لمّا أمر بسدّ أبوابهم التي في المسجد خرج حمزة بن عبد المطلب يَجُرّ قطيفة له حمراء، وعيناه تذْرفان يبكي يقول: يا رسول الله أخرجْتَ عمّك وأسْكَنْتَ ابن عمك، فقال: ما أنا أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه. فذكر حمزة ﵁ في القصة يدل على تقدمها (١).
وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: بينما الناس جلوس في مسجد رسول الله ﷺ إذْ خرج منادٍ فنادى: أيها الناس سُدُّوا أبوابكم، فتحسحس الناس لذلك ولم يقم أحدٌ، ثم خرج الثانية فقال: أيها الناس سُدُّوا لأبوابكم، فلم يقُم أحدٌ، وقال الناس: ما أراد بهذا؟ فخرج فقال: أيها الناس سُدّوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب يَجُرُّ كساءه حين نادي سُدُّوا أبوابكم، قال: ولكلّ رجل منهم باب إلى المسجد: أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، قال: وجاء عليٌّ حتى قام على رأس رسول الله ﷺ فقال: ما يقيمك؟ ارجع إلى رَحلِك ولم يأمُره بالسَدّ، فقالوا: أبوابنا وترك باب علي وهو أحدثنا، فقال بعضهم: تركهـ لقرابته، فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرَّضاعة وعمه، وقال بعضهم: تركهـ من أجل ابنته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم بعد ثالثة، فحمد الله وأثنى عليه
стр. 177
محمرًا وجهه - وكان إذا غضب احمرّ عِرْقٌ في وجهه - ثم قال: أما بعد ذلكم، فإنّ الله أوحي إلى موسى أن اتخذ مسجدًا طاهرًا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شَبَّرُ وشَبِّيرٌ ومُشَبِّرٌ، وإنّ الله أوحي إلَيَّ أنْ اتخذ مسجدًا طاهرًا لا يسكنه إلا أنا وعليّ وأبناء عليّ حسن وحسين، وقد قدمت المدينة، واتخذت بها مسجدًا، وما أردت التحول إليه حتى أُمرت، وما أعلم إلا ما عُلّمت، وما أصنع إلا ما أُمرتُ، وما أعلم إلا ما عُلّمتُ، وما أصنع إلا ما أُمرتُ، فخرجتُ على ناقتي، فلقيني الأنصار يقولون: يا رسول الله انزل علينا، فقلتُ: خلّوا الناقة فإنها مأمورة حتى نزلت حيث بركت، والله ما أنا سددت الأبواب وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنت عليًّا، ولكنّ الله أسكنه (١).
وأسنده يحيى عن ابن زبالة بلفظ: أنّ رسول الله ﷺ : أمرَ بالأبواب فسُدّت إلا باب علي، فقال العباس: يا رسول الله سددت أبوابنا إلا باب علي، فقال رسول الله ﷺ : ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها (٢).
وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن عمرو بن سهل (٣) أنّ رسول الله ﷺ أمر بسَدّ الأبواب الشوارع في المسجد، قال له رجل من
стр. 178
أصحابه: يا رسول الله دَعْ لي كوّة أنظر إليك منها حين تغدو أو حين تروح، فقال: لا والله ولا مثل ثقب الإبرة (١).
١٦ - باب السلام وباب النساء وغيرهما:
لما تكلم المراغي عن (باب رَيطة ابنة أبي العباس السفاح الذي يُعرف بباب النساء) قال:
وينبغي حكايةُ سبب تسميته بذلك: وهو ما نقله يحيى عن ابن عمر، قال: سمعتُ عمر حين بنى المسجد يقول: هذا باب النساء، فلم يدخل منه ابن عمر حتى لقي الله تعالى، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهن يصلين، والله أعلم (٢).
روي ابن زبالة، ويحيي من طريقه عن ابن عمر، قال: سمعتُ عمر حين بني المسجد يقول: هذا باب النساء، فلم يدخل ابن عمر حتى لقي الله، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهنّ يصلين (٣).
وقال السمهودي: وروى يحيى عن عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أنيس (٤)، قال: بني عثمان المسجد بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعَل
стр. 179
عُمَدَه حجارة منقوشة، وبها محمد الحديد فيها الرصاص، وسقَفَه ساجًا (١)، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة أبواب، على ما كان على عهد عمر ﵁: باب عاتكة، أي المعروف باب الرحمة، والباب الذي يليه، أي يقرب من محاذاته في المشرق، وهو باب النساء، وباب مروان، المعروف بباب السلام، والباب الذي يقال له: باب النبي ﷺ ، أي المعروف بباب جبريل، وبابَين في مؤخرة المسجد (٢).
باب كان يقابل دار منيرة أيضًا، كما صرّح به اين زبالة ويحيى (٣).
١٧ - العود وما جاء فيه:
قال الحربي: أخبرني يحيى عن هارون بن موسى عن محمد بن يحيى (٤) عن عبد العزيز (٥) عن مصعب بن ثابت (٦) عن مسلم بن السائب
стр. 180
ابن خباب (١) عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه، كان يتمسك بعود كان في القبلة، ثم يلتفت عن يمينه وعن شماله، فإذا استوت الصفوف كبّر (٢).
قال الحربي: وأخبرني يحيى بن حسن عن محمد بن الحسن عن الزبير ابن الحبيب (٣) عن محمد بن مسلم صاحب المقصورة (٤) عن أنس، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه سُرق العود الذي كان في المحراب فلم يجده أبو بكر حتى وجده عمر ﵁ عند رجل من الأنصار قد دفن بأرض أكلته الأرضة، فأخذ له عودًا فشقه فأدخله فيه، ثم شعبه ورده في الجدار، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب ناتئ فيه (٥).
стр. 181
وقال المراغي: ونقل يحيى أيضًا بسنده إلى مسلم بن خباب (١)، قال: لما قدم عمر ﵁ القبلة فقَدَ العود الذي كان مغروا في الجدار، فطلبوه، فذُكر لهم أنه في مسجد بني عمرو بن عوف، أخذوه فجعلوه في مسجدهم، فأخذه عمر فردّه إلى المحراب، وكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة … فذكره، والله أعلم (٢).
رُوينا في كتاب يحيى عن مصعب بن ثابت، قال: طلبنا عِلم العود الذي كان في مقام النبي ﷺ فلم نقدر على أحد يذكر لنا فيه شيئًا، قال مصعب: حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة، قال: جلس إلَيّ أنس بن مالك فقال: تدري لِمَ صُنع هذا العود؟ وما أسأله عنه، فقلت: لا والله، ما أدري لِمَ صُنع، فقال أنس: كان رسول الله ﷺ يضَعُ عليه يمينه ثم يلتفت إلينا فيقول: "استووا، وعدّلوا صفوفكم" (٣).
وروى أيضًا هو، ويحيى من طريقه، عن مسلم بن خباب، قال: لمَا قدّم عمر ﵁ القبلة فقَدَ العود الذي كان مغروسًا في الجدار، فطلبوه، فذُكر لهم أنه في مسجد بنِي عمرو بن عوف، أخذوه فجعلوه في مسجدهم،
стр. 182
فأخذه عمر فردّه إلى المحراب، وكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة أمسكه بكفه يعتمد عليه، ثم يلتفت في شقه الأيمن فيقول مثل ذلك، ثم يكبر للصلاة، وذلك العود من طرَفَاء الغابة (١).
١٨ - إجمار المسجد الشريف وما جاء في ذلك:
قال تقي الدين في كتابه فتاوى السبكي" فصل ممن صنف في أخبار المدينة أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله الهاشمي فقال في هذا الكتاب حدثنا هارون بن موسى الفروي ثنا محمد بن يحيى عن عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده قال أتي عمر بن الخطاب ﵁ بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام فدفعها إلى سعد جد المؤذنين فقال احمر بها في الجمعة وفي شهر رمضان قال فكان سعد يمر بها في الجمعة وكانت توضع بين يدي عمر بن الخطاب ﵁ حتى قدم إبراهيم بن يحيى بن محمد بن العباس المدينة واليا سنة ستين ومائة فأمر بها فغيرت وجعلت صلاحا وهي اليوم بيد مولى للمؤذنين قال أبو غسان هم دفعوها إليه (٢).
стр. 183
قال المراغي: في كتاب يحيى: أمر رسول الله ﷺ بإجمار المساجد (١).
وقال السمهودي: وروى يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن علي ابن حسن بن حسن بن حسن - وكان من خيار الناس - أنّ رسول الله ﷺ أمر بإجمار المسجد، وقال: ولا أعلمه إلا قال: يوم الجمعة (٢).
قال يحيى بن الحسين بسنده من الخبر الآتي في إجمار المسجد: عن عبد الله بن محمد بن عمار (٣)، عن أبيه عن جده، قال: أُتِي عمر بن الخطاب بمجمرة من فضّة فيها تماثيل، فدفعها إلى سعد؛ أحدِ المؤذّنين، وقال: أجمر بها في الجمعة وفي شهر رمضان، فكان سعد يجمر بها بين يدي عمر بن الخطاب، الخبر الآتي (٤).
وروى يحيى من طريق محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه قدم على عمر بن الخطاب بسفط من عود، فلم يسع الناس، فقال عمر: أجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون، فبقيَتْ سُنّةً في الخلفاء إلى اليوم، يؤتى كل عام بسفط من عود، يُجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند
стр. 184
المنبر من خلفه إذا كان الإمام يخطب (١).
وقد تقدم من رواية يحيى أيضًا في الكلام على حكم قناديل الحجرة أن عمر أتي بمجمرة من فضّة، وأنَّه دفعها إلى سعد؛ جدِّ المؤذّنين، وقال: أجمر بها في الجمعة وفي شهر رمضان، وكان سعد يجمر بها في الجمعة، وكانت توضع بين يدي عمر بن الخطاب (٢).
١٩ - طرح طنفسة على جدار المسجد الشريف يوم الجمعة لمعرفة دخول وقت الجمعة:
قال يحيى: حدثنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك عن عَمِّهِ أبي إسماعيل بن مالك عن أَبِيهِ: أنّ طِنْفِسَةً (٣) لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كانت تُطْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى جِدَارِ الْمسْجِدِ الْغَرْبِيِّ فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عمر بن الخطاب ﵁. قال: ثُمَّ يَرْجِعُ بَعْدَ صَلاةِ الْجُمُعَةِ فَيَقِيلُ قَائِلَةَ الضّحَى (٤).
стр. 185
الفصل الثاني: مروياته المتعلقة بالزيادات في المسجد النبوي، والكتابات فيه من عصر الخلفاء والعصور التي بعده
стр. 186
وفيه مبحثان:
المبحث الأول:
مروياته المتعلقة بالزيادات في المسجد النبوي من عصر الخلفاء والعصور التي بعده.
المبحث الثاني:
مروياته المتعلقة بالكتابات في المسجد النبوي.
стр. 187
المبحث الأول: مروياته المتعلقة بالزيادات في المسجد النبوي من عصر الخلفاء والعصور التي بعدها
قال السمهودي: وروى ابنُ شبّة ويحيى والديلمي في مسند الفردوس بسندٍ فيه متروك عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: لو بُنِي هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي. وكان أبو هريرة يقول: لو مُدّ هذا المسجد إلى باب داري ما عدَوْتَ أن أُصَلِّي فيه (١).
وقال أيضًا: ثم قال يحيى: وحدثنا هارون بن موسى (٢)، ثنا عمر بن أبي بكر الموصلي (٣)، عن ثقات من علمائه، قالوا: قال رسول الله ﷺ : هذا مسجدي، وما زيد فيه فهو منه، ولو بلغ بمسجدي صنعاء كان مسجدي (٤).
وقال: وروى يحيى من طريق ابن زبالة وهو ضعيفٌ: حدثني محمد
стр. 188
ابن إسماعيل (١)، عن ابن أبي ذئب (٢)، قال: قال عمر بن الخطاب: لو مُدّ مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه (٣).
أولًا: زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد:
أسند يحيى عن ابن عمر ﵄، قال: لولا أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ينبغي أن نزيد في المسجد) ما زدت في المسجد شيئًا. وفي رواية له: أنّ ابن عمر، قال: إنّ الناس كثروا في عهد عمر، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين، لو وسّعت في المسجد؟ فقال عمر: لولا أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنّي أريد أنْ أزيد في قبلة مسجدنا) ما زدتُ فيه (٤).
وروى ابن شَبّه ويحيى من طريق عبد العزيز بن عمران (٥) عن فليح
стр. 189
ابن سليمان (١) عن ابن أبي عمرة (٢)، قال: زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه، ثم قال: لو زدنا فيه حتى نبلغ به الجبّانة كان مسجد رسول الله ﷺ . زاد يحيى: وجاءه الله بعامر (٣).
وفي رواية ليحيى عن أبي الزناد أنّ عمر بن الخطاب لمّا زاد في المسجد دعا مَن كان له إلى جانبه منزل، فقال: اختاروا منّي ثلاث خصال: إمّا البيع فأثمن، وإما الهبة فأشكر، وإما الصدقة على مسجد رسول الله صلى الله وسلم، فأجابه الناس، وكان للعباس دار عن يمين المسجد، فدعاه عمر، فقال: يا أبا الفضل اختَرْ مِنّي بين ثلاث خصال، وذكر نحو ما تقدم، فقال العباس: ما أجيبك إلى شيء مما دعوتنِي إليه، فقال عمر: إذًا أهدمها، فقال العباس: مالك ذلك، وذكر التحاكم إلى أُبَيّ، وقصّةَ بيت المقدس مع مخالفة في ذكر قصته لبعض ما تقدم (٤).
стр. 190
سيأتي من رواية يحيى أنّ الذي شَرَى ذلك عثمان ﵁ كذا في النسخة التي رواها ابنُ ابنه الحسن بن محمد عنه، ثم رأيت في النسخة التي رواها ابنُه طاهر عنه ما ذكره الغَرّافي (١)، ولَم يذكر ابن زبالة ويحيى وغيرهما إدخال عمر دار أبي بكر ﵁ في المسجد، ويتعيّن أن يكون عمر هو الذي أدخلها؛ لِما سبق في الفصل قبله من أنّ باب خَوختِها كان غرْبِيّ المسجد (٢) … وقال يحيى في روايته المتقدمة: وجعل أساطينه من جذوع نخل، وسقفه بالجريد ذراعين فوق المسجد سترة حائطه ثلاثة أذرع (٣).
قال المراغي: ونقل أيضًا - يعني به يحيى -: أنّ النبي ﷺ خط لجعفر ابن أبي طالب وهو في أرض الحبشة دُورًا، فاشترى عمر نصفها بمائة ألفٍ، وزادها في المسجد، … (٤).
وروى ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن عبد الله بن أبي بكر (٥)، قال: كان للعباس بيت في قبلة المسجد، وكثُر الناس وضاق المسجد، فقال عمر
стр. 191
للعباس: إنك في سَعَة فأعطِنِي بيتَك هذا أوسع به في المسجد، فأبي العباس ذلك عليه، فقال عمر: إنّي أثمنك وأرضيك، قال: لا أفعل، لقد ركب رسول الله ﷺ على عاتقي وأصلح ميزابه بيده فلا أفعل، قال عمر: لآخُذنّه منك، فقال: أحدهما لصاحبه، فاجعل بيني وبينك حكَمًا، فجعلا بينهما أبي ابن كعب، فأتياه فاستأذنا على الباب، فحبسهما ساعة ثم أذن لهما، وقال: إنما حبستكما أنّي كنت كما كانت الجارية تغسل رأسي، فقصّ عليه عمر قصته، ثم قصّ عباس قصته، فقال: إنّ عندي علمًا مما اختلفتها فيه، ولأقضينّ بينكما بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: إنّ داود لمّا أراد أنْ يبني بيت المقدس، وكان بيت ليتيمين من بنِي إسرائيل في قبلة المسجد، فأراد منهما البيع فأبيا عليه، فقال: لآخذنّه، فأوحى الله إلى داود: إنّ أغنى البيوت عن المظلمة بيتي، وقد حرَّمتُ عليك بنيان بيت المقدس، قال: فسليمان، فأعطاه سليمان، فقال عمر لأبَيّ: ومَن لي بأنّ رسول الله ﷺ قال هذا؟ فقال أُبَيّ لعمر: أتظُنّ أنّي أكذب على رسول الله؟ لتخرُجَنّ من بيتي، فخرج إلى الأنصار، فقال: أيّكم سمع رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ فقال، هذا: أنا، وقال هذا: أنا، حتى قال ذلك رجالٌ، فلما علم ذلك عمر، قال: أما والله لو لم يكن غيرك لأجزت قولك، ولكنّي أردتُ أنْ أستثبت (١).
стр. 192
وفي رواية له عن ابن عمر أنّ عمر ﵁ كَلّم العباس في داره، وكانت في ما بين موضع الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم، قطيعةً كان قطع له النبي ﷺ ، فكلّمه عمر ﵁ يُدخلها في المسجد، وأعطاه بها ثمنًا حسنًا، وقال: يا أبا الفضل إنّ الناس قد شكوا ضيق مسجدهم، وأحبوا الاتساع: فأبى العباس ذلك، فقال عمر: أنا أعطيك خيرًا منها أيُّ نواحي المدينة شئت، فأبى العباس ذلك، فقال عمر: فتصدّق على الناس، فأبى، فقال عمر: لآخُذنّه، فقال العباس: ليس ذلك لك، قال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فجعلا أبي بن كعب، فأتياه فحبسهما ساعة ثم أذن لهما، ثم قال: إنّ جاريتي كانت تغسل رأسي، فأيّكما يستعدي على صاحبه؟ فقال عمر: إنّا جعلناك حكما بيننا، وما رأيت من أمرنا لزمَنَا، فقال أُبَيّ: ما تقول يا أبا الفضل؟ قال: أقول ذلك، فذهب عمر يتكلم فقال أُبَيّ: تكلم يا أبا الفضل، دَعْهُ يابن الخطاب يتكلم، لمكانه من نبِيّ الله ﷺ فتكلم العباس فقال: هذه خِطّةٌ خطّها لي رسول الله ﷺ وابتنيتُها، وبناها رسول الله ﷺ معي، وهو والله شَدَّ هذا الميزاب الذي يصُبّ في المسجد. وذكر القصة أيضًا، وأنّ العباس قال: أمّا إذا قضيت به لي فهو صدقة على المسلمين، أمَا والله يا عمر لقد هَدَمْتَ الميزاب وما شددتُه إلا ورجلاي على عاتِقَيْ رسول الله ﷺ ، قال عمر: فو الله لا تشدّه إلا ورجلاك على عاتقي، قال: ثم هدم الدار ووسع في المسجد وغيَّر جذوعًا كانت على عهد رسول الله ﷺ كان أسفلها قد أكَلَتْه الأرَضَة (١).
стр. 193
وروى يحيى بسند جيّد عن سفيان بن عيينة (١)، عن موسى بن أبي عيسى (٢)، قال: كان في دار العباس ميزابٌ يصُبّ في المسجد، فجاء عمر فقلعه، فقال العباس: إنّ النبي ﷺ الذي وضعه بيده، فقال عمر للعباس: لا يكون لك سُلّمٌ إلا ظهري حتى ترُدّه مكانه (٣).
وروى يحيى عن أبي مصعب الزهري الفقيه (٤)، قال: حدثنا يوسف ابن الماجشون (٥) عن الثقة أنه كان في دار مروان ميزابٌ يصُبُّ على الناس إذا خرجوا من المسجد في المطر، وكانت دار مروان للعباس بن عبد المطلب، فأمر عمر بن الخطاب بذلك الميزاب فنُزع، فجاءه العباس بن عبد المطلب، فقال: أما والله لوَضَعَه رسول الله ﷺ بيده، قال: فأعاده عمر حيث
стр. 194
كان، وقال: والله لا تعيده إلا وأنت على رقبتي، فأعاده العباس يومئذٍ على رقبة عمر (١).
وتكلم السمهودي بكلام في الجمع بين مختلف آثار زيادات عمر وعثمان للمسجد، ثم قال:
ويؤيّد ذلك ما رواه يحيى في زيادة عثمان ﵁ عن الأعمش (٢)، قال: بنَى عباس بن عبد المطلب داره التي إلى جنب المسجد، فجعل يرتجز يقول:
بنيتها باللبن والحجاره … والخشبات فوقها مطاره
يا ربنا بارك لأهل الداره
فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك في هذه الدارة، قال: وجعل العباس ميزابها لاصقًا بباب المسجد يصب عليه، فطرحه عمر بن الخطاب، فقال عباس: أما والله ما شَدَّه إلا رسول الله ﷺ وإنّه لعلى منكبَيّ، فقال له عمر: لا جرم والله لا تشده إلا وأنت على منكبي، فشدّه عمر، وابتاع عثمان ابن عفان تلك الدار فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعًا أو أربعة عشر، فقال: لا أدري كان ابتاع البقية أم لا (٣)؟
стр. 195
ولما ذكر السمهودي (أنّ عمر ﵁ زاد في المسجد شيئًا من دار العباس، وأنّ ما بقي منها زاد عثمان ﵁ بعضَه، وما بقي دخل في دار مروان ابن الحكم) قال: وروى يحيى في قصة زيادتها ما يصرح بأنها كانت ملاصقة لجدار المسجد النبوي، بل روى أنه كان لها ميزاب يصب فيه، وقد نقل يحيى أنها كانت فيما بين الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم، .. (١).
وقال يحيى ورزين عقب ذلك: وكان بنَى أساسه بالحجارة إلى أنْ بلَغ قامة - زاد يحيى: وكان لَبِنَه ضَرَبه بالبقيع - وجعل له ستة أبواب: بابَين عن يمين القبلة، وبابَين عن يسارها، وبابَين خلف القبلة، ولم يُغيّر باب عاتكة - أي المعروف بباب الرحمة - ولا البابَ الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، وفتح الباب الذي عند القبر، فهذان البابان من الشق الأيسر: أي المشرق، وفتح الباب الذي عند مروان بن الحكم، وفتَح بابَين من مؤخّر المسجد، انتهى (٢).
стр. 196
ثانيًا: زيادة عثمان بن عفان ﵁ -:
وروى يحيى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب (١)، قال: لمّا ولي عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين كلّمه الناس أنْ يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقَه يوم الجمعة، حتى إنّهم ليصلّون في الرحاب، فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأجمعوا على أنْ يهدمه ويزيد فيه، فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، إنّي قد أردت أنْ أهدم مسجد رسول الله ﷺ وأزيد فيه، وأشهد لَسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجنَّةِ" (٢) وقد كان لي سَلَفٌ وإمامٌ سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب، كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورتُ أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه، فحسّن الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح فدعا العمال وباشَر ذلك بنفسه، وكان رجلا يصوم الدهر ويصلي
стр. 197
الليل، وكان لا يخرج من المسجد، وأمر بالقَصَّة المنخولة تعمل ببطن نخل، وكان أول عمله في شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة هلال المحرم سنة ثلاثين، فكان عمله عشرة أشهر (١).
وقال السمهودي: وروى يحيى عن أفلح بن حميد (٢) عن أبيه، قال: لَمّا أراد عثمان أن يُكلّم الناس على المنبر ويشاورهم، قال له مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلتَه ولم تذكرهم، فقال: ويحك! إنّي أكره أنْ يَرَوا أنيّ أستبِدّ عليهم بالأمور، قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إنّ عمر اشتدّ عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جُحر ضبٍّ دخلوا. وإنّي لنتُ لهم حتى أصبحتُ أخشاهم، قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك (٣).
قال الحربي أيضًا في زيادة عثمان هذه:
стр. 198
أخبرني يحيى بن حسن أبو الحسين العلوي، قال: حدثني هارون ابن موسى، عن محمد بن يحيى، عن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي عنبسة (١)، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (٢) عن أبيه (٣)، أنّ عثمان زاد في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين، فزاد فيه من القبلة إلى موضع المحراب، وزاد فيه من الغرب أسطوانًا بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعًا، وبناه بالحجارة المنقوشة والقضة، ولم يزد فيه من الشرق شيئًا. وكانت دار العباس هذه لاصقة بالمسجد، فكان منها ميزابٌ لاصقٌ بباب المسجد؛ يصب عليه، فطرحه عمر بن الخطاب فقال العباس: أمَ والله ما شدّه إلا رسول الله ﷺ بيده، وإنّه لعلى منكبي، فقال عمر: لا جرم والله لا تشده إلا وأنت على منكبي، فشده العباس وهو على منكب عمر. قال: وابتاع عثمان بقية تلك الدار التي تصدق بها العباس فاختطها في المسجد إلا بضعة عشر ذراعًا بقيت منها حتى أدخلها عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد، وجعل عمر لباب المسجد حلقتين من حديد، فصلا بين دار العباس ودار مروان (٤)
стр. 199
قال السمهودي: وتقدم في زيادة عمر ﵁: ما رواه يحيى من أنّ عثمان ﵁ شَرَى دار العباس فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعًا أو أربعة عشر، فقال الراوي: لا ادري أكان ابتاع البقية أم لا؟ (١) …
وقال أيضًا: وروي يحيى - كما في النسخة التي رواها ابنه عن أبي الحسن المدائني (٢) - أنه قال في حديث ساقه: إنّ النبي ﷺ خطّ لجعفر بن أبي طالب (٣) دارًا وهو بأرض الحبشة، فاشترى عثمان نصفها بمائة ألف، فزادها في المسجد (٤).
стр. 200
المقصورة التي اتخذها عثمان ﵁ في المسجد، وما كان من أمرها بعده:
أورَد السمهودي عدة روايات مفادُها أنّ عثمان هو أول مَن عمِل المقصورة الصغيرة بِلَبِنٍ، وكان يُصلّي فيها للناس خوفًا من الذي أصاب ابن الخطاب ﵁، وقد جعل فيها كوّة ينظُر الناس منها إلى الإمام، كما أنّ عمر ابن عبد العزيز ﵀ هو الذي جعلها من ساج حين بني المسجد. وبعد إيراده للروايات، علّق عليها بقوله:
وروى يحيى هذا كله في زيادة عثمان ﵁ (١).
وقال السمهودي: وقد ذكر ابن زبالة ويحيي وابن النجار اتخاذ مروان لداره - عقب ذكر زيادة عثمان ﵁ … لأنّهم ذكَرُوا أنّه اتخذ لها خَوخة في المسجد من جهة القبلة، ثم قال: أخشى أنْ أُمنعَها، فجعل لها بابًا عن يمينك حين تدخل، ثم جعل الباب الثالث الذي على باب المسجد (٢).
ثالثًا: زيادة الوليد بن عبد الملك في المسجد الشريف على يد عمر بن عبد العزيز:
قال الإمام أبو إسحاق الحربي: حدثني يحيى بن حسن، قال: حدثني زبير عن محمد بن حسن (وهو ابن زبالة)، قال: أخبرني غير واحد من أهل
стр. 201
العلم؛ منهم: إبراهيم بن محمد عن أبيه عن عبد الرحمن بن حميد، ومحمد بن إسماعيل عن محمد بن عمار عن جده، و محمد بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي حفص، وعبد العزيز بن محمد عن عبد الله بن عمر، وسليمان بن محمد بن أبي سبرة عن أبي سبرة، ومحمد بن أبي طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان = يزيد بعضهم على بعض. وذكر الإمام أبو إسحاق الحربي سَنَدَه الآخر، وبيّن أنّ حديث بعضهم في بعض، وقال: قالوا: كتَبَ الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم: إنّا نريد أنْ نعمر مسجد نبينا صلى الله عليه الأعظم، فأعنّا فيه بعمال وفسَيفسًا، فبعث إليهم بأحمال من فسيفسًا، وببضعة عشر عاملا، وقال بعضهم: بعشرة عمال، وقال: قد بعثت إليك بعشرة يعدلون مائة، وبمائتَي ألف دينار عونًا لك، وبعث بهذه السلاسل التي فيها القناديل. قالوا: فهدمه عمر بن عبد العزيز سنة إحدى وتسعين وبناه بالحجارة المنقوشة، وقصّة بطن نخل، وعمله بالساج والذهب، وقال بعض أولئك العمال الذين عملوا الفسيفساء: إنا عملناه على ما وجدنا من صور شجر الجنة وقصورها (١).
ولمَا ذكر السمهودي ما قصَّه ابن زبالة من أنه: كتَبَ الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم: إنّا نريد أنْ نعمر مسجد نبينا الأعظم، فأعِنّا فيه
стр. 202
بعُمّال وفُسَيفساء، قالوا: فبعَثَ إليه بأحمال من فسَيفساء وبضعة وعشرين عاملا، وقال بعضُهم: بعشرة عمّال، وقال: قد بعثتُ إليه بعشرة يعدلون مائة، وبثمانين ألف دينار عونًا له) قال - بعده -:
روَى ذلك يحيى أيضًا. وذكَر في رواية أخرى عن قدامة بن موسى (١) أنّ ملك الروم بعَثَ إليه بأربعين، يعني عاملا من الروم، وبأربعين من القبط، وبأربعين ألف مثقال ذهب (٢).
وفي خبَر يحيى المتقدِّم عن قدامة بن موسى (٣) أنّ عمر بن عبد العزيز أخمر النورة التي تعمل بها الفسيفساء سنة، وحملوا القصة من بطن نخل منخولة، وعمل الأساس بالحجارة، والجدار بالحجارة المطابقة والقَصَّة، وجعل محمد المسجد من حجارة حشوها محمد الحديد والرصاص، وكان طوله مائتَي ذراع، وعرضه في مقدمة مائتين، وفي مؤخره ثمانين ومائة، وهو من قبل كان مقدمه أعرض، انتهى (٤).
стр. 203
وبعدما تعقَّبَ السمهودي بعض ما تقدم بتعقيبات، قال:
لكنْ في رواية يحيى المتقدمة أنّه زاد في المشرق ما بين الأسطوان المربعة - أي مربعة القبر - إلى جدار المسجد، يعني الشرقي .. (١).
وروى يحيى عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك (٢) عمن يثق به من مشايخ البلد: أنّ عمر بن عبد العزيز أمر حين بنى المسجد بأسفل الأساطين، فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها، وقدر مجلس اثنين يستندان إليها (٣).
وقال الحربي أيضًا: حدثني يحيى بن الحسن، قال: حدثني بكر بن عبد الوهاب (٤) عن محمد بن عمر (٥)، عن قدامة بن موسى (٦)، قال: رأيتُ عمر بن عبد العزيز أحضر رجالا من قريش؛ القاسم بن محمد وسالم بن
стр. 204
عبد الله، ونافع بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعبد الله بن عامر ابن ربيعة، وخارجة بن زيد، فأَرَوه مسجد رسول الله ﷺ الأول، الذي زاد فيه عمر وعثمان، فعلم عمر بن عبد العزيز المسجد الأول الذي كان على عهد رسول الله، فكان جدار القبلة من وراء المنبر بذراع، وأكثر من ذراع (١).
وقال الحربي أيضًا: أخبرني يحيى بن حسن العلوي، قال: حدثني عبد الله (٢) بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عن موسى بن جعفر بن أبي كثير (٣)، قال: بينما الوليد بن عبد الملك يخطب على المنبر إذْ تكشفت الكلّة (٤) عن بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ووراءها الحسن بن الحسن بن علي ﵈، فنظر الوليد فإذا هو بالحسن يسرح لحيته، وهو على المنبر، فلما نزل أمر بهدم بيت فاطمة، وإنّ حسن بن حسن وفاطمة بنت الحسين أبَوَا أنْ يخرجوا منه، قال: إنْ لم تخرجوا منه هدمته عليكم، فأبوا أن يخرجوا وأمر بهدمه عليهم، وفي البيت
стр. 205
حسن بن حسن وفاطمة بنت حسين وولدها من حسن، فنزع أساس البيت وهم فيه، فلما نزعه قال: إنْ لم تخرجوا قوّضناه عليكم فخرجوا منه حتى أتوا دار علي نهارًا، وبعث حسن ابن حسن ابنه جعفر، وكان أسنّ ولده فقال له: اذهب إلى المسجد ولا تريمنّ حتى يبنون، فتنظر الحجر الذي من صفته كذا وكذا هل يدخلونه في بنيانهم أم لا، فخرج جعفر فلم يزل يرصدهم وهم يبنون، حتى رفعوا الأساس، وأخرجوا الحجر فجاء جعفر إلى أبيه فأخبر فخرّ ساجدًا، وقال: ذلك حجر كان النبي ﷺ يُصلّي إليه إذ دخل إلى فاطمة، أو كانت فاطمة تصلي عليه، - الشك من يحيى، قال حسين: وأخبرني شيخٌ من قضاعة يكنى أبا جعفر، قال: حدثني سليمان بن جعفر الجعفري، قال: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: ولدت فاطمة الحسن والحسين على ذلك الحجر.
قال أبو حسين - يحيى -: ورأيتُ الحسين بن عبد الله بن الحسن إذا اشتكي شيئًا من جسده كشف الحصباء عن الحجر، يمسح به ذلك (١).
قال يحيى: ولم يزل ذلك الحجر نراه ونكشف عنه حتى جاء عمر
стр. 206
الصانع المسجد ففقدناه عندما أزّرنا القبر بالرخام، وكان الحجر لاصقا بجدار القبر قريبًا من المربعة (١).
وروى أيضًا: عن موسى بن جعفر بن أبي كثير، قال: بينما الوليد يخطب على المنبر إذ انكشفت الكلّة (٢) عن بيت فاطمة ﵍، وإذا حسن بن حسن يُسرّح لحيته، وهو يخطب على المنبر، فلما نزل أمر بهدم بيت فاطمة ﵂. قال يحيى: وحدثني عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ﵄ مثله، وزاد فيه: أنّ حسن بن حسن وفاطمة بنت الحسين أبَوَا أن يخرجوا منه، فأرسل إليهم الوليد بن عبد الملك: إنْ لم تخرجوا منه هدمته عليكم، فأبوا أنْ يخرجوا، فأمر بهدمه عليهم وهما فيه وولدهما، فنزع أساس البيت وهم فيه، فلما نزع أساس البيت قالوا لهم: إنْ لم تخرجوا قوضناه عليكم، فخرجوا منه حتى أتوا دار عليٍّ نهارًا (٣).
ولمّا ذكر السمهودي قصة رؤيةِ الوليد حسن بن حسن في بيت فاطمة ﵂ السابقة من طريق ابن زبالة بأتمّ مما تقدم قال بعدها: وروي يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد العزيز بن محمد بنحوه (٤).
стр. 207
ولما تكلم السمهودي عن بيت حفصة ﵂، قال: وروى يحيى في قصة هذه الدار عن مالك بن أنس في جملة خبر: أنّ الحجاج (١) قال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر (٢): بعني منزل حفصة، قال: لا والله ما كنت لآخذ لبيت رسول الله ﷺ ثمنًا أبدًا، قال: إذًا والله أهدمه، قال: والله لا تهدمه إلا على ظهري، فأمر الحجاج صائحًا صاح في الناس بالعتل والمساحي والفوس، فقام عبد الله فدخل بيت حفصة، وجاء الغوغاء بالعتل والمساحي فأمرهم الحجاج بهدمه، فصعدوا ليهدموه وعبيد الله فيه، فجاءت بنو عدي إلى عبيد الله فقالوا: ما أضعفك! هو يتأسف على قتل أبيك ويزَع عن قتلك، فأخرجوه، فهدمه الحجاج، وكتب إلى الوليد يعلمه ما صنع، وامتناع عبيد الله من الثمن، فكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره يعرض على عبيد الله الثمن، فإن أبي جعل له مكرمة بدله في المسجد، فجعل له عمر الخوخة التي في قبلة المسجد التي إلى دار حفصة اليوم، وهو يقتضي أنّ الذي هدم دار حفصة هو الحجاج (٣).
стр. 208
قال السمهودي: وفي رواية ليحيى أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا وصَل في العمارة إلى دار حفصة، قال له عبيد الله: لست أبيع، هذا هو حق حفصة، وقد كان النبي ﷺ يسكنها، فقال عمر: ما أنا بتارككم أو أدخلها في المسجد، فلما كثر الكلام بينهما قال لهم عمر: أجعل لكم في المسجد بابًا تدخلون منه، وأعطيكم دار الرقيق، وما بقي من الدار فهو لكم، ففعلوا (١).
وقال: قدمنا أيضًا ما رواه يحيى عن مالك بن أنس من أنّ الحجاج الثقفي هو الذي ساوَم عبيد الله بن عبد الله بن عمر في هذا البيت وهدمه (٢).
قال السمهودي: وفيما رواه يحيى عن حفص بن مروان (٣) عن أبيه: أنّ عمر مكث في بنائه ثلاث سنين (٤).
ولمِا تقدم فإنّ المراغي لما ذكر: أنّ عمر بن عبد العزيز فرغ من بنائه في ثلاث سنين، قال: قيل: وكان هدمه للمسجد في سنة إحدى وتسعين كما حكاه ابن زبالة ويحيى … (٥).
стр. 209
قال السمهودي: روى يحيى عن النضر بن أنس (١)، قال: كان عمر ابن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسَن عمَلَها، نفَلَه عمر ثلاثين درهمًا (٢).
وقال السمهودي: وروى يحيى عن جعفر بن وردان (٣) عن أبيه ما يقتضي أنّ المْخاطِبَ لأبان بن عثمان هو الوليد؛ فإنّه قال: فلَمّا قدم الوليد حاجًّا جعل يطوف في المسجد وينظر إليه ويصيح بعمر: هاهنا، ومعه أبان ابن عثمان، فلما استنفذ الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان، وقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان: إنّا بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس (٤).
ثم روى في زيادة الوليد عن عبد الحكيم بن عبد الله بن حنطب (٥) قال: أول من أحدث المقصورة في المسجد مروان بن الحكم بناها بالحجارة المنقوشة، وجعل لها كُويً، وكان بعث ساعيًا إلى تهامة، فظَلَم رجلا يقال له: دُبّ، فجاء دُبّ إلى مروان، فقام حيث يريد أن يقوم مروان حتى أراد أن
стр. 210
يُكبّر ضربَه بسكين فلم يصنع شيئًا، فأخذه مروان فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بعثتَ عاملا فأخذ ذودي (١) بمرة، وتركني وعيالي لا نجد شيئًا، فقلتُ: أذهب إلى الذي بعثك فأقتله، فهو أصل هذا، فجاء ما ترى، فحبسه مروان حينًا في السجن، ثم أمر به فاغتيل سرًّا، فكانت المقصورة (٢).
ولما تقدم فإنّ المراغي لما تكلم عن المقصورة الصغيرة التي بناها عمر بن عبد العزيز هذه وأنَّه جعل فيها كوّة ينظر الناس منها إلى الإمام، قال: وفي كتاب يحيى: أنّ عمر بن عبد العزيز جعلها مِن ساج حين بني المسجد (٣). وقال أيضًا -: وفي كتاب يحيى: بناها بالحجارة (٤).
قال الحربي أيضًا: أخبرني يحيى بن حسن، قال: حدثنا هارون عن
محمد بن يحيى عن إبراهيم بن محمد الزهري (٥)، عن أبيه قال: لما قدم الوليد بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد، جعل ينظر إلى بنيانه، قال لعمر
стр. 211
حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف كله مثل هذا؟ قال: إذن تعظم النفقة، قال: وإن عظمت، وكانت النفقة أربعين ألف دينار، ثم انتهى إلى القبر فقال: يا أبا حفص: من هؤلاء؟ قال: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، قال: وأين أمير المؤمنين عثمان؟ فأعرض عنه، ثم ألح عليه فقال: دفن في حال تشاغل من الناس، وقد ساء أدبك (١). وعند السمهودي بعدما أورَدَ قصة قدوم الوليد بن عبد الملك المدينة بالتفصيل السابق، قال بعد كُلّ ذلك: وذكر يحيى رواية ابن زبالة المتقدمة من غير طريقه، وقال عقب قوله: (وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف دينار) قال: ثم انتهى إلى القبر، فقال ابن الوليد لعمر بن عبد العزيز: من هذا في القبر؟ قال: رسول الله وأبو بكر وعمر، قال: فأمير المؤمنين عثمان؟ قال: فأعرض عنه، فألحّ عليه، فقال: دُفن في حال تشاغُلِ من الناس، وقد أسيء أدبك (٢). وقال السمهودي: وروى يحيى أنّه جعل المقصورة من ساج، قال: وكانت قبلُ من حجارة (٣).
стр. 212
اتخاذ عمر بن عبد العزيز في المسجد من الشرفات والمنائر والميازيب، واتخاذ الحرس:
قال السمهودي: وروى ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن محمد بن عمار (١) عن جده، قال: جعل عمر بن عبد العزيز المسجد رسول الله ﷺ حين بناه أربع منارات في كل زاوية منه منارة (٢).
وقال: قال كثير بن حفص: وكانت المنارة الرابعة مُطلِّة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذّنَ المؤذّن، فأطلّ عليه، فأمر سليمان بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد، وبابها على باب المسجد، وفي نسخة يحيى: (وبابها على المسجد مما يلي دار مروان من قبل المسجد) (٣).
السمهودي: وأسند يحيى عن عبد المهيمن بن عباس (٤) عن أبيه، قال: مات عثمان وليس في المسجد شرفات ولا محراب، فأول من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز (٥).
стр. 213
وأسند أيضًا من طريق ابن زبالة، ورأيتُه فيه: أنّ عمر بن عبد العزيز هو الذي عمل الرصاص على طنف (١) المسجد والميازيب التي من الرصاص، فلم يبق من الميازيب التي عمل عمر بن عبد العزيز غير ميزابين: أحدهما في موضع الجنائز، والآخر على الباب يدخل منه أهل السوق الذي يقال له باب عاتكة، ولم يكن للمسجد شرفات حتى عملها عبد الواحد بن عبد الله النصري (٢)، وهو وال على المدينة، سنة أربع ومائة، انتهى (٣).
قال السمهودي: وذكَر يحيى ما يقتضي أنّ الحَرس كانوا قبل زمن عمر بن عبد العزيز يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز في المسجد، فإنّه روي عن ابن أبي ذئب عن المقبري (٤) أنّه رأى حرسَ مروان بن الحكم يُخرجون الناس من المسجد يمنعونهم أنْ يُصلّوا فيه على الجنائز (٥)
стр. 214
رابعًا: زيادة المهدي (١) في مسجد رسول الله ﷺ -:
قال السمهودي: ونقل ابن زبالة ويحيى أنّ المسجد لم يزل على حالة ما زاد فيه الوليد إلى أنْ هَمّ أبو جعفر المنصور بالزيادة فيه، ثم توفي ولم يزد فيه، حتى زاد فيه المهدي، لكن ذكر يحيى في حكاية ما كان مكتوبًا في جدار القبلة ما لفظه: ثم إلى جنب هذا الكتاب - أي ما كُتب في زمن المهدي - كتاب كتب في ولاية أبي العباس، يعني السّفاح، وصل هذا الكتاب، أي كتاب المهدي إليه، وهو: أمير عبد الله عبد الله (٢) أميرُ المؤمنين بزينة هذا المسجد وتزيينه وتوسعته مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ابتغاء رضوان الله وثواب الله، وإنّ الله عنده ثواب الدنيا والآخرة، وكان الله سميعًا بصيرًا، انتهى (٣).
قال الحربي: وأخبرني يحيى بن حسن الطالبي، قال: فزاد المهدي عشر أساطين في صحن المسجد سقائف، وخمسًا للسقائف الشامية، وكان قبل بنيانه قد أمر به فقدر ما حوله من الدور فابتيع، وكان ما دخل فيه من
стр. 215
الدور: دار عبد الرحمن بن عوف (١) التي يقال لها دار مليكة، فأدخل بعضها في المسجد، وبعضها في رحبة المسارب، وبعضها في الطريق. ودار شرحبيل ابن حسنة (٢)، وكانت صدقة، فابتاعها منهم، وابتاع دورًا ومنازل قد وقفوها صدقة وبقيت منها بقية فابتاعها منهم يحيى بن خالد بن برمك (٣)، فدخلت في حُشّ (٤) طلحة. وأدخلت دار عبد الله بن مسعود، التي يقال لها: دار القراء. ودار المسور بن مخرمة الزهري. وفرغ من بنيان المسجد سنة خمس وستين ومائة. قال: وقال محمد بن إسماعيل (٥): أدركت المسجد صغيرًا يعجز عن الناس يوم الجمعة، حتى يُصلى في دار القضاء وهي يومئذ مبنية، وفي دار ابن مكمل، وفي دار النجامين، وفي دار عاتكة، قال: وكنت