← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومما يستظرفه الأدباء في هذا المطلب ما أنشده العلامة الخفاجي في (ريحانة الألباء) عند ترجمة زين العابدين الحنبلي قوله: [طويل] يقولون لي قد قل مذهب أحمد وكل قليل في الأنام ضئيل فقلت لهم مهلاً غلطتم بزعمكم ألم تعلموا أن الكرام قليل ((وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل)) [ترجمة الإمام أبو الحسن الأشعري] (والثاني) - الحبر الامام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحق ابن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن هلال بن أبي بردة، عامر بن أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله ﷺ ، والحكم من قبل علي ﵁ في المسألة المشهورة. والأشعري - على ما قال السمعاني: نسبة لأشعر أحد أجداده، وأسمه نبت. وقد ولد والشعر على بدنه. ولد أبو الحسن سنة سبعين وقيل: ستين ومائتين بالبصرة. وتوفي سنة أثنين وثلاثين وثلثمائة. وقيل سنة ثلاثين فجأة ببغداد. ودفن بين الكرخ وباب البصرة في مشرعة الروايا. ورأيت في بعض تعاليق الوالد عليه الرحمة أنه المحل الذى يعرف الآن بالسيف سيف الثمن وفيه قبر يزار. قال ابن الوردي. وطمس قبره خوفاً عليه من الحنابلة. ولولا السلطان لنبشوه، ولا زالت الوقائع بين الحنابلة والأشعرية في بغداد وسائر البلاد، حتى أن القشيري عبد الكريم - كما نقل ابن خلكان - جرى له خصام معهم لما ورد بغداد لأنه تعصب للأشاعرة. وأنتهى الأمر إلى فتنة قل فيها جماعة من الفريقين حتى حضر نظام الملك وسكنها. (قلت) وسيأتي تصريحه في كتابه (الإبانة) إنه رجع إلى مذهب احمد في العقائد وعليه مات رحمه الله تعالى. وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه. واعلم أن الصحابة كانوا على المذهب المعروف بمذهب السلف، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأول من قاله معبد الجهني، وكان يجالس

стр. 247

الحسن البصري، ثم صلبه الحجاج بأمر عبد الملك. وحدث أيضاً في زمن الصحابة مذهب الخوارج، فقاتلهم علي كرم الله تعالى وجهه. وكذا حدث في أيامه الغلو فيه، حتى حرق بالنار جماعة من المغالين. ثم حدث بعد عصر الصحابة مذهب جهم بن صفوان، ونفي الصفات وعظمت الفتنة. وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال بعد المائتين، كما تقدم تفصيله، فنهى أئمة الاسلام عنه، وذموا علم الكلام وانتشر ذلك المذهب، ثم حدث مذهب التجسيم المضاد للاعتزال فظهر محمد بن كرام السجستاني بعد المائتين، وهو زعيم الكرامية، حج ومات بزغرة من أرض الشام، ودفن بالمقدس، وكان له أتباع كثيرون مواظبون على التعبد وكذا في بلاد المشرق. قال المقريزي في خططه: كان لطائفتي الشافعية والحنفية، وكانت بين الكرامية والمعتزلة بالمشرق مناظرات وفتن كثيرة. (قلت) : وكذلك بينهم وبين الأشاعرة، فقد قال في ((العبر)) وفي سنة خمسمائة وخمس وتسعين كانت فتنة فخر الدين الرازي، وذلك أنه قدم خراة ونال إكراماً عظيماً من الدولة، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع هو والزاهد مجد الدين بن القدوة فاستطال فخر الدين عليه وشتمه، فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدين فوعظ الناس وقال: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فأكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران ٥٣] أيها الناس، لا نقول إلا ما صح عن رسول الله ﷺ ، وأما قول أرسطو وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي شئ يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام، يذب عن دين الله تعالى؟ وبكى فأبكى الناس وضجت الكرامية وثاروا من كل ناحية، فأرسل السلطان الجند فسكنهم وأمر الرازي بالخروج.

стр. 248

قال المقريزي: هذا وأمر الشيعة يفشو في الناس، حتى حدث سنة أربع وستين بسواد الكوفة مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان المعروف بقرمط، فانتشر أمرهم في الأقطار، ومال كثيرون إلى قولهم الذى سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها. هذا، وقد كان المأمون لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى الوم من عرب له كتب الفلاسفة، فأنتشر مذهبهم وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، فانجر على الإسلام بسببها ما لا يوصف من البلاء وأنتشرت هذه المذاهب كلها شرقاً وغرباً. والأشعري كان قد نشأ على الاعتزال. وتتلمذ أول مرة لزوج أمه أبي على الجبائي المعتزلة، واقتدي برأيه عدة سنين، حتى صار من أئمة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن، وغيره من أقاويلهم الفاسدة، ورقى كرسيه يوم الجمعة في البصرة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، أن الله تعالى لا يرى بالأبصار، وإن أفعال الشر أنا أفعلها وانا تائب مقلع معتقد الرد على المعتزلة، مبين لفضائحهم ومعايبهم. وأخذ في الرد عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد الله بن محمد سعيد بم كلاب القطان (١) . وبقى على قواعده، وصنف تصانيف كثيرة، وناظر شيخه الجبائي في وجوب الأصلح على الله تعالى، فمنعه الأشعري وقال: ما تقول في ثلاثة أخوة أحدهم كان براً مؤمناً نقياً، والثاني: كافراً فاسقاً شقياً، والثالث: كان صبياً. فماتوا، فكيف حالهم؟ قال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات وأما الصغير فمن أهل السلم، فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى

стр. 249

درجات الزهد يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجة بحسب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات؟ فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول البارى جل وعلا: أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم رعيت مصلحته دوني؟ فقال الجبائي: وسوست؟ فقال الأشعري: ما وسوست، ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرى - يعني أنه أنقطع - وكان فيه دعابة ومزاح كثير. وقيل: كان حنفي المذهب، ومعتزلي الكلام، وكان المعتزلة قد رفعوا رءوسهم، حتى اظهر الله تعالى الأشعري، ورجع عن الاعتزال، فحجرهم في أقماع السمسم. وقد روى ابن عساكر بسنده في كتابه ((تبيين كذب المفترى)) كما نقله الكوراني: أن أبا الحسن الأشعري رأى النبي ﷺ في المنام، فشكا إليه بعض ما به من تعارض الأدلة، فقال له ﷺ : ((عليك بسنتي)) . ورآه ثلاث مرات آخر، فقال له في كل مرة ذلك: ((يا علي أنصر المذاهب المروية عني فإنها الحق)) . قال: فقلت - أي في الثالثة - يا رسول الله، كيف أدع مذهباً تصورت مسائله، وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا، فقال لي: ((لولا أعلم أن الله سيمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها)) - إلى أن قال ﷺ : ((فجد فيه، فإن الله سيمددك بمدد من عنده)) . قال: فاستيقظت وقلت: ماذا بعد الحق إلا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث، فكان ياتيني شئ

стр. 250

والله ما سمعته من خصم قط، ولا رايته في كتاب، فعلمت أن ذلك من إمداد الله تعالى الذى بشرني به رسول الله ﷺ . [من أتباع الأشعري] وقد تبعه كثير من العلماء في مذهبه، منهم القاضي أبو بكر الباقلاني وابن فورك، وأبو أسحق الأسفراييني، وأبو أسحق الشيرازي، وأبو حامد الغزالي، وأبو الفتح الشهرستاني، والفخر الرازي ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه، واستدلوا له في مصنفات كثيرة، وانتشر مذهبه في العراق، وانتقل إلى الشام. فلما ملك صلاح الدين الأيوبي ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين الماراني على مذهب الأشعري، ونشا عليه منذ كانا في خدمة المالك العادل نو الدين بدمشق، فحمل الأيوبيون الناس في دولتهم على التمذهب به، فتمادي ذلك في جميع أيامهم، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت المعروف ((بالمهدي)) إلى العراق، واخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى المغرب قام في المصامدة يفقههم ويعلمهم. ولما مات قام بعده خليفته عبد المؤمن صاحب الدولة هناك، ولقب أولاده وشيعته بالموحدين، ولذلك صارت دولة الموحدين تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المهدي المعلوم المعصوم. وكثيراً ما أراق الدماء بسبب ذلك، حتى عم مذهب الأشعري أكثر امصار المسلمين، وكأنه نسي غيره من المذاهب، لم يخالفه إلا الحنابلة، وأنقسم الناس فيه إلى قسمين، كما أن أتباعه أنقسموا إلى قسمين أيضاً. قال العلامة تقي الدين أحمد المقريزي: وقد أنتشر مذهب الأشعري في الأمصار بحيث نسى غيره، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه إلا أن يكون مذهب الحنابلة، فإنهم على ما كان السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات

стр. 251

إلى أن كان بعد السبعمائة من سنى الهجرة أشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، فتصدي للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على الأشعرية، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية، فافترق الناس فيه فريقين: فريق يقتدي به ويعول على أقواله ويعمل برأيه ويرى أنه شيخ الإسلام، وأجل حفاظ الأنام وفريق يبدعه ويضلله، ويزرى عليه بإثبات الصفات، وينتقد عليه مسائل معروفة، وكانت له ولهم خطوب كثيرة وحسابه وحسابهم على الله الذى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء وله إلى وقتنا هذا أتباع بالشام ومصر وكذا بين الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي المنصور محمد بن محمود الماتريدي، وهم طائفة الفقهاء الحنفية - من الخلاف في العقائد ما هو مشهور في موضعه: وهذا إذا تتبع يبلغ بضع عشرة مسألة، كان بسببها في أول الأمر تباين وتنافر، وقدح كل منهم في عقيدة الآخر، إلا أن الأمر آل أخيراً إلى الإغضاء - ولله الحمد - أنتهى. [عقيدة الأشعري] وقال غير واحد: والأشاعرة من حيث هم يسمون أيضاً الصفاتية، لإثباتهم صفات الله تعالى القديمة، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، كالاستواء والنزول والإصبع واليد والقدم والصورة وغيرها فرقتين: فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة. وفرقة لم تتعرض للتأويل ولا صاروا إلى التشبيه، ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية. ومقالات الأشعري المعروفة الآن لدى المصنفين مشعرة بأن مذهبه يخالف المعتزلة والمشبهة لأنه أمر متوسط كما صرح به في كتابه ((الإبانة)) من قوله: وقولنا الذى نقول به، وديانتنا التى ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا ﷺ ، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله

стр. 252

أحمد بن حنبل - نضر الله تعالى وجهه، ورفع درجته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل - إلى آخر ما قال مما سنذكره إن شاء اله تعالي في بعض المحال. ونقل عنه شيخ الإسلام أمه قال في كتابه لاذى صنفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين ذكر فرق الخوارج والروافض والمرجئة والمعتزلة وغيرهم ثم قال مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث. جملة قول أهل السنة وأصحاب الحديث الإقرار بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله ، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يرون من ذلك شيئاً، وأن الله واحد أحد فرد صمد، لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبه ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق، وان الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة ٦٤] وأن له عينين كما قال ﴿تجرى بأعيننا﴾ [القمر ١٤] وأن له وجهاً كما قال ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن ٢٧] وأن لله أسماء لا يقال غير اله، ولا يقال كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علماً كما قال ﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء ١٦٦] وكما قال تعالى: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر ١١، وفصلت ٤٧] واثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله تعالى كما نفته المعتزلة. وأثبتوا له القوة كما قال: ﴿أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ [فصلت ١٥] وذكر مذهبهم في القدر إلى أن قال: ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف بدعة. ومن قال باللفظ والوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ولا يقال مخلوق.

стр. 253

ويقرون أن الله سبحانه يرى بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون. وذكر قولهم في الإسلام والحوض والشفاعة وأشياء أخر، إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، إلى ان قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون من دينهم، ويسلمون للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار التى جاءت بها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهوا بذلك إلى الرسول ﷺ . لا يقولون: كيف، ولا لم، لأن ذلك بدعة، إلى أن قال: ويقرون أن الله يجئ يوم القيامة كما قال ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر ٢٢] وأنه يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: نحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق١٦] إلى أن قال: ويرون مجانبه كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابه الآثار، والنظر في الفقه مع الاستكانة، والتواضع وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الآذى وترك الغيبة والنميمة وتفقد المأكل والمشرب. قال: فهذه جملة ما يامرون به، ويستسلمون إليه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان. أنتهى. وقال الوالد عليه الرحمة: إن مذهب الإمام الأشعري عند كثير من المحققين والعلماء المصنفين هو مذهب الإمام أحمد، لكن كثرت المقالة بين متأخري الأشاعرة والحنابلة، حتى أدى ذلك إلى تضليل كل من الفريقين صاحبه، وذلك في مسائل تمسكت فيها الحنابلة بظواهر الكتاب والسنة، كالاستواء والنزول والوجه، وغير ذلك من أحاديث الصفات. وأولها كثير من الشاعرة قاصدين فيه كمال التنزيه لله تعالى عن لوازم الأجسام، فبالغ لذلك جمع من الحنابلة في ردهم وتخطئهم مبرءون مما نسب إليهم، ومذهبهم الأسلم الأحكم.

стр. 254

وكذا الأشعرية أيضاً منزهون مما يرمون به التعطيل والتحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه. والكل على هدى يدينون دين الحق. والمخالفون شرذمة قليلة من الطرفين. أنتهى ملخصاً. وقال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه ((معيد النعم)) : إن الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأى أهل السنة والجماعة، إلا رعاعاً من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاعاً من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم وبرأ الله تعالى المالكية فلم ير مالكي إلا أشعري، العقيدة. أنتهى باختصار. ومن أراد أن يتبين له صحة مذهب الأشعري، وأنه مذهب أهل السنة والجماعة واتباعه للإمام أحمد، فليطالع كتاب ابي القاسم ابن عساكر المسمى (بتبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري) وستأتى تتمة هذه الأبحاث مفصلة في هذا الكتاب، إن شاء اله تعالى العليم الوهاب. خاتمة سيأتي إن شاء الله تعالى في كتابي هذا بعض العبارات المؤيدة لمذهب السلف، ولما نحن بصدده من إماطة الكلف من كتاب ((الأسماء والصفات)) للإمام البيهقي، لازال رفيع الدرجات، فاقتضى الحال ترجمته، ليرى المدقق سيرته، ويعرف الطالب طويته. [ترجمة الإمام البيهقي] فقد قال أحمد بن خلكان في كتابه ((وفيات الأعيان)) : أبو بكر أحمد ابن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسر وجردى، الفقيه الشافعي، الحافظ الكبير المشهور، واحد زمانه، وفرد أقرانه في الفنون من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله في الحديث، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم. أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمرى المروزى، غلب عليه

стр. 255

الحديث واشتهر به، ورجل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره، وكذلك ببقية البلاد التى انتهى إليها. وشرع في التصنيف فصنف فيه كثيراً حتى قيل تبلغ تصانيفه ألف جزء. وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات. ومن مشهور مصنفاته: السنن الكبير والصغير، ودلائل النبوة، والسنن والآثار، وشعب الإيمان، ومناقب الشافعي المطلبي، ومناقب أحمد بن حنبل، وكتاب الأسماء والصفات وغير ذلك. وكان قانعاً من الدنيا بالقليل. وقال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإنه له على الشافعي منة. وكان من أكثر الناس نصراً لمذهب الشافعي. وطلب إلى نيسابور لنشر العلم فأجاب وانتقل إليها، وكان على سيرة السلف، وأخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان. مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلثمائة، وتوفي في العاشر من جمادي الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور، ونقل إلى بيهق (بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناه من تحت وبعدها الهاء المفتوحة ثم قاف مكسورة (١)) وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخاً منها. وخسر وجرد من قراها (وهي بضم الخاء المعجمة) رحمه الله تعالى. فصل وقد آن الشروع في أجوبة ما عزاه الشيخ ابن حجر عليه الرحمة إلى الشيخ ابن تيمية قدس سره، مع تفصيل ما أجمله وتقييد ما أطلقه، وبيان ما أهمله، وبالله سبحانه، وهو الملهم لصواب والإبانة.

стр. 256

(قوله: نبه عليها التاج السبكي) لا يخفى عليك بعد ما أحطت خبراً بما تقدم من عبارة سل الحسام الهندى والنزهة وغيرهما أن نقل التاج السبكي وأبيه العلامة غير مقبولا في حق الشيخ. ويكفي في ذلك شاهداً كتاب ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) الذى ألفه الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي، المتقدمة ترجمته، الآتية إن شاء الله تعالى في محلها (١) - عبارته. لا سيما قد ورد في بعض الآثار: ((إن الحب والعداوة يثوارثان)) غير أن بعض القوال في الحقيقة قد أختارها الشيخ مستدلاً بأدلة يأتى تفصيلها بعون الحق المتعال. [رأى ابن تيمية في يمين الطلاق] (قوله: قوله في يمين الطلاق إنه لا يقع بل عليه كفارة يمين إلخ) قال الشيخ ابن تيمية في فتاواه ما نصه: إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل على حرام لا أفعل كذا أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل على المسلمين يحرم على إن فعلت كذا، ونحو ذلك وله زوجة؟ ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف. ولكن القول الراجح: أن هذه يمين من الأيمان، لا يلزمه بها طلاق لو قصد بذلك الحلف بالطلاق، وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه، حتى لو قال: أنت حرام، ونوى به الطلاق عند عامة العلماء. وفي ذلك أنزل الله تعالى القرآن، فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقاً، والإيلاء طلاقاً، فرفع الله تعالى ذلك كله، وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يميناً يتربص فيها الرجل أربعة أشهر، فأما أن يمسك بمعروف، واما أن يسرح بإحسان. كذلك قال كثير من السلف والخلف: إنه إذا كان مزوجاً فحرم

стр. 257

امرأته، أو حرم الحلال مطلقاً كان أو مظاهراً. وهذا مذهب أحمد. وإذا حلف بالظهار أو الحرام لا يفعل شيئاً وحنث في يمينه، أجزأته الكفارة في مذهبه. لكن قيل: إن الواجب كفارة الظهار، وسواء حلف أو أوقع، وهو المنقول عن احمد. وقيل: بل إن حلف أجزأته كفارة يمين، وإن أوقعه لزمته كفارة ظهار. وهذا اقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره. فالحلف بالظهار يجزئه الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة وكذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة والتابعين. وكذلك الحلف بالطلاق يجزئ أيضاً فيه كفارة يمين، كما أفتى به من السلف والخلف جمع. والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك بل معناه يوافقه، فهو يمين يحلف بها المسلمون في ايمانهم ففيها كفارة يمين كما دل عليه الكتاب والسنة. وأما إذا كان مقصود الرجل أن يظاهر أو يطلق أو يعيق فهذا يلزمه ما أوقعه، سواء معلقاً أو منجزاً ولا يجزئه كفارة يمين. والله تعالى أعلم. انتهى. [الطلاق المخالف للسنة] وفي الميزان للشعراني ما تعلم منه الاختلاف أيضاً في مشبه هذه المسألة ما نصه: ومن ذلك قول أبي حنيفة: لو قال لزوجته أنت علي حرام، فإن نوى الطلاق بذلك كان طلاقاً، وإن نوى الطلاق ثلاثاً كان ثلاثاً، وإن نوى أثنتين أو واحدة فإن نوى التحريم ولم ينو الطلاق، أو لم يكن لديه نية فهو يمين، وهو مول إن تركها أربعة أشهر، وقعت عليه طلقة بائنة. وإن نوى الظهار كان مظاهراً، وإن نوى اليمين كانت يميناً، ويرجع

стр. 258

إلى بيته كم أراد بها، واحدة او أكثر، سواء المدخول بها وغيرها. مع قول مالك: إن ذلك طلاق ثلاثاً إن كانت مدخلاً بها، وواحدة إن كانت عير مدخول بها. ومع قول الشافعي: إن نوى بذلك الطلاق أو الظهار كان ما نواه وإن نوى اليمين لم يكن يميناً، ولكن عليه كفارة يمين. ومع قول أحمد في أظهر روايتيه: إن ذلك صريح في الظهار نواه أو لم ينوه، وفيه كفارة الظهار، والثانية أنه طلاق. أنتهى. فتبين مما مر آنفاً أن نقل الشيخ ابن حجر عن الشيخ ابن تيمية، ليس على إطلاقه. وقوله ((لم يقله أحد قبله)) غير مسلم. كيف وقد قال به جمع من السلف والخلف. ومع هذا فهي مسألة كأمثالها يساغ فيها الاجتهاد، فكن ممن تامل وانصف. (قوله: وأن طلاق الحائض لا يقع، وكذا الطلاق في طهر جامع فيه) أقول: سيأتى إن شاء الله تعالى الكلام على هذا في بحث الطلاق الثلاث، وان النبي ﷺ قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض ((ما هكذا أمرك الله تعالى؟ إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة)) وما روى أنه ﵊ قال لعمر: ((مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء)) فقد أخرج الشافعي ومالك والشيخان عن ابن عمر: أنه طلق امراته وهي حائض، وذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: ((ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التى امر الله تعالى ان يطلق لها النساء - وقرا ﵊) - ﴿يأيها

стр. 259

النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ [الطلاق: ١] وكان ابن عمر يقرأ كذلك، وكذلك ابن عباس. قال الوالد عليه الرحمة في تفسيره روح المعاني: وفي وقوع الثلاث بلفظ واحد، وكذا في وقوع الطلاق مطلقاً في الحيض خلاف، فعند الإمامية لا يتبع الطلاق بلفظ الثلاث، ولا في حالة الحيض، لأنه بدعة محرمة، وقد قال ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) ونقله غير واحد عن ابن المسيب وجماعة من التابعين. أنتهى. وجمهور الفقهاء جعلوه بدعياً ويقع الطلاق به. قال في الدر المختار. والبدعي ثلاث متفرقة، او ثنتان بمرة أو مرتين في طهر واحد لا رجعة فيه، أو واحدة في طهر وطئت فيه، أو واحدة في حيض موطوءة أى مدخول بها وتجب رجعتها فيه، فإذا طهرت طلقها إن شاء. انتهى. وإنما كان بدعياً محرماً لتطويل عدة المطلقة إذ ذاك. فتدبر. وقال السيد العلامة أبو الطيب حماه الله تعالى في الروضة الندية: هذه المسألة من المعارك التى لا يجول في حافاتها إلا الأبطال، ولا يقف على تحقيق في ابوابها إلا أفراد الرجال، والمقام يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب، فمن رام الوقوف على سرها فعليه بمؤلفات ابن حزم، كالمحلى ومؤلفات ابن القيم كالهدى. وقد جمع الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في ذلك رسالة حافلة وقرر ما ألهم الله إليه. وذكر الإمام العلامة محمد الشوكاني في شرحه للمنتقى أطرافاً من ذلك قال: والحاصل أن الأتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السن يقال له طلاق بدعة، وقد ثبت عنه ﷺ ((أن كل بدعة ضلالة)) ولا خلاف أيضاً أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه، وبينه رسوله ﷺ في حديث ابن عمر، وما خالف ما شرعه الله ورسوله

стр. 260

فهو رد لحديث عائشة عنه ﷺ : ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)) وهو حديث متفق عليه. فمن زعم أن هذه البدع يلزم حكمها، وان هذا الامر الذى ليس من أمره ﷺ يقع من فاعله ويعتد به لم يقبل إلا بدليل ولا دليل. انتهى. [تارك الصلاة عمداً هل يقضى] (قوله: وإن الصلاة إذا تركت عمداً لا يجب قضاؤها) - قلت: وإلى هذا ذهب أيضاً الشيخ محيى الدين ابن عربي في فتوحاته، ونصه: وصل في فصل (العامد والمغمى عليه) - أختلف العلماء فيه، فمن قائل: إن العامد يجب عليه القضاء. ومن قائل: لا يجب عليه القضاء، وبه أقول، وما أختلف فيه أحد أنه آثم، وأما المغمى عليه، فمن قائل: لا قضاء عليه، وبه أقول. ومن قائل: بوجوب القضاء وهو الأحسن عندي، فإنه إن لم تكتب له في نفس الأمر فريضة كتبت له نافله فهو الأحوط. والقائلون بوجوب القضاء: منهم من أشترط القضاء في عدد معلوم فقالوا: يقضى في الخمس فما دونها، (وصل الاعتبار في ذلك) . وأما العامد في ترك ما أمره الله تعالى به فلا قضاء عليه، فإنه ممن أضله الله على علم، فينبغي أن يسلم إسلاماً جديداً فإنه مجاهر. أنتهى. قال الشيخ ابن تيمية في الفتاوى: مسألة في رجل من اهل القبلة ترك الصلاة مدة سنين، ثم تاب بعد ذلك، وواظب على ادائها، فهل يجب عليه قضاء ما فاته منها أم لا؟ الجواب: الحمد لله. أما من ترك الصلاة أو فرضاً من فرائضها فإما أن يكون قد ترك ذلك ناسياً له بعد علمه بوجوبه، وإما أن يكون جاهلاً بوجوبه، إما أن يكون له عذر يعتقد معه جواز التأخير، وإما أن يكون عالماً عامداً. فأما الناسي للصلاة

стр. 261

فعليه أن يصليها إذا ذكرها بسنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه باتفاق الأئمة، قال ﷺ : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها)) لا كفارة لها إلا ذلك. وقد أستفاض في الصحيح وغيره أنه نام هو واصحابه عن صلاة الفجر في السفر فصلوها بعدما طلعت الشمس. السنة والفريضة بأذان وإقامة. وكذلك من نسى طهارة الحدث وصلى ناسياً فعليه أن يعيد الصلاة بالطهارة بلا نزاع، حتى لو كان الناسي إماماً كان عليه أن يعيد الصلاة، ولا إعادة على المأمومين إذا لم يعلموا عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي واحمد في المنصوص المشهور عنه، كما جرى ذلك لعمر وعثمان. واما من نسى طهارة الخبث فإنه لا إعادة عليه، وهو مذهب مالك واحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في احد قوليه، لأن هذا من باب فعل المنهي عنه، وتلك من ترك المأمور به، ومن فعل ما نهى عنه ناسياً فلا إثم عليه بالكتاب والسنة، كما جاءت به السنة فيمن أكل في رمضان، وهو مذهب ابي حنيفة والشافعي وأحمد. وطرد ذلك فيمن تكلم في صلاته ناسياً، ومن تطيب ولبي ناسياً كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وكذلك من فعل المحلوف عليه ناسياً كما هو أحد القولين عن الشافعي وأحمد. وههنا مسائل قد تنازع العلماء فيها، كمثل من نسى الماء في رحله وصلى بالتيمم، وأمثال ذلك ليس هذا موضع تفصيلها. واما من ترك الصلاة جاهلاً بوجوبها مثل من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال: وجهان في مذهب أحمد، أحدهما - عليه الإعادة مطلقاً، وهو قول الشافعي، واحمد الوجهين في مذهب أحمد. والثاني - عليه الإعادة إذا تركها بدار الإسلام دون دار

стр. 262

الحرب، وهو مذهب ابي حنيفة، لأن دار الحرب دار جهل يعذر فيه بخلاف دار الإسلام. والثالث - لا إعادة عليه مطلقاً، وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره. وأصل هذين الوجهين أن حكم الشارع هل ثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها - يثبت مطلقاً والثاني - لا يثبت مطلقاً. والثالث - يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عزل فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم؟ وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص مثل أن يأكل لحم الإبل ولم يتوضا ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء، ويصلى في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، ونظيره أن يمس ذكره ويصلى ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر. والصحيح في جميع هذه المسائل عدم وجوب الإعادة، لأن الله تعالى عفا عن الخطأ والنسيان، ولأنه قال: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء ١٥] فمن لم يبلغه أمر الرسول ﷺ في شئ معين لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يامر النبي ﷺ عمر وعماراً لما أجبنا فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرع - أن يعيد واحد منهما. وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب يمكث أياماً لم يصلى. وكذلك لم يامر من أكل من الصحابة حتى يتبين الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء. كما لم بأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ بالقضاء. ومن هذا الباب المستحاضة إذا مكث مدة لا تصلى لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان: أحدهما - لا إعادة

стр. 263

عليها كما نقل عن مالك وغيره: أن المستحاضة التى قامت للنبي ﷺ : إني حضت حيضة شديدة كبيرة منكرة، منعتنى الصلاة والصيام أمرها بما يجب في المستقبل ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي. وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: ثلى تقول: حتى أكبر واصير عجوزاً، ظانة أنه لا يخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة العجوز، ونحوها، وفي أتباع الشيوخ ناس كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم. فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلاة، سواء كانوا كفاراً أو معذورين بالجهل، وكذلك من كان منافقاً زنديقاً يظهر الإسلام ويبطن خلافه، وهو لا يصلى أو يصلى أحياناً بلا وضوء ولا يعتقد وجوب الصلاة، فإنه إذا تاب من نافقه وصلى فإنه لا قضاء عليه عند جمهور العلماء. والمرتد الذى كان يعتقد وجوب الصلاة ثم أرتد والعياذ بالله تعالى عن الإسلام، ثم عاد لا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردةعند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، فإن المرتدين الذين أرتدوا على عهده ﷺ كعبد الله بن أبي سرح وغيره مكثوا على الكفر مدة ثم أسلموا ولم يؤمر أحد منهم بقضاء ما تركوه. وكذلك المرتدون على عهد أبي بكر لم يؤمروا بقضاء الصلاة. وأما من كان عالماً بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة. وذهب طائفة منهم ابن حزم وغيره إلى أن فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء. وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعمداً. والله تعالى أعلم أهـ.

стр. 264

ونقل ابن رجب عن الشيخ ابن تيمية أنه قال: لكنه يكثر من النوافل. ورأيت في بعض كتب المالكية ما نصه: من تعمد ترك صلاته حتى يخرج وقتها فعليه القضاء والاستغفار إذا كان مستيقناً، ومن ظهر عليه ترك صلاته مستخفاً بها ومتوانياً عنها أمر بفعلها، فإن أمتنع من ذلك هدد وضرب فغن أقام على أمتناعه قتل حداً لا كفراً، وورثه ورثته ودفن في مقابر المسلمين ت (١) المشهور القضاء مع العمد، وقاله ح وش. وقال ابن حبيب: لا يجب القضاء وابن حنبل بناء على أن ترك الصلاة مع الأعتراف بوجوبها كفر والكافر لا يصلى: المرتد إذا مات لا يقضى واحتجا بقوله ﷺ : ((بين المؤمن والكافر ترك الصلاة)) لنا قوله ﷺ : ((خمس صلوات أفترضهن الله ، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وتمم ركوعهن وخشوعهن له عند الله عهد، إن يشأ يعذبه وإن يشأ يدخله الجنة)) أخرجه أبو داود وابن عبد الرحمن السلمي لا يقضى المتعمد، لأن عموم قوله ﵊: ((من نام عن صلاة أو نسيها)) أن المتعمد لا يقضى. لما أنه آثم فهو اولى بالتغليظ عليه القضاء. وفي بعض الطرق: لا كفارة لها إلا ذلك. والإثم أولى بلا تكفير أو تقول: المراد بالناسي التارك مطلقاً، لقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ أى تركوا مع العمد. أنتهى. (قلت) : ولعل ما ذكره الأصوليون من قولهم. إذا خرج المكلف الواجب عن وقته المعين له شرعاً فهل يجب القضاء بالأمر السابق، بمعني أنه

стр. 265

يستلزمه لا أنه عينه، أم لا يجب القضاء إلا بأمر جديد؟ فيه مذهبان وبالأول قال القاضي عبد الجبار من المعتزلة، والرازي الإمام فخر الدين، وحكى عن الشيرازي أبي إسحاق، وبالثاني قال الأكثرو، أنتهى. أصل لقول من لا يوجب القضاء لأنه لم يرد فيه أمر جديد، بل الأمر الجديد ورد في حق الناسي والنائم عمداً كما مر فتدبر. [هل يباح للحائض الطواف بدون كفارة] (قوله: وإن الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا كفارة عليها) - أقول: هذا قول لأبي حنيفة أيضاً وغيره، فقد قال الشيخ أحمد بن أحمد الطيبى الشافعي في منظومة في تقليد ابي حنيفة رحمه الله تعالى: [رجز] ولم يقل شرط الطواف الطهر ... فإن يضق بنفساء الأمر أو حائض وهجمت وطافت ... فهو صحيح وفدت وتابت فإن يكن حجاً فدت ببدنة ... أو اعتماراً فبشاة بينه أهـ قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه الميزان ما نصه: ومن ذلك قول الشافعي وأحمد: إن المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة لم تنفر حتى تطهر وتطوف، ولا يلزم الجمال حبس الجمل لها بل ينفر مع الناس ويركب غيرها، مع قول مالك إنه يلزمه حبس الجمل أكثر من مدة الحيض وزيادة ثلاثة أيام، مع قول أبي حنيفة إن الطواف لا يشترط فيه طهارة فتطوف وتدخل مع الحاج، وقد أفتى البارزى النساء اللاتى حضن في الحج بذلك ونقله عن جماعة من الشافعية، انتهى. وفي فتاوى المرشدي الحنفي ما نصه: وسئل عن عبارة في أختلاف الأئمة إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة لم تنفر حتى تطوف وتطهر، ولا يلزم الجمال حبس الجمل أكثر من مدة الحيض وثلاثة أيام. وعند ابي حنيفة رحمه الله

стр. 266

تعالى ان الطواف لا يشترط فيه الطهارة، فهل يجوز تقليده، أم يكفيها الأخذ بقوله؟ فأجاب عدم اشتراط الطهارة له عنده صحيح، وأخذه من قوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج ٢٩] والنص مطلق، والطهارة فيه ثبتت بفعله ﵊. ودار ذلك بين كونها بياناً وبين كونها سنة، فتوسطنا في ذلك وقلنا بالوجوب، فيقع الطواف بين الحدثين معتداً به لكونه يجبر مع الحدث الأصغر بشاة، ومع الأكبر ببدنة، والله تالى اعلم. انتهى. ونقل الشيخ محمد سعيد السويدي الشافعي البغدادي في رسالته المؤلفة في التقليد عن البارزي أيضاً فيمن حاضت قبل طواف الركن: أنه يجوز لها تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة. انتهى. وفي فتاوى الشيخ ما نصه: سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحم بن تيمية الحراني نفعنا الله تعالى بعلومه عن المرأة إذا جاءها الحيض في وقت الطواف ما الذى تصنع؟ فأجاب: الحمد لله، الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فإنها تجتهد أن لا تطوف بالبيت إلا وهي طاهر، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلف عن الركوب حتى تطهر وتطوف فإنها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء. ثم قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لو لم يكن لها عذر لكن وجب عليها بدنة. والإمام أحمد رحمه الله تعالى أوجب على ترك الطهارة ناسياً دماً وهو شاة واما هذه العاجزة عن الطواف وهي غير طاهر فإن أخرجت دماً فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئاً، فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقال تعالى: ﴿واتقوا الله ما أستطعتم﴾ [التغابن ١٦] .

стр. 267

وقال النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما أستطعتم)) وهذه لا تستطيع إلا هذا، والصلاة أعظم من الطواف، ولو عجز المصلى عن شرائطها من الطهارة أو ستر العورة أو استقبال القبلة صلى على حسب حاله، فالطواف أولى بذلك. كما لو كانت مستحاضة ولا يمكنها أن تطوف إلا مع النجاسة نجاسة الدم بدون الطهارة، فإنها تصلى وتطوف على هذه الحالة باتفاق المسلمين، وإذا توضأت وتطهرت فعلت ما تقدر عليه. وينبغي للحائض إذا طافت أن تغتسل وتتحفظ كما تفعله عند الإحرام وقد أسقط النبي ﷺ عن الحائض طواف الوداع وأسقط عن أهل السقاية والرعاية المبيت بمنى لأجل الحاجة ولم يوجب عليهم دماً، فإنهم معذورون في ذلك بخلاف غيرهم. وكذلك من عجز عن الرمي بنفسه لمرض ونحوه فإنه يستنيب من يرمى عنه ولا شئ عليه، وليس من ترك الواجب للعجز كمن تركه لغير ذلك. والله تعالى أعلم، أنتهى فليفهم. [هل يرد الطلاق الثلاث إلى واحدة] (قوله: وإن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة إلخ) - أقول: قد أختلف أقوال الصحابة والتابعين والعلماء المتقدمين والمتأخرين في وقوع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد، كما أنهم أختلفوا في وقوعه حالة الحيض، وقد كثرت الأدلة من الطرفين، وبسطت الأجوبة من الجانبين في كتبهم المفضلة، فمن الحنابلة الشيخ ابن تيمية في فتواه وغيرها، وتلميذه ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين وغيره، ومن الشافعية الشيخ ابن حجر في تحفة المحتاج وغيره، ومن الحنفية ابن الهمام في فتح القدير، وخير الدين الرملي، وابن عابدين في حاشيته على الدر المختار، والوالد في اماكن من تفسيره وغيرهم.

стр. 268

وكثرت الرسائل في ذلك، ولنذكر مختصر مازبروه، وتلخيص ما ذكروه. فمن ذلك ما قاله العلامة ابن القيم: إنه قد ذهب إلى عدم وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة جمع من الصحابة، منهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعن علي وابن مسعود روايتان: ومن التابعين عكرمة وطاوس، ومن تابعيهم محمد ابن إسحق، وأفتى به داود بن علي على مذهب أهل الظاهر. قال: وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد، الإمام أحمد نفسه. أنتهى، ثم بسط بقية الأدلة، فإن أردتها فارجع إليه. وقال الوالد عليه الرحمة ونفعنا الله تعالى به في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة ٢٢٩] من كلام مطنب: لو طلق بلفظ واحد لا يقع إلا بواحدة كما هو مذهب الإمامية، وبعض أهل السنة، ومنهم الشيخ أحمد بن تيميه ومن أتبعه احتجاجاً بهذه الآية، وقياساً على شهادات اللعان ورمي الجمرات، فإنه لو أتى بالاربعة بلفظ واحد لا تعد له أربعاً بالإجماع. وكذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة لم يجز إجماعاً. ومثل ذلك لو حلف ليصلين على النبي ﷺ ألف مرة فقال: صلى الله تعالى على النبي ألف مرة، فإنه لا يكون باراً ما لم يأت بآحاد الألف، وتمسكاً بما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: إن الناس قد أستعجلوا في امر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه. وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلق في مجلس واحد ثلاث مرات فإنه لا يقع إلا واحدة أيضاً، لما أخرج البيهقي عن أبن عباس قالوا: طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله - صلى الله

стр. 269

عليه وسلم -: ((كيف طلقتها)) قال: طلقتها ثلاثاً، قال: ((في مجلس واحد)) ؟ قال: نعم: قال: ((فإنما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت)) فراجعها. وأجاب الجمهور بأن القياس على شهادات اللعان والرمي في غير محله، ألا ترى أنه لا يمكن الاكتفاء ببعض ذلك بوجه، ويمكن الاكتفاء ببعض وحدات الثلاث في الطلاق، ولعظم امر اللعان لم يكتف به غلا بالإتيان بالشهادات واحدة واحدة، مؤكدة بالإيمان، مقرونة خامستها باللعن، فلعل الرجوع أو الإقرار يقع في البين فيحصل الستر، أو يقام الحد، ويكفر الذنب ورمي الجمرات وتسبيعها أمر تعبدي، وما ذكروا في مسألة الحالف في الصلاة فأمر أقتضاه القصد والعرف، وأما الآية فليست نصاً في المقصود، ولهذا ورد عن أهل البيت ما يؤيد مذهب أهل السنة، فعن مسلم عن جعفر بن محمد أنه قال: معاذ الله! ما هذا من قولنا؟ من طلق ثلاثاً فهو كافر كما قال. أنتهى باقتصار. وإن أردت تفصيل أدلة الطرفين وأجوبتهما فعليك به ولا تغفل. وقال العلامة ابن عابدين: والطلاق البدعي - أي الحرم - ثلاث متفرقة في طهر واحد. وكذا بكلمة واحدة بالأولى. وعن الإمامية: لا يقع بلفظ الثلاث ولا في حالة الحيض، لأنه بدعة محرمة. وعن ابن عباس: يقع به واحدة، وبه قال ابن إسحاق، وطاوي وعكرمة، لما في مسلم ان ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد النبي ﷺ ، وابي بكر وسنتين من خلافة عمر ﵁ طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد أستعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ائمة المسلمين إلى أن يقع ثلاث. قال في الفتح بعد سوق الأحاديث الدالة عليه: وهذا يعارض ما تقدم واما إمضاء عمر الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له ولعلمه بانها كانت واحدة فلا يمكن إلا وقد أطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ، أو لعلمهم بانتهاء الحكم

стр. 270

لذلك، لعلهم بإناطته بمعان علموا أنتفاءها في الزمن المتأخر. وقول بعض الحنابلة: توفى رسول الله ﷺ عن مائة ألف عين راته فهل صح لكم عنهم أو عن عشر عشر عشرهم القول بوقوع الثلاث باطل. واما أولاً - فإجماعهم ظاهر، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر حين أمضى الثلاث، ولا يلزم في نقل الحكم الإجماعي عن مائة ألف تسمية كل في مجلد كبير لحكم واحد على انه إجماع سكوتي. وأما ثانياًُ - فالعبرة في نقل الإجماع نقل ما عن المجتهدين والمائة الألف لا يبلغ عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين، كالخلفاء والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ وأنس وأبي هريرة، والباقون برجعون إليهم ويستفتون منهم , قد ثبت النقل عن أكثرهم صريحاً بإيقاع الثلاث، ولم يظهر لهم مخالف فماذا بعد الحق إلا الضلال، وعن هذا قلنا: لو حكم حاكم بانها واحدة لم ينفذ حكمه، لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلاف. وغاية الأمر فيه أن يصير كبيع أمهات الأولاد، أجمع على نفيه وكن في الزمن الأول يبعن. انتهى. وأنت تعلم ان الحنابلة القائلين بعدم وقوع الثلاث يناقشون في هذه المقدمات، لأن الإجماع لم يتم، لما ثبت أن أبن عباس لم يوافق، وكذا الزبير وعبد الرحمن وغير واحد من الصحابة والتابعين وتابع التابعين، ولم ينعقد إجماع القرون الثلاثة على ذلك كما تقدم، كما سيتضح من بحث الإجماع الآتى إن شاء الله تعالى، وأن هذه المسالة يعدونها كسائر المسائل الخلافية التى لم يقم الإجماع عليها فللاجتهاد فيها مجال، كذا قالوا. وقال الوالد عليه الرحمة في سورة الطلاق من كلام طويل تفسيره ما نصه: والمراد بإرسال الثلاث دفعة واحدة ما يعم كونها بألفاظ متعددة، كأن يقال: أنت طالق، أنت طالق، أو بلفظ واحد، كان يقال: أنت

стр. 271

طالق ثلاثاً، وفي وقوع هذا ثلاثاًُ خلاف، وكذا في وقوع الطلاق مطلقاً في الحيض، فعند الإمامية لا يقع الطلاق بلفظ الثلاث، ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة، وقد قال ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) ونقله غير واحد عن ابن المسيب وجماعة من التابعين. وقال قوم منهم - فيما قيل - طاوس وعكرمة: الطلاق ثلاث بفم واحد يقع به واحدة. وروى هذا أبو داود عن ابن عباس، وهو أختيار الشيخ ابن تيمية من الحنابلة. وفي الصحيحين أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وابي بكر وصدراً من خلافة عمر ﵁؟ قال: نعم. وفي رواية لمسلم: أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: إن الناس قد أستعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فامضاه عليهم. ومنهم من قال في المدخول بها: يقع ثلاث وفي الغير واحدة، لما في مسلم وأبي داود والنسائي أن أبا الصهباء كان كثير السؤال من ابن عباس قال: أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاًُ قبل أن يدخل بها جعلوا ذلك واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر.؟ الحديث. والذى ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ائمة المسلمين ومنهم الأئمة الأربعة - وقوع الثلاث بفم واحد. ثم أجاب بما تقدم بعضه وأطال، وبسط القيل والقال، فإن أردت كمال الوقوف على هذه المسألة فارجع إليه وإلى الكتب المفصلة. غير أنه قد تبين أن هذا القول لم ينفرد به الشيخ ابن تيمية، وأن شبهته

стр. 272

في ذلك قوية، ومع ذا، فهي من المسائل الاجتهادية. هذا، ومن الغريب ما ذكرت الشيخ عبد الغني النابلسي عليه الرحمة في شرحه للطريقة المحمدية في هذه المسألة ما نصه: وقد رايت رسول الله ﷺ فسألته في المطلقة بالثلاث في المجلس الواحد، كيف حكمه عندك يا رسول الله؟ فقال: ((هي ثلاث)) كما قال ((لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره)) فقلت له إن جماعة من أهل الظاهر حكموا أنها واحدة؟ فقال: ((هؤلاء حكموا بما وصل إليهم وأصابوا، وحكى أنا في المسألة ما ذكرت لك)) وفي رؤيا طويلة، فمن ذلك الوقت صرت أقول بهذا الحكم عن رسول الله ﷺ . انتهى بحروفه. قال العلامة الشوكاني في الدرر البهية: الراجح عدم الوقوع. انتهى - وهو الحق كما حققه شيخنا العلامة أبو الطيب القنوجي حماه الله تعالى في (الروضة الندية) فإن شئت زيادة الاطلاع فارجع إليه، والله سبحانه أعلم. [حكم المكوس وهل تقوم مقام الزكاة ؟] (قوله: وإن المكوس حلال لمن أقطعها، وأنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة، وإن لم يكن باسم الزكاة ولا رسمها) . أقول: في القاموس: مكس في البيع يمكس: إذا جئ مالا. والمكس النقص والظلم. ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية. أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة.انتهى. وقال ﵊: ((لا يدخل صاحب مكس الجنة)) يعني العشار. فعلي هذا أن المكوس ما يؤخذ من التجار بغير وجه شرعي. (قلت) : إن هذا القول المجمل لم يصحح نقله عن الشيخ ابن تيميه، غير أنه قد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى أنه لو أخذ السلطان

стр. 273

من شخص أموالاً مصادرة، ونوى أداء الزكاة إليه، فعلى قول المشايخ المتأخرين يجوز. قال العلامة ابن عابدين في رد المختار: والصحيح أنه لا يجوز، وبه تفنى، لأنه ليس للظالم ولاية أخذ الزكاة من الأموال الباطنة. ثم قال: وفي مختارات النوازل: السلطان الجائر إذا أخذ الخراج يجوز، ولو أخذ الصدقات أو الجبايات أ, أخذ مالا مصادرة إن نوى الصدقة عند الدفع قيل: يجوز أيضاً، وبه يفتى. وكذا إذا دفع إلى كل جائر بنية الصدقة، لأنهم بما عليهم من التبعات صاروا فقراء والأحوط الإعادة، انتهى. وهذا موافق لما صححه في المبسوط، وتبعه في الفتح فقد أختلف التصحيح والإفتاء في الأموال إذا نوى المتصدق بها على الجائر وعلمت ما هو الأحوط. قلت: وشمل ذلك ما يأخذه المكاس، لأنه وإن كان في الأصل هو العاشر الذى ينصبه الإمام لكن اليوم لا ينصب لأخذ الصدقات، بل لسلب أموال الناس ظلماً بدون حماية فلا تسقط الزكاة بأخذه، كما صرح به في البزازية. فإذا نوى التصدق عليه كان على الخلاف المذكور، انتهى ما في رد المختار باختصار. وفي الحاوى للزاهدى نقلاً عن جمع التفارق: أنه ينوى الزكاة بما أخذه منه الظالم ظلماً، وإن كان يأخذه الظالم على غير جهة الزكاة. ونقل أيضاً عن بعضهم: أن من أمتنع عن الزكاة فأخذها الإمام كرهاً ووضعها في أهله أجزأ، لأن الإمام ولاية أخذ الصدقات فقام أخذه مقام دفع المالك. قال مجد الأئمة فيه إشكال، لأن النية فيه شرط ولم توجد. انتهى. فقد تبين أن هذه المسالة أيضاً خلافية، فإذا ذهب إلى أختيار أحد القولين فيها الشيخ ابن تيميه فلا يعاب، كما لا يخفى على من تضلع من المسائل

стр. 274

الشرعية وأما ما نسب إليه أولاً أيضاً من جواز إقطاع المكوس، فالظاهر أنه ليس بصحيح العزو إليه كما سيأتى أمثال ذلك نعم، وجدت عبارة في فثاويه فلعلها هي المأخذ في عزو ما ذكر إليه مع أنها ليس فيها ما يصحح حمل ذلك عليه، فلا بأس بذكرها وهب قوله. فصل: [في المظالم المشتركة] مثل المشتركين في قرية إذا طلب منهم شئ يؤخذ على اموالهم أو عدد رءوسهم أو عدد دوابهم، كما يوضع على المتبايعين للثياب ونحوها بتأويل وجوب الجهاد بأموالهم وغيرها، مع ما دخل في ذلك من الظلم. ومثل ما يطلبه الولاة أحياناً، كعند قدوم سلطان، أو حدث ولد له. ومثل المقاتلة الذين يسيرون حجاجاً أو تجاراً، ومثل الذين يقعدون على الجسور وأبواب المدائن فيأخذون شيئاً، فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال التى لا تجب شرعاً، وأخذها ظلم عليهم - لزم العد فيها يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضاً فيما يطلب منهم، بل أما أن يؤدي قسطه فيكون عادلاً، وإما أن يؤدي زائداً على قسطه فيعين شركاء فيكون محسناً. وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك حتى يؤخذ ذلك من بقية الناس، بأن يجعل قسطه ايضاً عليهم لوجوه، منها: انه يفضى إلى أن الضعفاء الذين ليس لهم ناصر يؤخذ منهم جميع ذلك المال. ومنها أنه يعلم أن قسطه يوضع على غيره فكأنه قد أمر به. ومنها أن المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدوهم وجب على القادرين الاشتراك في ذلك. فعلى هذا إذا تغيب بعضهم أو امتنع من الأداء وأخذ من غيره حصته كان عليه أن يؤدي قدر نصيبه إلى من أدى عنه - في أظهر قولي العلماء - ويعاقب على

стр. 275

أدائه (١) كما يعاقب على سائر الحقوق الشرعية. وكذلك من خلص ماله من قطاع الطريق، أو عسكر ظالم، أو متول ظالم، ولم يخلصه إلا بما أدى عنه فإنه يرجع بذلك عليه، وهو محسن إليه بذلك، وإن لم يكن مؤتمناً على ذلك ولا مكرهاً على الأداء عنه - وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان! ومن جعله في هذا متبرعاً ولم يعطه شيئاً فقد قابل الإحسان بالإساءة. والمسألة خلافية، وما ذكرناه أعدل وأقرب للأدلة الشرعية. أنتهى مختصراً. [هل تنجس المائعات بموت حيوان] (قوله: وإن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة) - أقول: اختلف الأئمة في مقدار الماء الذى إذا وقعت فيه نجاسة لا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، فعند الشافعي وأحمد في المشهور عنه: إذا بلغ قلتين لا يحمل خبثاً. وعند أبي حنيفة: يتنجس الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة وإن تغير أحد أوصافه، إلا إذا كان جارياً أو غير جار لكنه كثير، فإنه لا يندس إلا إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة فإنه ينجس. وقدر الكثير عنده بالغدير العظيم الذى لا يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر، أو بما كان عشره أذرع في عشرة أذرع، فيكون وجه الماء مائة ذراع. وعند مالك: الماء لا ينجس ولو كان قليلاً إلا إذا تغير أحد أوصافه. وهذا كله مبسوط في كتب المذاهب. وأختلفوا أيضاً في أن النجاسة هل تزال بكل مائع طاهر، أم بالماء خاصة فقالت الأئمة الثلاثة: لا تزال النجاسة إلا بالماء. وقال إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تزال بكل مائع مزيل

стр. 276

غير الأدهان فإنها لا تزال بها النجاسة، وأما الخل ونحوه فإنه تزال به النجاسة. واختلفوا ايضاً في ان سائر المائعات كالخل ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة هل ينجس مطلقاً ولو كان كثيراً، أو لا ينجس الكثير كالماء الكثير؟ فيه خلاف، وهذا هو موضوع هذه المسألة، ولنذكرك إن شاء الله تعالى أقوال العلماء في ذلك. وحاصل قول الشيخ ابن تيميه فيما هنالك، حتى يتضح الحالك، ويبدو للسالك أنه قد سلك واضح المسالك. فقد قال المحقق الحصكفى الحنفى في الدر المختار: وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح حتى ولو وقع بول في عصير عشر في عشر، أى في حوض كبير لا يتحرك طرفه بتحرك الأخر المقدر بعشر في عشر، لم يفسد ذلك العصير أى لم يظهر أثر النجاسة. ولو سال دم رجله مع العصير لا ينجس. ويحل شربه، لأنه جعل في حكم الماء عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد. انتهى بتوضيح من المحشى. وقال في موضع آخر في باب المياه أيضاً، ثم المختار: طهارة المتنجس بمجرد جريانه، وكذا البئر وحوض الحمام. قال محشيه العلامة ابن عابدين بعد كلام كثير في تطهير ماء الحوض الصغير والأواني، وأنه هل يطهر بمجرد خروج الماء منها أم لا؟ والخلاف في ذلك ما نصه: وأخبرني شيخنا حفظه الله تعالى أن بعض أهل عصره في حلب أفتى بذلك، أى بمطلق السيلان منها حتى في المائعات، وإنهم أنكروا عليه ذلك، وأقول مسألة العصير تشهد لما أفتى به، وقد مر أن حكم المائعات كالماء في الأصح. فالحاصل أن ذلك له شواهد كثيرة، فمن أنكره وأدعى خلافه يحتاج إلى إثبات مدعاه بنقل صريح لا بمجرد أنه لو كان كذلك لذكروه في تطهير المائعات

стр. 277

كالزيت ونحوه. على أنه في القهستاني أن المائع كالماء والدبس (١) وغيرهما طهارته إما بإجرائه مع نجسه، وإما بالخلط مع الماء، كما إذا جعل الدهن في الخابية ثم صب فيه ماء مثله، وحرك ثم ترك حتى يعلو وثقب أسفلها حتى يخرج الماء، هكذا يفعل ثلاثاً، فإنه يطهر كما في الزاهدي أنتهى باختصار. وفي فتاوى الشيخ ابن تيميه ما ملخصه: مسائل في الزيت اليسير تقع فيه النجاسة، مثل الفأرة ونحوها، وماتت فيه هل ينجس أم لا؟ وإذا قيل ينجس فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ قلتين أم لا؟ وإذا قيل تجوز المكاثرة هل يلقى الطاهر على النجس أو بالعكس، أو لا فرق؟ وإذا لم تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق في الانتفاع به مثل الاستصباح به أو غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا؟ وإذا كانت المياه النجسة اليسيرة تطهر بالمطاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا؟ . الجواب - أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة فهل تنجس؟ إن كانت كثيرة فوق القلتين، أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقاً إلا بالتغيير؟ . أولاً ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين؟ فيه عن أحمد ثلاث روايات: أحدها - أنها تنجس ولو مع الكثرة، وهو قول الشافعي وغيره. والثانية - أنها كالماء سواء كانت مائية أو غير مائية، وهو قول طائفة من السلف والخلف كابن مسعود وابن عباس والزهري وابي ثور وغيرهم نقله المروزي عن ابي ثور. وحكي ذلك لأحمد، فقال: إن أبا ثور شبهه بالماء،

стр. 278

ذكر ذلك الخلال في جامعة عن المروزي، وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن حكم المائعات عندهم حكم الماء ومذهبهم في المائعات معروف فيه إذا كانت منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الأخر لم يتنجس كالماء عندهم. وأما أبو ثور فإنه يقول بالقلتين كالشافعي. والقول أنها كالماء، يذكر قولاً في مذهب مالك رحمه الله تعالى، وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة إذا وقعت في الطعام الكثير روايتين. وروى عن ابن نافع من المالكية في الحباب التى بالشام للزيت تموت فيه الفأرة: أن ذلك لا يضر الزيت. وقال ابن الماجشون في الزيت وغيره تقع فيه الميتة ولم يتغير أوصافه وكان كثيراً: لم ينجس بخلاف موتها فيه. ففرق بين موتها فيه ووقوعها فيه. ومذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر: أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن إذا وقعت فيه فأرة، كما يقولون: إن الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل. والثالثة - يفرق بين المائع المائي كخل الخمر وغير المائي كخل العنب، فيلحق الأول بالماء دون الثاني. وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال: أحدها - أنها كالماء. والثاني أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام فإتلافها فيه فساد، ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء، أو مباينة لها من الماء. والثالث - أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، وذكرنا حجة من قال بالتنجس وأنهم احتجوا بقوله ﵊: ((إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) رواه أبو داود وغيره. وبينا ضعف

стр. 279

هذا الحديث، وطعن البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه، أنهم بينوا أنه غلط فيه معمر على الزهري. قال أبو داود في الفأرة تقع في السمن: حدثنا مسدد حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ميمونة: ((أن فأرة وقعت في سمن فأخبر النبي ﷺ فقال: ألقوها وما حولها وكلوا)) واما حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) قال محمد بن إسماعيل: فيه خطأ، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. وبتقدير صحة قوله ((إن كان مائعاً فلا تقربوه)) فإنما يدل على نجاسة القليل الذى وقعت فيه النجاسة كالسمن المسئول عنه، فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق القلتين يقع فيه فأرة، حتى يقال: إنه يفيد العموم، إذ السمن الذي يكون عند أهل المدينة أو في أوعيتهم يكون في الغالب قليلاً، فلو صح هذا اللفظ لم يدل إلا على نجاسة القليل. فأما المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها نص لا صحيح ولا ضعيف ولا لإجماع ولا قياس صحيح. ومن ينجسه ظن أن النجاسة إذا وقعت في ماء أو مائع سرت فيه كله فنجسته. وقد عرف بأن هذا لم يقل بطرده أحد من المسلمين، فإن طرده يوجب نجاسة البحر. بل الذين قالوا هذا الأصل منهم من أستثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، ومنهم من أستثنى في بعض النجاسات ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما فوق القلتين، وعلل بعضهم المستثنى بمشقة التنجيس وبعضهم بعدم وصول النجاسة إلى الكثير، وبعضهم يتعذر التطهير. وهذه

стр. 280

العلل موجودة في كثير من الأذهان، فإنه يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة من الزيت. ولا يمكنهم صيانته عن الواقع، فالعسر والحرج بتنجيس هذا عظيم جداً. ولهذا لم يرد في تنجيس الكثير أثر عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة. وأختلف قول الإمام أحمد في تنجس الكثير، وأما القليل فإنه ظن صحة حديث معمر فأخذ به. وقد أطلع غيره على العلة القادحة فيه، ولو أطلع عليها لم يقل به. وروى عن ابن عباس أنه سئل عن فأرة كانت في سمن؟ قال: تؤخذ الفأرة وما حولها. قلت: يا مولانا إن أثرها في السمن كله؟ فقال للسائل عضضن بهن ابيك؟ إنما كان أثرها في السمن وهي حية وإنما ماتت حيث وجدت. وعن أبي حزن بن أبي السود الدؤلى قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في سمن فقال: إنما حرم من الميتة لحمها ودمها. قلت: فقول معمر ((فلا تقربوه)) متروك عند عامة السلف والخلف، فإن جمهورهم يجزون الاستصباح به، وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره، وهذا مخالف لقوله ((فلا تقربوه)) ثم ذكر مذهب مالك وغيره في الماء وأنه لا يندس عند مالك بوقوع النجاسة إذا لم يتغير. وذكر عن الغزالي أنه قال: وددت أن مذهب الشافعي في المياه كمذهب مالك - إلى أن قال - وفي الجملة هذا القول هو الصواب. وذلك أن الله تعالى حرم الخبائث التى هي الميتة، والدم، ولحم الخنزير ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير اصلاً، كما أن الخمر إذا أستهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شارباً للخمر، إذا أستحالت بنفسها وصارت خلاً كانت طاهرة بالاتفاق. وهذا على أصل من يقول: إن النجاسة إذا أستحالت طهرت، وهذا قوى كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأهل الظاهر، وأحد القولين

стр. 281

في مذهب مالك وأحمد. فإن انقلاب النجاسة ملحاً ورماداً ونحو ذلك هو كانقلابها ماء، فلا فرق بين أن يستحيل ملحاً أو رماداً أو ماءً أو هواءاً ونحو ذلك. وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات والخبيثة قد أستهلكت واستحالت فيها، فكيف يحرم الطيب الذى أبيح؟ وإذا قيل: إنه خالطه الخبيث فحرم. فالجواب عنه: أن بئر بضاعة لما ذكر له ﵊ أنه يلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب، فقال ﵊: ((الماء طهور ولا ينجسه شئ - وقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) . وفي لفظ ((لم ينجسه شئ)) إلى أن قال: ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول هو رواية عن أحمد يعني بعدم تنجس الماء القليل إذا لم يتغير، قال في المائعات كذلك، كما قاله الزهري وغيره. فهؤلاء لا ينجسون شيئاً من املائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري لكن المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء، وكذلك في المائعات إذا سويت به. أنتهى ملخصاً. وقد أطنب وفصل فمن أراد كمال الإطلاع على هذا المفضل، فعليه الكتاب المفصل. وفي شرح العيني لصحيح البخاري عند حديث: سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال ﷺ : ((ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)) ما نصه: أن الجمهور ذهبوا إلى نجاسة المائع بوقوع النجاسة فيه، وإذا كان جامداً يطرح ما حول النجس وشد قوم فجعلوا المائع كله كالماء. وسلك داود ابن على مسلكهم. أنتهى. فقد تبين لك أن الشيخ ابن تيميه لم ينفرد بهذا القول لما سرد من أدلته النقلية والعقلية، فافهم والله تعالى أعلم.

стр. 282

[هل للجنب أن يصلى التطوع ليلاً قبل أن يغتسل ؟] (قوله: وإن الجنب يصلى تطوعه بالليل ولا يؤخره إلى أن يغتسل قبل الفجر وإن كان بالبلد) - أقول: إن هذه المسألة لها نظائر مصححة عند كثير من الأئمة. وللمجتهد فيها مدار على قيامها بغيرها من المسائل الآتية، وهو الذى يلوح من كلام الشيخ محيى الدين ابن عربي في الفترحات، كما سيأتى ذلك إن شاء الله تعالى فيما حكاه ابن رجب فلا تغفل. [شرط الواقف هل يعتبر أو لا ؟] (قوله: وإن شرط الواقف غير معتبر، بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية إلى آخره) - أقول: إنهم في الحقيقة صرحوا أن شرط الواقف كنص الشارع، يعني لا يخالف، لكن صرحوا ايضاً بأنه قد يخالف في مسائل منها - كما في رد المختار للعلامة محمد أمين بن عابدين - أنه لو شرط الواقف أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا فللقيم التصديق على سائل غير ذلك المسجد، أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل: أنتهى. ومثله في حاوى الزاهدى، فليمكن قول الشيخ ابن تيميه من هذا القبيل أو اجتهاداً منه كما اجتهد في كثير من المسائل علماء المذاهب الأربعة، ومن يتتبع يعرف، فاعرف ذاك، والله تعالى يتولى هدانا وهداك -. [اختيارات أخرى ذهب إليها ابن تيميه] (قوله: وأمثال ذلك) - أقول: لعله يعني بها المسائل التى ذكرها العلامة ابن رجب الحنبلي في ترجمته الطويلة.

стр. 283

فقد قال ابن العماد في الشذرات ما نصه: قال ابن رجب: كانت العلماء والصلحاء والجند والأمراء والتجار وسائر العامة تحبه لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهاراً بلسانه وعلمه وله مفردات، أختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه. القول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير، قليلاً كان أو كثيراً. القول بجواز المسح على النعلين والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقف مع إمكان النزاع وتيسره، واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها. واختار جواز التيمم بخشية فوات الوقت في حق المعذور، كمن أخر الصلاة عمداً حتى تضايق وقتها. وكذا من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث، واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول في الحمام وتكرره انها تتيمم وتصلى. واختار أن لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضين، ولا لسن الياس، وان ذلك إلى ما تعرفه مل امرأة من نفسها. وأختار أن تارك الصلاة عمداً لا يجب عليه القضاء ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل. وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظاهرية. وأختار القول بأن البكر لا تستبرئ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر ﵁ واختاره البخاري. والقول بان من أكل في شهر

стр. 284

رمضان معتقداً أنه ليل، وكان نهاراً لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم. والقول بجواز المسابقة بلا محلل وإن أخرج المستبقان. والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة والمطلقة آخر ثلاث طلقات. والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين. وجواز طواف الحائض ولا شئ عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهراً. والقول بجواز بيع الأصل بالعصير كالزيتون بالزيت، والسمسم بالشيرج متفاضلاً، وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصنعة. والقول بالتكفير في الحلف بالطلاق، وهو من الأقوال المشهورة التى جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل، وأن الثلاث بلفظة لا يقع إلا واحدة. وأن الطلاق المحرم لا يقع. وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تحصر ولا تنضبط أهـ. وأنت تعلم أن كثيراً من ذلك هو قول لأحد المذاهب الربعة أو لداود الظاهري، أو لأحد الصحابة الكرام، أو أحد التابعين. وقد بينت البعض فيما سبق، وسأبين الباقي إن شاء الله تعالى فيما سيلحق. والحاصل - أن هذه الأقوال والاختبارات إما له فيها سلف، أو أدلة بحسب الظاهر قويات فلا تغفل. [رأى ابن تيميه في الحسن والقبح] (قوله: ومن مسائل الأصول مسألة الحسن والقبح التزم كل ما يرد عليها - أقول: يا لله العجب! من إجمال هذا النقل والتشنيع على هذا القول كما لا يخفى عدم حسنه عند ناقد بصير، لأن هذه المسألة كما ستقف إن شاء الله تعالى على تفصيلها، أختلف العلماء في تفريعها وتأصيلها. فعند الأشعرية هما

стр. 285

شرعيان. وعند غالب الحنفية وكثير من أصحاب المذاهب وجمهور المعتزلة عقليان. فإذا خالف الشيخ ابن تيمية قول السادة الأشعرية ووافق قوله غير واحد من الحنفية أو الشافعية أو الحنبلية، هل ينبغي أن يعد ذلك من الأقوال المطعونة والآراء المرذولة، بحيث إذا سمع هذا التجهيل جاهل، أو عالم عن الاختلاف غافل، يظن أن الشيخ ابن تيمية قد تفرد بهذه المسألة، وشذ عن أهل السنة النبوية، ولم يعلم أنه قد أختلف فيها أيضاً من فحول الأئمة الماتريدية، فاستمع الآن ما تنقله لك من كتب الاسلاف التى هي كفيلة بتبيان الخلاف. قال العلامة صدر الشريعة الحنفى في التوضيح شرح التنقيح: هذه المسألة من أمهات مسائل الأصول، ومهمات مباحث المعقول والمنقول، ومع ذلك هي مبنية على مسائل الجبر والقدر التى زلت في بواديها أقوام الراسخين، وضلت في مباديها أفهام المتفكرين، وغرقت في بحارها عقول المتبحرين. وحقيقة الحق فيها - أعنى الحق بين الإفراط والتفريط - سر من أسرار الله تعالى التى لا يطلع إلا خواص عباده. وهأنذا بمعزل من ذلك، لكن أوردت مع العجز عن درك الإدراك قدر ما وقفت عليه، ووقفت لإيراده. أعلم أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان: الأول: كون الشئ ملائماً للطبع ومنافراً له. والثاني: كونه صفة كمال، وكونه صفة نقصان. والثالث: كون الشئ متعلق المدح عاجلاً والثواب آجلاً، وكونه متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً. فالحسن والقبح بالمعنيين الأولين يثبتان بالعقل أتفاقاً، أما بالمعني الثالث فقد أختلفوا فيه، فعند الأشعري لا يثبتان بالعقل بل بالشرع فقط. فهذا بناء على أمرين:
следующие страницы →