Полный текст (653 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
[مما أخذ عن الغزالي]
(أقول) : وذلك ليس على إطلاقه بل بشرط أن لا يكون موضوعاً وقد صنف الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة ست وثمانمائة كتابين في تخرج أحاديثه وكذا غيره وللغزالي كتاب في حل مشكلاته سماه (الأجوبة المسكتة، عن الأسئلة المبهتة) وللاحياء مختصرات كثيرة - انتهى باختصاره ومما انتقدوه عليه كما في الأجوبة المرضية لعبد الوهاب الشعراني قوله: ليس في الإمكان أبدع مما كان قالوا: وهذا يفهم منه العجز وهو كفر وجوابه على ما قال الشيخ محيى الدين في فتوحاته: إنه ما تم إلا مرتبتان: مرتبة قدم ومرتبة حدوث فالمرتبة الأولى للحق تعالى وحده والثانية للخلق. فلو خلق فلا يخرج عن رتبة الحدوث فلا يقال: هل يقدر الحق تعالى أن يخلق قديماً يساويه في القدم لأنه سؤال سهل مهمل في غاية المحال - انتهى.
وأجاب عبد الكريم الجيلى بأن كل واقع في الوجود قد سبق به العلم القديم فلا يصح أن يرقى عن رتبته في العلم الإلهي ولا ينزل عنها وأجاب الشاذلي في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم بحكم عقلنا بخلاف ما استأثره الله تعالى بعلمه - انتهى.
(ومنها) قوله في الأحياء وتقريره لقول ابي سليمان الدرانى: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا.
(ومنها) ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد من قوله: هذا من فعل رجال الله تعالى قيل له: فإن مات؟ فقال: الدية على العاقلة.
وقد أجاب عنها وعن غيرها الشعراني بما هو مبسوط في تأليفاته لا سيما ((الأجوبة المرضية)) فإن أردته فارجع إليها.
стр. 142
[ليس ابن تيمية أول من انتقد الغزالي]
وإذا علمت ما ذكرناه عرفت ابن تيمية شيخ الإسلام ليس بأول منتقد على حجة الإسلام ثم برأه مما نسب إليه وحكى قول من قال إنها مكذوبة عليه وأنه توفي وهو لصحيح البخاري ملازم ونابذ لما صدر منه من تصنيفاته في زمنه المتقادم على أنه قد جرت عادة العلماء المتقدين والمتأخرين باعتراض بعضهم على بعض حتى يتضح الصواب للمنصفين فاقنع بهذا ولا تك من المعترضين وخذه وكن من الشاكرين.
(قوله: كإلحاد الشيعة والإسماعيلية والقرامطة) الإلحاد على ما قال الراغب: الميل عن الحق والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول ينافى الإيمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله من ومن هذا النحو قوله تعالى ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج ٢٥] وقوله تعالى ﴿الذين يلحدون في آياتنا﴾ [فصلت ٤٠] وقوله تعالى: ﴿الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف ١٨] والإلحاد في أسمائه على وجهين: أحدهما أن يوصف بما لا يصح وصفه به والثاني أن يتأول أوصافه على ما لا يليق به انتهى.
[فرق الشيعة وعقائدهم]
وأما الشيعة فهم في الزمن الأول اثنان وعشرون فرقة. وأصول ذلك كله ثلاث فرق: غلاة وإمامية وزيديه، وقد صاروا إلى ذا الآن أكثر من ذلك ولا يعكر هذا على حديث الثلاث وسبعين فرقة كما بين في محله وقد ظهرت في عصرنا - أي في القرن الثالث عشر - فرقة الشيخية المنشعبة من الإمامية وهم أتباع الشيخ أحمد الأحسائي والكشفية وهم أتباع تلميذه كاظم الرشتى الحسينى المتوفى سنة بضع وخمسين بعد المائتين والألف
стр. 143
ومزج مذهب التصوف بالكشف الذي يضحك الأطفال والوحدة التي لا تقبلها عقول كثير من الرجال قال الوالد عليه الرحمة في باب الإشارة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل ٨] ما نصه: وممن زعم الانتظام في سلكهم الكثيفية الملقبون أنفسهم بالكشفية وذكروا من ذلك أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها بل إذا عرض كلامهم في ذلك على الأطفال والمجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخييل وإنا نسأل الله تعالى أن لا يبتلى مسلماً بمثل ما ابتلاهم وقد عزمت حين رأيت بعض كتبهم كشرح القصيدة الكاظمية التي ألفها بعض معاصرينا منها مما اشتمل على ذلك - على أن أصنع عليها كتاباً لكن لاستغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروح إلا على من سلب منه الإدارك حرفنى عن الكتابة - انتهى ملخصاً.
(قلت) : ومن جملة عقائدهم الباطلة وأقوالهم العاطلة ما نقله الوالد قدس سره في تفسير قوله تعالى: ﴿كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾ [القمر ٤٢] من قولهم: إن المراد بالآيات كلها على كرم الله تعالى وجهه فإنه الإمام المبين المذكور في قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في أمام مبين﴾ [يس ١٢] وأنه ﵁ ظهر مع موسى ﵇ لفرعون وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الغلوم بمكان فنعوذ بالله تعالى من مثل هذا الهذيان.
ثم تشبعت من الكشفية الفرقة الركنية: وهي المنسوبة لتلميذه كريم خان القاجاري وكذا ظهرت في هذا القرن الفرقة القرتية: وهم أتباع قرة العين وهي امرأة ظهرت في بلاد إيران وتبعها جملة من الشيعة وفرت إلى بغداد وأبقيت بأمر ولى الأمر والي بغداد في دارنا وكنت قد رأيتها وأنا دون البلوغ ثم ذهبت إلى طهران فقتلت بأمر الشاه وكذا الفرقة المعروفة
стр. 144
بالبابية: وهم أتباع محمد حسين وأخيه اللذين ادعيا أنهما الباب واشتهر عنهم أنهم يبيحون المحرمات ويسقطون التكاليف الشرعية وأنهم يدعون الوحى ويظهرون الكتب السماوية وقد تستروا بدعوى الصوفية حتى تبعهم خلق كثير من الشيعة وغيرهم حتى من اليهود والنصارى على ما قيل وهجموا على الشاه وأرادوا قتله فسلم ثم أوقع بهم وأفنى منهم طوائف كثيرة ونفى رئيسهم من بغداد والآن يوجد منهم أفراد متعددة في كثير من البلاد وكذا الفرقة المشهورة بالينجرية وهم اتباع سيد أحمد خان الكشميري الدهلوي وهذه الطائفة قد نبغت في مملكة الهند بعد سنة ألف ومائتين وثلاث وسبعين الهجرية وجهدت الأفكار الأدلة القرآنية وما فيها من وجود الملائكة والجن وأحلت المنخنقة من الحيوان حتى ادعى زعيمها في هذه الأيام الرسالة وفاه بها بعض أفراخه في بعض رسائله نعوذ بالله من الكفر والخذلان! ومرادهم بذلك نصرة الفرقة الضالة في تنفيذ إراداتهم وإبطال الإسلام لكسب الجاه والدول لهم فنسأل الله تعالى أن يحفظنا مما يخزينا يوم التناد ويجعلنا من المتبعين يوم التناد ويجعلنا من المتبعين لهدى سيد العباد ﷺ .
وأما الإسماعيلية: ففرقة منها أيضاً ويلقبون بالباطنية لقولهم بباطن الكتاب وأصل دعوتهم مبنية على إبطال الشرائع فإن قوماً من المجوس راموا كسر شوكة الإسلام ولم يمكنهم التصريح بذلك فأخذوا في تأويل الشريعة على وجه يعود إلى قواعد أسلافهم ورئيسهم في ذلك حمدان قرمط.
ومنهم - بل صاحب إظهار دعوتهم - أبو سعيد الجنابي فظهر على البحرين واجتمع عليه جماعة من الأعراب والقرامطة فقوى امرهم ثم قتل أبو سعيد سنة إحدى وثلثمائة وهم إباحية وربما خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة.
وقال الشهاب الخفاجي: القرامطة هم طائفة من الملحدين قال السمعاني في الأنساب: القرمطى - بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم والطاء المهملة:
стр. 145
سبة لطائفة خبيثة وهم من أهل هجر والأحساء وأصلهم رجل من سواد الكوفة يقال له قرامط. وقيل: حمدان بن قرمط وقيل: إنما سموا قرامطة لأن النبي ﵊ رأى عامراً يمشي وهو من أهل المدينة فقال: إنه ليقرمط في مشيه أي يقارب خطاه ومنه الخط القرمط وعلى هذا فهو عربي وقيل: إنه معرب وأن جدهم كان يسمى كرمد فغيروه فالكاف عجمية مأخوذة من الكرمية وهي الحرارة وهو رجل أحمد العينين من سواد الكوفة وكان ظهوره سنة ثمان وسبعين ومائتين وزعم أنه انتقل إليه كلمة المسيح وجعل الصلاة ركعتين بعد الصبح وركعتين بعد المغرب والصوم يومين بالنيروز والمهرجان ويتأول القرآن ويحرفه وكانت له وقائع وحروب ودعاة وخلفاء وكل ذلك مفصل في تاريخ الكامل والوفيات وغيرهما حتى ظهر منهم سليمان بن الحسين الجباني فعاث في البلاد وافسد ودخل مكة يوم التروية سنة سبع عشرة وثلثمائة في خلافة المقتدر فقتل الحجاج ورماهم بزمزم وقلعه باب الكعبة وأخذ كسوتها وأخذ الحجر الأسود فبقي سنين ثم ردوه مكسوراً فنصب في محله وكانت مدة خروجهم ستاً وثمانين سنة. وقيل: هم أربعة أرادوا إفساد دين الإسلام فقسموا الدنيا أربعة أقسام لكل منهم قسم ولم يتم لهم الأمر ولله سبحانه الحمد.
وفي تاريخ ابن خلدون: أن الإسماعيلية قالوا بإمامة إسماعيل بالنص من أبيه جعفر الصادق ﵄ وفائدة النص عندهم وإن كان مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه ويسمون أيضاً بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور ويسمون أيضاً الملحدة - انتهى. ومن أراد استقصاء هذه المذاهب فعليه بالمطولات لاسيما بالخطط للريزى رحمه الله تعالى.
(ترجمة الفضيل بن عياض)
(قوله كالفضيل) فهو كما في (الوفيات) : أبو على الفضيل بن عياض ابن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل الفنديني الزاهد المشهور أخذ
стр. 146
رجال الطريقة كان في أول أمره شاطراً يقطع الطريق بين أبي ورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [فقال: يارب، قد آن! فرجع وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل. وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلاً على الطريق يقطع الطريق علينا فتاب الفضيل وأمنهم وكان من كبار السادات ويحكى أن الرشيد قال يوماً: ما أزهدك؟ فقال له الفضيل: أنت أزهد مني قال وكيف ذلك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة والدنيا فانية والآخرة باقية وقال: إذا أحب الله عبداً أكثر غمه وإذا أبغض عبداً أوسع عليه دنياه وقال: ترك العمل لأجل الناس هو الرياء والعمل لأجل الناس هو الشرك وقال: إني لأعصي الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حمارى وخادمى. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام لأنه إذا صلح الإمام أمن العباد وقال: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره وقدم الكوفة وسمع الحديث بها ثم انتقل إلى مكة زاهداً لله تعالى شرفاً. وتوفي بها سنة سبع وثمانين ومائة رحمه الله تعالى ومناقبه كثيرة من أراد تفصيلها فعليه بالكتب المطولة.
(ترجمة القشيرى)
(قوله: وسائر رجال الرسالة) هي رسالة الإمام القشيرى المتحوية على تراجم الصوفية والصالحين.
وهو عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القاسم القشيرى والفقيه الشافعي.
قال في الوفيات: كان العلامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم التصوف جمع بين الشريعة والحقيقة أصله
стр. 147
من ناحية استوا من العرب الذين قدموا خراسان قدم إلى نيسابور ولازم الشيخ أبا علي الحسن بن علي النيسابورى المعروف بالدقاق وحضر درس أبي بكر محمد الطوسى ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر بن فورك فقرأ عليه ثم تردد إلى الأستاذ أبي أسحق الأسفرايينى ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر الباقلاني وسلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف فصنف التفسير الكبير وسماه (التيسير في علم التفسير) وصنف الرسالة في رجال الطريقة وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجوينى والد إمام الحرمين وأحمد بن الحسين البيهقي وجمعة من المشاهير فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز وكان إماماً في مجالس الوعظ والتذكير وقال الباخرزي في (دمية القصر) : لو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب وترجمة الخطيب البغدادي وأثنى عليه توفي بنيسابور سنة خمس وستين وأربعمائة وكان ولده عبد الرحيم إماماً كبيراً أشبه أباه في علومه وقدم بغداد ووعظ في المدرسة النظامية وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للأشاعرة - وانتهى الأمر إلى فتنة قتل فيها جماعة من الفريقين وركب أحد أولاد نظام الملك فسكنها.
(والقشيرى) نسبة إلى قشير بن كعب قبيلة كبيرة - انتهى ملخصاً.
[عقيدة المعتزلة وفرقهم]
(قوله: كالمعتزلة) اعلم أن أول بدعة ظهرت بدعة القدر وهي أن الإنسان خالق لأفعاله وبدعة الإرجاء وهي أن المعصية لا تضر مع الإيمان. وبدعة التشيع والخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة ﵃ موجودون وقد أنكروا على أهلها ثم ظهرت بدعة الاعتزال ولم يزل المسلمون على النهج الأول ولزوم ظاهر السنة وما كان عليه الصحابة إلى أن
стр. 148
حدثت الفتنة بين المسلمين والبغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت المسائل والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشغلوا بالنظر والاستدلال وأخذوا في التبويب والتأصيل فأسس فرقة المعتزلة قواعد الخلاف ونهجت منهج الفرقة والانحراف ونفت الرؤية والصفات وكان أول من اعتزل مجلس الحسن البصري واصل بن عطاء الغزالي رئيس المعتزلة.
قال غير واحد من العلماء: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي وهو أول خلاف حدث في الملة هل هو كافر أو مؤمن؟ فقلت الخوارج: إنه كافر. وقال الجماعة: إنه مؤمن وقالت طائفة: نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين وخلدوه في النار فقال الحسن البصري ﵁: اعتزلوا عنا، فاعتزلوا حلقة الحسن وأصحابه فسموا معتزلة وسموا هم أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد لقولهم بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى ونفى الصفات القديمة عنه وكانا في أيام عبد الملك بن هشام بن عبد الملك.
وقال بعض العلماء: وقف على مجلس الحسن البصري رجل فقال: يا إمام ظهر في هذا الزمان جماعة يكفرون صاحب الكبيرة - يعني بهم الخوارج - وجماعة يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة - يعني المرجئة - فما نعتقده من ذلك؟ فأطرق الحسن مفكراً في الصواب فبدار واصل بن عطاء بالجواب فقال: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً وقام إلى أسطوانة في المسجد يقرر مذهبه: ويثبت المنزلة بين المنزلتين ويقول: الناس ثلاثة: مؤمن، كافر، ولا مؤمن ولا كافر، وهو صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة فقال له الحسن: اعتزل عنا واصل فسموا المعتزلة لذلك.
стр. 149
ورفيق واصل في الاعتزال وقرينه عمرو بن عبيد المتكلم الزاهد وكان من العلم والعمل والزهد والورع والديانة على جانب عظيم حتى إن الحسن البصري لما سئل عنه أجاب السائل: لقد سألت عنه أجاب السائل لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته إن قام أمر قعد به وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له وإن نهى عن كل شيء كان أترك الناس له ما رأيت ظاهراً أشبه بباطن ولا باطناً أشبه بظاهر منه - انتهى.
ويروى أن واصل بن عطاء تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبي ما كان يتكلم بأحسن من هذا وفصاحة واصل مشهورة وكان يلثغ بالراء فكان يجتنبها حتى كأنها ليست من حروف الهجاء.
ثم خلفه الجبائي أبو علي وكان الإمام الأشعري من أصحابه ثم فارقه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ببيان سببه.
[عقيدة الجهمية]
والمعتزلة عشرون فرقة يضلل بعضهم بعضاً وكثير من أقوال جهم بن صفوان توافق أقوالهم الهزلية منهم. وإن كانت المعتزلة كلهم جهمية فقد نقل غير واحد من العلماء أن أول من حفظ عنه أنه قال مقالة التعطيل للصفات في الإسلام الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد القشيرى وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت إليه.
قال السفاريني نقلاً عن شيخ الإسلام: وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعظم وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ وكان الجعد هذا فيما قيل: من أهل حران وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين والنمرود هو ملك الصابئة المشركين - اسم جنس - ككسرى لملك الفرس وقيصر
стр. 150
لملك الروم - وأخذها الجهم أيضاً قيما ذكر الإمام أحمد ﵁ عن السمنية وبعض فلاسفة الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات - انتهى.
وحكى بعضهم أن جهم بن صفوان الترمذي كان يدعو الناس إلى مذهبه الباطل وهو أن الله تعالى عالم لا علم له قادر لا قدرة له وكذا في سائر الصفات وكان جلس يوماً يدعو الناس لمذهبه وحوله أقوام كثيرة فجاء أعرابي ووقف حتى سمع مقالته فأرشده الله تعالى إلى بطلان هذا المذهب فأنشأ يقول: [طويل]
ألا إن جهما كافر بان كفره ... ومن قال يوماً قول جهم فقد كفر
لقد جن جهم إذ يسمى إلهه ... سميعاً بلا سمع بصيراً بلا بصر
عليماً بلا رضياً بلا رضا ... لطيفاً بلا لطف خبيراً بلا خبر
أيرضيك أو لو قال يا جهم قائل ... أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر
مليح بلا ملح بهي بلا بها ... طويل بلا طول يخالفه القصر
حليم بلا حلم وفي بلا وفا ... فبالعقل موصوف وبالجهل مشتهر
جواد لا جود قوي بلا قوى ... كبير بلا كبر صغير بلا صغر
امدحا تراه أم هجاء وسبة ... وهز أكفاك الله يا أحمق البشر
فإنك شيطان بعثت لأمة ... تصيرهم عما قريب إلى سقر
فألهمه الله حقيقة مذهب أهل السنة ورجع كثير من الناس ببركة أبياته وكان عبد الله بن المبارك يقول: إن الله تعالى بعث الأعرابي رحمة لأولئك - انتهى.
ومما يحكى أيضاً أن القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على الصاحب ابن عباد وكان معتزلياً أيضاً وكان عنده الأستاذ أبو إسحق الأسفراينى من أئمة أهل السنة الأشعرية فقال عبد الجبار على الفور: سبحان من تنزه
стр. 151
عن الفحشاء! فقال أبو إسحق فوراً: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء فقال له عبد الجبار - وفهم أنه قد عرف مراده -: أيريد أن يعصى؟ فقال أبو إسحق: أيعصى ربنا قهراً؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعنى الهدى وقضى على بالردى أحسن إلى أم أساء. فقال له أبو إسحق: إن كان منعك ما هو لك فقد أساء وإن كان منعك ما هو فيختص برحمته من يشاء فانصرف الحاضرون وهم يقولون: والله ليس عن هذا جواب. انتهى.
[مناظرة شعرية بين أهل السنة والمعتزلة حول رؤية الله]
ونقل الإمام جلال الدين السيوطى في حاشيته على تفسير الفاضى البيضاوي والكوراني في شرح القشاشية عن الزمخشرى أنه قال في بحث رؤية الله تعالى يوم القيامة ما نصه: ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً! ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم: [كامل]
لجماعة سموا هواهم سنة ... لجماعة حمر لعمرى موكفه
قد شبهوا بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفة
قال ابن المنير: انتقل إلى الهجاء وقد أذن رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت ﵁ في المنافخة وهجاء المشركين فناسب وقلت: [كامل]
وجماعة كفروا برؤية ربهم ... هذا ووعد الله ما لن يخلقه
وتلقبوا عدلية قلنا أجل ... عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين كلا إنهم ... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
стр. 152
وقال أبو حيان: وقد نظم القاضي أبو بكر بن خليل فقال: [كامل]
شبهت جهلاً صدر أمة أحمدٍ ... وذوى البصائر بالحمير الموكفه
وزعمت أن قد شبهوا معبودهم ... وتخوفوا فتستروا بالبلكفه
ورميتهم عن نبعة سويتها ... رمى الوليد غدا يمزق مصحفه
وجب الخسار عليك فانظر منصفاً ... في آية الأعراف فهى المنصفه
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى ... وأنى شيوخك ما أتوا عن معرفة
من ليس يدرك كيف يحجب نفسه ... نهنه نهى أسماجك المتكلفة
وبآية الأنعام ويك خذلتهم ... فوقعتم دون المراقى المزلفه
خلق الحجاب فمن وراء حجابه ... سمع الكليم كلامه إذ شرفه
خلق الحجاب لنفسه سبحانه ... فتشوفته الأنفس المتشوفه
لو كان كالمعدوم عندك ما يرى ... ذهب التمدح في هذا هذاء السفسفه
لو صح في الإسلام عقدك لم تقل ... بالمذهب المهجور من نفى الصفه
شتت يا مغرور أو عطلت إذ ... ضاهيت في الإلحاد أهل الفلسفة
إن الوجوه إليه ناظرة بذا ... جاء الكتاب فقلتم هذا السفه
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى ... فهوى الهوى بك في المهاوى المتلفة
فالنفي مختص بدار بعدها ... لك لا أبالك موعد لن تخلفه
وقال الشيخ سعد الدين: لقد عورض ما أنشده وأنشأه من الهذيان:
لجماعة كفروا برؤية ربهم ... ولقائه فهم حمير موكفه
فكما هم علموا بلا كيف فنحن نرى فلم ينفعهم بالبلكفة
هم عطلوه عن الصفات وعطلوا ... عند الفعال فيالها من متلفه
هم نازعوه الخلق حتى أشركوا ... بالله زمرة حاكة وأساكفه
هم غلقوا أبواب رحمته التي ... هي لا تزال على العصاة موكفه
стр. 153
ولهم قواعد في العقائد رذلة ... ومذاهب مهجورة مستنكفه
يبكي كتاب الله من تأويلهم ... بدموعه المنلهة المستوكفه
وكذا أحاديث النبي دموعها ... منهم على الخدين غير مكفكفه
فالله أمطر من سحاب عذابه ... وعقابه أبداً عليهم أوكفه
وقال الإمام فخر الدين الجاربردى - وهو ممن اجتمع بالقاضي البيضاوي وأخذ عنه:
عجباً لقوم ظالمين تستروا ... بالعدل ما فيهم لعمرى معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه ... تعطيل ذات الله مع نفى الصفة
وعزا الشيخ الفقيه عبد الحق الدهلوى ﵀ هذه الأبيات في كتابه (أخبار الأخيار) إلى الشيخ العارف العلامة أحمد الشرعي الترك المتوفى سنة ثمان وعشرين وتسعمائة والله أعلم وقال آخر:
والله يعلم والعلوم كثيرة ... أي الفريقين اهتدى بالمعرفة
ولسوف يعلم كل عبد ما جنى ... يوم الحساب إذا وقفنا موقفه
فاذكر بخير أمة لم تعتقد ... إلا الثناء عليه ذاناً أو صفه
ودع المراء ولا تطلع فيه الهوى ... فالحق في أيدي الرجال المنصفه
وقال تاج الدين السبكي:
لجماعة جاروا وقالوا إنهم ... للعدل أهل ما لهم من معرفة
لم يعرفوا الرحمن بل جهلوا ومن ... ذا أعرضوا للجهل عن لمح الصفة. اهـ
وأنت تعلم أن ما قاله جار الله افتراء على الأشياخ فقد أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ في قوله : ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٣] .
قال: ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة كما نقله السيوطى في (الدر المنثور) وستأتي تتمة هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 154
وإن اردت كمال الاستقضاء لفرقهم وعقائدهم فعليك بالكتب الكلامية.
[علم الكلام بين مادحيه وقادحيه]
(قوله: قوم على طريقة بعض أهل الكلام من الكلامية) علم الكلام وهو معرفة العقائد عن أدلتها وسمي بذلك لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا أو لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه وأكثرها نزاعاً وجدلا حتى أنه قتل كثير من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن. أو لأنه يورث قدرة الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة لأنهم يسمون العلم العاصم عن الخطأ في الفكر منطقاً لظهور القوة النطقية فكذلك المتكلمون يسمون العلم الباحث عن الواجب تعالى وصفاته وعن الممكن بأقسامه كلاماً لظهور قوة التكلم به. وقيل غير ذلك كما بسطه السعد في شرح (النسفية) . وهذا العلم هو أصل الواجبات وأساس المشروعات غير أنه قد ورد في ذمة من الأئمة عدة عبارات وما ذاك إلا لحشوه بفلسفة المتفلسفين والمقالات المستوجبة لفساد عقائد كثير من ضعفاء المسلمين.
(وقال) العلامة السفارينى في شرحه لعقيدته المنظومة: قد ذم السلف الصالح الخوض في علم الكلام والتوفيق فيما زعموا أن قضايا برهانية وحجج قطيعة يقينية وقد شحنوا ذلك بالقضايا المنطقية والمدارك الفلسفية والتخيلات الكشفية والمباحث القرمطية وكان أئمة الدين مثل مالك وسفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق والفضيل بن عياض وأبي يوسف وبشر الحافي يبالغون في ذم الكلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه التأويلات التي ذكرها ابن فورك ويذكرها الرازي في (تأسيس التقديس) ويوجد منها في كلام غالب المتكلمة
стр. 155
من الجبائي وعبد الجبار وأبي الحسن البصري وغيرهم هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسى القائل بخلق القرآن في أيام الرشيد وأراد قتله فاختفى ورد عليه الإمام الدارمى عثمان بن سعيد أحد مشاهير أئمة السلف من علماء السلف في زمن البخاري وقال أبو الفتح نصر المقدسي في كتابه ((الحجة على تارك المحجة)) بإسناده عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الإمام الشافعي يقول: ما رأيت أحداً ارتدى بالكلام فأفلح ولما كلمه حفص الفرد من أهل الكلام قال: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله تعالى عنه خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام وقال: حكمى في أصحاب الكلام أن يصفعوا وينادي بهم في العشائر والقبائل: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام.
وقال الإمام أحمد: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم وإياكم والخوض والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام وقال: لا أحب لأحد أن يجالسهم ويخالطهم أو يأنس بهم فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى البدعة فإن الكلام لا يدعوهم إلى خير فلا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال وعليكم بالسنة والفقه الذي تنتفون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام وقال: من أحب الكلام لم يفلح وعاقبة الكلام لا تئول إلى خير والمنقول عن العلماء من السلف الصالح من ذم علم الكلام وأهله كثير مذكور في الكتب المطولة.
وقال العلامة السفارينى: فإن قلت إذا كان علم الكلام بالمثابة التي ذكرت والمكانة التي عنها برهنت فكيف ساغ للأئمة الخوض فيه والتنقيب عما يحتويه؟ قلت: العلم الذي نهينا عنه الذي ألف فيه، إذ المنهى عنه هو المشحون بالفلسفة والتأويل وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة والأخبار النبوية عن حقائقها الباهرة دون علم السلف
стр. 156
ومذهب الأثر وما جاء في الذكر الحكيم وصحيح الخبر فهو لعمري ترياق القلوب الملسوعة بأراقم الشبهات وشفاء الصدور المصدوعة بتزاحم المحدثات فهو فرض عين على كل نبيه لدحض كل مبتدع سفيه. اهـ ملخصاً.
(وقال) العلامة شيخ مشايخنا خالد النقشبندى الشافعي قدس سره في رسالته المؤلفة في الكسب ما نصه: ولأجل هذا أيضاً ترى كتب الأشعرى في العقائد مشحونة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة والخوض في كثير من التأويلات والتدقيقات ثم اعتذر في كتابه ((الإبانة في أصول الديانة)) الذي هو آخر مؤلفاته وعليه التعويل في مذهب الأشعري كما صرح به غير واحد وقال فيها: لولا الاضطرار بسبب منازعه المبتدعة لما تكلمت بشيء من ذلك وصرح بأن مذهبه في المتشابهات التفويض مثل مذهب السلف لكن المبتدعة ألجئوا إلى التأويل وترى كتب الماتريدى نفسه أكثر ما فيها المسائل من غير دلائل ومتأخروا أصحابه رجعوا في التدوين إلى سياق الأشعرى لشيوع الابتداع والرفض والجبر والاعتزال وشدة الاحتياج إلى التحرير والتدقيق والاستدلال وكل هذا ظاهر عند من له باع في هذا الفن. وبه يندفع في حق كلا الإمامين أفاويل من ظن فيهما بعض الظن، والعبد المسكين لكون مذهبه مذهب السلف وطريقة الصديقية عين طريقة الأصحاب وأجلة التابعين - عز عليه الخوض فيما نهوا عنه - لكن لما رأيت المسألة مع كونها من أمهات المسائل الدينية وأساس كثير من العقائد اليقينية وقع فيها الخلط وعدم الضبط شرعت فيها اقتداء بالإمام الأشعرى ومتأخري أصحاب المذهبين. اهـ ما هو المراد منه.
(وقال) السفارينى: وروى الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب العرش بسنده إلى أبي الحسن القيرواني قال: سمعت الأستاذ أبا المعالي الجوينى
стр. 157
يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به وقال الفقيه أبو عبد الله الدسمى قال: حكى لنا الإمام أبو الفتح محمد بن علي الفقيه قال: دخلنا على الإمام أبي المعالى الجوينى نعوده في مرض موته فأقعد فقال لنا: أشهدوا أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها السلف الصالح وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور - يعني أنهن مؤمنات بالله على فطرة الإسلام لم يدرين ما علم الكلام قال الحافظ الذهبي: وقد كان شيخنا الفتح القشيرى رحمه الله تعالى يقول: [طويل]
تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستسبقتهم في المفاوز
وخضت بحاراً ليس بدرك قعرها ... وسيرت نفسي في قسيم المفاوز
ولججت في الأفكار ثم تراجع اختياري إلى استحسان دين العجائز اهـ
[رأى ابن تيمية في المتكلمين]
وقال الشيخ ابن تيمية في الحموية وغيرها من تصنيفاته ما ملخصه: وقد تدبرت كتب الاختلاف التي فيها المقالات مثل كتاب الأشعري المؤلف أولاً والشهرستاني والوراق أو مع انتصار لبعض الأقوال كسائر ما صنف أهل الكلام فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف المذموم وأما ما كان عليه السلف فلا يوجد فيها والحاذق منهم الذي غرضه الحق يصرح بالحيرة في آخر عمره إذا لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض وكثير منهم ترك الجميع ورجع إلى دين العامة كما قال أبو المعالي: لقد خضت البحر الخضم وخليت الإسلام ودخلت في الذي نهوني عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجوبني وهأنذا أموت على عقيدة أمي وكذلك الشهرستاني مع أنه أخبر من هؤلاء بالمقالات وصنف كتابه المعروف وقال فيه: [طويل]
стр. 158
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائراً ... على ذقن أو قارعاً سن نادم
فأخبر أنه لم يجد إلا شاكاً مريباً أو من اعتقد ثم ندم لما تبين منه خطؤه الأول وكذلك الأموى الغالب عليه الحيرة وأما الرازي فهو في الكتاب الواحد بل في الموضع الواحد منه ينصر قولاً وفي موضع آخر منه أو من كتاب آخر ينصر نقيضه ولهذا استقر أمره على الحيرة وذكر أبياته: [طويل]
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعى العالمين ضلال
وأرواحنا وحشة في جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقوله: (فما رأيتها تشفى عليلاً ولا تروى غليلاً) وهو صادق فيما أخبر به أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفية سوى أنه جمع قيل وقالوا وأنه لم يجد فيها ما تشفى عليلاً ولا يروى غليلاً فإنه من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة لمذهب السلف الذي عليه المعقول والمنقول بل يذكر في المسألة عدة أقوال وقول السلف الذي هو الحق لا يعرفه ولا يذكره وكذا غيره من أهل الكلام مختلفون في آرائهم وكثير منهم من يجعل ما يوافق رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه وما يخالف رأيه هو المتشابه الذي يجب تأويله وتقويضه وإذا ذكرت النصوص التي يحتج بها عليه يتأولها تأويلاً لو فعله غيره لأقام القيامة عليه ويتأول الآيات بما يعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ لم يرده وبما لا يدل عليه اللفظ أصلاً وكثير ممن سمع ذم الكلام مجملاً وذم الطائفة الفلانية مجملاً ولا يعرف التفاصيل من الفقهاء وأهل الحديث ومن كان متوسطاً في الكلام لم يصل إلى الغايات التي منها تفرقوا تجده يذم القول وتأويله بعبارة ويقبله بعبارة ويقرأ
стр. 159
كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها المقالات التي يذمها فيقبلها من أشخاص أخر ذكروها بعبارة أخرى أو في ضمن تفسير آية أو حديث غير ذلك وهذا مما يوجد منه كثير والسالم من سلمه الله تعالى حتى إن هؤلاء يعظم أئمة ويذم أقوالاً وقد يلعن قائلها أو يكفره وقد قالها تلك الأئمة الذين يعظمهم ولو علم أنهم قالوه لما لعن القائل وكثير من الأقاويل التي لا يرتضيها إذا سمعها ولم يعرف قائلها ربما تكون من الأحاديث النبوية ولو ذكرت ما أعرفه من ذلك لذكرت خلقاً من أهل البدع الكبار كمعتزلى ونحوه ومن المنتسبين إلى السنة من كرامى وأشعرى ونحوهم وكذلك من صنف على طريقتهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم وهذا كله رأيته في كتبهم في مسائل الصفات والقرآن ومسائل القدر ومسائل أحكام الإيمان والإسلام ومسائل الوعد والوعيد وغير ذلك اهـ وأنت تعلم أن أمثال هذه العبارات لا يستلزم التفكير لمن قيلت في حقه بل مراد الشيخ التقريع على حشو كتبهم من التأويلات الكلامية المستوجبة لطعن علماء السلف فيها ولا يخفى على
من تتبع كتب من ذكرهم حال عباراتهم التي حرروها وتجنب السلف عنها وصانوا ألسنتهم عن وضرها وإن كان مقصد مصنفيها الرد على قائلها ونيتهم خالصة في قمح شبه أهل الأهواء ودفع فاسد الآراء لكن بقي أن الشيخ ابن تيمية عليه الرحمة قد شدد النكير على من خالف طرائق السلف في التقرير والتحرير وأغلظ الكلام في حق من زلت منه الميدان الأقدام وكل ذلك باجتهاد واجب حماية السنة وإمتثالاً لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه﴾ وإن وخزته ممن عاصره أو غيره الأسنة وتجرع غصص المحنة وكل من المعترض والمعترض عليه لم ينل مرتبة العصمة وهذه عادة الله تعالى الجارية في هذه الأمة ونسأل الله تعالى
стр. 160
أن يرزقنا العلوم الدينية ويجعلنا من المتمسكين بالسنة السنية والطريقة المرضية. آمين.
[التعريف برسائل إخوان الصفا]
(قوله: رسائل إخوان الصفا) هي على ما في (كشف الظنون وشرح عقيدة السفارينى) إحدى وخمسون رسالة وهي أصل مذهب القرامطة وربما نسبوها إلى جعفر الصادق ﵁ ترويجاً وقد صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه أملاها أبو سليمان محمد بن نصر البستى المعروف بالمقدسى وأبو الحسن على بن هارون الزنجانى وأبو أحمد النهر جورى والعرفى زيد بن رفاعة كلهم حكماء اجتمعوا وصنفوا هذه الرسائل على طريق الفلسفة الخارجة عن مسلك الشريعة المطهرة وفي فتاوى الشيخ ابن حجر المذكورة ما نصه:نسبها كثير إلى جعفر الصادق وهو باطل وإنما الصواب أن مؤلفها مسلمة بن قاسم الأندلسي كان جامعاً لعلوم الحكمة من الإلهيات والطبيعيات والهندسة والتنجيم وعلوم الكيمياء وغيرها وإليه انتهى علم الحكمة بالأندلس وعنه أخذ حكماؤها وتوفي سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة وممن ذكره ابن بشكوال وكتابه فيه أشياء حكمية وفلسفية وشرعية وممن شدد النكير عليه ابن تيمية لكنه يفرط في كلامه فلا يعتبر بجميع ما يقوله. اهـ فتدبره وأنصف وأقول: إني قد طالعت كثيراً من الرسائل المذكورة فرأيتها كما أشار الشيخ ابن تيمية وأنها مشوبة بالتصوف المشوب بفلسفة المتفلسفين والأبحاث التي تمجها أسماع المتشيعين فإن أردت كمال الوقوف عليها فارجع إليها ولنعم ما قيل: [طويل]
رسائل إخوان الصفاء كثيرة ... ولكن إخوان الصفا قليل
стр. 161
[ترجمة أبي حيان التوحيدى]
(قوله: أبي حيان التوحيدى) : هو على بن محمد التوحيدى البغدادى له من التصانيف: كتاب الإمتاع والمؤانسة وكتاب البصائر والذخائر والصديق والصداقة والمقايسات وكتاب مثالب الوزيرين وهو الكتاب الذي ضمنه معايب ابن العميد والصاحب بن عباد وتحامل عليها وعدد نقائصهما وسلب ما اشتهر عنهما من الفضائل والأفضال وتوفي سنة ثلثمائة وثمانين والتوحيدى نسبة للتوحيد صنف من التمر وكان أبوه ببغداد وعلى ذلك حمل بعض شراح ديوان المتنبي قوله: [خفيف]
يترشفن في فمي رشفات ... هن عندي أحلى من التوحيد
[ابن سينا يرى أن علم الغيب بالنسبة للبشر جار على السنن الطبيعي]
(قوله: وابن سينا تكلم في آخر الإشارات.الخ) - لا يخفى عليك أن ما نقله الشيخ ابن تيمية عن المتفلسفين من الحكماء الإسلاميين مستفيض في كتبهم الحكمية كما حكاه الإمام الغزالي فيما تقدم ولا يسعنا نقل جميعه الآن لتبدد الفكر وضيق الزمان غير أن ابن سينا ذكر أحوال العارفين في آخر الإشارات وروج على القاصرين زيف هاتيك العبارات فمن ذلك قوله إشارة: إذا بلغك أن عارفاً حدث عن غيب فأصاب متقدماً ببشرى أو نذير فصدق ولا يتعسرن عليك الإيمان به فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة إشارة التجربة والقياس مطابقان على أن النفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلاً ما في حالة المنام فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل في حالة اليقظة إلا ما كان إلى زواله سبيل ولارتفاعه إمكان وأما التجربة فالتسامح والتعارف يشهدان به وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك
стр. 162
في نفسه. اللهم إلا أن يكون أحدهم فاسد المزاج نائم قوى التخيل والذكر وأما القياس فاستبصر فيه من تنبيهات:
تنبيه
قد علمت فيما سلف أن الجزيئات منقوشة في العالم العقلي نقشاً على وجه كلي ثم تنبهت لأن الأجرام السماوية لها نقوش ذوات إدراكات جزيئة وإرادات جزيئة تصدر عن رأى جزئي ولا مانع لها من تصور اللوازم الجزيئة من الكائنات عنها في العالم العنصري ثم إن كان ما يلوحه ضرب من النظر مستوراً إلا على الراسخين في الحكمة المتعالية أن لها بعد العقول المفارقة التي هي لها كالمبادئ نفوساً ناطقة غير منطبعة في مورادها بل لها معها علاقة ما كما لنفوسنا مع أبداننا وأنها تنال بتلك العلاقة كمالا ماحقاً صار للأجسام السماوية زيادة معنى في ذلك لتظاهر رأى جزئي وآخر كلي ويجتمع له مما نبهناك عليه أن للجزيئات في العالم العقلي نقشاً على هيئة كلية وفي العالم النفساني نقشاً على هيئة جزيئة شاعرة بالوقت والنقشان معاً اهـ. وهو كلام فلسفي لا يؤمن به خلفي فضلا عن سلفي إذ لا يخلو عند العارفين من علل فباطنه سم وظاهره عسل فتدبر وتأمل. وأنت تعلم أن الحكماء أثبتوا العقول العشرة وأنها أزلية أبدية وادعوا أن لها إدراكاً وتوسطاً بين البارئ سبحانه وبين العالم الجسماني فالعقل الذي يصدر عنه الفلك الأعظم مبدأ للعقل الثاني وللفلك الأعظم ثم يصدر عن كل عقل وفلك وذلك إلى العقل التاسع فيصدر عنه فلك القمر. وعقل عاشر وهو عندهم المبدأ الفياض والمدبر لما تحت فلك القمر وهو العقل الفعال ويسمى بلسان الشرع جبريل وأدلتهم وأجوبتها في محلها فإن أردتها فارجع إليها.
стр. 163
[بحث في الرؤيا]
بقي أن الرؤيا كما في (روح المعاني) : مصدر رأى الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرثياً أم لا على ما هو المشهور والرؤية: مصدر رأى البصرية الدالة على إدراك مخصوص وفرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين ونظير ذلك: القرب للتقرب المعنوي بعبادة وتحوها والقربى للتقرب النسبي وحقيقتها عند أهل السنة كما قال النووي: أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات علماً على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال.
ثم إن ما يكون علماً على ما يسر بخلقه بغير حضرة الشيطان وما يكون علماً على ما يضر يخلقه بحضرته ويسمى الأول رؤيا وتضاف إليه تعالى إضافة تشريف والثاني حلماً وتضاف إلى الشيطان وعلى ذلك قوله ﵊: ((الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان))
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها من الله تعالى فليحمد الله تعالى وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنها الشيطان فليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره)) .
وصح عن جابر عنه ﷺ : ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)) وقيل هي أحاديث الملك الموكل بالأرواح إن كانت صادقة ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة ونسب هذا إلى المحدثين.
وقال غير واحد من المتفلسفة: هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المخيلة إلى الحس المشترك والصادق منها إنما يكون باتصال النفس بالملكوت لما
стр. 164
بينهما من التناسب. وذكر بعض أكابر الصوفية ما يقرب من هذا.
ثم اعلم أن المشهور أن الرؤيا الصادقة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة ووجه ذلك عند جمع: أنه ﷺ بقي ستة أشهر يرى الوحي مناماً ثم جاءه الملك يقظة وستة أشهر بالنسبة إلى ثلاث وعشرين سنة جزء من ست وأربعين وروى جزء من خمسة وأربعين جزءاً وروى أنها جزء من أربعين وروى أنه جزء من سبعين فلعله إشارة إلى كثرة أجزاء النبوة. اهـ ملخصاً.
ثم اعلم أن الناس اختلافاً في النفس وكذا في الروح فلنذكر ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى تتميما إن شاء الله تعالى للفائدة في أبحاث مختصرة:
البحث الأول
[الروح]
اختلف الناس في الروح والنفس وهل هما شيء واحد أم شيئان؟ فحكى ابن يزيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد فقد صح في الأخبار إطلاق كل منها على الآخر.
قال الوالد في (روح المعاني) : وما أخرجه البراز بسند صحيح عن أبي هريرة رفعه: ((أن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين يود لو خرجت نفسه والله تعالى يحب لقاءه وأن المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين ستخبرونه عن معارفه من أهل الدنيا. .)) الحديث - ظاهر في ذلك وقال ابن حبيب:هما شيئان فالروح هو النفس المتردد في الإنسان والنفس أمر غير ذلك لها يدان ورجلان ورأس وعينان وهي التي تلتذ وتتألم وتفرح وتحزن وأنها هي التي تتوفى في المنام وتخرج وتسرح وترى الرؤيا والجسد دونها بالروح فقط لا يلتذ ولا يفرح حتى تعود واحتج بقوله تعالى
стр. 165
﴿الله يتوفى الأنفس﴾ الآية.
وحكى ابن منده عن بعضهم: أن النفس طينية نارية والروح نوريه روحانية وعن آخر: أن النفس ناسوتية والروح لا هوتية وذكر أن أهل الأثر على المغايرة وأن أقوام النفس بالروح والنفس صورة العبد والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدي لابن آدم من نفسه لا تريد إلا الدنيا.
وقال الوالد عليه الرحمة: روى عن ابن عباس ﵄ أن في ابن آدم نفساً وروحاً بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم وهو قول بالفرق بين النفس والروح.
ونسبة بعضهم إلى الأكثرين ويعبر عن النفس بالنفس الناطقة وبالروح الأمرية وبالروح الإلهية وعن الروح بالروح الحيوانية وكذا بالنفس الحيوانية والثانية كالعرش للأولى.
قال بعض الحكماء المتأهلين: إن القلب الصنوبري فيه بخار لطيف هو عرش للروح الحيوانية وحافظ لها وآلة يتوقف عليها آثارها والروح الحيوانية عرش ومرآة للروح الإلهية التي هي النفس الناطقة وواسطة بينها وبين البدن بها يصل حكم تدبير النفس إليه - إلى أن قال الوالد -: وأخرج ابن أبي حاتم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((العجب من رؤيا الرجل إنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الريا فلا تكون رؤياه شيئاً؟)) فقال علي كرم الله وجهه: ((أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ [الزمر ٤٢] فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي عنده سبحانه في السماء
стр. 166
فهي الرؤيا الصادقة وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها فهي الكاذبة لأنها أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها فعجب عمر من قوله ﵄. اهـ باختصار.
وملخص تفسير هذه الآية كما قال: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها تعلق فيها عنها ﴿حين موتها﴾ أي في وقت موتها ﴿والتي لم تمت﴾ أي يتوفى الأنفس التي لم تمت وقوله تعالى: ﴿في منامها﴾ متعلق بتوفي أي يتوفاها في وقت نومها - على أن مناماً اسم زمان وجوز كونه ميمياً بأن يقطع سبحانه تعلقها بالأبدان تعلق التصرف عنها أيضاً.
فتوفى الأنفس حين الموت وتوفيها في وقت النوم بمعنى قبضها عن الأبدان وقطع تعلقها بها تعلق التصرف إلا أن توفيها حين الموت قطع لتعلقها بها تعلق التصرف ظاهراً وباطناً وتوفيها في وقت النوم قطع لذلك ظاهراً فقط ﴿فيمسك﴾ الأنفس ﴿التي قضى﴾ في الأزل ﴿عليها الموت﴾ ولا يردها إلى أبدانها ﴿ويرسل الأخرى وهي النائمة إلى أبدنها ﴿إلى أجل مسمى﴾ هو الوقت المضروب للموت حقيقة. اهـ وبقي في الآية كلام من أحب الاطلاع عليه فليرجع إلى ذلك التفسير ففيه ما يحير الإفهام ويعذ كالزلال النمير.
البحث الثاني
[في الإنسان]
ذهب جمهور المتكلمين إلى أنه عبارة عن هذه البنية المحسوسة والهيكل المجسم المحسوس وهو الذي يشير إليه الإنسان بقوله ((أنا)) وأبطله الإمام بحجج للبحث فيها مجال.
стр. 167
وقيل: إن الإنسان هو الروح الذي في القلب وقيل إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ وقيل: إنه أجزاء نارية مختلطة بالأرواح القلبية والدماغية وهي المسماة بالحرارة الغريزية وقيل هو الدم الحال في البدن وقيل إلى نحو ألف قول.
والمعول عليه عند المحققين قولان:
الأول: أن الإنسان عبارة عن جسم نوراني علوى حي متحرك مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس سار فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم لا يقبل التحلل والتبدل والتفرق والتمزق مفيد للجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحاً لقبول الفيض لعدم حدوث ما يمنع من السريان كالأخلاط الغليظة ومتى حدث ذلك حصل الموت لانقطاع السريان والروح عبارة عن ذلك الجسم - واستحسن هذا الإمام فخر الدين.
وقال المحقق ابن القيم في كتابه (الروح) : إنه الصواب وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة وذكر له مائة دليل وخمسة أدلة فليراجع فإنه كتاب مفيد جداً يهب للروح روحاً ويورث للصدر شرحاً.
الثاني: أنه ليس بجسم ولا جسماني وهو الروح وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه لكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف.
قال الوالد: وهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة وذهب إليه جماعة عظيمة من المسلمين منهم الشيخ أبو القاسم الأصفهاني وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي ومن المعتزلة معمر بن عباد السلمي ومن الشيعة الشيخ
стр. 168
المفيد ومن الكرامية جماعة ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم.
ومن أراد الإحاطة بالأدلة والتفصيل فليرجع إلى كتب الإمام الرازي كالمباحث الإشرافية وكتب أبي علي وشهاب الدين المقتول وإلى كتاب الروح والنفس لابن القيم وروح المعاني وغيرها.
البحث الثالث
[الروح حادثة أم هي قديمة ؟]
اختلف الناس أيضاً في حدوث الروح وقدمه أجمع المسلمون على أنه حادث حدوثاً زمانياً كسائر أجزاء العالم إلا أنهم اختلفوا في أنه هل هو حادث قبل البدن أم بعده؟ فذهب طائفة إلى الحدوث قبل منهم محمد بن نصر المروزى وأبو محمد بن نصر المروزى وأبو محمد بن حزم الظاهري صاحب الملل والنحل وحكاه إجماعاً وليس كذلك واستدل لذلك بما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منا اختلف)) .
قال ابن الجوزى في تبصرته: قال أبو سليمان الخطابي: معنى هذا الحديث الإخبار عن كون الأرواح مخلوقة قبل الأجساد وبقوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك كم بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى﴾ [الأعراف ١٧٢] الآية، وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة﴾ [الأعراف ١١] الآية وذهب آخرون منهم حجة الإسلام الغزالي إلى الحدوث بعد.
ومن أدلة ذلك كما قال ابن القيم الحديث الصحيح: ((إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً دماً ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون
стр. 169
مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح)) .
ووجه الاستدلال أن الروح لو كان مخلوقاً قبل لقيل ثم يرسل إليه الملك بالروح فيدخله فيه ويجاب عنه بما لا يخفى عليك.
وذهب أفلاطون ومن تقدمه من الفلاسفة إلى قدم الروح وردهم مفصل في الكتب الكلامية من أحب الاطلاع فليرجع إليها.
البحث الرابع
[مستقر الأرواح في البرزخ]
اختلف الناس في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة. فقال كثيرون: إن أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين.
وقالت طائفة: على أفنية قبورها.
وقال الإمام مالك بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت
وروى عبد الله ابن الإمام عن أبيه أن أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة.
وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين: أن أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح الكفار ببر هوت بئر بحضرموت.
وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة وقال طائفة: أرواح المؤمنين في بئر زمزم وأرواح الكفار ببئر بر هوت.
وقال طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار عن شماله وقال ابن حزم وطائفة: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
стр. 170
وقال ابن عبد البر:أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية القبور.
وقال فرقة: مستقرها العدم المحض وهذا قول مخالف للنصوص القرآنية والنبوية وإجماع الصحابة والتابعين.
وقالت فرقة:مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح كالسبع والكلب والحشرات وهذا قول التناسخية منكرى المعاد وهو خارج عن أقوال أهل الإسلام.
وإن أردت تفصيل أدلة هذه الأقوال فعليك بكتاب الروح لابن القيم عليه الرحمة - قال: ولا يضيق عطنك عن كون الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها وتدنو حتى ترد ﵇.
وللروح شأن آخر غير شأن البدن وهذا جبريل صلوات الله تعالى عليه رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب وكان يدنو من النبي ﷺ حتى يضع ركبته ويديه على فخذيه وما أظنك يتسع بطانك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث هو مستقره وقد دنا من النبي ﷺ هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له وأهلت لمعرفته.
ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو يضيق أن يتسع للإيمان بالتنزيل الالهي إلى سماء الدنيا كل ليلة وهو فوق سمواته على عرشه ولا يكون فوقه شئ ألبته. بل هو العالي على كل شيء وعلوه من لوازم ذاته وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره.
стр. 171
وكذلك مجيئه إلى الأرض قبل يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى بها أحد كما قال النبي ﷺ : ((فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد - هذا وهو فوق سمواته على عرشه)) اهـ.
البحث الخامس
[هل تموت الروح ؟]
اختلف الناس أيضاً في الروح: هل تموت أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أنها تموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت وإذا كانت الملائكة يموتون فالأرواح البشرية أولى.
وقالت طائفة: إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد قال في روح المعاني: والصواب أن يقال: موت الروح هو مفارقتها الجسد فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتضمحل فهي لا تموت بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى ثم تعود إلى الجسد وتبفى معه في نعيم أو عذاب أبد الآبدين. اهـ.
[قصيدة ابن سينا في الروح ومعارضه الدهلوى لها]
وللروح معان أخر ليس هذا موضع ذكرها من أرادها فليرجع إلى كتب التفسير والله سبحانه ولى التوفيق ومن المنظومات في أمر الروح ما قاله أبو على بن سينا وهو قوله: [كامل]
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ررقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما أنست فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع
стр. 172
ومنازلاً بفراقها لم تقنع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... عن ميم مركزها بذات الأجرع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... بين المعالم والطلول الخضع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بمدامع تهمى ولم تتقطع
تبكي وقد ذكرت عهوداً بالحمى ... درست بتكرارا الرياح الأربع
وتظل ساجعة على الدمن التي ... نقص عن الأوج الفسيح المربع
إذ عاقها الشرك الكثيف فصدها ... ودنا الرحيل إلى القضاء الأوسع
حتى إذا قرب المسير عن الحمى ... ما ليس يدرك بالعيون الهجع
سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق ... عال إلى قعر الحضيض الأوضع
فلأي شيء أهبطت من شامخ ... طويت على الفذاللبيب الأروع
إن كان أهبطها الإله لحكمة ... لتكون سامعة لما لم تسمع
فهبوطها إن كان ضربة لازب ... في العالمين فخرقها لم يرقع
وتعود عالمة بكل خفية ... حتى لقد غربت المطلع
وهي التي قطع الزمان طريقها ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع
فكأنما برق تألق بالحمى ... عنه فنار العلم ذات تشعشع
فانعم برد جواب ما أنا فاحص
وقد زد عليه العارف العلامة الشيخ رفيع الدين بن مسند الوقت أحمد ولى الله الدهلوي رحمهما الله تعالى في قصيدة بديعة وهي هذه: [كامل] :
عجباً لشيخ فيلسوف ألمعى ... خفيت لعينيه منارة مشرع
هلا تقطن أن بعث النفس في الأ ... بدان ينشأ من مواطن شفع
منها مواطن عاممات الحكم أو ... مختصة مترتبات الموقع
ولكلها حكم وغايات بها ... تستوجب التخصيص في المتفرغ
стр. 173
وجميعها للنفس غايات على ... أن التفاوت ثابت لم أمنع
لتغالب الأشداد في تلك الأنـ ... ـابيب قارب بفوز الينبع
فأعمم غايات الوجود بروزنا ... في روضة الإمكان يدخل يرتعى
وشمول أطوار الوقوع مراده ... إلا الذي قال النظام له دع
والغيض لا يرضى تخلف ما به ... حفت دواعى كونه بالمجمع
كطوافح الأفلاك في حركاتها ... ورواشح الأنواع في المستنقع
ومدبرات في معارج نزهة ... عن صولة التأثير ذات تضلع
ونفوس إنسان وجن أفعمت ... من همة تطفى شديدة مقرع
ولها سياق ينتشى الجزئى عن الـ ... أصل الجليل المستمر الأوسع
وكفى كمالاً للفروع بأنه ... يوفى به حق لأصل أبرع
ووراءه في الخلق دور يعتنى ... تعميرها عند الإله الأرفع
أو ما ترى لو لم يكن في دارنا ... هذا أناس كان مثل البلقع
وانظر لكثرة اختلاف هوائهم ... فبه أقام السوق للمتطلع
أو ليس أسبغ ثم أطول مدة ... للعيش من دنياك دار المرجع
فانظر لو سعتها وكثرة ما بها ... من طيب لذات وهول مفظع
ولئن سما العرفان فيك تراهما ... ملكين قدرهما على الموضع
هل يرتجى جود الحكيم ليحرما ... متطلبين عن الغذاء المشبع
فمصائب ذابت بها لحياتها ... طبخ لها للمضغ أو لتجرع
وضروب أعمال عليها أغربت ... كتوابل مزجت لجودة منجع
ووفاتها من قوة جذابة ... بهما وترجع لاجترار المبلع
وشدائد لحقت بها بعد البلى ... كالهضم يعوض في بطون الجوع
أو ليس فيما يغتذى ما يستحيـ ... ـل بأعين أو ظفرة للأصبع
فكما هناك ذخائر للأنبياء ... والصالحين وجمع أهل تطوع
стр. 174
ومنائح تعطى بإيمان فأفعال ... وأحوال كصدق تخشع
فكذا لنفس الساذجين ونيلها ... من بسط استعدادها المتوقع
وسواهما طبع العناصر يقتضى ... أن يرتقى عن كل وضع أوضع
فإذا اكتست من اعتدال خلعة ... جذبت لها نفساً لأجل تمتع
والنفس تسقط نحوها بتعشق ... لتناسب المعنى العديم المدفع
فتناسب المعنى يهيج مليها ... بالجسم لا سمع لما لم تسمع
كالطير يهوى إن رأى في فخه ... حباً ولا يدري مكيد الأخدع
ولقانص فيه منافع جمة ... كالأكل أو حلب لمال البيع
فإذا رأت يأساً عن المطلوب كـ ... ـرت وهي ترغب في جوار المبدع
ولها طريف العيش أو مألوفه ... أو حسرة من فعلها المتصنع
وتقدم النفس المطيعة والعنيـ ... ـدة كالمعد كمال نفس تبع
وكذا نفوس الضائعين فربما ... تفضى بقوة لا حق وتمنع
أو ليس جر نوابت الأغصان للتـ ... ـثمير من عادات قوم زرع
والحر في يوم يضعف في غد ... تسخين ضوء الشمس عند تقشع
ولربك المتعال منك تقاول ... ويحب إعذاراً لعذر المدعى
وجميع أنفسنا هنالك لم تزل ... من حفظها عهد المحبة تدعى
فأثارها دون الحجاب ليبتلى ... ذا الصدق من ذي الافتنان المبدع
وأتاح فيهم أنفساً مخطوفة ... لزيادة التفتين أو لتشفع
ولهم بهم ربط متين النسج لا ... ينفعك طول الدهر بالموت النعى
فتقر أعينهم ويكثر جمعهم ... بهم وحزنهم على المتضيع
وله خطاب بالتلطف نحوهم ... في البسط أطنب من كتاب مشبع
ولئن تقل بنزولها لتعدد الـ ... أعراض لست عن الصواب بمهطع
فلها هناك تكاسف ومواقف ... ومعاملات شرحها لم يصدع
стр. 175
وحديث إبليس وآدم عبرة ... لك إن تكن من ذي العيون الهجع
والفكر يرشدك المعارف جملة ... إن كنت تنظر فيه نظرة أصمع
وله تعالى من صفات كماله ... ما يقتضي آثارها بتنوع
أو ليس عطلها وكف المشتهى ... عنها بشر ذي فساد أشيع
فهو الشكور البرذو البطش الشديـ ... ـد مبادر بالفضل لا عن مطمع
وهو الخبير بظاهر الأشياء والمـ ... ـبطون فيها دون لب الأروع
فيعامل الأقوام باستعدادهم ... وغداً فيبدى السر للمتبع
فعسى تراهم كالرقوم على بسا ... ط ذات ألوان غرائب صوع
أوضاعها بتناسب وجهاتها ... بتقابل في ضابط كمرصع
أو مثل عد في بيوت الوفق كسـ ... ـر ثم سير فاستوى بتوزع
فلو انقلبت بواحد بطل النظا ... م ولا يرى من لم يحط بمرقع
ولئن دريت حياتها ومماتها ... وإلام نقلتها بسير مسرع
لعرفت أن النفس قبل حلولها ... بالجسم مثل البذر لما يزرع
والبذر مختلف القوام سلامة ... وسواءها من كل أوصاف تعى
وثمارها متفاوت وصنوفها ... متكاثر من جنسها المتنوع
وجميع قوتها بها مكنونة ... وخدودها عن خالها تتنصع
ما شأنها إلا شعور مجمل ... بذواتها والمبدأ المترفع
وبها أحاط بها وشاكل لونها ... وجميعها بتوحد مستجمع
إياك أن ترمى إليها شنعة ... بنفورها عن أن تحل بمربع
فهناك كانت للقضاء مطيعة ... كملائك لم تدر غير تخضع أفضى بها الأفراح حين ترعرع
وتجاذب بين القوى ذاك الذي ... ر غصونها في موطن متوسع
وطباعها لا يقتضي إلا انتشا ... وجمالها يقوى كمثل البرقع
стр. 176
ومحل هاتيك القوى هي نسمة ... وحدوثها من إختلاط الأربع
وركوبها متن النسيمة بدؤها ... وبها الرحيل إلى فضاء المرتع
فيها استعدت للمعاد مخلداً ... ـتيفاء ما عن وصله لم تمنع
وبهالها السلطان في العقبى على اسـ ... ل وغيرها عن حده لم يرفع
وهي المطية للترقى في الكما ... ولو أنه كالبارق المتلمع
فهبوطها في الجسم سنخ كمالها ... من عيشة تغمى وضر موجع
وانظر لما تبلى به في عمرها ... بالقصد والأخرى كدفع المضجع
تجد الأمور لشعبتين فشعبة ... فالقلب لا يهدا بغير تطلع
فإذا أتاها سائح لضرورة ... بقبوله أو لفظه لتبشع
بل لا يزال يقوم فيها حاكما ... أو عزمة أو هاجس لم يوقع
وله مراتب مثل فعل نافذ ... نبه يصير كمثل ثوب مجزع
وله رضا وتلذذ في حكمه ... أشخاص منثل الندب لم يتقلع
ونقوشها هي لا تزال تلازم الـ ... ونتائج عن غرسها في المزرع
وجميع ما تلقى تماثيل لها ... من خلقها وطباعها المتطبع
وجميع هاتيك القضايا أصلها ... متبجحاً عجباً ولو ذا المبخع
وعسى ترى الإنسان في آرائه ... يأساً بليغاً مقنطاً عن مفزع
فاعرف بأن الأشقياء إذا رأوا ... سارت نفوسهم بكل تشجع
فلهم إذن شأن عجيب نحوه ... أنوار فطرتها بغير تلفع
أما نفوس الساذجين فتشتهى ... وسلامة عن جذب أيدى النزع
وبلوغها المأوى بغير تعمل ... وفكاك أسر مثل ما للأخلع
ومقام إدلال على رب الورى ... هو للنفوس بأسرها كالمنبع
والإرتقاء بعجلة نحو الذي ... ومن أين انعقدت لكنت بمقنع
والله إن يكشف عليك صميمها ... كل الطبائع من وفور تشعشع
стр. 177
أو ما سمعت عناية البارى اقتضت ... قامت به أزلاً بغير تكعكع
فهناك فاضت كلها معقولة ... وكذا اقتران لوازم لم تنزع
لا يدخل التعليل في تحديدها ... بل كاندراج الضوء في المتشعشع
وقيامها ما كان شبه عوارض ... وتوحدت فيه لفرط تمصع
فله مراتب في الفضاء تباينت ... ـماء على أعلى المراتب سطع
والعارفون يرونها أظلال أسـ ... حتى اتقلت كالنجوم الطلع
فتعاورت أيدى العقول نظامها ... فحكى المرائى كل سر مودع
تلقى على لوح النفوس شعاعها ... أحكامها فبدا الشخوص بأجمع
فتشعبت آثارها وتركبت ... ترتاده أبداً بغير المقطع
وتميزت أعينانها بجميع ما ... أرأيتها انتقشت بما لم يطبع
ولها الهيولى مثل شمعة خاتم ... فيها وكان له الطباع كمولع
وهل الكمال سوى تحصل ما انطوى ... لا ريب ليس يفوت عند تمزع
فكمال أنواع بدت وصنوفها ... ل كمثل أعمى ليس يسمع أقطع
إن لم يكن فرد على ذاك الكما ... قطعاً وإن يطرب له أو يجزع
وكماله الشخصي ليس بفائت ... أخرى فليست قوة الشعرا معى
وإذا انتهيت إلى هنا فالصمت إلى ... في صنع رب قاهر متمنع
وهل اللسان يفى بنشر دقائق ... لأصول مشائية لم أتبع
لا تنكرن على حيث وجدتنى ... ومرادنا الحق الذي فينا رعى
فالحق أعظم أن يحاط بمسلك ... بعقال فن واحد كالأضلع
والشيخ قيد نفسه ودهاءه ... والحمد للهادى الرفيع الأنفع
ثم الصلاة على النبي وآله
تضمنت هذه القصيدة الجواب عن السؤال المذكور بسبعة أوجه: الوجه الأول: بالنظر إلى فيض القضاء. والسابع: بالنظر إلى فيض القدر. والرابع: بالنظر إلى صفات التشريع والكلام، والخامس: بالنظر إلى صفات التدبير
стр. 178
وحسن الانتظام، والثالث: بالنظر إلى النشأة الدنيا، والثاني: بالنظر إلى اقتضاء النشأة العقبى، والسادس: بالنظر إلى طبائع النفوس أنفسها.
وبعض هذه الوجوه السبعة يشتمل على عدة وجوه جزئية في ضمنها فهذا تفصيل لقوله ((مواطن شفع)) والله سبحانه أعلم وأحكم. اهـ.
(قوله: الغزالي ذكر شيئاً من ذلك في بعض كتبه إلى آخره) أما هذان الكتابان فلم أظفر بهما إلا أنه ذكر في بحث طويل لعجائب القلب من إحياء العلوم ما نصه: فإذن للقلب بابن مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة وباب مفتوح إلى الحواس المتمسكة بعالم الملك والشهادة وعالم الشهادة والملك أيضاً يحاكى عالم الملكوت نوعاً من المحاكاة فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعة اللوح المحفوظ فتعلمه علماً يقيناً بالتأمل من عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواس؛ وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفر بذكر الله تعالى.
فعلوم الأولياء والأنبياء تتأتى من داخل القلب من الباب المنفتح إلى عالم الملكوت وعلوم العلماء والحكماء تتأتى من أبواب الحواس المفتوحة إلى عالم الملك وعجائب علم القلب وتردده بين عالمي الشهادة والغيب لا يمكن أن يستقضى في علم المعاملة. اهـ. فتبر ولا تغفل.
(ترجمة الإمام أبي بكر بن العربي)
(قوله: أبي بكر بن العربي) قال ابن خلكان: هو محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافرى الأندلسى الأشبيلى الحافظ المشهور وقال ابن بشكوال: هو الحافظ ختام علماء الأندلس لقيته
стр. 179
بمدينة أشبيلية فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشى وتفقه عنده ودخل بغداد وسمع بها من جماعة ثم دخل الحجاز فحج.
ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشى وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء ثم صدر عنهم ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين فاستفاد منهم ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاثة وتسعين وأربعمائة وقدم إلى أشبيلية بعلم كثير.
وكان من أهل التفنن في العلوم متكلماً في أنواعها وكانت ولادته سنة ثمان وستين وأربعمائة ووفاته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن بفاس انتهى.
[الدس في بعض الكتب]
(قوله: ومنهم من يقول إنها مكذوبة عليه) أقول: كما وقع في كتب بعض الأجلة من دس الحسدة في بعض كتبهم كلمات شنيعة وعبارات فظيعة بل قد ألف بعض أصحاب المذاهب المبتدعة كتبا لترويج مذهبهم وعنونوها باسم علماء السنة كاحكاه في التحفة الإثني عشرية.
وقال الشعراني في الأجوبة المرضية: وقد فعلوا ذلك في كتابي المسمى (بالبحر المورود في المواثيق والعهود) فإن بعض الحسدة كتب له منه نسخة ودس فيها أموراً تخالف الشريعة. وطاف بها في الجامع الأزهر وغيره وثارت الفتنة حتى أرسلت لهم نسختي السالمة من الدس التي كان مشايخ الإسلام قد أجازوها ومدحوها ففتشوها فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسة الحسدة يغفر الله تعالى لهم.
وقد بلغني أن الإمام مصطفى القرماني الحنفي شرح مقدمة أبي الليث السمر قندي شرحاً عظيماً ودخل به مصر ليطلع عليه علماء مذهبه فدس
стр. 180
فيه بعض الحسدة في باب (آداب الخلاء) : ولا يستقبل الشمس ولا القمر لأن إبراهيم الخليل كان يعبدهما فأفتوا بقتله فخرج في الليل من مصر هارباً ولم يرجع إليها. انتهى
(قلت) : ومن ذلك ما دسه بعض الحسدة المخالفين على الشيخ ابن تيمية أنه كفر حبر الأمة ابن عباس في كتابه (الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم) كما نقله في (كشف الظنون عن الحصنى في كتابه الذي ألفه في الرد عليه.
فانظر بعين الإنصاف كيف يتصور من شيخ الإسلام الذي قام في انتصار السنة أتم قيام وبلغت مصنفاته نحو الأربعمائة كتاب واشتهرت سيرته وتحققت عدالته ومحبته وتعظيمه لكافة الأصحاب وذب عن الصحابة أقوال المفترين وجعلهم كلهم أئمة وأخذ في كثير من اختياراته بأقوال ذلك الإمام دون غيره من الصحابة الكرام - أم يكفر ابن عباس! فما هذا الافتراء إلا من شيطان خناس أعاذنا الله تعالى من أمثاله ولا رمانا بمثل مفتريات أقواله ولقد أحسن القائل: [بسيط]
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شراً أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
(ترجمة الإمام المازرى)
(قوله: المازرى) - هو محمد بن علي التميمى الفقيه المالكي المحدث أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه وشرح صحيح مسلم وله في كتب متعددة وكذا في غير توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالمهدية والمازرى: نسبة إلى مازار - بالزاي - وهي بلدة بجزيرة صقلية قاله في الوفيات.
следующие страницы →