← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكتب وبعث به الرسل - بالاتحاد الذي سموه توحيداً وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق. وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي وتعظيمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من ((الفتوحات والكنه، والمحكم المربوطة والدرة الفاخرة ومطالع النجوم)) ونحو ذلك ولم يكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع (الفصوص) ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان. وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وكلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده - من نصحه للاسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان اله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة. هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالإتحادية كاتحاد الماء واللبن وهو قول ((اليعقوبية)) وهم السودان ومن الحبشة والقبط وإما بالحلول وهو قول ((النسطورية)) وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول ((الملكانية)) . (وأما) الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه اهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرونهم بذلك.

стр. 107

وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام: فما علمت أحداً سبقهم غليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أن غنى وما سواه فقير ولكن تفرعوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم. (الأول) أن يقولوا: عن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست الحق ويفرقوا بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك. ويقولون: إن الله سبحانه لم يعط أحداً شيئاً ولا أغنى أحداً ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك. ويقولون: إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة. ويقولون: إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد وأنهم يكونوا أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل. ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى. وأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه. وأن قوله تعالى ﴿وقضى ربك

стр. 108

ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء ٢٣] معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع. ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية. وإن قوم نوح قالوا ﴿لا تذرن آلهتيكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً﴾ [نوح ٢٣] لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه وينكره من أنكره. وأن الفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية وأن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر والعارف يقول: هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر فإن النصارى إنما كفروا لأنههم خصصوا أن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شئ والله أيضاً يعبد كل شئ لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة غليه وهو حليل كل شئ بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أموراً عدمية. ويقولون: من أسمائه الحسنى العلي. عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو. وما نكح سوى نفسه وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع وإن ((موسى)) إنما عتب على ((هارون)) حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيفه وعدم اتساعه وإن ((موسى)) كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وأن أعلى ما عبد الهوى وأن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله. ((فرعون)) كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في

стр. 109

قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات ٢٤] وفي قوله ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص ٣٨] . وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول: إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول ((فرعون)) المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون: نحن على قول فرعون وهذه المعاني كلها هي قول صاحب ((الفصوص)) والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر ١٠] . والمقصود: أن حقيقة ما تضمنه كتاب ((الفصوص)) المضاف إلى النبي ﷺ أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرءون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله؟ ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ربهم ورب آبائهم الأولين رب المشرق والمغرب ولا يقول أحد منهم: إنه عين المخلوقات. ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى إنهم يقولون: لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله. وهذا مركب من أصلين: (أحدهما) أن المعدوم شئ ثابت في العدم كما يقوله كثير من ((المعتزلة والرافضة)) وهو مذهب باطل بالعقل للكتاب والسنة والإجماع.

стр. 110

وكثير من متكلمة أهل الإثبات ((كالقاضي أبي بكر)) (١) كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى. فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن اله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله ﷺ سورة ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق ١-٥] فذكر المراتب الأربعة: وهي الوجود العيني الذي خلقه وذكر الوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن الله تعالى علمه ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم مستلزم للمراتب الثلاثة. وهذا القول - أعنى قول من يقول: إن المعدوم شئ ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحته لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلى مذهبه الذي في الفصوص. (والأصل الثاني) : أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس غيره ولا سواه وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء وهو قول بقية الاتحادية لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام وأحسن كلاماً في مواضع كثيرة - فإنه يفرق بين المظاهر والظاهر فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ويأمر بالسلوك

стр. 111

بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله. (وأما) صاحبه ((الصدر الرومي (١)) ) فإنه كان متفلسفاً فهو أبعد عن الشريعة والإسلام ولهذا كان الفاجر ((التلمساني)) ((الملقب بالعفيف)) (٢) يقول: كان شيخي القديم متروحناً متفلسفاً والآخر فيلسوفاً متروحناً يعني الصدر الرومي فإنه كان قد أخذ عنه ولم يدرك ((ابن عربي)) في كتاب ((مفتاح غيب الجمع والوجود)) وغيره يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان والجسم المطلق والجسم المعين والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقاً ولا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة فحقيقة قوله: إنه ليس سبحانه وجود أصلاً ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات ولهذا يقول هو وشيخه: إن الله تعالى لا يرى أصلاً وأنه ليس في الحقيقة اسم ولا صفه ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده. تعالى الله عما يقولون!! . وأما ((الفاجر التلمساني)) فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت - كما يفرق ((ابن عربي)) - ولا يفر بين المطلق والمعين والثبوت - كما يفرق ابن عربي - ولا يفرق بين المطلق والمعين - كما يفرق ((الرومى)) - ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه. وأن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوباً فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه

стр. 112

الثقات: أنه كان يقول البنت والأم والأجنبية شئ واحد ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام فقلنا: حرام عليكم. وكان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد في كلامنا. وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة وإذا أحسن القول يقول: القرآن يوصل إلى الجنة وكلامنا يوصل إلى الله تعالى وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له. ولد ديوان شعر قد صنع فيه أشياء وشعره في صناعة الشعر جيد ولكنه كما قيل: ((لحم خنزير في طبق صيني)) وصنف ((للنصيرية)) عقيدة. وحقيقة أمرهم: أن الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه. وأما ((ابن سبعين)) فإنه في ((البدو والإحاطة)) يقول أيضاً بوحدة الوجود وأنه ما ثم غيره وكذلك ((ابن الفارض)) في آخر ((نظم السلوك)) لكن لم يصرح هل يقول بمثل قول التلمساني أو قول الرومي أو قول ابن عربي وهم إلى كلام التلمساني أقرب. ولكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني. وآخر يقال له ((البلباني)) من مشايخ شيراز ومن شعره: [متقارب] وفي كل شئ له آية ... تدل على أنه عينه وأيضاً: [طويل] وما أنت غير الكون بل انت عينه ... ويفهم هذا الشر من هو ذائقه وأيضاً: [طويل] وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم وأيضاً: [كامل]

стр. 113

ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلاً فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا وأيضاً: [سريع] ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع في الحكم وأيضاً: [بسيط] يا عاذلى أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي ... عن العيان إلى أوهام أخبار فعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته تره المنهى يا جاري وأيضاً: [طويل] وما البحر إلا الموج لا شئ غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد إلى أمثال هذه الأشعار وفي النثر ما لا يحصى ويوهمون الجهال أنهم مشايخ الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة مثل: ((سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك ابن أنس والأوزاعي وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والشافعي وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله بن المبارك وشقيق البلخي)) ومن لا يحصى كثرة - إلى مثل المتأخرين مثل: ((الجنيد بن محمد القواريري وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي)) ومن بعدهم إلى ((أبي طالب المكي)) - إلى مثل ((الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدى والشيخ أبي البيان والشيخ أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي)) وأمثال

стр. 114

هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين. كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وأن الله سبحانه ليس هو خلقه ولا جزء من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو متميز بنفسه المقدسة بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته وبذلك جاءت الكتب الأربعة الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن عليه فطر الله تعالى عباده وعلى ذلك دلت العقول. وكثيراً ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار واندراس شريعة الإسلام وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه هو الله فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظم. أما على رأى صاحب ((الفصوص)) فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم وأما على رأى ((الرومي)) فإن بعض المتعينات يكون أكبر فإن بعض جزيئات الكلى أكبر من بعض وأما على البقية فالكل أجزاء منه وبعض جزيئات الكلى وبعض الجزء أكبر من بعض فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين وأكبر من الرسل بعد نبينا ((محمد ﷺ وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈) فموسى قاتل فرعون الذي يدعى الربوبية ويسلط الله تعالى مسيح الهدى الذي قيل فيه إنه الله تعالى وهو برئ من ذلك على مسيح الهدى والضلالة الذي قال إنه الله.. ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي ﷺ قال: ((إنه أعور)) وكونه قال: واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت. ((وابن الخطيب)) أنكر أن يكون النبي ﷺ قال

стр. 115

هذا لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور. فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية ظهر سبب دلالة النبي ﷺ لأمته بهذه العلامة فإنه بعث رحمة للعالمين. فإذا كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في البشر أو يقول إنه هو البشر كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء الإلهية عنه. وقد خاطبني قديماً شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه وجاء إلينا شخص كان يقول: إنه خاتم الأنبياء الأولياء فزعم أن ((الحلاج)) لما قال: أنا الحق فكان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع وأن أصحابه لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي ﷺ كان من هذا الباب - فبينت له فساد هذا وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة ((موسى ابن عمران)) وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام والمطلق الذي يذهب إليه الفاجر ((التلمساني)) وذووه وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية. (وقد) كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحاً وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف والأئمة اعلم بالإسلام وبحقائقه فإن كثيراً من الناس قد لا يفهم

стр. 116

تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه وهذا كما قال بعض الناس متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجوداً لا معدوماً فيحتاج أن يعبد المخلوقات إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر كالشمس والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم وهم لا يوحدون الله وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات فهم بربهم يعدلون ولهذا حدث الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان وهذا حقيقة قول الاتحادية. وأعرف ناساً لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام قالوا: ليس بكذا ليس بكذا وصفوه بأنه ليس هو المخلوقات كما يقوله المسلمون لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل ﵈. وإذا صار لأحدهم ذوق ووجد تأله وسلك طريق الاتحادية وقال: إنه هو الموجودات كلها. فإذا قيل له: أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك وجدى وهذا ذوقي. فيقال لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات فإن علم القلب وحاله متلازمان فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال. ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين ﵈ الذين أمروا

стр. 117

بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله واتبعوا طريق السابقين الأولين لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة العين فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفى مجمل والصابئة المعطلة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل. فالقرآن مملوء من قوله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم - وعلى كل شيء قدير - وأنه سميع بصير وسع كل شيء رحمة وعلماً﴾ وفي النفي ﴿ليس كمثله شيء - ولم يكن له كفواً أحد - هل تعلم له سمياً - سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين﴾ . (وهذا) الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ أيده الله تعالى بالإسلام ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ونور قلبه فإن ما فيه نكت مختصرة فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب ولكن ذكرت للشيخ أحسن الله تعالى غليه ما اقتضى الحال أن أذكره وحامل الكتاب مستوفز عجلان وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم ويهديهم إلى ما يقربهم وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران ١٠٤] انتهى. فاتضح لديك مما تلى عليك أن الشيخ ابن تيمية غير منفرد بالطعن فيمن ذكر ولم تحمله على ما قال نفسانية أو شحناء معاصرة حتى زبر ما زبر بل لما عنده من أنه أخذ بضبع القاصرين وأداء لواجب النصحية في الدين كما بين أيضاً غيره من العلماء العاملين.

стр. 118

الفصل الرابع: في الكلام على ما نقله الشيخ ابن حجر من عبارة شيخ الإسلام مشتملاً على بيان مقصده وترجمة أحوال من ذكر بوجه مختصر [ابن حجر لا يلتزم أدب المناظرة في النقل] فأقول: قوله قال في بعض كلامه إلخ - لا يخفى عليك أنه كان الأولى أن يغزو الشيخ ابن حجر هذه العبارة إلى ما نقله منه وألا يريه بالحاصل عنه لأن هذا موضع خصام! فالحرى إتمام النقل ليتضح المرام على أنى أقول: إن لهذا النقل أصلاً ولا نقص ابن تيمية شيئاً عند ذوي الفضل إذا هو ممكن التوجيه بالوجه الوجيه كما سيتضح للمنصف النبيه إن شاء الله تعالى. (قوله في كتب الصوفية ما هو مبني) إلخ - التصوف كما قال الإمام الغزالي: تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه. قال: وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح وقا السخاوي: إن السرى السقطى قدس سره سئل عن التصوف فقال: اسم لثلاثة معان: وهو الذي لا يطفئنور معرفته نور وروعه ولا يتكلم بباطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب ولا تحمله الكرامات من الله تعالى على هتك أستار محارم الله تعالى. انتهى. [الصوفى المثالى] والصوفى: من اتصف بذلك، (وقال) الشيخ ابن تيمية: إن هذا التعبير عن الزاهد بالصوفى حدث في أثناء المائة الثانية؛ لأن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد ومن قال: إنه نسبة إلى الصفة التي ينسب إليها كثير من الصحابة

стр. 119

ويقال فيهم أهل الصفة أو نسبة إلى الصفاء أو الصف الأول أو صوفة بن مروان بن أد بن طابخة أو صوفة القفا - فهي أقوال ضعيفة، انتهى. وقال القطب النوراني الشيخ عبد القادر الكيلاني في كتابه (الفتح الرباني) : الصوفى من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده ويترك إرادته واختياره ومشيئته من صفاء قلبه. انتهى. وما أحسن قول من قال: [بسيط] تنازع الناس في الصوفى واختلفوا ... وكلهم قال قولاً غير معروف ولست أمنح هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفى حتى سمى الصوفى (واعلم) : أن الصنف الأول هم المقبولون عند القوم السالمون من القدح واللوم فقد قال سيد الطائفة الصوفية وإمام الطريقة الحقيقة الشرعية جنيد البغدادي عليه رحمة الهادي: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى الرسول ﷺ وقال: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا العلم لأن علمنا ومذهبنا مقيد بالكتاب والسنة. (وقال) : أبو يزيد البسطامى لبعض أصحابه: قم حتى تنظر إلى هذا الرجل الذي قد شههر نفسه بالولاية - وكان رجلاً مشهوراً بالزهد - فمضينا فلما خرج من بيته ودخل المسجد رمى ببزاقة تجاه القبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه، فقال: هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب رسول الله ﷺ فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه؟ (وقال) : لو نظرتم إلى رجل أعطى الكرامات حتى تربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء فعل الشرعية وإلا فهي استدراج. (وقال) : أبو سليمان الداراني: ربما تقع في قلبي النكتة من نكت

стр. 120

القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. (وقال) ذو النون المصرى: ومن علامات المحب لله سبحانه متابعة حبيب الله محمد ﷺ في أفعاله وأخلاقه وأوامره وسننه. (وقال) بشر الحافى: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: ((يا بشر هل تدري بم رفعك الله تعالى من بين أقرانك قلت: قال: باتباعك سنتى وخدمتك الصالحين ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي هو الذي بلغك منازل الأبرار)) . (وقال) ابو سعيد الخرار: كل فيض باطن يخالفه ظاههر فهو باطل انتهى قاله القشيري في الرسالة. (وقال) سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني: جميع الأولياء لا يستمدون غلا من كلام الله ورسوله ﷺ ولا يعملون إلا بظاهرهما. (وقال) الشيخ الأكبر محي الدين من جملة أبيات افتتح بها الباب الثامن والثلثمائة من الفتوحات وهي: [رمل] فنجاة النفس في الشرع فلا ... تك إنسانا رأى ثم حرم واعتصم بالشرع في الكشف فقد ... فاز بالخير عبيد قد عصم كل علم يشهد الشرع له ... فهو علم فبه فلتعتصم فإذا خالفه العقل فقل ... طورك الزم مالكم فيه قدم [الصوفى المنحرف] وإن ترد أن تطلع على حقائق السلوك السنى والتصوف الإحساني فعليك بكتاب شيخنا السيد البدر أبي الطيب القنوجي - حماه الله - الذي سماه (رياض المرتاض وغياض العرباض) وكتاب (حظيرة القدس وذخيرة الأنس) له فإنهما غاية في الباب ونهاية في تلك الآداب ومن حصل له هذان السفران

стр. 121

فهو كما قيل: ((أللِّبَأ وابن طاب (١)) ) وأما غير هذا القسم من الصوفية كالمتصوفة المغايرين في حركاتهم وأفعالهم للسنة النبوية ((فهم المذمومون والجماعة المخالفون للطائفة المرضية)) فقد قال صاحب الطريقة المحمدية من بعد ما تكلم على البدعة: فظهر من هذا بطلان ما يدعيه بعض المتصوفة في زماننا إذا أمكر عليهم بعض أمورهم المخالفة للشرع الشريف: إن حرمة ذلك في العلم الظاهر وإنا أصحاب اعلم الباطن وأنه حلال فيه وإنكم تأخذون من الكتاب وإنا نأخذ من صاحبه محمد ﷺ فإذا أشكلت علينا مسألة استفتيناها منه، فإذا حصل قناعة وإلا رجعنا إلى الله تعالى بالذات فنأخذ منه وإنا بالخلوة وهمة شيخنا نصل إلى اله تعالى فتكشف لنا العلوم فلا يحتاج إلى الكتاب والمطالعة والقراءة على الأستاذ وإن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا برفض الظاهر والشرع ولو كنا على الباطل لما حصل لنا تلك الحالات السنية والكرامات العلمية من مشاهدة الأنوار ورؤية الأنبياء الكبائر وإنا إذا صدر منا مكروه أو حرام نبهنا بالرؤيا في المنام فنعرف بها الحلال والحرام وإن ما فعلناه مما قلتم إنه لحرام لم ننبه عنه في المنام فعلمنا أنه حلال إلى غير ذلك من النزهات. (وهذا) كله إلحاد وضلال لأنه صرح العلماء أن الإلهام ليس من أسباب المعرفة بالأحكام وكذلك الرؤيا خصوصاً إذا خالف الكتاب والسنة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام. انتهى. (وقال) الإمام الغزالي في الأحياء: من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه للإيمان. (ونقل) الوالد عليه الرحمة في تفسيره عن الإمام الرباني مجدد الالف الثاني قدس سره أنه قال في مواضع عديدة في

стр. 122

مكتوباته: إن الإلهام ل يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ففي المكتوب الثالث والأربعين من المجلد الأول: أن قوماً مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيلون أن المقصود الأصلي وراء الشريعة حاشاً وكلاً؟ نعوذ بالله سبحانه من هذا الاعتقاد السوء فكل من الطريقة والشريعة عين الآخر لا مخالفة بينهما بقدر رأس الشعيرة وكل ما خالف الشريعة مردود وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة. (وقال ايضاً) في أثناء المكتوب السادس والثلاثين: للشريعة ثلاثة أجزاء: علم وعمل وإخلاص فما لم تتحقق هذه الأجزاء لم تتحقق الشريعة وإذا تحققت الشريعة حصل رضا الحق وهو فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية ورضوان من الله أكبر فالشريعة متكلفة بجميع السعادات ولم يبق مطلب وراء الشريعة فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل الجزء الثالث الذي هو الإخلاص فالمقصود منهما تكميل الشريعة لا أمراً آخر وراء ذلك - إلى آخر ما قال. (وقال) عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين بعد تحقيق كثير فتقرر أن طريق الوصول إلى درجات القرب الإلهي جل شأنه سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله ﷺ وصار مأموراً بها في آية: ﴿قل هذه سبيل أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ [يوسف ١٠٨] وآية ﴿قل إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران ٣١] تدل على ذلك أيضاً - إلى آخر ما قال. (قال) الوالد نفعنا الله تعالى به في تفسيره سورة الكهف: والذي ينبغي أن يعلم ان كلام العارفين المحققين وإن دل على أن لا مخالفة بين الشريعة

стр. 123

والطريقة والحقيقة في الحقيقة ولكنه يدل أيضاً على أن في الحقيقة كشوفاً وعلوماً غيبية ولذا تراهم يقولون: علم الحقيقة هو العلم اللدنى وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم الوارثة، إلا أن هذا لا يدل على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة فهي بالحقيقة مترتبة على الشريعة ونتيجة لها ومع هذا ر تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكماً شرعياً ولا تقيد مطلقاً ولا تطلق مقيداً خلافاً لما توهمه بعضهم رقصة الخضر لا تصلح دليلاً. وكذا قول أبي هريرة ﵁: ((حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين من العلم: فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع منى هذا البلعوم)) لأن الخضر أوحى إليه إن قلنا بنبوته أو الإلهام كان شرعاً إذ ذاك. والوعاء الآخر يحتمل أن يكون علم الفتن. وما وقع من بني أمية وذم النبي ﷺ لأناس معينين منهم ولا شك أن بث ذلك في تلك الأعصار يجر إلى القتل - انتهى باختصار. وقد أطال في هذا البحث وأطاب فعليك به إن أردته فقلما تجده في كتاب. قال الشيخ ولى الله الدهلوي في التفهيمات - وقد ذكر عنه أنه أنكر وجود القطب والغوث والخضر والذي تدعيه الشيعة أنه المهدى وحق له ذلك -: فالسنى ما دام على شرطه من اعتقدا ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والسكوت عما لا يثبت بها لا يعتقد ذلك ومن أثبت ذلك من الصوفية فإنه لم يثبت عن كتاب ولا سنة اللهم إلا الكشف وليس من أدلة الشرع والذي أفهم من كلامه أنه يريد أن هذا قول مبتدع باطل اعتقاده من حيث الشرع لقوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ولو كان قطع الإنكار لم يستحق التكفير ولا التفسيق أيضاً. انتهى.

стр. 124

[ابن تيمية كان يتشدد في سد ذرائع البدع] واعلم أن الشيخ ابن تيمية عليه الرحمة لما كان كثير التشدد في سد ذرائع البدع وثقيل القول على من خالف ظاهر الشرع المتبع وغزير الاعتراض على بعض المصنفين المختلط كلامهم بفلسفة المتفلسفين ظن كثير ممن ليس له اطلاع بأقواله الفسيحة البقاع أنه ينكر كرامات الأولياء ويوهن ما يجري من الخارق على يد الأتقياء وهذا ظن فاسد كما سيعرفه كل بصير ناقد في رسالتنا هذه ليتحقق الرائج من الكاسد: فقد قال في كتابه (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ما نصه: [رأى ابن تيمية في الولاية والأولياء] فأولياء الله تعالى المتقون: هم المهتدون بمحمد ﷺ فيفعلون ما أمر به وينتهون عما نهى عنه ويتقدون به فيما يبين لهم أن يتبعوه فيه فيؤيدهم الله تعالى بملائكته وروح منه ويقذف الله تعالى في قلوبهم من أنواره ولهم الكرامات التي يكوم الله بها أولياءه المتقين. وخيار أولياء الله تعالى كراماتهم حجة في الدين أو لحاجة في المسلمين مثل ما كانت معجزات نبينا محمد ﷺ فهي في الحقيقة تدخلفي معجزات الرسول ﵊ التي جمعت نحو ألف معجزة. وكرامات أصحابه والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جداً. (مثل ما كان) اسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيا أمثال السرج وهي الملائكة فنزلت تسمع لقراءته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين. (وكان) سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها.

стр. 125

(وعباد بن بشير وأسيد بن حضير) خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما رواه البخاري وغيره. (وخرجت أم أيمن) مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو برشاء ابيض معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها. (وسفينة) مولى رسول الله ﷺ أخبر الأسد أنه رسول الله ﷺ فمشى معه الأسد حتى أوصله إلى مقصده. (وخالد بن الوليد) حاصر حصناً فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره. (وعمر) ﵁ نادى سارية من المنبر والقصة مشهورة ومثله كثير. (ومثل ذلك) ما جرى لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجله وهي ترمي بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئاً حتى أدعوا الله تعالى فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة، فقال: اتبعني فاتبعه فوجدوها قد تعلق بشئ فأخذها. (وطلبه) الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: اشهد أني رسول الله قال: ما أسمع. قال: اشهد أن محمد رسول الله، قال: نعم. فأمر بنار فألقى فيها فوجدوه قائماً يصلي وقد صارت برداً وسلاماً فقال: عمر الحمد الله الذي لم يمتنى حتى أراني من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.

стр. 126

(وصلة بن اشيم) مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق على منة ودعا الله سبحانه فأحياه له فلما وصل إلى بيته قال: يابني خذ سرج الفرى فإنه عارية: فأخذ سرجه فمات وقد وقع له مثير من ذلك. (وكان سعيد بن المسيب) في أيام الحرة يسمع الآذان من قبر البني ﷺ أوقات الصلاة وكان المسجد قد خلا فلم يبق فيه غيره. (وكان إبراهيم التميمى) يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئاً. (وكان عبد الواحد بن زيد) أصابه الفالج فسأل ربه سبحانه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان تطلق له أعضاؤه وقت الوضوء ثم يعود بعده. وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع. (وأما) ما نعرفه نحن عياناً ونعرفه في هذا الزمان فكثير. (ومما) ينبغي أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها الضعيف أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسدد حاجته ويكون من هو أكمل ولاية لله تعالى منه مستغنياً عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق أو لحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمنه ﵊ ومسيلمة الكذاب والحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة وكانت الشياطين تخرج رجله من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه وتسبح الرخامة إذا نقرها بيده وغير ذلك ولم ينفذ فيه الرمح حتى سمى الله فقتله. (وقال) فيه: وليس من شرط ولى الله تعالى أن يكون معصوماً،

стр. 127

بل يجوز ان يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز ان يشتبه عليه بعض أمور الدين. (وقال) عمرو بن عبيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وكثير من الناس يغلط هنا فيظن في شخص انه ولى وأنه يقبل منه كل ما يقوله ويفعله وإن خالف الشرع. (ولهذا) كان عمر يشاور الصحابة ويناظرهم وينازعونه في أشياء فيقرهم ولا يقول لهم: أنا محدث ملهم فينبغي لكم أن لا تعارضوني. اهـ باختصار. (وأنت) تعلم أن المعتزلة تنكر كرامات الأولياء وأهل السنة والجماعة يثبتونها والشيعة خصتها بالأئمة الإثنى عشر وبعض المالكية أنكرها أيضاً لسد الذرائع المتوصل بها إلى كل باطل بالحقيقة. (وقال) الجمهور: إن الخارق للعادة ينقسم إلى إرهاص ومعجزة وكرامة ومعونة واستدراج وإن أردت الإحاطة بالتفصيل والأدلة فعليك بالكتب المفصلة والله سبحانه الموفق. [لم يكن ابن تيمية وحده هو الذي حارب الفلاسفة] (قوله الفلاسفة) أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) : الفلسفة باليونانية: محب الحكمة والفيلسوف هو فيلاسوفاً وفيلاً هو المحب وسوفاً هو الحكمة والحكمة قولية وفعلية ثم إنه فصلهما فإن أردته فارجع غليه. [الغزالي يرمى الفلاسفة بالكفر] (وقال) الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال ما ملخصه.

стр. 128

فصل: [في أصنافهم وشمول سمة الكفر كافتهم] (واعلم) أنهم على كثرة فوقهم واختلاف مذاهبهم ثلاثة اقسام: الدهريون والطبيعيون والإلهيون. (فأما) الدهريون: فهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر للعالم وزعموا أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه وكذلك يكون أبداً وهؤلاء الزنادقة. (وأما) الطبيعيون فهم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعجائب الحيوان والنبات وأكثروا في علم تشريح الأعضاء فرأوا فيها العجائب فاضطروا إلى الاعتراف بقادر حكيم لكنهم جحدوا الأخرة وهؤلاء ايضاً الزنادقة. (وأما) الإلهيون: وهم المتأخرون منهم سقراط وهو استاذ افلاطون وأفلاطون أستاذ إرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق وهذب العلوم وهؤلاء ردوا على الصنفين الأولين ثم رد إرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن قبله من الإلهميين إلا أنه استبقى أيضاً من رذائل كفرهم فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وغيرهما. (ثم قال) : وعلومهم بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه ستى أقسام: رياضية ومنطقية وطبيعية وإلهية وسياسية وخلقية. (أما الرياضية) فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئات العالم وليس يتعلق شئ منها بالأمور الدينية نفياً وإثباتاً. (وأما المنطقيات) فلا يتعلق شئ منها بالدين نفياً وإثباتاً. اهـ.

стр. 129

(قلت) لكن قال صاحب السلم فيه: [رجز] والخلف في جواز الاشتغال ... به على ثلاثة أقوال فابن الصلاح والنواوى حرما ... وقال قوم ينبغي أن يعلما والقولة المشهورة الصحيحة ... جوازه لكامل القريحة ممارس السنة والكتاب ... ليهتدي به إلى الصواب (قال) : وأما علم الطبيعيات فهو بحث عن أجسام العالم: السموات وكواكبها وما تحتها من الأجسام كالماء والهواء والتراب والنار والحيوان والنبات والمعادن وليس من شرط الدين إنكاره. (وأما الإلهيات) ففيها أكثر أغاليطهم وكفرهم. (وأما السياسيات) فمجموع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية السلطانية وقد أخذوها من الكتب المنزلة ونحوهما. (وأما الخلقية) فكلامهم فيما يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وكيفية معالجتها ومجاهدتها وإنما أخذوه من الصوفية وهم المتألهون فمزجوا كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم فتولد من مزجهم آفتان: آفة في حق القابل وآفة في حق الراد - اهـ باختصار وتلخيص. وقال كاتب جلبي في كتابه (كشف الظنون) : العلوم الفلسفية أربعة أنواع: رياضية، ومنطقية وطبيعية وإلهية - (فالرياضية) على أربعة أقسام: (الأول) علم الارتماطيقى وهو معرفة خواص العدد وما يطابقها من معاني الموجودات التي ذكرها فيثاغورس نيقوماخس وتحته علم الوفق، وعلم الحساب الهندي وعلم الحساب القبطي والزنجي وعلم عقد الأصابع (الثاني) علم الجو مطريا وهو علم الهندسة بالبراهين المذكورة في إقليدس ومنها علمية وعملية وتحتها علم المساحة وعلم التكسير وعلم رفع الأثقال وعلم الحيل المائية والهوائية،

стр. 130

والمناظر والحرب. (الثالث) علم الاسطر قومياً وهو علم النجوم بالبراهين المذكورة في المجسطى وتحته علم الهيئة والميقات والزيج والأحكام والتحويل (الرابع) علم المويسقى، وتحته علم افيقاع والعروض. ((الثاني)) العلوم المنطقية وهي خمسة أنواع: (الأول) أنولوطيقيا، وهو معرفة صناعة الشعر. (الثاني) بطوريقا وهو معرفة صناعة الخطب. (الثالث) بوطيقا وهو معرفة صناعة الجدل (الرابع) الولوطيقى وهو معرفة صناعة البرهان (الخامس) سوفسطيقا وهو معرفة المغالطة. ((الثالث)) العلوم الطبيعية وهي سبعة أنواع: (الأول) علم المبادى وهو معرفة خمسة اشياء لا ينفعك عنها جسم وهي: الهيولى والصورة والزمان والمكان والحكمة. (الثاني) علم السماء والعالم وما فيه. (الثالث) علم الكون والفساد. (الرابع) علم حوادث الجو (الخامس) علم المعادن (السادس) علم النبات (السابع) علم الحيوان ويدخل فيه علم الطب وفروعه. ((الرابع)) العلوم الإلهية وهي خمسة انواع: (الأول) علم الواجب وصفته. (الثاني) علم الروحانيات وهي معرفة الجواهر البسيطة العقلية والفعالية التي هي الملائكة. (الثالث) العلوم النفسانية وهي معرفة النفوس المتجسدة والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية من الفك المحيط إلى مركز الأرض (الرابع) علم السياسيات، وهي خمسة أنواع: (الأول) علم سياسة البنوة (الثاني) علم سياسة الملك وتحته الفلاحة والرعايا وهو الأول المحتاج إليه في أول الأمر لتاسيس المدن. و (الثالث) علم قود الجيش ومكايد الحرب والبيطرة والبيزرة وآداب الملوك. (الرابع) علم المدنى معلم سياسة العامة وعلم سياسة الخاصة وهي سياسة المنزل (الخامس) علم سياسة الذات وهو علم الأخلاق. اهـ.

стр. 131

وقال العلامة ابن القيم في (إغاثة اللهان) كما نقله السفارينى: والفلاسفة فرق شتى لا يحصيهم غلا الله تعالى وأحصى منهم اثنتا عشرة فرقة مختلفة اختلافاً كثيراً منهم: أصحاب الرواق وأصحاب الظلة والمشاءون وهم شعية أرسطو. وفلسفتهم هي الدائرة اليوم وهي الني يحكيها ابن سينا والفارابي وابن الخطيب وغيرهم ومنهم الفيثاغوريسية والإفلاطونية ولا تجد منهم اثنين متفقين فملاحدتهم هم أهل التعطيل فغنهم عطلوا الشرائع والمصنوع عن الصانع بل عطلوا العالم والصانع. [رأى لابن تيمية في الفلاسفة] وقال الشيخ ابن تيمية في شرح الأصفهانية وابن القيم: ولأرسطوا أقوال يسخر منها العقلاء منها أن الله تعالى لا يعلم شيئاً من الموجودات لأنه لو علم شيئاً لكمل بمعلوماته كما حكاه عنه أبو البركات البغدادي فيلسفوف الإسلام. وحقيقة ما كان عليه من الكفر بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وقد درج على إثره غير واحد من الملاحدة المتسترين بالإسلام ويعظمونه فوق تعظيم الأنبياء ﵈ ويسمونه المعلم الأول لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية ((والمعلم الثاني من الفلاسفة: أبو نصر الفارابي إلا أنه من فلاسفة الإسلام وهو الذي وضع لهم التعاليم الصوتية ووسع لهم المنطق. والمعلم الثالث: أبو علي بن سينا فإنه بالغ في تهذيب الفلسفة وقربها من شريعة الرسل. قال ابن القيم: وحسبك جهلاً بالله تعالى من يقول: إنه تعالى لو علم الموجودات لحقه الحلال واستكمل بغيره وحسبك خذلاناً إحسان الظن بهم وأنهم ذوو العقول وحسبك من جهلهم ما قالوه في سلسلة الموجودات وصدور العالم عن العقول العشرة والنفوس التسعة إلى أن أنهوا صدور ذلك إلى واحد من كل جهة لا علم له بما صدر عنه ولا قدرة له عليه ولا إرادة وأنه لم يصدر عنه إلا واحد قال الشيخ: وصرح أفلاطون بحدوث العالم وخالفه

стр. 132

تلميذه ارسطو وليس له حجة وانتهى باختصار والله ولي التوفيق. [هل يعلم الولى بلغيب ؟] (قوله كدعوى أحدهم أنه مطلع على اللوح المحفوظ إلخ) قال الوالد عليه الرحمة في باب الإشارة من تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يمسه إلا المطهرون﴾ ما نصه: وإذا كانت هذه الجملة صفة للكتاب المكنون المراد منه اللوح المحفوظ وأريد بالمطهرين الملائكة ﵈ وكان المعنى لا يطلع عليه إلا الملائكة ﵈ كان في ذلك رد على من يزعم أن الأولياء يرون اللوح المحفوظ ويطلعون على ما فيه وحمل المطهرين على ما يعم الملائكة والأولياء الذين طهرت نفوسهم وقدست ذواتهم حتى التحقوا بالملائكة ﵈ لا ينفع في البحث مع أهل الشرع فإن مدار استدلالاتهم على الأحكام الشرعية الظواهر على أنه لم يسمع عن النبي ﷺ وهو أنه ينظر يوماً وهو مع أصحابه إلى اللوح المحفوظ واطلع على شئ مما فيه وقال لهم: إنى رأيت اللوح المحفوظ واطلعت على كذا وكذا فيه وكذلك لم يسمع عن النبي أجلة أصحابه الراشدين أنه وقع لهم ذلك. وقد وقعت بينهم مسائل اختلفوا فيها وطال نزاعهم في تحقيقها إلى أن كاد يغم هلال الحق فيها ولم يراجع أحد منهم لكشفها اللوح المحفوظ. وذكر بعض العلماء أن سدرة المنتهى ينتهي علم من تحتها إليها وأن اللوح فوقها بكثير وبكل من نطقت الآثار وهو يشعر بعدم اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ ومع هذا كله من ادعى وقوع الاطلاع فعليه البيان وأنى به وهذا الذي سمعت مبني ما نطقت به الأخبار في صفة اللوح المحفوظ وأنه جسم كتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. (وأما) إذا قيل فيه غير ذلك انجز البحث إلى وراء ما سمعت واتسعت الدائرة ومن ذلك قولهم: أن الألواح أربعة: لوح القضاء السابق على المحو

стр. 133

والإثبات هو لوح العقل الأول ولوح القدر أي لوح النفس الناطقة الكلية التي يفصل فيها كلمات اللوح الأول وهو المسمى باللوح المحفوظ ولوح النفس الجزيئة السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا العالم شكله وهيئته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال العالم كما أن الأول بمثابة روحه والثاني بمثابة قلبه ولوح الحيوان القابل للصور في عالم الشهادة ويقولون أيضاً ما يقولون، وينشد المنتصر له: [خفيف] وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار هذا ولا تظنن أن نفي رؤيتهم للوح المحفوظ نفي لكراماتهم الكشفية وإلهاماتهم الغيبية معاذ الله تعالى من ذلك وطرق إطلاع الله تعالى من شاء من أوليائه على من يشاء من علمه غير منحصر بإراءته اللوح المحفوظ ثم إن الإمكان مما لا نزاع فيه وليس الكلام إلا في الوقوع وورود ذلك عن النبي ﷺ وأجلة أصحابه كالصديق والفاروق وذي النورين وباب مدينة العلم - والنقطة تحت الباء - ﵃ أجمعين - انتهى. وقال في آخر تفسير سورة ((الرعد)) بعد أن نقل طبق هذا عنهم ما نصه: ((وهو كلام فلسفي)) انتهى. وقال الشيخ محيى الدين في الباب (٣١٦) من كلام في القلم ما بعضه: وعدد هذه الأقلام التي تجري على حكم كتابتها الليل والنهار ثلثمائة قلم وستون قلماً على عدد درج الفلك وكل قلم له علم من الله تعالى خاص ليس لغيره ومن ذلك القلم ينزل العلم إلى درجة معينة من درجات الفلك فإذا نزل في تلك الدرجة ما نزل من الكواكب التي يقطعها بالسير من الثمانية الأفلاك يأخذ من تلك الدرجة من العلم المودع من ذلك القلم بقدر ما تعطيه قوة روحانية ذلك الكوكب فيتحرك بذلك فلكها فيبلغ الأثر إلى العناصر فتقبل من

стр. 134

ذلك الأثر بحسب استعداد ذلك العنصر ثم يسرى ذلك الأثر من العناصر في المولدات فيحدث فيها ما شاء الله بحسب ما قبلته من الزيادة والنقصان في جسم ذلك المولد أو في قواه أو في روحه وفي علمه وجهله ونسيانه وغفلته وحضوره وتذكره ويقظته كل ذلك بتقدير العزيز العليم - انتهى. (وقد) أطال الكلام ولتلزم خوف الملل دواتها الأقلام. وقال في الباب (٣٠٧) من كلام كثير ما نصه: فلنذكر من ذلك حال أهل الله تعالى مع هذا الأمر الإلهي إذا نزل فيهم وذلك أن المحقق من أهل الله تعالى يماين نزوله وتخلله في الجو والأكر إذا فارق السماء الدنيا تارة ثلاث سنين وحينئذ يظهر في الأرض فكل شيء فكل شيء يظهر في الأرض فعند انقضاء ثلاث سنين من نزوله من السماء في كل نفس ومن هنا ينطق أهل الكشف بالغيوب التي تظهر عتهم فإنهم يرونها قبل نزولها ويخبرون بما يكون فيها في السنين المستقبلة وما تعطيهم أرواح الكواكب وحركات الأفلاك النازلة في خدمة الأمر الإلهي فإذا عرف المنجم كيف يأخذ من هذه الحركات ما فيها من الآيات أصاب الحكم وكذلك الكهان والعرافون إذا صدقوا عرفوا ما يكون قبل كونه أي قبل ظهور أثر عينه في الأرض وإلا فمن أين يكون في قوة الإنسان أن يعلم ما يحدث من حركات الأفلاك في مجاريها ولكن التناسب الروحاني الذي بيننا وبين أرواح العالمين بما يجري به في الخلق تنزل بصورتها التي اكتسبته من تلك الحركات والأنوار الكوكبية على أوزانها، فإن لها مقادير ما تخطئ وهمة هذا المنجم التعاليمي وهمة هذا الكائن قد انصبغت روحانيته بما توجهت إليه همته فوقعت المناسبة بينه وبين مطلوبه فأفاضت عليه روحانية المطلوب بما فيها في وقت نظره فحكم بالكوائن الطارئة في المستقبل. (وأما) العارفون فإنهم عرفوا أن لله وجها خاصاً في كل موجود،

стр. 135

فهم لا ينظرون أبداً إلى كل شئ من حيث أسبابه وإنما ينظرون فيه من الوجه الذي لهم من الحق فينظر بعين حق فلا يحظئ ابداً إلى آخر ما قال مما لا يخطو إليه من الخيال. (وأنت تعلم) أن علماء الظاهر لا يقنعهم هذا مع وجود قوله سبحانه: ﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ [الأعراف: ١٨٨] ﴿وأن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان:٣٤] ، وقوله ﵊: ((من أتى كاهناً أو منجماً. .)) الحديث فتدبر ولا تغفل. قال الدالد عليه الرحمة في الإشارة من تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] الآية: ذكر غير واحد حكايات عن الأولياء متضمنة لإطلاع الله تعالى إياهم على ماعدا علم الساعة من الخمس وقد علمت الكلام في ذلك وأغرب ما رأيت ما ذكره الشعراني عن بعضهم: أنه كان يبيع المطر على أرض من يشترى من هـ شيئاً. ومن له عقل مستقيم لا يقبل مثل هذه الحكاية وكم للقصاص أمثالها من رواية! – انتهى. وقال أيضاً في باب الإشارة من سورة ((الصافات)) ما نصه: وتنزل الملائكة على الأولياء مما قال بعه الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وقد يطلقون على بعض الأولياء وأنبياء الأولياء قال الشعراني في ((رسالة الفتح في تأويل ما صدر عن الكمل من الشطح)) : أنبياء الأولياء هم ولى أقامة الحق تعالى في تجل من تجلياته وأقام له مظهر محمد ﷺ ومظهر جبريل ﵇ فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد ﷺ حتى إذا فزع من خطابه وفرغ من قلب هذا الولى عقل صاحب هذا المشهد مجيع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية ويأخذها هذا الولى

стр. 136

كما أخذها المظهر المحمدي فيرد إلى حسه وقد وعي ما خاطب الروح به مظهر محمد ﷺ وعلم صحته علم يقين بل عين يقين فمثل هذا يعمل بما شاء من الأحاديث لا التفات له إلى تصحيح غيره أو تضعيفه فقد يكون ما قال بعض المحدثين بأنه صحيح لم يقله النبي ﵊ وقد يكون ما قالوا فيه: أنه ضعيف سمعه هذا الولى من الروح الأمين يلقيه على حقيقة محمد ﷺ كما سمع بعض الصحابة حديث جبريل في بيان الإسلام والإيمان والإحسان فهؤلاء هم أولياء الأنبياء ولا ينفردون قط بشريعة ولا يكون لهم خطاب بها إلا يتعريف أن هذا هو شرع محمد ﷺ أو يشاهدون المنزل على رسوله ﷺ في حضرة التمثل الخارج عن ذاتهم والدخل المعبر عنه بالمبشرات في حق النائم غير أن الولى يشترك مع النبي في إدراك ما تدركه العامة في النوم حال اليقظة فهؤلاء في هذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل مرتبة. تعبد هارون بشريعة موسى ﵇ مع كونه نبياً وهم الذين يحفظون الشريعة الصحيحة التي لا شك فيها أنفسهم وعلى هذه الأمة فهم أعلم الناس بالشرع غير أن غالب علماء الشريعة لا يسلمون لهم ذلك وهم لا يلزمهم إقامة الدليل على صدقهم لأنهم ليسوا مشرعين فهم حفاظ الحال النبوي والعلم اللدنى والسر الإلهى وغيرهم حفاظ الأحكام الظاهرة وقد بسطنا الكلام على ذلك في الميزان - انتهى. وقال أيضاً فيها: اعلم أن بعض العلماء أنكر نزول الملك على قلب غير النبي ﷺ لعدم ذوقه له والحق أنه ينزل ولكن بشريعة نبيه ﵊ فالخلاف إنما ينبغي أن يكون فيما ينزل به الملك لا في نزول الملك وإذا نزل على غير نبي لا يظهر له حال الكلام أبداً إنما يسمع كلامه ولا يرى شخصه أو يرى شخصه من غير كلام فلا يجمع بين الكلام والرؤية إلا نبي، والسلام - انتهى.

стр. 137

(ترجمة ابن سينا) قوله (كابن سينا) - هو كما في تاريخ ابن الوردى وابن خلكان وغيرهما: أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري والده من بلخ وسكن بخارى أيام الأمير نوح ثم تزوج امرأة بقرية أفشنه وبها ولد أبو علي المذكور الملقب بالرئيس وختم القرآن وهو ابن عشر سنين وقرأ الحكمة على أبي عبد الله الناتلي وحل أقليدس والمجسطى والطب وهو ابن ثماني عشرة سنة ثم انتقل من بخارى إلى جرجانية وغيرها ثم اتصل بخدمة مجد الدولة بن بويه بالرى ثم خدم قابوس بن وشمكير ثم قصد علاء الدولة بن كاكوية بأصبهان وتقدم عنده ثم مرض بالصرع والقولنج وترك الحمية ومضى إلى همذان مريضاً ومات بها سنة أربعمائة وثمانية وثلاثين وعمره ثمان وخمسون سنة وكفره حجة الإسلام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) وكفر الفارابي أيضاً. (قال) في المنقذ من الضلال: إن مجموع ما غلطا فيه من الإلهيات يرجع إلى عشرين أصلاً يجب تكفيرهما في ثلاثة منها وتبديعهما في سبعة عشر. أما السائل الثلاث فقد خالفها فيها كافة الإسلاميين (الأولى) قالوا: إن الأجساد لا تحشر وأن المثاب والمعاقب هي الأرواح (الثانية) قولهم: أن الله يعلم الكليات لا الجزيئات. (الثالثة) قولهم بقدم العالم واعتقاد هذا كفر صريح نعوذ بالله تعالى منه. (قال) ابن خلكان: ثم إن ابن سينا لما أيس من العافية - على ما فيل - ترك المعداواة واغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان وقيل ما في السجن وولادته كانت سنة ثلثمائة وسبعين - والله تعالى أعلم - وله نحو مائة مصنف منها: كتاب

стр. 138

(الشفاء) في الحكمة والإشارات وفي الطب القانون وغيره وله شعر ومنه القصيدة الشهيرة في الروح وهي: هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع وستأتي تتمتها في بحث الروح إن شاء الله تعالى. (قوله: ويزعم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية. الخ) وفي كتاب التهافت للغزالي: أن الفلاسفة زعموا أن نفوس السموات مطلعة على جميع الجزيئات الحادثة في هذا العالم وأن المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات وأنه تنعكس جزيئات العالم بها ثم تعقبه القاضي أبو الوليد بن رشد المالكي بما نصه: قلت: هذا الذي حكاه لم يقله أحد من الفلاسفة في علمى إلا ابن سينا: أعني أن الأجرام السماوية لاتتخيل فضلا عن أن تتخيل خيالات لا نهاية لها. والإسكندر يصرح في مقالته المسماة (مبادى الكل) أن هذه الأجرام ليست متخيلة لأن الخيال إنما كان في الحيوان من أجل السلامة وهذه الأجرام لا تخاف الفساد فالخيالات في حقها باطلة وكذلك الحواس - انتهى. ثم في موضع آخر: وأما ما حكاه في الرؤيا عن الفلاسفة فلا أعلم أحداً قال به من العلماء القدماء إلا ابن سينا، والذي يقوله القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنما هو عن الله تعالى بتوسط موجود روحاني ليس بجسم وهو واهب العقل الإنساني عندهم الذي يسمونه العقل الفعال وفي الشرع يسمى ملكاً - انتهى وهو مطابق لما نقله أبو العباس ابن تيمية، فلا تغفل. (ترجمة الإمام أبي حامد الغزالي) (قوله: وأبو حامد) هو حجة الإسلام علم الأعلام: محمد بن محمد بن محمد ابن أحمد الغزالي الطوسى الفقيه الشافعي الأصولى ولد سنة خمسين وأربعمائة وتوفي سنة خمسة بالطابران ولم يكن للشافعية في آخر عصره

стр. 139

مثله اشتغل في مبدأ أمره بطوس ثم قدم نيسابور واختلف إلى درس إمام الحرمين أبي المعالى الجويني ثم قدم بغداد وفوض إليه التدريس في النظامية ببغداد وأعجب به أهل العراق ثم ترك جميع ما كان عليه في سنة ثمان وثمانين واربعمائة وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بدمشق مدة يذكر الدروس ثم انتقل إلى بيت المقدس واجتهد بالعبادة ثم قصد مصر وأقام بالاسكندرية مدة ثم عاد إلى وطنه بطوس ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية فاجاب ثم ترك ذلك وعاد إلى وطنه واتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره ووزع أوقاته على وظائف الخير وذكر علاء الدين الصيرفي في كتابه (زاد السالكين) : أن القاضي أبا بكر بن العربي قال رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازه وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وقد كنت رأيته ببغداد يحضر دروسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفضلهم ويأخذون عنه بالعلم قال: فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له: يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيراً لك من هذا؟ قال: فنظر إلى شزراً وقال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شمس الوصال في مغارب الوصول: [طويل] تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل ... وعدت إلى تصحيح أول منزل ونادت بي الأشواق مهلا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فانزل غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد ... لغزلي نساجاً فكسرت مغزلى وله التصنيفات الجليلة، منها: الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه وإحياء العلوم: وله في أصل الفقه: المستصفى والمنحول والمنتحل في علم الجدل والتهافت على الفلاسفة ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على أهله وشرح أسماء الله الحسنى المسمى بالمقصد الأسنى ومشكاة

стр. 140

الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القول وغير ذلك وشهرته وشهرتها تغني عن التطويل وقد انتقد عليه غير واحد من العلماء وشنعوا عليه ما حرره في بعض كتبه كما جرت إرادة الله تعالى في الذين خلوا من الفضلاء. فمن ذلك ما وراه كثير من المؤرخين: أن القاضي عياضاً المالكي صاحب كتاب ((الشفاء)) كان شديد التعصب للسنة والتمسك بها حتى أمر بإحراق كتب الغزالي لأمر توهمه منها. وقال في ((كشف الظنون)) : وأول ما دخل إلى المغرب أنكر فيه بعض المغاربة أشياء فصنف (الإملاء في الرد على الإحياء) ثم رأى ذلك المصنف رؤيا ظهرت فيها كرامة الشيخ وصدق نيته فتاب عن ذلك ورجع إلى الاعتقاد في حقه كذا قال المولى أبو الخير وأشار إلى حكاية ابن حرازم التي نقلها ابن السبكي في طبقاته عن الشيخ ياقوت العرشي عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن الشاذلي، وهي أن الشيخ ابن حرازم خرج على أصحابه ومعه كتاب فقال أتعرفون؟ هذا الإحياء. وكان الشيخ المذكور يطعن في الغزالي وينهى عن قراءة الأحياء فكشف لهم الشيخ المذكور عن جسمه فإذا هو مضروب بالسياط وقال: أتاني الغزالي في النوم ودعاني إلى رسول الله ﷺ فلما وقفنا بين يديه قال يا رسول الله، هذا يزعم أني أقول عليك ما لم تقل فأمر بضربي فضربت - هكذا نقلها المناوى في طبقاته. قال أبو الفرج ابن الجوزى: قد جمعت أغلاط الكتاب وسميته (إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء) أشرت إلى بعض ذلك في كتاب (تلبيس إبليس) . وقال سبطه أبو المظفر: وضعه على مذاهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه فأنكروا عليه ما فيه من الأحاديث التي لم تصح - انتهى. قال المولى أبو الخير وأما الأحاديث التي لم تصح لا ينكر على إيرادها لجوازه في الترغيب والترهيب انتهى.

стр. 141

[مما أخذ عن الغزالي] (أقول) : وذلك ليس على إطلاقه بل بشرط أن لا يكون موضوعاً وقد صنف الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة ست وثمانمائة كتابين في تخرج أحاديثه وكذا غيره وللغزالي كتاب في حل مشكلاته سماه (الأجوبة المسكتة، عن الأسئلة المبهتة) وللاحياء مختصرات كثيرة - انتهى باختصاره ومما انتقدوه عليه كما في الأجوبة المرضية لعبد الوهاب الشعراني قوله: ليس في الإمكان أبدع مما كان قالوا: وهذا يفهم منه العجز وهو كفر وجوابه على ما قال الشيخ محيى الدين في فتوحاته: إنه ما تم إلا مرتبتان: مرتبة قدم ومرتبة حدوث فالمرتبة الأولى للحق تعالى وحده والثانية للخلق. فلو خلق فلا يخرج عن رتبة الحدوث فلا يقال: هل يقدر الحق تعالى أن يخلق قديماً يساويه في القدم لأنه سؤال سهل مهمل في غاية المحال - انتهى. وأجاب عبد الكريم الجيلى بأن كل واقع في الوجود قد سبق به العلم القديم فلا يصح أن يرقى عن رتبته في العلم الإلهي ولا ينزل عنها وأجاب الشاذلي في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم بحكم عقلنا بخلاف ما استأثره الله تعالى بعلمه - انتهى. (ومنها) قوله في الأحياء وتقريره لقول ابي سليمان الدرانى: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا. (ومنها) ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد من قوله: هذا من فعل رجال الله تعالى قيل له: فإن مات؟ فقال: الدية على العاقلة. وقد أجاب عنها وعن غيرها الشعراني بما هو مبسوط في تأليفاته لا سيما ((الأجوبة المرضية)) فإن أردته فارجع إليها.

стр. 142

[ليس ابن تيمية أول من انتقد الغزالي] وإذا علمت ما ذكرناه عرفت ابن تيمية شيخ الإسلام ليس بأول منتقد على حجة الإسلام ثم برأه مما نسب إليه وحكى قول من قال إنها مكذوبة عليه وأنه توفي وهو لصحيح البخاري ملازم ونابذ لما صدر منه من تصنيفاته في زمنه المتقادم على أنه قد جرت عادة العلماء المتقدين والمتأخرين باعتراض بعضهم على بعض حتى يتضح الصواب للمنصفين فاقنع بهذا ولا تك من المعترضين وخذه وكن من الشاكرين. (قوله: كإلحاد الشيعة والإسماعيلية والقرامطة) الإلحاد على ما قال الراغب: الميل عن الحق والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول ينافى الإيمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله من ومن هذا النحو قوله تعالى ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج ٢٥] وقوله تعالى ﴿الذين يلحدون في آياتنا﴾ [فصلت ٤٠] وقوله تعالى: ﴿الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف ١٨] والإلحاد في أسمائه على وجهين: أحدهما أن يوصف بما لا يصح وصفه به والثاني أن يتأول أوصافه على ما لا يليق به انتهى. [فرق الشيعة وعقائدهم] وأما الشيعة فهم في الزمن الأول اثنان وعشرون فرقة. وأصول ذلك كله ثلاث فرق: غلاة وإمامية وزيديه، وقد صاروا إلى ذا الآن أكثر من ذلك ولا يعكر هذا على حديث الثلاث وسبعين فرقة كما بين في محله وقد ظهرت في عصرنا - أي في القرن الثالث عشر - فرقة الشيخية المنشعبة من الإمامية وهم أتباع الشيخ أحمد الأحسائي والكشفية وهم أتباع تلميذه كاظم الرشتى الحسينى المتوفى سنة بضع وخمسين بعد المائتين والألف

стр. 143

ومزج مذهب التصوف بالكشف الذي يضحك الأطفال والوحدة التي لا تقبلها عقول كثير من الرجال قال الوالد عليه الرحمة في باب الإشارة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل ٨] ما نصه: وممن زعم الانتظام في سلكهم الكثيفية الملقبون أنفسهم بالكشفية وذكروا من ذلك أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها بل إذا عرض كلامهم في ذلك على الأطفال والمجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخييل وإنا نسأل الله تعالى أن لا يبتلى مسلماً بمثل ما ابتلاهم وقد عزمت حين رأيت بعض كتبهم كشرح القصيدة الكاظمية التي ألفها بعض معاصرينا منها مما اشتمل على ذلك - على أن أصنع عليها كتاباً لكن لاستغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروح إلا على من سلب منه الإدارك حرفنى عن الكتابة - انتهى ملخصاً. (قلت) : ومن جملة عقائدهم الباطلة وأقوالهم العاطلة ما نقله الوالد قدس سره في تفسير قوله تعالى: ﴿كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾ [القمر ٤٢] من قولهم: إن المراد بالآيات كلها على كرم الله تعالى وجهه فإنه الإمام المبين المذكور في قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في أمام مبين﴾ [يس ١٢] وأنه ﵁ ظهر مع موسى ﵇ لفرعون وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الغلوم بمكان فنعوذ بالله تعالى من مثل هذا الهذيان. ثم تشبعت من الكشفية الفرقة الركنية: وهي المنسوبة لتلميذه كريم خان القاجاري وكذا ظهرت في هذا القرن الفرقة القرتية: وهم أتباع قرة العين وهي امرأة ظهرت في بلاد إيران وتبعها جملة من الشيعة وفرت إلى بغداد وأبقيت بأمر ولى الأمر والي بغداد في دارنا وكنت قد رأيتها وأنا دون البلوغ ثم ذهبت إلى طهران فقتلت بأمر الشاه وكذا الفرقة المعروفة

стр. 144

بالبابية: وهم أتباع محمد حسين وأخيه اللذين ادعيا أنهما الباب واشتهر عنهم أنهم يبيحون المحرمات ويسقطون التكاليف الشرعية وأنهم يدعون الوحى ويظهرون الكتب السماوية وقد تستروا بدعوى الصوفية حتى تبعهم خلق كثير من الشيعة وغيرهم حتى من اليهود والنصارى على ما قيل وهجموا على الشاه وأرادوا قتله فسلم ثم أوقع بهم وأفنى منهم طوائف كثيرة ونفى رئيسهم من بغداد والآن يوجد منهم أفراد متعددة في كثير من البلاد وكذا الفرقة المشهورة بالينجرية وهم اتباع سيد أحمد خان الكشميري الدهلوي وهذه الطائفة قد نبغت في مملكة الهند بعد سنة ألف ومائتين وثلاث وسبعين الهجرية وجهدت الأفكار الأدلة القرآنية وما فيها من وجود الملائكة والجن وأحلت المنخنقة من الحيوان حتى ادعى زعيمها في هذه الأيام الرسالة وفاه بها بعض أفراخه في بعض رسائله نعوذ بالله من الكفر والخذلان! ومرادهم بذلك نصرة الفرقة الضالة في تنفيذ إراداتهم وإبطال الإسلام لكسب الجاه والدول لهم فنسأل الله تعالى أن يحفظنا مما يخزينا يوم التناد ويجعلنا من المتبعين يوم التناد ويجعلنا من المتبعين لهدى سيد العباد ﷺ . وأما الإسماعيلية: ففرقة منها أيضاً ويلقبون بالباطنية لقولهم بباطن الكتاب وأصل دعوتهم مبنية على إبطال الشرائع فإن قوماً من المجوس راموا كسر شوكة الإسلام ولم يمكنهم التصريح بذلك فأخذوا في تأويل الشريعة على وجه يعود إلى قواعد أسلافهم ورئيسهم في ذلك حمدان قرمط. ومنهم - بل صاحب إظهار دعوتهم - أبو سعيد الجنابي فظهر على البحرين واجتمع عليه جماعة من الأعراب والقرامطة فقوى امرهم ثم قتل أبو سعيد سنة إحدى وثلثمائة وهم إباحية وربما خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة. وقال الشهاب الخفاجي: القرامطة هم طائفة من الملحدين قال السمعاني في الأنساب: القرمطى - بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم والطاء المهملة:

стр. 145

سبة لطائفة خبيثة وهم من أهل هجر والأحساء وأصلهم رجل من سواد الكوفة يقال له قرامط. وقيل: حمدان بن قرمط وقيل: إنما سموا قرامطة لأن النبي ﵊ رأى عامراً يمشي وهو من أهل المدينة فقال: إنه ليقرمط في مشيه أي يقارب خطاه ومنه الخط القرمط وعلى هذا فهو عربي وقيل: إنه معرب وأن جدهم كان يسمى كرمد فغيروه فالكاف عجمية مأخوذة من الكرمية وهي الحرارة وهو رجل أحمد العينين من سواد الكوفة وكان ظهوره سنة ثمان وسبعين ومائتين وزعم أنه انتقل إليه كلمة المسيح وجعل الصلاة ركعتين بعد الصبح وركعتين بعد المغرب والصوم يومين بالنيروز والمهرجان ويتأول القرآن ويحرفه وكانت له وقائع وحروب ودعاة وخلفاء وكل ذلك مفصل في تاريخ الكامل والوفيات وغيرهما حتى ظهر منهم سليمان بن الحسين الجباني فعاث في البلاد وافسد ودخل مكة يوم التروية سنة سبع عشرة وثلثمائة في خلافة المقتدر فقتل الحجاج ورماهم بزمزم وقلعه باب الكعبة وأخذ كسوتها وأخذ الحجر الأسود فبقي سنين ثم ردوه مكسوراً فنصب في محله وكانت مدة خروجهم ستاً وثمانين سنة. وقيل: هم أربعة أرادوا إفساد دين الإسلام فقسموا الدنيا أربعة أقسام لكل منهم قسم ولم يتم لهم الأمر ولله سبحانه الحمد. وفي تاريخ ابن خلدون: أن الإسماعيلية قالوا بإمامة إسماعيل بالنص من أبيه جعفر الصادق ﵄ وفائدة النص عندهم وإن كان مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه ويسمون أيضاً بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور ويسمون أيضاً الملحدة - انتهى. ومن أراد استقصاء هذه المذاهب فعليه بالمطولات لاسيما بالخطط للريزى رحمه الله تعالى. (ترجمة الفضيل بن عياض) (قوله كالفضيل) فهو كما في (الوفيات) : أبو على الفضيل بن عياض ابن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل الفنديني الزاهد المشهور أخذ
следующие страницы →