← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مؤمنون عارفون بالله تعالى، وانهم حشو الجنة للأخبار والإجماع فيه لكن منهم من قال: لا بد من نظر عقلي في العقائد، وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث الموجودات وإن عجزوا عن التعبير عنه على إصطلاح المتكلمين، والعلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم - أنتهى. وقال إمامنا الأعظم في الفقه الأكبر: وإذا أشكل على الإنسان شئ من دقائق علم التوحيد فينبغي له - أى فيجب عليه - أن يعتقد ما هو الصواب عند الله تعالى - أى بطريق الإجمال - إلى أن يجد عالماً يسأله ولا يسعه تأخير الطلب - أى عند تردده - في صفة من صفات الجلال ونعوت الجمال ولا يعذر بالوقوف فيه، ويكفر - أي في الحال - إن توقف على بيان الأمر في الآستقبال، لأن التوقف موجب للشك،وهو فيما يفترض اعتقاده كالإنكار. أنتهى بزيادة من الشرح. ثم قال الشارح النحرير: ولذا أبطلوا قول الثلجي من أصحابنا حيث قال في القرآن: أقول بالمتفق، وهو أنه كلامه تعالى، ولا أقول مخلوق أو قديم. هذا، والمراد به من دقائق علم التوحيد أشياء يكون الشك فيها منافياً للإيمان بذات الله تعالى وصفاته،ومعرفة كيفية المؤمن به بأحوال آخرته، فلا ينافى أن إمامنا أبا حنيفة توقف في بعض الأحكام. فالاختلاف فيها رحمة، والاختلاف في علم التوحيد ضلالة وبدعة، والخطأ في علم الأحكام مغفور بل صاحبه مأجور، بخلافه في علم الكلام فإنه كفر وزور - أنتهى. (قلت) : فلذا قال ابن عساكر: إن الأئمة الأربعة في العقائد متفقون فليحفظ.

стр. 212

فصل ولما كان هذا الكتاب يستطرد فيه بعض العقائد المعزبة إلى الحنبلي والأشعري لزم ترجمة الذاتين المنسوب إليهما ذلك، لتكون تذكرة لي وللطالبين، ولما قيل: إن الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين، وليعرف الواقف جلالة هذين الإمامين، وغزارة هذين البحرين، وانه إذا حقق، وامعن النظر ودقق، وتبين له أن عقيدتهما تسقى من ماء واحد، وليس بينهما خلاف يفضى إلى التبديع عند البصير الناقد، وكلاهما إن شاء الله تعالى من الفرقة التى هي مصداق الحديث الشهير، والآخذان بما كانت عليه الصحابة من غير تحريف وتغيير. (ترجمة الإمام أحمد بن حنبل) فالأول - الفقيه الأورع، والأعلم الأزهد، الإمام الرباني، المجتهد الشيباني، مقتدي المحدثين، رابع المجتهدين، محيى السنة، الصابر على المحنة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، المتصل نسبه بعدنان، المروزي الأصل. خرجت أمة من مرو وهي حامل به فولدته في بغداد في شعر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. وقيل: إنه ولد بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع، وتوفى ضحوة نهار الجمعة لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب. وقد أستولت دجلة على جميع هذه المقبرة من نحو مائة وخمسين سنة أو أكثر، وكانت واقعة بين مقبرة الخيزران التى فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة ومقبرة الإمام موسى الكاظم رحمه الله تعالى. وقد حرز من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً. وقيل: أسلم يوم موته عشرون ألفاً من النصارى واليهود

стр. 213

والمجوس. وقد صنف غير واحد من الأفاضل في ترجمة هذا الحبر الكامل كتباً ورسائل، ولا سيما العلامة أبن الجوزي قد أتى بالعجب العجاب، في كتابه المشتمل على مائة باب، وسنذكر منه على وجه الاختصار جملاً تنشرح بها الصدور والأبصار. (فأقول) : قال صالح ابن الإمام أحمد: ولد أبي سنة أربع وستين ومائة في ربيع، وجئ به من مرو حملاً. وكذا روى ولده عبد الله عن أبيه أنه قال: قدمت بي أمى حاملاً من خراسان. وقال أبو زرعه عنه: أصله بصري وخطته بمرو، وتوفى أبوه وهو طفل، ونشأ ببغداد وطلب بها العلم والحديث من شيوخنا، ثم رحل بعد ذلك في طلب العلم إلى البلاد كالكوفة والبصرة وما والاها، والمدينة والشام واليمن والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد، وقال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف. ومشايخه كثيرون ومن أجلهم: عبد الرزاق بن همام، وقد رحل إليه إلي اليمن، وقال: ما قد علينا مثل أحمد بن حنبل. وقال وكيع: ما قدم الكوفة مثل أحمد. وقال قتيبة بن سعد: إذا رأيت الرجل يجب أحمد بن حنبل فأعلم أنه صاحب سنة. فقال مزاحم الخاقاني مضمناً لذلك: [طويل] . لقد صار في الآفاق أحمد محنة وأمر الورى فيها فليس بمشكل ترى ذا الهوى جهلاً لأحمد مبغضاً ... ... وتعرف ذا التقوى يجب أبن حنبل (قلت) : ورأيت في تاريخ الخطيب البغدادي نحو هذين البيتين لأبن أعين وهما: أضحى ابن حنبل محنة مأمونة وبحب أحمد يعرف المتنسك وإذا رأيت لأحمد متنقصاً ... فأعلم بأن ستوره ستهتك

стр. 214

قال: وقال الهمداني: أحمد محنة يعرف به المسلم من الزنديق. وقال الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام. أنتهى. وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وقال أبو القاسم أبن الحنبلي: كان أحمد إذا سئل عن المسالة كان علم الدنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله تعالى جمع له علم الأولين والآخرين، من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وقال حرملة ابن يحيى: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أحداً أروع، ولا أتقى، ولا أفقه - وأظنه قال ولا أعلم - من أحمد بن حنبل. وقال حين دخوله إلى مصر: ما خلفت بالعراق أحداً يشبه أحمد بن حنبل. وقال على بن المديني: إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، كفاك بالمديني شاهداً. وقال أبو همام: ما رأيت مثل أحمد، ولا أرى أحمد مثله. وقال أبو عمير عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وقال محمد بن إبراهيم: هو عندي أفضل من سفيان الثوري وأفقه منه. وقال بشر الحافي: قال أحمد مقام الأنبياء، وقد تداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء، وبعضهم بالسراء، فكان فيها معتصماً بالله . تداوله المأمون، والمعتصم، والواثق بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين، غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس. ثم أمتحن أيام المتوكل بالتكرم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا أنتقل عن حالته الأولى رغبة في الدنيا، حتى حكى عن

стр. 215

المتوكل أنه قال: إن أحمد ليمنعنا من بر ولده، أي لشدة ورعه عن أخذ ولده من أموال الملوك شيئاً. (قلت) : ومن زيادة ورعه ما نقله الوالد نور الله تعالى ضريحه في كتابه ((الطراز المذهب)) أنه كان يشرب من الآبار، لم يشرب من ماء دجله لاغتصابها الأراضي، ووقوع الماء من دلاء المستقين فيها بعد ملكهم له. ومن العجائب أنها اغتصبت أيضاً قبره ﵁ وكافة القبور المجاورة له. وما حكاه ابن الجوزي والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: أنه كان يزرع داره ويخرج الزكاة عنها في كل سنة، يذهب في ذلك إلى قول عمر أمير المؤمنين في أرض السواد، فقد روى الشعبي أنه ﵁ بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد - أي سواد العراق - فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً. ويقال: إن حدوده من لدن تخوم الموصل مارا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة طولاً، وأما عرضه فمنقطع الجبل من حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب. قال الخطيب بعد كلام كثير، ما منه: أنه ذكر غير واحد من العلماء ان بغداد دار غصب، وان أنقاض أبنيتها تباع دون الأرض، لأن الأنقاض ملك لأصحابها، واما الأرض فلا حق لهم فيها إذ كانت غصباً. وأجازت طائفة بيعها، وأحتجت بأن عمر ﵁ أقر السواد في أيدى أهله، وجعل أخذ الخراج منهم عوضاً عن ذلك. ثم قال: وتحصل أن أرض بغداد ملك لأربابها، يصح أن تورث وتستغل وتباع، وعلى ذلك من أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء، وبهم يقتدى - أنتهى. وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثاً عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به.

стр. 216

[كتاب للإمام أحمد عن السنة] قال الشيخ جمال الدين أبو الفتوح عبد الرحمن بن على الحوزي: أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم قال: ثنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال ثنا أبو يعقوب الحافظ قال: ثنا محمد بن أحمد بن الفضيل، قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن بشر بن بكر، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد البردعي التميمي، قال: لما أشكل على مسدد بن مسرهد أمر الفتنة وما وقع فيه الناس من الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء، كتب إلى أحمد بن حنبل: أكتب لي سنة النبي ﷺ ، فلما ورد الكتاب على أحمد بكي وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون!! بزعم هذا البصري أنه أنفق في العلم مالاً عظيماً وهو لا يهتدي إلى سنة النبي ﷺ ، فكتب إليه: (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله لذى جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وسنة النبي ﷺ أهل الجهالة والردى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! ينفون عن دينه الله تعالى تحريف الغالين، وأنتحال المبطلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا أعنه الفتنة، مختلفين في الكتاب ويقولون على الله وفي الله - تعالى الله عما يقولون الظالمون علواً كبيراً -! وفي كتابه بغير علم، فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة! وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً. أما بعد: وفقنا الله تعالى وإياكم لكل ما فيه رضاه، وجنبنا وإياكم كل ما فيه سخطه، وأستعملنا وإياكم عمل الخاشعين له العارفين به، فإنه المسئول ذلك. وأوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم ولزوم السنة والجماعة،

стр. 217

فقد علمنا ما حل بمن خالفها فيمن أتبعها، فإنه بلغنا عن النبي ﷺ قال: ((إن الله ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها)) فأذكركم أن لا تؤثروا على القرىن شيئاً، فإنه كلام الله، وما تكلم الله تعالى به فليس بمخلوق، وما أخبر به عن القرون الماضية فغير مخلوق، وما في اللوح فغير مخلوق، ون قال مخلوق فهو كافر بالله ، ومن لم يكفرهم فهو كافر. ثم من بعد كتاب الله سنة النبي ﷺ ، والحديث عنه وعن المهديين من صحابة النبيو التابعين من بعدهم، والتصديق بما جاءت به الرسل. وأتباع السنة والنجاة، وهي التى نقلها أهل العلم كابراً عن كابر: واحذروا رأى جهم، فإنه صاحب رأى وخصومات. وأما الجهمية فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: أفترقت الجهمية على ثلاث فرق، فقال بعضهم: القرآن كلام الله وهو مخلوق. وقال بعضهم: القرآن كلام الهل وسكت، وهم الواقفة. وقال بعضهم: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، فهؤلاء كلهم جهمية، وأجمعوا على أن من كان هذا قوله فحكمه إن لم يتب لم تحل ذبيحته، ولا تجوز قضاياه. والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، فإن تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض الله تعالى جاحداً لها، فإن تركها تهاوناً أو كسلاً كان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. واما المعتزلة - فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم يكفرون بالذنب

стр. 218

فمن كان منهم كذلك فقد زعم أن آدم كافر، وأن إخوة يوسف كفار حين كذبوا أباهم. وأجمعت المعتزلة أن من سرق حبة فهو في النار، تبين منه امرأته، ويستأنف الحج إن كان حج، فهؤلاء الذين يقولون هذه المقالة كفار، وحكمهم أن لا يكلموا، ولا تؤكل ذبائحهم حتى يتوبوا. وأم الرافضة - فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن علياً أفضل من أبي بكر، وإن إسلام علي أقدم من إسلام أبي بكر، فمن زعم أن علياً أفضل من أبي بكر فقد رد الكتاب والسنة، لقول الله : ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ [الفتح ٢٩] فقدم أبا بكر بعد النبي ﷺ ولم يقدم علياً، وقال: ((لو كنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله قد أتخذ صاحبكم خليلاً)) يعني نفسه. ومن زعم أن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر فقد أخطأ، لأنه أسلم أبو بكر وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وعلي يومئذ ابن سبع سنين، لم تجر عليه الأحكام والحدود والفرائض. ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومرة من الله، وأن الله خلق الجنة قبل خلق الخلق، وخلق للجنة أهلاً،ونعيمها دائم فمن زعم أنه يبيد من الجنة شئ فهو كافر، وخلق النار وخلق للنار أهلاً وعذابها دائم، وأن الله تعالى يخرج قوماً من النار بشفاعة النبي محمد ﷺ ، أن أهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم لا محالة، وأن الله كلم موسى تكليماً، وأتخذ إبراهيم خليلاً. والميزان حق، والصراط حق، والأنبياء حق، وعيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، والإيمان بالحوض والشفاعة، والإيمان بالعرش والكرسي، والإيمان بملك الموت أنه يقبض الأرواح،ثم ترد الأرواح إلى الأجساد ويسألون عن الإيمان والتوحيد، والرسل. والإيمان بالنفخ في الصور والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل.

стр. 219

وان القبر الذى في المدينة قبر النبي محمد ﷺ ، ومعه أبو بكر وعمر. وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله والدجال خارج في هذه الأمة لا محالة، وينزل عيسى ابن مريم إلى الأرض فيقتله بباب لد (١) . وأما أنكرته العلماء من أهل السنة فهو منكر. وأحذروا البدع كلها، ولا عين تطرف بعد النبي ﷺ أفضل من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف من افضل من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف أفضل من عثمان. قال أحمد: كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان، ونسكت عن علي حتى صح لنا حديث ابن عمر بالتفصيل. قال أحمد: هم والله الخالفاء الراشدين المهديون، وان نشهد للعشرة أنهم في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وصلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة ابن الجراح. فمن شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بالجنة: ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات، والجهر بآمين عند قول الإمام ((ولا الضالين)) والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بالسيف، ولا تقاتل في الفتنة، ولا تتأل على أحد من المسلمين أن تقول: فلان في الجنة، وفلان في النار إلا العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وصفوا الله بما وصف الله به نفسه، واتقوا عن الله سبحانه ما نفاه عن نفسه واحذروا الجدل مع أصحاب الأهواء، والكف عن مساوى أصحاب النبي ﷺ والتحدث بفضائلهم، والإمساك عما شجر بينهم. ولا تشاور أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك. ولا نكاح إلا

стр. 220

بولي وخاطب وشاهدي عدل، والمتعة حرام إلى يوم القيامة، والصلاة خلف كل بر وفاجر: صلاة الجمعة وصلاة العيدين، الصلاة على من مات من أهل القبلة وحسابهم على الله. والخروج مع كل إمام خرج في غزوة أو حجة والتكبير على الجنازة أربع، فإن كبر الإمام خمساً فكبر معه، كفعل على ابن أبي طالب. قال عبد الله بن مسعود: كبر ما كبر إمامك. قال أحمد: خالفني الشافعي، فقال: إن زاد على أربع تكبيرات تعاد الصلاة. واحتج على بحديث النبي ﷺ أنه صلى على جنازة فكبر أربعاً. والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة. وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى. ولا صلاة قبل العيد. وإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصلى ركعتين تحية المسجد. والوتر ركعة، والإقامة فرد أحب إلى أهل السنة. امامنا الله تعالى وإياكم على الإسلام والسنة، ورزقنا وإياكم العلم، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أنا أبو البركات بن علي البزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الطرنئبي قال: ثنا هبة الله بن الحسن الطبري، واخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، ثنا الحسن ابن أحمد الفقيه قال ثنا على بن محمد، ثنا سليمان المنقري، قال ثنا عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والإقتداء بهم، وترك البدع، كل بدعة فهي ضلالة، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين. والسنة عندنا: آثار رسول الله ﷺ ، والسنة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى.

стр. 221

ومن السنة اللازمة التى من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها يكون من أهلها -: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه. والإيمان بها لا يقال لم، ولا كيف، إنما هو التصديق والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفى ذلك واحكم له فعليه الإيمان به والتسليم له مثل حديث الصادق المصدوق، ومثل ما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع وأستوحش منها المستمع، فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات. وألا تخاصم أحداً ولا تناظره، ولا تتعلم الجدال، فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه، منهي عنه. لا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة، حتى بدع الجدال. ونسلن ونؤمن بالآثار. والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، ولا نضعف أن نقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله سبحانه ليس ببائن منه، وليس منه شئ مخلوقاً. وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدرى مخلوق أو ليس بمخلوق، إنما هو كلام الله وليس بمخلوق. والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روى عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح.وأن النبي ﷺ قد رأى ربه فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ورواه على ابن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. والحديث عندنا على ظاهرة كما جاء عن النبي ﷺ -

стр. 222

والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به على ظاهرة، ولا تناظر فيه أحداً. والإيمان بالميزان يوم القيامة، كما جاء ((يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة)) وتوزن أعمال العباد كما جاء في الآثر، والتصديق به والإعراض عمن رد ذلك وترك مجادلته، وان الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان، والإيمان به والتصديق والإيمان بالحوض، وان لرسول الله ﷺ حوضاً يوم القيامة ترد عليه امته عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه والإيمان بعذاب القبر، وان هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه ومن نبيه، ويأتيه منكر ونكير كيف يشاء الله وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به، والإيمان بشفاعة النبي ﷺ ، وبقوم يخرجون من النار بعد ما أحترقوا وصاروا فحماً، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاءفي الآثر كيف يشاء وكما يشاء، إنما هو الإيمان والتصديق به. والإيمان بالمسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التى جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ابن مريم ﵇ ينزل فيقتله بباب لد. والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) . ومن ترك الصلاة فقد كفر. وليس من الأعمال شئ تركه كفر إلا الصلاة، ومن تركها فهو كافر، وقد أحل الله تعالى قتله. والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله وبعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كن فيه فهو منافق)) على التغليظ نرويها كما جاءت ولا نفسرها وقوله ﵊: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً ضلالاً يضرب

стр. 223

بعضكم رقاب بعض)) ، ومثل: ((إذا ألتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) ، ومثل: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ، ومثل: ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) ، ومثل: ((كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق)) ، ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإنا نسلم له وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيه ولا نجادل فيه، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت، ولا نردها إلا بأحق منها. وارجم حق على من زنى وقد أحصن إذا أعترف أو قامت عليه بينه، قد رجم رسول الله ﷺ ورجمت الأئمة الراشدون. قال: ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف على المسئ المذنب، ونرجو له رحمة الله تعالى، ومن لقى الله بذنب تجب له به النار تائباً غير مصر عليه، فإن الله سبحانه يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ومن لقيه وقد أقيم عليه حد في الدنيا من الذنوب التى أستوجب بها العقوبة فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ومن لقيه من كافر عذبه ولم يغفر له. قال: ومن الإيمان الاعتقاد أن الجنة والنار مخلوقتان، كما جاء عن رسول الله ﷺ : ((دخلت الجنة فرأيت قصراً ودخلت في النار فرأيت كذا)) فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ﷺ ، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار. ومن مات من اهل القبلة موحداً يصلى عليه ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً وأمره إلى الله . وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله ويدفع عنهما بكل ما يقدر، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم

стр. 224

ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوى بجهده أن لا يقتل أحداً، فإن أتى على يديه في دفعه عن نفسه وماله رجوت له الشهادة، كما جاء في الأحاديث وجميع الآثار في هذا، إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله ولا أتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع وإن كان جريحاً، وغن أخذه أسيراً فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله تعالى فيحكم فيه. والسمع والطاعة للأئمة وامير المؤمنين البر والفاجر. ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين. والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك. وقسمة الفئ وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم. ورفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه براً كان أو فاجراً. وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزاً إمامته - ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع تارك الآثار مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شئ إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن يصلى معهم ركعتين ويدين بأنها تامة - ولا يسكن في صدرك شك، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس أجمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة - فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق. أخبرنا المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر، قالا حدثنا أحمد بن الحسن المعدل، قال حدثنا المبارك بن عبد الجبار، وأحمد بن المظفر، الثمار، قالوا:

стр. 225

أخبرنا عبد العزيز بن علي القربيسي، قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الحافظ، قال ثنا الحسن بن إسماعيل الربعي، قال: قال لي أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والصابر لله تحت المحنة. أجمع سبعون رجلاً من التابعين وأئمة المسلمين وأئمة السلف وفقهاء الأمصار، على؟ أن السنة التى توفي عليها رسول الله ﷺ أولها الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به والنهي عما نهى الله تعالى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والمسح على الخفين، والجهاد مع كل خليفة بر وفاجر، والصلاة على من مات من أهل القبلة. والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والقرآن كلام الله منزل على قلب نبيه ﷺ غير مخلوق من حيث تلى، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور، ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا، ولا يكفر أحد من اهل التوحيد وإن عملوا بالكبائر والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وأفضل الناس بعد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ابن عم رسول الله ﷺ ، والترحم على جميع أزواج رسول الله ﷺ وأولاده وأصهاره رضوان الله عليهم أجمعين. فهذه السنة آلزموها تسلموا أخذها بركة، وتركها ضلالة. أنتهى بحروفه وقد أمتحن في مسألة خلق القرآن وضرب وحبس، فصبر على ذلك حتى أنار الله تعالى به السنة، وخذل به اهل البدعة. [محنة القول بخلق القرآن] قال الدميري: وحكي أن الشافعي - رحمه الله تعالى - لما حضر في مصر

стр. 226

رأى في المنام سيد المرسلين ﷺ وهو يقول له: أبشر أحمد ابن حنبل بالجنة على بلوى تصيبه، فإنه يدعى إلى القول بخلق القرآن فلا يجيب إلى ذلك، بل يقول: هو منزل غير مخلوق. فلما أصبح الشافعي ﵁ كتب صورة ما رآن في منامه وأرسله مع الربيع إلى بغداد إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فلما وصل بغداد قصد منزل أحمد وأستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه قال: هذا كتاب أخيك الشافعي، فقال له: هل تعلم ما فيه:؟ قال لا، ففتحه وقرآه وبكى وقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ثم أخبره بما فيه فقال: الجائزة؟ وكان عليه قميصان احدهما على جسده والآخر فوقه فنزع الذى على جسده ودفعه إليه فأخذه ورجع إلى الشافعي فقال له الشافعي: ما أجازك؟ قال: أعطاني القميص الذى على جسده، فقال له: أما انا فلا أفجعك فيه، ولكن أغسله وأئتنى بماء غسله، واتاه بالماء فأفاضه على سائر جسده. انتهى. وما أحسن ما ينسب إليه فيه قول [كامل] قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل ما تعدت منزله إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الباب السادس والستين ما ملخصه: إنه لم يزل الناس على قانون السلف وقولهم: إن القرآن كلام الله غير مخلوق حتى نبعث المعتزلة فقالت بخلق القرآن، وكانت تستر ذلك. وكان القانون محفوظاً في زمن هارون الرشيد كما قال محمد بن نوح سمعت هارون الرشيد أمير المؤمنين يقول: بلغني أن بشراً المريسى زعم ان القرآن مخلوق؟ على إن اظفرني الله به لأقتلنه قتله ما قتلها أحد قط. قال أحمد:

стр. 227

فكان بشر متوارياً في أيامه نحواً من عشرين سنة حتى مات هارون، فظهر ودعا إلى الضلالة. ولما ولي المأمون خالطه قوم من المعتزلة فحسنوا له القول بخلق القرآن، وكان يتردد في حمل الناي على ذلك ويراقب الأشياخ، ثم قوى عزمه فحمل الناس عليه حتى سافر المأمون إلى بلاد الروم فكتب وهو بالرقة إلى أسحق ابن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد بامتحان الناس فامتحنهم. قال صالح ابن الإمام أحمد: ثم أمتحن القوم جميعاً غير أربعة: أبي ومحمد ابن نوح وعبد الله بن عمر القواريري والحسن بن حماد سجادة، ثم أجاب عبد الله بن عمر والحسن بن حماد، وبقى ابي ومحمد بن نوح في الحبس فمكثا أياماً في الحبس، ثم ورد الكتاب من طرطوس بحملها مقيدين زملين فصرنا معهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأحوال أبي فقال: يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا. ولما رحلنا من الرحبة عرض لنا رجل في جوف الليل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا. فقال للجمال على رسلك! ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة هاهنا ثم قال: أستودعك الله تعالى ومضى. فسئل عنه فقيل: هو رجل من ربيعة يقال له جابر بن عامر يذكر بخير وقال أحمد: ما سمعت كلمة منذ وقعت في الأمر الذى وقعت فيه اقوى من كلمة أعرابي كلمنى بها في رحبة طوق. قال: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً قال: فقوى قلبي. قال ابن أبي حاتم: فكان كما قال، لقد رفع الله شأن أحمد بن حنبل بعد ما أماحن وعظم عند الناس، وارتفع أمره جداً. قال صالح قال أبي: لما صرنا إلى أذنه ورحلنا منها وذلك في جوف الليل

стр. 228

وفتح لنا بابها، فإذا رجل قد دخل فقال: البشرى؟ قد مات الرجل! قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه، فبويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد في سنة ثمان وعشر ومائتين. فمات محمد بن نوح في الطريق ودفن كما قيل بعانة، وصلى عليه الإمام أحمد، ورد مقيداً فمكث بالياسرية أياماً، ثم رد إلى الحبس في دار أكتريت له، ثم نقل إلأى حبس العامة في درب الموصلي فامتحنه المعتصم بخلق القرآن. وكان أحمد بن أبي داود على قضاء القضاة، قال أحمد: لما كان في شهر رمضان سنة تسع حولت إلى دار إسحق بن إبراهيم، فوجه إلى في كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيث فلا يزالان يناظراني حتى إذا أرادا الإنصراف بقيد فزيد في قيودي فصار في رجلي أربعة أقياد. فلما كان اليوم الثالث دخل على أحد الرجلين فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت! فلما كان في الليلة الرابعة وجه المعتصم إلى أسحق فأمره بحملي إليه فأدخلت إلى إسحق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضرباً بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى الشمس فيه أليس قد قال الله : ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً﴾ [الزخرف ٣] أفيكون مجعول إلا مخلوقاً؟ فقلت له: قد قال الله : ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل ٥] أفخنقهم؟ فسكت. ثم قال أذهبوا به. قال أحمد: فما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان، أخرجت وجئ بدابة فحملت عليها وعلى الأقياد معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أخر على وجهي لثقل القيود فجئ بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة

стр. 229

وأدخلت إلى بيت وأقفل علي الباب، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة فمددت يدى فغذا أنا بإناء فيه ماء وطشت موضوع فتوضأت للصلاة وصليت، فلما كان من الغد أخرجت تكتى من سروالي وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة بيدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي داود حاضر، وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه ومعهم أبو عبد الرحمن الشافعي. قال إبراهيم بن محمد بن الحسن: فأجلس بين يدي وكانوا هولوا عليه وقد كانوا ضربوا عنق رجلين، فنظر أحمد إلى أبي عبد الرحمن الشافعي فقال: أي شئ تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي داود: أنظروا رجلاً هو ذا يقوم لضرب العنق يناظر في الفقه؟ ! . قال صالح قال أبي: لما دخلت إليه قال لي - يعني المعتصم -: أدنه أدنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: أجلس فجلست، وقد أثقلتنى القيود فمكثت قليلاً ثم قلت: تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم فقلت: إلام دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت أنا أشهد ان لا إله إلا الله، ثم قلت: إن جدك ابن عباس قال لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان فقال: ((أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم)) قال أبي فقال: لولا أنى وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحق: ألم آمرك أن تدفع المحنة؟ قال أبي: فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجاً للمسلمين. ثم قال لهم: ناظروه وكلموه.

стр. 230

ثم قال: يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن فقلت له: ما تقول في علم الله تعالى فسكت. فقال لي بعضهم: أليس قال الله ﴿خالق كل شئ﴾ [الرعد ١٦] والقرآن أليس هو شيئاً؟ قال أبي: فقلت قال الله ﴿تدمر كل شئ بأمر ربها﴾ [الأحقاف ٢٥] فدمرت إلا ما أراد الله . وقال بعضهم: قال الله ﴿ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء ٢] أفيكون محدث إلا مخلوقاً؟ قال أبي: فقلت له قال الله ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ [ص الآية ١] والذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام؟ قال أبي: وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين: ان الله خلق الذكر؟ فقلت: هذا خطأ حدثنا غير واحد أن الله كتب الذكر. وأحتجوا على بحديث ابن مسعود: ((ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي)) . قال ابي: فقلت إنما يوقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. قال: فقال بعضهم حديث خباب: ((يا هنتاه تقرب إلى الله تعالى بما أستطعت فإنك لم تتقرب إليه بشئ أحب إليه من كلامه)) . قال: هذا كذا هو، فجعل ابن أبي داود ينظر إليه كالمغضب. قال: وكان يتكلم هذا فأرد عليه. فإذا أنقطع الرجل منهم أعترض ابن أبي داود فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل مبتدع! قال أبي: فيقول: كلموه وناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا أنقطعوا يقول لي - يعني المعتصم -: ويحك يا أحمد؟ ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به.

стр. 231

وحكي محمد بن إبراهيم أن أبن ابي داود أقبل على أحمد يكلمه، فلم يلتفت إليه أحمد حتى قال المعتصم لأحمد: ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لست أعرفه من اهل العلم فأكلمه. وقال صالح: جعل ابن أبي داود يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك لهو أحب لي من مائة ألف دينار. فيعدد من ذلك ما شاء الله تعالى. قال: فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي ولأطأن عتبته! ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفقن عليك كشفقي على هارون ابني، ما تقول!! فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . فلما كال المجلس ضجر وقال: قوموا وحبسني وعبد الرحمن بن إسحق يكلمني وقال: ويحك أجبني؟ وقال لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحق: يا أمير المؤمنين أعرفه من ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معكم، قال فيقول: والله إنه لعالم، وإنه لفقيه، وما يسوءني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل. ثم قال لي: ما كنت تعرف صالحاً الرشيدي؟ قال، قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الموضع جالساً وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن فخالفني، فأمرت به فوطئ وسحب. ثم قال لي: يا أحمد أجبني إلى شئ لك فيه أدني فرج حتى أطلق عنك بيدي، قال قلت: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله فطال المجلس فقام ودخل، ورددت إلى الموضع الذى كنت فيه. فلما كان بعد المغرب وجه إلى برجلين من أصحاب ابن أبي داود يبيتان

стр. 232

عندي، ويناظراني ويقيمان معي، حتى إذا كان وقت الإفطار جئ بالطعام ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل. قال ابي: ووجه إلى - يعني المعتصم - ابن أبي داود في بعض الليل فقال: إن أمير المؤمنين يقول: ما تقول؟ فأرد عليه مثل ما كنت أرد. فقال ابن أبي داود: والله لقد كتب أسمك في السبعة: يحيى بن معين وغيره فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك. ثم يقول إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضرباً بعد ضرب، وإن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، ويقول إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي، ثم انصرف. فلما أصبح - وذلك اليوم الثاني - جاء رسوله وأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه فقال لهم: ناظروه كلموه فجعلوا يناظرونني ويتكلم هذا من ههنا فأرد عليه، ويتكلم هذا من ههنا فأرد عليه، فإذا جاءوا بشئ من الكلام مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولا فيه خبر قلت: ما أدرى ما هذا، قال: يقول يا أمير المؤمنين: إذا توجهت له الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشئ يقول لا أدري ما هذا. فقال: ناظروه، فقال رجل: يا أحمد، أراك تذكر الحديث وتنتحله؟ قلت: ما تقول في ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء ١] فقال: خص الله عز ودل بها المؤمنين. فقلت: ما تقول إن كان قائلاً أو عبداً أو يهودياً؟ قال: فسكت. وإنما احتجت عليهم بهذا، لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن، وحيث قال لي: أراك تنتحل الحديث، فلم يزالوا كذلك إلى أن قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا، وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحق، فلم يزل يكلمني. ثم قال فدخل ورددت إلى الموضع، فلما كان الليل نام من معي من أصحابي وأنا متفكر في أمري، فإذا برجل طويل يتخطي الناس حتى دنا مني فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فسكت، فقالها ثانية فسكت، فقالها ثالثة: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم قال:

стр. 233

أصبر ولك الجنة. ولما مسني حر السوط ذكرت قول ذلك الرجل. قال أحمد: فلكا كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غداً من أمري شئ فقلت لبعض من كان معي الموكل بي: أطلب لي خيطاً فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شئ فأعتري، فلما كان الغد في اليوم الثالث وجه إلى فأدخلت إلى الدار غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم بالسيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء. فلما أنتهيت إليه قال أقعد، ثم قال: ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظرونني ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسي قائم يومئ إلى بيده. فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم ثم نحاني، وردني إليه قال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحواً مما كنت أرد، فقال لي: عليك - وذكر اللعن - ثم قال: خذوه واسحبوه وأخلعوه، فسحبت ثم خلعت. وكان صار إلى شعر من شعر النبي ﷺ فصررته في كم قميصي، فوجه إلى إسحق بن إبراهيم: ما هذا مصروراً في كم قميصك؟ فقلت: شعر من شعر النبي ﷺ . قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه علي فقال له المعتصم: لا تخرقوه، فنزع القميص عني فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذى كان فيه. وجلس المعتصم على كرسي ثم قال: العقابين والسياط، فجئ بالعقابين والسياط، فمدت يداى فقال بعض من حضر خلفى: خذ ثاني الخشبتين بيدك وشد عليهما، فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداى. قال محمد بن إبراهيم: ذكروا ان المعتصم لان في أمر أحمد لما علق في

стр. 234

العقابين ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره حتى أغراه ابن أبي داود وقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله فهاجمه ذلك على ضربه. وقال أحمد؟ ثم قال للجلادين تقدموا، فجعل يتقدم إلى الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول له المعتصم: شد قطع الله يدك، ثم يتنحى ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو في ذلك يقول: شدوا قطع الله أيديكم. فلما ضربت تسعة عشر سوطاً قال إلى فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك، إنى والله عليك شفيق! وجعل عجيف ينسخني بقائمة سيفه وقال: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول: ويلك! الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم يا أمير المؤمنين، دمه في عنقى أقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم، وانت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أقول به، ثم رجع فجلس ثم قال للجلاد: تقدم، أوجع، قطع الله يدك. ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني. فجعلوا يقبلون علي ويقولون: ويلك يا أحمد، إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الآمر ما تصنع. وجعل المعتصم يقول: ويحك، أجبني إلى شئ لك فيه من أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به. فرجع وجلس فقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين، ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك. قال أحمد: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني. فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك باربة ودسناك،

стр. 235

قال أحمد، فما شعرت بذلك. أتوني بسويق فقالوا لي: أشرب وتقيأ. فقلت لست أفطر. ثم جئ بي إلى دار إسحق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً. قال أبو الفضل: ثم خلى عنه فصار إلى منزله، فمكث في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهراً. وقال إبراهيم بن مصعب الشرطي: ما رأيت أحداً لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك أثبت قلباً من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب. وأخبر أبو العباس الرقي: إنهم دخلوا على أحمد لما كان في الرقة، وهو محبوس فجعلوا يذاكرونه ما يروى في التقية من الأحاديث، فقال: كيف تصنعون بحديث خباب ((إن من كان قبلكم كان ينشر بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه)) قال: فيئسنا منه. وقال له المروذي لما أرادوا أن يقدموه للضرب: يا أستاذ، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء ٢٩] فقال: يا مروذي، أخرج أنظر أي شئ ترى؟ قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقاً من الناس لا يحصى عددهم إلا الله ، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم. فقال لهم المرودي: أي شئ تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه فقال المروذي: مكانكم فدخل إلى أحمد وقال له: رأيت قوماً بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه. قال: يا مروذي، أضل هؤلاء كلهم أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء كلهم. قلت: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله فبذلها وقد صح عنه عليه

стр. 236

الصلاة والسلام أنه قال: ((يبتلى الرجل على حسب دينه)) ، فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره. وقال ميمون بن الأصبغ: كنت ببغداد فسمعت ضجة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فأتيت منزلي فأخذت مالا له حظ وذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني فإذا بالسيوف قد جردت، وبالرماح قد ركزت، وبالتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفاً، ووقفوني حيث أسمه الكلام، فأتى أمير المؤمنين وجلس على كرسي، وأتى بأحمد بن حنبل فقال له: وقرابتي من رسول الله لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول، ثم التفت إلى الجلاد فقال: خذه إليك. فلما ضرب سوطاً قال: بسم الله. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فضرب تسعة وعشرين سوطاً. وكان تكة أحمد حاشية ثوب فأنقطعت فنزل السروايل إلى عانته، فقلت الساعة ينتهك، فرمى أحمد طرفه نحو السماء وحرك شفتيه، فما كان باسرع من أن بقى السراويل لم ينزل. قال ميمون: ورحلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك يوم ضربوك قد أنحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء، ورأيتك تحرك شفتيك فأى شئ قلت؟ قال قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذى ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً. وقال على بن محمد القرشي: لما جرد، وبقى في سراويله، وبينما هو يضرب أنحل السراويل، فجعل يحرك شفتيه بشئ فرأيت يدين خرجتا من تحته، وهو يضرب فشدتا السراويل.

стр. 237

وقال محمد بن إسما عيل: سمعت بعضهم يقول: ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطاً لو ضربتها فيلاً لهرته. وأخبرنا الراشدي أنه كان يقول عند الضرب: بك أستغيث يا جبار السماء والأرض. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: كنت كثيراً أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله تعالى لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت يا أبت، من أبا الهيثم؟ قال لا تعرفه؟ قلت لا. قال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذى أخرجت فيه للسياط، ومدت يدي للعقابين، إذ أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لى تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوطاً بالتفاريق، وضربت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضربت ثمانية عشر سوطاً بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفاً. وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين. قال أبو القاسم البغوي: رأيت أحمد بن حنبل داخلاً إلى جامع المدينة وعليه كساء أخضر، وبيده نعلاه، حاسر الرأس، فرأيت شيخاً آدم طوالاً أبيض اللحية، وكان على دكة المنارة قوم من أصحاب السلطان فنزلوا واستقبلوه وقبلوا رأسه ويده، وقالوا له: أدع على من ظلمك، فقال: ليس بصابر من دعا على ظالم. وحكى أبو عمر المخزومي قال: كنت بمكة أطوف بالبيت مع سعيد ابن منصور، فإذا صوت من ورائي: ضرب أحمد بن حنبل اليوم. وفي رواية أخرى: قال لي سعيد: أتسمع ما أسمع؟ قلت: نعم، فجاء الخبر أنه ضرب في ذلك اليوم. قال أبو غالب: في العشر الأواخر من رمضان سنة عشرين أو تسع وعشرين ومائتين.

стр. 238

قال أحمد: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية - يعني عجيفاً - فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج تضرب عنقي فأستريح. فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، أضرب عنقه ودمه في رقبتي. فقال له أحمد بن أبي داود: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إماماً وثبتوا على ما هو عليه، لا، ولكن أطلقه الساعة فإن مات خارجاً من منزلك شك الناس في أمره، وقيل: أخرج أحمد بعد أن أجتمع الناس على الباب وضجوا حتى خاف السلطان، فخرج وقال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم هذا أحمد بن حنبل. قال: فأنظروا إليه أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. فلما قال قد سلمته إليكم هدأ الناس وسكتوا فخرج. وقد أجل الإمام أحمد من أمر بضربه أو حضر. قال إبراهيم الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي داود داعية لأحللته. وقال عبد الله ابن أحمد: قرأت على ابي ((أن لله باباً في الجنة لا يدخله إلا من عفا عمن ظلمه)) فقال لي: يا بني، ما خرجت من دار أبي أسحق (١) حتى أحللته ومن معه إلا رجلين: ابن أبي داود وعبد الرحمن بن أسحق، فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله من أن يعذب في أحداً أشهدك أنهما في حل. قال صالح: وقد كان أثر الضرب بيناً في ظهر أبي إلى أن توفى رحمه الله تعالى. وبعد أن خرج قطع الحديث إلى ان مات المعتصم، فحدث في سنة سبع وعشرين، ثم قطع الحديث من غير منع من السلطان، ولكن كتب الحسن

стр. 239

بن علي بن الجعد، وهو يؤمئذ قاضي بغداد إلى ابن أبي دواد: أن أحمد قد أنبسط في الحديث، فبلغ ذلك أحمد فأمسك عن الحديث من غير أن يمنع. وكانت ولاية المعتصم ثمان سنين وثمانية أشهر. ثم ولي الواثق أبو جعفر بن المعتصم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وحسن له ابن أبي داود امتحان الناس بخلق القرآن ففعل ذلك ولم يعرض لأحمد، إما لما علم من صبره، أو لما خاف من تأثير عقوبته، لكنه أرسل إليه لا تساكني بأرض. فاختفى الإمام أحمد بقية حياة الواثق. قال إبراهيم بن هانئ النيسابوري: أختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاث ليال. ثم قال: أطلب لي موضعاً حتى أدور إليه، فقلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله. فقال لي: النبي ﷺ أختفى في الغار ثلاثة أيام ثم دار، وليس ينبغي أن نتبع سنة رسول الله ﷺ في الرخاء ونتركها في الشدة. ثم بعد التنقل في الأماكن عاد إلى منزله فاختفى فيه إلى أن مات الواثق. قال ابن الجوزي: روى أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه، رأى بها أن الأولى ترك الإمتحان. فقد حكى طاهر بن خلف عن المهتدي باله قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلاً أحضرنا ذلك المجلس، فأتى بشيخ مخصوب مقيد فقال أبي: أئذنوا لأبي عبد الله وأصحابه - يعني ابن أبي داود - قال - فأدخل الشيخ، فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فقال: لاسلام الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدبك مؤدبك! قال الله تعالى:: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾

стр. 240

[النساء ٨٦] والله ما حييتنى بها ولا بأحسن منها! فقال ابن أبي داود يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم. فقال له: كلمه فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني ولي السؤال، فقال له: سل، فقال الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. فقال: هذا شئ علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون؟ أم شئ لم يعلموه؟ فقال: شئ لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شئ لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت؟ فخجل فقال: أقلني، قال: المسألة بحالها؟ قال: نعم. قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: هذا شئ علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون؟ أم شئ لم يعلموه؟ فقال: شئ لم يعلموه؟ فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. فقال: ألا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة وأستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شئ لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر إلى أخره. ثم دعا عمار الحاجب فأمر أن ترفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له في الرجوع إلى الشام. وسقط من عينيه ابن أبي داود. وتروى هذه بصورة أخرى مذكورة في الأصل. وقال المهتدي: إن الواثق مات وقد تاب عن القول بخلق القرآن. ولما بويع بعده المتوكل جعفر بن المعتصم سنة أثنتين وثلاثين ومائتين، وسنة ست وعشرون سنة فاظهر الله به السنة، وكشف تلك الغمة، فشكره الناس على ما فعل، وأمر العلماء أن يجلسوا للناس، وان يحدثوا بالأحاديث التى فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، حتى

стр. 241

جلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور (١) ووضع له سريد واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس في مسجد الرصافة، وانشد بعضهم: [رمل] ذهبت دولة أصحاب البدع ... ووهي حبلهم ثم أنقطع وتداعى بانصرام شملهم ... حزب إبليس الذى كان جمع هل لهم يا قوم في بدعهتهم ... من فقيه أو إمام متبع ومنها: [رمل] أوفتى الإسلام أعني أحمداً ... ذاك لو قارعه الفيل قرع لم يخف سطوتهم إذا خوفوا ... لا ولا سيفهم لما لمع وقد بعث المتوكل بعد مضي خمس سنين من ولايته لتيسيير أحمد بن حنبل فقد نقل غير واحد أنه وجه المتوكل إلى أسحق بن إبراهيم بأمره بحمله إليه فوجه أسحق إليه وقال له: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي يأمرني بإشخاصك إليه فتأهب لذلك. وقال له: أجعلني في حل من حضوري ضربك. فقال: أحمد: قد جيعلت كل من حضر في حل. فقال له: أسألك عن القرآن مسألة مسترشدة لا مسألة امتحان، فقال له الإمام أحمد: القرآن كلام الله : ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر. فقال أسحق: الأمر مخلوق؟ فقال أحمد: سبحان الله! أمخلوق يخلق مخلوقاً! فقال أسحق: وعمن يحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقال: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق، فسكت إسحق وأرسل له المتوكل بعشرة آلاف درهم معونة لسفره إليه

стр. 242

فأخذها بعد الرد والكرم الكثير، وفرقها على أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم. وكان يقول عند مواصلة المتوكل له: وهذا أمر أشد على من ذاك ذاك فتنة الدين الضرب والحبس، كنت أحمله في نفسي، وهذا فتنة الدنيا. ولم يقبل شيئاً من ماله. قال ابن الجوزي: وإنما أخترنا مذهبه على مذهب غيره لمرجحات منها: شهادة العلماء والصلحاء في تفرده بالعلم والتقوى، والزهد والورع. ومنها سعة أطلاعه بالكتاب والسنة، والغوص في المعاني. ومنها تأخره عن غيره من المجتهدين، وضم علمهم إلى علمه، وأنفراده بفتاوي الصحابة والتابعين. وأما القياس فله فيه من الاستنباط ما يطول شرحه، وكذا العلوم العربية، ومنها أتباع كثير من العلماء والأولياء المقطوع بولايتهم له. (قلت) ولا سيما العالم الرباني، والوالي الكيلاني، سيدي محيى الدين الشيخ عبد القادر نور الله تعالى روضة قبره، وجعله من الفائزين برحمته عند حشره ونشره، الذى قال في حقه الشيخ ابن تيمية: إن كراماته قد ثبتت بالتواتر، بين الأكابر والأصاغر، فإنه قدس كان لمذهبه خير مشيد بل المروج المجدد. ومما ينسب للإمام أحمد من الشعر قوله: [طويل] إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب لهونا عن الأيام حتى تتابعت ... ذنوب على آثارهن ذنوب فياليت أن الله يغفر ما مضى ... ويأذن في توبتنا فنتوب إذا ما مضى القرن الذى أنات فيهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب أنتهى ملخصاً باقتصار. وأقتطافاً من تلك الروضة اليانعة الأزهار. وإنما أطلنا في هذه القصة الكلام لخلو كثير من التواريخ عنها، وليلتقط الناظر بعض

стр. 243

الفوائد منها، وإن أردت تفصيل أحوال هذا الإمام: من زهد وورع وعلم وصلاة وصيام، فعليك بالترجمة الأصلية وغيرها من الطبقات والتواريخ البهية. تتمة [نقلة فقه الإمام أحمد] مطلب من نقل الفقه عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁. قال الإمام أبو أسحق إبراهيم بن علي بن يوسف القيروز ابادي المعروف ((بالشيرازي)) المتوفي سنة ٤٧٦ في كتابه طبقات الفقهاء: إن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى عليه نقل عنه الفقه جماعة، منهم: أبنه صالح وكني أبا الفضل، وولي القضاء بأصفهان، ومات بها سنة ست وستين ومائتين وله ثلاث وستون سنة. ومنهم أبنه الآخر عبد الله وكنيته أبو عبد الرحمن، وكان عالماً بعلل الحديث وأسماء الرجال، مات ببغداد سنة تسعين ومائتين وله تسع وتسعون سنة وقبر في مقابر باب التبن. وأوصى أن يدفن هناك وقال: قد بلغني أن هناك نبياً مدفوناً، ولا أكون في جوار نبي أحب إلى من أن أكون في جوار أبي. ومنهم أبو علي حنبل بن أسحق، مات سنة ثلاث وتسعين ومائتسن. ومنهم أبو بكر المروذي وخرج إلى الغزو فشيعه الناس، فخرزوا بسر من رأى سوى من رجع نحواً من خمسين ألفاً، فقيل: يا أبا بكر، هذا علم قد نشر لك، فبكى ثم قال: ليس هذا العلم لي، إنما هو علم أحمد بن حنبل. وكان يقول: قليل التقوى يهزم كثير الجيش، مات سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن قريباً من أحمد.

стр. 244

ومنهم أبو بكر أحمد بن هانئ الكلبي الأثرم. وكان حافظاً للحديث. ومنهم أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وهو إمام في الحديث، مات سنة خمس وسبعين ومائتين، وله ثلاث وتسعون سنة. ومنهم أبو إسحق إبراهيم الحربي إمام في الحديث، وله مصنفات كثيرة، مات سنة خمس وثمانين ومائتين. ثم حصلت الرواية عن أحمد في طبقة أخرى. فمنهم أبو بكر أحمد بن هرون الخلال، له مصنفات كثيرة في الفقه، وله كتاب الجامع في المذهب، واخذ العلم عن المروذي، وصالح وعبد الله أبني أحمد مات سنة إحدى عشرة وثلثمائة. ومنهم أبو علي الحسين بن عبد الله الخرقى، مات سنة تسع وتسعين ومائتين. ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد، وكان يروى مسائل صالح، توفى سنة ثلاث عشرة وثلثمائة. ومنهم أبو محمد البهربهاري. ثم أنتقل إلى طبقة أخرى. منهم أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي صاحب المختصر، وخرج من بغداد لما ظهر سب السلف، ومات بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلثمائة. ومنهم أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن يزداد بن معروف صاحب أبي بكر الخلال، وله كتب في الفقه، توفي سنة ثلاث وستين وثلثمائة، وله ثمان وسبعون سنة. ومنهم أحمد بن سليمان النجار الفقيه، وله كتاب الخلاف. ومنهم أبو الحسن أحمد بن جعفر بن المنادي، مات سنة ست وثلاثين وثلثمائة وأبو على النجاد، وأبو أسحق إبراهيم بن أحمد المعروف ((بابن شاقلا)) مات سنة تسع وستين، وابو الحسين بن عبد العزيز بن الحرث النميمي، مات سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، وابو حفص عمر بن أحمد البرمكي، أبو الحسن

стр. 245

الخيرزي، وأبو عبد الله بن بطة العبكري، وأبو حفص عمر بن المسلم العبكري صاحب ابن بطة، ثم أبو عبد الله الحسن بن علي بن مروان بن حامد، مات سنة ثلاث وأربعمائة في طريق مكة. ومنهم القاضي أبو على محمد بن أحمد بن أبو موسى الهاشمي، وكان حسن الفتيا معظماً لأهل العلم. قال الشيخ المصنف: حضرت حلقته وانتفعت به كثيراً وكان أخص الهاشميين بالقادر بالله، مات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وله مصنفات حسنة. ومنهم أبو علي بن شهاب العبكري، مات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وكان فقيهاً شاعراً. ومنهم أبو طاهر الغباري، مات سنة أثنين وثلاثين وأربعمائة. ومنهم أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي، واخوة أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز. ومنهم أبو إسحق إبراهيم بن عمر البرمكي، وكان زاهداً صالحاً يفتى الناس في الجامع. مات سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ودفن ليلة عرفة - رحمهم الله تعالى. انتهى. (قلت) : وكم برع في هذا المذهب من إمام فاضل، عالم تسير إليه الرواحل، وكم قلده من ولي كامل، وزاهد واصل. وآخر من سدد هذا المذهب، ونقح وهذب - آل قدامه، وآل تيميه، وابن قدامه الجوزية، ومن أخذ عنهم في البلاد الشامية، غير أن علماء المذاهب الثلاثة ومقلديهم أكثر وبحار تأليفاتهم بحسب الظاهر أغزر، فقد قال ابن عقيل: إن أكثر أصحاب أحمد من تعلق منهم باطراف العلم يخرج إلى التوغل في العلم والزهد. وأصحاب المذاهب كالحنفية والشافعية، فتوليتهم بالولايات تكون سبباً لكثرة أشتغالهم ونشرهم للعلم وتدريسهم. انتهى.

стр. 246

ومما يستظرفه الأدباء في هذا المطلب ما أنشده العلامة الخفاجي في (ريحانة الألباء) عند ترجمة زين العابدين الحنبلي قوله: [طويل] يقولون لي قد قل مذهب أحمد وكل قليل في الأنام ضئيل فقلت لهم مهلاً غلطتم بزعمكم ألم تعلموا أن الكرام قليل ((وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل)) [ترجمة الإمام أبو الحسن الأشعري] (والثاني) - الحبر الامام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحق ابن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن هلال بن أبي بردة، عامر بن أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله ﷺ ، والحكم من قبل علي ﵁ في المسألة المشهورة. والأشعري - على ما قال السمعاني: نسبة لأشعر أحد أجداده، وأسمه نبت. وقد ولد والشعر على بدنه. ولد أبو الحسن سنة سبعين وقيل: ستين ومائتين بالبصرة. وتوفي سنة أثنين وثلاثين وثلثمائة. وقيل سنة ثلاثين فجأة ببغداد. ودفن بين الكرخ وباب البصرة في مشرعة الروايا. ورأيت في بعض تعاليق الوالد عليه الرحمة أنه المحل الذى يعرف الآن بالسيف سيف الثمن وفيه قبر يزار. قال ابن الوردي. وطمس قبره خوفاً عليه من الحنابلة. ولولا السلطان لنبشوه، ولا زالت الوقائع بين الحنابلة والأشعرية في بغداد وسائر البلاد، حتى أن القشيري عبد الكريم - كما نقل ابن خلكان - جرى له خصام معهم لما ورد بغداد لأنه تعصب للأشاعرة. وأنتهى الأمر إلى فتنة قل فيها جماعة من الفريقين حتى حضر نظام الملك وسكنها. (قلت) وسيأتي تصريحه في كتابه (الإبانة) إنه رجع إلى مذهب احمد في العقائد وعليه مات رحمه الله تعالى. وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه. واعلم أن الصحابة كانوا على المذهب المعروف بمذهب السلف، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأول من قاله معبد الجهني، وكان يجالس

стр. 247

الحسن البصري، ثم صلبه الحجاج بأمر عبد الملك. وحدث أيضاً في زمن الصحابة مذهب الخوارج، فقاتلهم علي كرم الله تعالى وجهه. وكذا حدث في أيامه الغلو فيه، حتى حرق بالنار جماعة من المغالين. ثم حدث بعد عصر الصحابة مذهب جهم بن صفوان، ونفي الصفات وعظمت الفتنة. وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال بعد المائتين، كما تقدم تفصيله، فنهى أئمة الاسلام عنه، وذموا علم الكلام وانتشر ذلك المذهب، ثم حدث مذهب التجسيم المضاد للاعتزال فظهر محمد بن كرام السجستاني بعد المائتين، وهو زعيم الكرامية، حج ومات بزغرة من أرض الشام، ودفن بالمقدس، وكان له أتباع كثيرون مواظبون على التعبد وكذا في بلاد المشرق. قال المقريزي في خططه: كان لطائفتي الشافعية والحنفية، وكانت بين الكرامية والمعتزلة بالمشرق مناظرات وفتن كثيرة. (قلت) : وكذلك بينهم وبين الأشاعرة، فقد قال في ((العبر)) وفي سنة خمسمائة وخمس وتسعين كانت فتنة فخر الدين الرازي، وذلك أنه قدم خراة ونال إكراماً عظيماً من الدولة، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع هو والزاهد مجد الدين بن القدوة فاستطال فخر الدين عليه وشتمه، فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدين فوعظ الناس وقال: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فأكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران ٥٣] أيها الناس، لا نقول إلا ما صح عن رسول الله ﷺ ، وأما قول أرسطو وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي شئ يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام، يذب عن دين الله تعالى؟ وبكى فأبكى الناس وضجت الكرامية وثاروا من كل ناحية، فأرسل السلطان الجند فسكنهم وأمر الرازي بالخروج.

стр. 248

قال المقريزي: هذا وأمر الشيعة يفشو في الناس، حتى حدث سنة أربع وستين بسواد الكوفة مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان المعروف بقرمط، فانتشر أمرهم في الأقطار، ومال كثيرون إلى قولهم الذى سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها. هذا، وقد كان المأمون لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى الوم من عرب له كتب الفلاسفة، فأنتشر مذهبهم وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، فانجر على الإسلام بسببها ما لا يوصف من البلاء وأنتشرت هذه المذاهب كلها شرقاً وغرباً. والأشعري كان قد نشأ على الاعتزال. وتتلمذ أول مرة لزوج أمه أبي على الجبائي المعتزلة، واقتدي برأيه عدة سنين، حتى صار من أئمة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن، وغيره من أقاويلهم الفاسدة، ورقى كرسيه يوم الجمعة في البصرة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، أن الله تعالى لا يرى بالأبصار، وإن أفعال الشر أنا أفعلها وانا تائب مقلع معتقد الرد على المعتزلة، مبين لفضائحهم ومعايبهم. وأخذ في الرد عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد الله بن محمد سعيد بم كلاب القطان (١) . وبقى على قواعده، وصنف تصانيف كثيرة، وناظر شيخه الجبائي في وجوب الأصلح على الله تعالى، فمنعه الأشعري وقال: ما تقول في ثلاثة أخوة أحدهم كان براً مؤمناً نقياً، والثاني: كافراً فاسقاً شقياً، والثالث: كان صبياً. فماتوا، فكيف حالهم؟ قال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات وأما الصغير فمن أهل السلم، فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى

стр. 249

درجات الزهد يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجة بحسب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات؟ فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول البارى جل وعلا: أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم رعيت مصلحته دوني؟ فقال الجبائي: وسوست؟ فقال الأشعري: ما وسوست، ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرى - يعني أنه أنقطع - وكان فيه دعابة ومزاح كثير. وقيل: كان حنفي المذهب، ومعتزلي الكلام، وكان المعتزلة قد رفعوا رءوسهم، حتى اظهر الله تعالى الأشعري، ورجع عن الاعتزال، فحجرهم في أقماع السمسم. وقد روى ابن عساكر بسنده في كتابه ((تبيين كذب المفترى)) كما نقله الكوراني: أن أبا الحسن الأشعري رأى النبي ﷺ في المنام، فشكا إليه بعض ما به من تعارض الأدلة، فقال له ﷺ : ((عليك بسنتي)) . ورآه ثلاث مرات آخر، فقال له في كل مرة ذلك: ((يا علي أنصر المذاهب المروية عني فإنها الحق)) . قال: فقلت - أي في الثالثة - يا رسول الله، كيف أدع مذهباً تصورت مسائله، وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا، فقال لي: ((لولا أعلم أن الله سيمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها)) - إلى أن قال ﷺ : ((فجد فيه، فإن الله سيمددك بمدد من عنده)) . قال: فاستيقظت وقلت: ماذا بعد الحق إلا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث، فكان ياتيني شئ

стр. 250

والله ما سمعته من خصم قط، ولا رايته في كتاب، فعلمت أن ذلك من إمداد الله تعالى الذى بشرني به رسول الله ﷺ . [من أتباع الأشعري] وقد تبعه كثير من العلماء في مذهبه، منهم القاضي أبو بكر الباقلاني وابن فورك، وأبو أسحق الأسفراييني، وأبو أسحق الشيرازي، وأبو حامد الغزالي، وأبو الفتح الشهرستاني، والفخر الرازي ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه، واستدلوا له في مصنفات كثيرة، وانتشر مذهبه في العراق، وانتقل إلى الشام. فلما ملك صلاح الدين الأيوبي ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين الماراني على مذهب الأشعري، ونشا عليه منذ كانا في خدمة المالك العادل نو الدين بدمشق، فحمل الأيوبيون الناس في دولتهم على التمذهب به، فتمادي ذلك في جميع أيامهم، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت المعروف ((بالمهدي)) إلى العراق، واخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى المغرب قام في المصامدة يفقههم ويعلمهم. ولما مات قام بعده خليفته عبد المؤمن صاحب الدولة هناك، ولقب أولاده وشيعته بالموحدين، ولذلك صارت دولة الموحدين تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المهدي المعلوم المعصوم. وكثيراً ما أراق الدماء بسبب ذلك، حتى عم مذهب الأشعري أكثر امصار المسلمين، وكأنه نسي غيره من المذاهب، لم يخالفه إلا الحنابلة، وأنقسم الناس فيه إلى قسمين، كما أن أتباعه أنقسموا إلى قسمين أيضاً. قال العلامة تقي الدين أحمد المقريزي: وقد أنتشر مذهب الأشعري في الأمصار بحيث نسى غيره، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه إلا أن يكون مذهب الحنابلة، فإنهم على ما كان السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات
следующие страницы →