Полный текст (653 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ومحل هاتيك القوى هي نسمة ... وحدوثها من إختلاط الأربع
وركوبها متن النسيمة بدؤها ... وبها الرحيل إلى فضاء المرتع
فيها استعدت للمعاد مخلداً ... ـتيفاء ما عن وصله لم تمنع
وبهالها السلطان في العقبى على اسـ ... ل وغيرها عن حده لم يرفع
وهي المطية للترقى في الكما ... ولو أنه كالبارق المتلمع
فهبوطها في الجسم سنخ كمالها ... من عيشة تغمى وضر موجع
وانظر لما تبلى به في عمرها ... بالقصد والأخرى كدفع المضجع
تجد الأمور لشعبتين فشعبة ... فالقلب لا يهدا بغير تطلع
فإذا أتاها سائح لضرورة ... بقبوله أو لفظه لتبشع
بل لا يزال يقوم فيها حاكما ... أو عزمة أو هاجس لم يوقع
وله مراتب مثل فعل نافذ ... نبه يصير كمثل ثوب مجزع
وله رضا وتلذذ في حكمه ... أشخاص منثل الندب لم يتقلع
ونقوشها هي لا تزال تلازم الـ ... ونتائج عن غرسها في المزرع
وجميع ما تلقى تماثيل لها ... من خلقها وطباعها المتطبع
وجميع هاتيك القضايا أصلها ... متبجحاً عجباً ولو ذا المبخع
وعسى ترى الإنسان في آرائه ... يأساً بليغاً مقنطاً عن مفزع
فاعرف بأن الأشقياء إذا رأوا ... سارت نفوسهم بكل تشجع
فلهم إذن شأن عجيب نحوه ... أنوار فطرتها بغير تلفع
أما نفوس الساذجين فتشتهى ... وسلامة عن جذب أيدى النزع
وبلوغها المأوى بغير تعمل ... وفكاك أسر مثل ما للأخلع
ومقام إدلال على رب الورى ... هو للنفوس بأسرها كالمنبع
والإرتقاء بعجلة نحو الذي ... ومن أين انعقدت لكنت بمقنع
والله إن يكشف عليك صميمها ... كل الطبائع من وفور تشعشع
стр. 177
أو ما سمعت عناية البارى اقتضت ... قامت به أزلاً بغير تكعكع
فهناك فاضت كلها معقولة ... وكذا اقتران لوازم لم تنزع
لا يدخل التعليل في تحديدها ... بل كاندراج الضوء في المتشعشع
وقيامها ما كان شبه عوارض ... وتوحدت فيه لفرط تمصع
فله مراتب في الفضاء تباينت ... ـماء على أعلى المراتب سطع
والعارفون يرونها أظلال أسـ ... حتى اتقلت كالنجوم الطلع
فتعاورت أيدى العقول نظامها ... فحكى المرائى كل سر مودع
تلقى على لوح النفوس شعاعها ... أحكامها فبدا الشخوص بأجمع
فتشعبت آثارها وتركبت ... ترتاده أبداً بغير المقطع
وتميزت أعينانها بجميع ما ... أرأيتها انتقشت بما لم يطبع
ولها الهيولى مثل شمعة خاتم ... فيها وكان له الطباع كمولع
وهل الكمال سوى تحصل ما انطوى ... لا ريب ليس يفوت عند تمزع
فكمال أنواع بدت وصنوفها ... ل كمثل أعمى ليس يسمع أقطع
إن لم يكن فرد على ذاك الكما ... قطعاً وإن يطرب له أو يجزع
وكماله الشخصي ليس بفائت ... أخرى فليست قوة الشعرا معى
وإذا انتهيت إلى هنا فالصمت إلى ... في صنع رب قاهر متمنع
وهل اللسان يفى بنشر دقائق ... لأصول مشائية لم أتبع
لا تنكرن على حيث وجدتنى ... ومرادنا الحق الذي فينا رعى
فالحق أعظم أن يحاط بمسلك ... بعقال فن واحد كالأضلع
والشيخ قيد نفسه ودهاءه ... والحمد للهادى الرفيع الأنفع
ثم الصلاة على النبي وآله
تضمنت هذه القصيدة الجواب عن السؤال المذكور بسبعة أوجه: الوجه الأول: بالنظر إلى فيض القضاء. والسابع: بالنظر إلى فيض القدر. والرابع: بالنظر إلى صفات التشريع والكلام، والخامس: بالنظر إلى صفات التدبير
стр. 178
وحسن الانتظام، والثالث: بالنظر إلى النشأة الدنيا، والثاني: بالنظر إلى اقتضاء النشأة العقبى، والسادس: بالنظر إلى طبائع النفوس أنفسها.
وبعض هذه الوجوه السبعة يشتمل على عدة وجوه جزئية في ضمنها فهذا تفصيل لقوله ((مواطن شفع)) والله سبحانه أعلم وأحكم. اهـ.
(قوله: الغزالي ذكر شيئاً من ذلك في بعض كتبه إلى آخره) أما هذان الكتابان فلم أظفر بهما إلا أنه ذكر في بحث طويل لعجائب القلب من إحياء العلوم ما نصه: فإذن للقلب بابن مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة وباب مفتوح إلى الحواس المتمسكة بعالم الملك والشهادة وعالم الشهادة والملك أيضاً يحاكى عالم الملكوت نوعاً من المحاكاة فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعة اللوح المحفوظ فتعلمه علماً يقيناً بالتأمل من عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواس؛ وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفر بذكر الله تعالى.
فعلوم الأولياء والأنبياء تتأتى من داخل القلب من الباب المنفتح إلى عالم الملكوت وعلوم العلماء والحكماء تتأتى من أبواب الحواس المفتوحة إلى عالم الملك وعجائب علم القلب وتردده بين عالمي الشهادة والغيب لا يمكن أن يستقضى في علم المعاملة. اهـ. فتبر ولا تغفل.
(ترجمة الإمام أبي بكر بن العربي)
(قوله: أبي بكر بن العربي) قال ابن خلكان: هو محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافرى الأندلسى الأشبيلى الحافظ المشهور وقال ابن بشكوال: هو الحافظ ختام علماء الأندلس لقيته
стр. 179
بمدينة أشبيلية فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشى وتفقه عنده ودخل بغداد وسمع بها من جماعة ثم دخل الحجاز فحج.
ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشى وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء ثم صدر عنهم ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين فاستفاد منهم ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاثة وتسعين وأربعمائة وقدم إلى أشبيلية بعلم كثير.
وكان من أهل التفنن في العلوم متكلماً في أنواعها وكانت ولادته سنة ثمان وستين وأربعمائة ووفاته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن بفاس انتهى.
[الدس في بعض الكتب]
(قوله: ومنهم من يقول إنها مكذوبة عليه) أقول: كما وقع في كتب بعض الأجلة من دس الحسدة في بعض كتبهم كلمات شنيعة وعبارات فظيعة بل قد ألف بعض أصحاب المذاهب المبتدعة كتبا لترويج مذهبهم وعنونوها باسم علماء السنة كاحكاه في التحفة الإثني عشرية.
وقال الشعراني في الأجوبة المرضية: وقد فعلوا ذلك في كتابي المسمى (بالبحر المورود في المواثيق والعهود) فإن بعض الحسدة كتب له منه نسخة ودس فيها أموراً تخالف الشريعة. وطاف بها في الجامع الأزهر وغيره وثارت الفتنة حتى أرسلت لهم نسختي السالمة من الدس التي كان مشايخ الإسلام قد أجازوها ومدحوها ففتشوها فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسة الحسدة يغفر الله تعالى لهم.
وقد بلغني أن الإمام مصطفى القرماني الحنفي شرح مقدمة أبي الليث السمر قندي شرحاً عظيماً ودخل به مصر ليطلع عليه علماء مذهبه فدس
стр. 180
فيه بعض الحسدة في باب (آداب الخلاء) : ولا يستقبل الشمس ولا القمر لأن إبراهيم الخليل كان يعبدهما فأفتوا بقتله فخرج في الليل من مصر هارباً ولم يرجع إليها. انتهى
(قلت) : ومن ذلك ما دسه بعض الحسدة المخالفين على الشيخ ابن تيمية أنه كفر حبر الأمة ابن عباس في كتابه (الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم) كما نقله في (كشف الظنون عن الحصنى في كتابه الذي ألفه في الرد عليه.
فانظر بعين الإنصاف كيف يتصور من شيخ الإسلام الذي قام في انتصار السنة أتم قيام وبلغت مصنفاته نحو الأربعمائة كتاب واشتهرت سيرته وتحققت عدالته ومحبته وتعظيمه لكافة الأصحاب وذب عن الصحابة أقوال المفترين وجعلهم كلهم أئمة وأخذ في كثير من اختياراته بأقوال ذلك الإمام دون غيره من الصحابة الكرام - أم يكفر ابن عباس! فما هذا الافتراء إلا من شيطان خناس أعاذنا الله تعالى من أمثاله ولا رمانا بمثل مفتريات أقواله ولقد أحسن القائل: [بسيط]
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شراً أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
(ترجمة الإمام المازرى)
(قوله: المازرى) - هو محمد بن علي التميمى الفقيه المالكي المحدث أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه وشرح صحيح مسلم وله في كتب متعددة وكذا في غير توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالمهدية والمازرى: نسبة إلى مازار - بالزاي - وهي بلدة بجزيرة صقلية قاله في الوفيات.
стр. 181
(ترجمة الإمام الطرطوشي)
(قوله الطرطوشي) - هو محمد بن الوليد بن محمد القرشي الأندلسي الطرطوشي (بضم الطاءين المهملتين) نسبة إلى طرطوشة بالشين المعجمة وهي مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس على ساحل البحر المعروف بابن أبي زندقة - بالراء وسكون النون وفتح الدال والقاف - وهي لفظة أفرنجية قيل: إن معناها رد تعال وهو الفقيه المالكي الزاهد صحب أبا الوليد الباجي بمدينة سرقسطة فأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وقرأ الأدب على أبي محمد بمدينة أشبيلية ورحل إلى دمشق سنة ست وسبعين وأربعمائة وحج ودخل بغداد والبصرة وتفقه على أبي بكر محمد الشاشى الفقيه الشافعي وسكن الشام مدة ودرس بها وكان إماماً عالماً عاملاً زاهداً ورعاً متواضعاً متقشقا متللاً من الدنيا وكان كثيراً ما ينشد: [رمل]
إن لله عباداً فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحى وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
ولما دخل على شاهنشاه وكان بجانبه رجل نصراني فوعظ شاهنشاه حتى بكى وأنشد: [سريع]
ياذا الذي طاعته قربة ... وحقه مفترض واجب
إن الذي شُرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب
وأشار إلى النصراني فأقامه شاهنشاه من موضعه وله تصانيف كثيرة منها (سراج الهدى، وسراج الملوك) وله طريقته في الخلاف وكانت ولادته سنة إحدى وسبعين وأربعمائة تقريباً وتوفي سنة عشرين وخمسمائة قال ابن خلكان.
стр. 182
(ترجمة الإمام ابن الجوزي)
(قوله ابن الجوزي) - هو أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد وينتهى نسبه إلى أبي بكر الصديق ﵁ البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الحافظ.
قال ابن خلكان: كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ صنف في فنون عديدة وكتبه أكثر من أن تعد وكتب بخطه شيئاً كثيراً والناس يغالون في ذلك يقولوا: إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس.
وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل: ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله ﷺ وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به ففعل ذلك فكفت وفضل منها وله أشعار لطيفة منها قوله يخاطب أهل بغداد: [متقارب]
عذيرى من فتية بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلب
يرون العجيب كلام الغريب ... وقول القريب فلا يعجب
ميازيبهم إن تندت بخير ... إلى غير جيرانهم تقلب
وعذرهم عند توبيخهم ... مغنية الحى لا تطرب
وله أجوبة نادرة منها: أنه وقع النزاع بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فرضى الكل بما يجيب به.
فسألوه وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال أفضلهما من كانت ابنته تحته ونزل وله محاسن كثيرة يطول شرحها.
ولد تقريباً سنة ثمان وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب. انتهى
стр. 183
قلت: وسمعت من بعض الناس أن قبره في بعض البساتين التي هي شرق مسجد السيد سلطان على. والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. قيل: وأوصى أن يكتب على قبره: [رمل]
يا كثير الصفح عن من ... كثير الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو الـ ... ـعفو عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء الضـ ... ـيف إحسان إليه
ومن تصنيفاته تفسير القرآن الكريم المسمى: (بزاد المسير) أتى فيه بأشياء غريبة والتبصرة في المواعظ وكتاب الصفات وترجمة وترجمة الإمام أحمد والتاريخ الكبير ومختصر الإحياء وصفوة الصفوة والموضوعات في الحديث أربعة أجزاء وغير ذلك.
والجوزي - بفتح الجيم وواو وزاي معجة - نسبه إلى فرضة الجوز وهو موضع مشهور وقيل: إن جده كان مشرعه الجوزى مكان من جانب الغربي ببغداد وكان أبوه يعمل الصفر بنهر القلائين في الجانب الغربي منها.
ومع فضائله المشهورة ومناقبه المسطورة لم يسلم أيضاً من تنقير أقلام المعترضين على كلامه في البعض وبعض مسائل الدين فقد انتقده ابن الأثير بسبب انتقاده للإمام الغزالي الشهير.
وقال أيضاً ابن رجب الحنبلي، كما نقله عنه في الشذرات بما نصه: نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم لميلة إلى التأويل في بعض كلامه واشتد نكيرهم عليه في ذلك ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطلعاً على الأحاديث والآثار فلم يكن بذاك.
يحل شبه المتكلمين ويبين فسادها وكان معظما لأبي الوفاء ابن عقيل متابعاً لأكثر ما يجده من كلامه وإن كان قد رد عليه في بعض المسائل.
стр. 184
وكان ابن عقيل بارعاً في الكلام ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه وأبو الفرج تابع له في هذا التلون. انتهى.
(قلت) : وممن انتقده أيضاً الشيخ في شرح الأصبهانية فإن أردت التفصيل فعليك به والله الموفق للصواب.
(ترجمة ابن عقيل)
(قوله: وابن عقيل) - وهو على ماقاله ابن الأثير في الكامل: أبو الوفاء على ابن عقيل بن محمد بن عقيل شيخ الحنابلة في وقته ببغداد وكان حسن المناظرة سريع الخاطر وكان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي الوليد فأراد الحنابلة قتله فاستجار بباب المراتب عدة سنين ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور.
وله مصنفات من جملتها: كتاب الفنون توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وقال في الشذرات: أبو الوفا على بن عقيل البغدادي الطفري شيخ الإسلام الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد وكان إماماً مبرزاً كثير العلوم حاذق الذكاء مكباً على التصنيف عديم النظير. قال ابن السلفي: ما رأيت مثله وما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه وقوة حجته.
توفي وعمره ثلاث وثمانون سنة وله مشايخ كثيرون.
قال ابن الجوزي: كان قوي الدين حافظاً للحدود وكان كريماً ينفق ما يجد ومن أكبر تصانيفه كتاب الفنون مائتا مجلد.
وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: لم يصنف في الدنيا أكبر منه حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة وقال بعضهم: هو ثمانمائة مجلد وله غيره.
стр. 185
ولقد تكلم يوماً مع أبي الحسن الكياهراسي في مسألة فقال له الكياهراسي ليس بمذهبك فقال: أنا لي اجتهاد متى طالبني خصمى بحجة كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتى - انتهى.
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم وله مسائل كثيرة ينفرد فيها منها: أن الربا لا يجري إلا في الأعيان الستة المنصوص عليها: أن المشروع في عطية الأولاد التسوية بين الذكور والإناث ومنها: أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعاً للأرض لمشقة التفريق بينهما.
ومنها: الزروع والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة وإن لم تسق بعده بماء طاهر ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة وإن اشترط وطؤها في عقد الكتابة ومنها: أنه لا زكاة في حلى المواشط المعد للكراء إلى غير ذلك.
توفي بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وخمسمائة وصلى عليه في جامع القصر والمنصور.
قال ابن ناصر: حزرتهم بثلثمائة ألف ودفن قرب الإمام أحمد قاله ابن رجب
ونقل عنه أنه قال: تقلبت على الدول فما أخذتني دولة ولا عامة اعتقد أنه الحق وأوذيت من أصحابي حتى طلب دمى وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس وقلت: يامن خفت لأجله لا تخيب ظني فيك فعصمني الله تعالى. انتهى.
فصل: وأما قول الشيخ ابن حجر: وقد كتب إليه بعض أجلاء عصره - إلى آخره - فكتاب غير ملتئم المباني وتحريره متوعر المعاني لا يعرف قائله وقد استبان فيما سبق باطله مما سردته من كلام شيخ الإسلام وعقائده
стр. 186
الشهيرة بين الأنام وتصانيفه في مناقب الصحابة الكرام لا سيما الفاروق الإمام فما هذا إلا بهتان من الناقلين صريح وعزو غير مقرون بتصحيح وتدليس فيه مافيه كما لا يخفى على المنصف النبيه.
وأظنه من كتابه أبي العصر الذي ذكرنا جوابه فيما مر والشيخ في الحقيقة قد تكلم في حق البعض موافقاً في ذلك لغيره كما تقدم.
وقد بسطنا ذلك فتذكر - فما في العهد من قدم وأما بحثه في الصحابة الكرام فقد ذكرت لك ما يكذب عنه من نقض وإبرام.
ولعله أن يكون يوماً ما ذكر شيئاً راجعاً إلى تقليد المفضول والآخذ بروايته مع وجود الأفضل كما وقع في كافة المذاهب من أخذهم مثلاً بقول ان عباس أو ابن مسعود أو ابن عمر أو عثمان بن عفان دون غيرهم ممن هو أعلم بعد النبيين من كافة الناس كما سنبينه - إن شاء الله تعالى - في بحث الاجتهاد وهذا من الأمور المسلمة المستفيضة لدى مطلع على مآخذ المجتهدين نقاد فغيرت النقلة وبدلت وزورت وحرفت.
وما أحسن ما نقله شيخ مشايخنا خالد النقشبندى - نور الله تعالى مرقده - في رسالته في الكسب عن السنوسي في بحث الأشعري ما نصه: لا نسلم صحة هذا القول منه ولئن سلم فلعله صدر عنه في مباحثة جدلية لإفحام الخصم قويت منافرته عن الحق فاحتال في جذبه إلى الحق بنحو من السرقة ولذا قال المشايخ: ما ينقل عن عالم في المباحثة لا يجوز جعله مذهباً. انتهى.
فخذ ما فصلناه وتلقى ما سنمليه وما زبرناه فلعلك إن شاء الله تعالى تدفع به سوء الظن عن ذلك الإمام الجليل والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
стр. 187
[أكاذيب تدفعها حقائق]
قال العلامة ابن حجر الهيتمي: واعلم أنه خالف الناس في مسائل نبه عليها التاج السبكي وغيره مما خرق فيه الإجماع قوله في يمين الطلاق: أنه لا يقع بل عليه كفارة يمين ولم يقل بالكفارة أحد من المسلمين قبله وإن طلاق الحائض لا يقع وكذا الطلاق في طهر جامع فيه وإن الصلاة إذا تركت عمداً لا يجب قضاؤها وإن الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا كفارة عليها وإن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة.
وكان هو قبل ادعائه ذلك نقل إجماع المسلمين على خلافه وإن المكوس حلال لمن أقطعها وإنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم يكن باسم الزكاة ولا رسمها وإن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كألفارة وإن الجنب يصلى تطوعه بالليل ولا يؤخره إلى أن يغسل قبل الفجر وإن كان بالبلد.
وإن شرط الواقف غير معتبر بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس وعلى الفقهاء صرف إلى الصوفية وأمثال ذلك.
ومن مسائل الحسن والقبح التزم كل ما يرد عليها وأن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق وإن ربنا - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبير! - محل الحوادث وأنه مركب تفتقر ذاته افتقار الكل للجزء - تعالى الله عن ذلك وتقدس! ، وأن القرآن محدث في ذات الله - تعالى الله عن ذلك -! وأن العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله تعالى مخلوقاً دائماً فجعله موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار.
وقوله بالجسمية والانتقال وأنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع القبيح والكفر الصريح وخذل تبعيه وشتت شمل معتقديه.
стр. 188
وقال:إن النار تفنى وإن الأنبياء غير معصومين وإن رسول الله ﷺ لاجاه له ولا يتوسل به وإن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه وإن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها وإنما بدلت معانيها. انتهى.
ويلزم أهل المذهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار فلعله في بعض الأحيان كان يصرح بتلك اللوازم فنسب إليه سيما ومن نسب إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته وإمامته وديانيه وأنه الثقة العدل المحقق المدقق فلا يقول شيئاً إلا عن ثبت وتحقق ومزيد احتياط وتحر. سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضى كفره وردته وضلاله وإهدار دمه.
فإن صح عنه مكفر أو مبدع يعامله الله تعالى بعدله وإلا يغفر الله تعالى لنا وله - انتهى كلام ابن حجر.
(أقول) وبالله التوفيق: إن هذا الكلام العاطل على حلى التحقيق يتلو عنده كل ذي عقل سليم: سبحانك هذا بهتان عظيم لأن عقيدة هذا الشيخ الجليل مشهورة لدى كل قبيل ومسطورة في تأليفاته الشهيرة وتصنيفاته وفتاويه وهو الذي رد أصحابها من أهل الزيغ والضلال كالمجسمة وغلاة المتصوفة والفلاسفة الجهال.
نعم قد ذهب إلى بعض هذه المسائل الفرعية وكم له سلف فيها وأدلة شرعية ولا بدع إذا اجتهد فيها موافقاً لغيره من الأئمة كما وقع أمثال ذلك من علماء الأمة ولو أخطأ فيها فلا لوم عند المنصف عليه.
فياليت شعري! لماذا توجه سهام القدح دون سائر العلماء إليه ولو
стр. 189
أردنا تعداد من ذهب إلى بعض الأقوال المخالفة لأكثر المذاهب لا تسع المقال وهذا الشيخ ابن عربي الذي زكاه وبكل سوء من أجله وأجل الحلاج وأمثاله لابن تيمية رماه - ذهب إلى أكثر من ذلك واختار أعظم مما هنالك كما هو مذكور في فتوحاته المكية وفصوصه الحكمية مما مر في ترجمته ونقلته عنه أيضاً العلماء في كتبهم مما هو بصحة نقلهم.
وليس القصد بهذا الكلام الحط على ذلك الهمام بل البيان أن لعلماء أقوالاً لا تتلقاها بالقبول كافة الآراء وسيظهر بحوله تعالى قريباً لك الحي من اللىّ ويبين لكل لبيب الحق من الغي بالتفريع والتأصيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولنذكر قبل بيان هذه المسائل فصلين متلازمين ومتقارنين كالفرقدين من سماء كتب الأفاضل في بيان حكم الاجتهاد وتأصيله والتقليد بتفصيله ليكونا إن شاء الله تعالى نافعين فيما نحن بصدد ذكره مستحضرين لتحرى الحق عند اضطراب فكره.
الفصل الأول
في الاجتهاد
[تعريفه وشروطه]
وهو لغة: بذل الوسع فيما فيه كلفة مأخوذ - كما نقل ابن أبي زرعة عن الماوردى - من جهاد النفس وكدها في طلب المراد.
وفي الاصطلاح - على ما في جمع الجوامع - استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم.
والفقيه والمجتهد لفظان مترادفان وهو البالغ العاقل أي ذو ملكة يدرك بها العلوم أي ما من شأنه أن يعلم وهذه الملكة العقل وقيل العقل
стр. 190
نفس العلم أي الإدراك ضرورياً كان أو نظرياً وأن يكون فقيه النفس أي قوى الفهم على التصرف قال أبو إسحق: ومن كان موصوفاً بالبلادة والعجز عن التصرف فليس من أهل الاجتهاد وفي إنكاره للقياس خلاف وان يكون عارفاً بالدليل العقلي وهو البراءة الأصلية ويأنا مكلفون بالتمسك به ما لم يرد دليل ناقل عنه من نص أو إجماع أو غيرهما وأن يكون عارفاً بلغة العرب بالعربية وهو النحو إعراباً وتصريفاً وبأصول الفقه ليقوى على معرفة الأدلة وكيفية الاستنباط وبالبلاغة ليتمكن من الاستنباط قيل في الدرجة المتوسطة بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة والراجحة من المرجوحة وأن يكون عارفاً بالكتاب والسنة ولا يعتبر العلم بجميعها ولا حفظهما.
قال العلامة السبكي: المجتهد من هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع ويعتبر - على ما قيل - كونه خبيراً بمواقع الإجماع كي لا يخرقه والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وشرط المتواتر والآحاد والصحيح والضعيف أو حال الروآت وسير الصحابة.
ولا يشترط فيه علم الكلام وتفاريع الفقه والذكورة والحرية وكذا العدالة على الأصح.
وقال الغزالي: إنها شرط. وهذا المجتهد المطلق ودونه مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه.
وادعى بعضهم أن هذا النوع قد انقطع أيضاً وهو مردود
قال ابن الصلاح: والذي رأيته من كلام الأئمة مشعر بأنه لا يتأذى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد والذي به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى. انتهى.
стр. 191
ودونه في المرتبة مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهبه المتمكن من ترجيح قول على آخر وهذا أدنى المراتب وما بقي بعده إلا العامى ومن في معناه.
[هل يتجزأ الاجتهاد ؟]
والاجتهاد قد يتجزأ على الصحيح أي يحصل الإنسان رتبة الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فما تمكن فيه من الاجتهاد اجتهد فيه وما لم يتمكن فيه قلد مجتهداً وقد سئل الإمام مالك الله تعالى عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدي وكذا الإمام ابو حنيفة توقف في مسائل شهيرة.
والمصيب في العقليات واحد كحدوث العالم وثبوت البارئ سبحانه وصفاته وبعثة الرسل ونافى الإسلام مخطئ آثم كافر وقال الجاحظ: لا يأتم في العقليات للاجتهاد. وزاد العنبري: كل مصيب والإجماع على خلاف قولهما.
وأما المسألة التي قاطع فيها من مسائل الفقه فقال الأشعري والباقلاني وأبو يوسف ومحمد وابن سريج: كل مجتهد فيها مصيب ثم قال الأولان لأن حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد وقال الثلاثة: هنالك ما لو حكم لكان به والصحيح وفاقا للجمهور أن المصيب واحد.
قال الفهامة صدر الشريعة في التنقيح: فالمجتهد عندنا يحظىء ويصيب وعند المعتزلة كل مجتهد مصيب. هذا بناء في كل حادثة حكماً معيناً عند الله تعالى وعندهم لا بل الحكم ما أدى إليه الاجتهاد كل مجتهد فإذا اجتهدوا في حادثة فالحكم عند الله في حق كل واحد مجتهده ثم ذكر أدلتهم وأدلتنا ومن جملتها قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ [الأنبياء: ٧٩]
стр. 192
وقوله ﵊: ((إن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة))
وفي حديث آخر جعل للمصيب أجرين وللمخطئ واحداً. وقول ابن مسعود ﵁: إن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. انتهى باقتصار.
وفي إغاثة اللهفان للإمام ابن القيم في الكلام على الحديث المروى في صحيح مسلم عن بريدة ((كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أو صاه)) الحديث ما ملخصه والحديث صريح في أن حكم الله سبحانه في الحادثة واحد معين وأن المجتهد يصيبه تارة ويخطئه لقوله ﵊: ((فإن سألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله تعالى فيهم أم لا)) وقد نص الأئمة الأربعة على ذلك صريحاً.
قال أبو عمرو بن عبد البر: ولا أعلم خلافاً بين الحذاق من شيوخ المالكيين - ثم عدهم - ثم قال: كل يحكى أن مذهبه مالك رحمه الله تعالى في اجتهاد المجتهدين والقياسيين إذا اختلفوا فيما يجوز التأويل فيه من نوازل الأحكام أن الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم إلا أن كل مجتهد إذا اجتهد كما أمر وكان من أهل الصناعة ومعه آلة الاجتهاد فقد أدى ما عليه وهو مأجور على قصده الصواب.
وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي قال: المشهور من قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال الإمام أحمد: إذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ فأخذ رجل بأخذ الحديثين وأخذ آخر بحديث آخر ضده فالحق عند الله تعالى في واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ.
стр. 193
وفي الحديث: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) انتهى.
[هل يجوز أن يخلو الزمان عن مجتهد ؟]
قال ابن أبي زرعة في شرح جمع الجوامع: وقد اختلفوا في جواز خلو الزمان عن مجتهد فذهب الأكثرون إلى جواز خلوه عن مجتهد مطلق ومقيد وهو المجتهد في مذهب المجتهد وقد قال النبي ﷺ : ((إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) .
وذهبت الحنابلة إلى عدم جواز الخلو محتجين بقوله ﵊: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) .
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في شرح العنوان وهو المختار عندنا: لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. ويوافقه قوله في خطبة شرح الإلمام: والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بدلها من سالك أداء الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى ويتتابع بعده مالا يبقى معه إلا قدوم الأخرى.
وقال والده الشيخ مجد الدين في كتابه تلقيح الأفهام عن المجتهد في هذه الأعصار: وليس ذلك لتعذر حصول آلة الاجتهاد بل لإعراض الناس في اشتغالهم عن الطريق المفضية إلى ذلك. انتهى ما حكاه ابن أبي زرعة.
وقال الفهامة الشعراني في الميزان نقلاً عن الجلال السيوطي إن الاجتهاد
стр. 194
المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم الذين ذكرناهم كأبي يوسف ومحمد قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة الإمام محمد بن جرير الطبري ولم يسلم له ذلك اهـ.
ويحتمل أن العلماء الذين كانوا يفتون الناس على المذاهب الأربعة أطلعهم الله تعالى على عين الشريعة الأولى وشهدوا اتصال جميع أقوال الأئمة المجتهدين بها - إلى أن قال: ولما ادعى الجلال السيوطي - رحمه الله تعالى - مقام الاجتهاد المطلق المنتسب كان يفتي الناس بالأرجح من مذهب الشافعي فقالوا له: لم لا نفتيهم بالأرجح عندك؟ فقال: لم يسألوني ذلك وإنما سألوني عما عليه الإمام وأصحابه: فيحتاج من يفتى الناس على الأربعة المذاهب أن يعرف الراجح عند أهل كل مذهب ليفتى به المقلدين، إلا أن يعرف من السائل أنه يعتمد علمه ودينة وينشرح صدره لما يفتيه ولو كان مرجوحاً فمثل هذا لا يحتاج إلى الاطلاع ما هو الأرجح عند أهل كل مذهب - انتهى.
ونقل أيضاً في الميزان عن الإمام أحمد أنه كان يقول: كثرة التلقيد عمى في البصيرة كأنه يحث العلماء على أن يأخذوا أحكام دينهم من عين الشريعة ولا يقنعوا بالتقليد من خلف حجاب أحد المجتهدين.
وروى الطبراني مرفوعاً: ((أن شريعتي جاءت على ثلثمائة وستين طريقة ما سلك أحد طريقة منها إلا نجا)) ونقل عن الشيخ محيى الدين أنه قال في الفتوحات: لا ينبغي لأحد أن يخطئ مجتهداً أو بطعن في كلامه لأن الشرع الذي هو حكم الله تعالى قد قرر حكم المجتهد فصار شرعاً لله تعالى بتقرير الله تعالى إياه.
стр. 195
قال: وهذه مسألة يقع في محظورها كثير من أصحاب المذاهب لعدم استحضارهم ما ينبههم عليه مع كونهم عالمين به فكل من خطأ مجتهداً بعينه فكأنه خطأ الشارع فيما قرره حكماً - انتهى.
(قلت) الظاهر أن يشير بهذا إلى أن كل مجتهد مصيب وقد قال في الباب التاسع والستين من الفتوحات وكان ينبغي في هذه المسألة وأمثالها أن لا يتصور خلاف ولكن جعل الله تعالى هذا الخلاف رحمة لعباده واتساعاً فيما كلفهم من عبادته.
لكن فقهاء زماننا حجروا وضيقوا على الناس ما وسع الشرع عليهم فقالوا للمقلد إذا كان حنفي المذهب: لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك وكذلك قالوا في حق كل واحد منهم وهذا من أعظم الرزايا والحرج في الدين والله سبحانه يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] والشرع قد قرر حكم المجتهد له في نفسه ولمن قلده فأنف فقهاء زماننا من ذلك وزعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين.
وهذا غاية الجهل منهم فليس الأمر والله كما زعموا مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين ولا حصلوا درجة الاجتهاد ولا نقلوا عن أئمتهم أنهم سلكوا هذا المسلك فكذبوا أنفسهم في قولهم: إنهم ما عندهم استعداد للاجتهاد والذي حجروه على المقلدين ما يكون إلا باجتهاد نعوذ بالله تعالى من الغي والخذلان؟ فما أرسل الله تعالى رسول إلا رحمة للعالمين وأي درجة أعظم من تنفيس هذا الكرب المهم والخطب الملم - انتهى.
وله مثل هذا في غير موضع وسيأتي بعضه في فصل التقليد إن شاء الله تعالى وقال جد والدي لأمه العلامة الشيخ حسين العشارى الشافعي في حاشيته
стр. 196
على الحضرمية: جوز بعضهم تقليد غير الأربعة كالصحابة ﵃ في حق ونفسه بشرط أن يعلم نسبة ذلك القول إلى قائله وقد نظم ذلك بعضهم فقال: [رجز] .
وجاز تقليد لغير الأربعة ... في حق نفسه ففي هذا سعه
لا في قضاء مع إفتاء ذكر ... هذا عن السبكي الإمام مشتهر
وقال الشيخ محيى الدين ابن عربي قدس سره في فصل صلاة الكسوف من الفتوحات ما نصه: فإن أخطأ المجتهد فلا وزر عليه وهو مأجور، وإن ظهر له النص وتركه لقياسه الجلى في زعمه فلا عذر له عند الله تعالى وهو مأثوم وأكثر ما يكون هذا من الفقهاء المقلدين للأئمة الذين قالوا لهم: لا تقلدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا فيه فإن الحديث مذهبنا وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل وما يلزمنا غير ذلك لكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ولهذا كان يقول مالك رحمه الله تعالى إذا سئل في نازلة: هل وقعت؟ فإن قيل: لا يقول:لا أفتى. وإن قيل له: نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله.
فأبت المقلدة من فقهاء زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها للحديث الذي أمرها به إمامها وقلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله تعالى في قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر٧] وعصت الرسول في قوله ﴿فاتبعوني﴾ وعصت إمامها في قوله: خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط.
فهؤلاء في كسوف دائم سرمد عليهم إلى يوم القيامة فلا هم مع الله ولا مع رسوله ﷺ ولا مع إمامهم
стр. 197
فهم في براءة من الله تعالى ورسوله ﷺ وإمامهم فلا حجة لهم عند الله تعالى فانظروا مع من يحشر هؤلاء - انتهى.
وفي الدرر المنثورة للإمام الشعراني ما نصه: لم يبلغنا أن أحداً من السلف أمر أحداً أن بتقيد بمذهب معين ولو وقع ذلك منهم لوقعوا في الأثم لتفويتهم العمل بكل حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتباعه وحده والشريعة حقيقة إنما هو مجموع ما هو بأيدي المجتهدين كلهم لا بيد مجتهد واحد ولم يوجب الله تعالى على أحد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين بخصوصه لعم عصمته.
ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلهم قد تبرءوا من الأمر باتباعهم وقالوا: إذا بلغكم حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط. انتهى.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب الثامن والثمانين: ولا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام ومن يفعل ذلك فقد ضل ضلالا مبيناً وخرج عن دين الله تعالى - انتهى
[فتوى للإمام ابن تيميه عن التقليد]
وقد سئل الشيخ تقي الدين عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب، وتبصر فيه وأشتغل بعده بالحديث، فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخاً ولا مخصصاً ولا معارضاً، وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب؟ أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين.
وقد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى أفترض على العباد طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله ﷺ ، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها ﵊ و - رضي
стр. 198
الله عنه - يقول: أطيعوني ما أطعت الله تعالى، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
وأتفق كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما أمر الله تعلى عنه إلا رسول الله ﷺ ، ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﵊.
وهؤلاء الأمة الأربعة رحمهم الله تعالى أجمعين قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب. قال الإمام أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن داء برأى خير منه قبلناه. ولهذا لما أجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات، ومسألة الأجناس، فأخبر مالك رحمه الله تعالى بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ومالك - رحمه الله تعالى - كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلام هذا معناه.
والشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فأضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. وفي مختصر المزني لما أختصره ذكر أنه أختصر من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه. قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده أو تقليد غيره من العلماء.
والإمام أحمد - رحمه الله تعالى - كان يقول: من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقد قال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 199
)) ((من يرد به الله خيراً يفقهه في الدين)) ولازم ذلك: أن من لم يفقه الله في الدين لم يرد به خيراً.
فيكون التفقه في الدين فرضاً، والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن يعرف ذلك لم يكن متفقهاً في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عنها فيلزمه ما يقدر عليه. ومن كان قادراً على الاستدلال. فقيل يحرم عليه التقليد مطلقاً. وقيل: يجوز مطلقاً. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق عن الإستدلال، وهذا القول عدل الأقوال إن شاء الله تعالى.
والإجتهاد ليس هو أمر لا يقبل التجزؤ والأنقسام، بل يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة، دون فن وباب ومسألة، وكل فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في مسألة، قد تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً بعد نظر مثله فهو بين الأمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذى أشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة، بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره، وأشتغاله بمذهب إمام آخر. وإما أن يتبع القول الذى ترجح في نظرة بالنصوص الدالة عليه، فحينئذ موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص النبوية سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذى يصلح، وغنما تنزلنا هذا التنزيل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس أجتهاده تاماً في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه، إما إذا قدر على الإجتهاد التام الذى يعتقد معه ان القول الآخر ليس معه ما يدفع النص، فهذا يجب عليه أتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعاً للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله تعالى ورسوله. بخلاف من يكون القول الآخر حجة راجحة على هذا النص، ويقول أنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فأتقوا الله ما أستطعتم﴾
стр. 200
[التغابن ١٦] والذى نستطيعه من العلم في هذه المسألة قد دل على ان هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك.
ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير إجتهاده.
وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين من الحق فهو محمود عليه، بخلاف إقراره بقول لا حجة معه عليه، وترك قول الذى وضحت حجته. أو الإنتقال من قول إلى قول بمجرد عادة وإتباع هوى، فهذا مذموم وإذا كان المقلد قد سمع حديثاً وتركه لا سيما إذا كان قد رواه أيضاً عدل فمثل هذا إذا وجد لا يكون عذراً في ترك النص.
وقد بينا فيما كتبناه في الدفع عن الأئمة الأعلام نحو عشرين عذراً في ترك العمل ببعض الأحاديث، وبينا أنهم معذورون في الترك لتلك الأعزار، وإنما نحن معذورون في تركها لهذا الترك. فمن ترك الحديث لاعتقاده لم يصح، أو رواية مجهول ونحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته وثقة روايته فقد زال عذر ذلك في حق هذا.
ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس أو عمل لبعض الأمصار قد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل، لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً بحقه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وحقها منها أمر لا يضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقداً أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار أهل المدينة النبوية وغيرها الذين يقال لهم: لا يتركون الحديث إلا لإعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح.
وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل قد عمل
стр. 201
به أو سمعه منهم، أو نحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض لا للنص.
وإذا قيل لهذا المستفتى المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، وليست من هذا أولى. ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى هؤلاء نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وأبن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم من الأئمة وغيرهم.
فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شئ ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة.
وقد ترك الناس قول عمر وأبن مسعود ﵁ في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري وغيره لما أحتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر ﵁ في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان لما كان روى من لسان النبي ﷺ قال: ((هذه وهذه سواء)) .
وقد كان لبعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر قال عمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله ﷺ ، وتقولون قال أبو بكر قال عمر لما سئل عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر. فبين أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال: رسول الله ﷺ أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم من أبن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
стр. 202
ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله تعالى ورسوله ﷺ ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته. وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله تعالى به النصارى في قوله ﴿أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا الله إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة ٣١] والله سبحانه أعلم أنتهى.
ونقل عن الشيخ عبد الوهاب الشعراني ما يؤكد هذا أنه قال في الدرر المنثورة ما نصه: ومنع أهل الله تعالى من العمل بقول مجتهد مات لاحتمال أنه لو عاش إلى اليوم ربما كان يرجع عنه، فلا يعمل بكلام أحد بعد موته تقليداً من غير معرفة دليله إلا رسول الله ﷺ .
قال: وربما تدين مقلد في مذهب بقول إمام من طريق الرأى، فصحت الأحاديث في مذهب آخر بضد ذلك الرأى، فوقف مع مذهبه ففاته العمل بالأحاديث الصحيحة فأخطأ طريق السنة.
وقول بعض المقلدين: لولا أن الرأى إمامي دليلاً ما قال به، جمود وقصور وتعصب، مع ان نفس إمامة قد تبرأ من العمل بالرأى ونهى غيره عن أتباعه.
فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: حرام على من لم يعرف دليلى أن يفتى بكلامي. وكان يقول لمن أفتاه: هذا رأى أبي حنيفة، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو الأولى والصواب.
ونقل عن الإمام المزني أنه قال في أول كتابه المختصر: كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ينهى عن تقليده وتقليد غيره، وكان يقول: إذا رأيتم كلامي يخالف السنة فخذوا بالسنة واضربوا بكلامي الحائط. وكان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
стр. 203
وقيل للإمام أحمد بن حنبل. لم لا تصنع لأصحابك كتاباً في الفقه؟ قال: أو لأحد كلام مع كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ! ؟ أنتهى.
وإن شئت زيادة الإطلاع على مباحث الاجتهاد، فعليك أولاً بكتاب (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) للعلامة المجتهد الرباني شيخ شيوخنا قاضي القضاة محمد بن على الشوكاني - رحمه الله تعالى - وثانياً بكتاب شيخنا العلامة ابي الطيب الحسيني البخاري القنوجي (حصول المأمول من علم الأصول - وثالثاً برسالة ولده السعيد أبي الخير المسماه (بالطريقة المثلى في الإرشاد إلى أتباع ما هو الأولى) ، ففي تلك ما يكفى المسترشد، ويشفى المجتهد والمقلد.
الفصل الثاني
في التقليد
وهو أخذ قول الغير من غير معرفة دليله.
قال أبن ابي زرعة في شرح جمع الجوامع: وقد أختلف العلماء في تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل هلى مذاهب: أحدها - وهو المشهور - جوازه، وقد كانوا يسألونه الصحابة مع وجود أفاضلهم.
الثاني - منعه، وبه قال الإمام أحمد وابن سريج، وأختاره للقاضي حسين وغيره.
الثالث - أنه يجوز لمن يعتقده فاضلاً أو مساوياً لغيره، فإن أعتقده دون غيره أمتنع أستفتاؤه.
وكذلك أختلفوا في جواز تقليد الميت على أقوال: أحدها - وبه قال الجمهور - جوازه، وعبر عنه الشافعي رحمه الله تعالى بقوله: المذاهب لا تموت
стр. 204
بموت أربابها. الثاني - منعه مطلقاً. وعزاه الإمام الغزالي في (المنحول لإجماع الأصوليين) واختاره الإمام فخر الدين. الثالث - يجوز مع فقد حي ولا يجوز مع وجوده - أنتهى ملخصاً.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب الثامن والثمانين: والتقليد في دين الله لا يجوز عندان، لا تقليد حي ولا ميت. أنتهى فتدبر.
وقال شيخ مشايخنا ابن عابدين الشامي: ذكر في التحرير وشرحه أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية. وفي رواية عن أحمد وطائفة كثيرة من الفقهاء: لا يجوز ثم ذكر أنه لو ألتزم مذهباً كأبي حنيفة والشافعي قيل يلزمه وقيل لا، وهو الأصح. أنتهى بإقتصار.
ومن جملة كلام له في التقليد ما نصه: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان إلتزام مذهب معين، وانه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً فيه غير إمامه، مستجمعاً شروطه. ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله إمام آخر لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض.
وقال أيضاً: إن له التقليد بعد العمل على ما قال في البرزازية: أنه روى عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثاً. انتهى.
وقال في (الدار المختار وحاشيته) : إن الحكم الملفق باطل بالإجماع، كمتوضئ سال من بدنه دم، ولمس امرأة ثم صلى، فإن هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل فصحته منتفية - أنتهى. وبقى في المسألة كلام، من أراد فليرجع إليهما.
стр. 205
[فتوى للإمام ابن تيمية حول جواز تقليد غير الأربعة]
ورأيت في مختصر فتاوى الشيخ أبن تيمية ما نصه: مسألة فيمن صلى منفرداً حلف الصف هل تصح صلاته أم لا؟ والأحاديث الواردة في ذلك هل هي صحيحة أم لا؟
والأئمة القائلون بهذا من غير الأئمة الأربعة، كحماد بن ابي سليمان، وأبن المبارك، وسفيان الثوري، والأوزاعي، قد قال عنهم رجل - أعنى هؤلاء المذكورين -: هؤلاء لا يلتفت إليهم، فصاحب هذا الكلام ما حكمه؟ وهل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة، كما يجوز تقليد الأئمة الأربعة أم لا؟
الجواب - الحمد لله: الصحيح من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف لأن في ذلك حديثين عن النبي ﷺ أنه أمر المصلي خلف الصف بالإعادة وقال ((لا صلاة لفذ خلف الصف)) وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، وإسنادهما مما تقوم به الحجة، إلى ان قال: وأما الأئمة المذكورون فمن سادات أئمة الإسلام.
فإن الثوري إمام أهل العراق وهو عندهم من أجل أقرانه كابن ابي ليلى والحسن بن صالح، وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وله مذهب باقٍ إلى اليوم بارض خراسان.
والأوزاعي إمام أهل الشام، وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة، بل أهل المغرب كانوا على مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك. وحماد ابن ابي سليمان هو شيخ الإمام أبي حنيفة، ومع هذا، فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية، وغيرهما، ومذهب أحمد باقٍ إلى اليوم وهو مذهب داود بن علي وأصحابه، ومذهبهم باق إلى اليوم.
وليس في الكتاب والسنة فرق بين الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص
стр. 206
فمالك، والليث بن سعد والأوزاعي، والثوري هؤلاء أئمة في زمانهم وتقليد كل منهم كتقليد الآخر، لا يقول مسلم: إنه لا يجوز تقليد هذا دون هذا، ولكن من منع تقليد هؤلاء في زماننا فإنما يمنعه لأحد شيئين:
أحدهما - اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذهبهم، وتقليد الميت فيه نزاع مشهور، فمن منعه قال: هؤلاء موتى، ومن سوغه قال: لا بد أن يكون في الأحياء من يعرف قول الميت.
والثاني - أن يقول: الإجماع اليوم قد أنعقد على خلاف هذا القول ويبني ذلك على مسألة معروفة في أصول الفقه، وهو أن الصحابة مثلاً أو غيرهم من اهل الأعصار إذا أختلفوا في مسألة على قولين، ثم أجمع التابعون والعصر الثاني على إحداهما، فهل يكون هذا إجماعاً برفع ذلك الخلاف.
وفي المسألة نزاع مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء، فمن قال: إن أجماع أهل العصر الثاني لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر، وأعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك فركب من هذين الاعتقادين المنع. ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باقٍ وأن الأقوال لا تموت بموت قائلها فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر المجتهد الذى وافق أجتهاده.
وأما التقليد فيفيبتنى على مسألة تقليد الميت، وفيها قولان مشهوران أيضاً في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
واما إذا كان القول الذى يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم، فلا ريب أن قوله مؤبد بموافقة هؤلاء، ويعتضد به ويقابل بهؤلاء من خالفهم، فيقابل الثوري والأوزاعي أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى، إذ الأئمة متفقة على أنه إذا أختلف مالك والأوزاعي،
стр. 207
أو الثوري وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا أصوب دون هذا إلا بحجة والله اعلم. أنتهى.
[هل يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب ؟]
قال الشعراني عليه الرحمة في ((الميزان)) : ورأيت فتوى للجلال السيوطي عليه الرحمة مطولة قد حث فيها على أعتقاد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم وإن تفاوتوا في العلم والفضل، ولا يجوز لأحد التفضيل الذي يؤدي إلى نقص في غير إمامة، قياساً على ما ورد في تفصيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فقد حرم العلماء التفضيل المؤدي إلى نقص نبي أو أحتقاره، ولا سيما إن أدي ذلك إلى خصام ووقيعة في الأعراض.
وقد وقع الاختلاف بين الصحابة في الفروع وهم خير الأمة، وما بلغنا أن أحداً منهم خاصم من قال بخلاف قوله، ولا عاداه ولا نسبه إلى خطأ ولا قصور نظر.
وفي الحديث: ((أختلاف أمتى رحمة)) وكان الاختلاف على من قبلنا عذاباً. أنتهى.
ومعنى رحمة: أى توسعة على الأمة. ولو كان أحد من الأئمة مخطئاً في نفس الأمر لما كان أختلافهم رحمة. قال: وقد أستنبطت من حديث: ((أصحابي كالنجوم بايهم أقتديتم أهتديتم)) أننا إذا أقتدينا بأي إمام كان، أهتدينا، لأنه ﷺ خيرنا في الأخذ بقول من شئنا منهم من غير تعيين. أنتهى.
وقد دخل هارون الرشيد على الإمام مالك ﵁ عنه فقال له: دعني أبا عبد الله أفرق هذه الكتب التى ألفتها وأنشرها في بلاد الإسلام، وأحمل عليها الأمة، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن أختلاف
стр. 208
العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، فكل يتبع ما صح دليله عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى. أنتهى.
وقال أيضاً: وكان الإمام الزناتي من أئمة المالكية يقول: يجوز تقليد كل من أهل المذاهب في النوازل، وكذلك يجوز الإنتقال من مذهب إلى مذهب، لكن بثلاثة شروط:
الأول - أن لا يجمع بينهما على وجه الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
الثاني - أن يعتقد فيمن يقلده الفضل ببلوغ أخباره إليه.
الثالث - أن لا يقلد وهو في عماية من دينه، كأن يقلد في الرخصة من غير شروطها. انتهى.
وقال القرافي: يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضاً في كل ما لا ينتقض فيه حكم حاكم، وفي ذلك في أربعة مواضع: أن يخالف الإجماع أو النص، أو القياس الجلي، أو القواعد. انتهى.
وإن اردت أن تطلع على حكم التقليد جملة وتفصيلاً فأرجع إلى كتب مؤلفة من هذا الباب - كعقد الجيد للشيخ الأجل ولي الله المحدث الدهلوي، وأدب الطلب، والقول المفيد للعلامة الشوكاني، والإقليد لولد شيخنا العلامة أبي النصر حماهما الله تعالى - يتضح عليك ما هو الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، والسداد من العوج.
وقال الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: وممن بلغنا أنه أنتقل من مذهب إلى أخر من غير نكير عليه من علماء عصره، الشيخ عبد العزيز ابن الخزاعي، كان من أكابر المالكية، فلما قدم الإمام الشافعي بغداد تبعه وقرا عليه كتبه ونشر علمه.
стр. 209
ومنهم محمد بن عبد الله كان على مذهب الإمام مالك، فلما قدم الشافعي إلى مصر انتقل إلى مذهبه ثم رجع، ومنهم أبو جعفر بن نصر الترمذي رأس الشافعية بالعراق، كان حنفياً فلما حج أنتقل إلى مذهب الشافعي. ومنهم أبو جعفر الطحاوي، كان شافعياً وتفقه على حاله المزني، ثم تحول حنفياً بعد ذلك.
ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ، كان حنبلياً ثم عمل شافعياً. ومنهم ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة، كان شافعياً تبعاً لوالده ثم أنتقل إلى مذهب مالك. ومنهم السيف الآمدي الأصولي المشهور، كان حنفياً ثم تحول إلى مذهب الشافعي. ومنهم الشيخ محمد بن الدهان النحوي، كان حنبلياً أنتقل إلى مذهب الشافعي، ثم تحول حنفياً حين طلب الخليفة نحوياً يعلم ولده النحو ثم تحول شافعياً.
ومنهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، كان أولاً مالكياً ثم تحول إلي مذهب الشافعي. ومنهم الإمام أبو حيان النحوي، كان أولاً على مذهب أهل الظاهر، ثم عمل شافعياً. ومنهم غير من ذكر. أنتهى.
(قلت) : ومنهم عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي، كان شافعياً ثم صار حنبلياً. قال في الشذرات: هو الزاهد القدوة، ولد بشرقي واسط، ودخل بغداد، وأقام بالقاهرة مدة ثم قدم الشام، وأنتقل إللا مذهب الإمام أحمد، صاحب الشيخ تقى الدين أحمد بن تيميه، حتى قال فيه هو حنيذ وقته، وتمذهب بمذهب السلف، توفى بدمشق سنة إحدى وسبعمائة. أنتهى ملخصاً.
стр. 210
تتمة
[التقليد في أصول الدين]
قد اتضح لك التقليد في المسائل الفقهية، وبقى الكلام في جواز التقليد في أصول الدين، وهو علم العقائد المشهور بعلم الكلام.
فأعلم أن في جواز التقليد فيه أقوالاً: أحدها - وبه قال الجمهور - المنع، وفي التنزيل ذمه في الأصول بقوله سبحانه حكاية عن الكافر: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف ٢٣] والحث عليه في الفروع بقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء ٧] والثاني - الجواز، وحكي عن العنبري وغيره إجماع السلف على قبول كلمتى الشهادة من الناطق بها من غير أن يقال له: هل نظرت أو تبصرت بدليل، الثالث - وجوب التقليد وتحريم النظر والبحث فيه، فمنهم من جعل سببه أن النظر فيه لا يفضى إلى العلم الذى هو المطلوب ومنهم من قال يفضى إليه، ولكن ربما أوقع الناظر في شبهة فيكون سبب ضلالة.
قال ابن أبي زرعة: وظاهر كلام الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - بوافق هذا المذاهب حيث قال: رأيي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجويد،وينادي عليهم في العشائر: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأشتغل بعلم الأوائل.
وقال: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وعلى الأول وهو المنع من التقليد فيه حكى عن الأشعري - زيادة في ذلك - إن إيمان المقلد لا يصح، وأنه يقول بتكفير العوام. وأنكره الأستاذ أبو القاسم القشيري وقال: هذا كذب وزور.
وقال إمامنا الأستاذ أبو منصور الماتريدي: أجمع أصحابنا على أن العوام
стр. 211
مؤمنون عارفون بالله تعالى، وانهم حشو الجنة للأخبار والإجماع فيه لكن منهم من قال: لا بد من نظر عقلي في العقائد، وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث الموجودات وإن عجزوا عن التعبير عنه على إصطلاح المتكلمين، والعلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم - أنتهى.
وقال إمامنا الأعظم في الفقه الأكبر: وإذا أشكل على الإنسان شئ من دقائق علم التوحيد فينبغي له - أى فيجب عليه - أن يعتقد ما هو الصواب عند الله تعالى - أى بطريق الإجمال - إلى أن يجد عالماً يسأله ولا يسعه تأخير الطلب - أى عند تردده - في صفة من صفات الجلال ونعوت الجمال ولا يعذر بالوقوف فيه، ويكفر - أي في الحال - إن توقف على بيان الأمر في الآستقبال، لأن التوقف موجب للشك،وهو فيما يفترض اعتقاده كالإنكار. أنتهى بزيادة من الشرح.
ثم قال الشارح النحرير: ولذا أبطلوا قول الثلجي من أصحابنا حيث قال في القرآن: أقول بالمتفق، وهو أنه كلامه تعالى، ولا أقول مخلوق أو قديم. هذا، والمراد به من دقائق علم التوحيد أشياء يكون الشك فيها منافياً للإيمان بذات الله تعالى وصفاته،ومعرفة كيفية المؤمن به بأحوال آخرته، فلا ينافى أن إمامنا أبا حنيفة توقف في بعض الأحكام. فالاختلاف فيها رحمة، والاختلاف في علم التوحيد ضلالة وبدعة، والخطأ في علم الأحكام مغفور بل صاحبه مأجور، بخلافه في علم الكلام فإنه كفر وزور - أنتهى.
(قلت) : فلذا قال ابن عساكر: إن الأئمة الأربعة في العقائد متفقون فليحفظ.
стр. 212
فصل
ولما كان هذا الكتاب يستطرد فيه بعض العقائد المعزبة إلى الحنبلي والأشعري لزم ترجمة الذاتين المنسوب إليهما ذلك، لتكون تذكرة لي وللطالبين، ولما قيل: إن الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين، وليعرف الواقف جلالة هذين الإمامين، وغزارة هذين البحرين، وانه إذا حقق، وامعن النظر ودقق، وتبين له أن عقيدتهما تسقى من ماء واحد، وليس بينهما خلاف يفضى إلى التبديع عند البصير الناقد، وكلاهما إن شاء الله تعالى من الفرقة التى هي مصداق الحديث الشهير، والآخذان بما كانت عليه الصحابة من غير تحريف وتغيير.
(ترجمة الإمام أحمد بن حنبل)
فالأول - الفقيه الأورع، والأعلم الأزهد، الإمام الرباني، المجتهد الشيباني، مقتدي المحدثين، رابع المجتهدين، محيى السنة، الصابر على المحنة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، المتصل نسبه بعدنان، المروزي الأصل. خرجت أمة من مرو وهي حامل به فولدته في بغداد في شعر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. وقيل: إنه ولد بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع، وتوفى ضحوة نهار الجمعة لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب.
وقد أستولت دجلة على جميع هذه المقبرة من نحو مائة وخمسين سنة أو أكثر، وكانت واقعة بين مقبرة الخيزران التى فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة ومقبرة الإمام موسى الكاظم رحمه الله تعالى.
وقد حرز من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً. وقيل: أسلم يوم موته عشرون ألفاً من النصارى واليهود
стр. 213
والمجوس. وقد صنف غير واحد من الأفاضل في ترجمة هذا الحبر الكامل كتباً ورسائل، ولا سيما العلامة أبن الجوزي قد أتى بالعجب العجاب، في كتابه المشتمل على مائة باب، وسنذكر منه على وجه الاختصار جملاً تنشرح بها الصدور والأبصار.
(فأقول) : قال صالح ابن الإمام أحمد: ولد أبي سنة أربع وستين ومائة في ربيع، وجئ به من مرو حملاً. وكذا روى ولده عبد الله عن أبيه أنه قال: قدمت بي أمى حاملاً من خراسان.
وقال أبو زرعه عنه: أصله بصري وخطته بمرو، وتوفى أبوه وهو طفل، ونشأ ببغداد وطلب بها العلم والحديث من شيوخنا، ثم رحل بعد ذلك في طلب العلم إلى البلاد كالكوفة والبصرة وما والاها، والمدينة والشام واليمن والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد، وقال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف.
ومشايخه كثيرون ومن أجلهم: عبد الرزاق بن همام، وقد رحل إليه إلي اليمن، وقال: ما قد علينا مثل أحمد بن حنبل. وقال وكيع: ما قدم الكوفة مثل أحمد. وقال قتيبة بن سعد: إذا رأيت الرجل يجب أحمد بن حنبل فأعلم أنه صاحب سنة. فقال مزاحم الخاقاني مضمناً لذلك: [طويل] .
لقد صار في الآفاق أحمد محنة وأمر الورى فيها فليس بمشكل
ترى ذا الهوى جهلاً لأحمد مبغضاً ... ... وتعرف ذا التقوى يجب أبن حنبل
(قلت) : ورأيت في تاريخ الخطيب البغدادي نحو هذين البيتين لأبن أعين وهما:
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة وبحب أحمد يعرف المتنسك
وإذا رأيت لأحمد متنقصاً ... فأعلم بأن ستوره ستهتك
стр. 214
قال: وقال الهمداني: أحمد محنة يعرف به المسلم من الزنديق. وقال الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام. أنتهى.
وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وقال أبو القاسم أبن الحنبلي: كان أحمد إذا سئل عن المسالة كان علم الدنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله تعالى جمع له علم الأولين والآخرين، من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وقال حرملة ابن يحيى: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أحداً أروع، ولا أتقى، ولا أفقه - وأظنه قال ولا أعلم - من أحمد بن حنبل. وقال حين دخوله إلى مصر: ما خلفت بالعراق أحداً يشبه أحمد بن حنبل.
وقال على بن المديني: إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، كفاك بالمديني شاهداً.
وقال أبو همام: ما رأيت مثل أحمد، ولا أرى أحمد مثله. وقال أبو عمير عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وقال محمد بن إبراهيم: هو عندي أفضل من سفيان الثوري وأفقه منه. وقال بشر الحافي: قال أحمد مقام الأنبياء، وقد تداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء، وبعضهم بالسراء، فكان فيها معتصماً بالله . تداوله المأمون، والمعتصم، والواثق بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين، غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس.
ثم أمتحن أيام المتوكل بالتكرم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا أنتقل عن حالته الأولى رغبة في الدنيا، حتى حكى عن
стр. 215
المتوكل أنه قال: إن أحمد ليمنعنا من بر ولده، أي لشدة ورعه عن أخذ ولده من أموال الملوك شيئاً.
(قلت) : ومن زيادة ورعه ما نقله الوالد نور الله تعالى ضريحه في كتابه ((الطراز المذهب)) أنه كان يشرب من الآبار، لم يشرب من ماء دجله لاغتصابها الأراضي، ووقوع الماء من دلاء المستقين فيها بعد ملكهم له. ومن العجائب أنها اغتصبت أيضاً قبره ﵁ وكافة القبور المجاورة له. وما حكاه ابن الجوزي والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: أنه كان يزرع داره ويخرج الزكاة عنها في كل سنة، يذهب في ذلك إلى قول عمر أمير المؤمنين في أرض السواد، فقد روى الشعبي أنه ﵁ بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد - أي سواد العراق - فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً. ويقال: إن حدوده من لدن تخوم الموصل مارا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة طولاً، وأما عرضه فمنقطع الجبل من حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب.
قال الخطيب بعد كلام كثير، ما منه: أنه ذكر غير واحد من العلماء ان بغداد دار غصب، وان أنقاض أبنيتها تباع دون الأرض، لأن الأنقاض ملك لأصحابها، واما الأرض فلا حق لهم فيها إذ كانت غصباً.
وأجازت طائفة بيعها، وأحتجت بأن عمر ﵁ أقر السواد في أيدى أهله، وجعل أخذ الخراج منهم عوضاً عن ذلك. ثم قال: وتحصل أن أرض بغداد ملك لأربابها، يصح أن تورث وتستغل وتباع، وعلى ذلك من أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء، وبهم يقتدى - أنتهى.
وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثاً عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به.
следующие страницы →