في مذهب مالك وأحمد. فإن انقلاب النجاسة ملحاً ورماداً ونحو ذلك هو كانقلابها ماء، فلا فرق بين أن يستحيل ملحاً أو رماداً أو ماءً أو هواءاً ونحو ذلك. وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات والخبيثة قد أستهلكت واستحالت فيها، فكيف يحرم الطيب الذى أبيح؟ وإذا قيل: إنه خالطه الخبيث فحرم.
فالجواب عنه: أن بئر بضاعة لما ذكر له ﵊ أنه يلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب، فقال ﵊: ((الماء طهور ولا ينجسه شئ - وقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) .
وفي لفظ ((لم ينجسه شئ)) إلى أن قال: ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول هو رواية عن أحمد يعني بعدم تنجس الماء القليل إذا لم يتغير، قال في المائعات كذلك، كما قاله الزهري وغيره.
فهؤلاء لا ينجسون شيئاً من املائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري لكن المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء، وكذلك في المائعات إذا سويت به. أنتهى ملخصاً. وقد أطنب وفصل فمن أراد كمال الإطلاع على هذا المفضل، فعليه الكتاب المفصل.
وفي شرح العيني لصحيح البخاري عند حديث: سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال ﷺ : ((ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)) ما نصه: أن الجمهور ذهبوا إلى نجاسة المائع بوقوع النجاسة فيه، وإذا كان جامداً يطرح ما حول النجس وشد قوم فجعلوا المائع كله كالماء. وسلك داود ابن على مسلكهم. أنتهى.
فقد تبين لك أن الشيخ ابن تيميه لم ينفرد بهذا القول لما سرد من أدلته النقلية والعقلية، فافهم والله تعالى أعلم.
стр. 282
[هل للجنب أن يصلى التطوع ليلاً قبل أن يغتسل ؟]
(قوله: وإن الجنب يصلى تطوعه بالليل ولا يؤخره إلى أن يغتسل قبل الفجر وإن كان بالبلد) -
أقول: إن هذه المسألة لها نظائر مصححة عند كثير من الأئمة. وللمجتهد فيها مدار على قيامها بغيرها من المسائل الآتية، وهو الذى يلوح من كلام الشيخ محيى الدين ابن عربي في الفترحات، كما سيأتى ذلك إن شاء الله تعالى فيما حكاه ابن رجب فلا تغفل.
[شرط الواقف هل يعتبر أو لا ؟]
(قوله: وإن شرط الواقف غير معتبر، بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية إلى آخره) -
أقول: إنهم في الحقيقة صرحوا أن شرط الواقف كنص الشارع، يعني لا يخالف، لكن صرحوا ايضاً بأنه قد يخالف في مسائل منها - كما في رد المختار للعلامة محمد أمين بن عابدين - أنه لو شرط الواقف أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا فللقيم التصديق على سائل غير ذلك المسجد، أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل: أنتهى.
ومثله في حاوى الزاهدى، فليمكن قول الشيخ ابن تيميه من هذا القبيل أو اجتهاداً منه كما اجتهد في كثير من المسائل علماء المذاهب الأربعة، ومن يتتبع يعرف، فاعرف ذاك، والله تعالى يتولى هدانا وهداك -.
[اختيارات أخرى ذهب إليها ابن تيميه]
(قوله: وأمثال ذلك) -
أقول: لعله يعني بها المسائل التى ذكرها العلامة ابن رجب الحنبلي في ترجمته الطويلة.
стр. 283
فقد قال ابن العماد في الشذرات ما نصه: قال ابن رجب: كانت العلماء والصلحاء والجند والأمراء والتجار وسائر العامة تحبه لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهاراً بلسانه وعلمه وله مفردات، أختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه.
القول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير، قليلاً كان أو كثيراً.
القول بجواز المسح على النعلين والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقف مع إمكان النزاع وتيسره، واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم بخشية فوات الوقت في حق المعذور، كمن أخر الصلاة عمداً حتى تضايق وقتها.
وكذا من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث، واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول في الحمام وتكرره انها تتيمم وتصلى.
واختار أن لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضين، ولا لسن الياس، وان ذلك إلى ما تعرفه مل امرأة من نفسها.
وأختار أن تارك الصلاة عمداً لا يجب عليه القضاء ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل. وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظاهرية.
وأختار القول بأن البكر لا تستبرئ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر ﵁ واختاره البخاري. والقول بان من أكل في شهر
стр. 284
رمضان معتقداً أنه ليل، وكان نهاراً لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم.
والقول بجواز المسابقة بلا محلل وإن أخرج المستبقان.
والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة والمطلقة آخر ثلاث طلقات.
والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين. وجواز طواف الحائض ولا شئ عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهراً.
والقول بجواز بيع الأصل بالعصير كالزيتون بالزيت، والسمسم بالشيرج متفاضلاً، وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصنعة.
والقول بالتكفير في الحلف بالطلاق، وهو من الأقوال المشهورة التى جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل، وأن الثلاث بلفظة لا يقع إلا واحدة. وأن الطلاق المحرم لا يقع. وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تحصر ولا تنضبط أهـ.
وأنت تعلم أن كثيراً من ذلك هو قول لأحد المذاهب الربعة أو لداود الظاهري، أو لأحد الصحابة الكرام، أو أحد التابعين. وقد بينت البعض فيما سبق، وسأبين الباقي إن شاء الله تعالى فيما سيلحق.
والحاصل - أن هذه الأقوال والاختبارات إما له فيها سلف، أو أدلة بحسب الظاهر قويات فلا تغفل.
[رأى ابن تيميه في الحسن والقبح]
(قوله: ومن مسائل الأصول مسألة الحسن والقبح التزم كل ما يرد عليها - أقول: يا لله العجب! من إجمال هذا النقل والتشنيع على هذا القول كما لا يخفى عدم حسنه عند ناقد بصير، لأن هذه المسألة كما ستقف إن شاء الله تعالى على تفصيلها، أختلف العلماء في تفريعها وتأصيلها. فعند الأشعرية هما
стр. 285
شرعيان. وعند غالب الحنفية وكثير من أصحاب المذاهب وجمهور المعتزلة عقليان. فإذا خالف الشيخ ابن تيمية قول السادة الأشعرية ووافق قوله غير واحد من الحنفية أو الشافعية أو الحنبلية، هل ينبغي أن يعد ذلك من الأقوال المطعونة والآراء المرذولة، بحيث إذا سمع هذا التجهيل جاهل، أو عالم عن الاختلاف غافل، يظن أن الشيخ ابن تيمية قد تفرد بهذه المسألة، وشذ عن أهل السنة النبوية، ولم يعلم أنه قد أختلف فيها أيضاً من فحول الأئمة الماتريدية، فاستمع الآن ما تنقله لك من كتب الاسلاف التى هي كفيلة بتبيان الخلاف.
قال العلامة صدر الشريعة الحنفى في التوضيح شرح التنقيح: هذه المسألة من أمهات مسائل الأصول، ومهمات مباحث المعقول والمنقول، ومع ذلك هي مبنية على مسائل الجبر والقدر التى زلت في بواديها أقوام الراسخين، وضلت في مباديها أفهام المتفكرين، وغرقت في بحارها عقول المتبحرين. وحقيقة الحق فيها - أعنى الحق بين الإفراط والتفريط - سر من أسرار الله تعالى التى لا يطلع إلا خواص عباده. وهأنذا بمعزل من ذلك، لكن أوردت مع العجز عن درك الإدراك قدر ما وقفت عليه، ووقفت لإيراده.
أعلم أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان:
الأول: كون الشئ ملائماً للطبع ومنافراً له.
والثاني: كونه صفة كمال، وكونه صفة نقصان.
والثالث: كون الشئ متعلق المدح عاجلاً والثواب آجلاً، وكونه متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً.
فالحسن والقبح بالمعنيين الأولين يثبتان بالعقل أتفاقاً، أما بالمعني الثالث فقد أختلفوا فيه، فعند الأشعري لا يثبتان بالعقل بل بالشرع فقط. فهذا بناء على أمرين:
стр. 286
أحدهما - أن الحسن والقبح ليسا لذات الفعل وليس للفعل صفة يحسن الفعل أو يقبح لأجلها عند الأشعري.
وثانيهما - أن فعل العبد ليس باختياره عنده، فلا يوصف بالحسن والقبح ومع ذلك جوز كونه متعلق الثواب والعقاب بالشرع، بناء على أن عنده لا يقبح من الله تعالى أن يثبت العبد أو يعاقبه على ما ليس باختياره، لأن الحسن والقبح لا ينسبان إلى أفعال الله تعالى عنده.
فالحسن والقبح بالمعني الثالث يكونان عند الأشعري بمجرد كون الفعل مأموراً به ومنهياً عنه. فالحسن عنده ما أمر به والقبيح ما نهى عنه. وعند المعتزلة ما يحمد على فعله سواء يحمد عليه شرعاً أو عقلاً. والقبح ما يذم على فعله. ثم بعد ما أبطل دليل الأشعري بما يطول نقله قال: وعند بعض أصحابنا يعني الحنفية والمعتزلة حسن بعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له ويعرفان عقلاً أيضاً، لأن وجوب تصديق النبي ﷺ إن توقف على الشرع يلزم الدور، وإن لم يتوقف على الشرع كان واجباً عقلاً فيكون حسناً عقلاً. وأيضاً وجوب تصديق النبي ﷺ موقوف على حرمة الكذب، فهي إن ثبتت شرعاً يلزم الدور، وإن ثبتت عقلاً يلزم قبحاً عقلاً.
ثم قال: ولما أثبتنا الحسن والقبح العقليين - وفي هذا القدر لا خلاف بيننا وبين المعتزلة - أردنا أن نذكر بعد ذلك الخلاف بيننا وبينهم، وذلك في امرين:
أحدهما - أن العقل عندهم حاكم مطلقاً بالحسن والقبح على أن الله تعالى وعلى العباد. أما على الله تعالى فلأن الأصلح واجب على الله تعالى بالعقل، فيكون تركه حراماً على الله تعالى. والحكم بالوجوب والحرمة يكون حكماً بالحسن والقبح ضرورة. وأما على العباد فلأن العقل عندهم يوجب الأفعال عليهم
стр. 287
ويبيحها ويحرمها من غير أن يحكم الله تعالى فيها بشئ من ذلك. وعندنا، الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى، وهو متعال عن أبي يحكم غيره، وعن أن يجب عليه شئ، وهو خالق أفعال العباد، جاعل بعضها حسناً وبعضها قبيحاً وله في كل قضية كلية أو جزئية حكم معين، وقضاء مبين، وإحاطة بظواهره وبواطنها، وقد وضع فيها ما وضع من خير أو شر، ومن نفع أو ضر، ومن حسن أو قبح.
وثانياً - أن العقل عندهم يوجب العلم بالحسن والقبح بطريق التوليد بأن يولد العقل العلم بالنتيجة عقب النظر الصحيح. وعندنا العقل آلة لمعرفة بعض من ذلك، إذ كثير مما حكم الله تعالى بحسنه أو قبحه لم يطلع العقل على شئ منه، بل معرفته موقوفة على تبليغ الرسل، لكن البعض منه قد أوقف الله تعالى العقل على انه غير مولد للعلم، بل أجرى عادته بخلق بعضه من غير كسب، وبعضه بعد الكسب. أى ترتيب العقل المقدمات المعلومة ترتيباً صحيحاً على ما مر أنه ليس لما قدرة إيجاد الموجودات، وترتيب الموجودات ليس بإيجاده. أهـ. ملخصاً.
وكتب السعد في تلويحه على قوله ((وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى)) ما نصه: لا يقال هذا مذهب الأشاعرة بعينه، لأنا نقول: الفرق هو أن الحسن والقبح عند الأشاعرة لا يعرفان إلا بعد كتاب ونبي وعلى هذا المذهب قد يعرفها العقل بخلق الله تعالى علماً ضرورياً بهما، إما بلا كسب كحسن تصديق النبي وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب كالحسن والقبح المستفادين من النظر في الأدلة وترتيب المقدمات، وقد لا يعرفان إلا بالنبي والكتاب كأكثر أحكام الشرع. أهـ. ملخصاً.
وقال التاج السبكي في جمع الجوامع: الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع
стр. 288
ومنافرته وصفة الكمال والنقص - عقلي وبمعنى الذم عاجلاً والعقاب آجلاً - شرعي، خلافاً للمعتزلة. قال شارحه ولي الدين أحمد الشهير بابي زرعه العراقي الشافعي: الحسن والقبح يطلق بثلاثة اعتبارات:
أحدها - ما يلائم الطبع وينافره، كقولنا: إنقاذ الفريق حسن، وإتهام البرئ قبيح.
الثاني - صفة الكمال والنقص، كقولنا: العلم حسن والجهل قبيح وهو بهذين الاعتبارين عقلى بلا خلاف، أى أن العقل يستقل بإدراكها من غير توقف على الشرع.
الثالث: ما يوجب المدح أو الذم الشرعي عاجلاً، والثواب أو العقاب آجلاً وهو موضع الخلاف. والمعتزلة قالوا: هو عقلى أيضاً، يستقل العقل بإدراكه. وهل أهل السنة: هو شرعي لا يعرف إلا بالشرع. أهـ.
ونقل العلامة السفاريني عند شرح قوله: [رجز]
وربنا يخلق باختيار من غير حاجة ولا اضطرار
لكنه لا يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى
ما نصه: قال شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله تعالى روحه: ونشا من هذا الاختلاف نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في مسألة التحسين والتقبيح العقلي، فأثبت ذلك المعتزلة والكرامية، وغيرهم، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، واهل الحديث وغيرهم ﵁، ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من اصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وأتفق الفريقان على أن الحسن والقبيح إذا فسر أيكون الفعل نافعاً للفاعل ملائماً له، وكونه ضاراً للفاعل منافراً له أنه تمكن معرفته بالعقل كما يعرف بالشرع وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا، وليس كذلك، بل جميع الأفعال التى أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم، وجميع الأفعال التى نهى الله تعالى عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة في حقهم.
стр. 289
والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له. والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل مفسدة له. والمعتزلة اثبتت الحسن في افعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله تعالى.
قال الشيخ: ومنازعوهم لما أعتقدوا ان لا حسن ولا قبح في الفعل إلا ما عاد إلى الفاعل منه حكم، نفوا ذلك وقالوا: القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته، وكل ما يقدر ممكناً من الأفعال فهو حسن، إذ لا فرق بالنسبة إليه عندهم بين مفعول ومفعول، وأولئك - يعني المعتزلة - اثبتوا حسناً وقبحاً لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته. وعندهم لا يقوم بذاته ولا وصف ولا فعل ولا غير ذلك، وغن كانوا قد يتناقضون. ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح، فجعلوا يوجبون على الله سبحانه من جنس ما يوجبون على العبد، ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته، فلا يثبتون له مشيئه عامة ولا قدرة تامة. فلا يجعلونه على كل شئ قديراً، ولا يقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يقرون بانه خالق كل شئ. ويثبتون له من الظلم ما نزه نفسه عنه، فإنه سبحانه قال: ﴿ومن يعلم من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً﴾ [طه ١١٢] أى لا يخال أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره، ولا يهضم من حسناته.
والحاصل - أن فعل الله تعالى وتقدس وأمره لا يكون لعلة في قول مرجوح - أختاره كثير من علمائنا وبعض المالكية والشافعية، وقاله الظاهرية والأشعرية والجهمية.
والقول الثاني - أنها لعلة وحكمة، أختاره الطوفي، وهو مختار شيخ
стр. 290
الإسلام ابن تيميه وابن القيم وابن قاضي الجبل وحكاه عن إجماع السلف وهو مذهب الشيعة والمعتزلة.
لكن المعتزلة تقول بوجوب الصلاح، ولهم في الأصلح قولان. والمخالفون لهم يقولون بالتعليل لا على منهج المعتزلة. قال شيخ الإسلام: لأهل السنة في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه قولان، والأكثرون على التعليل والحكمة، وهل هي منفصلة عن الرب ولا تقوم به، أو قائمة مع ثبوت الحكم المنفصل، لهم فيه أيضاً قولان. وهل يتسلسل الحكم أولا بتسلسل، أو يتسلسل في المستقبل دون الماضي؟ فيه أقول.
قال: احتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ [المائدة ٣٢] وقوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة﴾ [الحشر ٧] وقوله سبحانه: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم﴾ [البقرة ١٤٣] ونظائرها، ولأنه تعالى حكيم شرع الأحكام لحكمة ومصلحة، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والإجماع واقع على اشتمال الأفعال على الحكم والمصالح، جوازاً عند أهل السنة، ووجوباً عند المعتزلة، فيفعل ما يريد بحكمته.
وتقدم أن النافين للحكمة والعلة احتجوا بما أحتجوا به انه يلزم من قدم العلة قدم المعلول وهو محال، ومن حدوثها افتقارها إلى علة أخرى، وأنه يلزم التسلسل.
قال الإمام الرازي. وهو مراد المشايخ بقولهم: كل شئ صنعه ولا علة لصنعه. وما أجاب به من قال بالحكمة، وانها قديمة لا يلزم من قدم العلة قدم معلولها، كالإدارة فإنها قديمة ومتعلقها حادث.
والحاصل - أن شيخ الإسلام وجمعاً من تلامذته أثبتوا الحكمة والعلة أفعال الباري سبحانه واقاموا على ذلك من البراهين ما لعله لا يبقى في مخيلة
стр. 291
الفطين، السالم من ربقة تقليد الأساطين - أدنى اختلاج وأقل تخمين، منها قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة ٣٦] وقوله تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً﴾ [المؤمنون ١١٥] وغير ذلك.
واما الإمام شمس الدين ابن القيم قد أجلب وأجنب، واتى بما يقضى منه العجب، في كتابه ((شرح منازل السائرين)) و ((مفتاح دار السعادة)) وغيرهما فمن أراد تنمية البحث والأدلة فليرجع إليهما، وإلى شرح عقيدة السفاريني عليه الرحمة. وقال أيضاً عند شرح قوله: [رجز]
فكل ما منه تعالى يحمل لأنه عن فعله لا يسئل
ما بعضه: مذهب الأشاعرة أن أفعال البارى تعالى ليست معللة بالأغراض والمصالح، ويقولون: إنه سبحانه يفعل هذه الحوادث عند الأسباب، واللام للعاقبة لا للتعليل. ومذهب الماتريدية: امتناع خلو فعله عن المصلحة، كما قال السعد.
والحق أن تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية بالحكم والمصالح ظاهر، وأنه مذهب سلف الأمة. والقول الوسط كما حكاه الشيخ في ((شرح الأصبهانية)) لأنه تعالى خلق كل شئ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ويثبتون لله تعالى حكمة يفعل لأجلها قائمة به . أهـ.
وقال بعض الأشاعرة: إنهم يقولون بالحكمة والمصلحة في نفس الآمر لأنهم يمنعون العبث في افعاله سبحانه، كما يمنعون الغرض، ولذلك كان التعبدي من الأحكام ما لا يطلع على حكمته لا مالا حكمه له، على أن بعضهم نقل عن الأشاعرة أنهم إنما يمنعون وجوب التعليل لا أنهم يحيلونه، كما صرح به ابن عقيل الحنبلى، واستغربه بعض الأشاعرة، أهـ. وقال أيضاً عند شرح قوله: [رجز]
فلم يحب عليه فعل الأصلح ولا الصلاح ويح من لم يفلح
стр. 292
خلافاً للمعتزلة. فمعتزلة البصرة قالوا بوجوب الأصلح في الدين، وقالوا تركه بخل ويفه يجب تنزيه البارى تعالى عنه، ومنهم الجبائي. وذهب معتزلة بغداد إلى وجوب الصلح في الدين والدنيا معاً، لكن بمعنى الأوفق في الحكمة والتدبير. وهذه المسألة مترجمة في كتب القوم بمسألة وجوب الصلاح والأصلح أنتهى.
قلت: والكلام فيها مبسوط في محله. وقصة الأشعري مع الجبائي المتقدمة لك في ترجمته قاضية بحقية مذهب أهل السنة ثم قال:
تنبيه - مذهب القول بالصلاح والأصلح مبني فيما قاله متكلموا الأشاعرة وغيرهم على قاعدتين:
إحداهما - تحسين العقل وتقبيحه في الأحكام الشرعية.
الثانية - استلزام الأمر للإدارة، فإن قلت: قد أسلفت أن أسلافك مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهما لهم الميل الاستدلال لإثبات التعليل والحكمة في الخلق والأمر، وذلك من اصول القول بالصلاح والأصلح. ثم هنا أبطلت هذا القول، وذكرت من لوازمه ما لا جواب عنه فما تصنع في هذه اللوازم التى ألزمت بها المعتزلة وما الجواب عنها إذا وجهت إليكم؟.
قلت: لا ريب، إنما نثبت لله وما أثبته لنفسه، وشهدت به الفطرة والعقول من الحكمة في خلقه وأمره، فكل ما خلقه وامر به فله فيه حكمه بالغة. وآية ظاهرة لأجلها خلقه وأمر به. لكن نقول: إن الله تعالى في خلقه كالفرق بين الفعلين، وكالفرق بين الوصفين والذاتين، فليس كمثله شئ في وصفه ولا في فعله ولا في حكمه مطلوبة له.
بل الفرق بين الخالق والمخلوق في ذلك كله أعظم فرق وابينه وأوضحه عند العقول والفطر، وعلى هذا فجميع ما ألزمت به الفرق القائلة بالصلاح
стр. 293
والأصلح، بل واضعاف ما ذكر من الإلزاميات فيه حكمة يختص بها لا يشاركه فيها غيره، ولأجلها حسن منه ذلك، وقبح من المخلوقين لانتفاء تلك الحكمة في حقهم. وهذا كما يحسن منه تعالى مدح نفسه والثناء عليها، وإن قبح من اكثر خلقه ذلك. ويليق بجلالة الكبرياء والعظمة، ويقبح من خلقه تعاطيها كما روى عنه ﷺ أنه حكى عن الله تعالى أنه قال: ((الكبرياء إزارى والعظمة ردائى، فمن نازعني واحداً منها عذبته)) وكما يحسن منه إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بانواع المحن، ويقبح ذلك من خلقه.
وهذا أكثر من أن تذكر أمثلته، فليس بين الله تعالى وبين خلقه جامع يوجب أن يحسن منه ما حسن منهم، ويقبح منه ما قبح منهم، وإنما تتوجه تلك الإلزامات على من قاس أفعال الله تعالى بأفعال العباد، دون من أثبت له حكمه يختص بها لا تشبه ما للمخلوقين من الحكمة، فهو عن تلك الإلزامات بمعزل، ومنزلة منها أبعد منزل.
ونكتة الفرق أن بطلان الصلاح والأصلح لا يستلزم بطلان الحكمة والتعليل كما أن التعليل الذى نثبته غير الذى تثبته المعتزلة كما مر، فإن المعتزلة أثبتوا لله شريعة عقلية، وأوجبوا عليه فيها وحرموا بمقتضى عقولهم. فالمعتزلة يوجبون على اله تعالى ويحرمون بالقياس على عباده، ولا ريب أن هذا من أفسد القياس وأبطله كما نبه عليه وبينه الإمام المحقق ابن القيم في كتابه: (مفتاح دار السعادة) . وأما زعم المعتزلة استلزام الآمر للإرادة فباطل لا يعول عليه وبالله تعالى التوفيق. أهـ.
فإذا أحطت خبراً بما تقرر علمت أن في المسألة أقوالاً، وأن العلماء قد كثر بينهم لذلك القيل والقال. فخذ ما طابق الكتاب وأترك الجدال.
стр. 294
تتمة
[أفعال العباد]
مسألة أفعال العباد من أعظم المسائل الدينية. والمذاهب الشهيرة ثلاثة: فمذهب المعتزلة - أن الإنسان خالق لأفعاله، سواء كانت خيراً أم شراً، وسموا لذلك بالقدرية، وهم لقبوا أنفسهم بالعدلية لذلك، ثم أقترفوا فرقتين، فالأولى تنكر سبق علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها، وقد أنقرضت هذه.
الثانية - كما قال الحافظ ابن حجر في فتح البارى - إنهم مطبقون على أنه سبحانه عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأنها مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال. والمتأخرون منهم أنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فراراً من تعلق القديم بالحادث. وذهبت الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلاً، وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة له عليها، ولا قصد ولا اختيار. فالمعتزلة على ما قال غير واحد من أهل السنة: ضاهت المجوس. والجبرية شابهت المشركين الذين قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ﴾ [الأنعام ١٤٨] . وذهب السلف الصالح، وكثير من الأشاعرة وغيرهم إلى أن أفعالنا مخلوقة لله ، لكنها كسب لنا كما قال الفهامة الشيخ محمد السفاريني الشامي الحنبلي في منظومته: [رجز]
أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لا هي
وكل ما يفعله العباد ... من طاعة وضدها مراد
لربنا من غير ما أضطرار ... منه لنا فافهم ولا تمارى
والكسب عند المتكلمين: ما وقع من الفاعل مقارناً لقدرة محدثة اختيار.
وقيل: هو ما خلقه الله تعالى في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته
стр. 295
في كسبه. وهذا هو المذهب الوسط، والقول العارى عن الخطر والشطط، إذ لا جبر ولا تفويض. إليه رجعوا كلام الأشعري، وإليه أشار باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه بقوله للسائل عن القدر: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض. ولله تعالى در من قال: [وافر]
تنكب عن طريق الجبر واحذر ... وقوعك في مهاوى الاعتزال
وسر وسطاً طريقاً مستقيماً ... كما سار الإمام أبو المعالى
وما أعلى ما رواه الثقات عن الإمام الشافعي ﵁ لما سئل أيضاً عن القدر فقال:
وما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشا لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجرى الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقى ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
هذا والبحث طويل عريض. وإن أجببت زيادة الاطلاع فعليك برسائل الشيخ إبراهيم الكوراني، وشرح الأصفهانية، ونزهة والدنا وتفسيره روح المعاني، وتفسير الإمام الرازى، وغير ذلك من كتب الكلام، والله سبحانه اعلام بما جرت به الأقلام.
[حكم مخالف الإجماع]
(قوله: وإن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق) .
أقول: الصحيح أن مخالف الإجماع لا يكفر. فقد قال أبو زرعة في شرح جمع الجوامع نقلاً عن الرافعي أنه قال: كيف نكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه. أهـ. وقال العلامة السيد محمد أمين الشامي في حاشيته في باب المرتد: والحق أن المسائل الإجماعية تارة
стр. 296
يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الخمس، وقد لا يصحبها فالأول - يكفر جاحده لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع. أهـ.
ثم نقل في نور العين عن رسالة الفاضل الشهير حسام جلبي من عظماء علماء السلطان سليم بن بايزيدخان ما نصه: إذا لم تكن الآية أو الخبر المتواتر قطعي الدلالة، أو لم يكن الخبر متواتراً، أو كان قطعياً لكن فيه شبهة، او لم يكن الإجماع إجماع الجميع، أو كان ولم يكن إجماع الصحابة، أو كان ولم يكن إجماع جميع الصحابة، أو كان إجماع جميع الصحابة ولم يكن قطعياً، بأن لم يثبت بطريق التواتر، أو كان قطعياً لكن كان إجماعاً سكونياً - ففى كل من هذه الصور لا يكون الجحود كفراً، يظهر ذلك لمن نظر في كتب الأصول. فاحفظ هذا الأصل فإنه ينفعك في استخراج فروعه حتى تعرف منه صحة ما قيل: إنه يلزم الكفر في موضع كذا، ولا يلزم في موضع آخر. أهـ.
وقال الشيخ محيى الدين (في الباب الثامن والثمانين من الفتوحات) والإجماع إجماع الصحابة ﵁ بعد رسول الله ﷺ . وما عدا عصرهم فليس بإجماع يحكم به. وصورة الإجماع: أن يعلم أن المسألة بلغت لكل واحد من الصحابة فقال فيها بذلك الحكم الذى قال به الآخر، إذ لم يبق منهم أحد إلا وقد وصل إليه ذلك الأمر، وقد قال فيه بذلك الحكم. فإن نقل عن واحد منهم خلاف في شئ وجب رد الحكم فيه إلى الكتاب والخبر النبوي، فإنه خير وأحسن تأويلاً.
ولا يجوز أن يدان الله تعالى بالرأى، وهو القول بغير حجة ولا برهان، لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع. وإن كنا لا نقول بالقياس فلا نخطئ مثبته إذا كانت العلة الجامعة معقولة جلية، يغلب على الظن أنها مقصودة للشارع، وغنما منعنا نحن الأخذ بالقياس لأنه زيادة في الحكم، وفهمنا من
стр. 297
الشارع أنه يريد التخفيف عن هذه الأمة، وكان يقول: ((أتركوني ما تركتكم)) أهـ.
وقد أجمل الشيخ ابن حجر عفا الله تعالى عنه هذا القول ولم يعزه أيضاً إلى محله. وقد أطنب الأصوليين في بحث مخالفة الإجماع وتقسيمه، فإن أردت التفصيل فعليك بكتبهم. وأما حجية الإجماع فقد قال بها الشيخ ابن تيمية، ففى فتاواه ما نصه:
(مسألة في إجماع العلماء - هل يجوز للمجتهد خلافه وما معناه؟
أجاب: معنى الإجماع أن يجمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم. فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثيراً من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعاً ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة. وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمة ولا إجماعاً باتفاق المسلمين.
بل قد ثبت عنهم رضي الله تعالى أنهم نهوا الناس عن تقليدهم وأمروا إذا رأوا قولاً في الكتاب والسنة أقوى من قولهم أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم.
ولهذا كان الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا ظهر لهم دلالة الكتاب والسنة على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك، مثل مسافة القصر فإن تحديدها بثلاثة أيام وستة عشر فرسخاً لما كان قولاً ضعيفاً كان طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم يرى قصر الصلاة في السفر الذى دون ذلك، كالسفر من مكة إلى عرفة، فإنه قد ثبت أن أهل مكة قصروا مع النبي ﷺ بمنى وعرفه.
стр. 298
وكذلك طائفة من أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد قالوا: إن جمع الطلاق الثلاث واحدة، لأن الكتاب والسنة عندهم إنما يدل على ذلك، وخالفوا أئمتهم. وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة رأوا غسل الدهن النجس، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة. وطائفة من أصحاب أبي حنيفة رأوا تحليف الناس بالطلاق، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة، بل ذكر ابن عبد البر أن الإجماع منعقد على خلافه. وطائفة من أصحاب مالك وغيرهم قالوا: من حلف بالطلاق فإنه يكفر يمينه، وكذلك من حلف بالعتاق.
وكذلك قال طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي أن من قال: الطلاق يلزمني لا يقع به طلاق، ومن حلف بذلك لا يقع به طلاق. وهذا منقول عن أبي حنيفة نفسه. أهـ. باقتصار.
قلت: ومن ذلك الأقوال الزفرية (١) التى نقلتها الأئمة الحنفية، فإن الفتوى فيها على قول زفر لقوة أدلته، ولم يلتفت فيها على قولهم. وأشباه ذلك كثير لمن تتبع أقوال علماء المذاهب الأربعة. أهـ. فتدبر وافهم.
[عقيدة ابن تيميه في كلام الله]
(قوله: وإن ربنا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً - محل الحوادث، تعالى الله عن ذلك وتقدس - إلى قوله - وغن القرآن محدث في ذات الله تعالى.
أقول: عني بذلك مسألة الكلام على ما ذهبت متكلم بكلام ازلي بحروف وأصوات. وهذا التشنيع أيضاً قد اتبع فيه السبكي كما تقدم لك في منظومته حيث قال: [بسيط]
يحاول الحشو أنى كان فهو له ... حثيث سير بشرق أو بمغربه
стр. 299
يرى حوادث لا مبدأ لأولها ... في الله سبحانه عما يظن به
وجواب اليافعي له بقوله: ... المنزلات كلاماً لا شبيه به
وقد تكلم رب العرش بالكتب ... إذا يشاء وهذا الحق فارفض به
ولم يزل فاعلاً أو قائلاً أزلاً
الأبيات السالفات: وانت تعلم أن عدم قيام الحوادث بذاته تعالى مما أتفق عليه أهل السنة (١) إلا الكرامية، فقد قال السعد في شرح المواقف: إنه تعالى يمتنع أن يقوم بذاته حادث.
ولا بد قبل الشروع في الحجاج من تحرير محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي والإثبات على شئ واحد فنقول:
الحادث هو الموجود بعد العدم، وأما مالا وجود له وتجدد، ويقال له متجدد، ولا يقال له حادث فثلاثة أقسام: الأول - الأحوال ولم يجوز تجددها في ذاته تعالى إلا أبو الحسن من المعتزلة فإنه قال: بتجدد العالمية فيه بتجدد المعلومات.
الثاني - الإضافات أى النسب، ويجوز تجددها اتفاقاً من العقلاء حتى يقال: كأنه تعالى موجود مع العلم بعد أن لم يكن معه.
الثالث - السلوب، فما نسب إلى ما يستحيل إنصاف البارئ تعالى به امتنع تجدده، كما في قولنا: إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض. فإن هذه سلوب يمتنع تجددها وإلا جاز، فإنه تعالى موجود مع كل حادث، وتزول عنه هذه المعية إذا عدم الحادث، فقد تجدد له صفة سلب بعد ان لم تكن.
وإذا عرفت هذا الذى ذكرناه فقد اختلف في كونه تعالى محل الحوادث، أى الأمور الموجودة بعد عدمها، فمنعه الجمهور من العقلاء من أرباب الملل وغيرهم. وقال المجوس: كل حادث هو من صفات الكمال قائم به، أى
стр. 300
يجوز أن تقوم به الصفات الكمالية الحادثة مطلقاً. وقال الكرامية:
يجوز أن يقوم به الحادث لا مطلقاً، بل كل حادث يحتاج البارئ إليه في إيجاده للخلق، ثم اختلفوا في ذلك الحادث فقيل: هو الإدارة، وقيل هو قوله: كن. واتفقوا على أن الحادث القائم بذاته يسعى حادثاً، ومالاً يقوم بذاته من الحوادث يسمى محدثاً لا حادثاً. ولهم في إثبات امتناع بذاته لجاز أزلاً واللازم سبحانه ثلاثة وجوه: الأول - لو جاز قيام الحادث بذاته لجاز أزلاً واللازم باطل.
الثاني - صفاته تعالى صفات كمال، فخلوه عنها نقص، والنقص عليه محال إجماعاً، فلا يكون شئ من صفاته حادثاً وإلا كان خالياً عنه قبل حدوثه.
الثالث: أنه تعالى لا يتأثر عن غيره، ولو قام به حادث لكانت ذاته متأثرة عن الغير متغيرة به، وأوردا عليها ما يطول ذكره، فإن أردته فارجع إليه.
ثم قال: واحتج الخصم بوجوه ثلاثة: منها الاتفاق على انه متكلم سميع بصير، ولا يتصور إلا بوجود المخاطب والمسموع والمبصر، وهي حادثة فوجب حدوث هذه الصفات القائمة بذاته تعالى.
وأجابوا عنه بان الحادثة تعلقه، وان ذلك التعليق إضافة من الإضافات فيجوز تجددها وتغيرها، إذ الكلام عند الأشاعرة معنى نفسي قديم قائم بذاته تعالى لا يتوقف على وجود المخاطب بل يتوقف عليه تعلقه، وكذا السمع والبصر.
وقالت الكرامية: العقلاء يوافقوننا في قيام الصفة الحادثة بذاته سبحانه وإن أنكرونا باللسان، فإن الجبائية قالوا بإدارة وكراهية حادثتين لا في محل، لكن المريدية والكارهية حادثتان في ذاته تعالى، وكذا السامعية والمبصرية تحدث بحدوث المسموع والمبصر. وابو الحسين يثبت علوماً
стр. 301
متجددة. والأشعرية يثبتون النسخ، وهو إما رفع الحكم القائم بذاته أو انتهائه، وهما عدم بعد الوجود فيكونان حادثين. أهـ. ملخصاً.
وإن أردت الأجوبة فعليك بالكتب المطولة. وأما ما ذكرنا من مسألة الكلام عند الحنابلة فهو مذهب المحدثين والسلف الصالحين، وهو أحد تسعة أقوال على ما حماه العلامة الملا على القارى في شرحه الفقه الأمبر: أحدها - أن كلام الله تعالى هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعال، وهو جبريل عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة.
وثانيهاً - أنه مخلوق خلقه الله تعالى منفصلاً عنه، وهو قول المعتزلة.
وثالثهاًُ - أنه معنى واحد قائم بذات الله تعالى هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، إن عبر بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإليه ذهب ابن كلاب ومن وافقه كالأشعرية.
ورابعها - أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وإليه ذهبت طائفة من المتكلمة وأهل الحديث.
وخامسها - انه حروف وأصوات، لكن تكلم الله تعالى بها بعد أن لم يكن متكلماً، وإليه ذهبت الكرامية وعيرهم.
وسادسها - أنه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهو قول صاحب المعتبر وإليه ذهب الرازي في المطالب العالية.
وسابعها - أن كلامه يتضمن معنى قائماً بذاته وهو ما خلقه في عيره، وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي.
وثامنها - أنه مشترك بين المعنى القائم بالذات وهو الكلام النفسي وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهو قول أبي المعالي ومن تبعه.
(قلت) والأظهر أن معنى الأول حقيقة، والثاني مجاز.
وتاسعها - أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يسمع، وغن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديماً، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة أهـ.
стр. 302
وانت تعلم أن هذه المسألة من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء المتقدمين والمتأخرين، وأضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهوال، وأثارت فتناً، وجلبت محناً، وكم سجنت إماماً، ونكبت أقواماً وقد أرشد الله تعالى إليها اهل السنة والجماعة، كما سياتيك بيانه إن شاء الله تعالى، وما تستلذ سماعه.
(فأقول) : إن المشهور من هذه المذاهب والمبسوطة أدلتها في اكثر الكتب أربعة: وهي مذهب الحنابلة القائلين بقدم الكلام اللفظي، وإنه غير مخلوق. ومذهب الأشاعرة المثبتين للكلام النفسي وقدمه، وعدم خلقه وعدم الكلام اللفظي. ومذهب الكرامية المثبتين للكلام اللفظي وحدوثه. ومذهب المعتزلة القائلين بخلق القرآن وحدوثه. ونفي الكلام النفسي. وستتضح لك إن شاء الله تعالى أقوالهم المجملة بادلتها المفصلة. فقد قال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد العضدية: ولا خلاف بين أهل الملة في كونها تعالى متكلماً، أى موصوفاً بهذه الصفة: لكن اختلفوا في تحقيق كلامه، هل هو نفسي أم لفظي، وحدوثه وقدمه. وذلك أنهم لما رأوا قياسين متعارضين النتيجة وهما كلام الله تعالى مؤلف من حروف وأصوات مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل كا هو كذلك فهو حادث، فكلام الله تعالى حادث - أضطروا إلى القدح في أحد القياسين ضرورة أمتناع حقيقة النقيضين، فمنع كل طائفة بعض المقدمات. فالحنابلة ذهبوا إلى أن كلام الله تعالى حروف وأصوات وهي قديمة، ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف واصوات مترتبة فهو حادث، بل قال بعضهم بقدم الجلد والغلاف.
(وأقول) : وهذا غير مقبول عند محققى الحنابلة، بل هو منكر منسوب
стр. 303
إلي بعضهم، وقد كثر قادحوه منهم كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى ذلك. ثم قال: وقيل: إنهم إطلاق لفظ الحادث على الكلام النفسي، كما قال بعض الأشاعرة: إن كلامه تعالى ليس قائماً بلسان أو قلب، ولا حالاً في مصحف أو لوح، ومنع إطلاق القول بحدوث كلامه، وإن كان المراد هو اللفظي رعاية للأدب واحتراز الوهم إلى حدوث الكلام الأزلي.
والمعتزلة قالوا بحدوث كلامه، وإنه مؤلف من أصوات وحروف وهو قائم بغيره. ومعنى كونه متكلماً عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في الجسم كاللوح المحفوظ أو كجبريل أو النبي ﷺ ، أو غيرها كشجرة موسى ﵇، فهم منعوا ان المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى قديمة.
والكرامية لما رأوا أن مخالفة الضرورة التى ألتزمها الحنابلة أشنع من مخالفة الدليل، أن ما التزمه المعتزلة من كون كلامه تعالى صفة لغيره، وان معنى كونه متكلماً كونه خالقاً للكلام في الغير مخالف للعرف واللغة - ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من احروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى، فمنعوا أن كل ما هو صفة له فهو قديم.
والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه. وذهب المصنف إلى أن مذهب الشيخ - يعني الأشعري - أن الألفاظ أيضاً قديمة، وأفرد في ذلك مقالة ذكر فيها ان لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ، وأخرى على القائم بالغير.
стр. 304
فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وهو القديم عنده، واما العبارات فإنما سميت كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حداثة على مذهبه ولكنها ليست كلاماً له تعالى حقيقة.
وهذا الذى فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتى المصاحف، مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك مما يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على انه أراد به المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمراً شاملاً للفظ والمعنى جميعاً قائماً بذاته تعالى. أهـ.
فقوله ((المعنى الثاني)) أى فوجب أن يحمل قوله: الكلام هو المعنى النفسي على أنه اراد بالمعنى المعنى الثاني وهو القائم بالغير، لا ما فهمه الأصحاب من أن مراده به مدلول اللفظ فيكون المعنى النفسي عند الشيخ أمراً شاملاً للفظ القائم بذات الله تعالى ولمدلوله القائم به.
وقال الوالد عليه الرحمة في الفوائد التى حررها أول تفسيره: إن الذى انتهى إليه كلام أئمة الدين، كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت، كما تدل عليه النصوص التى بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب في مقابلته قال وقيل. أهـ.
ولنذكر هذه الفائدة بتمامها، فإنها توقفك من مسالة الكلام على غوامضها (فأقول) : قال عليه الرحمة ما نصه: إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذى هو مصدر، وكلام بمعنى التكلم به الذى هو الحاصل بالمصدر،
стр. 305
ولفظ الكلام لغة للثاني، قليلاً كان أو كثيراً، حقيقة كان أو حكماً وقد يستعمل استعمال المصدر كما ذكر الرضى. وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي.
فالأول من اللفظي، فعل الإنسان باللسان وما يساعده من المخارج.
الثاني منه - كيفية في الصوت المحسوس. والأول من النفسي فعل قلب الإنسان ونفسه الذى لم يبرز إلى الجوارح. والثاني منه - كيفية في النفس إذ لا صوت محسوساً عادة فيها، وإنما هو صوت معنوي مخيل.
أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق. اما النفسي فمعناه الأول تكلم الإنسان بكلمات ذهنية، وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية. ومعناه الثاني - هو هذه الكلمات الذهنية، والألفاظ المخيلة المترتبة ترتيباً ذهنياً منطبقاً عليه الترتيب الخارجي والدليل على ان النفس كلاماً بالمعنيين الكتاب والسنة، فمن الآيات قوله تعالى: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكاناً﴾ [يوسف ٧٧] فإن ((قال)) بدل من ((أسر)) أو استئناف بياني، كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك الإسرار؟ فقيل: قال أنتم شر مكاناً. وعلى التقديرين فالآية دالة على ان للنفس كلاماً بالمعنى المصدري، قولاً بالمعنى الحاصل بالمصدر وذلك من ((أسر)) والجملة بعدها. وقوله تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف ٨٠] وفسر النبي ﷺ السر بما اسره ابن آدم في نفسه. وقوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ [الأعراف ٢٥] وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الآمر شئ ما قتلنا ههنا﴾ أي يقولون في انفسهم كما هو الأسرع أنسياقاً إلى الذهن. والآيات في ذلك كثيرة.
ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله ﷺ وقد سأله رجل فقال: إنى لأحدث نفسي بالشئ
стр. 306
لو تكلمت به لأحبطت أجرى، فقال: ((لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن)) فسمى رسول الله ﷺ ذلك الشئ المحدث به كلاماً مع أنه كلمات ذهنية، والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا صارف عنها.
وقوله تعالى في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ... ... .)) الحديث. وفيه دليل على أن للعبد كلاماً نفسياً بالمعنيين، وللرب أيضاً كلاماً نفسياً كذلك ولكن أين التراب، من رب الأرباب.
فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التى هي بمنزلة الخرس بالتكلم الإنساني اللفظي، ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلاً، وهي واحدة بالذات تتعدد تعليقاتها بحسب تعدد المتكلم به.
وحاصل الحديث: من تعلق تكلمه بذكر اسمى، تعلق تكلمي بذكر أسمه، والتعليق من الأمور النسبية التى لا يضر تجددها، وحدوث التعليق إنما يلزم في التعليق النتجيزي ولا ننكره، وأما التعليق المعنوي التقديري وتعلقه فأزليان، ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن اشياء ((رحمة غير نسيان)) كما في الحديث، إذا معناه أن تكلمه الزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقيق أتصافه أزلاً بالتكلم النفسي، وعدم هذا التعليق الخاص لا يستدعى انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى. والمعنى الثاني - له تعالى كلمات غيبية، وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقاً، نسبية كانت أو خيالية أو روحانية، وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان إذ لا زمان، والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية، ويقربه من بعض الوجوه وقع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مترتبة في الوضع الكتابي دفعه، فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها، فجميع معلومات الله الذى هو نور السماوات والأرض مكشوفة له ازلاً.
стр. 307
كما هي مكشوفة له فيما لا يزال. ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة وضعياً أزلياً يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال، والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى، فهو كلمات غيبية مجردة من المواد، مترتبة في علمه أزلاً غير متعاقبة تحقيقاً بل تقديره عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية.
ومعنى تنزيلها: إظهار صورها في المواد الروحانية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة. ومن هنا قال السنيون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مسموع بالآذان، غير حال في شئ منها، وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة. فقولهم: ((غير حال)) إشارة إلى مرتبة النفسية الأزلية، فإنه من الشئون الزاتية ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبداً، ولكن الله أظهر صورها من الخيال والحس فصارت كلمات مخيلة، وملفوظة مسموعة، ومكتوبة مرئية، فظهر في تلك المظاهر من غير حلول إذ هو فرع الانفصال وليس فليس (١) فالقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وإن تنزل في هذه المراتب الحادثه ولم يخرج عن كونه منسوباً إليه.
أما في مرتبة الخيال فلقوله ﷺ : ((أغنى الناس حملة القرآن من جعله الله في جوفه)) واما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف ٢١] واما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ [البروج ٢٢] وقول الإمام أحمد: لم يزل الله متكلماً كيف يشاء، وإذا شاء بلا كيف، إشارة إلى مرتبتين:
الأولى - إلى كلامه في مرتبة التجلى والتنزيل إلى مظهر له، كقوله - صلى الله
стр. 308
عليه وسلم -: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة اجنحتها خضعاناً لقوله كانه سلسلة على صفوان)) الحديث.
والثاني - إلى مرتبة الكلام النفسي، إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات، والكلام في مرتبة الذات مجرد عن المادة فارتفع الكيف بارتفاعها.
فالحاصل - لم يزل الله متكلماً موصوفاً بالكلام من حيث تجلي، ومن حيث لا، فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه فيكون متكلماً بلا كيف كما كان ولم يزل.
والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلاً: بأن الله تعالى كلاماً بمعنى التكلم، وكلاماً بمعنى التكلم به، وإنه بالمعنى الثاني لم يزل منصفاً بكونه أمراً ونهياً وخبراً، فإنها أقسام المتكلم به، وغن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حرفه غير عارضة للصوت في الحق والخلق، غير أنها في الحق كلمات، غيبية مجردة عن المواد أصلاً، غذ كان الله تعالى ولم يكن شئ غيره. وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية، فهي في مادة خيالية، فكلمات الكلام النفسي في جنابة كلمات حقيقية لكنها ألفاظ حكمية، ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمات حقيقة، إذ أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته المخيلة في خبر يوم السقيفة.
والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالأجزاء كلمات حقيقة لغوية، مع أنها ليست ألفاظاً كذلك، إذ ليست حروفها عارضة لصوت. واللفظ الحقيقى ما كانت حروفه عارضة، وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه، وهو دال في النفس على معناه بلا شبهة ولا أنفكاك، فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلول اللفظ الحقيقي ومعناه، فتفسير المعنى النفسي المشهور عن الأشعري بمدلول اللفظ وحده كما نقله صاحب المواقف عن الجمهور لا ينافي
стр. 309
تفسيره بمجموع اللفظ والمعنى كما فسره هو ايضاً. وذلك في قوله على النفسي، وفي قول الجمهور على الحقيقى. ولا شك حينئذ أن مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده، لأن اللفظ الحقيقى لكونه صورة النفسي في مرتبة تنزله دال عليه، ويدل على أن المراد المجموع قول إمام الحرمين في الإرشاد: ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس وهو القول، اى المقول الذى يدور في الخلد، وهو اللفظ النفسي الدال على معناه بلا انفكاك.
نعم، عبارة صاحب المواقف غير واضحة في المقصود، وله مقاله مفردة في ذلك، ومحصولها كما قال السيد قدس سره: أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ. وأخرى على الأمر القائم بالغير. فالشيخ لما قال: الكلام النفسي هو المعنى النفسي، فهم الأصحاب منه أن مرداده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده. وأما العبارات فإنها تسمى كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضاً، لكنها ليست كلامه حقيقة.
وهذا الذى فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتى المصحف مع انه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله حقيقة، وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي، وكعدم كون المقروء والمحفوظ حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية.
فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمراً شاملاً للفظ والمعنى جميعاً قائماً بذات الله تعالى، وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير
стр. 310
الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة. وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فجوابه. ان ذلك الترتيب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعاً بين الأدلة. وهذا الرأى ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخروا اصحابنا إلا أنه بعد التأمل يعرف حقيقته. أهـ.
واعترضه الدواني بوجوه قال:
أما أولاً - فلأن مذهب الشيخ إن كلامه تعالى واحد وليس بامر ولا نهي ولا خبر، وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق. وهذه الأوصاف ما تنطبق على الكلام اللفظي، وإنما يصح تطبيقه على المعني المقابل للفظ بضرب من التكلف.
واما ثانياً - فلآن كون الحروف والألفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضى إلى كون الأصوات مع كونها أعراضاً سيالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيالة، وهو سفسطة من قبيل أن يقال: الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب وتعاقب بين أجزائها.
وأما ثالثاً - فلأنه يؤدي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الألفاظ، وبين ما يقوم بذاته تعالى اجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها بسبب قصور الآلة. فنقول: هذا الفرق إ أوجب اختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الألفاظ، وغن لم يوجب وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى بسبب حقيقة واحدة، والتفاوت بينهما وإنما يكون باجتماعه وعدمه اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة كان بعض صفاته الحقيقة مجانساً لصفات المخلوقات.
وأما رابعاً - فلأن لزوم ما ذكره من المفاسد وهم، فإن تكفير من أنكر
стр. 311
كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى إنما هو إذا اعتقد أنه ليس كلام الله بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفة قائمة بذاته بل هو دال على الصفة القائمة بذاته، ولا يجوز تكفيره اصلاً، وهو مذهب أكثر الأشاعرة ما خلا المصنف وموافقيه.
وما علم من الدين من كون ما بين الدفتين كلام الله حقيقة، وإنما هو بمعنى كونه دالاً على ما هو كلام الله تعالى حقيقة لا على أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وكيق يدعى أنه من ضروريات الدين مع أنه خلاف ما نقله عن الأصحاب؟ وكيف بزعم أن هذا الجم الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو من ضروريات الدين حتى يلزم تكفيرهم! حاشاهم عن ذلك! .
واما خامساً - فلأن الأدلة على النسخ لا يمكن حملها على التلفظ بل ترجع إلى الملفوظ، كيف وبعضها مما لا يتعلق بالتلفظ به كما نسخ حكمه وبقى تلاوته! . أهـ.
والجواب أما عن الأول - فهو أن الحق عز أسمه له كلام بمعنى التكلم، وكلام بمعنى المتكلم له، وما هو أمر واحد المعنى الأول، وهو صفة واحدة تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به من الكتب والكلمات وانها ليست من جنس الحروف والألفاظ لا الحقيقة ولا الحكمية، وما ذكر في الأعتراض ينطبق عليه بلا كلفة.
والدليل على أن المنعوت بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول نقل الإمام أن الكلام الأزلي لم يزل متصفاً بكونه أمراً نهياً خبراً. ولا شك أن هذه أقسام المتكلم به، وكل ما كان قائلاً بانقسام الثاني كان المنعوت بالوحدة ذاتاً، والتعدد تعلقاً، المعنى الأول عنده جمعاً بين الكلامين.
واما عن الثاني - فهو أن ذلك إنما يلزم إذا أريد من اللفظ الحقيقي وأما إذا أريد النفسي الحكمي فلا ورود، لأن الألفاظ النفسية كلها مجتمعة
стр. 312
الأجزاء في الوجود العلمي مع كونها مرتبة كما ذكره هو نفسه.
وكلام صاحب المواقف محتمل للتأويل كما تقدم، فليحمل عليه سعياً بالإصلاح مهما أمكن.
وأما الثالث - فهو أن الإيراد مبني على ظن أن المراد باللفظ الحقيقي مع أنه محتمل لأن يراد النفسي كما يقتضيه ظاهر تشبيه بالقائم بنفس الحافظ.
واما الرابع - فهو أن الكلام النفسي عند اهل الحق هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى، ولكن ظاهر كلام صاحب المواقف يدل على أنه فهم من ظاهر كلام بعض الأصحاب أن مرادهم بالمعنى هو المقابل للفظ مجرداً عن اللفظ مطلقاً، ودق سمعهم يقولون: إن الكلام اللفظي ليس كلامه تعالى حقيقة بل مجازاً، فإذا أنضم قولهم بنفي كونه حقيقة شرعية إلى أقوالهم في ظنه أن النفسي هو المعنى المقابل للفظ، لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات البشر، ولا يخفى استلزامه للمفاسد، ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعي، فإن إطلاق كلام الله تعالى المسموع متواتراً فلا يتأتى نفيه لأحد. بل المراد أن الكلام إنما يتبادر منه ما هو وصف للمتكلم وقائم به يقتضيه حقيقة الكلام، وذات المتكلم في الحق والخلق على الوجه اللائق بكل. وأما ما يتلى فهو حروف عارضة للصوت الحادث، ولا شك أنه ليس قائماً بذاته تعالى من حيث هو هو، بل هو صورة من صور كلامه القديم القائم به تعالى، ومظهر من مظاهر تنزلاته، فهو دال على الحقيقى القائم فسمى كلاماً حقيقة شرعية لذلك. وفيه إطلاق لاسم الحقيقة على الصورة فيكون مجازاً من هذا الوجه، وإلى هذا يشير كلام التفتارانى فلا يلزم شئ من المفاسد، واعتراض صاحب المواقف مبني على ظنه.
واما الخامس - فهو أن كلام صاحب المواقف ليس نصاً في أن الضمير راجع إلى التلفظ، بل يحتمل أن يكون راجعاً إلىلا الملفوظ، وذلك أنه قال:
стр. 313
المعنى الذى في النفس لا ترتب فيه، كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتب فيه، وقد مر أن المراد به مجموع اللفظ والمعنى، كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ، ولا شك أنه لا ترتب فيه، أى لا تعاقب فيه في الوجود العلمي، وحينئذ فقوله نعم الترتب إنما يحصل في التلفظ، معناه أن الترتب في المعنى النفسي الذى هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي لضرورة عدم مساعدة الآلة. فقوله: وهو الذى هو حادث، أى الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذى هو الصورة حادث، لا اللفظ النفسي، وتحمل الأدلة التى تدل على الحدوث وعلى حدوثه، أى الملفوظ بالتلفظ الخارجي وعلى هذا لا ورود للاعتراض أصلاً. ومنهم من أعترض ايضاً بانهم اشترطوا في المعجزة أن تكون فعل الله تعالى، أو ما يقوم مقامه، كالنزول، فلا يكون القرآن اللفظي الذى هو معجزة قديماً صفة له تعالى. ولا يخفى أن المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقية العربية. فكونه لفظاً حقيقياً عربياً مجعول بالنص فيكون معجزة بلا شبهة، والقديم على ما حقق هو القرآن اللفظي النفسي الذى هو مجموع اللفظ النفسي والمعني. وهذا واضح لمن ساعدته العناية.
وقد شنع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم واتحدت أغراضهم، واختلفت أساليبهم. وها أنا بحوله تعالى راد لاعتراضاتهم بعد نقلها، غير هياب ولا وكل، وإن اتسع علم أهلها. فالبعوضة قد تدمى مقلة الأسد، وفضل الله تعالى ليس مقصوراً على أحد.
(فأقول) : قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجى ما حاصله: إن هذا الذى تدعيه الأشاعرة من أن للكلام معنى آخر يسمى النفسي باطل، فإنا إذا قلنا: زيد قائماً، فهناك أربعة اشياء: الأول - العبارة الصادر عنه.
والثاني - مدلول هذه العبارة، وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها.
الثالث - علمه - علمه تلك النسبة وانتفائها.
الرابع - ثبوت تلك
стр. 314
النسبة وانتفاؤها في الواقع، والأخيران ليسا كلاماً اتفاقاً، والأول يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم، فبقى الثاني، وكذا تقول في الأمر والنهي ههنا ثلاثة أمور: الأول - الإرادة والكراهة الحقيقية.
الثاني - اللفظ الصادر عنه.
الثالث - مفهوم لفظه ومعناه. والأول ليس كلاماً اتفاقاً. والثاني كذلك على مذهبهم، فبقى الثالث وبه صرح أكثر محققيهم. وكونه كلاماً نفسياً ثابتاً لله - تعالى شأنه - محكوماً عليه بأحكام مختلفة باطل من وجوه: الأول - أنه مخالف للعرف واللغة، فإن الكلام فيها ليس إلا المراكب من الحروف.
الثاني - أنه لا يوافق الشرع، إذ قد ورد فيما لا يحصى كتاباً وسنة أن الله تعالى ينادى عباده، ولا ريب أن النداء لا يكون إلا بصوت، بل قد صرح به في الأخبار الصحيحة، وباب المجاز وغن لم يغلق بعد إلا أن حمل ما يزيد على نحو مائة ألف من الصرائح على خلاف معناها مما لا يقبله العقل السليم.
الثالث - أن ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحداً يخالف العقل، فإنه لا شك أن مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي، ومدلول الإنشاء، بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر أخر، وكذا في الخبر. ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية، فيلزم أن يكون كل واحد مشتملاً على ما أشتمل عليه الآخر، وليس كذلك، وكيف يكون معنى واحداً خبراً وإنشاء محتملاً للتصديق والتكذيب، وغير محتمل، وهو جمع بين النفي والإثبات. أهـ.
ولا يخفى أن مبنى جميع أعتراضاته على فهمه أن مرادهم بالمعنى النفسي هو مدلول اللفظ وحده، أى المعنى المجرد عن مقارنة اللفظي مطلقاً ولو حكمياً.
стр. 315
وقد عرفت أنه ليس كذلك، بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهو الذى يدور في الخلد، وتدل عليه العبارات، كما صرح به إمام الحرمين، وعليه إذا قال القائل: زيد قائم، فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض وشئ خامس تركه وهو المراد، وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ مخيلة ذهنية على معانيها في النفس، وهذا يعنونه بالكلام النفسي فلا محذور.
(ونقول) على سبيل التفصيل: أما الأول - فجوابه إنه إنما تتم المخالفة إذا لم يكن عندهم مجموع اللفظ والمعنى، فحيث كان لا مخالفة لأن الكلام حينئذ مركب من الحروف إلا أنها نفسية غيبية في الحق، خيالية في الخلق.
وأما الثاني فجوابه أن هذا الذى لا يحصى ليس فيه سوى أن الحق متكلم بكلام حروفه عارضة للصوت، إلا أنه لا يتكلم إلا به، فلا ينتهض ما ذكر حجة على الشيخ، بل إذا أمعنت النظر رأيت حجة له، حيث بين أن الله تعالى لا يتكلم بالوحي لفظاً حقيقياص إلا على طبق ما في علمه، وكل ما كان كذلك كان الكلام اللفظي صورة من صور الكلام النفسي، ودليلاً من أدلة ثبوتها. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
وأما الثالث - فجوابه أن المنعوت بانه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم ووحدته مما لاشك لعاقل فيها. وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به فليس عنده واحداً، بل نص في الإبانة على أنقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل، فلا اعتراض.
وقال النجم سليمان الطوفي: إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازاً في مدلولها لوجهين: أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هوالعبارة والمبادرة دليل الحقيقة.
الثاني - أن الكلام مشتق من الكلم، لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر إنما هو العبارات لا المعاني النفسية
стр. 316
بالفعل نعم، وهي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أول بان تكون حقيقية، وأخرى مجازاً. وقال المخالفون: أستعمل لغة في النفسي والعبارة.
قلنا: نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، والمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع، قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة. قلنا: والأصل عدم الإشتراك. ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات، والكثرة دليل الحقيقة. وأما قوله تعالى: ﴿يقولون في أنفسهم﴾ [المجادلة ٨] فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة ((في أنفسهم)) ولو أطلق لما فهم إلا بالعبارة. وأما قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم﴾ [الملك ١٣] الآية - فلا حجة فيه، لأن الإسرار خلاف الجهر، وكلاهما عبارة عن ان يكون أرفع صوتاً من الآخر، وأما بيت الأخطل وهو:
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ... إلخ
فالمشهور: إن البيان. وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز عن مادته وهو في التصورات المصححة له، إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلاماً. ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان. أنتهى. وفيه ما لا يخفى.
واما أولاً - فلأن ما أدعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه، لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفاً في النفسي، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وقوله: ((والأصل عدم الإشتراك)) قلنا: نعم، وإن أردت به الإشتراك اللفظي ونحن لا ندعيه وإنما ندعى الاشتراك المعنوي، وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين: ما يتكلم به قليلاً كان أو كثيراً، حقيقة أو حكماً.
وأما الثانية - فلأن ما أدعاه من ان المؤثر في نفس المسامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية، الأمر فيه بالعكس بدليل أن الإنسان إذا سمع
стр. 317
كلاماً لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئاً. وقد يتذكر الإنسان في حالة سروره كلاماً يحزنه، وفي حالة حزنه كلاماً يسره فيتأثر بهما، ولا صوت ولا حرف هناك، وإنما هي حروف وكلمات مخيلية نفسية، وهو الذى عناه الشيخ بالكلام النفسي. وعلى هذا فالسمع في قولهم لتأثيره في نفس السامع ليس بقيد واللتأثير في النفس مطلقاً معتبر في وجه التسمية.
وأما ثالثاً - فلأن ما قاله في قوله تعالى ﴿يقولون في أنفسهم﴾ من أنه مجاز على المعنى النفسي فيه بقرينه ((في أنفسهم)) ولو أطلق لما فهم إلا العبارة يرده قوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم - وفي ىية - بالسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ إذا لو كان مجرد ذكر ((في انفسهم)) قرينة على كون القول مجازاً في النفسي لكان ذكر ((بأفواههم)) و ((ألسنتهم)) قرينة على كونه مجازاً في العبارة واللازم باطل فكذا الملزوم.
نعم، والتقييد على دليل على ان القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي وعين بن المراد من فردية فهو لنا لا علينا.
واما رابعاً - فلأن ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿وأسروا﴾ الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره من مكان خال ويساعده الكتاب والآثر واللغة، كما لا يخفى على المتتبع.
وأما خامساً: فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه:
أما أولاً فعلى تقدير أن يكون المشهور ((البيان)) بدل ((الكلام)) يكفينا في البيان لأنه اسم مصدر بمعنى ما يبين به، أو مصدر بمعنى التبيين. وعلى الأول هو بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ. وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به، عن كان المراد التبيين القلبي، اعنى ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها.
стр. 318
واما ثانياً - فلأن قوله ((وبتقدير)) ان يكون)) إلخ إقرار بالكلام النفسي من غير شعور.
واما ثالثاً - فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الأطلاق الحقيقة.
واما رابعاً - فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع بل هو تحقيق من غير المبالغة كما يفهم مما سلف، فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر أو كانت منه رمية من غير رام، فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد ((العينان دليلان، والأذنان قمعان والسان ترجمان - إلى أن قال - والقلب ملك فإذا صلح)) الحديث. وفي حديث أبي هريرة ((القلب ملك وله جنود - إلى ان قال - واللسان ترجمان)) الحديث. فما قيل: إن هذا الشاعر نصراني عدو الله ورسوله؟ أفيجيب أطراح كلام الله ورسوله تصحيحاً لكلامه، أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه. وايضاً يحتاجون إلى أثبات هذا الشعر والشهرة غير كافية، فقد فتش ابن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت. أنتهى - كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت، وأنه لأوهن البيوت.
أما أولاً - فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي حيث اعترفوا به في عين إنكارهم.
وأما ثانياً - فلأنا أغناها الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر.
واما ثالثاً - فلأن عدم وجدان ابن الخشاب لا يدل على انتفائه بالكلية كما لا يخفى. والحاصل. ان الناس أكثروا القال والقيل، في حق هذا الشيخ الجليل، وكل ذلك من باب [وافر] .
стр. 319
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفم السقيم
نعم، البحث دقيق، ولا يرشد إليه إلا توفيق، كم أسهر اناساً، وأطثر وسواساً، أثار فتنة، وأورث محنة، وسجن أقواماً واضر إماماً: [وافر]
مرام شط العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد
ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب، وخلاصة ما ذكره والأصحاب، وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام، وخفى على أفهام ذوى الأفهام، ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غني زاده في التخلص عن هاتيك الشبه ما نصه: ثك اعلم أنى ما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف، إلى أنه لا ينبغي لذى الفطرة السليمة أن يدعى قدم اللفظ لاحتياجه إلى هذه التطليفات، وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به، وكيف ومعنى قصة نوح مثلاً ليس بشئ يمكن أتصاف الذات به إلا بتحمل بعيد. فالحق الذى لا محيد عنه هو ان المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم، لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسمياً يستدعيه حدوث الحوادث فيما لا يزال أقتضى الذات أقتضاؤ أزلياص إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث فيما لا يزال. فهذا الاقتضاء صفة قديمة للذات هو بها في الأزل مسماه يكون فيما لا يزال، والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة، وهذا هو غاية الغاية الغاايات في هذا الباب. والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب. أهـ.
وفيه أن غاية الغايات في الجسارة على باب الأرباب، وإحداث صفة قديمة ما انزل الله بها من كتاب إذ لم يردفي كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ ولا روى عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الإقتضاء
стр. 320
كلاماً، بل لا يقتضيه عقل ولا نقل، على انه لا يحتاج إليه، عند من أخذت العناية بيديه. هذا، وإذا سمعت ما تلوناه، ووعيت ما حققناه فاسمع الآن تحقيق الحق، في كيفية سماع موسى ﵇ كلام الحق.
فأقول: الذي أنتهى إليه كلام ائمة الدين، كالماتريدي والأشعري وغيرها من المحققين: أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كم تدل عليه النصوص التى بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ,لا يناسب في مقابلته قال وقيل، بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحدايث لا تحصى، واخبار لا تستقصى. وروى البخاري في الصحيح: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)) . ومن علم أن الله الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء، وانه منزه في تجليه، قريب في تعاليه، لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق، إنه لخ الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق، زالت عنه إشكالات، واتضحت لديه متشابهات، ومما يدل على ثبوت التجلى في المظهر لله تعالى قول ابن عباس، ترجمان القرآن في قوله تعالى: ﴿أن بورك من النار﴾ [النمل ٨] كما الدر المنثور. يعني ﵎ نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة. وفي رواية عنه ((كان الله في النور ونودي من النور)) وفي صحيح مسلم: ((حجابه النور)) وفي رواية له ((حجابه النار)) ودفع الله تعالى توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله: ﴿وسبحان الله﴾ أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن نادى، لأنه لكونه موصوفاً بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره المتجلي ﴿أنا الله العزيز﴾ فلا أتقيد لعزتى ولكني ﴿الحكيم﴾ فاقتضت حكمتى الظهور والتجلي في صورة مطلوبك. فالمسموع على هذا حرف وصوت سمعهما موسى من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار لما اقتضاه الحكمة،