← История

История · id 993

مرويات كتاب أخبار المدينة جمع وتوثيق ودراسة

عبد العزيز عوض سلمان الجهني

Полный текст (311 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وابن أبي حازم والمغيرة بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم بن دينار وجماعة، قال الحاكم: كان فقيها متقشفا عالما بمذاهب أهل المدينة وكذا ذكر ابن حبان في الثقات. وقال ابن حزم: في موطئه زيادة على مِائَة حديث. وقدمه الدارقطني في الموطأ على يحيى بن بكير، قال الزبير بن بكار: مات وهو فقيه أهل المدينة غير مدافع، قال السراج: مات في رمضان سنة ٢٤٢ هـ، وله ٩٢ سنة (١) … وقال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي وأبو زرعة وقالا: هو صدوق وهو أحد من يحمل الموطأ عن مالك ﵀، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: خرجت في سنة تسع عشرة ومائتين إلى مكة فقلت لأبي: عن من أكتب؟ فقال: لا تكتب عن أبي مصعب واكتب عن مَن شئت، ومعنى ذلك أن أبا مصعب كان ممن يميل إلى الرأي ويروي مسائل الفقه وأهل الحديث يكرهون ذلك فإنما نهى زهير ابنه عن أن يكتب عن أبي مصعب الرأي والله أعلم، وإلا فهو ثقة لا نعلم أحدا ذكره إلا بخير (٢).

стр. 107

سليمان بن أبي داود (١). شيخ لزيد بن الحباب لا أعرفه ولعله الذي قبله. أخرج إبراهيم الحربي في كتاب المناسك، عَن عَلِيّ بن مسلم عن زيد عنه كنت عند جعفر ابن محمد، يعني الصادق - فقال له رجل: ماذا كان يدعى به عند وداع البيت؟ فقال له جعفر: ما أدري فقال عبد الله يعني الرجل: كان، يعني أحدهم - إذا ودع يقول: اللهم إني عبدك … الدعاء بطوله. وقد أسنده البيهقي إلى الشافعي وقال: هذا حسن من كلام الشافعي. وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء عن إسحاق، عن عبد الرزاق قوله. وأخرجه الحربي بهذا الإسناد المجهول (٢).

стр. 108

و. أثر كتابه في كتابات المؤرخين من بعده: في هذا المقام سنتعرض لأثر يحيى العقيقي من خلال كتابه "أخبار المدينة" على كتابات المؤرخين من بعده الذين عنوا بالتأريخ له، حيث سيتضح أثر هذا الكتاب؛ فقد استفاد منه العديد ممن عني بتأريخ المدينة وغيرها، وسوف نعرض لهؤلاء المؤرخين على حسب كم النقل وعظم إفادتهم من الكتاب على النحو الآتي: السمهودي (١): فيعد أكثر المؤرخين قاطبة نقلًا وإفادةً من كتاب يحيى العقيقي وأعظم مَن بيّن قيمة الكتاب، وذكَر أنّه وابن زبالة عُمدتَا مَن أرّخ للمدينة من المتقدمين لَمِن كَتَب بعدهما، نقل ذلك في كتابه (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطف ﷺ ، الذي هو من أجمع ما أُلّف عن تاريخ المدينة ومما قال فيه وهو يُقرر أنّ يحيى العقيقي هذا من اعتمد المتأخّرون عليه في أخبار المدينة، قوله: "وابن زبالة ويحيى عُمدةٌ في ذلك، فإنهما أقدَم من أرّخ للمدينة .. " (٢). وجاء في مقالة د. صالح أحمد العلي (المؤلفات العربية عن

стр. 109

المدينة والحجاز) قوله: "لقد فقد كتاب يحيى، ولَم تبقَ منه إلا مقتطفات نقلها المتأخّرون، .. غير أنّ أوسَع مَن نقَل عنه هو السمهودي، فقد نقل عنه في ٢١٠ موضع، وهو مقدارٌ يكفي لتكوين فكرة عامة عن نطاق الكتاب" (١)، وقد وجدتُ هذه المواضع كلّها وحصرتها ب ٢٢٦ نقلاً بتعدادي (٢).

стр. 110

قال محقق وفاء الوفاء (محمد نظام الدين الفُتيح) في ذكر مصادر السمهودي في كتابه: " استكثر المؤلف ﵀ من الأخذ عن غيره، وهذا واضح من كثرة تصريحه بالنقل … يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني العلوي المدني المتوفي ٢٧٧ هـ، أكثر من النقل عنه، وله كتاب أخبار المدينة" (١).

стр. 111

ولأجل ما تقدم قررَتْ الباحثة في كتابها: موارد السمهودي ومنهجه التاريخي في كتابه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفي ﷺ (هدي محمد سعيد عباس سندي) الذي نالت به درجة الماجستير أنّه (قد نقَل السمهودي منه الكثير من الروايات، حيث اعتمد على كتاب يحيى بن الحسن اعتمادا كبيرًا، في ذكر بعض الروايات التي تتعلق بتاريخ المدينة؛ لأنَّه يعتبر من أقدم من أرّخ لها، خاصة الروايات التي تتعلق بهجرة الرسول ﷺ وتأسيسه مسجد قباء، والروضة الشريفة، والحجرات، كما منه بعض الزيادات التي توضح الزيادات التي حدثت للمسجد النبوي بعد وفاة النبي ﷺ في عهد الخلفاء ومَن جاء بعدهم. وعدد الروايات المنقولة عنه مائة وتسع وستون … ) (١). وذكرت الباحثة أنّ السمهودي ﵀ قد اطلع على ثلاث نُسَخ من كتاب يحيى العقيقي (أخبار المدينة) (٢) واستفاد منها، فمنها نسخة رواها ابنُه طاهر عن أبي الحسن المدائني عن أبيه (رواية طاهر كتاب أبيه عنه بواسطة المدائني)، ونسخة رواها طاهر عن أبيه يحيى مباشرة، وثالثة رواها الحسين بن محمد بن يحيى حفيد المؤلف (٣).

стр. 112

والثابت أنه اطلع على أربع نسخ (١) ويُقرر كُلّ هذا أقوال السمهودي اللاحقة، حيث قال فيها: (قد رأيت ذلك في نسخة كتاب يحيى التي رواها ابنُه طاهر بن يحيى عنه (٢)). وقال: (في النسخة التي رواها ابنُه طاهر بن يحيى عنه … (٣)). وقال: (في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى (٤)). وقال: (كذا في النسخة التي رواها ابنُ ابنه الحسن بن محمد عنه،

стр. 113

ثم رأيت في النسخة التي رواها ابنُه طاهر عنه ما ذكره الغَرّافي). وقال: ( … كما في النسخة التي رواها ابنه عن أبي الحسن المدائني - (١)). وقال: (في نسخة من كتاب يحيى، رواها ابنُه طاهر عنه … ابن فراس أحد رواة النسخة المذكورة عن طاهر بن يحيى (٢)). وقال: (ورأيتُه في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى (٣)). وقال: (في نسخة من كتاب يحيى رواية ابنه طاهر ابن يحيى عنه … ولم أرَ ذلك في النسخة التي هي رواية ابن ابنه الحسين بن محمد بن يحيى عن جده يحيى (٤)). ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: استفادة المؤرخ محمد بن يوسف الصالحي الشامي في سِفره الموسوم ب: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ﷺ ، حيث نقل عنه في أكثر من (٣٠) نقلاً (٥)، مع أنه ترجح

стр. 114

لدى الباحث بتأمل نقولات الصالحي عن أخبار المدينة أنه لَم يقف على كتاب العقيقي هذا ليباشر النقل عنه، بل نقلها بواسطة السمهودي خصوصًا، وغيره. ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: استفادة الإمام أبي إسحاق الحربي، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم (ت ٢٨٥ هـ) (١)، تلميذ العقيقي، في كتابه: (المناسك وأماكن طُرُق الحج ومعَالِم الجزيرة)، وقد تقدم عند ذكر تلامذة يحيى العقيقي أنّ أبا إسحاق منهم، فهو قد استفاد كثيرًا من كتاب شيخه هذا، حيث اطلع على الكتاب ونقل عنه نقولات طويلة جدًّا، كما أفاد بذلك محقق المناسك (حمد الجاسر)، بل وذكَرَ بأنّ "في تلك النقول ما يصحح بعض ما أورد السمهودي منها" (٢). ولقد عددتُ نقولات الحربي (الطويلة وغيرها) عن العقيقي في كتابه أخبار المدينة فوجدتها في (٢٨) موضعاً (٣)، وقد قال بقريب من هذا

стр. 115

محقق المناسك، حيث قال - وهو يَذكُرُ من مشايخ صاحبِه الحربي -: " يحيى ابن الحسن العلوي: ورَد النقل عن هذا في أكثر من عشرين موضعًا، في الكلام على المسجد النبوي .. ثم إنّه ذكَر أنه لعدم عناية المتقدمين بترجمة يحيى العقيقي حسُن أنْ يورِد ما كتَبه عنه وعن كتابه صديقُه صالح العلي في بحثه الممتع عن: المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز (١). ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: استفادة مؤرّخ المدينة العالم زين الدين أبي بكر بن الحسين المراغي العثماني الشافعي المتوفي ٨١٦ هـ منه، في مؤلفه المسمي: تحقيق النصرة بتلخيص مَعَالِمِ دار الهجرة: ولقد استفاد هذا المؤلّف من كتاب العقيقي حيث نقَل عنه ما لا يقل عن ستة وعشرين نقلا، وكثيرٌ منها عمدة في بابه، قال محقق الكتاب (أبو يعقوب نشأت كَمَال) عن المراغي: "اعتمد المؤلّف في كتابه على مجموعة قيّمةٍ من المصادر في تاريخ المدينة، وبعض هذه المصادر مفقود لا أثَر له، ولا نَملك منها إلا ما ورَد عنها من نُقُول في المصادر المتأخّرة، ومنها كتاب المراغي، فقد أوَرَد فيه نقولا عديدة، عن كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحسن

стр. 116

العلوي ونقل عنه في (٢٦) موضعًا" (١)، وقد وقفتُ على هذه المواضع كُلّها (٢). وفي نُقول المراغي هذه ما يوحِي بأنَّه اطلَع على كتاب العقيقي هذا قبل فَقْدِه وطيِّه (٣). ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: نقَل تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي من كتاب يحيى العقيقي أخبار المدينة في موضعين، من كتابه: شفاء السقام في زيارة خير الأنام (٤). ونقل عنه النقلَين أيضًا الحافظُ ابنُ عبد الهادي أبو عبد الله محمد في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي (٥).

стр. 117

ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية وأثره في المؤرخين بعده: أثره في الحافظ المزي حيث ما يكاد يذكره إلا ويلقبه بالنسابة كما نقَل عنه المزي في ترجمة لـ موسى بن جعفر بن محمد: "حيث قال: قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح؛ من عبادته واجتهاده" (١). وهذا النقل موافق لما جاء في كتاب أخبار المدينة، كما اتضح أثره أيضا على كل من الحافظ المؤرخ ابن حجر العسقلاني، والإمام الحافظ شمس الدين الذهبي فيما سبق. وكما أنّ كتاب يحيى (أخبار المدينة) صار مورًا للمؤرخين من بعده، فكذلك صار مرجعًا لغيرهم من بقية أهل الفنون كالعقيدة والفقه؛ فقد نقَل عنه الإمام الآجري (٢) في كتابه كتاب الشريعة، بل ووصفه فقال:

стр. 118

(هو كتاب مشهورٌ، سألتُ أبا عبد الله جعفر بن إدريس القزويني، إمامًا مِن أئمة المسجد الحرام في قيام رمضان وأحد المؤذنين، فحدثني بِهذا، وذلك أني رأيت الكتاب معه مجلدًا كبيرًا شبيهًا بِمائة ورقة، سَمِعه من طاهر بن يحيى. فيه فضل المدينة) (١)، وقد اتضح لي من نقَل الآجري خمسةُ حقائق عظيمة، عن العقيقي، من حيث نظرة طائفة من أجلة عُلماءِ الإسلام إليه، وإلى أئمةٍ مِن أهل بيتِه الأطهار، ونفي تُهمة كون العقيقي العلوي رافضيًّا؛ يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وعن تلميذه وابنه طاهر - راوي أخبار المدينة عن والده -، وبيان واقِعِ كتابِه العظيم الَمطْويّ المفقود قبل فقدانِه، وأنّه رآه الآجري في مجلد كبير شبيه بمائة صفحة، ومِن ثَمّ منزلته وقيمته العلمية عند العلماء. فبكل ما تقدم ظهَر جليًّا أثرُ يحيى العقيقي الواضح في المؤرخين مِن بعده، بل وفي غيرهم: من حيث استكثارهم من الأخذ عنه، وخصوصًا نور الدين السمهودي الذي أكثَر جدًّا من النقل عنه (يحيى بن الحسن العقيقي

стр. 119

المدني) ﵀ في كتابه المطويّ المفقود (أخبار المدينة) حيث نقَل عنه كما تقدم أكثر من ٢٢٦ (بتعدادي) (١). وقد تقدمت كلّ نقولات العلماء التي وقفت عليها عنه ﵀ موزّعة على الباب الثاني بأربعة فصول وهي -والحمد لله- تؤكّد ما في هذا العنوان، من أثر يحيى العقيقي النسابة المؤرخ على علماء التاريخ بعده ﵀.

стр. 120

الباب الثاني جمع مرويات يحيى العقيقي في كتابه أخبار المدينة

стр. 121

وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: مروياته المتعلقة بقدوم الرسول ﷺ المدينة حتى بناء مسجده. الفصل الثاني: مروياته المتعلقة بالزيادات في المسجد النبوي، والكتابات فيه من عصر الخلفاء والعصور التي بعده. الفصل الثالث: مروياته المتعلقة بالحجرات والدُّور التي حول المسجد النبوي، والروايات المتعلقة بوفاة النبي ﷺ ودفنه وقبر صاحبَيْه ﵄. الفصل الرابع: مروياته المتعلقة بأُحُد، وفضائل المدينة وآدابها ومسجد قباء، وبقية المساجد في المدينة وما حولها.

стр. 122

الفصل الأول: مروياته المتعلقة بقدوم الرسول ﷺ المدينة حتى بناء مسجده

стр. 123

بعد دارستي للمرويات في هذا الفصل حاولت جاهدًا ترتيب الروايات والنصوص حسب الأحداث وتسلسلها التاريخي لتقترب من صنيع يحيى العقيقي في كتابه (أخبار المدينة)، وقد رأيت أنْ أوُدَّ موضوعات هذا الفصل إلى مبحثين: المبحث الأول: الروايات المتعلقة بالأحداث التي وقعت بُعَيد الهجرة النبوية. فيه ذكر الأحداث من وقت دخول النبي ﷺ إلى قباء، ونزوله على كلثوم بن الهدم وبني عمر بن عوف وإجارتهم لأسعد بن زرارة ﵁، ومقدمه ﷺ من قباء للمدينة، ونزوله وسكناه ﷺ عند أبي أيوب الأنصاري ﵁، وتحديد واختيار موضع مسجده الشريف وما ورد في المربد من روايات كثيرة، منها: صلاة أسعد بن زرارة فيه بعد خروج مصعب للنبي ﷺ قبل بناء المسجد الشريف. المبحث الثاني: الروايات المتعلقة بالمسجد النبوي الشريف. وفيه جمعتُ مروياته ﵀ في بناء النبي ﷺ مسجده الشريف، وتحويل القبلة، وذرع المسجد، وكذا الروايات في الجذع والمنبر، والأساطين، والصحن والبالوعات، ومعتكفه ﷺ ، والصفة وأهلها وتعليق الأقناء لهم، وسد الأبواب، ثم ختمتُه بذكر الروايات المتعلقة بالعود، وإجمار المسجد الشريف. ـ

стр. 124

المبحث الأول: الروايات المتعلقة بالأحداث التي وقعَت بُعَيد الهجرة النبوية ١ - وقت دخول النبي ﷺ إلى قباء: وفي أخبار المدينة ليحيى الحسيني جَدِّ أمراء المدينة اليوم، في النسخة التي رواها ابنُه طاهر بن يحيى عنه من طريق محمد بن معاذ، قال: حدثنا مجمع بن يعقوب عن أبيه، وعن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة (١)، قالا: صلى رسولُ ﷺ بظهر حَرَّتنا، ثم ركب فأناخ إلى عِذق عند بئر غرس (٢) قبل أن تبزُغ الشمس، وما يُعرَف رسول الله ﷺ من أبي بكر، عليهما ثيابٌ متشابهة، فجعل الناس يقفون عليهم حتى بزغت الشمس من ناحية أُطُمِهم الذي يقال له: شُنَيف (٣)، فأمهل

стр. 125

أبو بكر ساعة حتى خُيّل إليه أنّه يؤذي رسول الله ﷺ بحرّ الشمس، فقام فستر على رسول الله ﷺ بردائه، فعرف القوم رسول الله، فجعلوا يأتون فيسلّمون على رسول الله ﷺ . قلتُ لمجمع بن يعقوب: إنّ الناس يَرَون أنه جاء بعد ما ارتفع النهار وأحرقتهم الشمس؟ قال مجمع: هكذا أخبرني أبي، وسعيد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: ما بزغت الشمس إلا وهو جالسٌ في منزله ﷺ . قلتُ: ولَم أرَ هذا الخبر في النسخة التي رواها ولد ابن يحيى عن جده (١). ٢ - نزوله على كلثوم بن الهدم وبني عمرو بن عوف وإجارتهم لأسعد بن زرارة: وفي كتاب يحيى أيضًا: عن محمد بن إسماعيل بن مجمع (٢)، قال: لّما نزل رسول الله ﷺ على كُلثوم بن الهِدْم (٣) هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة،

стр. 126

قال: يا نجيح، لِمولى له، فقال رسول الله ﷺ "والتفت إلى أبي بكر: أنجحت، أو أنجحنا"، فقال: أطعما رطبًا، قال: فأُتُوا بقنوٍ من أم جُردان فيه رطب منصف وفيه زَهْو (١)، فقال ﷺ : ما هذا؟ قال: عذق أم جُردان (٢)، فقال رسول الله ﷺ : "اللّهم بارك في أم جُردان" (٣). وروَى يحيى عن عبد العزيز بن عبيد الله بن عثمان بن حنيف (٤)، قال: لَمّا نزل رسول الله ﷺ على بنِي عمرو بن عوف، وقد كان بين الأوس والخزرج ما كان من العداوة، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار الأوس، وكانت الأوس تخاف أن تدخل دار الخزرج، وكان أسعد بن زرارة قَتَل نبتل ابن الحارث يوم بُعاث، فقال رسول الله: "أين أسعد بن زرارة؟ " فقال سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر ورفاعة بن المنذر: كان يا رسول الله قد أصاب منا رجلا يوم بُعاث. فلما كانت ليلة الأربعاء جاء أسعد إلى النبي ﷺ

стр. 127

متقنِّعًا بين المغرب والعشاء، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "يا أبا أُمامة، جئتَ مِن منزلك إلى ها هنا وبينك وبين القوم ما بينك؟ " قال أبو أُمامة: لا والذي بعثك بالحق ما كنت لأسمع بك في مكان إلا جئت، ثم بات عند رسول الله ﷺ حتى أصبح، ثم غدا، فقال رسول الله ﷺ لسعد بن خيثمة ورفاعة ومبشر ابني عبد المنذر: "أجيروه"، قالوا: أنت يا رسول الله فأَجرهُ، فجوارنا في جوارك، فقال رسول الله ﷺ : "يُجيره بعضكم"، فقال سعد بن خيثمة: هو في جواري، ثم ذهب سعد بن خيثمة إلى أسعد بن زرارة في بيته، فجاء به محاضرةً في يده ظُهرًا حتى انتهى به إلى بني عمرو بن عوف، ثم قالت الأوس: يا رسول الله كلنا له جوار، فكان أسعد بن زرارة بعدُ يغدو ويروح إلى رسول الله ﷺ ، انتهى (١). ٣ - قدوم النبي ﷺ من قباء للمدينة: وروى يحيى أنه ﷺ لمّا شَخَص أي مِن قباء - اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله! أخرجتَ مَلالا لنا أم تريد دارًا خيرًا من دارنا؟ قال: إنَي أُمتُر بقرية تأكُل القرى، فخلّوها - أي: ناقته - فإنّها مأمورة، فخرج ﷺ من قباء، فعرض له قبائل الأنصار كلهم يدعوه ويعِدُه النصرة والمْنَعَة، فيقول: "خلّوها فإنها مأمورة"، حتى أدركته الجمعة في بنِي

стр. 128

سالِم، فصلّى في بطن الوادي الجمعة، وادي ذي (١) صُلب (٢). ووردت هذه الرواية عند الصالحي، لكن بزيادة في آخرها (٣). وروَى أيضًا عن عمارة بن خُزيمة (٤)، قال: لمّا كان يوم الجمعة

стр. 129

وارتفع النهار دعا رسولُ الله ﷺ براحلته، وحشَد المسلمون ولبسوا السلاح، وركب رسول الله ﷺ ناقته القصواء، والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه: منهم الماشي والراكب، فاعترضنا الأنصار، فما يَمُرّ بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العزّ والمْنعة والثروة، فيقول لهم: خيرًا، ويدعو، ويقول: "إنها مأمورة"؛ فخلّوا سبيلها. فمَرّ ببني سالم، فقام إليه عتبان بن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان، وهو آخذٌ بزمام راحلته يقول: يا رسول الله! انزل فينا؛ فإنّ فينا العدَدَ والعُدّة والحلقة (١)، ونحن أصحاب القضا والحدائق والدرك (٢) يا رسول الله، قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البَحرة خائفًا، فيلجأ إلينا فنقول له: قوقل حيث شئت، فجعل رسول الله ﷺ يبتسم ويقول: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة"، فقام إليه عبادة بن الصامت، وعباس بن الصامت بن نضلة بن العجلان، فجعلا يقولان: يا رسول الله انزل فينا، فيقول النبي ﷺ : "بارك الله عليكم، إنها مأمورة"، فلما أتي مسجد بني سالم - وهو المسجد الذي في الوادي - فجمع بهم وخطبهم. ثم أخذ رسول الله ﷺ عن يمين الطريق حتى جاء بني الْحُبلى، فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبيّ، فلما رآه ابن أبيّ وهو عند مزاحم - أي الأطم

стр. 130

محتبيًا، قال: اذهب إلى الذين دعوك فأنزل عليهم، قال سعد بن عبادة: لا تجد يا رسول الله في نفسك من قوله، فقد قدمْتَ علينا، والخزرج تريد أنْ تُملّكه عليها، ولكن هذه داري. فمَرّ ببنِي ساعدة فقال له سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة: هلم يا رسول الله إلى العزّ والثروة والقوة والجلَد، وسعد يقول: يا رسول الله ليس من قومي أكثر عذْقًا، ولا فم بئر مني، مع الثروة والعدد والجَلَد والحلقة، فيقول رسول الله: "بارك الله عليكم"، وجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا أبا ثابت خَلِّ سبيلها فإنها مأمورة". فمضى، واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وبشير بن سعد فقالوا: يا رسول الله! لا تجاوزنا فإنا أهل عدد وثروة وحلقة، قال: "بارك الله فيكم، خلّوا سبيلها فإنها مأمورة". واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو - أي من بني بيَاضة - يقولان: يا رسول الله هلم إلى المواساة والعز والثروة والعدد والقوة، نحن أهل الدَّرَك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "خلّوا سبيلها فإنها مأمورة". ثم مَرّ ببَنِي عديّ بن النجار - وهم أخواله - فقام أبو سليط وصرمة بن أبي أنيس في قومهما، فقالا: يا رسول الله نحن أخوالك، هلم إلى العدد والْمَنعة والقوة مع القرابة، لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا بك، فقال رسول الله ﷺ : "خلّوا سبيلها فإنها مأمورة".

стр. 131

ويقال: إنّ أول الأنصار اعترضه بنو بيَاضة، ثم بنو سالم، ثم مال إلى ابن أبي، ثم مرّ على بني عديّ بن النجار، حتى انتهى إلى بنِي مالك بن النجار (١). وذكَر يحيى في رواية أخرى أنه ﷺ بعد أنْ سار مِن بنِي سالم تيامن، فأتى منزل ابن أُبَيّ، ثم مضى في الطريق والطريق يومئذ فضاء - حتى انتهى إلى سعد بن عبادة، ثم اعترضت له بنو بيَاضة عن يساره، ثم مضى حتى أتي بنِي عديّ ابن النجار، ثم أتي إلى بنِي مازن بن النجار، فقامت إليه وجوههم، ثم مضى حتى انتهى إلى باب المسجد، وقد حشَدَت بنو مالك بن النجار، فهم قيامٌ ينتظرونه إلى أن طلع، فهشّ إليه أسعد بن زرارة، وأبو أيوب، وعمارة بن حزم، وحارثة بن النعمان يقول: يا رسول الله قد علِمَت الخزرجُ أنه ليس رَبْع أوسَع من رَبعي، قال: فبركَت بين أظهرهم، فاستبشروا، ثم نهضَت كأنها مذعورة ترجّع الحنين فساءهم ذلك فجعلوا يعدون بجنبها حتى أتت إلى زقاق الحبشي ببئر جمل فبركت، والنبي ﷺ

стр. 132

عليها مُرخٍ لَها زمامها، ثم قامَت عَوْدَها على بدئِها، تزيد في المْشْي حتى برَكَت على باب المسجد، وضرَبَت بجرانها، وعدلت ثفناتها (١)، وجاء أبو أيّوب والقوم يُكلّمونه في النزول عليهم، فأخذ رحله فأدخله، فنظر رسول الله إلى رحله وقد حُطّ، فقال: "المرء مع رَحله" (٢). وروى يحيى عن عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ ، فجئت أنظر؛ فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم قال: "أيّها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة (٣) بِسَلامٍ" (٤). وعند الصالحي جاءت الرواية بزيادة (٥).

стр. 133

٤ - نزوله وسكناه عند أبي أيوب الأنصاري: وفي كتاب يحيى عن زيد بن ثابت (١): لمّا نزل رسول الله ﷺ على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول ﷺ هدية أول هدية دخلتُ بها عليه؛ قصعة مثرودة؛ خُبرُ برّ وسمن ولبن فأضعها بين يديه، فقلت: يا رسول الله! أرسلَتْ بهذه القصعة أمّي، فقال: بارك الله فيها، ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرِمِ الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة على رأس غلام مغطاة، فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر، فرأيت ثريدًا عليه عُراق (٢)، فدخل بها على رسول الله ﷺ ، قال زيد: فلقد كنا في بنِي مالك بن النجار ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﷺ منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ويتناوبون بينهم، حتى تحول رسول الله ﷺ من بيت أبي أيوب، وكان مقامه فيه سبعة أشهر، وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة (٣).

стр. 134

وهكذا الرواية عند الصالحي (١). وعند المراغي ذكره، لكنه بزيادة، حيث قال: وفي كتاب يحيى عن زيد: ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﷺ منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، ويتناوبون بينهم، حتى تحول رسول الله ﷺ من بيت أبي أيوب، ثم قال: وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة، وكانت أُمّ سُلَيم تتأسف على ذلك، وما كان لها شيءٌ، فجاءت بابنها أنس وقالت: يخدمك أُنَيس يا رسول الله؟ قال: "نعم"، والله أعلم (٢). وفيه (يعني في كتاب يحيى العقيقي): أنّه قيل لأم أيوب: أي الطعام كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ ، فإنكم عرفتم ذلك لِمقامه عندكم؟ قالت: ما رأيتُه أمَر بطعام فصُنع له بعينه، ولا رأيناه أُتِي بطعام قطّ فعابَه، وقد أخبرَنِي أبو أيّوب أنّه تعشّى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طَفَيْشَل، فقال أبو أيّوب: فرأيتُ رسول الله ﷺ ينهل تلك القِدر ما لم أره ينهل غيرَها، فكنا نعملها له، وكنا نعمل له الهريس، وكانت تعجبه، وكان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر، كما يكون الطعام في الكثرة والقلة (٣).

стр. 135

وهكذا جاءت الرواية عند الصالحي (١). وفيه عن أبِي أيّوب: أنّهم تكلفوا له طعامًا فيه بعضُ هذه البقول، فلَمّا أتَوه به كرهه، وقال لأصحابه: "كلوا فإني لستُ كأحدكم، إنّي أخاف أن أُوذِيَ (٢) صاحبِي (٣) ". ٥ - اختيار موضع مسجده الشريف وما ورد في المربد من روايات: وفي كتاب يحيى عن الزهري (٤): أنها بركَتْ عند مسجد الرسول ﷺ ، وهو يومئذ يُصلّي فيه رجالٌ من المسلمين، وكان مربدًا (٥) الغلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركَت راحلتُه: "هذا إنْ شاء الله الْمنزل" وقال: "اللهم أنزلنا منزلا مبارَكًا، وأنت خير المنزلين". قالَه أربع مرات (٦).

стр. 136

وفي كتاب يحيى عن الزهري أيضًا: أنّ المربد كان لسهل وسهيل، وأنهما كانا في حجر أبي أُمامة أسعد بن زرارة، وأنّ النبي ﷺ ، قال - حين برَكَت به راحلتُه -: "هذا المنزل إن شاء الله"، ثم دعا الغلامَين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهبه لك يا رسول الله، فأبَى أنْ يقْبلَه هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا (١). قال المراغي: وفي كتاب يحيى: يتيمين لأبي أيوب، يقال لهما: سهل وسهيل ابنا عمرٍو، والله أعلم (٢). قال يحيى تبعًا لابن زبالة -: قال بعضهم: كان لغلامَين يتيمين لأبي أيّوب هما سهل وسهيل ابنا عمرو، فطلب المربد من أبي أيوب، فقال أبو أيوب: يا رسول الله! المربد ليتيمين وأنا أرضيهما، فأرضاهما فأعطاه لرسول الله ﷺ ، فاتخذه مسجدًا (٣). قال الصالحي: وذكر ابن زبالة، ويحيى، أن أبا أيوب قال: يا رسول الله أنا أرضيهما، وذكر ابن عقبه أن أسعد عوضهما عنه نخلا، قال: وقيل: ابتاعه منهما رسول الله (٤) ﷺ (٥).

стр. 137

قال الصالحي أيضًا: قال يحيى بن الحسن، والبلاذري وغيرهما: ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم ابن مالك بن النجار (١). وقال: ولفظ - يحيى بن الحسن: كانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة. وذكر ابن زبالة ويحيى: أنهما كانا في حجر أبي أيوب وأنَّه قال: يا رسول الله أنا أرضيهما (٢). وقال: وروي يحيى بن الحسن عن النوار بنت مالك (٣) أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم النبي ﷺ ، يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويجمع بهم في مسجده بناه في مربد سهل وسهيل، ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ قالت: "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلى بهم في ذلك المسجد، وبناه فهو مسجده" (٤). وذكر الصالحي

стр. 138

الجمع بين الرويات (١). كما أسنّد يحيى أنّه كان في جوف الأرض - أي: أرض المربد - قبورٌ جاهليةٌ، فأمَر رسول الله ﷺ بِالقُبُورِ فَنُبِشَتْ، فرمي بعظامها، وأمر بها فغيّبت (٢)، وكان في المربد ماء مستنجل فسيره حتى ذهَب (٣). ٦ - صلاة أسعد بن زرارة فيه بعد خروج مصعب للنبي ﷺ : وفي كتاب يحيى ما يقتضي أنّ أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدًا قبل مسجد الرسول ﷺ ؛ فإنه قال: حدثنا بكر (٤) ثنا محمد بن عمر (٥)،

стр. 139

ثنا معاذ بن محمد (١)، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة (٢)، قال: سمعت أم سعد بنت سعد بن الربيع (٣)، تقول: أخبرتْني النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ يصلّي بالناس الصلوات الخمس، ويُجَمِّعُ بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، قالت: فأنظر إلى رسول الله ﷺ لَمّا قدِم صلى بهم في ذلك المسجد وبناه، فهو مسجده اليوم (٤). قال المراغي: قال يحيى: فلما خرج مصعبٌ إلى النبي ﷺ صلى بهم أسعد بن زرارة، والله أعلم (٥).

стр. 140

المبحث الثاني: الروايات المتعلقة بالمسجد النبوي الشريف ١ - بناؤه ﷺ مسجده الشريف: قال الحربي: أخبرني يحيى بن حسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵁ عن محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد (١) عن حميد (٢) عن أنس (٣)، قال: بني رسول الله ﷺ مسجده أول ما بناه بالجريد، قال: وإنما بناه باللبن بعد أربع سنين (٤).

стр. 141

وأسند يحيى عن الحسن (١)، قال: لمَا قدِم النبي ﷺ المدينة، قال: "ابنوا لي مسجدًا؛ عريشًا كعريش موسى، ابنوه لنا مِن لبِنٍ" (٢). وفي الباب الرابع من وفاء الوفاء: أنه لمّا أورَد السمهودي عن طريق ابن زبالة أثرًا عن شهر بن حوشب (٣): (عريش كعريش موسى)، قال عقِبَه: وأسنَدَه يحيى من غير طريقه عن شهر أيضا، بلفظ: لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يبني المسجد (٤). واللفظ عند الصالحي هكذا: وروى محمد بن الحسن المخزومي،

стр. 142

ويحيى بن الحسن عن شهر بن حوشب قال: "لما أراد رسول الله ﷺ أن يبني المسجد قال: ابنوا لي عريشًا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك" قيل: وما ظله موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف (١). وفي كتاب يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهري: كان رجلٌ من أهل اليمامة يقال له: طلق؛ من بني حنيفة، يقول: قدِمتُ على النبي ﷺ وهو يبني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذتُ المسحاة أخلط الطين، والنبي ﷺ ينظر إليّ ويقول: "إنّ هذا الحنفيّ لَصاحب طين" (٢). ومثله عند الصالحي، لكن بزيادة هذه اللفظة في آخرها: وكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا" (٣). وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه، في أثناء كلام عن ابن شهاب في قصة أخذ المربد، قال: فبناه مسجدًا، وضرَب لبنه من بقيع الخبجبة ناحية

стр. 143

بئر أبي أيوب بالمناصع (١) والخبجبة: شجرةٌ كانت تنبتُ هناك (٢). ولهذا لمّا ذكر السمهودي كلامًا لجعفر بن محمد مخلوطا بكلام غيره، قال بعده: وقد ذكر ابن زبالة ويحيى - من غير طريقه - كلامَ جعفر (٣) متمحضًّا، فأسندَا عنه: أنّ النبي ﷺ كان بني مسجده بالسميط لبنة لبنة، ثم إنّ المسلمين كثُرُوا فبناه بالسعيدة، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتَ مَن يزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه، وبني جداره بالأنثى والذكر، ثم اشتد عليهم الحرّ، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتَ بالمسجد فظُلل، قال: نعم، فأمر به فأُقيمت فيه سوارٍ من جذوع النخل، ثم طُرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، فعاشوا فيه، وأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يَكِف عليهم، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرت بالمسجد فطُيّن، فقال: لا، عريش

стр. 144

كعريش موسى، فلم يزل كذلك حتى قُبض رسول الله ﷺ ، وكان جداره قبل أنْ يُظَلل قامة، فكان إذا فاء الفيء ذراعًا - وهو قدمان - يُصلّي الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر. ثم نقلا عنه تفسير السميط والسعيدة والأنثى والذكر بما تقدم، ولم يذكر ذَرْعًا (١). ولفظ الصالحي للأثر هكذا: وروى يحيى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله ﷺ بالسميط لبنة على لبنة، ثم بالسعيد لبنة ونصف أخرى، ثم كثر الناس فقالوا: "يا رسول الله لو زيد فيه" ففعل، فبنى بالذكر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وكذا في العرض، وكان مربعا … ولم يسطح فشكوا الحر، فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالخصف، فلما وكف عليهم طينوه بالطين، وجعلوا وسطه رحبة، وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا (٢). ولما تكلم المراغي عن زيادة مسجد الرسول بعد الهجرة بأربع سنين، وأنّه جُعِل وسط المسجد رحبة، وكان جداره قبل أن يظلل قامة،

стр. 145

وأنَّه قيل: يزيد شبرًا، فكان إذا فاء الفيء ذراعًا وهو يُصلّي الظهر، فإذا كان ضِعف ذلك صلى العصر، قال: حكاه ابن زبالة ويحيى، والله أعلم (١). ٢ - عمل النبي بنفسه الشريفة ﷺ في بناء المسجد الشريف: ولبيان أنّ الرسول ﷺ بنفسه عمل في بناء المسجد، ونقل مع الصحابة اللبن، وتمثل ببعض الأرجاز. أسند يحيى عن الزهري في معنى قوله: "هذا الجمال لا حمال خيبر" قال: كانت يهود إذا صرمت نخلها جاءتهم الأعراب بركائبهم فيحملون لهم عروة بعروة إلى القرى، فيبيعون، يكون لِهذا نصف الثمن، ولهؤلاء نصفه، فقال النبي ﷺ ذلك (٢). وأسند يحيى عن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير (٣)، فقال: يا رسول الله! أعطنيه، فقال: "اذهب فاحتمل غيره فلستَ بأفقر إليه منّي" (٤).
следующие страницы →