعية. ومهما كانت القواعد التي يتبعها الطفل فهي من وضع الوالدين.. وفي هذه المرحلة التي تمتد حتى حوالي من السادسة فإن الأطفال
стр. 915
قد يقلدون سلوك الآخرين وخاصة الراشدين، ولكن لا يوجد لديهم إلا القليل من فهم الأسباب الدافعة لهذا السلوك.
- وفي المرحلة الثانية: التي تمتد من ٦-١١ سنة يبدأ الامتثال الكامل حيث يزداد تفاعل الأطفال مع الأقران ويمتثلون للمعايير الاجتماعية للسلوك.. وهم يبدأون في اتباع القواعد مثل قواعد الألعاب، ولكنهم ينظرون إلى تلك القواعد باعتبارها قادمة من قوى خارجية وخاصة من الراشدين، وأنها غير مرنة وغير قابلة للتغير.
- وفي حوالي سن الحادية عشرة فإن مفاهيم الطفل للقواعد تبدأ في التغير مرة أخرى.. وفي هذه المرحلة يحدث الامتثال المغاير للقاعدة، فيفسر الطفل القواعد على أنها نتيجة اتفاق بين الأشخاص وليس على اعتبارها واردة من مصادر خارجية.. إن الطفل الآن يعتبر القواعد مرنة وقابلة للتغيير من واقع قرار الجماعة.. إن هذا الفهم للقواعد يؤدي إلى انحسار في الامتثال الجماعي بسبب المرونة التي أصبحت الآن تعزى إلى القواعد.
ويقترح بياجيه أن الالتزام لجماعة الأقران يزداد في مرحلة الطفولة ثم ينحسر تدريجيًا عندما يكتشف المراهق نظرة الراشدين إلى القواعد.
ففي السنوات الأولى من المراهقة يميل المراهق إلى مسايرة المجموعة التي ينتمي إليها فيحاول جاهدًا أن يظهر بمظهرهم ويتصرف كما يتصرفون ويفعل كما يفعلون، وتتميز هذه المسايرة بالصراحة التامة والإخلاص، ونلاحظ أن الرغبة الاندماجية مع المجموعة ومسايرة أفرادها مسايرة عمياء تقل شيئًا فشيئًا ويحل محل هذا الشعور اتجاه آخر يقوم على أساس تأكيد الذات والرغبة في الاعتراف به كفرد يعمل وسط الجماعة.. هذه التغيرات في المسايرة والامتثال للجماعة تنتج عن نمو القدرة المعرفية التي تسمح بتفسيرات مختلفة للمعايير مع اطراد نضج هذه القدرات المعرفية وزيادة الوعي الاجتماعي وما يصاحب ذلك من زيادة في خبراته.
следующие страницы →