Полный текст (992 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
٤- الأقران كمرجع للحقيقة:
Peers as a reality Cheek:
يتعلم الطفل كذلك من خلال احتكاكه بجماعة أقرانه كيف ينظر إلى حقيقة نفسه. فربما أن عطف الوالدين يؤدي بهم إلى عدم الموضوعية في حكمهم على أحد أطفالهم فلا يرون فيه إلا كل ما هو حسن أو ربما يقوموه بطريقة سلبية، ولكن ما يمكن الاعتماد عليه في عملية التقويم هذه هو جماعة الأقران.
стр. 912
ونادرًا ما يستطيع الفرد أن يرى نفسه كما يراه الآخرون. ومن خلال رؤية الآخرين ووجهة نظرهم فيه يتكون استعداده للتغيير. وإذا حكم الأقران فيه بشيء من القسوة فإنهم غالبًا ما يكونوا غير متحيزين. فأي سمة أو صفة غير مقبولة نجدهم ينبذونها بسرعة وبمنتهى الصراحة يسخرون منها ومن هنا ينبع احتمال التغيير عند الشخص المنقود.
والخلاصة أن للأقران دورهم الذي لا يستهان به والذي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في حياة ونمو الطفل.
стр. 913
٥- الامتثال لمعايير الجماعة:
إن معايير الجماعة ترشد سلوك أعضائها في الشارع وفي النادي وفي الصحبة ... ومن أقدم الدراسات نحو تكوين معايير الجماعات هي التي أجراها ميرو Meru "١٩٤٩" الذي لاحظ "١٢" مجموعة كل منها مكونة من "٤" أطفال.. ومع أن الأطفال كانوا يختلفون في درجة الامتثال لمعايير الجماعة في السن من ٤-١١ سنة فإن "ميرو" قد ذكر أنه لا توجد فروق سن في تكوين المعايير، ولكنه ذكر أن المجموعات كونت معايير تتعلق بتشكيلة واسعة من السلوكيات مثل: نظلم الجلوس، آداب الحديث، والتعبيرات اللفظية، وحقوق الملكية، وتتابع الألعاب إلخ "شكل: ٨٧".
وتتصل دراسة الامتثال للجماعة اتصالًا وثيقًا بدراسة تكوين المعايير في جماعة الأقران فكثير من البحوث والافتراضات النظرية حول الامتثال لدى الأطفال قد أجرى معظمها في إطار نظرية التعلم الاجتماعي.. فقد قدمت فكرة لتفسير الامتثال في سلوك الجماعة من خلال عملية التقليد المعمم وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الطفل يكتسب قدرًا كبيرًا من سلوكه الاجتماعي عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين من حوله ويقوم بتقليد نماذج السلوك التي يراها، لأن الطفل لديه قدرة كبيرة على تكوين صور ذهنية للأفعال التي يكون قد شاهدها سابقًا ثم استرجاع هذه الصور، كما أن الفعل الذي يقوم الطفل بتقليده يحدث نتائج ممتعة بالنسبة له، بالإضافة لذلك: فإن التقليد يعتبر الميكانيزم الأول الذي يظهر الطفل
стр. 914
ذاتي الإرادة، فكل مهارة يكتسبها الطفل تزيد من شعوره بالسيطرة على البيئة كما تزيد من شعوره بالكفاءة وسط الجماعة التي ينتمي إليها.
وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الامتثال بالنسبة لسلوك الأقران يجب أن يتغير مع تعزيز الامتثال للاستجابات.. وحيث أن نظرية التعلم الاجتماعي ليست نمائية، إلا أنها لا تقدم أي تنبؤات عن اتجاهات السن بالنسبة للامتثال غير أن هذه النظرية يمكن استخدامها للتدليل على أن الامتثال يتعزز باطراد نمو الطفل وتقدمه في العمر حيث أن السلوك المتمثل يجب أن يزيد في هذه الفترة.
ومن ناحية أخرى: ناقش بياجيه Piaget "١٩٣٢" امتثال الأطفال في إطار تعلم قواعد السلوك الاجتماعي.. فقد قد بياجيه تتابعًا من ثلاث مراحل في نمو فهم القواعد الاجتماعية وخاصة قواعد الألعاب:
- ففي المرحلة الأولى: أو مرحلة الأنا: فإن الطفل لا يكون لديه فكرة واضحة عن القواعد الاجتماعية. ومهما كانت القواعد التي يتبعها الطفل فهي من وضع الوالدين.. وفي هذه المرحلة التي تمتد حتى حوالي من السادسة فإن الأطفال
стр. 915
قد يقلدون سلوك الآخرين وخاصة الراشدين، ولكن لا يوجد لديهم إلا القليل من فهم الأسباب الدافعة لهذا السلوك.
- وفي المرحلة الثانية: التي تمتد من ٦-١١ سنة يبدأ الامتثال الكامل حيث يزداد تفاعل الأطفال مع الأقران ويمتثلون للمعايير الاجتماعية للسلوك.. وهم يبدأون في اتباع القواعد مثل قواعد الألعاب، ولكنهم ينظرون إلى تلك القواعد باعتبارها قادمة من قوى خارجية وخاصة من الراشدين، وأنها غير مرنة وغير قابلة للتغير.
- وفي حوالي سن الحادية عشرة فإن مفاهيم الطفل للقواعد تبدأ في التغير مرة أخرى.. وفي هذه المرحلة يحدث الامتثال المغاير للقاعدة، فيفسر الطفل القواعد على أنها نتيجة اتفاق بين الأشخاص وليس على اعتبارها واردة من مصادر خارجية.. إن الطفل الآن يعتبر القواعد مرنة وقابلة للتغيير من واقع قرار الجماعة.. إن هذا الفهم للقواعد يؤدي إلى انحسار في الامتثال الجماعي بسبب المرونة التي أصبحت الآن تعزى إلى القواعد.
ويقترح بياجيه أن الالتزام لجماعة الأقران يزداد في مرحلة الطفولة ثم ينحسر تدريجيًا عندما يكتشف المراهق نظرة الراشدين إلى القواعد.
ففي السنوات الأولى من المراهقة يميل المراهق إلى مسايرة المجموعة التي ينتمي إليها فيحاول جاهدًا أن يظهر بمظهرهم ويتصرف كما يتصرفون ويفعل كما يفعلون، وتتميز هذه المسايرة بالصراحة التامة والإخلاص، ونلاحظ أن الرغبة الاندماجية مع المجموعة ومسايرة أفرادها مسايرة عمياء تقل شيئًا فشيئًا ويحل محل هذا الشعور اتجاه آخر يقوم على أساس تأكيد الذات والرغبة في الاعتراف به كفرد يعمل وسط الجماعة.. هذه التغيرات في المسايرة والامتثال للجماعة تنتج عن نمو القدرة المعرفية التي تسمح بتفسيرات مختلفة للمعايير مع اطراد نضج هذه القدرات المعرفية وزيادة الوعي الاجتماعي وما يصاحب ذلك من زيادة في خبراته.
стр. 916
والسبب الذي يدعو المراهق إلى الانسجام مع الجماعة التي ينتمي إليها في أولى مراحل المراهقة محاولة تجنب كل ما يؤدي إلى إثارة النزاع بينه وبين أفراد هذه الجماعة، وهو إذ يفعل ذلك يرى أن أي نزاع بينه وبينهم يعتبر في منزلة ثانوية بالنسبة لنزاعة الأكبر الذي يقوم بينه وبين السلطة المدرسية والوالدية، ومن ثم يكون في احترامه لرأي شلته وإخلاصه لهم وخضوعه لأفكارهم نوع من تخفيف الشعور بالإثم الناجم عن عدم طاعته لوالديه ومدرسيه. "طلعت منصور، عادل الأشول: ١٩٧٦".
الامتثال والثقافة:
أجرى أيسكو ووليم وهارفي Esco William & Harvy "١٩٦٣، ١٩٦٤" تجربتين أوضحتا أن الامتثال لمعايير الأقران لم تكن دالة لفروق السن فقط في المقدرة المعرفية، ولكنه كان عرضة للتأثيرات الثقافية.. وفي هذه الحالة أجريت التجربة الأولى مع أطفال بيض، والثانية مع أطفال سود وفي كلتا الحالتين كان المفحوصون من سن ٧، ٩، ١٢، ١٥ سنة، كان واجبهم هو إحصاء دقات، حيث أخبر كل طفل بأن ثلاثة أطفال آخرين كانوا يشتركون في التجربة، وأنه قد أعطيت لهم معلومات خاطئة عن عدد الدقات الذي ذكره المفحوصون الآخرون.. وقد قيس الامتثال بعدد المرات التي ذكر فيها المفحوص عدد غير صحيح للدقات.
ومع أن شكل المنحنى الذي يربط بين الأمثال والسن كان واحدًا بالنسبة لكل من الأطفال البيض والسود، وكانت الذروة في السن بالنسبة للامتثال قد حدثت لدى الأطفال السود مبكرًا عنها لدى الأطفال البيض. وبالنسبة للأطفال البيض ازداد الامتثال بين الأطفال فيما بين ٩-١٢ سنة، ثم أخذ في الانحسار.. وأظهر الأطفال السود زيادة في الامتثال بين سن ٧-٩ ثم أخذ في الانخفاض. وبذلك كان الأطفال البيض بصفة عامة أكثر امتثالًا من الأطفال السود.
إن هذه الفروق العرقية تتفق وتحليل بياجيه لامتثال الأطفال ودرجة تأثره بتفاعلاتهم مع الأقران.. ويقترح هاربت Harbet "١٩٧٠" أن ثقافة الأقران السود تشجع درجة أكبر من الاستقلال وتتحمل امتثالًا أقل من ثقافة الأقران عن البيض
стр. 917
- الأمر الذي يمكن أن يفسر انخفاض درجة الامتثال التي توجد لدى الأطفال السود.
стр. 918
٦- التعاون:
تبدو بذور التعاون بين الأطفال منذ الطفولة المبكرة، إذ يؤلف طفل الروضة علاقات تقوم على التعاون مع غيره من البالغين والأطفال على أن لعب الطفل مع غيره من الأطفال يمكنه من ممارسة التعامل مع غيره، وإقامة العلاقات على أساس التعاون والعطاء والشعور بالفردية المتميزة في نطاق اجتماعي مما يعتبر غرسًا لبذور النمو الاجتماعي لديه.
ويرى ميرفي Murphy أن السلوك الاجتماعي الذي يقوم على التعاون في هذه المرحلة يرجع إلى استعداد طبيعي أصيل، بينما يرجع لدى البعض الآخر إلى مجرد التقليد وما يتضمنه ذلك من فاعلية البيئة وأثرها.. ولو أن الكثير من الباحثين يرجعون السلوك التعاوني لدى طفل الروضة إلى مزاجه الخاص وأوجه النشاط التي يمارسها وعلاقته بوالديه وتربيته بين إخواته وبمدى الرعاية والتوجيه اللذين يحظى بهما من والديه، ثم من خلال نشاطه الحركي وصحبته للآخرين، ومن خلال رغبته في أن ينال رضا الغير وتقديرهم له.
وفي دراسة سيكوميومير في نيكومب وميرفي Newcomb & Murphy: توصلًا إلى أن الأنماط الاجتماعية التعاونية تتزايد من سنة إلى أخرى فيما بين الثانية والخامسة وقد لاحظا: أن السلبية والمقاومة تصل إلى قمتها في الثالثة ثم تبدأ الصداقة والأنماط المتكاملة من التعاون في النمو والتطور وهو نمو يتأثر بتكوين المجموع أي عدد الأطفال بالنسبة للمكان ومساحته وأدوات اللعب فيه، ودرجة توجيه الأطفال وشخصية المربين..
ويلاحظ أن أطفال الرابعة والخامسة غالبًا ما يظهرون سلوكًا وديًا لمن هم في مثل سنهم فهم يلعبون معًا، ويكشفون عن سلوك في لحظة ما وفي اللحظة التالية عن سلوك تعاوني وذلك من خلال استجابات بعضهم لبعض والمثيرات القائمة بينهم.
стр. 919
٧- المشاركة الوجدانية:
يحاول الطفل في هذه المرحلة أن يشارك جماعته وجدانيًا في حزنها وفرحها
- أي يتأثر بالانفعالية السائدة في الجماعة التي ينتمي إليها ويستجيب لها بغريزته
- وتساعد المشاركة الوجدانية على إحداث التماسك الاجتماعي بين الطفل ورفاقه، بل وإخوته ووالديه والمجتمع المحيط به بصفة عامة.
стр. 920
٨- التنافس:
التنافس عملية اجتماعية للقوى والإمكانات الإنسانية ما دام في الحدود المعقولة، وهو من العمليات الاجتماعية التي تبدأ ملامحها في الظهور في هذه المرحلة من خلال علاقة الطفل بإخوته وأقرانه، وهو يتولد عادة من التعاون، لأن هذه العملية هي محل التنافس ومبعثه. ويتأثر سلوك التعاون والمنافسة في هذه المرحلة باتجاهات البيئة. ففي حالة تشجيع السلوك التعاوني تقل المنافسة، أما إذا كانت المنافسة جزء من العرف الاجتماعي فإنها تصبح دافعًا قويًا للسلوك عند الأطفال.
стр. 921
٩- العدوان:
السلوك العدواني سلوك طبيعي في الإنسان، فعلى الرغم من اتسام سلوك الأطفال بالمشاركة الوجدانية مع بعضهم البعض إلا أن سلوكهم يشوبه في بعض الأحيان عدوانية على بعضهم البعض ...
ويتراوح السلوك العدواني للأطفال من حيث الشدة بين مجرد التعبير الكلامي الهادئ وبين التشاجر العنيف، كما قد يصل هذا السلوك إلى محاولة إيذاء الغير أو التدخل فيما يملكون أو فيما يقومون به من نشاط أو لعب.. ويلاحظ أن أطفال الثالثة غالبًا ما تكثر لديهم نوبات الغضب حيث يدفعون الآخرين ويرفسونهم أو يضربونهم بأيديهم في أثناء هذه النوبات، أما الأطفال الأكبر سنًا في سن الرابعة والخامسة فإنهم يستخدمون العدوان اللفظي والبدني معًا دون وجود نوبات حادة من الغضب، كما يميلون إلى الحصول على لعب الآخرين وممتلكاتهم.
ومن أهم الدوافع التي تؤدي إلى العدوان لدى أطفال هذه المرحلة:
стр. 922
- حب التملك: كأن تنشأ مشاجرة بسبب رغبة الطفل في الاستحواذ على لعبة طفل آخر دون اعتبار لحق الملكية.
- الدوافع إلى السيطرة: كأن يعتدي طفل على آخر لمجرد الرغبة في السيطرة.
- الشعور بالنقص: الذي يدفع الطفل إلى التعويض بالاعتداء على غيره.
- الدافع إلى المنافسة: وهو من أهم مصادر العدوان مدى أطفال هذه المرحلة بسبب التسابق على حب الأم أو كسب اهتمامها أو التسابق على كسب صداقتها.
- التعرض لمواقف الإحباط: عندما يمنع الطفل من القيام بعمل ما أو إجباره على القيام بعمل لا يرغب فيه.
- أما العدوان الجماعي فغالبًا ما يتجه الأطفال المستجدين بقصد الاستحواذ على الأشياء الخاصة بهم.
стр. 923
ولقد لوحظ أن للبيئة أثر كبير في ظهور السلوك العدواني لدى أطفال هذه المرحلة وتكرار حدوثه، فهو يتأثر بأسلوب التربية والوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه الطفل.
- فقد تبين أن البيئة التي لا تسمح إلا بقدر ضئيل من الحرية ولا تتوفر بها إمكانيات اللعب تؤدي إلى زيادة وتكرار السلوك العدواني لدى أطفالها، ووجد أن بيئة الروضة المزودة بحديقة متسعة وأدوات ووسائل متعددة للعب فإنها تقلل من عدوان الأطفال إلى حد كبير.
- وتبين أيضًا: أن البيئات منخفضة المستوى الاجتماعي تشجع العدوان في حين تميل البيئات ذات المستويات المتوسطة والعليا إلى كف العدوان وتمنع احتكاك الأطفال مع بعضهم.
стр. 924
الشعبية بين الوفاق
...
١٠- الشعبية بين الرفاق:
غالبًا ما تكون تفاعلات الأطفال مع رفاقهم ذات أهمية متزايدة في حياتهم.. وكنتيجة لهذه التفاعلات نجدهم يكونون مدركات جديدة لذواتهم، ويصبحون مهتمين بمدى شعبيتهم بين جماعة الرفاق، ومن ثم يطورون طرقًا جديدة للتعامل مع الناس، ويخبرون الشعور بالانتماء الاجتماعي أو الانعزال الاجتماعي أو الشعور بالغربة "عادل الأشول: ١٩٨٢، ٣٩٤".
وتعكس الشعبية في العادة الرغبة لدى الطفل في إيجاد اتصال به، غير أنه يجب ملاحظة أن الدرجة المنخفضة من الشعبية من جانب أقران الطفل قد لا يعني النبذ أو التجنب من جانبهم، فالأطفال غير الشعبيين قد يقتصر الأمر بهم إلى تجاهل أقرانهم لهم وبعبارة أخرى فإن الشعبية والنبذ ليسا طرفان لبعد واحد.
ومن المعتقد أن أنماط الصداقة في الطفولة المبكرة تتذبذب بسرعة بسبب اللقاءات من يوم إلى يوم، ومن المحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى مستوى منخفض من استقرار شعبية الأقران.. ومن ناحية أخرى فإن أنماط الصداقة في فترة المراهقة يبدو أنها تتذبذب بدرجة أقل، وكانت الشعبية أكثر استقرارًا بالنسبة للمراهقين الأكبر سنًا "١٦-١٨سنة" عن المراهقين الأصغر سنًا "١١-١٥ سنة"، بمعنى: أن الصداقات أكثر استقرارًا مع تقد السن.
стр. 925
وتدل هذه المعطيات على أن الشعبية سمة على درجة ما من الاستقرار، مما يجعل من المعقول دراسة سوابقها والعوامل المؤثرة فيها، ومن هذه العوامل:
أ- الجاذبية البدنية:
تعتبر الجاذبية البدنية عاملًا هامًا في تكوين الشعبية، فالفرد البدين أو المعوق بدنيًا، والأفراد الذين لا يتمتعون بالمظهر اللطيف تقل درجة تقبلهم الاجتماعي، حتى الأطفال الصغار في رياض الأطفال بيدون نفورًا من بعض السمات البدنية كالبدانة مثلًا، ويمكنهم أن يتعرفوا تعرفًا صحيحًا على مظهرهم البدني، فالمظهر البدني له أهمية خاصة في المراحل الأولى من التفاعل الاجتماعي، ولكن يصبح أقل أهمية مع الوقت ومع زيادة التعرف على شخصية الرفاق.
وبعكس الفكرة الشائعة فإن السمات البدنية الجذابة وخاصة شكل الوجه والرأس وهيئة الملبس تعتبر هامة ليس فقط بالنسبة للتفاعل المبدئي ولكن أيضا كمنبئ بتقبل اجتماعي طويل المدى.
ب- نسبة الذكاء والإنجاز:
لقد ركزت الأبحاث الأولى في مجال العلاقة بين نسبة الذكاء والإنجاز وشعبية الأقران على العلاقة المتبادلة بينهم، وقد وجد أن هذه العلاقة كانت إيجابية وتمتد بين مستوى منخفض "حوالي ٠،٢٠" ومستوى متوسط "حوالي ٠،٦٥" "Lreen ١٩٢٠ dasws ١٩٦٧ Hill ١٩٨٣" غير أن من الصعب تفسير هذه المعطيات بسبب العلاقة الإيجابية بين الذكاء والطبقة الاجتماعية ومن ثم لم يكن واضحًا ما إذا كانت العلاقة الإيجابية ترجع إلى نسبة الذكاء أو إلى الطبقة الاجتماعية.
غير أن الدراسة التي أجراها سيلز وروف Sells & Roff "١٩٨٥" على ٨٠٠ طفل بالصف الرابع من أربع مستويات اجتماعية على أساس دخل وتعليم الوالدين اختار كل طفل أربعة أقران محبوبين واثنين أقل تقبلًا، وقد حدد لكل طفل درجة شعبية على أساس عدد المرات التي اختير فيها كقرين يحظى بأعلى
стр. 926
درجة أو بأقل درجة من الحب.. وقد وجد أن الأطفال الأكثر شعبية في كل مستوى اجتماعي/ اقتصادي لديهم معامل ذكاء أعلى من الذين كانت شعبيتهم أقل.
وحيث أن نسبة الذكاء والإنجاز المدرسي على علاقة إيجابية فإنه من المعقول أن نتوقع أن تكون الشعبية أيضًا مرتبطة بالإنجاز المدرسي وقد أثبتت أبحاث عديدة صحة ذلك فقد ذكر "سيلز وروف" "١٩٨٥" أن أطفال من الصف الرابع إلى السابع وجد لديهم ارتباط بين الدرجات المدرسية والشعبية، وأن هذه العلاقة تكون أوثق مع أطفال الصفوف الأولى وأقل بالنسبة للصفوف المتقدمة.
جـ- النمو المعرفي:
قام رادردن وموان Rardi & Moan بدراسة العلاقة بين الشعبية والنمو المعرفي في إطار نظرية بياجيه على أطفال فيما بين سن الروضة إلى الصف الثالث، حيث اختبر الباحثان فكرة بياجيه من أن تفاعل الأقران عامل هام في التغير من التفكير قبل الإجرائي إلى العمليات الحسية، وأن النمو الاجتماعي يتوازى مع النمو المعرفي "حيث تفيد لنظرية بياجيه أن النمو المعرفي يتغير تغيرًا طرديًا مع نوع العلاقة بين الأقران". ولتقييم النمو المعرفي أعطى الأطفال اختبارات معرفية، كما طلب من كل مجموعة من الأطفال أن يتعرف كل طفل على أحسن ثلاثة زملاء فصل محبوبين وقد كشفت التحليلات عن أن علاقة النمو المعرفي للطفل لم تكن مرتبطة بنوع علاقة القرين إلا بقدر ضئيل.. وأن مسار الشعبية بين الأقران يتوازى مع النمو المعرفي حيث ظهرت تغيرات نمائية عبر مستويات الصفوف.. وبذلك يتعزز رأي بياجيه من أن نوعي النمو يسيران متوازيين، على الرغم من أن الباحثين قد استنتجوا تأثير ضئيل للتفاعل بين الأقران على النمو المعرفي.
وقد ركزت دراسات أكثر حداثة حول العلاقة بين الشعبية والنمو المعرفي على دور الطفل الذي يتمركز حول الأنا في الاتصال، فلقد افترض بياجيه أن أحد المظاهر الهامة الشعبية هو القدرة على اتخاذ وجهة نظر شخص آخر في الاعتبار أثناء الاتصال. فالأقران الذين تقل درجة تمركزهم حول الأنا في اتصالاتهم
стр. 927
يكونون أكثر شعبية ويبدو أن ذلك هو الحال بالنسبة لأطفال الروضة وفي الصف الثاني ولكن ذلك لم يكن كذلك بالنسبة للأطفال الأكبر "Deutsh ١٩٧٤ Rubin ١٩٨٥".. ومع أن الأسباب الحقيقية لهذه العلاقة غير معروفة فإنها قد ترجع إلى رغبة الطفل في عدم التمركز وفي الاندماج في عمليات أخذ وعطاء متبادل وديًا وفكريًا مع الأقران.. إن عدم القدرة أو عدم الرغبة من الطفل ذي النمو المعرفي المنخفض نحو عدم التمركز قد يؤدي إلى الإحباط بالنسبة للعلاقات مع أقران أكثر تقدمًا في هذا المجال، إذ تتولد علاقات متوترة معهم ودرجة منخفضة من الشعبية.
د- الطبقة الاجتماعية:
إن القليل من الأبحاث التي أجريت حول أثر الطبقة الاجتماعية في نمو الشعبية بين الأطفال تشير إلى أن طفل الطبقة الأدنى أقل شعبية من طفل الطبقة المتوسطة أو الأعلى.. ولتحديد العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والشعبية بين الأطفال يجب أن نتأكد من أن نسبة الذكاء ليست عاملًا مسببًا للارتباك.. ففي دراسة على أطفال الصف السادس في ثلاث مستويات للذكاء ذكر راينر Rainer "١٩٨٤" أن ثمة علاقة إيجابية بين الطبقة الاجتماعية للأب على أساس وظيفة وشعبية الطفل.. ويبدو أن الطبقة الاجتماعية والشعبية يرتبطان بنفس الطريقة التي ترتبط بها نسبة الذكاء بالشعبية، فكلما ارتفعت الطبقة الاجتماعية للطفل ارتفعت درجة شعبيته بين الأقران.
وفي دراسة قام بها فاينبرج وسمث Feinberg & Smith "١٩٨٧" على مراهقين ذكور من الطبقات الدنيا والمتوسطة والعليا "على أساس دخل الأسرة"، توصلت إلى أن القيم المختلفة التي لدى أبناء الطبقات المختلفة قد تؤدي إلى زيادة الشعبية لدى أبناء الطبقتين المتوسطة والعليا.. وفي كل المستويات كان الأقران الذين يتمتعون بالشعبية يتسمون بالذكاء والوسامة والقوة البدنية والرفق والأمانة.. وما إلى ذلك.. وفي مستوى الطبقتين الدنيا والمتوسطة كان الأطفال يؤكدون أيضًا على اهتمام مشترك وعدم التدخل في شئون الآخرين والقدرة على حسن الكلام
стр. 928
باعتبارها صفات هامة للأقران ذوي الشعبية. وقد أكد المراهقون من المجموعة ذات الدخل المرتفع على الزعامة والاجتهاد في الدراسة والتعاون والمشاركة في الأنشطة باعتبارها سمات جوهرية لتقبل الأقران.. وتؤكد هذه النتائج أن أنماط الصداقة ترتبط بالطبقة الاجتماعية وأن هذا الارتباط يقوم على الاختلافات في القيم بالنسبة للأطفال من طبقات اجتماعية مختلفة. وبالرغم من الاتفاق على بعض القيم بين أطفال من كل الطبقات الاجتماعية فهناك أيضًا اختلافات في القيم لها أهميتها في انتقاء الأصدقاء.
هـ- أساليب تربية الطفل:
وحيث أن القيم يتعلمها الأبناء من الآباء مباشرة أو باتخاذهم نماذجًا، فمن المهم أن نناقش وسائل تربية الطفل التي تتعلق بالشعبية.
إن النتائج والمعطيات المستخلصة من الأبحاث القليلة التي أجريت في هذا المجال تدل على أن أساليب التربية التي تتسم بالسيطرة التنظيمية هي أهم المؤثرات في تربية الطفل في علاقتها بالشعبية. فقد ذكر ويندر وروا Winde & Raw أن آباء الأطفال ذوي الشعبية المرتفعة يستخدمون قدرًا ضئيلًا من العقاب البدني مفضلين عليه سحب الحب وإيقاف الامتيازات باعتبارها الأسلوب الأساسي للتربية النظامية. وكلا الأسلوبين الأخيرين لا يؤديان إلا إلى درجة قليلة من العدوانية البدنية لدى الأطفال وهي إحدى السمات المرتبطة بالشعبية، إن آباء الأطفال ذوي الشعبية كانوا أيضًا حسنى التوافق وكان أطفالهم أكفاء.. علاوة على ذلك فإنهم كانوا ينقلون هذه الثقة إلى ذرياتهم.. ولقد عبر الأطفال الذين يتسمون بالشعبية عن مزيد من الرضا بحياتهم المنزلية، وشعروا برباط أسري أقوى، وكانوا بصفة عامة أكثر سعادة من الأطفال الأقل شعبية. وهذا الأمان والثقة اللذان يشعر بهما الوالدان كانا ينتقلان إلى الأطفال وينعكسان على التوافق النفسي للأطفال.
стр. 929
خلاصة:
للتفاعل بين جماعات الأقران نتائج بالغة الأهمية تهيئتهم للقيام بأدوار الراشدين في المستقبل. وتمثل ألعاب الأطفال أهم أشكال التفاعل الاجتماعي بين الأقران، ويهدف اللعب بأنواعه المختلفة إلى إكساب الطفل سماته الاجتماعية وقواعد السلوك الاجتماعي، وإن كان لعب الأطفال يتأثر بعوامل العمر والطبقة الاجتماعية والجنس..
وتتكون جماعات الأقران من أفراد يتفاعلون مع بعضهم البعض ومن معايير مشتركة، وهناك عدة عوامل تؤثر على التقبل الاجتماعي للطفل في جماعة الأقران كالنضج الاجتماعي والجنس والطبقة الاجتماعية.. ومن ثم تلعب جماعة الأقران دورًا هامًا في النمو الاجتماعي للطفل وعملية التطبيع الاجتماعي من خلال التوحد بالأقران، والتعلم الاجتماعي وتعلم الأدوار، فيكون الأقران مرجعًا لحقيقة الطفل عن ذاته، ويؤدي الامتثال لمعايير الجماعة دورًا هامًا في تشكيل سلوك الطفل والمراهق فيتصرف وفقًا لهذه المعايير..
وينتج عن التفاعل الاجتماعي مع الأقران المشاركة الوجدانية للجماعة، والتعاون والعدوان والشعبية التي يلعب فيها عوامل الجاذبية البدنية ونسبة الذكاء والإنجاز والنمو المعرفي والطبقة الاجتماعية تلك العوامل التي تحدد مدى شعبية الطفل داخل جماعته.
стр. 930
الفصل التاسع: النمو الخلقي
مدخل
...
الفصل التاسع: النمو الخلقي
مقدمة:
يعتبر النمو الخلقي أحد أهم مظاهر النمو الاجتماعي ونمو الشخصية عند الفرد، ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المجتمعات المعاصرة بشكل عام، وفي المجتمعات النامية بشكل خاص، ولن نكون مبالغين إذا قلنا أن كثيرًا من مشكلات مجتمعنا الراهنة هي مشكلات أخلاقية في صميمها، فما يدور حوله الحديث على كل لسان الآن من نفاق الكثيرين من الناس ومظاهر التسيب والإهمال والفساد والاستغلال وانحرافات الشباب وغيرها، إنما هي جميعًا تعبر عن أزمة خلقية، وعن قصور في نمونا الخلقي. "عبد الفتاح حجاج، ١٩٨٥، ١٤٧".
ويخضع الجانب الخلقي من بنية الشخصية لعملية نمو، شأنه في ذلك شأن الجوانب الأخرى للشخصية، هذه العملية قوامها تشرب الطفل ومسايرته للنظم الخلقي للجماعة الاجتماعية التي ينشأ فيها، أي قوامها عملية استدخال للأحكام والمعايير الخلقية السائدة في جماعته. "طلعت منصور ١٩٨٢، ٦٩".
ويعبر النمو الخلقي عن التغيرات النوعية التي تطرأ على الأحكام الخلقية للفرد أثناء فترة نموه، ولعل الأهمية القصوى للأخلاق تأتي من كون الأخلاق عنصرًا أساسيًا من عناصر وجود المجتمع وبقائه، ومقومًا جوهريًا من مقومات كيانه وشخصيته، فلا يستطيع أي مجتمع أن يبقى ويستمر دون أن تحكمه مجموعة من القوانين والقواعد تنظم علاقات أفراده بعضهم ببعض، وتكون لهم بمثابة المعايير المعتمدة في توجيه سلوكهم وتقويم انحرافهم. وبذلك يمكن القول بأن المبادئ الأخلاقية تهدف إلى تقوية العلاقات الاجتماعية وتعزيز تكيف الفرد مع نفسه والتصرف وفق معتقداته الخاصة. "محي الدين توق، ١٩٨٠، ٢٤".
ويشير مصطلح الأخلاق في علم النفس إلى ثلاثة معانٍ رئيسية، فهو من ناحية يستعمل للإشارة إلى مقاومة الأغراء أو للحد من السلوك الخاطئ الذي يؤدي إلى إشباع حاجة أو تحقيق فائدة لدى الفرد، ومن ناحية أخرى يشير إلى المعايير الذاتية لدى الفرد والتي تعتبر ضابطًا لسلوكه، حيث تؤدي دور السلطة في تحديد سلوكه وأحكامه الخلقية حتى في غياب السلطة الخارجية، ومن ناحية ثالثة يشير
стр. 931
إلى السلوك الذي يقوم به الفرد معتمدًا في الأساس على الأحكام والمبادئ التي يتقبلها عقليًا ومنطقيًا، أي أن تقبله لهذه المبادئ يعتمد على فهمه لها بحيث تصبح مرشدًا له في سلوكه. "توق وأرناؤوط: ١٩٨٥، ١٢٧".
والخلق Morality يعني مجموعة العادات والآداب المرعية ونماذج السلوك التي تطابق المعايير السائدة في المجتمع، فالقيم الأخلاقية التي تتقبلها جماعة من الجماعات قد ترفضها جماعة أخرى تعيش في نفس المجتمع، وقد يحدث أن تتغير تلك القيم من وقت لآخر على حسب ما تتعرض له البيئة من تطور، وبالتالي على الفرد إذا أراد أن يعيش في وئام مع الجماعة التي ينتمي إليها، عليه أن يتعلم الشرائع والدساتير الخلقية في تلك البيئة ويعمل وفقًا لها. "مصطفى فهمي ١٩٧٩، ٢٧٦".
وتشير الأخلاقية إلى نسبية الخير في الأفراد كما ينعكس في سلوكهم ومعتقداتهم، ولقد ميز كولبرج Kohlberh بين ثلاثة مظاهر للأخلاقية: أولها مظهر سلوكي ينعكس في قدرة الفرد على مقاومة الإغراء وثانيها مظهر انفعالي وهو يتعلق بما ينتاب الفرد من مشاعر الذنب والقلق عند انتهاكه للقواعد الخلقية أو الإتيان بسلوك غير خلقي حيث ترتبط زيادة الأخلاقية بزيادة مشاعر الذنب، والمظهر الثالث هو المظهر المعرفي ويتعلق بتقدير الأفراد للأخلاقيات في السلوك المعطى من خلال المعايير الشخصية للخير والشر التي يحكم بها على سلوك الفرد. "Lefrencais j ١٩٧٩ ٢٨١".
وفي المعجم الوسيط أن الشخص الأخلاقي هو الذي يتصرف وفق قواعد الأخلاق أو قواعد السلوك المقررة في المجتمع، وعكسه لا أخلاقي، ولعل من أهم وظائف التنشئة الاجتماعية نقل المعايير الأخلاقية وتدعيمها وتعزيز السلوك الحميد وعلى الرغم من اختلاف القيم الأخلاقية من مجتمع إلى آخر إلا أن جميع المجتمعات لديها معايير للصواب والخطأ، وعلى الطفل أن يتعلم هذه القواعد أو تلك المعايير ويتوقع منه أن يشعر بالذنب إذا انتهك هذه القواعد، وأن يشعر بالرضا عندما ينجح في الامتثال لها. ففي بداية حياة الطفل يلتزم بالقواعد الأخلاقية خوفًا
стр. 932
من العقاب الخارجي أو لاعتبارات اجتماعية خارجية أو لمجرد وجود أي من أرباب السلطة ولكن بالتقدم في العمر يتم ضبط سلوك الطفل بتأثير ضوابط داخلية حتى في غيبة السلطة الخارجية. "عبد الرحمن عيسوي، ١٩٨٥، ٢٢٢".
كما أن النمو الخلقي هو نمو الضمير والتعبير عنه، وهذا الضمير يشكل نظرة الفرد للحياة، وهو البنية الشخصية للقيم الاجتماعية، أو بعبارة أخرى يدل النمو الخلقي على مدى اتفاق سلوك الفرد مع معاييره الخلقية، ومع معايير الجماعة التي يتوحد معها. وهذا المفهوم يعني أمرين:-
أولًا: أن تصبح أفعال الفرد وأقواله مسايرة لنواياه وضميره ولمعاييره وقيمه الشخصية.
ثانيًا: أن تصبح أفعال الفرد وأقواله مسايرة لالتزاماته نحو المجتمع ومسئولياته إزاءه. "جابر عبد الحميد جابر، ١٩٧٦، ٣١٥".
стр. 933
اكتساب السلوك والتفكير الخلقي:
خضعت دراسة السلوك الإنساني القائم على القيم الأخلاقية لتفسيرات وجدت أساسها في ثلاثة مداخل أساسية: أولها، التكوين البيولوجي للإنسان، ثانيها مدى التفهم العقلي لدى الإنسان، ثالثها التأثير الاجتماعي:
- ويرتبط التفسير البيولوجي بالاشتراط الكلاسيكي على أساس أن منشأة كان حول تغيرات الأفعال المنعكسة عند الأفراد نتيجة ارتباط مثير محايد بمثير نشط فيكتسب المثير المحايد بعد اقترانه بالمثير النشط. قوة استثارة استجابة مشابهة للفعل الانعكاسي الذي ينتج عن المثير النشط. والضمير يمكن أن ننظر إليه باعتباره استجابة للقلق مشروطة بأنواع معينة من المواقف والأعمال، وأنه يتكون عن طريق الربط بين مثيرات معينة مثل الخسائر العدوانية والعقاب أو ما يشابه العقاب من مثيرات غير محببة. وهذه الارتباطات الشرطية وتعميمها تنتج نوعًا من الصراع بين الرغبة في إشباع المشاعر الداخلية أو الحاجات الفورية وبين المتاعب التي تنشأ عن القلق. واستنتج ايزنك Eysenck تصوره للنموذج الارتباطي في
стр. 934
تكوين الضمير، فيقول إن الطفل حين يفعل شيئًا يعتبر في نظر والديه قبيحًا فإن العقاب السريع الذي يلي مثل هذا الفعل على أية صورة يؤدي إلى توليد شعور غير سار عنده، وينتج عن ذلك نموذج من الارتباط الكلاسيكي:
حيث أن الألم الذي يعتبر استجابة غير شرطية للعقاب باعتباره مثيرًا غير شرطي يمكن أن يستثيره الفعل القبيح باعتباره مثيرًا شرطيًا بالعقاب. ويستمر تأثير هذا النموذج حتى ينشأ نوع من الخوف الشرطي أو القلق يصاحب القيام بمثل هذا الفعل الشائن أو حتى التفكير في القيام به. وهذا القلق الشرطي هو ما يمكن أن نطلق عليه الضمير، كما تلعب التسمية التي نمارسها تجاه الأفعال الأخرى دورها في تعميم هذا النموذج فيكفي أن نطلق على أي فعل أنه قبيح ليكتشف نفس الأثر. أما بالنسبة للسلوك غير الأخلاقي فيمكن أن نعزوه لسببين رئيسين: أولهما العوامل الاجتماعية المتمثلة في نقص الاشتراط الاجتماعي السليم، فإذا فشل القائمون بالتطبيع الاجتماعي في ممارسة التنشئة الاجتماعية السليمة كأن يرى الآباء فعل ما سليمًا بينما يراه المعلمون قبيحًا، ويظهر الرفقاء المتعة المرتبطة بعمل ما بينما يفشل الآباء والمعلمون في إظهار الألم المصاحب له فإن الناتج لا يمكن أن يكون في حدود المتوقع، وثانيهما: العوامل البيولوجية والفروق الفردية فيها، ويرى أيزنك أن التركيب البيولوجي للإنسان هو الذي يحدد تصرفه أو يشكل مدى استجابته للمثيرات الخارجية. "محمد رقي ١٩٨٣، ١٧".
ويحدد سيرز وماكوبي Sears Maccoby & Levin "١٩٥٧" ثلاثة معايير للنضج الخلقي هي معايير الضمير كظاهرة سلوكية متعلمة كما يلي:-
стр. 935
أ- مقاومة الغواية والإغراء.
ب- التهذيب الذاتي القائم على إطاعة قواعد السلوك السليم.
جـ- المظاهر السلوكية الدالة على الشعور بالذنب في حالة الخروج على هذه القواعد.
وهذه المعايير تدل على أن الطفل يتمتع بضبط مستدخل internalized control قد استوعبه ومارسه بواسطة ما تعرض له من قبل من إثابة وعقاب، فما خبرة من أساليب ومعايير للضبط من الخارج -وخاصة من الوالدين- تتحول غالبًا إلى ضبط من الداخل وإلى توجيه ذاتي.
أ- مقاومة الإغراء Resistance of temptation
وتتضح هذه الظاهرة حينما يعزف الطفل عن الإقدام نحو مثير يجذبه أو يغويه لأنه يعتبر خاطئًا أو غير أخلاقي من وجهة نظر ثقافته، وتفسير ذلك أن استجابة الإقدام تخضع للكف بواسطة بعض جوانب الموقف المثير التي تقترن بالعقاب في الماضي، حتى لو كانت هذه الجوانب غير واضحة للملاحظة أو لملاحظة الشخص لذاته. وفي حالة الإغراء تتوقف النقطة التي يصير عندها الشخص قلقًا بدرجة كبيرة على نفس النقطة التي عوقب عليها في الماضي. فإذا كان العقاب نادرًا ما يوقع أو يوقع بعد إرجاء طويل، فقد لا تنمو عند الطفل القدرة على مقاومة الإغراء على الإطلاق أو تنمو بدرجة ضعيفة.
ب- التهذيب الذاتي القائم على إطاعة قواعد السلوك السليم:
يذكر هيكل Hail أن الطاعة القائمة على التهذيب الذاتي تحدث وفقًا للمبادئ الخلقية التي يتلفظ بها الوالدان في تفاعلهما الاتصالي مع الطفل، وبواسطة ما يلاحظه من أنماط سلوكية والدية وفقا لهذه المبادئ والأحكام. والمبدأ الأساسي الذي يخضع له هذا التعلم هو المحاكاة عن طريق التعلم بالملاحظة Observation Learning أو التعلم الانتقالي Vicarious Learning أي الذي ينتقل من الكبار إلى الصغار بالمحاكاة من خلال الملاحظة. وقد يخفق الطفل في هذا التعلم إما بسبب أن هذه المبادئ والأحكام التي لم يتلفظ بها الوالدان في تفاعلهما مع الطفل أو بسبب
стр. 936
عدم توفر المواقف والظروف التي يلاحظ فيها الوالدان لكي يحاكي سلوكهما. لهذا السبب فإن الأطفال الذين ينشأون في مؤسسات أو ملاجئ لا يتوافر فيها النموذج أو الوالدي الثابت قد يجدون صعوبة أكثر من غيرهم في تعلم المبادئ والأحكام الخلقية والأنماط السلوكية المتسقة معها.
جـ- الدلالة الواضحة للشعور بالذنب:
ويشير مصطلح الذنب إلى بعض المظاهر السلوكية المتعددة الدالة عليه الاستجابات الانفعالية، التلفظ بمشاعر الذنب أو ربما النزعة إلى عقاب الذات فما يقوم به الطفل أحيانًا ببعض الأفعال الخاطئة غالبًا ما يتبع بالتأنيب أو عدم الرضا من قبل الوالدين وغير ذلك من أشكال العقاب. وإذا كان ذلك يحدث بدرجة كافية، فإن الطفل يتعلم أن أيسر وسيلة لكي يسترد بها عطف والديه إذا اقترف عملًا خاطئًا هو أن يعترف ويلقي ما يستحقه من عقاب، وأن يكف عن مثل هذه الأفعال دون إرجاء، فتوقع النبذ والسعي إلى العقاب الذي يتبع مخالفة القواعد الخلقية هو ما يصفه الفرد ذاته كشعور بالذنب وبالنسبة للشخص الراشد فقد يظل الشعور بالذنب محتفظًا بمستوى متوائم يتزايد ويتناقص وفقًا للاحتمال الحقيقي للعقاب، "طلعت منصور وحليم بشاي، ١٩٨٢، ١٣".
ومن المعروف أن الطفل حينما يولد يكون خلوًا من الضمير، ومن ثم لا يمكن أن يوصف بأنه على خلق Moral أو عار منها immoral بل إنه في هذه الحالة يكون محايدًا بالنسبة للقيم الخلقية، هذا وفي تعلمه أو اكتسابه لأي معانٍ خلقية فإنما يأتيه ذلك من المجتمع المحيط به "عبد الفتاح حجاج، ١٩٨٥، ١٥٤"، وعلى المحيطين بالطفل أو المسئولين عنه أن يساعدوه على تشرب النمط السائد والامتثال للمعايير والمقننات وعدم الانحراف عنها بمخالفة ما تأمر به أو ارتكاب ما تنهى عنه "كمال دسوقي، ١٩٧٩، ٣٠٨".
ويتعلم الطفل السلوكي الأخلاقي -كما في تعلم أي مهارة عملية- إما بالمحاولة والخطأ، أو بالتلقين والتعليم المباشر، وإما من خلال التقمص والتمثل والطريقتين الثانية والثالثة ليستا فقط الأفضل والأجدى، بل الأكثر استخدامًا أيضًا
стр. 937
لكون تعلم المحاولة والخطأ مضيعة للوقت والجهد وأن ثمرته آخر الأمر أبعد من أن تكون مرضية. والتعليم المباشر هدفه تعريف الصغير بما هو خير أو صواب، ثم دفعه لأن يتصرف على النحو الذي يتوقعه منه المجتمع. وإذا ما صاحب هذا التلقين لون إيجابي من التعويد أو التأديب ليستخدم بثبات يصبح السلوك الخلقي اعتياديًا أي عندما يقترن الثواب والاستحسان الاجتماعي والثناء بالسلوك المرغوب منه اجتماعيًا، يكون تعلم السلوك الأخلاقي أسرع وأيسر. "كمال دسوقي، ١٩٧٩، ٣١٥" وإذا قارنا هذه العملية بقدرة الطفل على تعميم الخبرة وانتقال أثر التدريب، فإنه يستطيع أن يحدد استجابته للمواقف المختلفة طبقًا للتشابه بين المثيرات. بمعنى أن الطفل يتم تعليمه أنماطًا معينة من السلوك يقوم بها على أساس أنها مقبولة اجتماعيًا فيتم تعزيزه فيستمر أداؤها عبر الزمان وفي مواقف مختلفة، وإذا كان السلوك غير مقبول اجتماعيًا فإنه بالطبع سيتم عقابه بأي صورة من صور العقاب مع اعتبار شروط فعاليته كوسيلة ومن ثم فإن يختفي. أي أن الموقف يدور حول الإرادة الخارجية للسلوك والرغبة الداخلية في الحصول على الثواب، وتجنب العقاب، ويتكون لدى الطفل نوع من القلق التوقعي يساعد على الكف المبدئي للسلوك المشين "محمد رفقي، ١٩٨٣، ١٨". وهكذا يستطيع أن يواجه المواقف المختلفة من خلال تعرفه على التشابهات المختلفة في الموقف مع المواقف السابقة ويتصرف تبعًا للقيم والمعايير التي تسود المجتمع، أما في المواقف التي تختلف عن المواقف السابقة فلن يتصرف فيها إلا وفقًا لظروف خاصة. ومن الضروري هنا أن تكون المعايير والمقتفات التي يتعلمها الطفل في البيت والمدرسة ومن جماعة اللعب والأقران ثابتة حتى لا يختلط عليه الأمر مما يسهل له تنمية مفاهيم مجردة عن الخير والشر، والصواب والخطأ. وفي تعلم السلوك الخلقي بالتقمص يأخذ الصغير قيم شخص آخر ويشكل سلوكه هو وفقًا لسلوك ذلك الشخص، وهو يفعل ذلك لا شعوريًا بالقياس إلى التقليد الشعوري الذي يحاول به عمدًا أن يكون مثل شخص آخر. فالصغير يتعلم فعل ما يفعله أحد الكبار، وكذلك ما يطلب إليه الكبير أن يفعله. وحين يتقمص الصغير شخصًا هو معجب به، من غير أي ضغط أو تعليم مباشر فهو يحاكي أنماط السلوك التي يلاحظها
стр. 938
عند ذلك الشخص. والتقمص أو التوحد في الذاتية أو الهوية لشخص آخر كمصدر لتعلم السلوك الخلقي يصبح أكثر فأكثر أهمية كلما كبر الصغار وقاتلوا ضد تعويدهم النظام في البيت والمدرسة، فوجود من يدمج به الناشيء ذاتيته وهويته ملء للفراغ وتهيئة الأمان اللازم لنمو السلوك الأخلاقي "كمال دسوقي، ١٩٧٩، ٣١٦".
ويمثل الآباء نماذج للسلوك الخلقي للأبناء. ففي سياق العلاقات بين الآباء والأبناء يدرك الأطفال في الوالدين خصائص وممارسات معينة قوامها ما يوفرانه للطفل من دفء عاطفي من خلال رعايتهما له. ويجد الطفل في تقليد النماذج السلوكية الوالدية مصدرًا من مصادر الإثابة للسلوك الذي يدرك أنه يلقي استحسانًا من الوالدين، ويكتسب الطفل الكثير من أنماطه السلوكية وخصائصه الشخصية كنتيجة للتعلم الاجتماعي والإثابة في الأسرة، إلا أن قدرًا كبير من السلوك ومن الخصائص المميزة للشخصية يجري اكتسابه دون تعليم مباشر أو إثابة فورية، وذلك من خلال التقمص أو التوحد مع الآخرين وفي ذلك يمكن اعتبار التوحد على إنه واقع متعلم للتشبه بشخص آخر. ويتوحد الطفل مع أحد الوالدين حينما يسعى إلى أن تكون مثله واتجاهاته وأنماطه السلوكية مطابقة لما يتصف به الوالد.
стр. 939
السيطرة التنظيمية للوالدين والنمو الخلقي
مدخل
...
السيطرة التنظيمية للوالدين والنمو الخلقي:
كما ذكرنا فإن نظرية التحليل النفسي تستند بشدة إلى أهمية وسائل تربية الوالدين للطفل، وحالة التوحد يتعلم الطفل ممارسة الإحساس الذنب كشكل لعقاب الذات وهو يستند إلى السيطرة التنظيمية للوالدين. إن الذنب ينشأ كلما خالف الطفل أوامر المنع أو كم إغراءه ليفعل ذلك "Hoffman, ١٩٧٥,١٩٧٦". ولتجنب الذنب يجب أن يسلك الطفل بطريقة تتناسب والقيم التي تحدد من خلال التوحد مع الوالدين. وعندما يحدث ذلك يشعر الشخص بالفخر وهو ما يعزز الاستمرار في السلوك تبعًا للقواعد. وفي مرحلة الطفولة المبكرة يكون سلوك الطفل محكومًا بأوامر الوالدين، ليس بسبب الخوف من العقاب منهما ولكن بسبب أن الطفل قد توحد مع قيم الوالدين ومعاييرهما الأخلاقية. وتصبح هذه المعايير جزءًا من القيم الخاصة بالطفل ونظامه الأخلاقي حيث ترشد سلوكه إلى حد ما.
стр. 940
إن الأبحاث التي أجريت على العلاقة بين السيطرة التنظيمية للوالدين ونمو الأطفال الأخلاقي، هذه الأبحاث قد استخدمت عددًا من المؤشرات على تمثل الأطفال للمعايير الأخلاقية للكبار مثل: مقاومة الإغراء والدرجة التي يستطيع الطفل عندها أن يقاوم انتهاك المعايير عندما تكون فرصة اكتشاف هذه المحاولة بعيدة الاحتمال أو غير موجودة، والإحساس بالذنب، والاستجابة الانفعالية الداخلية التي تلي الخطيئة، ورد فعل الخطيئة، وحكم الطفل الخلقي على ارتكاب الخطأ، والاعتراف بارتكاب الخطأ كل ذلك من دلائل النمو الأخلاقي للطفل.
стр. 941
بحث هوفمان وسالتز شتاين:
Hoffiman & Saltzstein:
في بحث جيد التصميم، قام هوفمان وسالتز شتاين "١٩٦٧" بتقييم العلاقة بين النمو الأخلاقي والسيطرة التنظيمية للوالدين والحب في عينة من ١٤٦ صبي من الطبقة الوسطى، ٩١ صبيًا من الطبقة الدنيا، ١٢٤ فتاة من الطبقة الوسطى، ٨٣ من الطبقة الدنيا. وكان الجميع من الصف الدراسي السابع. وقد افترض الباحثان أن وسائل الاستقراء التي تفسر الأساس في عدم الرضا عن سلوك الطفل تكون شديدة الارتباط بالنمو الأخلاقي. وهذا الافتراض كان يستند على فكرة أن وسائل الاستقراء بعكس العقاب الذي يقوم على تأكيد السلطة أو سحب الحب، تهيئ للطفل معرفة أن سلوكه قد يكون ضارًا بشخص آخر، وبذلك يجري التركيز على قدرة الطفل على التعاطف. وقد ناقش الباحثان أن هذا اللجوء إلى التعاطف يدفع الطفل إلى تنمية الضوابط الأخلاقية. وحيث أنه لا تأكيد السلطة ولا سحب الحب يتقبلها الطفل لاختبار التعاطف، فإن هذا المكون المعرفي للسيطرة التنظيمية يصبح مفقودًا. وقد تم الحصول من كل طفل على مقياس للأخلاقيات، كان تقييم الذنب يتم بمطالبة الطفل باستكمال قصتين تدوران حول طفل من نفس الجنس والسن خالف قاعدة ما. وقد طلب من أفراد العينة الإخبار بما حدث وكيف يفكر ويشعر الطفل بكل قصة. وقد تم تسجيل الاستجابات التي تدل على ردود أفعال تتصل بالنقد الذاتي باعتبارها استجابات ذنب، وتم تقييم الحكم الخلقي بجعل الطفل يعطي حكمه الأخلاقي على عدد من المواقف الافتراضية تتضمن الانتهاك للقواعد، مثل السرقة أو ارتكاب جرائم أخرى مشابهة. وقد تم تقييم ردود أفعال الأطفال الواضحة نحو
стр. 942
الانتهاك من خلال تقارير المدرسين عن سلوك الطفل عندما ضبط وهو يرتكب خطأ. وقد تم القياس من خلال اعترافات الطفل التي تم الحصول عليها من الأم. وقد تم قياس الاهتمام بالنسبة للأطفال الآخرين باستخدام وسائل القياسي النفسي السوسيومترية، أي من خلال تصريحات أقران الأطفال الذين يهتمون بدرجة أكبر بمشاعر الآخرين. وجرى تقييم التوحد بقياس مقدار التشابه المدرك للطفل مع والديه والإعجاب بهما والرغبة في مناظرتهما.
وقد تحددت وسائل السيطرة التنظيمية للوالدين من خلال تقارير من الأطفال، وبالنسبة لأطفال الطبقة المتوسطة من خلال لقاءات مع الوالدين. وكانت استجابات كل من الأطفال والآباء قد سجلت لتحديد نوع السيطرة التنظيمية للوالدين مثل: تأكيد القوة، سحب الحب، الاستقراء واستخدام الوالدين للحب قد تحدد بسؤال الأطفال لتقدير استخدام والديهم لعدد ١٩ شكلًا من أنماط السلوك التي تدل على الحب. كما سئل الوالدن أيضًا لتقدير استخدامهما للموافقة عندما يحسن الطفل سلوكه. والخلاصة أنه كانت هناك ستة مؤشرات على السلوك الأخلاقي، وأربعة مقاييس للسيطرة التنظيمية للوالدين وكانت المعطيات لكل مجموعة فرعية قوامها الجنس، الطبقة الاجتماعية، قد حللت كل على حدة. وقد تحدد الأطفال بالنسبة لكل مؤشر على النمو الأخلاقي للأطفال الذين حصلوا على درجات مرتفعة، والأطفال الذين حصلوا على درجات أدنى ثم قورنوا بالدرجات التي تم تسجيلها عن وسائل تربية الطفل، وبالنسبة لأطفال الطبقة المتوسطة كان التقدير من خلال اللقاءات مع الوالدين ويمكن تلخيص نتائج هذا البحث على النحو التالي:
١- بالنسبة لأطفال الطبقة المتوسطة:
أ- استخدام الأم لتأكيد السلطة كان يرتبط دائمًا بنمو أخلاقي ضعيف.
ب- استخدام الأم للاستقراء كان يرتبط دائمًا بنمو أخلاقي متقدم.
جـ- استخدام الأم لسحب الحب كان ارتباطه سلبيًا ولكن بصورة غير مستمرة بالنمو الأخلاقي.
стр. 943
د- وسائل السلطة التنظيمية للأب كانت ترتبط بشكل غير مستمر وغير ثابت بالنمو الأخلاقي.
هـ- حب الوالدين كان يرتبط إيجابيًا بالنمو الأخلاقي، وبدرجة أكبر بالنسبة للأم عن الأب.
٢- بالنسبة لأطفال الطبقة الدنيا:
أ- كانت هناك علاقات قليلة بين النمو الأخلاقي للأطفال وتقاريرهم عن وسائل السيطرة التنظيمية للوالدين. وكانت العلاقات التي لها دلالة غير ثابتة وغير قاطعة.
ب- كان هناك ثلاثة علاقات بين الحب الوالدي والنمو الأخلاقي. وكانت العلاقات الثلاث علاقات إيجابية وذات دلالة.
стр. 944
تأييد نتائج دراسة هوفمان وسالتز شتاين:
وقد راجع هوفمان "١٩٧٠، ١٩٧٦" وسالتزشتاين "١٩٧٦" نتائج عدد من الأبحاث عن العلاقة بين وسائل السيطرة التنظيمية والنمو الأخلاقي للأطفال. وقد كانت النتائج مؤيدة للنتائج التي توصل إليها هوفمان وسالتزشتاين "١٩٧٦" وذلك على النحو التالي: إن استخدام الأم المستمر للسيطرة التنظيمية التي تؤكد على السلطة كان مرتبطًا بالنمو الأخلاقي الضعيف، في حين كان الاستقراء والحب من الأمر مرتبطين بالنمو الأخلاقي. وتؤكد كثير من الدراسات نتائج أبحاث هوفمان وسالتز شتاين فإن سحب الحب لا يرتبط بالنمو الأخلاقي. وهذه النتائج تحدد بشكل قاطع مقاييس الذنب والتوجيه الأخلاقي الداخلي، ولكنها أقل وضوحًا بالنسبة لمقاومة الإغراء والاعتراف.
وقد ذكر هوفمان "١٩٧٠، ١٩٧٦" أن المقياسين الأخيرين قد يتضمنان قرارات معقدة تؤدي إلى حجب أو تغيير العلاقات. إن مقاييس الحالات مثل: الذنب تتضمن قرارات تستند إلى وضع النتائج والطرق التبادلية للعمل في الاعتبار، وقد لخص سالتز شتاين "١٩٧٦، ص٢٠٩" هذه النتائج وفسرها كما يلي:
стр. 945
إن الاستخدام المستمر لتأكيد السلطة، وخاصة العقاب البدني، يؤدي إلى تأخير أي نوع من الأخلاقيات الداخلية، وأن الوسائل النفسية وخاصة التي توضح نتائج الفعل للآخرين تسهل نمو الأخلاقيات الداخلية. والتفكير العقلي يؤدي إلى نمو الأخلاقيات التي تقوم على حب الآخرين، والأخلاقيات الإنسانية، أي تلك التي تستند أساسًا على وضع الآخرين في الاعتبار. أن سحب الحب يؤدي إلى نمو أخلاقيات تقليدية أو رسمية، أي تلك التي تعتمد على الالتزام الدقيق بالقواعد لذاتها أو الانقياد للسلطة.
كما أن الأبحاث تؤيد أيضًا النتائج التي توصل إليها هوفمان وسالتز شتاين فيما يختص بأهمية استخدام الأب للسلطة التنظيمية بالنسبة لنمو أخلاقيات الطفل "Saltzhstein ١٩٧٦" وقد ورد ذكر القليل من العلاقات بين وسائل السيطرة التنظيمية للأب والنمو الأخلاقي للطفل، وهذ العلاقات القليلة التي ورد ذكرها يبدو أنها لا تناسب أي نمط، غير أنه بالنسبة للصبيان فإن وجود الأب له أهمية. فالأولاد الذين لا أب لهم يحصلون على درجات أقل في مجال النمو الأخلاقي عن الأطفال اللذين لهم آباء "Hoffman ١٩٧٧".
وهذه النتيجة قد يكون لها تفسيران: أولهما: أن الأب قد يقدم تعليمات عن المعايير الأخلاقية في المواقف التي لا تمثل السيطرة التنظيمية، وثانيما أن الدور التنظيمي للأب قد يكون حاسمًا فقط في ظروف استثنائية "الانحراف مثلًا"، حيث أن الأم هي التي تزاول السيطرة التنظيمية في الظروف العادية.
وقد قامت نجوى العدوي "١٩٨٢" بدراسة للتعرف على أثر بعض العوامل في توجيه نمو إدراك القواعد الخلقية لدى الأطفال من "٩-١٣" سنة، وهذه العوامل هي اختلاف المعاملة الوالدية ونوع التربية، ونوع العلاقة التي تربط الطفل بالسلطة. وقد افترضت الباحثة:
١- أن الأطفال الذين يعيشون في الأسر يختلفون عن الأطفال الذين يودعون المؤسسات من حيث: نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي اختلافًا له دلالة إحصائية لصالح أبناء الأسر.
стр. 946
٢- يختلف الأطفال في نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي اختلافًا له دلالة إحصائية باختلاف المناخ والتماسك الأسري "الأسر العادية، الأسر المفككة" لصالح أبناء الأسر العادية.
٣- يختلف الأطفال الذين يعيشون في المؤسسات فيما بينهم من حيث نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي لصالح أبناء الأسر المفككة الذين أودعوا المؤسسات.
٤- يختلف نمو إدراك الأطفال للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي باختلاف الجنس.
٥- يختلف نمو إدراك الأطفال للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي باختلاف إدراكهم لأسلوب معاملة المحيطين بهم "الآباء، المشرفين، الراشدين، أو من يقوم برعاية الطفل".
وقد أجريت الباحثة دراستها على عينة مكونة من ٢١٧ تلميذًا من الذكور والإناث في سن ٩-١٣ ومتقاربين في المستوى ق/ ج وكانت العينة موزعة كما يلي:
أ- ٦٤ تلميذًا من أبناء الأسر العادية الذين يقيمون في أسرة كاملة "مع الأب والأم".
ب- ٥٠ تلميذًا من أبناء الأسر المفككة الذين يقيمون مع أحد الوالدين أو أحد الأقارب بسبب الطلاق أو الهجر.
جـ- ٤٩ تلميذًا من أبناء الأسر المفككة الذين أودعوا المؤسسات.
د- ٥٤ تلميذًا لم يخبروا الحياة الأسرية والذين أودعوا المؤسسات خلال السنوات الثلاث الأولى من عمرهم من الأطفال اللقطاء أو الضالين.
وقد طبقت الباحثة على عينة الدراسة عددًا من المقاييس الخاصة بالنمو الحلقي وهي:
стр. 947
١- استبيان دراسة نمو إدراك القواعد الخلقية الذي أعدته الباحثة لذلك وتحددت أبعاد المقياس في القضايا التي قاسها بياجيه وهي: التصرف مثل "سلوك السرقة، سلوك الغش، سلوك الكذب" والعدل مثل "العدل الجزائي، العدل الموزع، المساواة، المسئولية الجماعية، العدل الحلولي".
٢- اختبار مجموعة القصص لقياس نمو الحكم الخلقي وهو مقتبس من مقياس بياجيه. هذه القصص تشكل مواقف تحدث في الحياة اليومية ومقسمة إلى الأبعاد والقضايا التي يقيسها المقياس السابق.
٣- اختبار الصور الإسقاطي لقياس نمو الحكم الخلقي الذي أعدته الباحثة ويتكون من ١٢ صورة تمثل القضايا السبع التي تقيس نمو إدراك القواعد الخلقية عند الأطفال، كما استخدمت الباحثة استبيان أساليب التنشئة الذي عرفته مايسه المفتي وقننته على البيئة المصرية ويشتمل على أساليب التدعيم، العقاب، والتحكم والسيطرة، المطالب، بالإضافة إلى مقياس عين شمس للذكاء الابتدائي، ودليل المستوى الاقتصادي الاجتماعي، والمقابلة، والملاحظة، ودراسة الحالة، ومن أهم ما توصلت إليه الباحثة من نتائج:
أ- العمر الزمني كان دالة لنمو إدراك القواعد الخلقية.
ب- انعدام الفروق بين الجنسين في نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي.
جـ- تفوقت مجموعة أطفال الأسر العادية في نمو إدراكهم للقواعد الخلقية عن باقي المجموعات، يليها مجموعة الأطفال الذين لم يخبروا الحياة الأسرية، ثم أطفال الأسر المفككة الذين أودعوا المؤسسات، وأضعف المجموعات في النمو مجموعة الأطفال الذين يعيشون في أسر مفككة.
٤- أهم العوامل التي تؤثر في نمو إدراك الطفل للقواعد الخلقية:
أ- الشعور بالاستقرار العائلي والأمن.
ب- الشعور بالحنان والحب.
جـ- قلة الصراعات الأسرية وعدم إقحام الطفل فيها.
стр. 948
د- التفاعل السليم القائم على الاحترام المتبادل بين الإخوة والأقران.
٥- أوضحت الدراسة أهمية قياس العوامل اللاشعورية لنمو إدراك الطفل للقواعد الخلقية إلى جانب العوامل اللاشعورية لإعطاء صورة تنبئوية كاملة عن السلوك الخلقي الحقيقي للفرد.
٦- كان استبيان قياس نمو الحكم الخلقي أقل مقاييس الحكم الخلقي تمييزًا لهذا النمو بين المجموعات.
يلاحظ من العرض السابق أن الفروق بين الطبقات الاجتماعية التي ذكرها هوفمان وسالتز شتياين لم يتم بحثها في الأبحاث الأخرى بل جرى معظمها على أطفال الطبقة المتوسطة. ويعتقد هوفمان "١٩٧٠" أن الأسس في فروق الطبقات الاجتماعية توجد في تأكيد السلطة المهيمن على السيطرة التنظيمية المستخدمة مع أطفال الطبقة الدنيا. وعندما يكون تأكيد السلطة هو الشكل الرئيسي اللسيطرة التنظيمية فإنه قد يمحو العلاقات بين وسائل السيطرة التنظيمية الأخرى والنمو الأخلاقي. علاوة على ذلك فإن الأب يظل هو العامل الأساسي في السيطرة التنظيمية في الطبقة الدنيا، وبذلك ينخفض تأثير الأم في النمو الأخلاقي. إن تأثير وسائل السيطرة التنظيمية للأم قد يضعف أيضًا بسبب ازدياد حاجة الأم إلى قضاء بعض الوقت بعيدًا عن أطفالها، كأن تكون عاملة مثلًا. ومجموع هذه العوامل يبدو أنه يقللل من العلاقة بين وسائل السيطرة التنظيمية للأم والنمو الأخلاقي في أطفال الطبقة الدنيا. كما يقترح هوفمان "١٩٧٠" أنه قد يكون من نتائج قلة تأثير الأم أن يلعب الأقران دورًا أكثر أهمية في النمو الأخلاقي بين أطفال الطبقة الدنيا عنه بين أطفال الطبقة المتوسطة.
إن هذه الأبحاث تؤيد الافتراض بأن السيطرة التنظيمية للوالدين عامل هام في النمو الأخلاقي لدى الطفل. ويجب أن نتذكر دائمًا أن المعطيات من التقارير الذاتية ومن البيئات الطبيعية يصعب عادة تفسيرها على أساس السبب والنتيجة لذلك يجب مراجعة نتائج بعض الأبحاث عن تأثيرات السيطرة التنظيمية على النمو الأخلاقي.
стр. 949
السيطرة التنظيمية والنمو الأخلاقي: "البحث المعملي "
إن العقاب عندما يوقع عند بدء الطفل في انتهاك القواعد يكون أكثر فاعلية في منع تكرار هذا السلوك أكثر مما لو وقع هذا العقاب فيما بعد، أي: بعد أن ينتهي السلوك غير المرغوب فيه. وقد ذكر مورر Mowrer "١٩٦٠، أ، ب" وجهة النظر هذه بأن أوضح أن العقاب عندما يوقع قرب بداية تتابع سلوكي يؤدي إلى ارتباط وثيق بين الخوف وهذه الاستجابات الأولى في التتابع. وهذا الخوف يولد القلق في المحاولات التالية للمبادرة بالسلوك المنحرف. وإذا كان القلق على درجة كافية من الشدة فإنه يولد استجابات التجنب، وهذه بدورها يعززها تقليل القلق. ونتيجة لذلك فإن السلوك المنحرف لن يتم القيام به.
وبالمقارنة فإن العقاب الموقع متأخرًا في التتابع، أو بعد انتهاء التتابع، سوف يولد قلقًا لا يرتبط إلا بقدر بسيط ببداية السلوك المنحرف. وإذا كان إتمام السلوك شديد التعزيز، فإن القلق قد يكون له أثر. ونتيجة لذلك فإن السلوك المنحرف قد يتكرر وعندئذ فإن هناك افتراض يمكن اختباره هو أن العقاب المبكر يحدث في تتابع استجابي، وهو أشد فاعلية في منع الحدوث المتتابع للسلوك المعاقب عليه. والبحث يؤيد بصفة عامة افتراض مورر Mowerer في تجربتين "أرونفريد Aronfreed ١٩٦٦ أرونفريد وروبر ١٩٦٥ Aronfreed & Rober" لأطفال في سن من ٨-١٠ سنوات قدم لهم عشرة أزواج من اللعب الجذابة وغير الجذابة وطلب منهم أن يلتقطوا لعبة من كل زوج ويصفونها. فإذا اختار الطفل لعبة جذابة، فإن القائم بالتجربة يقول "لا" ويحرم الطفل من الحلوى. وقد عهد بالأطفال بطريقة عشوائية إلى ظرف من أربعة خاصة بتوقيت العقاب. وقد عوقب الأطفال في الحالات الآتية: ١- عنما يكون الطفل على وشك الإمساك باللعبة. ٢- بعد أن يرفع الطفل اللعبة مباشرة. ٣- بعد رفع الطفل اللعبة بمقدار ٦ ثوان. ٤- عندما انتهى الطفل من وصف اللعبة "١٠-١٢ ثانية بعد رفع اللعبة". وبعد عشر محاولات تعلم فيها الأطفال بسرعة أن يلتقطوا اللعبة غير الجذابة، ترك الأطفال وحدهم مع لعبة جذابة وأخرى غير جذابة، وسجل الوقت الذي انقضى قبل أن يبدأ الأطفال في اللعب باللعبة الجذابة. وقد وجد أن الوقت استغرق للعب باللعبة الجذابة كان مرتبطًا
стр. 950
بتوقيت العقاب في الاتجاه الذي تنبأت به نظرية مورور. وكلما كان توقيع العقاب سريعًا بعد بداية سلوك الطفل الذي لم ينل موافقة، خلال المحاولات العشر، طال الوقت الذي يمضي للإمساك باللعبة الجذابة في موقف الاختبار. وقد كانت هذه النتيجة واحدة بالنسبة للبنين والبنات وكذلك بالنسبة للمختبرين الذكور والإناث. وقد ذكر آخرون نفس النتائج "مثل ليزر Leizer وروجرز Rogers ١٩٧٤. بارك Parke وولترز Walters ١٩٦٧ وولترز وبارك وكين Cane ١٩٦٥". إن هذه الدراسات تؤيد الافتراض بأن العقاب الموقع مبكرًا في تتابع سلوكي يساعد على نمو المقاومة للإغراء. وهذه المقاومة للإغراء أحد العناصر السلوكية التي تدل على النضج الخلقي وعلى استبطان معايير الوالدين الخلقية حيث تتلخص العناصر فيما يلي:
١- مقاومة الفرد للإغراء كأن يرفض الغش حتى لو عرف أنه لن يكشف سلوكه هذا، بمعنى أن معايير الفرد الخلقية تكمن في داخله، ولا ترجع إلى مصدر خارجي فردًا كان أم جماعة.
٢- الشعور بالإثم نتيجة اقتراف الفرد للأخطاء، والانحراف عن جادة الصواب مع أن أحدًا لم يكتشف خطأه بمعنى أن الخلق يكون نابعًا من الذات.
٣- اعتراف الفرد بأفعاله وتحمله لمسئولية نتائجها، ذلك أن الشخص الذي لم ينم خلقيًا بدرجة كافية لا يعترف بخطأ ارتكبه إلا إذا ثبت عليه الخطأ وهو عادة يرفض أن يكون مسئولًا عن نتائج خطئه، أما الشخص الذي نما خلقيًا نموًا سويًا فإنه يضيق بما يرتكبه من مخالفات خلقية ويعترف بها ويتقبل جزاءه.
٤- استقلال الأفعال عن الجزاءات الخارجية. أي أن الفرد يسلك سلوكًا خلقيًا لأن هذا يتفق مع معاييره لا خوفًا من عقاب، ولا رغبة من ثواب.
ومن سوء الحظ لم يجر سوى أبحاث معملية قليلة عن العلاقة بين السيطرة التنظيمية والاستقراء من ناحية السلوك الأخلاقي من ناحية أخرى. إن الدراسات الطبيعية "على الطبيعة" التي ذكرناها تدل على أن هذا النوع من السيطرة التنظيمية كان وثيق الارتباط بالنمو الأخلاقي. وبعض الأبحاث "مثل ليزر وروجرز Leizer
следующие страницы →