وأسند يحيى عن الحسن (١)، قال: لمَا قدِم النبي ﷺ المدينة، قال: "ابنوا لي مسجدًا؛ عريشًا كعريش موسى، ابنوه لنا مِن لبِنٍ" (٢).
وفي الباب الرابع من وفاء الوفاء: أنه لمّا أورَد السمهودي عن طريق ابن زبالة أثرًا عن شهر بن حوشب (٣): (عريش كعريش موسى)، قال عقِبَه: وأسنَدَه يحيى من غير طريقه عن شهر أيضا، بلفظ: لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يبني المسجد (٤).
واللفظ عند الصالحي هكذا: وروى محمد بن الحسن المخزومي،
стр. 142
ويحيى بن الحسن عن شهر بن حوشب قال: "لما أراد رسول الله ﷺ أن يبني المسجد قال: ابنوا لي عريشًا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك" قيل: وما ظله موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف (١).
وفي كتاب يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهري: كان رجلٌ من أهل اليمامة يقال له: طلق؛ من بني حنيفة، يقول: قدِمتُ على النبي ﷺ وهو يبني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذتُ المسحاة أخلط الطين، والنبي ﷺ ينظر إليّ ويقول: "إنّ هذا الحنفيّ لَصاحب طين" (٢).
ومثله عند الصالحي، لكن بزيادة هذه اللفظة في آخرها: وكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا" (٣).
وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه، في أثناء كلام عن ابن شهاب في قصة أخذ المربد، قال: فبناه مسجدًا، وضرَب لبنه من بقيع الخبجبة ناحية
стр. 143
بئر أبي أيوب بالمناصع (١) والخبجبة: شجرةٌ كانت تنبتُ هناك (٢).
ولهذا لمّا ذكر السمهودي كلامًا لجعفر بن محمد مخلوطا بكلام غيره، قال بعده:
وقد ذكر ابن زبالة ويحيى - من غير طريقه - كلامَ جعفر (٣) متمحضًّا، فأسندَا عنه: أنّ النبي ﷺ كان بني مسجده بالسميط لبنة لبنة، ثم إنّ المسلمين كثُرُوا فبناه بالسعيدة، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتَ مَن يزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه، وبني جداره بالأنثى والذكر، ثم اشتد عليهم الحرّ، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتَ بالمسجد فظُلل، قال: نعم، فأمر به فأُقيمت فيه سوارٍ من جذوع النخل، ثم طُرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، فعاشوا فيه، وأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يَكِف عليهم، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرت بالمسجد فطُيّن، فقال: لا، عريش
стр. 144
كعريش موسى، فلم يزل كذلك حتى قُبض رسول الله ﷺ ، وكان جداره قبل أنْ يُظَلل قامة، فكان إذا فاء الفيء ذراعًا - وهو قدمان - يُصلّي الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر. ثم نقلا عنه تفسير السميط والسعيدة والأنثى والذكر بما تقدم، ولم يذكر ذَرْعًا (١).
ولفظ الصالحي للأثر هكذا: وروى يحيى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله ﷺ بالسميط لبنة على لبنة، ثم بالسعيد لبنة ونصف أخرى، ثم كثر الناس فقالوا: "يا رسول الله لو زيد فيه" ففعل، فبنى بالذكر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وكذا في العرض، وكان مربعا … ولم يسطح فشكوا الحر، فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالخصف، فلما وكف عليهم طينوه بالطين، وجعلوا وسطه رحبة، وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا (٢).
ولما تكلم المراغي عن زيادة مسجد الرسول بعد الهجرة بأربع سنين، وأنّه جُعِل وسط المسجد رحبة، وكان جداره قبل أن يظلل قامة،
стр. 145
وأنَّه قيل: يزيد شبرًا، فكان إذا فاء الفيء ذراعًا وهو يُصلّي الظهر، فإذا كان ضِعف ذلك صلى العصر، قال:
حكاه ابن زبالة ويحيى، والله أعلم (١).
٢ - عمل النبي بنفسه الشريفة ﷺ في بناء المسجد الشريف:
ولبيان أنّ الرسول ﷺ بنفسه عمل في بناء المسجد، ونقل مع الصحابة اللبن، وتمثل ببعض الأرجاز.
أسند يحيى عن الزهري في معنى قوله: "هذا الجمال لا حمال خيبر"
قال: كانت يهود إذا صرمت نخلها جاءتهم الأعراب بركائبهم فيحملون لهم عروة بعروة إلى القرى، فيبيعون، يكون لِهذا نصف الثمن، ولهؤلاء نصفه، فقال النبي ﷺ ذلك (٢).
وأسند يحيى عن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير (٣)، فقال: يا رسول الله! أعطنيه، فقال: "اذهب فاحتمل غيره فلستَ بأفقر إليه منّي" (٤).
стр. 146
قال المراغي في رواية: نقل يحيى عن زيد: خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير (١)، فقال: يا رسول الله! أعطنيه، فقال: "اذهب فاحتمل غيره فلستَ بأفقر إلى الله منّي"، والله أعلم (٢).
ومثله عند الصالحي (٣).
وذكره السمهودي بلفظ مختلف فقال: وأسند يحيى عن أسامة بن زيد عن أبيه، قال: خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير، وذكر ما قدمناه، ثم قال: قال يعني زيدًا - ورفعوا الأساس قريباً من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، وكان في جوف الأرض قبور جاهلية، فأمَر بِالقُبُورِ فَنُبِشَتْ فرمي بعظامها، وأمر بها فغيّبت، وكان في المربد ماء مستنجل فسرّبَه حتى ذهَب، وكان الذين أسسوا المسجد جعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره: مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: إنّه كان أقل من مائة ذراع، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له
стр. 147
ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، أي وهو في جهة القبلة اليوم، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة، ويقال باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه رسول الله ﷺ ، وهو باب آل عثمان اليوم وهذان البابان لم يُغيّرا بعد أنْ صُرفت القبلة، ولمّا صرفت القبلة سَدّ النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه وفتح هذا الباب، وحذاءه هذا الباب، أي ومحاذيه هذا الباب الذي سُدّ (١).
وجاء الأثر مختصرًا عند الصالحي (٢).
وبعدما ذكر السمهودي ما أسندَه ابن زبالة مما ذُكِرَ أنّ عليًّا ﵁ كان يرتجز به في ذلك اليوم، وهو:
لا يَستوي مَن يعمُر المساجدا … بدأبُ فيها قائمًا وقاعدا
ومَن يُرى عن الغُبار حائدا
стр. 148
- قال السمهودي عقِبه:
وأسند هو - يعني: ابن زبالة -، ويحيى - من طريقه (١)، والمجد - ولَم يُخرّجه - عن أمّ سلَمةَ ﵂، قالت: بنَى رسول الله ﷺ مسجدَه، فقرّب اللبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله ﷺ فوضع رداءَه، فلَمّا رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم، وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:
لئنْ قعدنا والنبِيُّ يعملُ ........ البيت (٢)
وكان عثمان بن عفان ﵁ (٣) رجلاً نظيفًا متنظّفًا، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضَعَها نفَضَ كُمّه، ونظَر إلى ثوبه، فإنْ أصابَه شيءٌ من التراب نفضَه، فنظَر إليه علي بن أبي طالب فأنشأ يقول:
стр. 149
لا يَستوي مَن يعمُر المساجدا .. الأبيات المتقدمة.
فسمعها عمّار بن ياسر ﵁، فجعل يرتجز بِها وهو لا يَدري مَن يعنِي بِها، فمَرّ بعثمان فقال: يا ابن سُميّة! ما أعرفنِي بِمَن تُعَرِّضُ، ومعه جريدة فقال: لتَكُفَنَّ أو لأعتَرِضَنّ بها وجهك، فسمعه النبِيّ ﷺ وهو جالسٌ في ظلّ بيته (١)، يعنِي: أم سلمة، فغضب رسولُ الله ﷺ ثم قال: "إنّ عمّار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلَغَ ذلك من المرء فقد بَلَغَ"، ووضع يدَه بين عينيه، فكفّ الناس عن ذلك، ثم قالوا لعمّار: إنّ النبِيّ ﷺ قد غضب فيك، ونخاف أنْ ينزل فينا القرآن، فقال: أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله ما لي ولأصحابك؟ قال: ما لك وما لهم؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة، ويُحمّلون عليّ اللبنتين والثلاث، فأخذ بيده فطاف به في المسجد، وجعل يمسح وفرته بيده من التراب، ويقول: "يا ابن سُميّة لا يقتلك أصحابي، ولكن تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَة" (٢).
стр. 150
وأسند ابن زبالة ويحيى عن مجاهد (١)، قال: رآهم رسول الله ﷺ وهم يُحمّلون الحجارة على عمّار، وهو يبنِي المسجد، فقال: "ما لهم ولعمّار؟ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّار، وذلك فعل الأشقياء الأشرار" (٢).
وأسنَد يحيى أيضًا: عن أمّ سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، فجعل أصحاب النبي ﷺ يحملُ كلّ رجل منهم لبِنَة لبِنَةً، وعمّار بن ياسر لبِنَتَين؛ لبِنَة عنه، ولبنة عن رسول الله ﷺ ، فقام إليه رسول الله ﷺ فمسح ظهره وقال: "يا ابن سمية لك أجران، وللناس أجر [واحد]، وآخرُ زادِك من الدنيا شُربةٌ من لَبَنٍ، وتَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَة" (٣).
стр. 151
٣ - تحويل القبلة:
وأسند يحيى عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا وقف يصلّي انتظر أمر الله في القبلة، وكان يفعل أشياء مما لم يؤمر بها ولم يُنْهَ عنها من فعل أهل الكتاب، قال: فبينما رسول الله ﷺ يُصلّي، فأشار جبريل: يا محمد صلّ إلى البيت، وصلّى جبريل ﵇ إلى البيت، قال: فدار النبي ﷺ إلى البيت، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إلى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
قال: فقال المنافقون: حَنّ محمد إلى أرضه وقومه، وقال المشركون: أراد محمد أنْ يجعلنا له قبلة، وأن يجعلنا له وسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه. وقالت اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكة وتركتم قبلة موسى ويعقوب والأنبياء؟ والله ما أنتم إلا تعبثون، وقال المؤمنون: لقد ذهب منا
стр. 152
قوم ماتوا ما ندري أكنا نحن وهم على قبلة أم لا؟ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)(٢).
وأسند يحيى عن رافع بن خديج (٣)، قال: صلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، وأُمِرَ أنْ يُوجّه إلى المسجد الحرام، فاستدار، قال رافع: فأتانا آتٍ ونحن نصلّي في بنِي عبد الأشهل، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قد أُمر أنْ يوجّه إلى الكعبة، قال: فأدارنا إمامُنا إلى الكعبة ودُرنا معه (٤).
وقريبا منه ما جاء عند الصالحي في موضعين، ولفظ أولهما: روى … ويحيى بن الحسن العلوي في أخبار المدينة عن رافع بن خديج ﵁، والإمام مالك، وعبد بن حميد والشيخان، وأبو داود في ناسخه، والنسائي، ويحيى بن الحسن، عن عثمان بن محمد بن الأخنس، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة، والزبير بن بكار عن عثمان بن عبد الرحمن، وابن سعد عن
стр. 153
محمد بن عبد الله بن جحش، وابن جرير عن مجاهد، يزيد بعضهم على بعض: "أن أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه" (١).
وفي الموضع الثاني ذكر الأثر إلى قوله: أول ما نسخ من القرآن القبلة، ثم عقب عليه بهذا:
وذلك أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، ولما هاجر إلى المدينة كان أكثر أهلها اليهود أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فكان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنَّه صلى بالمدينة إلى بيت المقدس ستة عشر، وعند الزهري: تسعة عشر، وعند معاذ على رأس ثلاثة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا كذا بالشك في حديث البراء، وقال لجبريل: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك لك شيئا إلا ما أمرت به فادع ربك وسله، وكان رسول الله ﷺ يدعو الله ويكثر النظر إلى السماء فينظر أمر الله وخرج رسول الله ﷺ زائرا أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما،
стр. 154
وحانت صلاة الظهر، فلما صلى ركعتين نزل جبريل، فأشار إليه أن صل إلى البيت، وصلى جبريل إلى البيت فاستدار رسول الله إلى الكعبة، واستقبل الميزاب فهي القبلة التي أنزل الله تعالى فيها ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين (٢)، وكان الظهر يومئذ أربعا فصلي منها ثنتان إلى بيت المقدس وثنتان إلى الكعبة (٣).
وأسند يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن الخليل بن عبد الله الأزديّ (٤) عن رجل من الأنصار أنّ رسول الله ﷺ أقام رهطًا على زوايا المسجد ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده هكذا: فأماط كل جبل بينه وبين القبلة، فوضع تربيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيءٌ، فلما
стр. 155
فرغ قال جبريل بيده فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب (١).
وأوردها الصالحي عن طريق يحيى باللفظ نفسه، إلا أنه زاد في آخرها ما نصه: فقال رسول الله ﷺ : "ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت لي الكعبة فوضعتها أمامها" (٢).
٤ - حد المسجد النبوي وذرعه:
قال الإمام أبو إسحاق الحربي ﵀:
أخبرني يحيى بن حسين، قال: حدثني هارون بن موسى، عن محمد ابن يحيى، قال: كان فيما انتهى إلينا من ذرع مسجد النبي ﷺ : ذلك من القبلة إلى حده الشامي أربعًا وخمسين ذراعًا وثلثي ذراع، وحده من المشرق ثلاث وستون، يكون ذلك مكسّرًا ثلاثة آلاف وأربع مائة ذراع، وأربع وتسعون ذراعًا، ووجد بأذرع ما بين مسجد النبي ﷺ الذي كان بعده إلى جدار القبلة اليوم الذي فيه المحراب عشرين ذراعًا وربع، وهذه الزيادة التي زيدت بعد النبي ﷺ (٣).
стр. 156
وقال السمهودي في رده على مؤلِّفٍ (١):
وأوضحُ من ذلك في الرد عليه أنّ يحيى نقل في كتابه عن محمد بن يحيى - صاحب مالك، قال: وجدنا ذرع ما بين مسجد النبي ﷺ الذي كان بعهده إلى جدار القبلة اليوم الذي فيه المحراب عشرين ذراعًا وربعًا. وهذه هي الزيادة التي زيدت بعد النبي ﷺ ، انتهى (٢).
قال السمهودي: وقد اعتبرت ما ذكره - يعني المراغي في تحقيق النصرة - من جدار المسجد القبلي إلى طرف المصلَّى الشريف المحاذي لطرف صندوق السترة، فكان ذلك إحدى وعشرين ذراعًا ونصفًا وربعًا يرجح قيراطًا، فإذا أسقط من ذلك عرض الجدار - وهو ذراع ونصف راجح - كان الباقي عشرين ذراعًا وربعًا. كما ذكره يحيى (٣).
قال المراغي:
ونقل يحيى: كان ذرعه من القبلة إلى حده الشامي أربعة وخمسين ذراعًا وثلثَي ذراع، ومن المشرق إلى المغرب ثلاثٌ وستون ذراعًا، فيكون
стр. 157
ذلك مكسرًا ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين ذراعًا (١).
قال المراغي أيضًا:
ونقل يحيى: أنّ ذرع ما بين المصلى الشريف إلى جدار القبلة الذي فيه المحراب اليوم، وهو حذو المصلى الشريف - كما قاله مالك - عشرون ذراعًا ورُبع. قال يحيى: وهي جميع الزيادة من القبلة، وقد اعتبرتُه من سترة مصلى النبي ﷺ إلى جدار القبلة، فكان كذلك، ومن صدر المحراب يزيد على ذلك نحو ذراع ورُبع ذراع (٢).
ومثل ما تقدم ما جاء عند السمهودي حيث قال: هذا، وقد قال يحيى قبيل ما جاء في حجر أزواج النبي ﷺ : حدثني هارون، قال: حدثنا محمد بن يحيى - يعني صاحب مالك -، قال: فيما كان انتهى إلينا من ذرع مسجد النبي ﷺ من القبلة إلى حده الشامي أربعة وخمسون ذراعًا وثلثا ذراع، وحدُّه من المشرق إلى المغرب ثلاث وستون ذراعًا، يكون ذلك مكسرًا ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين ذراعًا. انتهى (٣).
وقد روى ابن زبالة، ويحيي - من طريقه - أشياء في تحديد المسجد
стр. 158
وذرعه تقتضي أن جدار المسجد الشريف في زمنه ﷺ من جهة المشرق لم ينته إلى حائز عمر بن عبد العزيز، بل الحائز بعض ما يليه من المغرب في موضع حجرة عائشة ﵂، وأن جدار حجرة عائشة كان فيما بين الأساطين اللاصقة بجدار القبر الشريف، وبين الأساطين التي بين المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة، وأنَّه ﷺ كان قد بنى المسجد أولا وجعله ثلاث أساطين عن يمين المنبر في المغرب، وثلاث أساطين عن يساره في المشرق، وأنّ نهايته من جهة المشرق كانت أولا أسطوان التوبة؛ لأنها تكون في موضع الجدار بعد الأساطين الثلاث، وأنّ مساحة ذلك من المشرق إلى المغرب ثلاثة وستون ذراعًا، وقيل: خمسة وخمسون، وأنَّه زاد فيه بعد ذلك من المشرق والمغرب، ومع ذلك لم تنته زيادته في المشرق إلى موضع حائز عمر بن عبد العزيز، وأنَّه لم يزد فيه من جهة القبلة ولا من جهة الشام (١).
٥ - ذرع القبر والمسجد:
حدثني يحيى بن حسن عن هارون عن محمد بن يحيى، قال: ذرع المسجد مكسر ثلاثة آلاف ذراع وأربع مائة وأربع وأربعون ذراعًا. وفي المسجد من الأساطين مائتان وسبع وتسعون أسطوانة في جدار القبر من ذلك ثلاث أساطين. وطول المنارة الشرقية الشامية في السماء
стр. 159
خمس وخمسون ذراعًا. وطول المنارة الشامية الغربية ثلاث وخمسون ذراعًا. وعرض المنار كله من فوق كل واحدة ثماني أذرع في ثماني أذرع. وعدد أبواب المسجد عشرون بابًا، منها في المشرق ثمانية أبواب، ومنها في المغرب ثمانية أبواب، ومنها في الشام أربعة أبواب، وهذه الأبواب سوي الخوخات التي فيه منهن: خوخة في دار حفصة بنت عمر تحت المقصورة، ومنهن خوخة في دار مروان يخرج الإمام منها، ومنهن خوخة في غربي المسجد مغلقة تصل إلى دار مروان يخرج الإمام منها، ومنهن خوخة في غربي المسجد مغلقة تصل إلى دار مروان، أخبرني غير واحد أن الناس كانوا يدخلون منها إلى المسجد. وخوخة في باب المسجد في رحبة المسجد صغيرة، أخبرني غير واحد أنّ مروان عمل في داره هاتين خوفًا أن يشد الناس عليه التي في القبلة فتكون له الأخرى مكانها. وخوخة في المنارة يخرج منها إلى موضع الجنائز، والخوخة التي في الرحبة يقال إنها يمني خوخة أبي بكر التي كانت في المسجد، كان فيها الحديث (١).
وقد قال يحيى في رواية ابن عمر أيضًا: (إنّ المسجد كان طوله - أي من القبلة إلى الشام - على عهد عمر ﵁ أربعين ومائة ذراع، وعرضه عشرون ومائة، وطول السقف - أي ما بينه وبين الأرض - أحد عشر ذراعًا) انتهى (٢).
стр. 160
وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمر، عن يزيد بن السائب (١)، عن خارجة بن زيد (٢) بن ثابت، قال: بني رسول الله ﷺ مسجده سبعين في ستين ذراعًا أو يزيد، ولبّن لبِنَه من بقيع الخبجبة، وجعله جدارًا، وجعل سواريه خشبًا، شَقة شقة، وجعل وسطَه رحبة، وبنى بيتَين لزوجتَيه. قال عبد العزيز: فسألتُ زيدًا: أين يقع بقيع الخبجبة؟ قال: بين بئر أبي أيوب وتلك الناحية، وهذا بقيع الغرقد - لبقيع المقبرة -، وقال: سألتُ عبد العزيز عن بقيع الخبجبة، فقال: هي - أي: الخبجبة - يسار بقيع الغرقد حين تقطع الطريق وتلقاها عند مسجد يحيى، فقلتُ: ومن يحيى صاحب المسجد الذي ذكرت؟ فقال: يحيى بن طلحة (٣) بن عبيد الله (٤).
ومختصرًا عند الصالحي إلى لفظ: … لزوجتيه (٥)
وقد ذكر ابن زبالة ويحيي - من طريقه - نقلا عن غير واحد من أهل
стр. 161
العلم تحديد المسجد الشريف من هذه الجهة، فقالا: وعلامته في القبلة حروف المرمر الذي المنبر وسطه، وعلامته من الشام أربعة طيقان من ناحية المشرق والمغرب، وعلامة الطيقان الأربع أنهنّ مخضَّرات الأجواف بالفسيفساء كلهن (١).
وقال ابن زبالة ويحيى: وعرْضُ منقبة جدار المسجد مما يلي المغرب ذراعان ينقصان شيئًا، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع أصابع، وإنما زيد فيه لأنها من ناحية السيل (٢).
قال السمهودي: قد قدمنا في زيادة الوليد ما رواه يحيى من طريق ابن زبالة في ذرع عرض المسجد، وبينا فساده (٣).
٦ - أساطين المسجد الشريف:
قال السمهودي: ونقل يحيى عبارة ابن زبالة من غير زيادة ولا مخالفة، كما ذكر السمهودي مع ما فيها من أشياء لا تعرف اليوم، ولكن إفادة هذه الأمور الغريبة التي لم يذكرها متأخرو المؤرخين اقتضت إيرادنا لذلك، فنقول:
стр. 162
أسند ابن زبالة عن عبيد بن عمر بن حفص بن عاصم أنّ مسجد رسول الله ﷺ كان ثلاث أساطين مما يلي المشرق، وثلاث أساطين مما يلي المغرب، سوى ما خرج في الرحبة، أي الأساطين المصفوفة من الرحبة إلى القبلة، ولولا ما سيأتي من التصريح بأنّ هذه الستّ كانت ثلاثة منها على يمين المنبر وثلاثة عن يساره - يعني في البناء الأول - لحملنا ذلك على أنّ ابتداء هذه الستّ من الأسطوانة التي تلي المنبر؛ فيكون نهايتها الأسطوان التي تلي أسطوان التوبة، ويكون جدار الحجرة بعدها، فيوافق التحديد المتقدم، لكنه قال عقبه: وقال جمهور الناس من أهل العلم وغيرهم: هو إلى الفرضتين اللتين في الأسطوانتين اللتين دون المربعتين الغربية والتي في القبر (١).
وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمران (٢) عن قدامة العمري (٣) عن نافع (٤) عن ابن عمر، قال: كان بلال يؤذن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد، قال: وكان يرقي على أقتاب فيها،
стр. 163
والأسطوان في البيت الذي كان بيد عبيد الله بن عمر، الذي يقال له: بيت عبد الله بن عمر، وقد كانت خارجة من مسجد رسول الله ﷺ لم تكن فيه، وليست فيه اليوم. (١) …
٧ - أسطوانة التهجد:
وتكلم السمهودي عن هذه الأسطوانة (أسطوان التهجد)، فقال: أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله (٢) عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يُخرِج حصيرًا كل ليلة إذا انكفت الناسُ فيُطرَح وراء بيت عليّ، ثم يُصلّي صلاة الليل، فرآه رجل فصلي بصلاته، ثم آخر فصلّي بصلاته، حتى كثُرُوا، فالتفت رسولُ الله ﷺ فإذا بهم، فأمر بالحصير فطُويَ ثم دخل، فلما أصبح جاءوه، فقالوا: يا رسول الله، كنت تصلي الليل فنصلّي بصلاتك، فقال: إنّي خشيتُ أن ينزل عليكم صلاة الليل، ثم لا تقوون عليها. قال عيسى بن عبد الله: وذلك موضع الأسطوان التي على طريق باب النبي ﷺ مما يلي الزور (٣).
стр. 164
٨ - أسطوانة علي بن أبي طالب ﵁ -:
قال الحربي: أخبرني يحيى بن حسن، قال: حدثني موسى بن سلمة، قال: سألتُ جعفر بن عبد الله بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب ﵁، فقال لي: هذه المحرس كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر فيما يلي باب رسول الله ﷺ ليحرس النبي ﵇، ومصلى رسول الله ﷺ في فناء في دار كثير (١) بن الصلت (٢).
قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة (٣)، قال: سألتُ جعفر بن عبد الله بن الحسين (٤) عن أسطوان علي بن أبي طالب، فقال: إنّ هذه المحرسُ، كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر مما يلي باب رسول الله ﷺ ، يحرس النبي ﷺ (٥).
٩ - أسطوانة التوبة:
قال الحربي: أخبرني يحيى بن حسن عن محمد بن حسن، قال: قال
стр. 165
مالك: الجدار من الشرق حد القناديل التي بين الأساطين التي وسطها اصطوانة (١) التوبة، وبين الأساطين التي تلي القبر (٢).
وقال السمهودي: وأسند يحيى عن عبد الرحمن بن يزيد (٣) قصته معهم، وأنهم قالوا له: أننزلُ على حُكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، وهو الذبح. وفي رواية أخرى: أنّه لمّا جاءهم قام إليه الرجال، وأجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرَقّ لهم، فكان منه ما تقدم. قال أبو لبابة (٤): فو الله ما زالت قدماي حتى علِمتُ أنّي خنتُ الله ورسوله.
قال يحيى في الرواية المتقدمة: فلم يرجع إلى النبي ﷺ ، ومضى إلى المسجد، وارتبط إلى جذع في موضع أسطوانة التوبة، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (٥).
وفي رواية: فربط نفسه في السارية، وحلف لا يحل نفسه حتى يحله رسول
стр. 166
الله ﷺ أو تنزل توبته، قال: فجاءت فاطمة ﵂ تحله، فقال: لا، حتى يحلني رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "إنما فاطمة بَضْعَةٌ مِنِّي" (١).
١٠ - ما احتوى عليه المسجد الشريف من الصحن والبالوعات والسقايات:
قال الإمام أبو إسحاق الحربي: قال يحيى بن حسن: وفي صحن المسجد أربعة وستون بالوعة لِماء المطر، عليها أرحاء، ولها صمائم من حجارة، يدخل الماء من خلالها (٢).
وذكر ابن زبالة ويحيي أنّ به أربعًا وستين بالوعة لماء المطر، عليها أرحاء، ولها صمائم من حجارة يدخل الماء من خلالها (٣).
وقال ابن زبالة ويحيى: وكان ماء المطر إذا كثر في صحن المسجد يغشى السقايف التي في القبلة، وكانت حصباء تلك الناحية تسيل إلى صحن المسجد، فجَعَل بين القبلة والصحن لاصقًا بالسواري حجابًا من حجارة من المربعة التي في غربي المسجد إلى المربعة التي في شرقيه تلي القبر، فمنع الماء من الصحن أن يغشى القبلة، ومن حصباء القبلة أن يصير إلى الصحن. وعبارة يحيى: فأمر أبو البختري بحجارة فجعلت ردًّا لذلك الماء
стр. 167
الذي كان يدخل، والحصباء التي كانت تسيل فيما بين المربعة التي كانت عند القبر والمربعة التي في غربي المسجد، وجعل ذلك لاصقًا بالسواري (١).
١١ - ما احتوى عليه المسجد الشريف من الجذع والمنبر:
أسند يحيى منقطعًا عن ابن أبي الزناد وغيره: أنّ رسول الله ﷺ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد، كان موضعه عند الأسطوانة المخلَّقة (٢) التي تلي القبر، التي عن يسار الأسطوانة المخلَّقة، التي كان النبي ﷺ يصلي عندها، التي هي عند الصندوق، فقال النبي ﷺ : إنّ القيام قد شقّ عليّ، وشكا ﷺ ضعفًا في رجليه، قالوا: فقال تميم الداري - وكان رجلا من لحم أهل فلسطين - يا رسول الله أنا أعمل لك منبرًا كما رأيت يصنع بالشام، قالوا: فلما أجمع رسول الله ﷺ وذوو الرأي من أصحابه على اتخاذه، قال العباس بن عبد المطلب: إنّ لي غلامًا يقال له: كلاب، أعمل الناس، فقال النبي ﷺ : "مُرْهُ يعمل"، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عملها درجتين ومجلسًا، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضعه اليوم، ثم راح رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حَنَّ الجذع ثلاث
стр. 168
مرات كأنه خُوار بقرة، حتى ارتاع الناس، وقال بعضهم على رجليه، فأقبل رسول الله ﷺ حتى مسّه بيده، فسكن، فما سُمع له صوتٌ بعد ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المنبر فقام عليه (١).
وفي رواية: ليحيى: عمل المنبر صُباح غلام العباس - بضم المهملة، بعدها موحدة خفيفة، وتقدم تسميته كلابا (٢).
وبعدما ذكر السمهودي الاختلاف في الذي عمل المنبر النبوي قال: لكن عند يحيى، قال إسماعيل بن عبد الله: الذي عمل المنبر غلام الأنصارية (٣)، واسمه مينا (٤).
стр. 169
وفي كتاب يحيى عن أبي سعيد: كان ﷺ يخطب إلى جذع نخلة، فأتاه رجل رومي، فقال: أصنع لك منبرًا تخطب عليه، فصنع له منبره الذي ترون، فلما قام عليه فخطب حَنَّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه النبي ﷺ فضمّه فسكن، وأمر به النبي ﷺ أن يدفن (١) ويحفر له (٢).
وبعد ذكر روايات فيها ممّ كان منبرُه قال السمهودي:
ورواه يحيى بلفظ: عُمل من أثْلٍ - يعني المنبر - وكنت ممن حمل درجته هذه، ثم ذكر حنين الجذع (٣).
وقال المراغي عن الجذع: وفي رواية ليحيى: فحَنّ الجذع حنينًا رَقّ له أهلُ المسجد، فأتاه فوضع يده عليه فسكن وأقلع، وقال: "إنْ شئتَ أنْ أرُدّك إلى الحائط الذي كنت فيه كما كنت؛ تنبُت لك عروقُك: ويكمُل خلقُك، ويجُدد خوصُك وثمرُك، وإنْ شئت أن أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك؟ " ثم أصغى إليه النبي ﷺ رأسَه ليسمع ما يقول، قال: بل تغرسني في الجنة، فيأكل مني أولياء الله، وأكون في مكاني لا أبلى فيه
стр. 170
فسمعه من يليه، فقال النبي ﷺ : "فنعم، قد فعلتُ"، فعاد إلى المنبر، ثم أقبل على الناس فقال: "خيّرتُه كما سمعتم فاختار أنْ أغرسه في الجنة، اختار دار البقاء على دار الفناء" (١).
١٢ - المنبر وما جاء فيه:
وفي فصل (فضل المنبر المنيف، والروضة الشريفة) قال السمهودي بعدما ذكر حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ : (منبري على ترعة من تُرَع الجنة (٢))، قال بعد ذلك: ورواه يحيى عن أبي هريرة وغيره بلفظ: (على رتْعَةٍ من رتَع الجنة) (٣).
وأسند يحيى عن أبي المعلى الأنصاري - وكانت له صحبة - أنّ
стр. 171
النبي ﷺ قال وهو على منبره: "إنّ قدميّ على ترعة من تُرَع الجنة" (١).
وأسند يحيى عن ابن عباس، قال: كنت أرى صفحة خد رسول الله ﷺ اليمني في مسجده يتيامن. وعن عروة: كان الزبير بن العوام وأناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يتيامنون ويقولون: إنّ البيت تهامي. قال يحيى: وسمعتُ غير واحد من مشايخنا ممن يُقتدى به يقول: المنبر على القبلة (٢).
وروى يحيى عن ابن أبي الزناد أنّ النبي ﷺ كان يجلس على المجلس، ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما وُلِّي أبو بكر قام على الدرجة الثانية، ووضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما وُلّي عمر قام على الدرجة السفلى، ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان فعل ذلك ستّ سنين من خلافته، ثم علا إلى موضع النبي ﷺ .
ثم قال: قالوا: فلما استخلف معاوية زاد في المنبر، فجعل له ست درجات، وكان عثمان أول من كسا المنبر قبطيَّة (٣). قالوا: فلما قدم معاوية عام حجّ حرّك المنبر، وأراد أن يخرجه إلى الشام، فكسفت الشمس يومئذ، حتى بدت النجوم، فاعتذر معاوية إلى الناس، وقال: أردت أن أنظر إلى ما تحته،
стр. 172
وخشيتُ عليه من الأَرَضَة. قال بعضهم: وكساه يومئذ قبطيّة، أو لينة (١).
وعند يحيى في رواية أخرى: كتَب معاوية ﵁ إلى مروان - وهو على المدينة - أنْ أرسِلْ إليّ بِمنبر رسول الله ﷺ ، فخرج مروان فقلعه، فأصابتنا ريحٌ مظلمة بدَت فيها النجوم نهارًا، ويلقَى الرجلُ الرجلَ يصُكّه فلا يعرفه، وذكر اعتذار مروان المتقدم، وقال: إنما كتب إلَيّ يأمُرنِي أنْ أرفعه من الأرض، فدعا له النجاجرة، فعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها، وهي - أي الدرجات التي زادها - ستّ درجاتٍ، قال: ثم لم يزِد فيه أحدٌ قبله ولا بعده (٢).
قال السمهودي: وروى يحيى عن جابر بن عبد الله، قال: كان أول من خلّق المسجد، ورزَقَ المؤذنين، وجلس على الدرجة الثالثة من المنبر بعد النبي ﷺ : عثمان ﵁ (٣).
١٣ - معتكف النبي ﷺ في مسجده الشريف:
قال المراغي: وبسند يحيى: أنّ رسول الله ﷺ اعتكف في المسجد في رمضان في قبة على بابها حصيرٌ، فرفع الحصيرَ فأطلع رأسَه، فأنصَت الناسُ،
стр. 173
فقال: "إنّ المصليَ مناجٍ ربَّه، فلينظُر أحدُكم ما يناجي به ربَّه، ولا يجهر بعضُكم على بعض بالقرآن" (١).
قال السمهودي: روى ابن زبالة ويحيى في بيان معتكفه ﷺ أشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى، والمناسب لما نحن فيه منها: أنه كان للنبي ﷺ سرير من جريد فيه سعَفُهُ، يوضع بين الأسطوان التي وُجاه القبر وبين القناديل، وكان يضطجع عليه ﷺ (٢).
وأسند يحيى عن أبي حازم مولى الأنصار، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان في قبة على بابها حصير (٣).
وأسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف النبي ﷺ عن ابن عمر: أنّ النبي ﷺ كان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشه ووضع له سرير وراء أسطوانة التوبة (٤).
стр. 174
١٤ - الصُّفّة وأهلها، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد الشريف:
أسند يحيى عن فضالة بن عبيد (١)، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ فيخرّ قومٌ من قامتهم من الخصاصة، حتى يقول الأعرابي: مجانين، وهم أهل الصفة، فإذا صلى رسول الله ﷺ أتاهم فوقف عليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله أحببتم أن تزدادوا فقرًا وحاجة (٢).
وقال يحيى: حدثني هارون بن موسى عن غير واحد من أهل المدينة أنّ الناس أصابتهم في ثمارهم عاهة من العاهات في زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما على أحدكم لو بعثَ بِقِنوٍ من نخلة للمساكين، فبعث ذلك الناس، واستعمل رسول الله ﷺ على الأقناء معاذ بن جبل، فكان يَمدّ حبلا بين جذعين ويعلّق عليه الأقناء، فرفع الله تلك العاهة، فصارت سُنّةً، ولم تزل الأئمة عليها إلى اليوم" (٣).
وروى يحيى أيضًا عن عاصم بن سويد (٤)، قال: سمعت أبي يقول:
стр. 175
عويم بن ساعدة (١) أَتَى بقِنْوٍ إلى مسجد رسول الله ﷺ فأْتسي الناسُ به: أهل العالية وأهل السافلة (٢).
١٥ - أبواب المسجد الشريف وما جاء من الأمر بسد بعضها:
في فصل (الأمر بسَدّ الأبواب الشارعة في المسجد الشريف، وبيان ما استثني من ذلك) قال السمهودي بعدما ذكر عدة روايات، وبيّن أنّ قصة علىٍّ ﵁ متقدمة على قصة أبي بكر ﵁ (٣): ويؤيّد ذلك ما أسنده يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد الله بن مسلم الملائي (٤) عن أبيه عن أخيه:
стр. 176
لمّا أمر بسدّ أبوابهم التي في المسجد خرج حمزة بن عبد المطلب يَجُرّ قطيفة له حمراء، وعيناه تذْرفان يبكي يقول: يا رسول الله أخرجْتَ عمّك وأسْكَنْتَ ابن عمك، فقال: ما أنا أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه. فذكر حمزة ﵁ في القصة يدل على تقدمها (١).
وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: بينما الناس جلوس في مسجد رسول الله ﷺ إذْ خرج منادٍ فنادى: أيها الناس سُدُّوا أبوابكم، فتحسحس الناس لذلك ولم يقم أحدٌ، ثم خرج الثانية فقال: أيها الناس سُدُّوا لأبوابكم، فلم يقُم أحدٌ، وقال الناس: ما أراد بهذا؟ فخرج فقال: أيها الناس سُدّوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب يَجُرُّ كساءه حين نادي سُدُّوا أبوابكم، قال: ولكلّ رجل منهم باب إلى المسجد: أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، قال: وجاء عليٌّ حتى قام على رأس رسول الله ﷺ فقال: ما يقيمك؟ ارجع إلى رَحلِك ولم يأمُره بالسَدّ، فقالوا: أبوابنا وترك باب علي وهو أحدثنا، فقال بعضهم: تركهـ لقرابته، فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرَّضاعة وعمه، وقال بعضهم: تركهـ من أجل ابنته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم بعد ثالثة، فحمد الله وأثنى عليه
стр. 177
محمرًا وجهه - وكان إذا غضب احمرّ عِرْقٌ في وجهه - ثم قال: أما بعد ذلكم، فإنّ الله أوحي إلى موسى أن اتخذ مسجدًا طاهرًا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شَبَّرُ وشَبِّيرٌ ومُشَبِّرٌ، وإنّ الله أوحي إلَيَّ أنْ اتخذ مسجدًا طاهرًا لا يسكنه إلا أنا وعليّ وأبناء عليّ حسن وحسين، وقد قدمت المدينة، واتخذت بها مسجدًا، وما أردت التحول إليه حتى أُمرت، وما أعلم إلا ما عُلّمت، وما أصنع إلا ما أُمرتُ، وما أعلم إلا ما عُلّمتُ، وما أصنع إلا ما أُمرتُ، فخرجتُ على ناقتي، فلقيني الأنصار يقولون: يا رسول الله انزل علينا، فقلتُ: خلّوا الناقة فإنها مأمورة حتى نزلت حيث بركت، والله ما أنا سددت الأبواب وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنت عليًّا، ولكنّ الله أسكنه (١).
وأسنده يحيى عن ابن زبالة بلفظ: أنّ رسول الله ﷺ : أمرَ بالأبواب فسُدّت إلا باب علي، فقال العباس: يا رسول الله سددت أبوابنا إلا باب علي، فقال رسول الله ﷺ : ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها (٢).
وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن عمرو بن سهل (٣) أنّ رسول الله ﷺ أمر بسَدّ الأبواب الشوارع في المسجد، قال له رجل من
стр. 178
أصحابه: يا رسول الله دَعْ لي كوّة أنظر إليك منها حين تغدو أو حين تروح، فقال: لا والله ولا مثل ثقب الإبرة (١).
١٦ - باب السلام وباب النساء وغيرهما:
لما تكلم المراغي عن (باب رَيطة ابنة أبي العباس السفاح الذي يُعرف بباب النساء) قال:
وينبغي حكايةُ سبب تسميته بذلك: وهو ما نقله يحيى عن ابن عمر، قال: سمعتُ عمر حين بنى المسجد يقول: هذا باب النساء، فلم يدخل منه ابن عمر حتى لقي الله تعالى، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهن يصلين، والله أعلم (٢).
روي ابن زبالة، ويحيي من طريقه عن ابن عمر، قال: سمعتُ عمر حين بني المسجد يقول: هذا باب النساء، فلم يدخل ابن عمر حتى لقي الله، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهنّ يصلين (٣).
وقال السمهودي: وروى يحيى عن عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أنيس (٤)، قال: بني عثمان المسجد بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعَل
стр. 179
عُمَدَه حجارة منقوشة، وبها محمد الحديد فيها الرصاص، وسقَفَه ساجًا (١)، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة أبواب، على ما كان على عهد عمر ﵁: باب عاتكة، أي المعروف باب الرحمة، والباب الذي يليه، أي يقرب من محاذاته في المشرق، وهو باب النساء، وباب مروان، المعروف بباب السلام، والباب الذي يقال له: باب النبي ﷺ ، أي المعروف بباب جبريل، وبابَين في مؤخرة المسجد (٢).
باب كان يقابل دار منيرة أيضًا، كما صرّح به اين زبالة ويحيى (٣).
١٧ - العود وما جاء فيه:
قال الحربي: أخبرني يحيى عن هارون بن موسى عن محمد بن يحيى (٤) عن عبد العزيز (٥) عن مصعب بن ثابت (٦) عن مسلم بن السائب
стр. 180
ابن خباب (١) عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه، كان يتمسك بعود كان في القبلة، ثم يلتفت عن يمينه وعن شماله، فإذا استوت الصفوف كبّر (٢).
قال الحربي: وأخبرني يحيى بن حسن عن محمد بن الحسن عن الزبير ابن الحبيب (٣) عن محمد بن مسلم صاحب المقصورة (٤) عن أنس، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه سُرق العود الذي كان في المحراب فلم يجده أبو بكر حتى وجده عمر ﵁ عند رجل من الأنصار قد دفن بأرض أكلته الأرضة، فأخذ له عودًا فشقه فأدخله فيه، ثم شعبه ورده في الجدار، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب ناتئ فيه (٥).